يحرصوا على العلم بالشريعة المطهّرة، كما وقع من تسليط الخوارج في أوّل الإسلام، ثمّ تسليط القرامطة والباطنية، ثمّ التّرك حتّى كادوا يطمسون الإسلام، وكما يقع كثيرا من تسليط الفرنج ونحوهم (أقول وفي زماننا أنّه ببركة القوانين الوضعية صارت بلداننا محتلّة من طرف الصليبيين والصهاينة) ، فاعتبروا يا أولي الأبصار، إنّ في هذا لعبرة لمن كان له قلب أن ألقى السّمع وهو شهيد. اهـ
و لا شكّ أنّ هذا النوع من الجهاد الّذي غفل عنه الكثير بل وأنكره الكثير هو في قتال من ارتد عن دين الإسلام، وقتال هذه الطائفة هو في الغالب قتال من ينتمي إلى قطرك أو قوميتك، إذ بسبب القطرية أو القومية عطّل الكثير هذا الجهاد، فجعلوا العلاقة القطرية أو القومية فوق كلّ اعتبار، ووفق هذه الثقافة الساذجة بنوا قواعدهم في المصالح والمفاسد، فالمصلحة عندهم هو المحافظة على القطرية والقومية، والمفسدة هو نشوء فتنة على هذه العلاقة القطرية أو القومية فأضافوا بفقههم الجديد عنصرا آخر من الضروريات الّتي جاءت الشريعة بحمايتها في زعمهم وهو هذا العنصر الجاهلي عنصر القطرية أو القومية، وليتأمّل أصحاب هذا الفكر الساذج إلى ما قاله الله تعالى:"لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"الآية الأخيرة من سورة المجادلة
أي لا يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا من الأقربين، وهل ثمّة أعظم محادّة من تعطيل شريعة ربّ العالمين، وتحكيم بدلها قوانين فرضها علينا من اتّخذ ديننا هزوا ولعبا من الصّهاينة والصليبيين؟؟.
فالرابطة الّتي رضيها الله لعباده أن تكون بينهم هي الرّابطة والعلاقة الإيمانية، الحبّ في الله والبغض في الله والموالاة في الله والمعادة في الله، وهذا من أوثق عرى الإيمان لو كان القوم يعقلون.
وببركة تعطيل هذا النوع من الجهاد والرضا بهؤلاء الحكام، صارت بلداننا مرتعا للكفار الأصليين، فقتّلوا الرّجال، واستحيوا النّساء، ونهبوا الثروات، ودنّسوا المقدّسات، وعطّلوا ديننا عن شؤون الحياة، فصرنا أذلّ أمّة في هذا الزمان، بل أذل مخلوق على وجه الأرض، وهذا ما توعّدنا به النبيّ عليه الصّلاة والسّلام فيما رواه أحمد في مسنده من حديث ابن عمر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال:"إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم".
و هذا الذلّ الّذي سلّطه الله على هذه الأمّة سببه ترك الجهاد والركون إلى الدّنيا.
و تأمّلوا إلى قوله تعالى:"كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ"الآية 110 من سورة آل عمران.
فجعل الله سبب خيرية هذه الأمّة مع إيمانها بالله تعالى هو أمرها بالمعروف ونهييها عن المنكر، وأيّ معروف أعظم من التوحيد، وأيّ منكر أكبر من الشرك؟.
و إنّ أساس التوحيد هو أن يكون الحكم لله تعالى، وأساس الشرك أن يكون الحكم لغيره.