وطلبوا منه دليلًا على وجود الله - عز وجل -، فقال: ما تقولون في خشب قطع من الأشجار بلا نجار، واجتمع من تلقاء نفسه ثم كون سفينة تجرى في البحر، وهي مشحونة بالأحمال مملوءة من الأثقال، فقد احتوشها في لجة أمواج متلاطمة ورياح مختلفة، وهي مع ذلك كله تجرى مستوية ليس لها ملاح يجريها ولا متعهد يرعاها؟!
فهل يجوز ذلك في العقل؟ قلاوا: لا، هذا شيء لا يقبله العقل. فقال أبو حنيفة: يا سبحان الله! إذا لم يجز في العقل سفينة تجري في البحر مستوية من غير متعهد يرعاها ولا ربان يدبر أمرها، فكيف يجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها وشتت أعمالها وسعة أطرافها وتباين أكنافها من غير صانع يكلؤها وحكيم يدبرها؟! فاعترفوا جميعًا وقالوا: صدقت.
وقد اشير إلى هذا الدليل الذي يذكر عن أبي حنيفة في القرآن الشريف حيث يقول: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ}
ولنختم مقاللنا هذا بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} .
ولنقف اليوم عند هذا الحد: ولعلنا نعود إليه في فرصة أخرى إن شاء الله.