وليس يخفى على القارئ الكريم ما وصلنا إليه من اختلال الأحوال وضياع الأموال وانتهاك الحرمات واقتراف المنكرات، وإصلاح الظواهر وفساد البواطن، وفقد الإخلاص، وذيوع الأغراض واستحكام الأمراض، والمواطاة على القبائح، وعدم إنفعال النفوس بارتكاب الرذائل، وضياع الفضائل، وكثافة الغطاء على العقول حتى أصبحت تنكر اليقينيات ولا تعترف بالبدهيات وكأنما انقلبت الرءوس وانتكست النفوس، وانظمست البصائر وفسدت الفطر، وعميت القلوب، وأعضل الداء فعجز الأطباء، وضاق عنه نطاق التعبير ولم تتسع له أودية التحذير، فإننا في عصر أولئك الذين تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم، من ذوي الألسنة الثرثارة والقلوب الخوارة، والشهوات القاهرة والنفوس الفاجرة، والأفكار الخيالية والنزغات الشيطانية، وما أجدرهم بما قلناه منذ زمن بعيد:
كل شيء يخاف منه الآنا . . . قد مضى من يراقب الديانا
ليس إلا شقاشق وكلام . . . نمقوه كي يخدع الإنسانا
وأمور شكلية ونبوغ . . . في رياء هول ما قد دهانا
من درى الناس شك في كل شيء . . . قد بدا منهم كائنًا ما كانا
وليس يخفى عليك أن حوادث القتل والسرقات، وإحراق الزروع الآن في بلادنا المصريةن وصلت إلى حد أنها ترتكب جهارًا نهارًا.