لتفرق النور الباصر فضعف الإدراك فإن السواد بجمع البصر ويمنع من تفرق النور، وخلق سبحانه لتحريك الحدقة وتقليبها أربعًا وعشرين عضلة لو نقصت عضلة واحدة لاختل أمر العين.
ولما كانت العين كالمرآة التي إنما تنطبع فيها الصور إذا كانت في غاية الصقالة والصفاء، جعل سبحانه الأجفان متحركة بغاية السهولة في الانطباق والانفتاح بلا تكالف، لتبقى هذه المرآة نقية صافية من جميع الكدورات. ولهذا لما لم يخلق لعين الذبابة أجفانًا لا نزال نراها تنظف عينها بيدها من آثار الغبار والكدورات.
وكما جعل سبحانه العينين مؤديتين للقلب ما يريانه فيوصلانه إليه جعلهما مرآتين للقلب يظهر فيهما ما هو مودع فيه من الحب والبغض والخير والشر والبلادة والفطنة والزيغ والاستقامة، فيستدل بأحوال العين على أحوال القلب، وهو أحد أنواع الفراسة. فالعين مرآة للقلب وطليعة ورسول. ومن عجيب أمرها أنها من ألطف الأعضاء وأبعدها تأثرًا بالحر والبرد. وليس ذلك بسبب الغطاء الذي عليها من الأجفان، فإنها ولو كانت منفتحة لم تتأثر بذلك مع أنها من الأعضاء اللطيفة.
هذا بعض ما ذكره علماؤنا الأقدمون؛ وللأطباء العصريين ما هو أعجب وأغرب. ولعلك اطلعت على بعض ما اكتشفوه من أسرار الغدد التي كانت مجهولة. وقد قال بعض فلاسفة الأوربيين: يكفيني هدب العين في الدلالة على الله. إلى آخر كلامهم في هذا.