الصفحة 329 من 386

قال الله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} :

ذكرنا لك بعض ما اشتملت عليه خلقة الإنسان من الحكم العالية والأسرار السامية، والأمر أكبر من أن نأتي على تفصيله. وعلى كل حال فمن نظر إلى وظائف الأعضاء كالكبد والمعدة والأمعاء والرئتين، ثم تهيئة السبيلين، وما أودعه الله العينين والأذنين واليدين والرجلين إلخ، أخذ منه الدهش كل مأخذ وامتلأ قلبه بعظمة الله تعالى وعظيم حكمته ومختلف نعمته، فنطق لسانه قائلا: سبحانك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.

وقد رأيت أن أذكر لك في هذا المقال بعض ما في الفم واللسان والريق والأسنان من اللطائف التي من علينا بها اللطيف الخبير، فنقول:

جعل سبحانه الفم أكثر الأعضاء رطوبة والريق يتحلل إليه دائمًا لا يفارقه، وجعله حلوا لا مالحًا كماء العين، ولا مرا كالذي في الأذن، ولا عفنًا كالذي في الأنف، بل هو أعذب مياه البدن وأحلاها، حكمة بالغة، فإن الطعام والشراب يخالطه، بل هو الذي يحيل الطعام ويمتزج به امتزاج العجين بالماء فلولا أنه حلو لما التذ إنسان بل ولا حيوان بطعام ولا شراب، ولا ساغة إلا على كره وتنغيص. ولما كان كثير من الطعام لا يمكن إحالته إلا بعد طبخه، جعل الرب - تعالى - آلة للتقطيع والتفصيل، وآلة للطحن فجعل آلة القطع وهي الثنايا وما يليها حادة الرءوس ليسهل بها القطع، وجعل النواجذ وما يليها من الأضراس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت