أوائل المعاون لمن يريد أن يدرك معانيه، كتحصيل اللبن في كونه من أول المعاون في بناء ما يريد أن يبنيه. وليس ذلك نافعا في علوم القرآن فقط بل هو نافع في كل علم من علوم الشرع، فألفاظ القرءان هي لب كلام العرب وزبدته، وواسطته وكرائمه، وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم وحكمهم، وإليها مفزع حذاق الشعراء والبلغاء في نظمهم ونثرهم. وما عداها وعدا الألفاظ المتفرعات عنها والمشتقات منها هو بالإضافة إليها كالقشور والنوى بالإضافة إلى أطايب الثمرة وكالحتالة والتبن بالإضافة إلى لبوب الحنطة" [1] ."
"إن الاستخدام الإلهي للمفردة اللغوية يرتقي بدلالاتها إلى مستوى المصطلح المحكم الدقيق، خلافا للكسب البلاغي البشري عامة. إن الفرق بين كلام الله وكلام البشر أكبر من الفرق بين الإنسان والتماثيل الطينية. فكما أن إرادة الله ومشيئته حين توجهتا إلى الطين صيرتاه إنسانا ناطقا مريدا فاعلا، فكذلك حين توجهتا إلى الطين صيرتاه قرآنا مرتلا منيرا هاديا."
إن استخدام القرءان للمفردة اللغوية يعطيها الطابع المرجعي الذي يحكم دلالاتها حيثما وجدت في القرءان، فإذا تم التعرف على دلالة مفردة لغوية قرآنية بالآليات المنهجية المناسبة ... فإنه يتم الانفصال بالدلالة الحاكمة التي تفهم اللفظة بحسبها في القرءان كله" [2] ."
فألفاظ القرءان الكريم هي المفتاح لفقهه وفهمه، وبفهمها وفقهها يفهم ويضبط الدين، فالوحي نسق وبناء مفهومي مركب من مجموعة من المفاهيم التي تتولد عن ألفاظه. ولا سبيل إلى فقه النسق أو المفاهيم المكونة للقرءان، بغير دراسة ألفاظ القرءان الكريم، فهي"مفتاح الوصول إلى ما نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم قرءانا وسنة، وهي المدخل المصطلحي المقطوع بأنه من"
(1) - المفردات في غريب القرءان، أبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني، تحقيق وضبط محمد خليل عيتاني. دار المعرفة بيروت-لبنان، الطبعة الثالثة 1422 هـ/2001 م. ص 10.
(2) - أحمد عبادي، مرجع سابق، ص 82.