السمع ممرا قاتلا للحشرات لئلا يلج فيها دابة تخلص إلى الدماغ فتؤذيه، وجعل داخل بابي البصر مالحا لئلا تذيب الحرارة الدائمة ما هناك من الشحم، وجعل داخل باب الطعام والشراب مهيأ لإساغة ما يأكله وما يشربه. جعل له مصباحين من نور كالسراج المضيء، مركبين في أعلى مكان منه، وفي أشرف عضو من أعضائه طليعة له، وركب هذا النور في جزء صغير جدًا يبصر به السماء والأرض وما بينهما، وجعل العين مركبة من سبع طبقات وثلاث رطوبات بعضها فوق بعض، حماية له وصيانة وحراسة، وجعل عليها غلقا بمصراعين أعلى وأسفل، وركب في ذيل المصراعين أهدابا من الشعر وقاية للعين وزينة وجمالًا.
وجعل فوق ذلك كله حاجبين من الشعر يحفظان العين من العرق النازل، ويتلقيان عنهما ما ينصب من هناك. وجعل سبحانه لكل طبقة من العين وظيفة مخصوصة، ولكل واحد من الرطوبات مقدارًا مخصوصًا لو زاد على ذلك أو نقص عنه لاختلت المنافع وضاعت المصالح المطلوبة.
وجعل هذا النور الباصر في قدر عدسة، ثم أظهر في تلك العدسة صورة السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال العالم العلوي والسفلي مع اتساع أطرافع وتباعد أقطاره. واقتضت حكمته أن جعل فيها سبحانه بياضًا وسوادًا، وجعل القوة الباصرة في السواد؛ وجعل البياض مستقرًا لها ومسكنًا، وزين كلا منهما بالآخر، وجعل الحدقة مصونة بالأجفان والحواجب، وجعلها سودًا، إذ لو كانت بيضًا