إن دوائر الخطاب القرآني تتباين وتتعدد ما بين التخصيص والتعميم على النحو الذي لا يدع"فئة"أو نوعية من الناس كافة خارج دائرة مسمعه.
القرءان الكريم ليس قراطيس من النصوص، يستقل بحفظها فريق من الناس ويجهلها الأكثرون، بل هو خطاب مفتوح مستوعب حي، حيوية من شأنها أن تجعل السامع المنصت يقف موقف الحيرة والانبهار تتملكه مشاعر الخشوع والامتثال وهو يتساءل"أليس هذا التنزيل قد سمعته الآن جديدا وليد يومه".
فالقرءان الكريم ليس تجميعا لنصوص محفوظة، وإنما هو"جمع آيات التحمت عبر لحظات متدافعة في مواقع متجددة وبأغراض توجيهية معلومة سواء كان هذا التوجيه بالإعمال أو الإبطال، بالدعم والتثبيت أو بالتقويم والتصويب. وإذا ما انقضت المناسبات والملابسات بقيت هذه الآيات لا بمثابة الذكرى التي تسجل واقعة انقضت، وليست كمحفظة تاريخية أو بيان توثيقي، وإنما بقيت هذه الآيات تحتفظ بكامل فعاليتها التوجيهية النافذة عبر الزمان والمكان بالنسبة لكل موقف إنساني اجتماعيا أو تاريخيا، يحتوي على عناصر الموقف الأساسي الذي كان سببا في النزول. ولأن المواقف التي تتخلل حياة الأفراد والجماعات والأمم لا تخلو من عناصر تلازمها ملازمة الفطرة للإنسان، فلا عجب أن ظل البيان القرآني ينبض حيوية وتفعيلا بوصفه تنزيلا من لدن عليم خبير، خالق الإنسان معلمه البيان، مدبر ومهيء الأسباب" [1] .
فنحن حين نرجع إلى القرءان الكريم، لا يجب أن نرجع إليه بصفة المراجعة للنصوص ولكن من قبل التدبر في آياته البينات، وعلى خلاف النص الذي يتجمد في قالبه فإن الآيات حية
(1) - د. منى عبد المنعم أبو الفضل، نحو منهاجية للتعامل مع مصادر التنظير الإسلامي بين المقدمات والمقومات. مطبوعات المعهد العالمي للفكر الإسلامي، القاهرة، ط.1، 1417 هـ/1996 م. ص 21 - 22.