نتائج البحث عن (برقوق) 34 نتيجة

  • برقوق
بُرْقوق [جمع]: مف بُرْقوقة:1 -(نت) شجر من الفصيلة الورديّة، ينمو في المناطق المعتدلة، ثمره ذو عصارة عذبة لذيذ الطَّعم مختلف الألوان، وقد يُجفَّف ليمكن حفظه مدّة طويلة فيسمَّى (قراصيا).2 -ثمر ذلك الشجر.
(البرقوق) شجر من الفصيلة الوردية يَنْمُو فِي المناطق المعتدلة أزهاره بيض وردية وثمره مُخْتَلف الألوان (مَعَ)
  • بَرْقوق
بَرْقوق
شجر من الفصيلة الوردية وثماره مختلف الألوان.
*برقوق يُعدُّ «برقوق» المؤسس الأول لدولة «المماليك البرجية»، فعلى يديه تم عزل آخر سلاطين دولة المماليك البحرية السلطان «الصالح حاجى» سنة 784هـ=1382م، فسقطت دولة البحرية، وقامت دولة البرجية، فكثرت الصراعات الداخلية طمعًا فى السلطنة، وسادت الفوضى، وعَمَّت الفتن، وتميز عهد «برقوق» بالمعارضة الشديدة له، فاهتم بالقضاء على هذه الفتن، وإعادة الهدوء والاستقرار إلى أرجاء ملكه، ثم عمل على إصلاح أحوال البلاد الداخلية، وظل على ذلك حتى استقرت له الأمور فى أواخر عهده، ومات فى سنة (801هـ = 1399م)، بعد أن عهد إلى ابنه «فرج» بالسلطنة من بعده.
*فرج بن برقوق أحد سلاطين دولة المماليك البرجية فى مصر والشام تولى العرش بعد أبيه سنة 801هـ= 1399م وله من العمر ثلاث عشرة سنة، فكثرت فى عهده الاضطرابات والفتن، وخرج عليه الأمراء، خاصة أمراء «سوريا» الذين عارضوا حكمه، فحاول «فرج» أن يسيطر على الموقف وظل يكافح كفاحًا مضنيًا طويلا من أجل تحقيق ذلك، وتمكن من القضاء على فتنة الأمراء فى «سوريا»، ومع ذلك تهدد عرشه بالسقوط أكثر من مرة، إلا أنه ظل يقاوم حتى قُتل فى سنة (815هـ=1412م).
*مدرسة السلطان برقوق أنشأها الناصر فرج بن برقوق سنة (803 هـ)، السلطان السادس والعشرون من ملوك الترك بالديار المصرية، والثانى من الجراكسة وموضعها حاليًّا شارع المعز لدين الله، وهى التى ألقى فيها ابن خلدون دروسه فى فقه المالكية.
وتشغل مدرسة السلطان برقوق قطعة أرض تكاد تكون مربعة الشكل؛ إذ تبلغ مساحتها ( 6800 م2).
، وتكوِّن المدرسة وملحقاتها طرازًا فريدًا فى الحضارة الإسلامية، إذ جمعت بين طراز المدارس المكون من أربعة إيوانات متعامدة على بعضها البعض، يتوسطها صحن، وطراز المساجد المكونة من صفوف من البوائك، تحصر بينها عددًا من الأروقة، كما أنها تحتوى على ثمانى خَلْوَات للصوفية.
وتشغل الواجهة الرئيسية للمدرسة الضلع الغربى لها، ويبلغ طولها نحو (86) مترًا، وتحتوى على مئذنتين متماثلتين تقعان على الواجهة الرئيسية، يبلغ ارتفاع كل منهما (30) مترًا، وتتكون من ثلاثة طوابق.

عصيان الأمير إينال اليوسفي على الأمير برقوق وما جرى من الفتنة بينهما.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

عصيان الأمير إينال اليوسفي على الأمير برقوق وما جرى من الفتنة بينهما.
780 شعبان - 1378 م
خبر هذه الواقعة أنه لما كان في يوم رابع عشرين شعبان ركب الأتابك برقوق من الإسطبل السلطاني في حواشيه ومماليكه للتسيير على عادته، وكان الأمير بركة الجوباني مسافراً بالبحيرة للصيد، فلما بلغ إينال اليوسفي أمير سلاح ركوب برقوق من الإسطبل السلطاني انتهز الفرصة لركوب برقوق وغيبة بركة، وركب بمماليكه وهجم الإسطبل السلطاني وملكه، ومسك الأمير جركس الخليلي، وكان مع إينال المذكور جماعة من الأمراء ولما طلع إينال إلى باب السلسلة وملكها، أرسل الأمير قماري لينزل بالسلطان الملك المنصور إلى الإسطبل، فأبى السلطان من نزوله ومنعه، ثم كبس إينال زردخاناه برقوق وأخرج منها اللبوس وآلة الحرب، وأخذ مماليك برقوق الذين كانوا وافقوه وألبسهم السلاح وأوقفهم معه وأوعدهم بمال كبير وإمريات، وبلغ برقوقاً الخبر فعاد مسرعاً، وجاء إلى بيت الأمير أيتمش البجاسي بالقرب من باب الوزير وألبس مماليكه هناك، وجاءه جماعة من أصحابه، فطلع بالجميع إلى تحت القلعة وواقعوا إينال اليوسفي، وأرسل برقوق الأمير قرط في جماعة إلى باب السلسلة الذي من جهة باب المدرج، فأحرقه، ثم تسلق قرط من عند باب سر قلعة الجبل، ونزل ففتح لأصحابه الباب المتصل إلى الإسطبل السلطاني، فدخلت أصحاب برقوق منه وقاتلت إينال، وصار برقوق بمن معه يقاتل من الرميلة، فانكسر إينال ونزل إلى بيته جريحاً من سهم أصابه في رقبته من بعض مماليك برقوق، وطلع برقوق إلى الإسطبل وملكه وأرسل إلى إينال من أحضره، فلما حضر قبض عليه وحبسه بالزردخاناه، وقرره بالليل فأقر أنه ما كان قصده إلا مسك بركة لا غير، ثم أن برقوق مسك جماعة من الأمراء وغيرهم من أصحاب إينال اليوسفي، ما خلا سودون النوروزي، جمق الناصري وشخصاً جندياً يسمى أزبك كان يدعي أنه من أقارب برقوق، ثم حمل إينال في تلك الليلة إلى سجن الإسكندرية ومعه سودون جركس، ثم أخذ برقوق في القبض على مماليك إينال اليوسفي، ونودي عليهم بالقاهرة ومصر، ثم في الثامن والعشرين من شعبان حضر الأمير بركة من السرحة، فركب الأتابك برقوق وتلقاه من السحر وأعلمه بما وقع من إينال اليوسفي في حقه، ثم اتفقا على طلب الأمير يلبغا الناصري من نيابة طرابلس، فحضر وأنعم عليه باقطاع إينال اليوسفي ووظيفته إمرة سلاح، وكانت وظيفة يلبغا قبل إينال، وتولى مكانه في نيابة طرابلس منكلي بغا الأحمدي البلدي، ثم استقر بلوط الصرغتمشي في نيابة الإسكندرية.

الفتنة بين الأمير بركة والأمير برقوق.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

الفتنة بين الأمير بركة والأمير برقوق.
782 صفر - 1380 م
في ليلة الجمعة تاسع عشر صفر لبس الأمير بركة السلاح، هو ومماليكه، ولبس الأمراء أيضا، وباتوا في اصطبلاتهم على احتراز، فلما أصبح نهار يوم الجمعة، طلب الأمير الكبير برقوق القضاة ومشايخ العلم، وندبهم للدخول بينه وبين الأمير بركة في الصلح، مكيدة منه ودهاء، فما زالوا يترددون بينهما عدة مرار، حتى وقع الصلح على دخن وحلف كل منهم لصاحبه، ونزعوا عنهم السلاح، فبعث الأمير برقوق بالأمير أَيْتَمِش إلى الأمير بركة، فنزل إليه وفي عنقه منديل، ليفعل ما يريد من قتل أو حبس أو غير ذلك، وخضع له خضوعا زائدا، فلم يجد بركة بدا من الإغضاء عنه وقبول معذرته، وخلع عليه، وأعاده إلى الأمير برقوق، والقلوب ممتلئة حنقا، ونودي في القاهرة بالأمان، وفتح الأسواق، فسكن انزعاج الناس، فلما أصبح نهار الأربعاء تاسع شهر ربيع الأول أنزل برقوق السلطان الملك المنصور إلى عنده بالإسطبل السلطاني، ونادى للمماليك السلطانية بالحضور، فحضروا، فأخرج جماعة كبيرة من الأمراء ومعهم المماليك السلطانية وندبهم لقتال بركة بعد أن بلغه أنه يريد أن يقتله غيلة يوم الجمعة في الصلاة، ودقت الكوسات بقلعة الجبل حربية، هذا وقد جهز بركة أيضاً جماعة كبيرة أيضاً من أصحابه، لملتقى من ندبه برقوق لقتاله، وسار كل من الفريقين إلى الآخر حتى تواجها على بعد، فلم يتقدم أحد من العسكرين إلى غريمه، فلما كان بعد الظهر بعث الأمير بركة أمير آخوره سيف الدين طغاي يقول لبرقوق: ما هذا العمل هكذا كان الاتفاق بيننا، فقال برقوق: هكذا وقع، قل لأستاذك يتوجه نائباً في أي بلد شاء، فرجع أمير آخور بركة إليه بهذا القول، فلم يوافق بركة على خروجه من مصر أصلاً، فركب بركة بأصحابه ومماليكه من وقته وساقوا فرقتين: فرقة من الطريق المعتادة، وفرقة من طريق الجبل، وكان بركة في الفرقة التي بطريق الجبل، وبلغ برقوقاً ذلك فأرسل الأمراء والمماليك في الوقت لملتقاه، فلما أقبل بركة هرب أكثر عساكر برقوق ولم يثبت إلا الأمير علان الشعباني في نحو مائة مملوك، والتقى مع بركة، وكان يلبغا الناصري بمن معه من أصحاب بركة توجه من الطريق المعتادة، فالتقاه أيتمش البجاسي بجماعة وكسره، وضربه بالطبر، وأخذ جاليشه وطبلخاناته، ورجع مكسوراً بعد أن وقع بينهم وقعة هائلة جرح فيها من الطائفتين خلائق، وأما بركة فإنه لما التقى مع علان صدمه علان صدمة تقنطر فيها عن فرسه، وركب غيره، فلما تقنطر انهزم عنه أصحابه، فصار في قلة، فثبت ساعة جيدة ثم انكسر وانهزم إلى جهة قبة النصر، وأقام به إلى نصف الليل، فلم يجسر أحد من البرقوقية على التوجه إليه وأخذه، فلما كانت نصف ليلة الخميس المذكورة رأى بركة أصحابه في قلة، وقد خل عنه أكثر مماليكه وحواشيه، وهرب من قبة النصر هو والأمير آقبغا صيوان إلى جامع المقسي خارج القاهرة فغمز عليه في مكانه فمسك هو وآقبغا المذكور من هناك وطلع بهما إلى برقوق، وتتبع برقوق أصحاب بركة ومماليكه فمسك منهم جماعة كبيرة مع من مسك مع بركة من الأمراء، وبقيت القاهرة ثلاثة أيام مغلقة والناس في وجل بسبب الفتنة، فنادى برقوق عند ذلك بالأمان والاطمئنان، وأما أمر بركة فإنه لما كان شهر رجب من هذه السنة ورد الخبر من الأمير صلاح الدين خليل بن عرام نائب الإسكندرية بموت الأمير زين الدين بركة الجوباني اليلبغاوي بسجن الإسكندرية، فلما بلغ الأتابك برقوقاً ذلك بعث بالأمير يونس النوروزي الدوادار بالإسكندرية لكشف خبر الأمير بركة وكيف كانت وفاته، فتوجه يونس إلى الإسكندرية، ثم عاد إلى مصر ومعه ابن عرام المذكور نائب الإسكندرية، وأخبر برقوقاً بأن الأمر صحيح، وأنه كشف عن موته وأخرجه من قبره فوجد به ضربات: إحداها في رأسه، وأنه مدفون بثيابه من غير كفن، وأن يونس أخرجه وغسله وكفنه ودفنه وصلى عليه خارج باب رشيد وبنى عليه تربة، وأن الأمير صلاح الدين خليل بن عرام هو الذي قتله، فحبس برقوق ابن عرام بخزانة شمائل وهي السجن المخصص لأصحاب الجرائم ثم عصره وسأله عن فصوص خلاها بركة عنده، فأنكرها وأنكر أنه ما رآها، فلما كان يوم الخميس خامس عشرين شهر رجب طلع الأمراء للخدمة على العادة، وطلب ابن عرام من خزانة شمائل، فطلعوا به إلى القلعة على حمار، فرسم برقوق بتسميره، فخرج الأمير مأمور القلمطاوي حاجب الحجاب، وجلس بباب القلة، هو وأمير جاندار، وطلب ابن عرام بعد خدمة الإيوان، فعري وضرب بالمقارع ستة وثمانين شيباً، ثم سفر على جمل بلعبة تسمير عطب، وأنزل من القلعة إلى سوق الخيل بالرميلة بعد نزول الأمراء، وأوقفوه تجاه الإسطبل السلطاني ساعة، فنزل إليه جماعة من مماليك بركة وضربوه بالسيوف والدبابيس حتى هبروه وقطعوه قطعاً عديدة، ثم إن بعضهم قطع أذنه وجعل يعضها صفة الأكل، وأخذ آخر رجله، وآخر قطع رأسه وعلقها بباب زويلة، وبقيت قطع منه مرمية بسوق الخيل، وذكر أن بعض مماليك بركة أخذ من لحمه قطعة شواها، والله أعلم بصحة ذلك، ثم جمع ابن عرام بعد ذلك ودفن بمدرسته خارج القاهرة عند جامع أمير حسين بن جندر بحكر جوهر النوبي.

عصيان نائب ألبستان على السلطان برقوق.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

عصيان نائب ألبستان على السلطان برقوق.
784 - 1382 م
سار الأمير يلبغا الناصري - نائب حلب - بعسكر حلب إلى إلبيرة، يريد تعدية الفرات، فجاءه الخبر بعصيان الأمير علاء الدين ألطنبغا السلطاني - نائب الأبلستين - وأنه لم يحلف للسلطان واستولى على قلعة درندة - المضافة إليه - وطلع إليها، وأمسك بعض أمرائها، وأطلع إليها ذخيرة وميرة، فركب العسكر الذي بالمدينة عليه، وأمسكوا رجاله، فطلب الأمان منهم، وفر من القلعة إلى الأبلستين، فكتب إليه الأمير يلبغا الناصري، يهدده ويخيفه، فلم يرجعه إليه، ومر هاربا على وجهه إلى بلاد التتر، فعاد الأمير يلبغا المذكور إلى حلب.

خلع السلطان الصالح حاجي وتولي الظاهر برقوق أول مماليك الشراكسة البرجية.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

خلع السلطان الصالح حاجي وتولي الظاهر برقوق أول مماليك الشراكسة البرجية.
784 رمضان - 1382 م
حاول بعض الأمراء القضاء على برقوق وقتله لكنه استطاع أن يقبض عليهم وسجنهم ولكنه استمر بعد مسك هؤلاء في تخوف عظيم، واحترز على نفسه من مماليكه وغيرهم غاية الاحتراز، فأشار عليه بعد ذلك أعيان خشداشيته وأصحابه مثل أيتمش البجاسي، وألطنبغا الجوباني أمير مجلس، وقردم الحسني، وجركس الخليلي ويونس النوروزي الدوادار وغيرهم أن يتسلطن ويحتجب عن الناس ويستريح ويريح من هذا الذي هو فيه من الاحتراز من قيامه وقعوده، فجبن عن الوثوب على السلطنة وخاف عاقبة ذلك، فاستحثه من ذكرناه من الأمراء، فاعتذر بأنه يهاب قدماء الأمراء بالديار المصرية والبلاد الشامية، فركب سودون الفخري الشيخوني حاجب الحجاب ودار على الأمراء سرا حتى استرضاهم، ولازال بهم حتى كلموا برقوقاً في ذلك وهونوا عليه الأمر وضمنوا له أصحابهم من أعيان النواب والأمراء بالبلاد الشامية، وساعدهم في ذلك موت الأمير آقتمر عبد الغني، فإنه كان من أكابر الأمراء، وكان برقوق يجلس في الموكب تحته لقدم هجرته، وكذلك بموت الأمير أيدمر الشمسي، فإنه كان أيضاً من أقران اقتمر عبد الغني فماتا في سنة واحدة فعند ذلك طابت نفسه وأجاب، وصار يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، حتى كان يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رمضان من هذه السنة طلع الأمير قطلوبغا الكوكائي أمير سلاح وألطنبغا المعلم رأس نوبة إلى السلطان الملك الصالح أمير حاج فأخذاه من قاعة الدهيشة وأدخلاه إلى أهله بالدور السلطانية، وأخذا منه النمجاة وأحضراها إلى الأتابك برقوق العثماني، وقام بقية الأمراء من أصحابه على الفور وأحضروا الخليفة والقضاة وسلطنوه، على ما سنذكره لاحقا، وخلع الملك الصالح من السلطنة، فكانت مدة سلطنته على الديار المصرية سنة واحدة وسبعة أشهر تنقص أربعة أيام، على أنه لم يكن له في السلطنة من الأمر والنهي لا كثير ولا قليل، أما السلطان الملك الظاهر فهو أبو سعيد سيف الدين برقوق بن آنص العثماني اليلبغاوي الشركسي القائم بدولة الشراكسة بالديار المصرية، وهو السلطان الخامس والعشرون من ملوك الترك بالديار المصرية والثاني من الشراكسة، إن كان الملك المظفر بيبرس الجشنكير شركسيا فقد قيل إن أصله تركي، وعليه فبرقوق هذا هو الأول من ملوك الشراكسة، وهو الأصح، جلس على تخت الملك في وقت الظهر من يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رمضان بعد أن اجتمع الخليفة المتوكل على الله أبو عبد الله محمد والقضاة وشيخ الإسلام سراج الذين عمر البلقيني وخطب الخليفة المتوكل على الله خطبة بليغة، ثم بايعه على السلطنة وقلده أمور المملكة، ثم بايعه من بعده القضاة والأمراء، ثم أفيض على برقوق خلعة السلطنة، وهي سوداء خليفتية على العادة، وأشار السراج البلقيني أن يكون لقبه الملك الظاهر فإنه وقت الظهيرة والظهور، وقد ظهر هذا الأمر بعد أن كان خافياً، فتلقب بالملك الظاهر، وبه يبدأ عهد المماليك البرجية وينتهي عهد المماليك البحرية، ويذكر أن أصله من بلاد الشركس ثم أخذ من بلاده وأبيع بمدينة قرم، فاشتراه خواجا عثمان بن مسافر وجلبه إلى مصر فاشتراه منه الأتابك يلبغا العمري الخاصكي الناصري في حدود سنة أربع وستين وسبعمائة وقبلها بيسير وأعتقه وجعله من جملة مماليكه، واستمر أمره حتى صار أتابك العساكر.

السلطان برقوق يخلع الخليفة العباسي المتوكل ويولي محمد بن الواثق الخلافة.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

السلطان برقوق يخلع الخليفة العباسي المتوكل ويولي محمد بن الواثق الخلافة.
785 رجب - 1383 م
في أول شهر رجب من هذه السنة طلع الأمير صلاح الدين محمد بن محمد بن تنكز نائب الشام إلى السلطان ونقل له عن الخليفة المتوكل على الله أبي عبد الله محمد أنه اتفق مع الأمير قرط بن عمر التركماني المعزول عن الكشوفية ومع إبراهيم بن قطلوقتمر العلائي أمير جاندار ومع جماعة من الأكراد والتركمان، وهم نحو من ثمانمائة فارس، أنهم يثبون على السلطان إذا نزل من القلعة إلى الميدان في يوم السبت للعب بالكرة يقتلونه ويمكنون الخليفة من الأمر والاستبداد بالملك، فحلّف السلطان ابن تنكز على صحة ما نقل، فحلف له، وطلب يحاققهم على ذلك، فبعث السلطان إلى الخليفة وإلى قرط وإلى إبراهيم بن قطلقتمر، فأحضرهم، وطلب سودون النائب وحدثه بما سمع، فأخذ سودون ينكر ذلك ويستبعد وقوعه منهم، فأمر السلطان بالثلاثة فحضروا بين يديه وذكر لهم ما نقل عنهم فأنكروا إلا قرط، فإنه خاف من تهديد السلطان، فقال: الخليفة طلبني وقال: هؤلاء ظلمة وقد استولوا على هذا الملك بغير رضائي، وإني لم أقلد برقوقاً السلطنة إلا غصباً وقد أخذ أموال الناس بالباطل، وطلب مني أن أقوم معه وأنصر الحق، فأجبته إلى ذلك ووعدته بالمساعدة، وأن أجمع له ثمانمائة واحد من الأكراد والتركمان وأقوم بأمره فقال السلطان للخليفة: ما قولك في هذا؟ فقال: ليس لما قاله صحة فسأل إبراهيم بن قطلقتمر عن ذلك، فقال: ما كنت حاضراً هذا الاتفاق، لكن الخليفة طلبني إلى بيته بجزيرة الفيل وأعلمني بهذا الكلام وقال لي: إن هذا مصلحة، ورغبني في موافقته والقيام لله تعالى ونصرة الحق، فأنكر الخليفة ما قاله إبراهيم أيضاً، وصار إبراهيم يذكر له أمارات والخليفة يحلف أن هذا الكلام ليس له صحة، فاشتد حنق الملك الظاهر وسل السيف ليضرب عنق الخليفة، فقام سودون النائب وحال بينه وبين الخليفة، وما زال به حتى سكن بعض غضبه، فأمر الملك الظاهر بقرط وإبراهيم يسفرا، واستدعى القضاة ليفتوه بقتل الخليفة، فلم يفتوه بقتله، وقاموا عنه فأخذ برقوق الخليفة وسجنه بموضع في قلعة الجبل وهو مقيد، وسمر قرط وإبراهيم وشهراً في القاهرة ومصر، ثم أوقفا تحت القلعة بعد العصر، فنزل الأمير أيدكار الحاجب وسار بهما ليوسطا خارج باب المحروق من القاهرة، فابتدأ بقرط فوسط، وقبل أن يوسط إبراهيم جاءت عدة من المماليك بأن الأمراء شفعوا في إبراهيم، ففكت مساميره وسجن بخزانة شمائل، وطلب السلطان زكريا وعمر ابني إبراهيم عم المتوكل، فوقع اختياره على عمر بن الخليفة المستعصم بالله أبي إسحاق إبراهيم بن المستمسك بالله أبي عبد الله محمد بن الإمام الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد بن الحسن بن أبي بكر بن أبي علي إسحاق ابن علي القبي، فولاه الخلافة، وخلع عليه، فتلقب بالواثق بالله، ثم وفي يوم الثلاثاء تاسع ذي القعدة أفرج السلطان عن الخليفة المتوكل على الله، ونقل من سجنه بالبرج إلى دار بالقلعة وأحضر إليه عياله.

السلطان الظاهر برقوق يستجلي أخبار تيمورلنك.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

السلطان الظاهر برقوق يستجلي أخبار تيمورلنك.
789 ربيع الثاني - 1387 م
أرسل الظاهر برقوق من يستجلي أخبار تيمورلنك فجاءت الأخبار فورد البريد بأن تيمورلنك كبس قرا محمد وكسره، ففر منه في نحو مائتي فارس، ونزل قريب ملطية، ونزل تمرلنك على آمد، فاستدعى السلطان القضاة والفقهاء والأمراء وتحدث في أخذ الأوقاف من الأراضي الخراجية، فكثر النزاع، وآل الأمر إلى أنه يأخذ متحصل الأوقاف لسنة، ورسم السلطان بتجهيز أربعة من الأمراء الألوف، وهم الأمير ألطنبغا المعلم أمير سلاح، والأمير قردم الحسني، والأمير يونس الدوادار، والأمير سودن باق، وسبعة من أمراء الطبلخاناة، وخمسة من أمراء العشرات، فتجهزوا، وعين معهم من أجناد الحلقة ثلاثمائة فارس، وخرجوا من القاهرة في أول رجب، فساروا إلى حلب، وبها يومئذ في نيابة السلطنة سودن المظفري، وقدم الخبر بوقعة بين قرا محمد وولد تيمورلنك انكسر فيها ابن تمرلنك، وفي تاسع عشر رجب: رسم للقاضي جمال الدين محمود، محتسب القاهرة بطلب التجار وأرباب الأموال، وأخذ زكوات أموالهم، وأن يتولى قاضي القضاة الحنفية شمس الدين محمد الطرابلسي تحليفهم على ما يدعون أنه ملكهم فعمل ذلك يوم واحد ثم رد عليهم ما أخذ منهم، وبطل، فإن الخبر ورد برجوع تيمورلنك إلى بلاده.

عصيان نائب حلب يلبغا الناصري على السلطان برقوق وانضم له نائب ملطية.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

عصيان نائب حلب يلبغا الناصري على السلطان برقوق وانضم له نائب ملطية.
790 جمادى الأولى - 1388 م
الأمير يلبغا الناصري نائب حلب خرج عن طاعة السلطان وذلك لأن السلطان أصلا كان من مماليكه فأبى أن يكون من تابعيه وخاصة أن السلطان كان يقبض على الكثير من الأمراء بأدنى ريبة مما أوغر صدورهم تجاهه، وانضم إلى يلبغا أمير ملطية الأمير تمربغا الأفضلي المعروف باسم منطاش فأرسل السلطان العساكر لإعادتهم إلى الطاعة، ثم وفي حادي عشر من جمادى الأولى ورد صراي تَمُر - دوادار الأمير يونس الدوادار، ومملوك نائب حلب - على البريد بأن العسكر توجه إلى سيواس، وقاتل عسكرها، وقد استنجدوا بالتتر، فأتاهم منهم نحو الستين ألفا، فحاربوهم يوما كاملا، وهزموهم، وحصروا سيواس بعدما قتل كثير من الفريقين، وجرح معظمهم، وأن الأقوات عندهم عزيزة فجهز السلطان إلى العسكر مبلغ خمسين ألف دينار مصرية، وسار بها تُلَكتمُر الدوادار في سابع عشرينه، ثم أن العسكر تحركوا للرحيل عن سيواس، فهجم عليهم التتار من ورائهم فبرز إليهم الأمير يلبغا الناصري نائب حلب، وقتل منهم خلقا كثير، وأسر نحو الألف، وأخذ منهم العسكر نحو عشرة آلاف فرس، وعادوا سالمين إلى جهة حلب.

عصيان الأمراء والنواب على السلطان برقوق وخلعه وإعادة السلطان حاجي بن الأشرف شعبان المخلوع سابقا وتلقبه بالمنصور.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

عصيان الأمراء والنواب على السلطان برقوق وخلعه وإعادة السلطان حاجي بن الأشرف شعبان المخلوع سابقا وتلقبه بالمنصور.
791 جمادى الآخرة - 1389 م
عصى الأمير يلبغا الناصري نائب حلب على السلطان برقوق وأمر السلطان بخروج العسكر إليه ولكن الأمير قرابغا فرج الله والأمير بزلار العمري الناصري والأمير دمرداش اليوسفي والأمير كمشبغا الخاصكي الأشرفي وآقبغا قبجق اجتمع معهم عدة كثيرة من المماليك المنفيين بطرابلس وثبوا على نائبها الأمير أسندمر المحمدي وقبضوا عليه، وقتلوا من أمراء طرابلس الأمير صلاح الدين خليل بن سنجر وابنه، وقبضوا على جماعة كبيرة من أمراء طرابلس، ثم دخل الجميع في طاعة الناصري، وكاتبوه بذلك وملكوا مدينة طرابلس، ثم إن مماليك الأمير سودون العثماني نائب حماة اتفقوا على قتله، ففر منهم إلى دمشق، وأن الأمير بيرم العزي حاجب حجاب حماة سلم حماة إلى الأمير يلبغا الناصري ودخل تحت طاعته ثم تواترت الأخبار على السلطان بدخول سائر الأمراء بالبلاد الشامية والمماليك الأشرفية واليلبغاوية في طاعة الناصري، وكذلك الأمير سولي بن دلغادر أمير التركمان، ونعير أمير العربان وغيرهما من التركمان والأعراب، دخل الجميع في طاعة الناصري على محاربة السلطان الملك الظاهر، وأن الناصري أقام أعلاماً خليفتية، وأخذ جميع القلاع بالبلاد الشامية، واستولى عليها ما خلا قلعة الشام وبعلبك والكرك ثم في يوم الثلاثاء أول ربيع الآخر قدم البريد بأن الأمير كمشبغا المنجكي نائب بعلبك دخل تحت طاعة يلبغا الناصري، وكذلك في خامسه قدم البريد بأن ثلاثة عشر أميراً من أمراء دمشق ساروا إلى حلب ودخلوا في طاعة الناصري وأما العسكر المصري الظاهري فإنه سار من غزة حتى دخل دمشق في يوم الاثنين سابع شهر ربيع الآخر المذكور، ودخلوا دمشق بعد أن تلقاهم نائبها الأمير حسام الدين طرنطاي، ودخلوا دمشق قبل وصول الناصري بعساكره إليها بمدة، وأقبل المماليك السلطانية على الفساد بدمشق، واشتغلوا باللهو وأبادوا أهل دمشق شراً، حتى سئمتهم أهل الشام وانطلقت الألسنة بالوقيعة فيهم وفي مرسلهم وبينما هم في ذلك جاءهم الخبر بنزول يلبغا الناصري بعساكره على خان لاجين خارج دمشق في يوم السبت تاسع عشر شهر ربيع الآخر، فعند ذلك تهيأ الأمراء المصريون والشاميون إلى قتالهم، وخرجوا من دمشق في يوم الاثنين حادي عشرينه إلى برزة والتقوا بالناصري على خان لاجين، وتصاففوا ثم اقتتلوا قتالاً شديداً ثبت فيه كل من الفريقين ثباتاً لم يسمع بمثله، ثم تكاثر العسكر المصري وصدقوا الحملة على الناصري ومن معه فهزموهم وغيروه عن موقفه، ثم تراجع عسكر الناصري وحمل بهم، والتقى العسكر السلطاني ثانياً واصطدما صدمة هائلة ثبت فيها أيضاً الطائفتان وتقاتلا قتالاً شديداً، قتل فيها جماعة من الطائفتين، حتى انكسر الناصري ثانياً، ثم تراجع عسكره وعاد إليهم والتقاهم ثالث مرة، فعندما تنازلوا في المرة الثالثة والتحم القتال، أقلب الأمير أحمد بن يلبغا أمير مجلس رمحه ولحق بعساكر الناصري بمن معه من مماليكه وحواشيه، ثم تبعه الأمير أيدكار العمري حاجب الحجاب أيضاً بطلبه ومماليكه، ثم الأمير فارس الصرغتمشي ثم الأمير شاهين أمير آخور بمن معهم وعادوا قاتلوا العسكر المصري، فعند ذلك ضعف أمر العساكر المصرية وتقهقروا وانهزموا أقبح هزيمة فلما ولوا الأدبار في أوائل الهزيمة، هجم مملوك من عسكر الناصري يقال له يلبغا الزيني الأعور وضرب الأمير جاركس الخليلي الأمير آخور بالسيف فقتله وأخذ سلبه وترك رمته عارية، إلى أن كفنته امرأة بعد أيام ودفنته، ثم مدت التركمان والعرب أيديهم ينهبون من انهزم من العسكر المصري ويقتلون ويأسرون من ظفروا به، وساق الأمير الكبير أيتمش البجاسي حتى لحق بدمشق وتحصن بقلعتها، وتمزق العسكر المصري وذهب كأنه لم يكن، ودخل الناصري من يومه إلى دمشق بعساكره، ونزل بالقصر من الميدان، وتسلم القلعة بغير قتال، وأوقع الحوطة على سائر أما للعسكر وأنزل بالأمير الكبير أيتمش وقيده هو والأمير طرنطاي نائب الشام وسجنهما بقلعة دمشق، وتتبع بقية الأمراء والمماليك حتى قبض من يومه أيضاً على الأمير بكلمش العلائي في عدة من أعيان المماليك الظاهرية، فاعتقلهم أيضا بقلعة دمشق، ثم مدت التركمان والأجناد أيديهم في النهب، فما عفوا ولا كفوا وتمادوا على هذا عدة أيام، وقدم هذا الخبر على الملك الظاهر من غزة في يوم سابع عشرين شهر ربيع الآخر المذكور، فاضطربت الناس اضطراباً عظيماً، لا سيما لما بلغهم قتل الأمير جاركس الخليلي والقبض على الأمير الكبير أيتمش البجاسي، وغلقت الأسواق، وانتهبت الأخباز، وتشغبت الزعر، وطغى أهل الفساد، هذا مع ما للناس فيه من الشغل بدفن موتاهم وعظم الطاعون بمصر وأما السلطان الملك الظاهر برقوق فإنه لما بلغه ما وقع لعسكره وجم وتحير في أمره، وعظم عليه قتل جاركس الخليلي والقبض على أيتمش أكثر من انهزام عسكره، فإنهما ويونس الدوادار كانوا هم القائمين بتدبير ملكه، وأخذ يفحص عن أخبار يونس الدوادار فلم يقف له على خبر، لسرعة مجيء خبر الوقعة له من مدينة غزة، ولم يأته أحد ممن باشر الواقعة، غير أنه صح عنده ما بلغه، وبقتل يونس الدوادار استشعر كل أحد بذهاب ملك الملك الظاهر ثم قدم الخبر بدخول الأمير مأمور القلمطاوي نائب الكرك في طاعة الناصري، وأنه سلم له الكرك بما فيها من الأموال والسلاح ثم أخذ السلطان ينقل إلى قلعة الجبل المناجيق والمكاحل والعدد، وأمر السلطان لسكان قلعة الجبل من الناس بادخار القوت بها لشهرين، وسار الناصري بمن معه من العساكر يريد الديار المصرية، وهو يظن أنه يلقى العساكر المصرية بالقرب من الشام، واستمر في سيره على هينة إلى أن وصل إلى غزة، فتلقاه نائبها حسام الدين بن باكيش بالتقادم والإقامات، فسأله الناصري عن أخبار عسكر مصر، فقال: لم يرد خبر بخروج عسكر من مصر ثم سار الناصري من الغد يريد ديار مصر، وأرسل أمامه جماعة كبيرة من أمرائه ومماليكه كشافة، واستمر في السير إلى أن نزل مدينة قطيا، وجاء الخبر بنزول الناصري بعساكره على قطيا فلم يتحرك السلطان بحركة، وفي ليلة وصول الخبر فر من أمراء مصر جماعة كبيرة إلى الناصري، وهي ليلة الثلاثاء ثامن عشرين جمادى الأولى المذكورة ثم في يوم الجمعة نزلت عساكر الناصري بالبئر البيضاء، فأخذ عند ذلك عسكر السلطان يتسلل إلى الناصري شيئاً بعد شيء ثم نصب السلطان السناجق السلطانية على أبراج القلعة، ودقت الكوسات الحربية، فاجتمعت العساكر جميعها، وعليهم آلة الحرب والسلاح، ثم ركب السلطان والخليفة المتوكل على الله معه من قلعة الجبل بعد العصر، وسار السلطان بمن معه حتى وقفا خلف دار الضيافة، وقد اجتمع حول السلطان من العامة خلائق لا تحصى كثرة، فوقف هناك ساعة، ثم عاد وطلع إلى الإسطبل السلطاني، وجلس فيه من غير أن يلقى حرباً ثم ركب السلطان ثانياً من القلعة ومعه الخليفة المتوكل على الله، ونزل إلى دار الضيافة، فقدم عليه الخبر بأن طليعة الناصري وصلت إلى الخراب طرف الحسينية فلقيتهم كشافة السلطان فكسرتهم، ثم ندب السلطان الأمراء فتوجهوا بالعساكر إلى جهة قبة النصر، ونزل السلطان ببعض الزوايا عند دار الضيافة إلى آخر النهار، ثم عاد إلى الإسطبل السلطاني وصحبته الأمراء الذين توجهوا لقبة النصر، والكوسات تدق، وهم على أهبة اللقاء وملاقاة العدو، وخاصكية السلطان حوله، والنفوط لا تفتر، والرميلة قد امتلأت بالزعر والعامة ومماليك الأمراء، ولم يزالوا على ذلك حتى أصبحوا يوم الاثنين، وإذا بالأمير آقبغا المارديني حاجب الحجاب والأمير جمق ابن أيتمشر البجاسي والأمير إبراهيم بن طشتمر العلائي الدوادار قد خرجوا في الليل ومعهم نحو خمسمائة مملوك من المماليك السلطانية ولحقوا بالناصري، ثم أصبح السلطان من الغد، وهو يوم خامس جمادى الآخرة، فر الأمير قرقماس الطشتمري الدوادار الكبير وقرا دمرداش الأحمدي أتابك العساكر بالديار المصرية والأمير سودون باق أمير مجلس ولحقوا بالناصري ولما بلغ السلطان نفاق هؤلاء الأمراء عليه بعد أن أنعم عليهم بهذه الأشياء، علم أن دولته قد زالت، فأغلق في الحال باب زويلة وجميع الدروب، وتعطلت الأسواق، وامتلأت القاهرة بالزعر، واشتد فسادهم، وتلاشت الدولة الظاهرية وانحل أمرها، وخاف والي القاهرة حسام الدين بن الكوراني على نفسه، فقام من خلف باب زويلة وتوجه إلى بيته واختفى، وبقي الناس غوغاء، وقطع المسجونون قيودهم بخزانة شمائل، وكسروا باب الحبس وخرجوا على حمية جملة واحدة، فلم يردهم أحد بشغل كل واحد بنفسه، وكذلك فعل أهل حبس الديلم، وأهل سجن الرحبة هذا والسلطان إلى الآن بقلعة الجبل، والنفوط عمالة، والكوسات تدق حربياً ثم أمر السلطان مماليكه فنزلوا ومنعوا العامة من التوجه إلى يلبغا الناصري، فرجمهم العامة بالحجارة، فرماهم المماليك بالنشاب، وقتلوا منهم جماعة تزيد عدتهم على عشر أنفس، ثم أقبلت طليعة الناصري مع عدة من أعيان الأمراء من أصحابه، فبرز لهم الأمير قجماس ابن عم السلطان في جماعة كبيرة وقاتلهم وأكثر الرمي عليهم من فوق القلعة بالسهام والنفوط والحجارة بالمقاليع وهم يوالون الكر والفر غير مرة، وثبتت المماليك السلطانية ثباتاً جيداً غير أنهم في علم بزوال دولتهم، هذا وأصحاب السلطان تتفرق عنه شيئاً بعد شيء، فمنهم من يتوجه إلى الناصري ومنهم من يختفي خوفاً على نفسه، حتى لم يبق عند السلطان إلا جماعة يسيرة ممن ذكرنا من الأمراء فلما كان آخر النهار المذكور أراد السلطان أن يسلم نفسه، فمنعه من بقي عنده من الأمراء وخاصكيته ثم بعد العصر من اليوم المذكور قدم جماعة من عسكر الناصري عليهم الطواشي طقطاي الرومي الطشتمري، والأمير بزلار العمري الناصري وكان من الشجعان، والأمير ألطنبغا الأشربي، في نحو الألف وخمسمائة مقاتل يريدون القلعة، فبرز لهم الأمير بطا الطولوتمري الظاهري الخاصكي والأمير شكر باي العثماني الظاهري وسودون شقراق في نحو عشرين مملوكاً من الخاصكية الظاهرية، وتلاقوا مع العسكر المذكور: صدموهم صدمة واحدة كسروهم فيها وهزموهم إلى قبة النصر، ولم يقتل منهم غير سودون شقراق، فإنه أمسك وأتي به إلى الناصري فوسطه، ولم يقتل الناصري في هذه الوقعة أحداً غيره، لا قبله ولا بعده، أعني صبراً، غير أن جماعة كبيرة قتلوا في المعركة، وورد الخبر بنصرتهم على الملك الظاهر، فلم يغتر بذلك، وعلم أن أمره قد زال، فأخذ في تدبير أمره مع خواصه، فأشار عليه من عنده أن يستأمن من الناصري فعند ذلك أرسل الملك الظاهر الأمير أبا بكر بن سنقر الحاجب والأمير بيدمر المنجكي شاد القصر بالنمجاة إلى الأمير يلبغا الناصري أن يأخذا له أماناً على نفسه ويترققا له فسارا من وقتهما إلى قبة النصر، ودخلا على الناصري وهو بمخيمه، واجتمعا به في خلوة، فأمنه على نفسه، وأخذ منهما منجاة الملك وقال: الملك الظاهر أخونا وخشداشنا، ولكنه يختفي بمكان إلى أن تخمد الفتنة، فإن الآن كل واحد له رأي وكلام، حتى ندبر له أمراً يكون فيه نجاته فعادا بهذا الجواب إلى الملك الظاهر برقوق، وأقام السلطان بعد ذلك في مكانه مع خواصه إلى أن صلى عشاء الآخرة، وقام الخليفة المتوكل على الله إلى منزله بالقلعة على العادة في كل ليلة، وبقي الملك الظاهر في قليل من أصحابه، وأذن لسودون النائب في التوجه إلى حال سبيله والنظر في مصلحة نفسه، فودعه وقام ونزل من وقته، ثم فرق الملك الظاهر بقية أصحابه، فمضى كل واحد إلى حال سبيله، ثم استتر الملك الظاهر وغير صفته، حتى نزل من الإسطبل إلى حيث شاء ماشياً على قدميه، فلم يعرف له أحد خبراً، وانفض ذلك الجمع كله في أسرع ما يكون، وسكن في الحال دق الكوسات ورمي مدافع النفط، ووقع النهب في حواصل الإسطبل حتى أخذوا سائر ما كان فيه من السروج واللجم وغيرها والعبي، ونهبوا أيضاً ما كان بالميدان من الغنم الضأن، وكان عدتها نحو الألفي رأس، ونهبت طباق المماليك بالقلعة، وطار الخبر في الوقت إلى الناصري، فلم يتحرك من مكانه، ودام بمخيمه، وأرسل جماعة من الأمراء من أصحابه، فسار من عسكره عدة كبيرة واحتاطوا بالقلعة، وأصبح الأمير يلبغا الناصري بمكانه، وهو يوم الاثنين خامس جمادى الآخرة وندب الأمير منطاش في جماعة كبيرة إلى القلعة فسار منطاش إلى قلعة الجبل في جموعه، وطلع إلى الإسطبل السلطاني، فنزل إليه الخليفة المتوكل على الله أبو عبد الله محمد وسار مع منطاش إلى الناصري بقية النصر، حتى نزل بمخيمه، فقام الناصري إليه وتلقاه وأجلسه بجانبه ووانسه بالحديث، وأما الناصري فإنه لما نزل إليه الخليفة وأكرمه، وحضر قضاة القضاة والأعيان للهناء، أمرهم الناصري بالإقامة عنده، وأنزل الخليفة بمخيم، وأنزل القضاة بخيمة أخرى ثم طلب الناصري من عنده من الأمراء والأعيان وتكلم معهم فيما يكون، وسألهم فيمن ينصب في السلطنة بعد الملك الظاهر برقوق، فأشار أكابرهم بسلطنة الناصري، فامتنع الناصري من ذلك أشد امتناع، وهم يلحون عليه ويقولون له: ما المصلحة إلا ما ذكرنا، وهو يأبى وانفض المجلس من غير طائل ثم استدعى الأمير الكبير يلبغا الناصري الأمراء واستشارهم فيمن ينصبه في سلطنة مصر، فكثر الكلام بينهم، وكان غرض غالب الأمراء سلطنة الناصري ما خلا منطاش وجماعة من الأشرفية، حتى استقر الرأي على إقامة الملك الصالح أمير حاج ابن الملك الأشرف شعبان في السلطنة ثانياً، بعد أن أعيا الأمراء أمر الناصري في عدم قبوله السلطنة وهو يقول: المصلحة سلطنة الملك الصالح أمير حاج، فإن الملك الظاهر برقوقاً خلعه من غير موجب فطلعوا في الحال من الإسطبل إلى القلعة، واستدعوا الملك الصالح وسلطنوه، وغيروا لقبه بالملك المنصور وأما الملك الظاهر برقوق فإنه دام في اختفائه إلى أن قبض عليه بعد أيام متخفيا في بيت مملوك له ثم رسم بسجنه إلى الكرك فأخرج إليها وسجن هناك بعد أن حكم مصر أميراً كبيراً وسلطاناً إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر وسبعة وعشرين يوماً، وزالت دولة الملك الظاهر كأن لم تكن، فكانت مدة تحكمه منذ قبض على الأمير طَشْتَمُر الدوادار في تاسع ذي الحجة سنة تسع وسبعين وسبعمائة، إلى أن جلس على تخت الملك وتلقب بالملك الظاهر في تاسع عشر شهر رمضان سنة أربع وثمانين وسبعمائة، أربع سنين وتسعة أشهر وعشرة أيام، ويقال له في هذه المدة الأمير الكبير أتابك العساكر، ومن حين تسلطن إلى أن اختفي ست سنين، وثمانية أشهر، وسبعة عشر يوماً فيكون مدة حكمه أميراً وسلطاناً إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر وسبعة وعشرين يوماً، وترك ملك مصر وله نحو الألفي مملوك اشتراهم، سوى المستخدمين.

خروج الظاهر برقوق من السجن بالكرك.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

خروج الظاهر برقوق من السجن بالكرك.
791 رمضان - 1389 م
خرج الملك الظاهر برقوق من سجن الكرك، واستولى على مدينتها ووافقه نائبها الأمير حسام الدين حسن الكجكني، وقام بخدمته، وقد حضر إلى الملك الظاهر برقوق ابن خاطر أمير بني عقبة من عرب الكرك ودخل في طاعته، وقدم هذا الخبر من ابن بأكيش نائب غزة، فلما سمع منطاش الذي ذكرنا أنه تغلب على الناصري وأصبح هو نائب السلطنة ذلك كاد يهلك وذلك لأنه أرسل من يقتل الظاهر برقوق في سجنه، واضطربت الديار المصرية، وكثرت القالة بين الناس، واختلفت الأقاويل، وتشغب الزعر، وكان من خبر الملك الظاهر برقوق أن منطاش لما وثب على الأمر وأقهر الأتابك يلبغا الناصري وحبسه وحبس عدة من أكابر الأمراء، عاجل في أمر الملك الظاهر برقوق بأن بعث إليه شخصاً يعرف بالشهاب البريدي ومعه كتب للأمير حسام الدين الكجكني نائب الكرك وغيره بقتل الملك الظاهر برقوق من غير مراجعة، ووعده بأشياء غير نيابة الكرك، وكان الشهاب البريدي أصله من الكرك، فجهزه منطاش لذلك سراً، فلما وصل الشهاب إلى الكرك أخرج الشهاب إلى نائبها كتاب منطاش الذي بقتل برقوق، فأخذه الكجكني منه ليكون له حجة عند قتله السلطان برقوق، ووعده بقضاء الشغل وأنزل الشهاب بمكان قلعة الكرك قريباً من الموضع الذي فيه الملك الظاهر برقوق، بعد أن استأنس به ثم قام الكجكني من فوره ودخل إلى الملك الظاهر برقوق ومعه كتاب منطاش الذي بقتله، فأوقفه على الكتاب، فلما سمعه الملك الظاهر كاد أن يهلك من الجزع، فحلف له الكجكني بكل يمين أنه لا يسلمه لأحد ولو مات، وأنه يطلقه ويقوم معه، وما زال به حتى هدأ ما به، وطابت نفسه، واطمأن خاطره، هذا وقد اشتهر في مدينة الكرك مجيء الشهاب بقتل الملك الظاهر برقوق، وكان في خدمة الملك الظاهر غلام من أهل الكرك يقال له عبد الرحمن، فنزل إلى جماعة في المدينة وأعلمهم أن الشهاب قد حضر لقتل أستاذه الملك الظاهر، فلما سمعوا ذلك اجتمعوا في الحال، وقصدوا القلعة وهجموها حتى دخلوا إلى الشهاب المذكور وهو بسكنه من قلعة الكرك، ووثبوا عليه وقتلوه، ثم جروه برجله إلى الباب الذي فيه الملك الظاهر برقوق، وكان نائب الكرك الكجكني عند الملك الظاهر، وقد ابتدأوا في الإفطار بعد أذان المغرب، وهي ليلة الأربعاء عاشر شهر رمضان من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة فلم يشعر الملك الظاهر والكجكني إلا وجماعة قد هجموا عليهم وهم يدعون للملك الظاهر بالنصر، وأخذوا الملك الظاهر بيده حتى أخرجوه من البرج الذي هو فيه، وقالوا له: دس بقدمك عند رأس عدوك، وأروه الشهاب مقتولاً ثم نزلوا به إلى المدينة فدهش النائب مما رأى، ولم يجد بداً من القيام في خدمة الملك الظاهر وتجهيزه وانضم على الملك الظاهر أقوام الكرك وأجنادها، وتسامع به أهل البلاد، فأتوه من كل فج بالتقادم والخيول، كل واحد بحسب حاله وأخذ أمر الملك الظاهر برقوق من يوم ذلك في استظهار وأما أمر منطاش فإنه لما سمع هذا الخبر وتحققه علم أنه وقع في أمر عظيم، فأخذ في تدبير أحواله فأول ما أبتدأ به أن قبض على جماعة كبيرة من المماليك الظاهرية، وسجنهم وقتل بعضهم.

الحرب بين الظاهر برقوق وعساكر السلطان حاجي المنصور ووقعة شقحب وعودة برقوق إلى السلطنة وخلع السلطان حاجي.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

الحرب بين الظاهر برقوق وعساكر السلطان حاجي المنصور ووقعة شقحب وعودة برقوق إلى السلطنة وخلع السلطان حاجي.
792 صفر - 1390 م
بعد أن خرج الظاهر برقوق السلطان المخلوع من سجن الكرك واجتمع له أهل الكرك ونصروه ومازال أمره في ظهور حتى العربان اجتمعت عليه، وأخلاط أهل مدينة الكرك، فخرج من الكرك يريد الشام فأقام بالثنية خارج الكرك يومين، ورحل في ثامن عشرين شوال، وسار بهم يريد دمشق - وبها الأمير جَنتمُر أخو طاز، متولي نيابتها - وقد وصل إليه الأمير ألْطُنْبغا الحلبي الدوادار من مصر نائباً على حلب بحكم عصيان كمشبغا الحموي، فاستعدا لقتال الظاهر، وتوجه إليهما الأمير حسام الدين حسين بن باكيش - نائب غزة - بعساكرها وعشيرها، وأقبل الظاهر، ممن معه، فخرجوا إليه وقاتلوه بشقحب - قريبا من دمشق - قتالاً شديداً، كسروه فيه غير مرة، وهو يعود إليهم ويقاتلهم، إلى أن كسرهم، وانهزموا منه إلى دمشق، وقتل منهم ما ينيف على الألف، فيهم خمسة عشر أميراً، وقتل من أصحابه نحو الستين، ومن أمرائه سبعة، وركب أقفية المنهزمين، فامتنع جَنتمُر بالقلعة، وتوجه بالقلعة، وتوجه من أمراء دمشق ستة وثلاثون أميراً، ومعهم نحو الثلاثمائة وخمسين فارساً، قد أثخنوا بالجراحات، وأخذوا نائب صفد، وقصدوا ديار مصر، فلم يمض غير يوم واحد حتى وصل ابن باكيش بجمائعه، فقاتله الظاهر وهزمه، وأخذ جميع ما كان معه، فقوي به قوة كبيرة، وأتاه عدة من مماليكه، ومن أمراء الشام، فصار في عسكر كبير، وأقبل إليه الأمير جبرائيل حاجب الحجاب بدمشق، وأمير علي بن أسندمر الزيني، وجَقمَق، ومقبل الرومي، طائعين له، فصاروا في جملته، ونزل السلطان بوقوق على قبة يلبغا ظاهر دمشق، وقد امتنع أهلها بها، وبالغوا في تحصينها، فحصرها، وأحرق القبيبات، وخربها، وأهلك في الحريق خلقاً كثيراً، وجد أهل المدينة في قتاله، وأفحشوا في سبه، وهو لا يفتر عن قتالهم، فأمده الأمير كمشبغا من حلب بثمانين فارساً من المماليك الظاهرية، فأخرج إليهم الأمير جَنتمُر خمسمائة فارس من دمشق، ليحولوا بينهم وبين الظاهر، فقاتلوهم، فكسرهم الظاهرية، واستولوا على جميع ما معهم، وأتوا إلى الظاهر، فأقبل الأمير نعير بعربانه، يريد محاربته، فحاربه وكسره فانهزم عنه، وتقوى مما صار إليه في هذه الوقائع، واستمر الظاهر برقوق على حصار دمشق وقتال أهلها، فورد الخبر بذلك إلى منطاش في خامس عشر ذى القعدة، فتقدم في سابع عشره إلى الصاحب موفق الدين أبي الفرج بتجهيز الملك المنصور للسفر، فلم يجد في الخزائن ما يجهزه به فأخذ أموال اليتامى التي في الخزائن وأخذ كذلك من اليهود والنصارى أموالا واستصدر فتوى بحل قتل الظاهر برقوق بسبب ما قام به من خلع الخليفة والسلطان السابق وغيرها من الأمور ثم جهزت العساكر من مصر للسير لقتال الظاهر برقوق ففي ثاني محرم من سنة 792هـ وصل السلطان الملك المنصور إلى مدينة غزة بعساكر مصر، وجميعهم السلاح، أبدانهم وخيولهم، وبلغ ذلك الملك الظاهر فترك قتال أهل دمشق، وأقبل نحوهم، فنزل العسكر المصري على قرية المليحة - وهي تبعد عن شقحب بنحو بريد - وأقاموا بها يومهم، وبعثوا كشافتهم، فوجدوا الظاهر برقوق على شقحب، فكان اللقاء يوم الأحد رابع عشره، وقد وافاهم الظاهر برقوق، فوقف الأمير منطاش في الميمنة، وحمل على ميسرة الظاهر، فحمل أصحاب ميمنة الظاهر على ميسرة المنصور، وبذل كل من الفريقين جهده، وكانت حروب شديدة، انهزمت فيها ميمنة الظاهر وميسرته، وتبعهم منطاش بمن معه، وثبت الظاهر في القلب، وقد انقطع عنه خبر أصحابه، وأيقن بالهلاك، ثم حمل على المنصور بمن بقي معه، فأخذ المنصور والخليفة المتوكل والقضاة والخزاين، ومالت الطائفة التي ثبتت معه على الأثقال، فأخذتها عن أخرها، وكانت شيئاً يخرج عن الحد في الكثرة، ووقع الأمير قُجماس ابن عم الظاهر في قبضة منطاش، ومر في أثر المنهزمين حتى وصل إلى دمشق وأما الظاهر وأصحابه، فإن الأمير كُمشبغا نائب حلب كان ممن انهزم على شَقْحب، فتم في الهزيمة إلى حلب، وتبعه الأمير حسام الدين حسن الكجكني نائب الكرك، ومن بقى من عساكر حلب، فاستولى عليها، وانهزم أهل الكرك إليها، فلم يصلوا حتى مرت بهم شدائد، ولم يتأخر مع الظاهر إلا نحو الثلاثين، وقد تمزقت عساكره وعساكر مصر فلم يقصد إلا المنصور، فأخذه بمن معه فصار السلطان حاجي والخليفة المتوكل في قبضة الظاهر ثم في يوم الاثنين أقبل منطاش في عالم كبير من عوام دمشق وعساكرها ومن كان معه، فدارت بينه وبين الظاهر في هذا اليوم منذ شروق الشمس إلى آخره حروب لم يعهد بمصر والشام في هذه الأعصر مثلها، وبعث الله ريحاً ومطراً في وجه منطاش ومن معه، فكانت من أكبر أسباب خذلانه، ولم تغرب الشمس حتى فني من الفريقين خلق كثير من الفرسان والعامة، وانهزم منطاش إلى دمشق، وعاد الظاهر إلى منزلته فأقام بها سبعة أيام، وعزت عنده الأقوات، وفي أثناء إقامته، أمر الظاهر فجمع كل من معه من الأعيان وأشهد على المنصور حاجي أنه خلع نفسه، وحكم بتلك القضاة، ثم بويع الظاهر، وأثبت القضاة بيعته، فولى الظاهر الأمير فخر الدين إياس الجرجاوي نيابة صفد، والأمير سيف الدين قديد القَمطاي الكرك، والأمير علاء الدين أقبغا الصغير غزة، ورحل الظاهر، فأتاه عند رحيله منطاش بعسكر الشام، ووقف على بعد، فاستعد الظاهر إلى لقائه فولى عنه، وعاد إلى دمشق، وسار الملك الظاهر ومن معه يريد ديار مصر، وبعث إلى غزة يأمر منصور الحاجب بالقبض على حسام الدين حسن بن باكيش، فقبض عليه، واستولى على غزة، وبعث بابن باكيش إلى السلطان الظاهر برقوق فضربه بالمقارع وهو بالرملة، وسار الظاهر، إلى غزة، فضربه بها ضرباً مبرحاً، يوم دخلها مستهل صفر، ثم وفي بكرة نهار يوم الثلاثاء رابع عشر صفر، نزل الملك الظاهر بالريدانية خارج القاهرة، فخرج إلى لقائه الأشرف، مع السيد على نقيب الأشراف، وخرجت طوائف الفقراء بصناجقها، وخرجت العساكر بلبوسها الحربية، وكانت العساكر منذ خرج بطا وأصحابه لابسة السلاح ليلاً ونهاراً، وخرجت اليهود بالتوراة، والنصارى بالإنجيل، ومعهم شموع كثيرة مشعلة، وخرج من عامة الناس رجالهم ونساؤهم ما لا يحصيه إلا الله، وعندهم من الفرح والسرور شيء زائد، وهم يضجون بالدعاء للسلطان، حتى لقوه وأحاطوا به، وقد فرشت الشقق الحرير من الترب إلى باب السلسة، فلما وصل إليها تنحى بفرسه عنها، وقدم الملك المنصور حاجي بن الأشرف حتى مشى بفرسه عليها، ومشى بجانبه، فصار كأن الموكب للمنصور، فوقع هذا من الناس موقعاً عظيماً، ورفعوا أصواتهم بالدعاء والابتهال له لتواضعه مع المنصور في حال غلبته وقهره له، وأنه معه أسير، وعد هذا من فضائله، واستَدعى الخليفة وشيخ الإسلام وقضاة القضاة وأهل الدولة، وهو بالإصطبل، وجدد عقد السلطنة وتجديد التفويض الخليفتية، فشهد بذلك القضاة على الخليفة ثانياً، وأفيضت التشاريف الخليفتية على السلطان، ثم أفيضت التشاريف السلطانية على الخليفة، وركب السلطان من الإصطبل، وصعد القلعة، وتسلم قصوره، وقد عاد إليها حرمه وجواريه، فحقت البشائر.

مقتل يلبغا الناصري ومنطاش الذين عصيا على السلطان برقوق.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

مقتل يلبغا الناصري ومنطاش الذين عصيا على السلطان برقوق.
793 ذو الحجة - 1391 م
في أول شهر رجب قدم منطاش دمشق، وسار إليها من مرعش على العمق، حتى قارب من حماة، فانهزم منه نائبها إلى جهة طرابلس من غير لقاء، ودخلها منطاش، ولم يحدث حدثاً، وتوجه منها إلى حمص، ففر منه أيضاً نائبها إلى دمشق، ومعه نائب بعلبك، فخرج الأمير يلبغا الناصري يريد لقائه من طريق الزبداني، فثار أحمد شكر بجماعة البيدمرية، ودخل دمشق من باب كيسان، وأخذ ما في الإصطبلات من الخيول، وخرج في يوم الأحد تاسع عشرين جمادى الآخرة، وقدم منطاش في يوم الاثنين أول رجب من طريق أخرى، ونزل القصر الأبلق، ونزل جماعته حوله، وقد أَحضر إليه أحمد شكر من الخيول التي نهبها ثمانمائة فرس، وندبه ليدخل المدينة ويأخذ من أسواقها المال، فبينا هو كذلك إذ قدم الناصري بعساكر دمشق فاقتتلا قتالاً كبيراً مدة أيام، ثم إن منطاش انكسر، وقتل كثير ممن معه، وفر معظم التركمان الذين قدم بهم، وصار محصوراً بالقصر الأبلق، ثم إن السلطان برقوق سار بنفسه إلى دمشق ثم سار إلى حلب وفي ذي القعدة قبض سالم الذكرى على منطاش، وأن صاحب ماردين قبض على جماعة من المنطاشية حضروا إليه، فبعث السلطان قرا دمراش نائب حلب على عسكر، والأمير يلبغا الناصري نائب دمشق على عسكر، والأمير أينال اليوسفي أتابك العساكر على عسكر، فساروا لإحضار منطاش ومن معه، فنودي في القاهرة بالأمان، وقد حصل غريم السلطان الأمير قرا دمرداش وصل بعسكر حلب إلى أبيات سالم الذكرى، وأقام أربعة أيام يطالبه بتسليم منطاش وهو يماطله، فحنق منه وركب بمن معه، ونهب بيوته، وقتل عدة من أصحابه، ففر سالم بمنطاش إلى سنجار، وامتنع بها، ثم إن الأمير يلبغا الناصري حضر بعساكر دمشق بعد ذلك، فأنكر على قرا دمرداش ما وقع منه، وأغلظ في القول، وهم بضربه، فكادت تكون فتنة كبيرة، وعادا، وأن الأمير أدينال وصل بعسكر مصر إلى رأس عين، وتسلم من صاحب ماردين الذين قبضهم من المنطاشية، وكبيرهم قشتمر الأشرفي، وحضر بهم وبكتاب صاحب ماردين، وهو يعتذر، ويعد تحصيل غريم السلطان، وفي يوم الاثنين أول ذي الحجة خرج السلطان من حلب يريد دمشق، وفي سادسه قدم البريد بأن السلطان لما بلغه ما جرى من قرا دمرداش وما وقع بينه وبين الناصري من الفتنة، وأنهما عادا بغير طائل، غلب على ظنه صحة ما نقل عن الناصري من أن قصده مطاولة الأمر مع منطاش، وأنه لم يحضر إلى دمشق إلا بمكاتبته له بذلك، وأَنه قصر في أخذه بدمشق، وأن سالم الذكرى لم يرحل بمنطاش إلى سنجار إلا بكتاب الناصري إليه بذلك، فلما قدم إلى حلب قبض عليه وعلى شهاب الدين أحمد بن المهمندار نائب حماة، وكشلي أمير أخور الناصري، وشيخ حسن رأس نوبته، وقتلهم في ليلة قبضهم، ويذكر أن يلبغا الناصري هذا هو الذي تمالأ مع منطاش أولا على برقوق وسعيا حتى خلعاه ثم فسد الحال بينهما وفاز منطاش بالنيابة فسجن يلبغا وعندما استلم برقوق السلطنة مرة أخرى أخرج يلبغا وعفا عنه رغم ما فعله ضده وأنعم عليه بنيابة دمشق، ثم إنه تمالأ مرة أخرى مع منطاش فكان عاقبته القتل.

تيمورلنك يراسل السلطان برقوق ويتوعده والسلطان يجهز جيشا للقائه.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

تيمورلنك يراسل السلطان برقوق ويتوعده والسلطان يجهز جيشا للقائه.
796 - 1393 م
قام تيمورلنك بإرسال رسل مع هدايا إلى السلطان برقوق ولكن السلطان قتلهم فلما بلغ تيمورلنك ما فعله السلطان قام بكتابة رسالة كلها تهديد ووعيد فأجابه السلطان بما يناسب رسالته من قوة وعدم خوف، وأمر السلطان برقوق بتجهيز العساكر حتى أخذ من خزانة أموال اليتامى، لتجهيز العسكر وخرج من مصر في الرابع عشر من ربيع الآخر ثم رحل عن غزة في الثاني عشر من جمادى الأولى وقدم إلى مدينة دمشق رسل طقتمش خان، صاحب كرسي أزبك خان ببلاد القبجاق، بأنه يكون عوناً مع السلطان على تيمورلنك، ثم في العشرين منه دخل السلطان إلى دمشق، ثم في السابع عشر من رجب برزت العساكر من دمشق تريد حلب، ولكن قدم الخبر أن تيمورلنك قد عاد إلى بلاده، فلما تيقن من ذلك وفي يوم الاثنين أول شعبان توجه القان غياث الدين أحمد بن أويس من دمشق إلى بغداد، وقد قام له السلطان بجميع ما يحتاج إليه، وعند وداعه خلع عليه أطلسين بشاش متمر، وسيف بسقط ذهب، وأعطى تقليداً بنيابة السلطنة ببغداد، ولكن لما وصل إلى ظاهر بغداد، خرج إليه نائب تيمور بها، وقاتله فانكسر، ودخل بغداد، وأطلق المياه على عسكر ابن أويس ليغرقه، فأعانه الله وتخلص منها بعد يومين، وعبر بغداد، وقد هرب التمرية منها، فاستولى عليها، واستخدم جماعة من التركمان والعربان، فلما بلغ ذلك تيمور جهز أمراءه بالأموال إلى سمرقندي.

محاولة اغتيال السلطان الظاهر برقوق.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

محاولة اغتيال السلطان الظاهر برقوق.
800 ذو القعدة - 1398 م
ركب السلطان بعد صلاة الظهر يريد المقياس من شهر ذي القعدة، وفتح الخليج على العادة، ومعه الأمراء - إلا الأمير ألي باي الخازندار - فإنه كان قد انقطع في داره أياماً لمرض نزل به - فيما أظهره - وفي باطن أمره أنه قصد الفتك بالسلطان، فإنه علم أنه إذا نزل الخليج يدخل إليه ويعوده على ما جرت به عادته مع الأمراء، فدبر على اغتَيال السلطان، وأخلى اصطبله وداره من حريمه وأمواله، وأعد قوماً اختارهم لذلك، وكان سبب هذا فيما يظهر أن بعض مماليكه المختصين به - وكان شاد شراب خاناتَه - تعرض لجارية من جواري الأمير أقباي الطرنطاي، يريد منها ما يريده الرجل من المرأة، وصار بينهما مشاكلة، فبلغ ذلك أقباي، فقبض عليه وضربه ضرباً مبرحاً، فحنق آلي باي وشكاه للسلطان فلم يلتفت إلى قوله، وأعرض عن ذلك، وكان ألي باي في زعمه أن السلطان يزيل نعمة أقباي لأجله، فغضب من ذلك وحرك ما عنده من البغي الكامن، فلما فتح السلطان الخليج وركب إلى جهة القلعة اعترضه مملوك من خشداشيته اليلبغاوية، يعرف بسودن الأعور، وأسر إليه أن داره التي يسكنها تشرف على إسطبل الأمير ألي باي، وأنه شاهد مماليك ألي باي وقد لبسوا بدلة الحرب، وقفوا عند بوائك الخيل، وستروا البوائك بالأنخاخ ليخفي أمرهم، فكتم السلطان الخبر، وأمر الأمير أرسطاي رأس نوبة أن يتوجه إلى دار الأمير ألي باي، ويعلمهم أن السلطان يدخل لعيادته، فلما أعلم بذلك اطمأنوا، ووقف أرسطاي على باب ألي باي ينتظر قدوم السلطان، وعندما بعث السلطان أرسطاي أمير الجاويشية بالسكوت، وأخذ العصابة السلطانية التي ترفع على رأس السلطان فيعلم بها مكانه، يريد بذلك تعمية خبره، وسار إلى تحت الكبش، وهو تجاه دار ألي باي، والناس من فوقه قد اجتمعوا لرؤية السلطان، فصاحت به امرأة: لا تدخل فإنهم قد لبسوا آلة القتال، فحرك فرسه وأسرع في المشي ومعه الأمراء، ومن ورائه المماليك يريد القلعة، وأما ألي باي فإن بابه كان مردود الفردتين، وضبته مطرفة ليمنع من يدخل حتى يأتي السلطان، فلما أراد الله، مر السلطان حتى تعدى بابه، وكان في طريقه، فلم يعلموا بمروره حتى تجاوزهم بما دبره من تأخير العصائب وسكوت الجاويشية، وخرج أحد أصحاب ألي باي يريد فتح الضبة فأغلقها، وإلى أن يحضر مفتاح الضبة ويفتح فاتهم السلطان، وصار بينهم وبينه سد عظيم من الجمدارية، قد ملأوا الشارع بعرضه، فخرج ألي باي بمن معه لابسين السلاح، وعمدهم نحو الأربعين فارساً يريد السلطان، وقد ساق ومعه الأمراء حتى دخل باب السلسلة، وامتنع بالإصطبل، فوقف ألي باي تجاه الإصطبل بالرميلة تحت القلعة، ونزل إليه طائفة من المماليك السلطانية لقتاله، فثبت لهم وجرح جماعة، وقتل من السلطانية بيسق المصارع ثم انهزم ألي باي، وتفرق عنه من معه، هذا وقد ارتجت مصر والقاهرة، وجفل الناس من مدينة مصر، وكانوا بها للفرجة على العادة في يوم الوفاء، وطلبوا مساكنهم خوفاً من النهابة، وركب يلبغا المجنون ومعه مماليكه لابسين بدلة القتال يريد القلعة، واختلف الناس في السلطان، وأرجفوا بقتله وبفراره، وتباينت الأقوال فيه، واشتد الخوف وعظم الأمر، وبات السلطان بالإصطبل وقد نهبت العامة بيت ألي باي وخربوه، ونهبوا دار الأمير يلبغا المجنون وخربوها، وأما ألي باي فإنه لما تفرق عنه أصحابه اختفى في مستوقد حمام، فقبض عليه، وحمل إلى السلطان فقيده وسجنه بقاعة الفضة من القلعة، فلما أصبح نهار الأحد نزع العسكر آلة الحرب وتفرقوا، وعصر ألي باي، فلم يقر على أحد، وأحضر يلبغا المجنون فحلف أنه لم يوافقه، ولا علم بشيء من خبره، وأنه كان مع الوزير بمصر.

وفاة السلطان الظاهر برقوق وتولي ابنه الناصر فرج السلطنة.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

وفاة السلطان الظاهر برقوق وتولي ابنه الناصر فرج السلطنة.
801 شوال - 1399 م
في يوم الثلاثاء خامس شهر شوال ابتدأ مرض السلطان الظاهر برقوق، وذلك أنه ركب للعب الكرة بالميدان في القلعة على العادة، فلما فرغ منه قدم إليه عسل نحل ورد من كختا، فأكل منه ومن لحم بلشون، ودخل إلى قصوره، فعكف على شرب الخمر، فاستحال ذلك خلطاً ردياً لزم منه الفراش من ليلة الأربعاء، وتنوع مرضه حتى أًيس منه لشدة الحمى، وضعف القوى، فأرجفت بموته في يوم السبت تاسعه، واستمر أمره يشتد إلى يوم الأربعاء ثالث عشره، فشنع الأرجاف، وغلقت الأسواق، فركب الوالي ونادى بالإمعان، فلما أصبح يوم الخميس استدعى الخليفة المتوكل على الله أبا عبد الله محمد، وقضاة القضاة وسائر الأمراء - الأكابر والأصاغر - وجميع أرباب الدولة إلى حضرة السلطان، فحدثهم في العهد لأولاده، فابتدأ الخليفة بالحلف للأمير فرج ابن السلطان أنه هو السلطان بعد وفاة أبيه، ثم حلف بعده القضاة والأمراء، ثم مات بعد نصف ليلة الجمعة خامس عشر شوال، وقد تجاوز الستين سنة، منها مدة حكمه بديار مصر منذ صار أتابك العساكر، عوضاً عن الأمير طشتمر العلاي الدوادار، إلى أن جلس على تخت السلطة أربع سنين وتسعة أشهر وعشرة أيام، ومنذ تسلطن إلى أن مات ست عشرة سنة وأربعة أشهر وسبعة وعشرون يوماً، منها سلطته إلى أن خلع ست سنين وثمانية أشهر وعشرون يوماً، وسلطته منذ أعيد إلى أن مات تسع سنين وثمانية أشهر، والفترة بينهما ثمانية أشهر وتسعة أيام، ومدة حكمه أتابكاً وسلطاناً إحدى وعشرون سنة وعشرة أشهر وستة عشر يوماً، اجتمع بالقلعة الأمير الكبير أيتمش وسائر الأمراء وأرباب الدولة، واستدعى الخليفة وقضاة القضاة، وشيخ الإسلام البلقينِي، ومن عادته الحضور، فلما تكاملوا بالإصطبل السلطاني أحضر فرج بن الملك الظاهر برقوق، وخطب الخليفة وبايعه بالسلطة، وقلده أمور المسلمين، فقبل تقليده، وأحضرت خلعة سوداء، أفيضت على فرج، ونعت بالملك الناصر، ومضى حتى جلس على التخت بالقصر، وقبل الأمراء كلهم له الأرض على العادة، وألبس الخليفة التشريف، وكان عمره يومها قرابة الثلاث عشرة سنة.

الصلح بين تيمورلنك والسلطان فرج بن برقوق.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

الصلح بين تيمورلنك والسلطان فرج بن برقوق.
804 - 1401 م
بعد أن تم للمغول بقيادة تيمورلنك تديمر مدن الشام، أرسل تهديداته للسلطان فرج بن برقوق سلطان المماليك في مصر، وكان قد أسر أميرا من المغول يدعى (أطلمس) فطالب تيمورلنك بإطلاق سراحه فورا وإلا فسيزحف المغول على مصر ويرفعون راياتهم على ربوعها. وقد أذعن السلطان فرج لهذه التهديدات وأطلق سراح أطلمس وعقد صلحا مع تيمورلنك يتعهد فيه السلطان فرج بطاعة تيمورلنك والدعوة باسمه في مساجد مصر، وقد أدى هذا الصلح المهين إلى ذهاب حرمة المملكة واختفاء احترام الأمراء والعامة للسلطان فرج، فلم تمض سنوات ثلاث حتى عزل. والواقع أن هزائم دولة المماليك الثانية على عهد فرج بن برقوق تعتبر أقسى الهزائم التي تعرض لها المسلمون في العصور الوسطى وهذا بسبب تصارع المماليك المتعصبين لأصولهم العرقية.

الفتنة بين أمراء الشراكسة والأمراء الروم واختفاء السلطان الناصر فرج بن برقوق.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

الفتنة بين أمراء الشراكسة والأمراء الروم واختفاء السلطان الناصر فرج بن برقوق.
808 ربيع الأول - 1405 م
في يوم الثلاثاء سادس ربيع الأول تخبطت الأحوال بين السلطان وبين المماليك، فوقف طائفة من المماليك الجراكسة، وسألوا أن يقبض على الأمير تغري بردي، والأمير دمرداش، والأمير أرغون، من أجل أنهم من جنس الروم، وذلك أن السلطان اختص بهم، وتزوج ابنة تغري بردي، وأعرض عن الجراكسة، وقبض على إينال بيه فخاف الجراكسة من تقدم الروم عليهم، وأرادوا من السلطان إبعادهم، فأبى عليهم، فتحزبوا عليه، واجتمعوا على الأمير الكبير بيبرس، وتأخروا عن الخدمة السلطانية، فتغيب في ليلة الأربعاء الأميران تغري بردي ودمرداش، وأصبح الناس يوم الأربعاء سابعه، وقد ظهر الأمير يشبك الدوادار، والأمير تمراز، والأمير جركس المصارع، والأمير قانباي العلاي، وكانوا مختفين من حين الكسرة، بعد وقعة السعيدية، وذلك أن الأمير بيبرس ركب سحراً إلى السلطان وتلاحى معه طويلاً، وعرفه بمواضع الأمراء المذكورين، فاستقر الأمر على مصالحة السلطان للجراكسة، وإحضار الأمراء المذكورين، والإفراج عن إينال باي وغيره، فانفضوا على ذلك، وصار العسكر حزبين وأظهر الجراكسة الخلاف، ووقفوا تحت القلعة يمنعون من يقصد السلطان، وجلس الأمير الكبير بيبرس في جماعة من الأمراء بداره، وصار السلطان بالقلعة، وعنده عدة أمراء، وتمادى الحال يوم الخميس والجمعة والسبت، والناس في قلق، وبينهم قالة وتشانيع وإرجافات، ونزل السلطان إلى باب السلسلة، واجتمع معه بعض الأمراء ليصلح الأمر، فلم يفد شيئاً، وكثرت الشناعة عليه، وباتوا على ما هم عليه، وأصبحوا يوم الأحد خامس عشرينه وقد كثروا، فطلبوا من السلطان أن يبعث إليهم بالأمير تغري بردي والأمير أرغون، فلما بعثهما قبضوا عليهما، وأخرجوا تغري بردي منفياً في الترسيم إلى القدس، فلما كان عند الظهيرة، فقد السلطان من القلعة، فلم يعرف له خبر، وسبب اختفائه أن النوروز كان في يوم السبت رابع عشرين ربيع الأول هذا، فجلس السلطان مع عدة من خاصكيته لمعاقرة الخمر، ثم ألقى نفسه في بحره ماء وقد ثمل، فتبعه جماعة وألقوا أنفسهم معه في الماء، وسبح بهم في البحرة، وقد ألقى السلطان عنه جلباب الوقار، وساواهم في الدعابة والمجون، فتناوله من بينهم شخص، وغمه في الماء مراراً، كأنه يمازحه ويلاعبه، وإنما يريد أن يأتي على نفسه، مما هو إلا أن فطن به فبادر إليه بعض الجماعة - وكان رومياً - وخلصه من الماء، وقد أشرف على الموت، فلم يبد السلطان شيئاً، وكتم في نفسه، ثم باح بما أسره، لأنه كان لا يستطع كتمان سر، وأخذ يذم الجراكسة - وهم قوم أبيه، وشوكة دولته، وجل عسكره - ويمدح الروم، ويتعصب لهم، وينتمي إليهم، فإن أمه شيرين كانت رومية، فشق ذلك على القوم، وأخذوا حذرهم، وصاروا إلى الأمير الكبير بيبرس ابن أخت الظاهر واستمالوه، فخاف السلطان وهم أن يفر، فبادره الأمير بيبرس وعنفه، وما زال به حتى أحضر الأمراء من الإسكندرية ودمياط، وأظهر الأمراء المختفين كما ذكر، فاجتمع الأضداد، واقترن العدي والأنداد، ثم عادوا إلى ما هم عليه من الخلاف بعد قليل، وأعانهم السلطان على نفسه، بإخراج يشبك بن أزدمر، وأزبك، فأبدوا عند ذلك صفحات وجوههم، وأعلنوا بخلافه، وصاروا إلى أينال باي بن قجماس، ليلة الجمعة، وسعوا فيما هم فيه، ثم دسوا إليه سعد الدين بن غراب كاتب السر، فخيله منهم، حتى امتلأ قلبه خوفاً، فلما علم ابن غراب بما هو فيه من الخوف، حسن له أن يفر، فمال إليه، وقام وقت الظهر من بين حرمه وأولاده، وخرج من ظهر القلعة من باب السر الذي يلي القرافة، ومعه الأمير بيغوت، فركبا فرسين قد أعدهما ابن غراب، وسارا مع بكتمر مملوك ابن غراب، ويوسف بن قطلوبك صهره أيضاً، إلى بركة الحبش، ونزلا وهما معهما في مركب، وتركوا الخيل نحو طرا وغيبوا نهارهم في النيل، حتى دخل الليل، فساروا بالمركب إلى بيت ابن غراب، وكان فيما بين الخليج وبركة الفيل، فلم يجدوه في داره، فمروا على أقدامهم حتى أووا في بيت بالقاهرة لبعض معارف بكتمر مملوك ابن غراب، ثم بعثوا إلى ابن غراب فحول السلطان إليه وأنزله عنده بداره، من غير أن يعلم بذلك أحد.

خلع السلطان الناصر فرج بن برقوق وتولية أخيه المنصور عز الدين عبدالعزيز.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

خلع السلطان الناصر فرج بن برقوق وتولية أخيه المنصور عز الدين عبدالعزيز.
808 ربيع الأول - 1405 م
لما فقد الملك الناصر وقت الظهر من يوم الأحد خامس عشرين ربيع الأول بادر الأمراء بالركوب إلى القلعة، وهم طائفتان الطائفة التي خالفت علي الناصر وحاربته، ثم مضت إلى الشام، فشنت الغارات وأقبلت بالعساكر وبيتته بالسعيدية، وانتهبت ما كان معه ومع عساكره، حتى رجع إلى قلعة الجبل على جمل، فجمع وحشد،، وأعد واستعد، فقاتلوه أياماً، ثم غلبوا، فكر بعضهم راجعاً إلى الشام، واختفى بعضهم إلى أن أمنهم وأعادهم إلى رتبهم، وهم عدة، يرجع أمرهم إلى الأمير يشبك الدوادار، والطائفة الأخرى هي التي وفت للناصر وحاربت من ذكرنا معه، وكبيرهم الأمير الكبير بيبرس ابن أخت الظاهر، فلما صار الفريقان إلى القلعة، منعهم الأمير سودون تلى المحمدي أمير أخور من صعود القلعة، وهم يضرعون إليه من بعد نصف النهار إلى بعد غروب الشمس، ثم مكنهم من العبور من باب السلسلة، وقد أحضروا الخليفة والقضاة الأربع، واستدعوا الأمير عبد العزيز بن الظاهر برقوق، وقد ألبسه سعد الدين إبراهيم بن غراب الخلعة الخليفتية، وعممه، فعهد إليه الخليفة أبو عبد الله محمد المتوكل على الله بالسلطنة، ولقبوه الملك المنصور عز الدين، وكنوه بأبي العز، وذلك عند أذان عشاء الآخرة، من ليلة الاثنين سادس عشرين ربيع الأول، وقد ناهز الاحتلام، وقام سعد الدين إبراهيم بن غراب كاتب سر مصر بأعباء المملكة، يدبر الأمراء كيف شاء، والمنصور تحت كفالة أمه، ليس له من السلطنة سوى مجرد الاسم في الخطة، وعلى أطراف المراسيم.

خلع السلطان المنصور عبدالعزيز بن برقوق وعودة أخيه السلطان الناصر فرج.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

خلع السلطان المنصور عبدالعزيز بن برقوق وعودة أخيه السلطان الناصر فرج.
808 جمادى الآخرة - 1405 م
في شهر جمادى الآخرة، أوله الثلاثاء، فيه مرض السلطان الملك المنصور، وفي يوم الجمعة رابعه: عادت الخيول من الربيع، وظهر بين أهل الدولة حركة، فكثرت القالة، وبات المماليك تسعى بعضها إلى بعض، فظهر الملك الناصر في بيت الأمير سودن الحمزاوي، وتلاحق به كثير من الأمراء والمماليك، ولم يطلع الفجر حتى ركب السلطان بآلة الحرب، وإلى جانبه ابن غراب، وعليه آلة الحرب، وسار بمن اجتمع إليه يريد القلعة، فقاتله سودن المحمدي أمير أخور، وأينال بيه بن قجماس، وبيبرس الكبيري، ويشبك بن أزدمر، وسودن المارديني، قتالاً ليس بذاك، ثم انهزموا، وصعد السلطان إلى القلعة، فكانت مدة عبد العزيز سبعين يوماً، فعاد السلطان الملك الناصر زين الدين فرج ابن الملك الظاهر برقوق إلى الملك ثانيا وذلك أنه لما فقد من القلعة، وصار إلى بيت سعد الدين بن غراب، ومعه بيغوت، قام له بما يليق به، وأعلم الأمير يشبك به، فخفي على أهل الدولة مكانه، ولم يعبأوا به، وأخذ ابن غراب يدبر في القبض على الأمير أينال بيه، فلم يتم له ذلك، فلما تمادت الأيام، قرر مع الطائفة التي كانت في الشام من الأمراء، وهم يشبك، وقطلو بغا الكركي، وسودن الحمزاوي في آخرين، أنه يخرج إليهم السلطان، ويعيدوه إلى الملك، لينفردوا بتدبير الأمور، وذلك أن الأمير بيبرس الأتابك قويت شوكته على يشبك، وصار يتردد إليه، ويأكل على سماطه، فعز عليه، وعلى أصحابه ذلك، فما هو إلا أن أعلمهم ابن غراب بالخبر، وافقوه على ذلك، وواعد بعضهم بعضاً، فلما استحكم أمرهم، برز الناصر نصف ليلة السبت خامس جمادى الآخرة من بيت ابن غراب، ونزل بدار الأمير سودن الحمزاوي، واستدعى الناس، فأتوه من كل جهة، وركب وعليه سلاحه، وابن غراب إلى جانبه، وقصد القلعة، فناوشه من تأخر عنه من الأمراء قليلاً، ثم فروا، فملك السلطان القلعة بأيسر شيء، وذلك أن صوماي رأس نوبة كان قد وكل بباب القلعة، فعندما رأى السلطان فتح له، فطلع منه، وملك القصر، فلم يثبت بيبرس ومن معه، ومروا منهزمين، فبعث السلطان بالأمير سودن الطيار في طلب الأمير بيبرس فأدركه خارج القاهرة، فقاتله وأخذه وأحضره إلى السلطان، فقيده، وبعثه إلى الإسكندرية فسجن بها، واختفي الأمير أينال بيه بن قجماس، والأمير سودن المارديني.

الأمير شيخ والأمير نوروز يحاولان خلع السلطان فرج بن برقوق.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

الأمير شيخ والأمير نوروز يحاولان خلع السلطان فرج بن برقوق.
813 محرم - 1410 م
في شهر ذي الحجة من سنة اثنتي عشرة وثمانمائة سبعة أشهر وهو (الأمير شيخ) يقاتل نوروزاً ودمرداش، ويحاصرهما بحماة، ووقع بينهم في هذه المدة المذكورة حروب وخطوب يطول شرحها، وقتل بينهم خلائق لا تحصى، واشتد الأمر على نوروز وأصحابه بحماة، وقلت عندهم الأزواد وقاسوا شدائد حتى وقع الصلح بينه وبين الأمير شيخ، وذلك عندما سمعوا بخروج الملك الناصر فرج إلى البلاد الشامية، وخاف نوروز إن ظفر به الملك الناصر لا يبقيه، فاحتاج إلى الصلح، وحلف كل من نوروز وشيخ لصاحبه، وأما السلطان الملك الناصر، فإنه أخذ في التجهيز إلى السفر نحو البلاد الشامية، وعظم الاهتمام في أول محرم هذه السنة، وأما الأمير شيخ، فإنه لما بلغه خروج السلطان من الديار المصرية، لم يثبت، وداخله الخوف، وخرج من دمشق في يوم الثلاثاء سادس عشرين شهر ربيع الأول المذكور بعساكره ومماليكه، وتبعه الأمير جانم نائب حماة، فدخل بكتمر جلق إلى الشام من الغد في يوم سابع عشرينه - على حين غفلة - حتى يطرق شيخاً، ففاته شيخ بيوم واحد، لكنه أدرك أعقابه وأخذ منهم جماعةً، ونهب بعض أثقال شيخ، ثم دخل السلطان الملك الناصر إلى دمشق بعد عشاء الآخرة من ليلة الخميس ثامن عشرينه، وقد ركب من بحيرة طبرية في عصر يوم الأربعاء على جرائد الخيل ليكبس شيخاً، ففاته بيسير، وكان شيخ قد أتاه الخبر وهو جالس بدار السعادة من دمشق، فركب من وقته وترك أصحابه، ونجا بنفسه بقماش جلوسه، فما وصل إلى سطح المزة إلا وبكتمر جلق داخل دمشق؟ ومر شيخ على وجهه منفرداً عن أصحابه، ومماليكه وحواشيه في أثره، والجميع في أسوء ما يكون من الأحوال، وسار السلطان بعساكره إلى جهة حلب حتى وصلها، في قصد شيخ ونوروز بمن معهما من الأمراء، ثم كتب السلطان لنوروز وشيخ يخيرهما، إما الخروج من مملكته، أو الوقوف لمحاربته، أو الرجوع إلى طاعته فأجابه الأمير شيخ بأنه ليس بخارج عن طاعته، ويعتذر عن حضوره بما خامر قلبه من شدة الخوف والهيبة عندما قبض عليه السلطان مع الأتابك يشبك الشعباني في سنة عشر وثمانمائة، وأنه قد حلف لا يحارب السلطان ما عاش، من يوم حلفه الأمير الكبير تغري بردي في نوبة صرخد، وكرر الإعتذار عن محاربته لبكتمر جلق، حتى قال: وإن كان السلطان ما يسمح له بنيابة الشام على عادته، فينعم عليه بنيابة أبلستين، وعلى الأمير نوروز بنيابة ملطية، وعلى يشبك بن أزدمر بنيابة عين تاب، وعلى غيرهم من الأمراء ببقية القلاع، فإنهم أحق من التركمان المفسدين في الأرض فلم يرض السلطان بذلك، وصمم على الإقامة ببلاد الشام، وبينما السلطان بحلب، ورد عليه الخبر بأن شيخاً ونوروزاً وصلا عين تاب، وسارا على البرية إلى جهة الشام، فركب السلطان مسرعاً من حلب على حين غفلة في ثالث عشرين شهر رجب ببعض عساكره، وسار حتى دخل دمشق في أربعة أيام، وأما شيخ ونوروز، فإنهما لما سار السلطان عن أبلستين خرجا من قيسارية بمن معهم، وجاؤوا إلى أبلستين فمنعهم أبناء دلغادر وقاتلوهم، فانكسروا منهم وفروا إلى عين تاب، فلما قربوا من تل باشر تمزقوا، وأخذت كل طائفة جهة من الجهات، فلحق بحلب ودمشق منهم عدة وافرة، واختفى منهم جماعة، ومر شيخ ونوروز بحواشيهما على البرية إلى تدمر فامتاروا منها، ومضوا مسرعين إلى صرخد وتوجهوا إلى البلقاء ودخلوا بيت المقدس، ثم توجهوا إلى غزة وأقاموا بها حتى أخرج السلطان إليهم بكتمر جلق على عسكر كبير، فسار إلى زرع، ثم كتب للسلطان يطلب نجدة، فأخرج إليه السلطان من دمشق بعسكر هائل من الأمراء والمماليك السلطانية فلما وصل بكتمر جلق بمن معه من الأمراء إلى غزة، وبلغه توجه شيخ ونوروز إلى جهة مصر، إلى أن وصلوا إلى مصر في يوم الأحد ثامن شهر رمضان ودخل معهم إلى القاهرة خلائق من الزعر، وبني وائل - من عرب الشرقية - والأمير سعيد الكاشف - هو معزول وأصبح الأمير شيخ أقام رجلاً في ولاية القاهرة فنادى بالأمان، ووعد الناس بترخيص الأسعار، وبإزالة المظالم، فمال إليه جمع من العامة، وأقاموا ذلك اليوم، وملكوا مدرسة الملك الأشرف شعبان التي كانت بالصوة تجاه الطبلخاناة السلطانية، هذا والقتال مستمر بينهم وبين أهل القلعة، ثم طلبوا من الأمراء الذين بالقلعة فتح باب القلعة لهم قالوا: مالنا غرض في النهب وإنما نريد أن نأخذ ابن أستاذنا - يعنون بابن أستاذنا: الأمير فرج ابن السلطان الملك الناصر فرج، فقال كافور الزمام وأيش صاب السلطان حتى تأخذوا ولده؟ فقالوا: لو كان السلطان حياً ما كنا هاهنا - يعنون أنهم قتلوا السلطان، وساروا إلى الديار المصرية ليسلطنوا ولده - فلم يمش ذلك على كافور ولا على غيره، وطال الكلام بينهم في ذلك، فلم يلتفت كافور إلى كلامهم، فهددوه بإحراق الباب، فخاف وبدأ يماطلهم لعلمه بمجيء العسكر المصري من الشام، وبينما كافور الزمام في مدافعتهم لاحت طلائع العسكر السلطاني لمن كان شيخ أوقفه من أصحابه يرقبهم بالمآذن بقلعة الجبل، وقد ارتفع العجاج، وأقبلوا سائقين سوقاً عظيماً جهدهم، فلما بلغ شيخاً وأصحابه ذلك لم يثبتوا ساعةً واحدةً، وركبوا من فورهم ووقفوا قريباً من باب السلسلة، فدهمهم العسكر السلطاني فولوا هاربين نحو باب القرافة، والعسكر في أثرهم، فكبا بالأمير شيخ فرسه عند سوق الخيم بالقرب من باب القرافة، فتقنطر من عليه، فلم يستطع النهوض ثانياً، لعظم روعه وسرعة حركته، فأركبه بعض أمراء آخوريته وركب شيخ ولحق بأصحابه، فمروا على وجوههم على جرائد الخيل، وتركوا ما أخذوه من القاهرة، وأيضاً ما كان معهم، وساروا على أقبح وجه بعد أن قبض عسكر السلطان على جماعة من أصحاب شيخ، ودخل الأمير بكتمر جلق بعساكره، وأرسل الأمير سودون الحمصي فاعتقل جميع من أمسك من الشاميين، وأخذ يتتبع من بقي من الشامية بالقاهرة، ثم نادى في الوقت بالأمان، وقدم عليه الخبر في ليلة الأربعاء حادي عشر من شهر رمضان المذكور بأن شيخاً نزل إطفيح وأنهم افترقوا فرقتين، فرقة رأسها الأمير نوروز الحافظي ويشبك بن أزدمر وسودون بقجة، وفرقة رأسها الأمير شيخ المحمودي وسودون تلي المحمدي وسودون قراصقل، وكل فرقة منهما معها طائفة كبيرة من الأمراء والمماليك، وأنهم لما وصلوا إلى الشوبك دفعهم أهلها عنها، فساروا إلى جهة الكرك وبها سودون الجلب، فتضرعوا له حتى نزل إليهم من قلعة الكرك، وتلقاهم وأدخلهم مدينة الكرك، وأنهم استقروا بالكرك، واستمر السلطان بدمشق إلى يوم سابع عشر ذي القعدة، وخرج منها إلى قبة يلبغا، ورحل من الغد بأمرائه وعساكره يريد الكرك بعد ما تحقق نزول الأمراء بالكرك، وأما شيخ ونوروز وجماعتهما، فإنهم أقاموا بالكرك أياماً، واطمأنوا بها، ثم أخذوا في تحصينها، وأما السلطان الملك الناصر، فإنه سار من مدينة دمشق حتى نزل على مدينة الكرك في يوم الجمعة رابع عشرين ذي القعدة، وأحاط بها ونصب عليها الآلات، وجد في قتالها، وحصرها وبها شيخ ونوروز وأصحابهما، واشتد الحصار عليهم بالكرك، وأخذ الملك الناصر يلازم قتالهم حتى أشرفوا على الهلاك والتسليم، ثم أخذ شيخ ونوروز والأمراء يكاتبون الأمير تغري بردي ويتضرعون إليه، وهو يتبرم من أمرهم والكلام في حقهم، ويوبخهم بما فعله الأمير شيخ مع بكتمر جلق بعد حلفه في واقعة صرخد، فأخذ شيخ يعتذر ويحلف بالأيمان المغلظة أن بكتمر جلق كان الباغي عليه والبادئ بالشر، وأنه هو دفع عن نفسه لا غير، وأنه ما قصده في الدنيا سوى طاعة السلطان، ولازالوا حتى تكلم تغري بردي مع السلطان في أمرهم، ثم ترددت الرسل بينهم وبين السلطان أياماً حتى انعقد الصلح، على أن يكون تغري بردي نائب الشام، وأن يكون الأمير شيخ نائب حلب، وأن يكون الأمير نوروز نائب طرابلس، وكان ذلك بإرادة شيخ ونوروز، فإنهما قالا: لا نرضى أن يكون بكتمر جلق أعلى منا رتبة بأن يكون نائب الشام، ونحن أقدم منه عند السلطان، فإن كان ولا بد، فيكون الأمير الكبير تغري بردي في نيابة الشام، ونكون نحن تحت أوامره، ونسير في المهمات السلطانية تحت سنجقه، وأما بكتمر ودمرداش فلا، وإن فعل السلطان ذلك لا يقع منا بعدها مخالفة أبداً ولما بلغ الأمراء والعساكر هذا القول أعجبهم غاية الإعجاب، وقد ضجر القوم من الحصار، وملوا من القتال، فلا زالوا بالسلطان حتى أذعن ومال إلى تولية تغري بردي نيابة الشام، وكان السلطان قد شرط على الأمراء شروطاً كثيرة فقبلوها، على أن يكون تغري بردي نائب دمشق.

عودة الأميرين شيخ ونوروز للخروج عن الطاعة ومسير السلطان فرج بن برقوق إليهم.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

عودة الأميرين شيخ ونوروز للخروج عن الطاعة ومسير السلطان فرج بن برقوق إليهم.
814 جمادى الآخرة - 1411 م
تواترت الأخبار بأن الأميرين شيخ ونوروز قد اتفقا على الخروج عن طاعة السلطان، وعزما على أخذ حماة، فوقع الشروع في عمارة قلعة دمشق، وكتب تقدير المصروف على ذلك، مبلغ ثلاثين ألف دينار، وفيه وقع الاهتمام في بلاد الشام بتجهيز الإقامات للسلطان وفي شهر رجب قدم الخبر بأن الأمير نوروز نائب طرابلس توجه منها إلى حصن الأكراد، وحاصرها، وأن الأمير شيخ كتب إليه أنه اتفق مع جماعة من قلعة حلب على أن يسلموها له، وأشار عليه أن يرجع إلى طرابلس يحصل قلعة حلب بيده، وأن الاتفاق وقع بينهما على أن يجهزا سودن الجلب على ثلاثمائة فارس ليأخذ حماة، وأن الأمير شيخ أرسل إلى ناصر الدين محمد بن دلغادر يعرض عليه نيابة عينتاب فلم يقبل ذلك، وأنه خرج من حلب يريد العمق، فنزله سلخ جمادى الآخرة، وجمع عليه طائفة التركمان البياضية وابن سقل سيز، ابن صاحب الباز، وغيرهم من التركمان والعرب، وأنه أوقع بعمر بن كندر في ثالث رجب ثم قاتل التركمان في سابعه، فكسرهم، وأسر منهم جماعة، وأنه بعث أحمد الجنكي أحد ندمائه بهدية إلى قرا يوسف، وأن نوروز بعث إليه بهدية أخرى، صحبة بهلوان، من أصحابه، وفي شهر رمضان تأكد عند السلطان خروج الأميرين شيخ ونوروز عن طاعته، وأنهما عزما على أخذ دمشق، وأن سودن الجلب ويشبك بن أزدمر سعيا في ذلك، وأن الأمير نوروز قتل أقسنقر الحاجب، ثم في شهر ذي الحجة خرج السلطان بجيشه من مصر يريد الشام وأن يأخذ شيخ ونوروز ثم جاء الخبر بأن الأمراء الذين تقدموه قد خرجوا عن الطاعة، فلم يثبت، وسار من غزة مجداً في طلبهم، وقد نفرت منه القلوب، وتمالت على بغضه، لقبح سيرته، وسوء سريرته، وفي سادس عشرين ذي الحجة نزل الأمراء الذين تقدموا بقبة يلبغا خارج دمشق، وركبوا إلى الأمير تغري بردي نائب الشام، فعادوه، وقد اشتد به مرضه، وأعلنوا بما هم عليه من الخلاف للسلطان، والخروج عن طاعته، ثم رحلوا عن قبة يلبغا في تاسع عشرينه، ونزلوا على برزة يريدون اللحاق بالأميرين شيخ ونوروز على حمص، فلم يوافقهم على ذلك الأمير شاهين الزردكاش، فقبضوا عليه ومضوا، ونزل السلطان الكسوة في بكرة يوم الثلاثاء سلخه، وقد فت في عضده مخالفة الأمراء عليه، ولاحت إمارات الخذلان عليه، وظهرت كآبة الزوال والإدبار، فألبس من معه من العسكر السلاح، ورتبهم بنفسه، ثم ساق بهم، وقصد دمشق.

السلطان فرج بن برقوق يقتل المماليك الشراكسة مماليك أبيه وغيرهم.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

السلطان فرج بن برقوق يقتل المماليك الشراكسة مماليك أبيه وغيرهم.
814 شعبان - 1411 م
قبض السلطان على جماعة من كبار المماليك الظاهرية - برقوق - وحبسهم بالبرج من القلعة، ثم قتلهم بعد شهر، وكانوا جمعاً كبيراً، ثم في شهر رجب نزل السلطان من القلعة إلى الصيد، فبات ليلة وعزم على مبيت ليلة أخرى سرياقوس، فبلغه أن طائفة من الأمراء والمماليك اتفقوا على قتله، فعاد إلى القاهرة مسرعاً، وأخذ يتتبع ما قيل حتى ظفر بمملوكين عندهما الخبر، فعاقبهما في ثامن عشر شهر رجب المذكور، فأظهرا ورقة فيها خطوط جماعة كبيرة، كبيرهم الأمير جانم وكان جانم المذكور قد سافر قبل تاريخه إلى منية ابن سلسيل، وهي من جملة إقطاعه، فندب السلطان الأمير بكتمر جلق، والأمير طوغان الحسني الدوادار، لإحضار جانم المذكور ومسك السلطان بعد خروجهما جماعةً كبيرةً من الأمراء والمماليك الظاهرية ووسط منهم خمسة، فنفرت القلوب منه، ووجد شيخ ونوروز للوثوب عليه سبيلاً ذبح السلطان في ليلة الأربعاء - مستهل شعبان - عشرين مملوكاً ممن قبض عليهم، ثم وسط من الأمراء في يوم الأربعاء ثامنه عشرة أخر تحت القلعة، وفي ليلة الأربعاء المذكورة قتل السلطان أيضاً بالقلعة من المماليك الظاهرية زيادة على مائة مملوك من الشراكسة من مماليك أبيه، ثم إن السلطان نادى في أول شهر رمضان بالقلعة بالأمان، وأنهم عتقاء شهر رمضان، فظهر منهم جماعة، فأمنوا، وتتابع بقيتهم حتى ظهر قريب من ثلاثين مملوكاً في عدة أيام، فوعدوا بخير، وأن يعطوا الخيل، ورسم لهم بيوم يجتمعون فيه لأخذ خيولهم فاغتروا وحضروا، فقبض عليهم كلهم وحبسوا، وتتبع الممالك السلطانية، وجلس السلطان لتفريق القرقلات برسم الرسم عليهم، فقبض على جماعة كثيرة منهم، وسجنهم، فما انقضى شهر رمضان حتى زادت عدة المسجونين من المماليك السلطانية على أربعمائة رجل ثم ذبح السلطان في ليلة ثالث شوال أزيد من مائة نفس من المماليك السلطانية الظاهرية المحبوسين بالبرج، ثم ألقوا من سور القلعة إلى الأرض، ورموا في جب مما يلي القرافة، واستمر الذبح فيهم.

خروج السلطان الناصر فرج بن برقوق لقتال الأمراء المتمردين واعتقال السلطان.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

خروج السلطان الناصر فرج بن برقوق لقتال الأمراء المتمردين واعتقال السلطان.
815 محرم - 1412 م
خرج السلطان الملك الناصر من دمشق بعساكره في يوم الاثنين سادس المحرم، ونزل برزة، ثم رحل منها يريد محاربة الأمراء الخارجين عليه نوروز الحافظي وشيخ المحمودي، ونزل حسيا بالقرب من حمص، فبلغه رحيل القوم من قارا إلى جهة بعلبك، فترك أثقاله بحسيا وساق أثرهم إلى بعلبك، فوجدهم قد توجهوا إلى البقاع، فقصدهم، فمضوا نحو الصبيبة، فتبعهم حتى نزلوا باللجون، فساق خلفهم وهو سكران لا يعقل، فما وصل إلى اللجون حتى تقطعت عساكره عنه من شدة السوق، ولم يبق معه غير من ثبت على سوقه، وهم أقل ممن تأخر، وكان قد وصل وقت العصر من يوم الاثنين ثالث عشر المحرم فوجد الأمراء قد نزلوا باللجون وأراحوا، وفي ظنهم أنه يتمهل ليلته ويلقاهم من الغد، فإذا جنهم الليل ساروا بأجمعهم من وادي عارة إلى جهة الرملة، وسلكوا البرية عائدين إلى حلب، وليس في عزمهم أن يقاتلوه أبداً، لا سيما الأمير شيخ فإنه لا يريد ملاقاته بوجه من الوجوه، فحال وصول الملك الناصر إلى اللجون أشار عليه الأتابك دمرداش المحمدي أن يريح خيله وعساكره تلك الليلة، ويقاتلهم من الغد، فأجابه السلطان بأنهم يفرون الليلة، فقال له دمرداش المذكور: إلى أين بقوا يتوجهوا يا مولانا السلطان بعد وقوع العين في العين؟ يا مولانا السلطان مماليكك في جهد وتعب من السوق، والخيول كلت، والعساكر منقطعة، فلم يلتفت إلى كلامه، وحرك فرسه ودق بزخمته على طبله، وسار نحو القوم، وحمل عليهم بنفسه من فوره حال وصوله، فارتضمت طائفة من مماليكه في وحل كان هناك، ثم قبل اللقاء خرج الأمير قجق أحد أمراء الألوف بطلبه من مماليكه وعسكره، وذهب إلى الأمراء، وتداول ذلك من المماليك الظاهرية واحداً بعد واحد، والملك الناصر لا يلتفت إليهم، ويشجع من بقي معه حتى التقاهم وصدمهم صدمة هائلة، وتقهقر عسكره مع قلتهم، فانهزم السلطان عند ذلك، بعد أن قاتل بنفسه، وساق يريد دمشق - وكان الرأي توجهه إلى مصر - وتبعه سودون الجلب، وقرقماس ابن أخي دمرداش، ففاتهما الملك الناصر ومضى إلى دمشق، وأحاط القوم بالخليفة المستعين بالله، وفتح الدين فتح الله كاتب السر، وناظر الجيش بدر الدين حسن بن نصر الله، وناظر الخاص أبن أبي شاكر، واستولوا على جميع أثقال الملك الناصر وأمرائه، وامتدت أيدي أصحاب الأمراء إلى النهب والأسر في أصحاب الملك الناصر، وما غربت الشمس حتى انتصر الأمراء وقوي أمرهم، وباتوا تلك الليلة بمخيماتهم، وهي ليلة الثلاثاء، وأصبح الأمراء وليس فيهم من يرجع إليه، بل كل واحد منهم يقول: أنا رئيس القوم وكبيرهم، وأما الملك الناصر، فإنه لما انكسر سار نحو دمشق حتى دخلها ليلة الأربعاء في ثلاثة نفر، ونزل بالقلعة واستدعى القضاة والأعيان ووعدهم بكل خير، وحثهم على نصرته والقيام معه، فانقادوا له، فأخذ في تدبير أموره، وتلاحقت به عساكره شيئاً بعد شيء في العاشر من محرم ثم أحضر السلطان الأموال وصبها وأتاه الناس من كل فج من التركمان والعربان والعشير وغيرهم، فكتب أسماءهم وأنفق عليهم وقواهم بالسلاح، وأنزل كل طائفة منهم بموضع يحفظه فكان عدة من استخدمه من المشاة زيادةً على ألف رجل، وحصن القلعة، بالمناجيق والمدافع الكبار، وأتقن تحصين القلعة بحيث إنه لم يبق سبيل للتوصل إليها بوجه من الوجوه واستمر ذلك إلى بكرة يوم السبت ثامن عشر المحرم، فنزل الأمراء على قبة يلبغا خارج دمشق، فندب السلطان عسكراً فتوجهوا إلى القبيبات، فبرز لهم سودون المحمدي، وسودون الجلب، واقتتلوا حتى تقهقر السلطانية منهم مرتين، ثم انصرف الفريقان، وفي يوم الأحد تاسع عشر المحرم ارتحل الأمراء عن قبة يلبغا، ونزلوا غربي دمشق من جهة الميدان، ووقفوا من جهة القلعة إلى خارج البلد، فتراموا بالنشاب نهارهم وبالنفط، فاحترق ما عند باب الفراديس من الأسواق، فلما كان الغد من يوم الاثنين عشرين المحرم اجتمع الأمراء للحصار، فوقفوا شرقي البلد وقبليه، ثم كروا راجعين ونزلوا ناحية القنوات إلى يوم الأربعاء ثاني عشرينه، ووقع القتال من شرقي البلد، ونزل الأمير نوروز بدار الطعم، وامتدت أصحابه إلى العقيبة، ونزل طائفة بالصالحية والمزة، ونزل شيخ بدار غرس الدين خليل تجاه جامع كريم الدين الذي بطرف القبيبات ومعه الخليفة وكاتب فتح الله، ونزل بكتمر جلق وقرقماس - سيدي الكبير - في جماعة من جهة بساتين معين الدين ومنعوا الميرة عن الملك الناصر، وقطعوا نهر دمشق، ففقد الماء من البلد، وتعطلت الحمامات، وغلقت الأسواق، واشتد الأمر على أهل دمشق، واقتتلوا قتالاً شديداً، وتراموا بالسهام والنفوط، فاحترق عدة حوانيت بدمشق، وكثرت الجراحات في أصحاب الأمراء من الشاميين، وأنكاهم السلطانية بالرمي من أعلى السور، وعظم الأمر، وكلوا من القتال، ثم بلغ شيخاً أن الملك الناصر عزم على إحراق ناحية قصر حجاج حتى يصير فضاءً ثم يركب بنفسه ويواقع القوم هناك بمن يأتيه من التركمان وبمن عنده، فبادر شيخ وركب بعد صلاة الجمعة بأمير المؤمنين ومعه العساكر، وسار من طريق القبيبات ونزل بأرض الثابتية، وقاتل الملك الناصر في ذلك اليوم أشد قتال إلى أن مضى من الليل جانب، وكثر من الشاميين الرمي بالنفط عليهم، فاحترق سوق خان السلطان وما حوله، وحملت السلطانية على الشيخية حملةً عظيمة هزموهم فيها، وتفرقوا فرقاً، وثبت شيخ في جماعة قليلة بعد ما كان انهزم هو أيضاً إلى قريب الشويكة، ثم تكاثر الشيخية وانضم عليهم جماعة من الأمراء، فحمل شيخ بنفسه بهم حملة واحدة أخذ فيها القنوات، ففر من كان هناك من التركمان والرماة وغيرهم، وكان الأتابك دمرداش المحمدي نازلاً عند باب الميدان تجاه القلعة، فلما بلغه ذلك ركب وتوجه إلى الملك الناصر وهو جالس تحت القبة فوق باب النصر، وسأله أن يندب معه طائفة كبيرة من المماليك السلطانية، ليتوجه بهم إلى قتال شيخ، فإنه قد وصل إلى طرف القنوات، وسهل أخذه على السلطان، فنادى الملك الناصر لمن هناك من المماليك وغيرهم بالتوجه مع دمرداش، فلم يجبه منهم أحد، ثم كرر السلطان عليهم الأمر غير مرة حتى أجابه بعضهم جواباً فيه جفاء وخشونة ألفاظ، معناه أنهم ملوا من طول القتال، وضجروا من شدة الحصار، وبينما هم في ذلك، إذ اختبط العسكر السلطاني وكثر الصراخ فيهم بأن الأمير نوروزاً قد كبسهم، فسارعوا بأجمعهم وعبروا من باب النصر إلى داخل مدينة دمشق، وتفرقوا في خرائبها بحيث إنه لم يبق بين يدي السلطان أحد، فولى دمرداش عائداً إلى موضعه، وقد ملك شيخ وأصحابه الميدان والإسطبل، فبعث دمرداش إلى السلطان مع بعض ثقاته بأن الأمر قد فات، وأن أمر العدو قوي، وأمر السلطان أخذ في إدبار، والرأي أن يلحق السلطان بحلب ما دام في الأمر نفس، فلما سمع الملك الناصر ذلك قام من مجلسه وترك الشمعة تقد حتى لا يقع الطمع فيه بأنه ولى، ويوهم الناس أنه ثابت مقيم على القتال، ثم دخل إلى حرمه وجهز ماله، وأطال في تعبئة ماله وقماشه، فلم يخرج حتى مضى أكثر الليل، والأتابك دمرداش واقف ينتظره، فلما رأى دمرداش أن الملك الناصر لا يوافقه على الخروج إلى حلب، خرج هو بخواصه ونجا بنفسه، وسار إلى حلب وترك السلطان، ثم خامر الأمير سنقر الرومي على الملك الناصر، وأتى أمير المؤمنين وبطل طبول السلطان والرماة، ثم خرج الملك الناصر من حرمه بماله، وأمر غلمانه فحملت الأموال على البغال ليسير بهم إلى حلب، فعارضه الأمير أرغون من بشبغا الأمير آخور الكبير وغيره، ورغبوه في الإقامة بدمشق، وقالوا له: الجماعة مماليك أبيك لا يوصلون إليك سوءاً أبداً، ولا زالوا به حتى طلع الفجر، فعند ذلك ركب الملك الناصر بهم، ودار على سور المدينة فلم يجد أحداً ممن كان أعده للرمي، فعاد ووقف على فرسه ساعة، ثم طلع إلى القلعة والتجأ بها بمن معه - وقد أشحنها - وترك مدينة دمشق، وبلغ أمير المؤمنين والأمراء ذلك، فركب شيخ بمن معه إلى باب النصر، وركب نوروز بمن معه إلى نحو باب توما، ونصب شيخ السلالم حتى طلع بعض أصحابه، ونزل إلى مدينة دمشق وفتح باب النصر، وأحرق باب الجابية، ودخل شيخ من باب النصر، وأخذ مدينة دمشق، ونزل بدار السعادة، وذلك في يوم السبت تاسع صفر، بعد ما قاتل الملك الناصر نحو العشرين يوماً، قتل فيها من الطائفتين خلائق لا تحصى، ووقع النهب في أموال السلطان وعساكره، وامتدت أيدي الشيخية وغيرهم إلى النهب، فما عفوا ولا كفوا، وركب أمير المؤمنين ونزل بدار في طرف ظواهر دمشق، وتحول شيخ إلى الإسطبل، وأنزل الأمير بكتمر جلق بدار السعادة، كونه قد ولي نيابة دمشق قبل تاريخه، هذا والسلطانية ترمي عليهم من أعلى القلعة بالسهام والنفوط يومهم كله، وباتوا ليلة الأحد على ذلك، فلما كان يوم الأحد عاشر صفر المذكور بعث الملك الناصر بالأمير أسندمر أمير آخور في الصلح، وتردد بينهم غير مرة حتى انعقد الصلح بينهم، وحلف الأمراء جميعهم وكتبت نسخة اليمين، ووضعوا خطوطهم في النسخة المذكورة، وكتب أمير المؤمنين أيضاً خطه فيها، وصعد بها أسندمر المذكور إلى القلعة ومعه الأمير ناصر الدين محمد بن مبارك شاه الطازي - أخو الخليفة المستعين بالله لأمه - ودخلا على الملك الناصر وكلماه في ذلك، وطال الكلام بينهم فلم يعجب الملك الناصر ذلك، وترددت الرسل بينهم غير مرة بغير طائل، وأمر الملك الناصر أصحابه بالرمي عليهم، فعاد الرمي من أعلى القلعة بالمدافع والسهام، وركب الأمراء واحتاطوا بالقلعة، فأرسل الملك الناصر يسأل بالكف عنه، فضايقوا القلعة خشية أن يفر السلطان منها إلى جهة حلب، ومشت الرسل أيضاً بينهم ثانياً، وأضر الملك الناصر التضييق والغلبة إلى أن أذعن إلى الصلح، وحلفوا له ألا يوصلوا إليه مكروهاً، ويؤمنوه على نفسه، وأن يستمر الخليفة سلطاناً، وقيل غير ذلك وهو أنه ينزل إليهم، ويتشاور الأمراء فيمن يكون سلطاناً، فإن طلبه المماليك فهو سلطان على حاله، وإن لم يطلبوه فيكون الخليفة، ويكون هو مخلوعاً يسكن بعض الثغور محتفظاً به، ومحصول الحكاية أنه نزل إليهم في ليلة الاثنين حادي عشر صفر، ومعه أولاده يحملهم ويحملون معه، وهو ماش من باب القلعة إلى الإسطبل والناس تنظره، وكان الأمير شيخ نازلاً بالإسطبل المذكور، فعندما عاينه شيخ قام إليه وتلقاه وقبل الأرض بين يديه، وأجلسه بصدر المجلس، وجلس بالبعد عنه وسكن روعه، ثم تركه بعد ساعة وانصرف عنه، فأقام الملك الناصر بمكانه إلى يوم الثلاثاء ثاني صفر، فجمع الأمراء والفقهاء والعلماء المصريون والشاميون بدار السعادة بين يدي أمير المؤمنين - وقد تحول إليها وسكنها - وتكلموا في أمر الملك الناصر والمحضر المكتب في حقه، فأفتوا بإراقة دمه شرعاً، فأخذ في ليلة الأربعاء من الإسطبل، وطلع به إلى قلعة دمشق، وحبسوه بها في موضع وحده، وقد ضيق عليه وأفرد من خدمه، فأقام على ذلك إلى ليلة السبت سادس عشر صفر، وقتل حسبما سنذكره في موضعه بعد اختلاف كبير وقع في أمره بين الأمراء: فكان رأي شيخ إبقاءه محبوساً بثغر الإسكندرية، وإرساله إليها مع الأمير طوغان الحسني الدوادار، وكان رأي نوروز قتله، وقام نوروز وبكتمر جلق في قتله قياماً بذلاً فيه جهدهما، وكان الأمير يشبك بن أزدمر أيضاً ممن امتنع من قتله، وشنع ذلك على نوروز، وأشار عليه ببقائه، واحتج بالأيمان التي حلفت له، واختلف القوم في ذلك، فقوي أمر نوروز وبكتمر بالخليفة المستعين بالله، فإنه كان أيضاً اجتهد هو وفتح الله كاتب السر في قتله، وحملا القضاة والفقهاء على الكتابة بإراقة دمه بعد أن توقفوا عن ذلك، حتى تجرد قاضي القضاة ناصر الدين محمد بن العديم الحنفي لذلك، وكافح من خالفه من الفقهاء بعدم قتله بقوة الخليفة ونوروز وبكتمر وفتح الله، ثم أشهد على نفسه أنه حكم بقتله شرعاً، فأمضي قوله وقتل الناصر.

خلع السلطان الناصر فرج بن برقوق وتولية الخليفة العباسي المستعين بالله السلطنة.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

خلع السلطان الناصر فرج بن برقوق وتولية الخليفة العباسي المستعين بالله السلطنة.
815 محرم - 1412 م
دار الأمر بين السلطان والأمراء العصاة عليه وفي هذه الأثناء وفي يوم السبت خامس عشرين المحرم، خلع الخليفة المستعين بالله الملك الناصر فرج من السلطنة، واتفق الأمراء على إقامة الخليفة المستعين بالله أبو الفضل العباس ابن الخليفة المتوكل على الله أبي عبد الله محمد ابن الخليفة المعتصم بالله أبي بكر ابن الخليفة المستكفي بالله أبي الربيع سليمان ابن الخليفة الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد بن الحسن بن أبي بكر بن علي بن الحسين في السلطنة لتستقيم بسلطنته الأحوال، وتنفذ الكلمة، وتجتمع الناس على سلطان، وثبت خلع الملك الناصر على القضاة، وأجمعوا على إقامة الخليفة سلطاناً، فامتنع الخليفة من ذلك غاية الامتناع، وخاف ألا يتم له ذلك فيهلك، وصمم على الامتناع، وخاف من الملك الناصر خوفاً شديداً، فلما عجز عنه الأمراء دبروا عليه حيلةً، وطلبوا الأمير ناصر الدين محمد بن مبارك شاه الطازي - وهو أخو الخليفة المستعين بالله لأمه - وندبوه بأن يركب ومعه ورقة تتضمن مثالب الملك الناصر ومعايبه، وأن الخليفة قد خلعه من الملك وعزله من السلطنة، ولا يحل لأحد معاونته ولا مساعدته، فلما بلغ الخليفة ذلك لام أخاه ناصر الدين بن مبارك شاه على ذلك، وأيس الخليفة عند ذلك من انصلاح الملك الناصر له، فأذعن لهم حينئذ بأن يتسلطن؟ فبايعوه بأجمعهم، وحلفوا له بالأيمان المغلظة والعهود على الوفاء له وعلى القيام بنصرته ولزوم طاعته، وأما الملك الناصر، فإنه لما تسلطن الخليفة، وخلع هو من الملك، نفر الناس عنه، وصاروا حزبين: حزباً يرى أن مخالفة الخليفة كفر، والناصر قد عزل من الملك، فمن قاتل معه فقد عصى الله ورسوله، وحزباً يرى أن القتال مع الملك الناصر واجب، وأنه باق على سلطنته، ومن قاتله إنما هو باغ عليه وخارج عن طاعته، ومن حينئذ أخذ أمر الملك الناصر في إدبار.

اغتيال السلطان المخلوع الناصر فرج بن برقوق في حبسه في قلعة دمشق.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

اغتيال السلطان المخلوع الناصر فرج بن برقوق في حبسه في قلعة دمشق.
815 صفر - 1412 م
تم القبض على السلطان الناصر فرج وحبسه في القلعة ثم استخرجت فتوى بحل دمه لأمور قام بها ثم وفي ليلة السبت سادس عشر صفر دخل عليه ثلاثة نفر هم الأمير ناصر الدين محمد بن مبارك شاه الطازي أخو الخليفة المستعين بالله لأمه، وآخر من ثقات شيخ، وآخر من أصحاب نوروز، ومعهم رجلان من المشاعلية، فعندما رآهم الملك الناصر فرج قام إليهم فزعاً، وعرف فيما جاؤوا، ودافع عن نفسه، وضرب أحد الرجلين بالمدورة صرعه، ثم قام الرجل هو ورفيقه ومشوا عليه وبأيديهم السكاكين، ولا زالوا يضربونه بالسكاكين المذكورة وهو يعاركهم بيديه، وليس عنده ما يدفع عن نفسه به، حتى صرعاه، بعد ما أثخنا جراحه في خمسة مواضع من بدنه، وتقدم إليه بعض صبيان المشاعلية فخنقه وقام عنه، فتحرك الملك الناصر، فعاد إليه وخنقه ثانياً حتى قوي عنده أنه مات، فتحرك، فعاد إليه ثالثاً وخنقه، وفرى أوداجه بخنجر كان معه، وسلبه ما عليه من الثياب، ثم سحب برجليه حتى ألقي على مزبلة مرتفعة من الأرض تحت السماء، وهو عاري البدن، يستر عورته وبعض فخذيه سراويله، وعيناه مفتوحتان، والناس تمر به ما بين أمير وفقير ومملوك وحر قد صرف الله قلوبهم عن دفنه ومواراته، وبقيت الغلمان والعبيد والأوباش تعبث بلحيته وبدنه، واستمر على المزبلة المذكورة طول نهار السبت المذكور، فلما كان الليل من ليلة الأحد حمله بعض أهل دمشق وغسله وكفنه، ودفنه بمقبرة باب الفراديس احتساباً لله تعالى، بموضع يعرف بمرج الدحداح، ولم تكن جنازته مشهودة، ولا عرف من تولى غسله ومواراته، فكانت مدة ولاية السلطان الناصر فرج الثانية حوالي السبع سنين والأولى مثلها تقريبا.
*برقوق يُعدُّ «برقوق» المؤسس الأول لدولة «المماليك البرجية»، فعلى يديه تم عزل آخر سلاطين دولة المماليك البحرية السلطان «الصالح حاجى» سنة 784هـ=1382م، فسقطت دولة البحرية، وقامت دولة البرجية، فكثرت الصراعات الداخلية طمعًا فى السلطنة، وسادت الفوضى، وعَمَّت الفتن، وتميز عهد «برقوق» بالمعارضة الشديدة له، فاهتم بالقضاء على هذه الفتن، وإعادة الهدوء والاستقرار إلى أرجاء ملكه، ثم عمل على إصلاح أحوال البلاد الداخلية، وظل على ذلك حتى استقرت له الأمور فى أواخر عهده، ومات فى سنة (801هـ = 1399م)، بعد أن عهد إلى ابنه «فرج» بالسلطنة من بعده.
*فرج بن برقوق أحد سلاطين دولة المماليك البرجية فى مصر والشام تولى العرش بعد أبيه سنة 801هـ= 1399م وله من العمر ثلاث عشرة سنة، فكثرت فى عهده الاضطرابات والفتن، وخرج عليه الأمراء، خاصة أمراء «سوريا» الذين عارضوا حكمه، فحاول «فرج» أن يسيطر على الموقف وظل يكافح كفاحًا مضنيًا طويلا من أجل تحقيق ذلك، وتمكن من القضاء على فتنة الأمراء فى «سوريا»، ومع ذلك تهدد عرشه بالسقوط أكثر من مرة، إلا أنه ظل يقاوم حتى قُتل فى سنة (815هـ=1412م).
*مدرسة السلطان برقوق أنشأها الناصر فرج بن برقوق سنة (803 هـ)، السلطان السادس والعشرون من ملوك الترك بالديار المصرية، والثانى من الجراكسة وموضعها حاليًّا شارع المعز لدين الله، وهى التى ألقى فيها ابن خلدون دروسه فى فقه المالكية.
وتشغل مدرسة السلطان برقوق قطعة أرض تكاد تكون مربعة الشكل؛ إذ تبلغ مساحتها ( 6800 م2).، وتكوِّن المدرسة وملحقاتها طرازًا فريدًا فى الحضارة الإسلامية، إذ جمعت بين طراز المدارس المكون من أربعة إيوانات متعامدة على بعضها البعض، يتوسطها صحن، وطراز المساجد المكونة من صفوف من البوائك، تحصر بينها عددًا من الأروقة، كما أنها تحتوى على ثمانى خَلْوَات للصوفية.
وتشغل الواجهة الرئيسية للمدرسة الضلع الغربى لها، ويبلغ طولها نحو (86) مترًا، وتحتوى على مئذنتين متماثلتين تقعان على الواجهة الرئيسية، يبلغ ارتفاع كل منهما (30) مترًا، وتتكون من ثلاثة طوابق.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت