|
صهـيونصَهيونيّ/ صُهيونيّ/ صِهيونيّ [مفرد]: ج صهيونيّون وصهاينة:1 -خاصّ بالصّهيونيَّة "حركة صَهْيونيَّة- مؤتمر صِهْيونيّ".2 -من يتبع حركة يهوديّة معاصرة هدفها إنشاء وطن قوميّ لليهود في فلسطين العربيّة.
صَهيونيَّة/ صُهيونيَّة/ صِهيونيَّة [مفرد]: (سة) حركة سياسيَّة دينيَّة ظهرت في أواخر القرن التَّاسع عشر، تدعو إلى إقامة دولة يهوديَّة مستقلَّة في فلسطين، تزعّمها صحفيّ يهوديّ اسمه تيودور هرتزل، وهي نسبة إلى جبل صِهْيون القريب من أورشليم، وتسعى حاليًا لدعم ومساندة دولة إسرائيل "ادِّعاءات صهيونيّة". |
المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
معجم البلدان لياقوت الحموي
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
صَهْيَا:
قرية من إقليم بانياس من أعمال دمشق سكنها هشام بن عمرو بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بن حرب، ذكره ابن أبي العجائز في تاريخ دمشق وغيره من الأشراف. |
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
صَهِيد:
بفتح الصاد، وكسر الهاء، وياء ساكنة، ودال مهملة: مفازة ما بين اليمن وحضرموت يقال لها صهيد، بخط ابن الخاضبة مصحح، والذي عليه النحويون في الأمثلة أنّه صيهد على وزن فيعل، وهو من قراءات الكتاب. |
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
صِهْيَوْنُ:
بكسر أوّله ثمّ السكون، وياء مثناة من تحت مفتوحة، وواو ساكنة، وآخره نون، قال الأزهري قال أبو عمرو: صهيون هي الروم، وقيل: البيت المقدس، قال الأعشى يمدح يزيد وعبد المسيح ابني الدّيان، وقيل يمدح السيد والعاقب أساقفة نجران: أيا سيّدي نجران لا أوصينكما ... بنجران فيما نابها واعتراكما فإن تفعلا خيرا وترتديا به ... فإنكما أهل لذاك كلاكما وإن تكفيا نجران أمر عظيمة ... فقبلكما ما سادها أبواكما وإن أجلبت صهيون يوما عليكما ... فإن رحى الحرب الدكوك رحاكما قلت: فهو موضع معروف بالبيت المقدس محلة فيها كنيسة صهيون، وصهيون أيضا: حصن حصين من أعمال سواحل بحر الشام من أعمال حمص لكنه ليس بمشرف على البحر، وهي قلعة حصينة مكينة في طرف جبل، خنادقها أودية واسعة هائلة عميقة ليس لها خندق محفور إلّا من جهة واحدة مقدار طوله ستون ذراعا أو قريب من ذلك وهو نقر في حجر، ولها ثلاثة [1] في هذا البيت إقواء. أسوار: سوران دون مربضها وسور دون قلعتها، وكانت بيد الأفرنج منذ دهر حتى استرجعها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب من يد الأفرنج سنة 584، وهي بيد المسلمين إلى الآن. |
موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب
موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
صَهْيُونِيَّةالجذر: ص هـ ي ن
مثال: ادِّعَاءات صَهْيُونيةالرأي: مرفوضةالسبب: لأنها لم ترد بهذا الضبط في المعاجم. الصواب والرتبة: -ادِّعاءات صِهْيَوْنيَّة [فصيحة]-ادعاءات صَهْيُونيّة [صحيحة] التعليق: وردت كلمة «الصهيونية» في بعض المعاجم بكسر الصاد وفتح الياء نسبة إلى جبل قرب القدس يسمى «صِهْيَوْن» كبِرْذَوْن، ووردت في الأساسي، والمنجد بفتح الصاد وضم الياء. |
معجم الصحابة للبغوي
|
صهيب بن سنان أبو يحيى
مات سنة ثمان وثلاثين وكان يسكن المدينة وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث. حدثني عمي علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد: صهيب بن سنان بن مالك من بني أوس بن مناة من اليمن كان أصله سبي بالروم ووافوا به الموسم واشتراه عبد الله بن جدعان القرشي فأعتقه. وأم صهيب سلمى بنت قعيد من بني عمرو بن تميم وقد كان استعمل أباه سنان بن مالك على [الأبلة]. قال أبو القاسم: ورأيت في " كتاب محمد بن عمر ": صهيب رجل |
أسد الغابة في معرفة الصحابة
|
557- ثابت بن صهيب
ب س: ثابت بْن صهيب بْن كرز بْن عبد مناة بْن عمرو بْن غيان بْن ثعلبة بْن طريف بْن الخزرج بْن ساعدة الأنصاري الخزرجي الساعدي شهد أحدًا، ذكره الطبري. أخرجه أَبُو عمر، وَأَبُو موسى مختصرًا. غيان: بالغين المعجمة والياء المشددة تحتها نقطتان، وآخره نون. |
أسد الغابة في معرفة الصحابة
|
2538- صهيب بن سنان
ب د ع: صهيب بْن سنان بْن مالك بْن عبد عمرو بْن عقيل بْن عامر بْن جندلة بْن جذيمة بْن كعب بْن سعد بْن أسلم بْن أوس مناة بْن النمر بْن قاسط بْن هنب بْن أفصى بْن دعمي بْن جديلة بْن أسد بْن ربيعة بْن نزار، الربعي النمري. كذا نسبه الكلبي، وَأَبُو نعيم. وقال الواقدي: صهيب بْن سنان بْن خَالِد بْن عبد عمرو بْن عقيل بْن كعب بْن سعد. وقال ابن إِسْحَاق: صهيب بْن سنان بْن خَالِد بْن عبد عمرو بْن طفيل بْن عامر بْن جندلة بْن سعد بْن خزيمة بْن كعب بْن سعد، فجعل طفيلًا بدل عقيل، وجعل خزيمة بدل جذيمة، وهو من النمر بْن قاسط، وأمه سلمى بنت قعيد بْن مهيص بْن خزاعي بْن مازن بْن مالك بْن عمرو بْن تميم، كنيته أَبُو يحيى، كناه بها رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قيل له: الرومي، لأن الروم سبوه صغيرًا، وكان أبوه وعمه عاملين لكسرى عَلَى الأبلة، وكانت منازلهم عَلَى دجلة عند الموصل، وقيل: كانوا عَلَى الفرات من أرض الجزيرة، فأغارت الروم عليهم، فأخذت صهيبًا وهو صغير، فنشأ بالروم، فصار ألكن، فابتاعته منهم كلب، ثم قدموا به مكة فاشتراه عَبْد اللَّهِ بْن جدعان التيمي منهم، فأعتقه، فأقام معه حتى هلك عَبْد اللَّهِ بْن جدعان. وقال أهل صهيب، وولده، ومصعب الزبيري: إنه هرب من الروم لما كبر وعقل، فقدم مكة فحالف ابن جدعان، وأقام معه إِلَى أن هلك. ولما بعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسلم وكان من السابقين إِلَى الإسلام، قال الواقدي: أسلم صهيب، وعمار، في يَوْم واحد، وكان إسلامهما بعد بضعة وثلاثين رجلًا، وكان من المستضعفين بمكة الذين عذبوا. أخبرنا أَبُو مَنْصُور بْن مكارم بْن أحمد بْن سعد، بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبِي زكرياء يزيد بْن إياس، قال: وكان اشتراه عَبْد اللَّهِ بْن جدعان، يعني صهيبًا، من كلب بمكة، وكانت كلب اشترته من الروم، فأعتقه، وأسلم صهيب ورسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في دار الأرقم بعد بضعة وثلاثين رجلًا، وكان من أهل المستضعفين بمكة المعذبين في اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وقدم في آخر الناس في الهجرة إِلَى المدينة علي بْن أَبِي طالب وصهيب، وذلك في النصف من ربيع الأول ورسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقباء لم يرم بعد. وآخى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بينه وبين الحارث بْن الصمة، ولما هاجر صهيب إِلَى المدينة تبعه نفر من المشركين، فنثل كنانته، وقال لهم: يا معشر قريش، تعلمون أني من أرماكم، والله لا تصلون إلي حتى أرميكم بكل سهم معي، ثم أضربكم بسيفي ما بقي في يدي، منه شيء، فإن كنتم تريدون مالي دللتكم عليه، قَالُوا: فدلنا عَلَى مالك ونخلي عنك، فتعاهدوا عَلَى ذلك، فدلهم عليه، ولحق برسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال له رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ربح البيع أبا يحيى "، فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: {{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ، وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}} . وشهد صهيب بدرًا، وأحدًا، والخندق، والمشاهد كلها مع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (635) أخبرنا أَبُو مَنْصُورِ بْنُ مَكَارِمَ بِإِسْنَادِهِ، عن أَبِي زَكَرِيَّا، أخبرنا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرْبِيُّ، حدثنا أَبُو حُذَيْفَةَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، حدثنا عُمَارَةُ بْنُ زَاذَانَ، عن ثَابِتٍ، عن أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " السُّبَّاقُ أَرْبَعَةٌ، أَنَا سَابِقُ الْعَرَبِ، وَصُهَيْبٌ سَابِقُ الرُّومِ، وَسَلْمَانُ سَابِقُ فَارِسَ، وَبِلالٌ سَابِقُ الْحَبَشِ " (636) قال: وأخبرنا أَبُو زكرياء، أخبرنا أحمد بْن عبد الصمد، حدثنا علي بْن الحسين، حدثنا عفيف، حدثنا سفيان، عن مَنْصُور، عن مجاهد، قال: أول من أظهر إسلامه سبعة: النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بكر، وبلال، وصهيب، وخباب، وعمار بْن ياسر، وسمية أم عمار، رضي اللَّه عنهم أجمعين، فأما النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمنعه اللَّه، وأما أَبُو بكر فمنعه قومه، وأما الآخرون فأخذوا وألبسوا أدراع الحديد، ثم أصهروا في الشمس (637) أخبرنا أَبُو جَعْفَرٍ الْمُبَارَكُ بْنُ الْمُبَارَكِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ زُرَيْقٍ الْوَاسِطِيُّ، إِمَامُ الْجَامِعِ بِهَا، أخبرنا أَبُو السَّعَادَاتِ الْمُبَارَكُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ بَعُوبَا، أَخْبَرَكُمْ أَبُو الْفَتْحِ نَصْرُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ الشَّاشِيُّ فَاعْتَرَفَ بِهِ، قُلْتُ لَهُ: أَخْبَرَكُمْ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ خَلَفٍ الْمُقْرِئُ، أخبرنا أَبُو الْحُسَيْنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْحَنْبَلِيُّ، أخبرنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَالُويْهِ، حدثنا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، حدثنا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عن ثَابِتٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عن صُهَيْبٍ، أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، نَادَى مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ، فَيَقُولُونَ: مَا هُوَ، أَلَمْ يُثَقِّلْ مَوَازِينَنَا وَيُبَيِّضْ وُجُوهَنَا، وَيُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَيُخْرِجْنَا مِنَ النَّارِ؟ فَيُكْشَفُ لَهُمُ الْحِجَابُ، فَيَنْظُرُونَ إِلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَمَا شَيْءٌ أُعْطَوْهُ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ، وَهِيَ الزِّيَادَةِ " وروى عنه ابن عمر أَنَّهُ قال: مررت برسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يصلي، فسلمت عليه، فرد عَلَى إشارة بإصبعه. (638) أخبرنا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مِهْرَانَ الْفَقِيهُ، وَغَيْرُهُ، بِإِسْنَادِهِمْ إِلَى أَبِي عِيسَى مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيل الْوَاسِطِيُّ، حدثنا وَكِيعٌ، حدثنا أَبُو فَرْوَةَ يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ، عن أَبِي الْمُبَارَكِ، عن صُهَيْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ " وكان فيه مع فضله وعلو درجته مداعبة وحسن خلق، روى عنه أَنَّهُ قال: جئت النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو نازل بقباء، وبين أيديهم رطب وتمر، وأنا أرمد، فأكلت، فقال النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أتأكل التمر وأنت أرمد "، فقلت: إنما آكل عَلَى شق عيني الصحيحة، فضحك رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى بدت نواجذه. وكان في لسانه عجمة شديدة، وروى زيد بْن أسلم، عن أبيه، قال: خرجت مع عمر حتى دخل عَلَى صهيب حائطًا له بالعالية، فلما رآه صهيب قال: يناس يناس، فقال عمر: ماله، لا أباله، يدعو الناس؟ فقلت: إنما يدعو غلامًا له اسمه يحنس، وَإِنما قال ذلك لعقده في لسانه، فقال له عمر: ما يحنس فيك شيء أعيبه يا صهيب إلا ثلاث خصال، لولاهن ما قدمت عليك أحدًا: أراك تنتسب عربيًا ولسانك أعجمي، وتكتني بأبي يحيى اسم نبي، وتبذر مالك، فقال: أما تبذيري مالي فما أنفقه إلا في حقه، وأما اكتنائي بأبي يحيى فإن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كناني بأبي يحيى، فلن أتركها، وأما انتمائي إِلَى العرب فإن الروم سبتني صغيرًا، فأخذت لسانهم، وأنا رجل من النمر بْن قاسط، ولو انفلقت عني روثة لانتميت إليها. وكان عمر بْن الخطاب رضي اللَّه عنه، محبًا لصهيب، حسن الظن فيه، حتى إنه لما ضرب أوصي أن يصلي عليه صهيب، وأن يصلي بجماعة المسلمين ثلاثًا، حتى يتفق أهل الشورى عَلَى من يستخلف. وتوفي صهيب بالمدينة سنة ثمان وثلاثين في شوال، وقيل: سنة تسع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وقيل: ابن سبعين سنة، ودفن بالمدينة. وكان أحمر شديد الحمرة، ليس بالطويل ولا بالقصير، وهو إِلَى القصر أقرب، كثير شعر الرأس. أخرجه الثلاثة. |
أسد الغابة في معرفة الصحابة
|
2539- صهيب بن النعمان
ع ب س: صهيب بْن النعمان. غير منسوب، أورده الطبراني، وابن إشكاب، وغير واحد في الصحابة. (639) أخبرنا أَبُو مُوسَى، كِتَابَةً، أخبرنا الْكُوشِيذِيُّ أَبُو غَالِبٍ وَالْقرانِيُّ ونوشروانُ، قَالُوا: أخبرنا ابْنُ رِيذَةَ. ح قَالَ أَبُو مُوسَى: وأخبرنا أَبُو عَلِيٍّ الْحَدَّادُ، أخبرنا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالا: أخبرنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حدثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَعْمَرِيُّ، حدثنا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَزَّانُ، أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ الْقُرْقُسَانِيُّ، حدثنا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، حدثنا مَنْصُورٌ، عن هِلالِ بْنِ يَسَافٍ، عن صُهَيْبِ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فَضْلُ صَلاةِ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ عَلَى صَلاتِهِ حَيْثُ يَرَاهُ النَّاسُ، كَفَضْلِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى النَّافِلَةِ "، رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، عن ابْنِ مُصْعَبٍ، أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ، وَأَبُو عُمَرَ، وَأَبُو مُوسَى |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
بن كرز بن عبد مناة بن عمرو بن غيّان- بمعجمة ثمّ تحتانية مشددة- الساعدي.
ذكر ابن سعد وابن شاهين أنه شهد أحدا، وكذا الطبريّ. |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
بن مالك. ويقال خالد بن عبد عمرو بن عقيل. ويقال:
طفيل بن عامر بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد بن أسلم بن أوس بن زيد مناة بن النمر بن قاسط النمريّ، أبو يحيى. وأمه من بني مالك بن عمرو بن تميم، وهو الرّوميّ. قيل له ذلك لأن الرّوم سبوه صغيرا. قال ابن سعد: وكان أبوه وعمه على الأبلّة من جهة كسرى، وكانت منازلهم على دجلة من جهة الموصل، فنشأ صهيب بالروم، فصار ألكن، ثم اشتراه رجل من كلب فباعه بمكّة فاشتراه عبد اللَّه بن جدعان التميميّ فأعتقه. ويقال: بل هرب من الرّوم فقدم مكّة، فحالف ابن جدعان. [وروى ابن سعد أنه أسلم هو وعمّار، ورسول اللَّه ﷺ في دار الأرقم] «2» . ونقل الوزير أبو القاسم المغربيّ أنه كان اسمه عميرة فسمّاه الرّوم صهيبا، قال: وكانت أخته أميمة تنشده في المواسم، وكذلك عماه: لبيد، وزحر، ابنا مالك. وزعم عمارة بن وثيمة أن اسمه عبد الملك. ونقل البغويّ أنه كان أحمر شديد الصهوبة تشوبها حمرة، وكان كثير شعر الرأس يخضب بالحناء، وكان من المستضعفين ممن يعذّب في اللَّه، وهاجر إلى المدينة مع علي بن أبي طالب في آخر من هاجر في تلك السّنة فقدما في نصف ربيع الأول وشهد بدرا والمشاهد بعدها. وروى ابن عديّ من طريق يوسف بن محمد بن يزيد بن صيفي بن صهيب عن آبائه عن صهيب، قال: صحبت رسول اللَّه ﷺ قبل أن يبعث، ويقال: إنه لما هاجر تبعه نفر من المشركين، فسئل، فقال: يا معشر قريش، إني من أرماكم ولا تصلون إليّ حتى أرميكم بكل سهم معي، ثم أضربكم بسيفي، فإن كنتم تريدون مالي دللتكم عليه، فرضوا فعاهدهم ودلّهم فرجعوا فأخذوا ماله، فلما جاء إلى النّبي ﷺ قال له: «ربح البيع» ، فأنزل اللَّه عزّ وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [البقرة: 207] . وروى ذلك ابن سعد وابن أبي خيثمة من طريق حمّاد، عن علي بن زيد، عن سعيد ابن المسيّب في سبب نزول الآية. ورواه ابن سعد أيضا من وجه آخر عن أبي عثمان النهديّ، ورواه الكلبيّ في تفسيره، عن أبي صالح، عن ابن عباس. وله طريق أخرى. وروى ابن عديّ من حديث أنس، والطبراني من حديث أم هانئ، ومن حديث أبي أمامة عن رسول اللَّه ﷺ: «السّبّاق أربعة: أنا سابق العرب، وصهيب سابق الرّوم، وبلال سابق الحبشة، وسليمان سابق الفرس» . وروى ابن عيينة في تفسيره، وابن سعد من طريق منصور عن مجاهد: أول من أظهر إسلامه سبعة، فذكره فيهم. وروى ابن سعد من طريق عمر بن الحكم، قال: كان عمار بن ياسر يعذب حتى لا يدري ما يقول، وكذا صهيب وأبو فائد، «1» وعامر بن فهيرة وقوم، وفيهم نزلت هذه الآية: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا [النحل: الآية 110] . وروى البغويّ من طريق زيد بن أسلم، عن أبيه: خرجت مع عمر حتى دخلت على صهيب بالعالية، فلما رآه صهيب، قال: يا ناس. فقال عمر: ما له يدعو الناس! قلت: إنما يدعو غلامه يحنس. فقال له: يا صهيب، ما فيك شيء أعيبه إلا ثلاث خصال: أراك تنتسب عربيا ولسانك أعجمي، وتكنى باسم نبي، وتبذر مالك، قال: أما تبذيري مالي فما أنفقه إلا في حق، وأما كنيتي فكنّانيها النبي ﷺ، وأما انتمائي إلى العرب فإنّ الرّوم سبتني صغيرا، فأخذت لسانهم. ولما مات عمر أوصى أن يصلّي عليه صهيب، وأن يصلي بالناس إلى أن يجتمع المسلمون على إمام. رواه البخاري في تاريخه. وروى الحميديّ والطبرانيّ من حديث صهيب من طريق «1» آل بيته عنه، قال: لم يشهد رسول اللَّه ﷺ مشهدا قط إلا كنت حاضره، ولم يبايع بيعة قط إلا كنت حاضرها، ولم يسر سريّة قط إلا كنت حاضرها، ولا غزا غزاة «2» إلا كنت فيها عن يمينه أو شماله، وما خافوا أمامهم قط إلا كنت أمامهم، ولا ما وراءهم إلا كنت وراءهم، وما جعلت رسول اللَّه ﷺ بيني وبين العدو قط، حتى توفّي. ومات صهيب سنة ثمان وثلاثين: وقيل سنة تسع. وروى عنه أولاده: حبيب، وحمزة، وسعد، وصالح، وصيفي، وعباد، وعثمان، ومحمد، وحفيده زياد بن صيفي. وروى عنه أيضا جابر الصحابي، وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وآخرون. قال الواقديّ: حدثني أبو حذيفة- رجل من ولد صهيب عن أبيه عن جده قال: مات صهيب في شوال سنة ثمان وثلاثين وهو ابن سبعين. |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
ذكره عمر بن شبّة في الصحابة.
وروى الطبراني والمعمريّ في اليوم والليلة من طريق قيس بن الربيع، عن منصور بن هلال بن يساف عن صهيب بن النعمان، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «فضل صلاة الرّجل في بيته على صلاته حيث يراه النّاس كفضل المكتوبة على النّافلة» . الصاد بعدها الواو |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
بن كرز بن عبد مناة بن عمرو بن غيّان- بمعجمة ثمّ تحتانية مشددة- الساعدي.
ذكر ابن سعد وابن شاهين أنه شهد أحدا، وكذا الطبريّ. |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
بن مالك. ويقال خالد بن عبد عمرو بن عقيل. ويقال:
طفيل بن عامر بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد بن أسلم بن أوس بن زيد مناة بن النمر بن قاسط النمريّ، أبو يحيى. وأمه من بني مالك بن عمرو بن تميم، وهو الرّوميّ. قيل له ذلك لأن الرّوم سبوه صغيرا. قال ابن سعد: وكان أبوه وعمه على الأبلّة من جهة كسرى، وكانت منازلهم على دجلة من جهة الموصل، فنشأ صهيب بالروم، فصار ألكن، ثم اشتراه رجل من كلب فباعه بمكّة فاشتراه عبد اللَّه بن جدعان التميميّ فأعتقه. ويقال: بل هرب من الرّوم فقدم مكّة، فحالف ابن جدعان. [وروى ابن سعد أنه أسلم هو وعمّار، ورسول اللَّه ﷺ في دار الأرقم] «2» . ونقل الوزير أبو القاسم المغربيّ أنه كان اسمه عميرة فسمّاه الرّوم صهيبا، قال: وكانت أخته أميمة تنشده في المواسم، وكذلك عماه: لبيد، وزحر، ابنا مالك. وزعم عمارة بن وثيمة أن اسمه عبد الملك. ونقل البغويّ أنه كان أحمر شديد الصهوبة تشوبها حمرة، وكان كثير شعر الرأس يخضب بالحناء، وكان من المستضعفين ممن يعذّب في اللَّه، وهاجر إلى المدينة مع علي بن أبي طالب في آخر من هاجر في تلك السّنة فقدما في نصف ربيع الأول وشهد بدرا والمشاهد بعدها. وروى ابن عديّ من طريق يوسف بن محمد بن يزيد بن صيفي بن صهيب عن آبائه عن صهيب، قال: صحبت رسول اللَّه ﷺ قبل أن يبعث، ويقال: إنه لما هاجر تبعه نفر من المشركين، فسئل، فقال: يا معشر قريش، إني من أرماكم ولا تصلون إليّ حتى أرميكم بكل سهم معي، ثم أضربكم بسيفي، فإن كنتم تريدون مالي دللتكم عليه، فرضوا فعاهدهم ودلّهم فرجعوا فأخذوا ماله، فلما جاء إلى النّبي ﷺ قال له: «ربح البيع» ، فأنزل اللَّه عزّ وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [البقرة: 207] . وروى ذلك ابن سعد وابن أبي خيثمة من طريق حمّاد، عن علي بن زيد، عن سعيد ابن المسيّب في سبب نزول الآية. ورواه ابن سعد أيضا من وجه آخر عن أبي عثمان النهديّ، ورواه الكلبيّ في تفسيره، عن أبي صالح، عن ابن عباس. وله طريق أخرى. وروى ابن عديّ من حديث أنس، والطبراني من حديث أم هانئ، ومن حديث أبي أمامة عن رسول اللَّه ﷺ: «السّبّاق أربعة: أنا سابق العرب، وصهيب سابق الرّوم، وبلال سابق الحبشة، وسليمان سابق الفرس» . وروى ابن عيينة في تفسيره، وابن سعد من طريق منصور عن مجاهد: أول من أظهر إسلامه سبعة، فذكره فيهم. وروى ابن سعد من طريق عمر بن الحكم، قال: كان عمار بن ياسر يعذب حتى لا يدري ما يقول، وكذا صهيب وأبو فائد، «1» وعامر بن فهيرة وقوم، وفيهم نزلت هذه الآية: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا [النحل: الآية 110] . وروى البغويّ من طريق زيد بن أسلم، عن أبيه: خرجت مع عمر حتى دخلت على صهيب بالعالية، فلما رآه صهيب، قال: يا ناس. فقال عمر: ما له يدعو الناس! قلت: إنما يدعو غلامه يحنس. فقال له: يا صهيب، ما فيك شيء أعيبه إلا ثلاث خصال: أراك تنتسب عربيا ولسانك أعجمي، وتكنى باسم نبي، وتبذر مالك، قال: أما تبذيري مالي فما أنفقه إلا في حق، وأما كنيتي فكنّانيها النبي ﷺ، وأما انتمائي إلى العرب فإنّ الرّوم سبتني صغيرا، فأخذت لسانهم. ولما مات عمر أوصى أن يصلّي عليه صهيب، وأن يصلي بالناس إلى أن يجتمع المسلمون على إمام. رواه البخاري في تاريخه. وروى الحميديّ والطبرانيّ من حديث صهيب من طريق «1» آل بيته عنه، قال: لم يشهد رسول اللَّه ﷺ مشهدا قط إلا كنت حاضره، ولم يبايع بيعة قط إلا كنت حاضرها، ولم يسر سريّة قط إلا كنت حاضرها، ولا غزا غزاة «2» إلا كنت فيها عن يمينه أو شماله، وما خافوا أمامهم قط إلا كنت أمامهم، ولا ما وراءهم إلا كنت وراءهم، وما جعلت رسول اللَّه ﷺ بيني وبين العدو قط، حتى توفّي. ومات صهيب سنة ثمان وثلاثين: وقيل سنة تسع. وروى عنه أولاده: حبيب، وحمزة، وسعد، وصالح، وصيفي، وعباد، وعثمان، ومحمد، وحفيده زياد بن صيفي. وروى عنه أيضا جابر الصحابي، وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وآخرون. قال الواقديّ: حدثني أبو حذيفة- رجل من ولد صهيب عن أبيه عن جده قال: مات صهيب في شوال سنة ثمان وثلاثين وهو ابن سبعين. |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
ذكره عمر بن شبّة في الصحابة.
وروى الطبراني والمعمريّ في اليوم والليلة من طريق قيس بن الربيع، عن منصور بن هلال بن يساف عن صهيب بن النعمان، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «فضل صلاة الرّجل في بيته على صلاته حيث يراه النّاس كفضل المكتوبة على النّافلة» . الصاد بعدها الواو |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
ذكره الحاكم أبو أحمد، فقال: روى عن النبي صلى اللَّه عليه وسلّم، روى عنه هلال، أظنه ابن يساف. قال عبد الرزاق: عن معمر، عن هلال.
القسم الثاني خال. القسم الثالث |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
وقع ذكرها في مسند ابن أبي عمر. تنظر من عمر أو عائشة.
القسم الثاني |
سير أعلام النبلاء
|
100- صهيب بن سنان 1 "ع":
أبو يحيى النمري. مِنَ النَّمِرِ بنِ قَاسِطٍ. وَيُعْرَفُ بِالرُّوْمِيِّ لأَنَّهُ أَقَامَ فِي الرُّوْمِ مُدَّةً. وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَزِيْرَةِ سُبِيَ مِنْ قَرْيَةِ نِيْنَوَى مِنْ أَعْمَالِ المَوْصِلِ وَقَدْ كَانَ أَبُوْهُ أَوْ عَمُّهُ عَامِلاً لِكِسْرَى ثُمَّ إِنَّهُ جُلِبَ إِلَى مَكَّةَ فَاشْتَرَاهُ عَبْدُ اللهِ بنُ جُدْعَانَ القُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ. وَيُقَالُ: بَلْ هَرَبَ فَأَتَى مَكَّةَ وَحَالَفَ ابْنَ جُدْعَانَ. كان من كبار السابقين البدريين. __________ 1 ترجمته في طبقات ابن سعد "3/ 226"، تاريخ البخاري الكبير "4/ ترجمة 2963" والجرح والتعديل "4/ ترجمة "1950"، والإصابة "2/ ترجمة 4104"، تهذيب التهذيب "4/ 438-439". |
سير أعلام النبلاء
|
710- يزيد بن صهيب 1: "خ، م، د، س، ق"
الفقير أبو عثمان الكوفي، ثِقَةٌ، مُقِلٌّ. حَدَّثَ عَنِ: ابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي سَعِيْدٍ الخُدْرِيِّ. وَعَنْهُ: الحَكَمُ, وَعَبْدُ الكَرِيْمِ الجَزَرِيُّ، وَجَعْفَرُ بنُ بُرْقَانَ، وَمِسْعَرٌ، وَعِدَّةٌ. وَلَهُ وِفَادَةٌ عَلَى عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ. وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِيْنٍ، وَأَبُو زُرْعَةَ. وَقَالَ أَبُو حاتم: صدوق. قلت: لقب بالفقير؛ لأنه اشتكا فَقَارَ ظَهْرِهِ, وَهُوَ مِنْ كِبَارِ شُيُوْخِ أَبِي حنيفة. __________ 1 ترجمته في طبقات ابن سعد "6/ 305"، التاريخ الكبير "8/ ترجمة 3251"، المعرفة والتاريخ ليعقوب الفسوي "2/ 209 و 659"، الجرح والتعديل "9/ ترجمة 1144"، الكاشف "3/ ترجمة 6433"، تاريخ الإسلام "4/ 212"، تهذيب التهذيب "11/ 338". |
سير أعلام النبلاء
|
عبد العزيز بن صُهَيْب، عبد الله بن طاوس:
856- عبد العزيز بن صهيب 1: "ع" البناني البصري, الأَعْمَى, الحَافِظُ. حَدَّثَ عَنْ: أَنَسِ بنِ مَالِكٍ, وَأَبِي نَضْرَةَ العَبْدِيِّ, وَشَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ. رَوَى عَنْهُ: شُعْبَةُ, وَالثَّوْرِيُّ, وَحَمَّادُ بنُ زَيْدٍ, وَهُشَيْمٌ, وَعَبْدُ الوَارِثِ, وَالمُبَارَكُ بنُ سُحَيْمٍ, وَسُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ, وَآخَرُوْنَ. وَثَّقَهُ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ, وَغَيْرُهُ, وَمَا هُوَ بِالمُكْثِرِ. مَاتَ سَنَةَ ثَلاَثِيْنَ وَمائَةٍ. وَقَعَ لَنَا مِنْ عَوَالِيْهِ. 857- عَبْدُ اللهِ بنُ طاووس 2: "ع" الإِمَامُ, المُحَدِّثُ, الثِّقَةُ, أَبُو مُحَمَّدٍ اليَمَانِيُّ. سَمِعَ مِنْ أَبِيْهِ -وَأَكْثَرَ عَنْهُ. وَمِنْ: عِكْرِمَةَ, وعمرو بن شعيب, وعكرمة بن خالد __________ 1 ترجمته في طبقات ابن سعد "7/ 245"، التاريخ الكبير "6/ ترجمة 1534"، الجرح والتعديل. "5/ ترجمة 1794"، الكاشف "2/ ترجمة 3441"ن تاريخ الإسلام "5/ 103"، تهذيب التهذيب "6/ 341" خلاصة الخزرجي "2/ ترجمة 4354"، شذرات الذهب "1/ 177". 2 ترجمته في طبقات ابن سعد "5/ 545"، التاريخ الكبير "5/ ترجمة 365"، الجرح والتعديل "5/ ترجمة 405"، معجم البلدان "2/ 128"، الكاشف "2/ ترجمة 2820"، تاريخ الإسلام "5/ 266"، تهذيب التهذيب "5/ 267"، خلاصة الخزرجي "2/ ترجمة 3577"، شذرات الذهب "1/ 188". |
الاستيعاب في معرفة الأصحاب
|
شهد أحدا، ذكره الطبري. |
الاستيعاب في معرفة الأصحاب
|
يعرف بذلك لأنه أخذ لسان الروم إذ سبوه وهو صغير، وهو نمري من النمر بن قاسط، لا يختلفون في ذلك. في أ: قرقه. في أ: عنك. ليس في أ. في أسد الغابة: أو ابن صفوان. قال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: وممن شهد بدرا مع رسول الله صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من النمر بن قاسط صهيب بن سنان. وفي كتاب البخاري، عن محمد بن سيرين، قَالَ: كان صهيب من العرب من النمر بن قاسط. وَقَالَ ابن إسحاق: هو صهيب بن سنان بن خالد بن عبد عمرو بن طفيل ابن عامر بن جندلة بن كعب بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد ، شهد بدرا، إلى هنا نسبه ابن إسحاق. وَقَالَ: يزعمون أنه من النمر بن قاسط. ونسبه الواقدي، وخليفة بن خياط، وابن الكلبي، وغيرهم، فقالوا: هو صهيب بن سنان بن خالد بن عبد عمرو بن عقيل بن كعب بن سعد. ومنهم من يقول: ابن سفيان بن جندلة بن مسلم بن أوس بن زيد مناة ابن النمر بن قاسط. كان أبوه سنان بن مالك أو عمه عاملا لكسرى على الأبلة، وكانت منازلهم بأرض الموصل في قرية من شط الفرات مما يلي الجزيرة والموصل، فأغارت الروم على تلك الناحية، فسبت صهيبا وهو غلام صغير، فنشأ صهيب بالروم، فصار ألكن، فابتاعته منهم كلب، ثم قدمت به مكة، فاشتراه عبد الله بن جدعان التيمي منهم، فأعتقه، فأقام معه بمكة حتى هلك عبد الله بن جدعان، وبعث النبي ﷺ. من أ. ليس في أ. من أ. وفي هوامش الاستيعاب: ابن خزيمة، بخط كاتب الأصل: جذيمة. في أ: بن خالد. وأما أهل صهيب وولده فيزعمون أنه إنما هرب من الروم حين عقل وبلغ، فقدم مكة، فحالف عبد الله بن جدعان، وأقام معه إلى أن هلك. وكان صهيب فيما ذكروا أحمر شديد الحمرة، لَيْسَ بالطويل ولا بالقصير، وهو إلى القصر أقرب، كثير شعر الرأس. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: كان إسلام صهيب وعمار بن ياسر في يوم واحد. حَدَّثَنَا عبد الله بن أبي عبيدة عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عمار بن ياسر: لقيت صهيب بن سنان على باب دار الأرقم، ورسول الله ﷺ فيها، فقلت له: ما تريد؟ فَقَالَ لي: ما تريد أنت؟ فقلت: أردت الدخول إلى محمد ﷺ فأسمع كلامه. قَالَ: فأنا أريد ذَلِكَ. قَالَ: فدخلنا عليه فعرض علينا الإسلام فأسلمنا، ثم مكثنا يومنا حتى أمسينا، ثم خرجنا مستخفين، فكان إسلام عمار وصهيب بعد بضعة وثلاثين رجلا، وهو ابن عم حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان، يلتقي حمران وصهيب عند خالد بن عبد عمرو. وحمران أيضا ممن لحقه السباء من سبي عين التمر، يكنى صهيب أبا يَحْيَى. وَقَالَ مصعب بن الزبير : هرب صهيب من الروم، ومعه مال كثير، فنزل مكة، فعاقد عبد الله بن جدعان وحالفه وانتمى إليه، وكانت الروم قد أخذت صهيبا من نينوى، وأسلم قديما، فلما هاجر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم من أ. في أ: حدثني. ليس في أ. في أ: أريد. في أ: وأنا أريد. في أ: مصعب الزبيري. إلى المدينة لحقه صهيب إلى المدينة، فقالت له قريش: لا تفجعنا بنفسك ومالك، فرد إليهم ماله، فَقَالَ النبي ﷺ: ربح البيع أبا يَحْيَى، وأنزل الله تعالى في أمره : وَمن النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ الله. : قَالَ: وأخوه مالك بن سنان لم يذكره أبو عمر في باب مالك بن سنان. قَالَ أبو عمر: وروى عن صهيب أنه قَالَ: صحبت رَسُول اللَّهِ ﷺ قبل أن يوحى إليه. وروى عن النبي ﷺ أنه قال: صهيب سابق الروم، وسلمان سابق فارس، وبلال سابق الحبشة. وروى عن النبي ﷺ أنه قَالَ: من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليحب صهيبا حب الوالدة لولدها. وذكر الواقدي، قَالَ: أَخْبَرَنَا عاصم بن سويد من بني عمرو بن عوف، عن محمد بن عمارة بن خزيمة بن ثابت، قَالَ: قدم آخر الناس في الهجرة إلى المدينة علي وصهيب، وذلك للنصف من ربيع الأول، ورسول الله ﷺ بقباء لم يرم بعد. أخبرنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد بن زهير، سورة البقرة: . من أ. ليس في أ. قَالَ : حَدَّثَنَا محمود بن غيلان، قَالَ : حَدَّثَنَا الفضل بن موسى، حَدَّثَنَا محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عَنْ أَبِيهِ أن عمر ابن الخطاب قَالَ لصهيب: إنك تدعى إلى النمر بن قاسط، وأنت رجل من المهاجرين الأولين ممن أنعم الله عليه بالإسلام. قَالَ صهيب: أما ما تزعم أنى ادعيت إلى النمر ابن قاسط فإن العرب كانت تسبى بعضها بعضا فسبوني، وقد عقلت مولدي وأهلي فباعوني بسواد الكوفة، فأخذت لسانهم، ولو أني كنت من روثة حمار ما ادعيت إلا إليها. وأخبرني سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ، قالا: حدثنا قاسم ابن أصبغ، حَدَّثَنَا محمد بن إسماعيل الصائغ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بن أبي بكير ، حَدَّثَنَا زهير بن محمد، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن حمزة بن صهيب أن صهيبا كان يكنى أبا يَحْيَى. وزعم أنه كان من العرب، وكان يطعم الطعام الكثير، فَقَالَ له عمر: يا صهيب، مالك تتكنى بأبي يَحْيَى، وليس لك ولد، وتزعم أنك من العرب، وتطعم الطعام الكثير، وذلك سرف في المال؟ فَقَالَ له صهيب: إن رسول الله ﷺ كناني بأبي يَحْيَى. وأما قولك في النسب فإني رجل من النمر بن قاسط من أنفسهم، ولكني سبيت غلاما صغيرا قد عقلت أهلي وقومي. وأما قولك في الطعام فإن رَسُول اللَّهِ ﷺ كان يقول: خياركم من أطعم الطعام، ورد السلام، فذلك الّذي يحملني على أن أطعم. من أ. من أ. في أ: ابن أبى بكرة. وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى صُهَيْبٍ حَائِطًا لَهُ بِالْعَالِيَةِ، فَلَمَّا رَآهُ صُهَيْبٌ قَالَ: يَا نَاسُ يَا نَاسُ. فَقَالَ عُمَرُ: لا أَبَا لَهُ! يَدْعُو النَّاسَ! فَقُلْتُ: إِنَّمَا يَدْعُو غُلامًا يُدْعَى يُحَنِّسُ. فَقَالَ عُمَرُ: مَا فِيكَ شَيْءٌ أُعِيبُهُ يَا صُهَيْبُ إِلا ثَلاثَ خِصَالٍ، لَوْلاهُنَّ مَا قَدَّمْتُ عَلَيْكَ أَحَدًا. هَلْ أَنْتَ مُخْبِرِي عَنْهُنَّ؟ قَالَ صُهَيْبٌ: مَا أَنْتَ بِسَائِلِي عَنْ شَيْءٍ إِلا صَدَقْتُكَ عَنْهُ. قَالَ: أَرَاكَ تَنْتَسِبُ عَرَبِيًّا وَلِسَانُكَ أَعْجَمِيٌّ، وَتَتَكَنَّى بِأَبِي يَحْيَى اسْمُ نَبِيٍّ، وَتُبَذِّرُ مَالَكَ. قَالَ: أَمَّا تَبْذِيرِي مَالِي ما أُنْفِقُهُ إِلا فِي حَقِّهِ. وَأَمَّا اكْتِنَائِي بِأَبِي يَحْيَى فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَنَّانِي بِأَبِي يَحْيَى، أَفَأَتْرُكُهَا لَكَ. وَأَمَّا انْتِسَابِي إِلَى الْعَرَبِ فَإِنَّ الرُّومَ سَبَتْنِي صَغِيرًا فَأَخَذْتُ لِسَانَهُمْ، وَأَنَا رَجُلٌ مِنَ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ لَوِ انْفَلَقَتْ عَنِّي رَوْثَةٌ لانْتَسَبْتُ إِلَيْهَا. حدثنا سعيد بن نصر، حدثنا قاسم بن أَصْبَغَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِغُ، حَدَّثَنَا عفان بن مسلم، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالا: حَدَّثَنَا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد ابن الْمُسَيِّبِ، قَالَ: خَرَجَ صُهَيْبٌ مُهَاجِرًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَاتَّبَعَهُ نَفَرٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَانْتَثَرَ مَا فِي كِنَانَتِهِ، وَقَالَ لهم: يا معشر قريش، قد تعلمون الحائط: الحديقة. في أ: انتمائي. في أ: لانتميت. في أ: سعد. في أسد الغابة: فنثل كنانته. أنى من أرماكم، وو الله لا تَصِلُونَ إِلَيَّ حَتَّى أَرْمِيَكُمْ بِكُلِّ سَهْمٍ مَعِي، ثُمَّ أَضْرِبُكُمْ بِسَيْفِي مَا بَقِيَ مِنْهُ فِي يَدِي شَيْءٌ، فَإِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ مَالِي دَلَلْتُكُمْ عَلَيْهِ. قَالُوا: فَدُلَّنَا عَلَى مَالِكَ وَنُخَلِّي عَنْكَ. فَتَعَاهَدُوا عَلَى ذَلِكَ، فَدَلَّهُمْ، وَلَحِقَ بِرَسُولِ الله ﷺ، فقال له رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: رَبِحَ الْبَيْعُ أَبَا يَحْيَى. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: «وَمن النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ الله وَالله رَؤُفٌ بِالْعِبادِ» . : قَالَ أَبُو عُمَرُ: وَكَانَ صُهَيْبٌ مَعَ فَضْلِهِ وَوَرَعِهِ حَسِنَ الْخُلُقِ مُدَاعِبًا، رَوَيْنَا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: جِئْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ نَازِلٌ بِقُبَاءَ، وَبَيْنَ أَيْدِيهِمْ رُطَبٌ وَتَمْرٌ، وَأَنَا أَرْمَدُ فَأَكَلْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: نَأْكُلُ التَّمْرَ عَلَى عَيْنِكَ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آكُلُ فِي شِقِّ عَيْنِي الصَّحِيحَةِ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ. وَأَوْصَى إِلَيْهِ عُمَرُ بِالصَّلاةِ بِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَتَّفِقَ أَهْلُ الشُّورَى، اسْتَخْلَفَهُ عَلَى ذَلِكَ ثَلاثًا، وَهَذَا مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ السِّيَرِ وَالْعِلْمِ بِالْخَبَرِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ الصَّائِغُ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ مَرَّ عَلَى سَلْمَانَ، وَصُهَيْبٍ، وَبِلالٍ، فَقَالُوا: مَا أَخَذَتِ السُّيُوفُ مِنْ عنق عدوّ الله مأخذها؟ في أ: أتأكل. وفي أسد الغابة: أتأكل التمر وأنت أرمد. في أ: إلى أن تتفق. في أ: واستحلفه. في أ: بن سكن. من أ. فَقَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ: أَتَقُولُونَ هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ وَسَيِّدِهَا؟ ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي قَالُوا. فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ. فَرَجِعَ فَقَالَ: يَا إِخْوَانِي، لَعَلَّي أَغْضَبْتُكُمْ. فَقَالُوا: يَا أبا بكر يغفر الله لك. وفضائل صهيب، وسلمان، وبلال، وعمار، وخباب، والمقداد، وأبي ذر، لا يحيط بها كتاب، وقد عاتب الله تعالى نبيه فيهم في آيات من الكتاب. ومات صهيب بالمدينة سنة ثمان وثمانين في شوال. وقيل: مات في سنة تسع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة. وقيل: ابن تسعين ، ودفن بالبقيع. وروى عنه من الصحابة عبد الله بن عمر، ومن التابعين كعب الأحبار، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأسلم مولى عمر، وجماعة. يعد في المدنيين. |
الاستيعاب في معرفة الأصحاب
|
روى عنه عبد الله بن يساف، عن النبي ﷺ أنه قَالَ: فضل صلاة الرجل في بيته على صلاته حيث يراه الناس كفضل المكتوبة على النافلة. ابن سبعين. باب صيفي |
الاستيعاب في معرفة الأصحاب
|
يكنى أَبَا مُحَمَّد. أول مشاهده أحد، ثُمَّ شهد المشاهد كلها، ثُمَّ انتقل إِلَى الشام، وسكن دمشق وبنى بها دارا، وَكَانَ فيها قاضيا لمعاوية، ومات بها وقبره بها مَعْرُوف إِلَى اليوم. وكان مُعَاوِيَة استقضاه فِي حين خروجه إِلَى صفين، وذلك أن أَبَا الدرداء لما حضرته الوفاة قَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: من ترى لهذا الأمر؟ فقال: فضالة ابن عُبَيْد، فلما مات أرسل إِلَى فَضَالَة بْن عبيد فولّاه القضاء، وقال له: في ى، والإصابة: نافذ، والمثبت من التقريب، والإصابة، والطبقات. أما إِنِّي لم أحبك بها، ولكني استترت بك عَنِ النار فاستر. ثم أمره مُعَاوِيَة على الجيش، فغزا الروم فِي البحر، وسبي بأرضهم. رَوَى ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ تَمَّامَ بْنَ شُفَيٍّ الْهَمْدَانِيَّ حَدَّثَهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ بِأَرْضِ الرُّومِ فَتُوُفِّيَ صَاحِبٌ لَنَا، فَأَمَرَنَا فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ بِقَبْرِهِ فَسُوِّيَ، ثُمَّ قَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يَأْمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا. وتوفي فَضَالَة بْن عُبَيْد فِي خلافة مُعَاوِيَة، فحمل مُعَاوِيَة سريره، وَقَالَ لابنه عَبْد اللَّهِ: أعني يَا بني، فإنك لا تحمل بعده مثله أبدا. وكانت وفاته رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سنة ثلاث وخمسين. وقد قيل: إنه توفي فِي آخر خلافة مُعَاوِيَة وقيل: إنه مات سنة تسع وستين. والأول أصح إن شاء الله تعالى. |
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
تمهيد:
البروتوكولات لا تعتبر من المصادر الدينية لدى اليهود، وإنما هي نتاج التحريف الموجود في التوراة، والأكاذيب والضلالات الموجودة في التلمود، وهي تعتبر مخططا تطبيقيًّا لأهداف صهاينة اليهود. المطلب الأول: تعريفها: البروتوكولات: جمع، واحده بروتوكول، وهو كلمة إنجليزية معناه: محضر مؤتمر، مسودة أصلية - ملحق معاهدة - إلخ. والمراد بـ (بروتوكولات حكماء صهيون): وثائق محاضرة ألقاها زعيم صهيوني على مجموعة من الصهاينة؛ ليستأنسوا بها، ويسيروا عليها في إخضاعهم للعالم والسيطرة عليه. المطلب الثاني: ظروف تدوينها: الذي يظهر أن هذه الوثائق (البروتوكولات) عرضت على زعماء الصهاينة في المؤتمر الذي عقد في مدينة - بال- في سويسرا سنة (1897) م، وكان قد حضر هذا المؤتمر نحو ثلاثمائة من أعتى الصهاينة، يمثلون خمسين جمعية يهودية، ولا يعرف لها كاتب معين. المطلب الثالث: الغرض منها: هو اطلاع الصهاينة على الخطة التي يستعبدون بها العالم، ثم كيف يحكمونه إذا وقع تحت سيطرتهم. د- اكتشاف هذه الوثائق وانتشارها: اكتشفت هذه الوثائق (البروتوكولات) في سنة (1901) م, وذلك أن امرأة فرنسية اطلعت على هذه الوثائق أثناء اجتماعها بزعيم من أكابر رؤساء الصهاينة في وكر من أوكار الماسونية السرية في باريس، فاستطاعت هذه المرأة أن تختلس بعض هذه الوثائق ثم تفر بها، وهي الموجودة الآن بين أيدينا. ووصلت هذه الوثائق إلى (أليكس نيقولا فيتش) - كبير أعيان روسيا الشرقية في عهد القيصرية- وكانت روسيا في ذلك الوقت تشهد حملات شديدة على اليهود بسبب فسادهم ومؤامراتهم. فلما رآها هذا الرجل أدرك خطورتها على بلاده وعلى العالم أجمع، فدفعها إلى صديق له أديب روسي اسمه (سرجي نيلوس) فدرسها وتبيَّن خطورتها، فترجمها إلى اللغة الروسية، وقدم لها بمقدمة تنبأ فيها بسقوط روسيا القيصرية بيد الشيوعية الفوضوية، وحكمها حكماً استبداديًّا، واتخاذها مقرًّا لنشر القلاقل والمؤامرات في العالم. وكذلك سقوط الخلافة الإسلامية، وتأسيس دولة إسرائيل في فلسطين، وسقوط الملكيات في أوربا، وإثارة حروب عالمية يهلك فيها الطرفان، ولا يستفيد منها سوى اليهود. وكذلك نشر الأزمات الاقتصادية، وبنيان الاقتصاد على أساس الذهب الذي يحتكره اليهود، وغير ذلك. فطبع الكتاب لأول مرة في سنة (1902) م, باللغة الروسية نسخاً قليلة، فلما رآها اليهود جنَّ جنونهم، وحملوا ضد الكتاب حملات مسعورة يتنصلون من الكتاب، لكن الواقع كان يؤكد أن نسبة الكتاب إليهم صحيحة، وحملت عليهم روسيا القيصرية بسببه حملة شديدة حتى قتل منهم في إحدى المذابح عشرة آلاف. وطبع الكتاب مرة أخرى في سنة (1905م) ونفدت هذه الطبعة بسرعة غريبة ووسائل خفية؛ لأن اليهود جمعوا النسخ من الأسواق وأحرقوها. وطبع أيضاً سنة (1911) م, فنفدت نسخه على النحو السابق. وطبع سنة (1917) م, فصادره الشيوعيون؛ لأنهم كانوا قد استلموا زمام الحكم في روسيا، وأسقطوا الدولة القيصرية. وكانت نسخة من الطبعة الروسية سنة (1905) م, وصلت إلى المتحف البريطاني في لندن، وختم عليها بخاتمه سنة (1906) م. وبقيت النسخة مهملة حتى قيام الانقلاب الشيوعي في روسيا سنة (1917) م, فطلبت جريدة (المورننغ بوست) من مراسلها (فكتور مادسون) أن يوافيها بأخبار الانقلاب، فقام بالاطلاع على عدة كتب روسية، وكان من بينها كتاب (البروتوكولات) الذي بالمتحف. فحين رآه قدَّر خطره، ورأى نبوءة ناشره بوقوع القيصرية بيد الشيوعيين، فعكف على ترجمته إلى الإنجليزية، ثم نشره باللغة الإنجليزية، وطبع خمس مرات كان آخرها سنة (1921) م, ثم لم يجرؤ ناشر في بريطانيا وأمريكا على نشره. ومع محاولات اليهود احتواء الكتاب، إلا أنه طبع بلغات كثيرة منها الألمانية، والفرنسية، والإيطالية، والبولونية. ومن طبعة (1921) م, الإنجليزية ترجم الكتاب لأول مرة إلى العربية، وطبع سنة (1951) م, على يد مترجمه الأستاذ (محمد خليفة التونسي) وقد قدم له بمقدمة شرح بها تاريخ الكتاب، وذكر شيئاً من حال اليهود وحالهم المعاصر وتغلغلهم في كثير من الدول. ¤ دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص 127 |
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
التعريف بهم:
الصهيونية حركة سياسية عنصرية متطرفة، ترمي إلى إقامة دولة لليهود في فلسطين تحكم من خلالها العالم كله. واشتقت الصهيونية من اسم (جبل صهيون) في القدس حيث ابتنى داود قصره بعد انتقاله من حبرون (الخليل) إلى بيت المقدس في القرن الحادي عشر قبل الميلاد. وهذا الاسم يرمز إلى مملكة داود وإعادة تشييد هيكل سليمان من جديد، بحيث تكون القدس عاصمة لها. وقد ارتبطت الحركة الصهيونية الحديثة بشخصية اليهودي النمساوي هرتزل، الذي يعد الداعية الأول للفكر الصهيوني الحديث والمعاصر، الذي تقوم على آرائه الحركة الصهيونية في العالم. ¤الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي سبب التسمية: سميت الصهيونية بذلك نسبة إلى جبل صهيون الذي يقع جنوب بيت المقدس، ويقدسه اليهود. ¤ رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد - ص94 تاريخ الصهيونية: تاريخ الصهيونية جزء من تاريخ اليهود، والصهيونية هي امتداد لما يقوم به اليهود منذ القدم، وللصهيونية جذور تاريخية وسياسية منذ قيام حركة المكابين التي أعقبت السبي البابلي. ومرت بعد ذلك بمراحل كثيرة منذ تلك القرون، وذلك قبل ظهور المسيحية، وقبل ظهور الإسلام وبعده. وكانت مهمتها في مراحلها الأولى تحريض اليهود على العودة إلى أرض فلسطين، وبناء هيكل سليمان، وتأسيس دولة إسرائيل الكبرى. أما في العصر الحديث فقد بدأت نواتها الأولى عام (1806) م حين اجتمع المجلس الأعلى لليهود بدعوة من نابليون لاستغلال أطماع اليهود، وتحريضهم على مساعدته. والصهيونية الحديثة هي المنسوبة لـ (تيودور هرتزل) الصحفي اليهودي النمساوي (1860 - 1904) م، وهدفها الأساسي الواضح قيادة اليهود إلى حكم العالم. وقد بدأ اليهود بإقامة دولة لهم في فلسطين، وفي محاولتين لكنهم أخفقوا. وبعد ذلك أقام هرتزل أول مؤتمر صهيوني عالمي في بال بسويسرا عام (1897) م، ونجح في تجميع يهود العالم حوله، كما نجح في جمع دهاة اليهود الذين صدرت عنهم أخطر مقررات في تاريخ اليهود، وهي (بروتوكولات حكماء صهيون) المستمدة من تعاليم كتب اليهود المحرفة التي يقدسونها. ومن ذلك الوقت بدأ حكماء اليهود يتحركون بدقة، ودهاء، وخفاء؛ لتحقيق أهدافهم التدميرية التي أصبحت نتائجها اليوم واضحة للعيان. ومما هو معروف أنه بعد انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في - بال- بدأ هرتزل جولته في العمل؛ لاحتواء السلطان عبد الحميد عن طريق الترغيب ثم الترهيب. وقد كان موقف السلطان عبد الحميد واضحاً صريحاً حيث قال: بلِّغوا الدكتور هرتزل ألا يبذل بعد اليوم شيئاً من المحاولة في هذا الأمر- التوطن بفلسطين- فإني لست مستعدًّا لأن أتخلى عن شبر واحد في هذه البلاد ليذهب إلى الغير، فالبلاد ليست ملكي، بل هي ملك شعب روَّى ترابها بدمائهم؛ فلتحتفظ اليهود بملايينهم من الذهب. ثم بدأ الصهاينة من ذلك اليوم بمحاولة الإطاحة بعبد الحميد، وإزالة الخلافة الإسلامية، ثم تحقَّق لهم ما يريدون، وكان إسقاط عبد الحميد (1909) م، والتمهيد لإلغاء الخلافة عام (1924) م، وكان الذي بلغ السلطان قرار الخلع قُرَّه صُو عضو حزب الاتحاد والترقي اليهودي الأصلي. وقبل ذلك تمكَّن اليهود من تأليب الدول الاستعمارية على الدولة العثمانية، وإثارة السموم، والدسائس حول السلطان، ورميه بمختلف الاتهامات. ولم تكن الخلافة لتسقط لولا أن البدع قد انتشرت، وبدأت تدب في جسم الخلافة وتنخر فيه. وبالرغم من ذلك كله فإن الخلافة كانت ترهب أعداء الله، وتضع هيبة ومنعة للمسلمين. وكما نجح اليهود في بث الدعايات والأكاذيب على السلطان عبد الحميد، ووصفه بأنه سكير فاسق ظالم متوحش، فإنها أيضاً نجحت في إضفاء جميع صور البطولة على اليهودي مصطفى كمال الذي مثَّل رأس الأفعى اليهودية، ونفَّذ لدغتها القاتلة التي أدت إلى هدم الخلافة الإسلامية، وتمزيق الوجود السياسي للمسلمين. وقد كان هذا الخبيث يتظاهر بالتدين، ويصلي في مقدمة الجنود، ويتملق العلماء، وعموم المسلمين، وعندما تمكَّن نفَّذ خطته اللئيمة على النحو التالي: 1 - إلغاء الخلافة الإسلامية. 2 - فصل تركيا عن باقي أجزاء الدولة العثمانية؛ فحطم الدولة الإسلامية العظيمة. 3 - أعلن العلمانية الإلحادية. 4 - اضطهد العلماء أبشع اضطهاد، وقتل منهم العشرات، وعلقهم بأعواد الشجر. 5 - أغلق كثيراً من المساجد، وحرَّم الأذان، والصلاة باللغة العربية. 6 - أجبر الشعب على تغيير الزي الإسلامي، ولبس الزي الأوروبي. 7 - ألغى الأوقاف، ومنع الصلاة في جامع (أيا صوفيا)، وحوَّله إلى متحف. 8 - ألغى المحاكم الشرعية، وفرض القوانين الوضعية المدنية السويسرية. 9 - فرض العطلة الأسبوعية يوم الأحد، بدلاً من يوم الجمعة. 10 - ألغى استعمال التقويم الهجري، ووضع مكانه التاريخ الميلادي. 11 - حرَّم تعدد الزوجات، والطلاق، وساوى بين الذكر والأنثى في الميراث. 12 - شجع الشباب والفتيات على الدعارة، والفجور، وأباح المنكرات، بل كان قدوة في انحطاط الخلق، والفساد، وإدمان الخمر. 13 - قضى على التعليم الإسلامي، ومنع مدارس القرآن الكريم، واستبدل اللاتينية بالعربية. 14 - فتح باب تركيا لعلماء اليهود. هذه صورة عامة عن تاريخ الصهيونية. ¤ رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد - ص94 - 97 أهداف الصهيونية: من المعلوم أن الصهيونية حركة يهودية خالصة، أما أهدافها فهي أهداف سياسية دينية، وتلك الأهداف تتلخص فيما يلي: 1 - إثارة الحماس الديني لدى أفراد اليهود في جميع أنحاء العالم لعودتهم إلى أرض الميعاد المزعومة. 2 - هدم الأديان لإعلاء اليهودية التلمودية. 3 - حث سائر اليهود على التمسك بالتعاليم الدينية، والعبادات، والشعائر اليهودية، والالتزام بأحكام الشريعة اليهودية. 4 - إثارة الروح القتالية، والعصبية الدينية والقومية لدى اليهود؛ للتصدي للأديان، والأمم، والشعوب الأخرى. 5 - تزييف التاريخ للادعاء بوعد فلسطين. 6 - تدمير الإنسان عن طريق نظريات (فرويد) في الأخلاق، و (ماركس) في المال، و (دوركايم) في الاجتماع، و (سارتر) في أدب الانحلال والضياع. 7 - فرض المادية على الفكر البشري. 8 - محاولة تهويد فلسطين، وذلك بتشجيع الهجرة من سائر أقطار العالم إلى فلسطين. 9 - تدويل الكيان الإسرائيلي عالميًّا، وذلك بانتزاع اعتراف أكثر دول العالم بوجود دولة إسرائيل في فلسطين. 10 - متابعة وتنفيذ المخططات اليهودية العالمية السياسية، والاقتصادية خطوة خطوة، ووضع الوسائل الكفيلة بالتنفيذ السريع والدقيق لهذه المخططات، ثم التهيئة لها إعلاميًّا، وتمويلها اقتصاديًّا، ودعمها سياسيًّا. 11 - توحيد وتنظيم جهود اليهود في جميع أنحاء العالم أفراداً، أو جماعات ومؤسسات، وتحريك العملاء والمأجورين عند الحاجة لخدمة اليهود، وتحقيق مصالحهم ومخططاتهم. 12 - تطوير اللغة العبرية، والثقافة العبرية. ¤ رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد - ص97، 98 التأسيس وأبرز الشخصيات: للصهيونية العالمية جذور تاريخية- فكرية وسياسية- تجعل من الواجب الوقوف عند الأدوار التالية: ـ وردت لفظة صهيون لأول مرة في العهد القديم عندما تعرض للملك داود الذي أسس مملكته (1000ـ 960) ق. م. ـ حركة المكابيين التي أعقبت العودة من السبي البابلي (586ـ 538) قبل الميلاد، وأول أهدافها العودة إلى صهيون وبناء هيكل سليمان. ـ حركة باركوخيا (118ـ 138) م, وقد أثار هذا اليهودي الحماسة في نفوس اليهود، وحثَّهم على التجمع في فلسطين وتأسيس دولة يهودية فيها. ـ حركة موزس الكريتي، وكانت شبيهة بحركة باركوخيا. ـ مرحلة الركود في النشاط اليهودي بسبب اضطهاد اليهود وتشتتهم. ومع ذلك فقد ظل الشعور القومي عند اليهود عنيفاً لم يضعف. ـ حركة دافيد روبين وتلميذه سولومون مولوخ (1501ـ 1532) م, وقد حثَّ اليهود على ضرورة العودة لتأسيس ملك إسرائيل في فلسطين. ـ حركة منشه بن إسرائيل (1604ـ 1657) م, وهي النواة الأولى التي وجَّهت خطط الصهيونية وركَّزتها على أساس استخدام بريطانيا في تحقيق أهداف الصهيونية. ـ حركة سباتاي زيفي (1626ـ 1676) م, الذي ادَّعى أنه مسيح اليهود المخلص، فأخذ اليهود في ظله يستعدون للعودة إلى فلسطين، ولكن مخلصهم مات. ـ حركة رجال المال التي تزعَّمها روتشيلد وموسى مونتفيوري، وكانت تهدف إلى إنشاء مستعمرات يهودية في فلسطين كخطوة لامتلاك الأرض ثم إقامة دولة اليهود. ـ الحركة الفكرية الاستعمارية التي دعت إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين في بداية القرن التاسع عشر. ـ الحركة الصهيونية العنيفة التي قامت إثر مذابح اليهود في روسيا سنة (1882) م، وفي هذه الفترة ألف هيكلر الجرماني كتاب بعنوان (إرجاع اليهود إلى فلسطين حسب أقوال الأنبياء). ـ ظهور مصطلح الصهيونية Zionism لأول مرة على يد الكاتب الألماني ناثان برنباوم سنة (1893) م. ـ في عام (1882) م, ظهرت في روسيا لأول مرة حركة عرفت باسم (حب صهيون)، وكان أنصارها يتجمَّعون في حلقات اسمها (أحباء صهيون)، وقد تم الاعتراف بهذه الجماعات في عام (1890) م, تحت اسم (جمعية مساعدة الصناع والمزارعين اليهود في سوريا وفلسطين) وترأسها ليون بنسكر، واستهدفت الجماعة تشجيع الهجرة إلى فلسطين وإحياء اللغة العبرية. ـ الصهيونية الحديثة وهي الحركة المنسوبة إلى تيودور هرتزل الصحفي اليهودي المجري، ولد في بودابست في (2/ 5/1860) م, حصل على شهادة الحقوق من جامعة فينا (1878) م، وهدفها الأساسي الواضح قيادة اليهود إلى حكم العالم بدءًا بإقامة دولة لهم في فلسطين. وقد فاوض السلطان عبد الحميد بهذا الخصوص في محاولتين، لكنه أخفق، عند ذلك عملت اليهودية العالمية على إزاحة السلطان وإلغاء الخلافة الإسلامية. ـ وقد أقام هرتزل أول مؤتمر صهيوني عالمي سنة (1897) م، مستغلًّا محاكمة الضابط اليهودي الفرنسي دريفوس الذي اتهم بالخيانة (1894) م؛ لنقله أسراراً عسكرية من فرنسا إلى ألمانيا، لكن ثبتت براءته فيما بعد، ونجح هرتزل من تصوير المأساة اليهودية- في زعمه- من خلال هذه الواقعة الفردية، وأصدر كتابه الشهير الدولة اليهودية الذي أكسبه أنصاراً لا بأس بعددهم مما شجَّعه على إقامة أول مؤتمر صهيوني في - بال- بسويسرا (29ـ 31/ 8/47) وقد علَّق عليه بقوله: (لو طلب إليَّ تلخيص أعمال المؤتمر فإني أقول بل أنادي على مسمع من الجميع: إنني قد أسست الدولة اليهودية). ونجح في تجميع يهود العالم حوله، كما نجح في جمع دهاة اليهود الذين صدرت عنهم أخطر مقررات في تاريخ العالم، وهي بروتوكولات حكماء صهيون المستمدة من تعاليم كتب اليهود المحرفة التي يقدسونها، ومن ذلك الوقت أحكم اليهود تنظيماتهم، وأصبحوا يتحرَّكون بدقة ودهاء وخفاء لتحقيق أهدافهم التدميرية التي أصبحت نتائجها واضحة للعيان في زماننا هذا. ¤الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي الأفكار والمعتقدات: - تستمد الصهيونية فكرها ومعتقداتها من الكتب المقدسة التي حرَّفها اليهود، وقد صاغت الصهيونية فكرها في بروتوكولات حكماء صهيون. - تعتبر الصهيونية جميع يهود العالم أعضاء في جنسية واحدة هي الجنسية الإسرائيلية. - تهدف الصهيونية إلى السيطرة اليهودية على العالم، كما وعدهم إلههم يهوه، وتعتبر المنطلق لذلك هو إقامة حكومتهم على أرض الميعاد، التي تمتد من نهر النيل إلى نهر الفرات. - يعتقدون أن اليهود هم العنصر الممتاز الذي يجب أن يسود، وكل الشعوب الأخرى خدم لهم. - يرون أن أقوم السبل لحكم العالم هو إقامة الحكم على أساس التخويف والعنف. - يدعون إلى تسخير الحرية السياسية من أجل السيطرة على الجماهير، ويقولون: يجب أن نعرف كيف نقدم لهم الطعم الذي يوقعهم في شباكنا. - يقولون: لقد انتهى العهد الذي كانت فيه السلطة للدين، والسلطة اليوم للذهب وحده، فلا بد من تجميعه في قبضتنا بكل وسيلة؛ لتسهل سيطرتنا على العالم. - يرون أن السياسة نقيض للأخلاق، ولا بد فيها من المكر والرياء، أما الفضائل والصدق فهي رذائل في عرف السياسة. - يقولون: لا بد من إغراق الأمميين في الرذائل بتدبيرنا عن طريق من نهيئهم لذلك من أساتذة وخدم وحاضنات ونساء الملاهي. - يقولون: يجب أن نستخدم الرشوة والخديعة والخيانة دون تردد ما دامت تحقق مآربنا. - يقولون: يجب أن نعمل على بثِّ الفزع الذي يضمن لنا الطاعة العمياء، ويكفي أن يشتهر عنا أننا أهل بأس شديد؛ ليذوب كل تمرد وعصيان. - يقولون: ننادي بشعارات الحرية والمساواة والإخاء؛ لينخدع بها الناس ويهتفوا وينساقوا وراء ما نريد لهم. - يقولون: لا بد من تشييد أرستقراطية تقوم على المال الذي هو في يدنا والعلم الذي اختص به علماؤنا. - يقولون: سنعمل على دفع الزعماء إلى قبضتنا، وسيكون تعيينهم في أيدينا، واختيارهم يكون حسب وفرة أنصبتهم من الأخلاق الدنيئة وحب الزعامة وقلة الخبرة. - يقولون: سنسيطر على الصحافة تلك القوة الفعالة التي توجه العالم نحو ما نريد. - يقولون: لا بد من توسيع الشقة بين الحكام والشعوب وبالعكس؛ ليصبح السلطان كالأعمى الذي فقد عصاه، ويلجأ إلينا لتثبيت كرسيه. - يقولون: لا بد من إشعال نار الخصومة الحاقدة بين كل القوى لتتصارع، وجعل السلطة هدفاً مقدساً تتنافس كل القوى للوصول إليه، ولابد من إشعال نار الحرب بين الدول، بل داخل كل دولة، عند ذلك تضمحل القوى، وتسقط الحكومات، وتقوم حكومتنا العالمية على أنقاضها. - يقولون: سنتقدم إلى الشعوب الفقيرة المظلومة في زي محرريها ومنقذيها من الظلم، وندعوها إلى الانضمام إلى صفوف جنودنا من الاشتراكيين والفوضويين والشيوعيين والماسونيين، وبسبب الجوع سنتحكم في الجماهير، ونستخدم سواعدهم لسحق كل من يعترض سبيلنا. - يقولون: لا بد أن نفتعل الأزمات الاقتصادية لكي يخضع لنا الجميع بفضل الذهب الذي احتكرناه. - يقولون: إننا الآن بفضل وسائلنا الخفية في وضع منيع بحيث إذا هاجمتنا دولة نهضت أخرى للدفاع عنا. - يقولون: إن كلمة الحرية تدفع الجماهير إلى الصراع مع الله ومقاومة سنته، فلنشغلها هي وأمثالها إلى أن تصبح السلطة في أيدينا. - يقولون: لنا قوة خفية لا يستطيع أحد تدميرها، تعمل في صمت وخفاء وجبروت، ويتغير أعضاؤها على الدوام، وهي الكفيلة بتوجيه حكام الأمميين كما نريد. - يقولون: لا بد أن نهدم دولة الإيمان في قلوب الشعوب، وننزع من عقولهم فكرة وجود الله، ونحل محلها قوانين رياضية مادية؛ لأن الشعب يحيا سعيداً هانئاً تحت رعاية دولة الإيمان. ولكي لا ندع للناس فرصة المراجعة يجب أن نشغلهم بشتى الوسائل، وبذلك لا يفطنوا لعدوهم العام في الصراع العالمي. - يقولون: لا بد أن نتبع كل الوسائل التي تتولى نقل أموال الأمميين من خزائنهم إلى صناديقنا. - يقولون: سنعمل على إنشاء مجتمعات مجردة من الإنسانية والأخلاق، متحجرة المشاعر، ناقمة أشد النقمة على الدين والسياسة، ليصبح رجاؤها الوحيد تحقيق الملاذ المادية، وحينئذ يصبحون عاجزين عن أي مقاومة، فيقعون تحت أيدينا صاغرين. - يقولون: سنقبض بأيدينا على كل مقاليد القوى، ونسيطر على جميع الوظائف، وتكون السياسة بأيدي رعايانا، وبذلك نستطيع في كل وقت بقوتنا محو كل معارضة مع أصحابها من الأمميين. - يقولون: لقد بثثنا بذور الشقاق في كل مكان، بحيث لا يمكن اجتثاثه، وأوجدنا التنافر بين مصالح الأمميين المادية والقومية، وأشعلنا نار النعرات الدينية والعنصرية في مجتمعاتهم، ولم ننفك عن بذل جهودنا في إشعالها منذ (20) قرناً، ولذلك من المستحيل على أي حكومة أن تجد عوناً من أخرى لضربنا، وأن الدول لن تقدم على إبرام أي اتفاق مهما كان ضئيلاً دون موافقتنا؛ لأن محرك الدول في قبضتنا. - يقولون: لقد هيَّأنا الله لحكم العالم، وزوَّدنا بخصائص ومميزات لا توجد عند الأمميين، ولو كان في صفوفهم عباقرة لاستطاعوا مقاومتنا. - يقولون: لا بد من الانتفاع بالعواطف المتأججة لخدمة أغراضنا عوض إخمادها، ولا بد من الاستيلاء على أفكار الآخرين وترجمتها بما يتفق مع مصالحنا بدل قتلها. - يقولون: سنولي عناية كبرى بالرأي العام إلى أن نفقده القدرة على التفكير السليم، ونشغله حتى نجعله يعتقد أن شائعاتنا حقائق ثابتة، ونجعله غير قادر على التمييز بين الوعود الممكن إنجازها والوعود الكاذبة، فلا بد أن نكوِّن هيئات يشتغل أعضاؤها بإلقاء الخطب الرنانة التي تغدق الوعود، ولا بد أن نبثَّ في الشعوب فكرة عدم فهمهم للسياسة، وخير لهم أن يدعوها لأهلها. - يقولون: سنكثر من إشاعة المتناقضات، ونلهب الشهوات، ونؤجج العواطف. - يقولون: سننشئ (إدارة الحكومة العليا) ذات الأيدي الكثيرة الممتدة إلى كل أقطار الأرض، والتي يخضع لها كل الحكام. - يقولون: يجب أن نسيطر على الصناعة والتجارة، ونعوِّد الناس على البذخ والترف والانحلال، ونعمل على رفع الأجور وتيسير القروض ومضاعفة فوائدها، عند ذلك سيخر الأمميون ساجدين بين أيدينا. - يقولون: في الرسميات يجب علينا أن نتظاهر بنقيض ما نضمر، فنستنكر الظلم، وننادي بالحريات، ونندد بالطغيان. - يقولون: إن الصحافة جميعها بأيدينا إلا صحفاً قليلة غير محتفل بها، وسنستعملها لبث الشائعات حتى تصبح حقائق، وسنشغل بها الأمميين عما ينفعهم، ونجعلهم يجرون وراء الشهوة والمتعة. - يقولون: الحكام أعجز من أن يعصوا أوامرنا؛ لأنهم يدركون أن السجن أو الاختفاء من الوجود مصير المتمرد منهم، فيكونوا طاعة لنا وأشد حرصاً ورعاية لمصالحنا. - يقولون: سنعمل على ألا يكشف مخططنا قبل وقته، ولا نهدم قوة الأمميين قبل الأوان. - يقولون: نحن الذين وضعنا طريقة التصويت ونظام الأغلبية المطلقة؛ ليصل إلى الحكم كل من نريد بعد أن نكون قد هيأنا الرأي العام للتصويت عليهم. - يقولون: سنفكك الأسرة، وننفخ روح الذاتية في كل فرد ليتمرد، ونحول دون وصول ذوي الامتياز إلى الرتب العالية. - يقولون: لا يصل إلى الحكم إلا أصحاب الصحائف السود غير المكشوفة، وهؤلاء سيكونون أمناء على تنفيذ أوامرنا؛ خشية الفضيحة والتشهير، كما نقوم بصنع الزعامات وإضفاء العظمة والبطولة عليها. - يقولون: سنستعين بالانقلابات والثورات كلما رأينا فائدة لذلك. - يقولون: لقد أنشأنا قوانا الخفية لتحقيق أهدافنا، ولكن البهائم من الأمميين يجهلون أسرارها فوثقوا بها، وانتسبوا إلى محافلها، فسيطرنا عليهم وسخرناهم لخدمتنا. - يقولون: إن تشتيت شعب الله المختار نعمة وليست ضعفاً، وهو الذي أفضى بنا إلى السيادة العالمية. - يقولون: ستكون كل دور النشر بأيدينا، وستكون سجلات التعبير عن الفكر الإنساني بيد حكومتنا، وكل دار تخالف فكرنا سنعمل على إغلاقها باسم القانون. - يقولون: ستكون لنا مجلات وصحف كثيرة مختلفة النزعات والمبادئ، وكلها تخدم أهدافنا. - يقولون: لا بد أن نشغل غيرنا بألوان خلابة من الملاهي والألعاب والمنتديات العامة والفنون والجنس والمخدرات؛ لنلهيهم عن مخالفتنا أو التعرض لمخططاتنا. - يقولون: سنمحو كل ما هو جماعي، وسنبدأ المرحلة بتغيير الجامعات، وسنعيد تأسيسها حسب خططنا الخاصة. - يقولون: سنتصرف مع كل من يقف في طريقنا بكل عنف وقسوة. - يقولون: سنكثر من المحافل الماسونية، وننشرها في كل وسط؛ لتوسيع نطاق سيطرتنا. - يقولون: عندما تصبح السلطة في أيدينا لن نسمح بوجود دين غير ديننا على الأرض. ¤الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي الجذور الفكرية والعقائدية: الصهيونية قديمة قدم التوراة نفسها، وهي التي أجَّجت الروح القومية عند اليهود منذ أيامها الأولى، وحركة (هرتزل) إنما هي تجديد وتنظيم للصهيونية القديمة. - تقوم الصهيونية على تعاليم التوراة المحرفة والتلمود، ولكن لا بد من الإشارة إلى أن عدداً من زعماء الصهيونية هم من الملاحدة، واليهودية عندهم ليست سوى ستار لتحقيق المطامع السياسية والاقتصادية. - تعتبر أكثرية من اليهود ما يعرف بالتلمود دستوراً دينيًّا لهم، وهو مؤلف من بحوث أحبار اليهود وفقهائهم، وقد رسموا فيه الحدود لكل جوانب الحياة الخاصة والعامة، وقد دُوِّن فيه من الأحكام والتعليمات ما يبرِّر وضعهم الاجتماعي والسياسي، وما يغرس في نفوسهم ونفوس أجيالهم اللاحقة احتقار المجتمع البشري، وحب الانتقام منه، وأكل أموال الناس بالباطل، والسطو على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم، واستنزاف دماء غير اليهود لاستعمالها في بعض المناسبات الدينية، حيث يستعمل الدم البشري بوضع نقط منه على فطير الفصح أو غيره. ¤الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي |
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
الصهيونية هي الواجهة السياسية لليهودية العالمية، وهي كما وصفها اليهود أنفسهم (مثل الإله الهندي فشنو الذي له مائة يد) فهي لها في جلِّ الأجهزة الحكومية في العالم يد مسيطرة موجهة، تعمل لمصلحتها.
- هي التي تقود إسرائيل وتخطط لها. - الماسونية تتحرك بتعاليم الصهيونية وتوجيهاتها وتخضع لها زعماء العالم ومفكريه. - للصهيونية مئات الجمعيات في أوروبا وأمريكا في مختلف المجالات التي تبدو متناقضة في الظاهر، لكنها كلها في الواقع تعمل لمصلحة اليهودية العالمية. ¤الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي |
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
تمهيد:
هناك من يبالغ في قوة الصهيونية مبالغة كبيرة جدًّا، وهناك من يهون من شأنها، والحقيقة، كما قيل: تضيع بين التهوين والتهويل. ومن استقرأ الواقع تبيَّن له أن اليهود يعيشون الآن فترة علوٍّ استثنائية. وقد حقَّقوا الكثير مما يصبون إليه، والواقع يشهد بذلك. ولم يكونوا ليحققوا ذلك إلا لأسباب عديدة منها: 1 - أخذهم بالأسباب. 2 - انغماس الناس في الشهوات، وركونهم للحياة الدنيا، وخصوصاً المسلمين. 3 - ترك فريضة الجهاد، وتعطيل السنن الربانية. 4 - أن هذا الاستعلاء الاستثنائي إنما هو استدراج وإملاء وإمهال من الله لهم، وهو في الوقت نفسه امتحان للمسلمين وعقوبة لهم. 5 - الخواء الروحي عند الغرب، والطغيان الكنسي. 6 - تخلِّي أمة الإسلام عن مهمتها في قوامة البشرية. ومن هذا المنطلق حقَّق اليهود كثيراً من أهدافهم. وهم عندما يضعون الخطط لا يستطيعون الجزم بتحقيقها، وغالباً ما يخفقون، إلا أنهم يضعون احتمالات كثيرة لكل عمل يعملونه. وما نراه الآن في هذا العالم دليل واضح على أنهم نجحوا في تنفيذ مخططاتهم. ومن خلال نظرة سريعة على الإعلام العالمي، والتعليم، والاقتصاد، والاجتماع، والرياضة، والفن يتبين لنا مدى نجاحهم. ولعل أهم هدف سعوا من أجله واجتهدوا في الحصول عليه هو استيطانهم في فلسطين، فما سبب حرصهم عليها؟ وكيف حصلوا عليها؟ وهل اكتفوا بها؟ وماذا يريدون بعد ذلك؟ هذا ما سيتبين في الفقرة الآتية. ¤ رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد - ص101، 102 أ - سبب حرص الصهاينة على فلسطين: أما سبب حرص الصهاينة على فلسطين: فذلك راجع لاعتقادهم أنها أرض الميعاد التي سيعود إليها اليهود، ويجتمعون فيها، وذلك حسب ما جاء في كتبهم المحرفة، كذلك حرصوا على فلسطين لموقعها الجغرافي الاستراتيجي، الذي يهدفون من ورائه إلى احتلال العالم. ويؤيد ذلك ما صرَّح به (ناحوم غولدمان) قائلاً: (لم يختر اليهود فلسطين لمعناها التوراتي بالنسبة إليهم، ولا لأن مياه البحر الميت تعطي سنويًّا بسبب التبخر قيمة ثلاثة آلاف مليار دولار من المعادن، وأشباه المعادن، وليس أيضاً لأن مخزون فلسطين من البترول يعادل عشرين مرة مخزون الأمريكتين مجتمعتين، بل لأن فلسطين نقطة الارتكاز الحقيقية لكل قوى العالم، ولأنها المركز الاستراتيجي العسكري للسيطرة على العالم). ومن هذا المنطلق جدَّ اليهود في الحصول عليها، وقد مرَّ بنا موقف السلطان عبد الحميد من طلب اليهود، ومرَّ بنا سعيهم في الإطاحة به ونجاحهم في ذلك. ومنذ أن سقط السلطان عبد الحميد فتحت فلسطين أبوابها للهجرة اليهودية، وجرى المخطط في طريقه إلى غايته عن طريق (هرتزل) وحلفائه. وتمت مؤامرة إنجليزية أخرى كانت الدعامة الأولى لإسرائيل، وهي التي منحت اليهود وعد بلفور عام (1917) م، وهي التي هَجَّرت ثلاثمائة ألف يهودي ما بين عام (1922 - 1939) م. وفي أغسطس عام (1923) م, تم تهجير اليهود الألمان لأرض فلسطين (أرض الميعاد) كما يزعمون، واليهود الألمان هم أخطر وأهم يهود الأرض، وهم الذين حركوا الصناعة اليهودية، وانبعثت على أيديهم الصناعة، وذلك بما سرقوه وتعلَّموه من الألمان، وهم أرقى وأعلم اليهود. ولذا فهم في المناصب العسكرية، والبحوث العلمية، وقد حرص (هرتزل) على تهجيرهم. ¤رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد - ص102، 103 ب- وعد بلفور: يعدُّ وعد بلفور الدعامة الأولى لإسرائيل؛ فما هو ذلك الوعد، وما أسبابه، وماذا يتضمن؟ وعد بلفور: هو ذلك الوعد الذي أصدرته الحكومة البريطانية بإنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين، وذلك في الثاني من نوفمبر عام (1917) م. وقد تواتر أن الباعث الأعظم الذي حقق حلم الصهيونية هو ما رواه (لويد جورج) رئيس الوزارة البريطانية الأسبق في مذكراته عن الدور الذي قام به وايزمان في خدمة بريطانيا إبان الحرب العظمى، وذلك عندما ساعد بريطانيا في استخراج مادة الأسيتون التي تستخدم في صنع الذخائر الحربية التي كانت تستخرج من خشب الأشجار، وكان استخراجها بكميات كافية يحتاج إلى مقادير هائلة من الخشب، وليس في إنجلترا غابات كثيرة تفي بهذه الحاجة، فكانت تستورد من أمريكا، والأسعار ارتفعت. وأخيراً اهتدى لويد- وكان يومئذ رئيس لجنة الذخائر- إلى أستاذ بارع في الكيمياء وضع مواهبه تحت تصرف بريطانيا، وهو الدكتور (وايزمان) الذي أصبح بعد ذلك مشهوراً، وكان وايزمان مقتنعاً بأن أمل الصهيونية رهين بانتصار الحلفاء؛ فاستطاع بعد بضعة أسابيع أن يستخرج المادة المطلوبة الأسيتون من عناصر أخرى غير الخشب، مثل الحبوب والذرة على وجه الخصوص، وبذلك حلَّ لبريطانيا أعوص مشكلة عانتها أثناء الحرب. ورفض الدكتور (وايزمان) كل جزاء مقابل عمله، بشرط أن تصنع بريطانيا شيئاً في سبيل الوطن القومي اليهودي. ولما تولى (لويد جورج) رئاسة الوزارة خاطب بلفور بأن بريطانيا تريد أن تجتذب إلى صفها اليهود في الدول المجاورة، وكانوا ميالين إلى ألمانيا لسخطهم على روسيا، وكان لذلك أثره على وعد بلفور. وبعبارة أخرى فإن بريطانيا رغبت في مكافأة إسرائيل على عملها، ومساعدتها لها في الحرب، ورغبت أيضاً في كسب اليهود، فكان ذلك الوعد ... عام (1917) م. وكان الثمن إعطاء ما لا يملك شيئاً لمن لا يستحق شيئاً. وبعد ذلك تتابعت الهجرة اليهودية من شتى أقطار العالم، وانصهرت في بوتقة اليهودية أكثر من سبعين جنسية من مصر، واليمن، والحبشة، والعراق، والهند، وأوربا، وروسيا، وأمريكا، وغيرها. وفي عام (1948) م, ارتفع عدد اليهود من خمسين ألف مهاجر إلى ستمائة وخمسين ألفاً، ثم تتابعت الهجرات من كل أنحاء العالم. وآخر ما حصل من ذلك تهجير يهود الفلاشا من الحبشة، ومحاولات تهجير اليهود الروس، وصدق الله تعالى: فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا [الإسراء: 104. ولعل تلك الهجرات مصداق للآيات، والأحاديث التي أخبرت بذلك. وبرغم تلك العمليات التهجيرية، فإن هناك كثيراً من اليهود لم يستجب للعودة إلى فلسطين، وليس ذلك كرهاً لفلسطين، وإنما ذلك لخوفهم من الذبح في فلسطين، فهم يعلمون من كتبهم بأنهم سيذبحون بسيوف عباد الله، وأنهم في فلسطين سيدفنون بلا أحفاد. ولهذا فإن كثيراً منهم هاجر من فلسطين بعد أن هاجر إليها. وما هذا الوعد إلا سلسلة من التعاون بين اليهود والنصارى الذين يودون إبعاد المسلمين عن دينهم. ¤ رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص 103 - 105 ج- الوعود البلفورية: Balfour Declarations « الوعود البلفورية» مصطلح نستخدمه للإشارة إلى مجموعة من التصريحات التي أصدرها بعض رجال السياسة في الغرب يدعون فيها اليهود لإقامة وطن قومي لهم في فلسطين، ويعدون بدعمه وتأمينه نظير أن يقوم اليهود على خدمة مصالح الدولة الراعية، أي أنها دعوة لتوقيع العقد الصامت بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية. والوعود البلفورية تعبير عن نموذج كامن في الحضارة الغربية يضرب بجذوره فيها. وهي حضارة تنحو منحى عضويًّا، وتجعل التماسك العضوي مثلاً أعلى. ونظراً لأن التماسك العضوي هو المثل الأعلى، فإن عدم التجانس يصبح سلبيًّا كريهاً. وينتج عن هذه الرؤية للكون رفض الآخر في شكل الأقليات. ومن ثم، نجد أن الحضارة الغربية (والمسيحية الغربية) لم تتوصل إلى إطار تتعامل من خلاله مع الأقليات، وبالذات اليهود، وإنما همَّشتهم (شعب شاهد) وحوسلتهم (جماعة وظيفية). ومنذ عصر النهضة الغربية والثورة العلمانية الشاملة، بدأت أزمة الجماعات اليهودية، وظهرت الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة التي تُعَدُّ جزءاً من فكرة العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية بشأن يهود العالم: شعب عضوي منبوذ ـ نافع ـ يُنقَل خارج أوربا إلى فلسطين؛ ليُوظَّف لصالحها في إطار الدولة الوظيفية. وقد صدرت معظم الوعود البلفورية في القرن التاسع عشر، واستمرَّت حتى صدور وعد بلفور عام (1917) م، الذي حسم مسألة علاقة اليهود بالحضارة الغربية. وسنقوم بمحاولة تحليل عدد من الوعود البلفورية، وسنقسمها إلى ثلاثة عناصر أساسية. 1 ـ نص الوعد. 2 ـ الديباجة العلنية (أو الأسباب المعلنة) التي عادةً ما ترد في الوعد نفسه أو في مجال الدفاع عنه. 3 ـ الدوافع الخفية (العميقة أو الحقيقية) وهي عادةً لا ترد في أيٍّ من الوعود، وعلينا أن نبحث عنها في نصوص وحقائق تاريخية تشكِّل السياق التاريخي للوعد البلفوري موضع البحث. ويُعتبَر نابليون بونابرت من أوائل القادة الغربيين الذين أصدروا وعداً بلفوريًّا، وهو أيضاً أول غاز للشرق في العصر الحديث. وفيما يلي الجزء المهم من نص الوعد: (من نابليون القائد الأعلى للقوات المسلحة للجمهورية الفرنسية في أفريقيا وآسيا إلى ورثة فلسطين الشرعيين. أيها الإسرائيليون، أيها الشعب الفريد، الذين لم تستطع قوى الفتح والطغيان أن تسلبهم اسمهم ووجودهم القومي، وإن كانت قد سلبتهم أرض الأجداد فقط. إن مراقبي مصائر الشعوب الواعين المحايدين ـ وإن لم تكن لهم مواهب المتنبئين مثل إشعياء ويوئيل ـ قد أدركوا ما تنبَّأ به هؤلاء بإيمانهم الرفيع من دمار وشيك لمملكتهم ووطنهم: أدركوا أن عتقاء الإله سيعودون لصهيون وهم يغنُّون، وسيُولَد الابتهاج بتَملُّكهم إرثهم دون إزعاج، فرحاً دائماً في نفوسهم (إشعياء (35/ 10 انهضوا إذن بسرور أيها المبعدون. إن حرباً لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، تخوضها أمة دفاعاً عن نفسها بعد أن اعتبر أعداؤها أرضها التي توارثوها عن الأجداد غنيمة ينبغي أن تُقسَّم بينهم حسب أهوائهم. وبجرة قلم من مجلس الوزراء تقوم للثأر وللعار الذي لحق بها وبالأمم الأخرى البعيدة. ولقد نُسي ذلك العار تحت قيد العبودية والخزي الذي أصابكم منذ ألفي عام. ولئن كان الوقت والظروف غير ملائمة للتصريح بمطالبكم أو التعبير عنها، بل وإرغامكم على التخلي عنها، فإن فرنسا تقدم لكم إرث إسرائيل في هذا الوقت بالذات، وعلى عكس جميع التوقعات، إن الجيش الذي أرسلتني العناية الإلهية به، والذي يقوده العدل ويواكبه النصر، جعل القدس مقرًّا لقيادتي، وخلال بضعة أيام سينتقل إلى دمشق المجاورة التي لم تَعُد تُرهب مدينة داود. يا ورثة فلسطين الشرعيين: إن الأمة التي لا تتاجر بالرجال والأوطان، كما فعل أولئك الذين باعوا أجدادهم لجميع الشعوب (يوئيل 4/ 6 (، تدعوكم لا للاستيلاء على إرثكم بل لأخذ ما تم فتحه والاحتفاظ به بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء. انهضوا وأظهروا أن قوة الطغاة القاهرة لم تُخمد شجاعة أحفاد هؤلاء الأبطال الذين كان تَحالُفهم الأخوي شرفاً لإسبرطة وروما (مكابيون 12/ 15 (، وأن معاملة العبودية التي دامت ألفي عام لم تُفلح في إخمادها. سارعوا! إن هذه هي اللحظة المناسبة ـ التي قد لا تتكرر لآلاف السنين ـ للمطالبة باستعادة حقوقكم ومكانتكم بين شعوب العالم، تلك الحقوق التي سُلبت منكم لآلاف السنين، وهي وجودكم السياسي كأمة بين الأمم، وحقكم الطبيعي في عبادة يهوه، طبقاً لعقيدتكم، علناً وإلى الأبد. (يوئيل 4/ 20.) وفيما يتعلق بوعد نابليون البلفوري، يمكن ملاحظة ما يلي: 1 ـ جوهر الوعد هو العبارة التالية: (تقدِّم فرنسا فلسطين لليهود في هذا الوقت بالذات، وعلى عكس جميع التوقعات ... وهذه هي اللحظة المناسبة التي قد لا تتكرر لآلاف السنين). (تدعوكم (فرنسا) لا للاستيلاء على إرثكم بل لأخذ ما تم فتحه والاحتفاظ به بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء). (وجودكم السياسي كأمة بين الأمم، وحقكم الطبيعي في عبادة يهوه طبقاً لعقيدتكم، علناً وإلى الأبد. 2 ـ لا يختلف تصريح نابليون عن وعد بلفور، فنابليون يعتبر أعضاء الجماعات اليهودية شعباً غريباً عن وطنه (وهو ما يعني إسقاط المواطنة عنه) وهو شعب مرتبط بفلسطين. وقد وجَّه نابليون نداءه إلى (الشعب الفريد) و (المبعدين) الذين عاشوا (تحت قيد العبودية والخزي ... منذ ألف عام) و (ورثة فلسطين الشرعيين) (أي: الشعب العضوي المنبوذ) بأن يتبعوا فرنسا التي ستقدم لهم إرث إسرائيل، أي: أرض فلسطين، أي: أنهم سيتم خروجهم من فرنسا وتوطينهم في فلسطين. 3 ـ ثم نأتي ثالثاً إلى الدوافع الخفية الحقيقية، وليس من الصعب تخمينها، فنابليون لم يَكُنْ يُكِنُّ كثيراً من الحب أو الاحترام لليهود، وهذا يظهر في تشريعاته داخل فرنسا. ولذا فإن إرسالهم إلى فلسطين فيه حل للمسألة اليهودية في فرنسا (والتي كانت قد بدأت في التفاقم). ومع هذا كان نابليون يهدف إلى توظيف اليهود في خدمة مشاريعه وتحويلهم إلى عملاء له، وهذا ما قاله ملك إيطاليا لهرتزل (وقد وافقه الزعيم الصهيوني على رأيه). ولعل إشارة نابليون إلى التقاليد المكابية هو إشارة خفية للدور القتالي (المملوكي) الذي يمكن أن تلعبه الدولة اليهودية المقترحة في خدمة المصالح الغربية. وقد صدرت أيضاً عدة وعود بلفورية ألمانية. ويمكننا هنا أن نتوقف قليلاً عند واحد من أهم إسهامات (هرتزل) للحركة الصهيونية، وهو أنه إذا كانت الفكرة الصهيونية إمكانية كامنة في الحضارة الغربية تود أن تتحقق، فلم يكن بإمكانها أن تخرج من عالم الوجود بالقوة إلى عالم الوجود بالفعل إلا من خلال آليات محددة، أهمها: تنظيم المادة البشرية (اليهودية) التي سيتم ترحيلها، وتأسيس إطار تنظيمي يستطيع أن يتلقَّى الوعود، وأن يقوم بتنفيذها. وحينما أصدر نابليون وعده البلفوري لم يكن هناك تنظيم يهودي يمكنه تلقِّي هذا الوعد، والعمل على تسخير المادة البشرية لتنفيذه. وهذا ما أنجزه (هرتزل) بعد أن نشر كتابه (دولة اليهود) الذي وضَّح فيه ما نسميه «العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية». فقرَّر (هرتزل) أن يأخذ بزمام الأمور، وأن يتوجه للدول العظمى. وقد ساعده في مسعاه هذا القس (الواعظ) الصهيوني نصف المجنون (هشلر) إذ قدمه إلى أحد كبار المسئولين الألمان الذي تحدَّث إلى القيصر عن الموضوع. وكانت ثمرة هذه الاتصالات وعد بلفوري ورد في خطاب من دون إيلونبرج باسم حكومة القيصر إلى (هرتزل) مؤرخ في سبتمبر (1898) وجاء فيه: (إن صاحب الجلالة على استعداد أكيد أن يناقش الأمر (توطين اليهود) مع السلطان، وأنه سيسعده أن يستمع إلى مزيد من التفاصيل منكم في القدس. وقد أصدر جلالته أوامره بأن تُذلِّل كل الصعاب التي تواجه استقبال وفدكم. وأخيراً يحب جلالته أن يخبركم عن استعداده أن يأخذ على عاتقه مسئولية محمية (يهودية) في حالة تأسيسها. وجلالته حينما يكشف لكم عن نواياه، فهو يعوِّل، بطبيعة الحال، على مقدرتكم على الكتمان. وكم يسعدني أن أنقل لكم هذه المعلومات، وأتمنى أن تنجح في الوصول إلى القدس في الموعد المحدد. وفي الحقيقة، فإن فشلكم في هذا سيسبب لجلالته خيبة الأمل. وأترك لكم- بما تتميزون به من لباقة- أن تقرروا ما إذا كنتم تودون الوصول إلى إستنبول في الوقت الذي يصل فيه جلالته إليها أم لا). ويمكننا ملاحظة ما يلي: 1 ـ جوهر الوعد يُوجَد في العبارة: (يحب جلالته أن يخبركم عن استعداده أن يأخذ على عاتقه مسئولية محمية (يهودية) في حالة تأسيسها (وأنه) على استعداد أكيد أن يناقش الأمر (توطين اليهود) مع السلطان. 2 ـ وإذا انتقلنا بعد ذلك إلى الديباجة العلنية والنوايا المعلنة، فإننا لن نجد لها أيَّ أثر، فقيصر ألمانيا لم يكن تحت أية ضغوط للبحث عن مسوغات رومانسية، بل إن العكس في حالته هو الصحيح؛ إذ كان عليه أن يبرر أمام شعبه مسألة تعاطفه مع المشروع الصهيوني وتأييده له، بل واستعداده لأن يضع الصهاينة تحت حمايته. وكما قال في خطابه المؤرخ (29) سبتمبر (1898) م, والمُرسَل إلى دوق بادن، فإن تسعة أعشار شعبه سيُصدَم صدمة عميقة إذا اكتشف هذه الحقيقة. فاليهود ـ كما يقول ـ هم قتلة المسيح، وهو يعترف بهذه الحقيقة، ولكنه يضيف قائلاً: (إن الإله قد أنزل بهم العقاب على ما اقترفوه من آثام، إلا أنه لم يأمر المسيحيين بأن يسيئوا معاملة هذا الشعب). 3 ـ وأما العنصر الثالث، أي: الدوافع الحقيقية الخفية، فهي موجودة وبغزارة، في خطاب القيصر المذكور، وفي تعليقه على تقرير سفير ألمانيا في سويسرا عن المؤتمر الصهيوني الأول (1897) م, فهو في مجال تسويغ تعاونه مع (قتلة المسيح) يورد الأسباب التالية لتأييد ألمانيا للمشروع الصهيوني: أ) سينتج عن توطين شعب إسرائيل رخاء للمنطقة، ولا سيما أن الملايين ستصب في الأكياس العثمانية، الأمر الذي قد يؤدي إلى شفاء الرجل المريض. ب) ستُوجَّه طاقة اليهود ومواهبهم إلى أهداف أكثر نبلاً من استغلال المسيحيين. جـ) إفراغ ألمانيا من اليهود الذين فيها (وكلما عجلوا بالذهاب .. ، كان ذلك أفضل. فلن أضع أية عراقيل في طريقهم). د) إذا بُحثت المسألة من منظور الحقائق السياسية (لا الأخلاقية)، فإن ألمانيا ستستفيد غاية الاستفادة؛ لأن رأس المال اليهودي العالمي، بكل خطورته، سينظر بعين العرفان إلى ألمانيا. ولعل موقف القيصر من اليهود، بما يتسم به من كره عميق لهم، وترحيب شديد بالتخلص منهم، واستعداد تام لتوظيفهم في خدمة المصالح الألمانية- لا يختلف كثيراً عن موقف نابليون من قبله، أو موقف بلفور من بعده. ورغم وعود القيصر، ورغم حرصه على تبنِّي المشروع الصهيوني، إلا أنه لم يكن مدركاً مدى عُمْق الرفض العثماني للمشروع الصهيوني، وهو الأمر الذي أدركه إبان زيارته لإستنبول. ولذا، فحينما تم اللقاء في نهاية الأمر في القدس، حيث كان من المتوقع أن يُصدر القيصر وعده البلفوري العلني الكامل، تراجع واكتفى ببعض المجاملات الخالية من المعنى. ومن الأمثلة الأخرى على الوعود البلفورية: الوعد البلفوري الروسي القيصري. فقد قام (هرتزل) بمقابلة فون بليفيه، وزير الداخلية الروسي المعادي لليهود، بتفويض من المؤتمر الصهيوني الخامس (1901) م، حتى يَحصُل على تصريح يُعبِّر عن نوايا الروس يتلوه في المؤتمر الصهيوني السادس المزمع عقده سنة (1903) م. وبالفعل، صَدَر الوعد البلفوري القيصري على النحو التالي (في شكل رسالة وجَّهها فون بليفيه إلى تيودور هرتزل). وهذا هو منطوق الوعد: (ما دامت الصهيونية تحاول تأسيس دولة مستقلة في فلسطين، وتنظيم هجرة اليهود الروس، فمن المؤكد أن تظل الحكومة الروسية تحبذ ذلك. وتستطيع الصهيونية أن تعتمد على تأييد معنوي ومادي من روسيا إذا ساعدت الإجراءات العملية التي يفكر فيها على تخفيف عدد اليهود في روسيا). وقد توصَّل (هرتزل) أيضاً إلى اتفاق مع المسئولين الروس مفاده: أنْ تبذل الحكومة الروسية مساعيها الحميدة لدى تركيا؛ لتسهيل دخول اليهود إلى فلسطين. وستقدم مساعدات مالية للمهاجرين تُجمَع من مصادر يهودية، وستُسهِّل تنظيم الجمعيات الصهيونية الملتزمة ببرنامج بازل. وقد سُمح أيضاً لبنك الاستيطان اليهودي ببيع أسهمه في روسيا شريطة أن يفتح فرعاً له في البلد لكي تستطيع السلطات مراقبة عمليات البيع. كذلك قام (بليفيه) بتزويد (هرتزل) برسالة موقعة منه، وبعد أن بحث محتوياتها مع القيصر، أعلن فيها أن الحكومة الروسية تنظر بعين العطف إلى الصهيونية ما دام هدفها إقامة دولة مستقلة في فلسطين، وأنها على استعداد لمساعدتها. وهذه المساعدة قد تتخذ شكل حماية الممثلين الصهاينة أمام الحكومة العثمانية، وتسهيل نشاط جمعيات الهجرة ومساعدتها ماليًّا من الضرائب التي تُجبى من اليهود. وقد استغلَّ (هرتزل) هذه الرسالة، في أكثر من مناسبة، فيما بعد. ويُلاحَظ أنه لا توجد أية ديباجات رومانسية في هذا الوعد، فهو مسألة تعاقدية جافة يتحدث فيها كل طرف عن الفائدة المرجوة وعلى العائد من الصفقة. ولذا، فقد أكَّد فون بليفيه- دون مواربة أو حياء- أن الهدف هو التخلص من اليهود عامة، باستثناء الأثرياء منهم، وجاء هذا واضحاً في قوله: ( ... إن نجاح اليهود في إقامة دولة مستقلة لهم تستوعب عدة ملايين منهم لهو أمر نقبله وندعمه ... إننا لا نريد التخلص من جميع اليهود الروس ... إننا نريد فقط التخلص من المعدمين والمضطربين). وحذَّر فون بليفيه من أن التأييد الروسي القيصري سيتم سحبه إن كان هدف الصهيونية، غير المعلن، هو تحقيق تركيز قومي لليهود في روسيا، فالدعم الروسي مشروط بالتخلص من اليهود. وقد كان ذلك مفهوماً تماماً لدى (هرتزل) الذي أكد في مفاوضاته مع بليفيه أن الحركة الصهيونية (ستستقطب جميع اليهود وضمنهم المتطرفون (أي: العناصر الثورية التي كانت تقض مضجع الدولة الروسية القيصرية). أما إذا انهارت آمالنا، فإن الوضع سينقلب رأساً على عقب، وستكسب الأحزاب الثورية إلى صفوفها أولئك الذين سينسحبون من الصهيونية التي أُمثِّلها أنا وزملائي). كما أن (هرتزل) فهم تماماً تحذير بليفيه. وهكذا فإننا نجده، في المؤتمر الصهيوني السادس (1903) م, يؤكد للمجتمعين أن الحكومة الروسية لن تسبب أية مشاكل للحركة الصهيونية، ما دام نشاطها منحصراً ضمن النظام والقانون (أي: في عملية التخلص من اليهود، وتفريغ روسيا منهم). واستطاع (هرتزل) بجهد وتصميم أن يحول بين المؤتمر وبين مناقشة مذابح كيشينيف، وقد علَّق على الموضوع في رسالة بعث بها إلى بليفيه قال فيها (: ... رغم المصاعب التي واجهتني في إدارة جلسات المؤتمر بجوها المشحون نتيجة الأحداث المؤلمة (مذابح كيشينيف)، إلا أنني نجحت في المحافظة على النظام وإعادة الهدوء إلى الجلسات .. ولا شك في أن الفضل يعود في ذلك إلى رسالتكم التي تكرمت بإرسالها في (12) أغسطس، والتي كشفت محتوياتها؛ لأخمد بذلك كل جدال ثار حول تلك الأحداث). ويمكن أن ننظر إلى مشروع شرق أفريقيا باعتباره أحد أهم الوعود البلفورية، وهو لا يختلف كثيراً عن الوعود البلفورية التي أشرنا إليها، وإن كان أكثر جدية وأكثر تحديداً منها. كما أنه يشبه في كثير من النواحي وعد بلفور الذي صدر في نهاية الأمر. وقد صدر آخر الوعود البلفورية عن ألمانيا بعد صدور وعد بلفور نفسه عن إنجلترا، إذ استغل الصهاينة الوضع الدولي الناشئ عن الجمود الذي ساد جبهات القتال عام (1916) م, واتجهوا إلى حثِّ الحكومة الألمانية على إصدار بيان رسمي يتضمن العطف على الصهيونية في فلسطين. ولكن الحكومة الألمانية كانت لا تزال مرتبطة بتحالف مع الحكومة العثمانية. كما كانت تخشى أن يؤدي تدهور الوضع العسكري إلى أن تسارع الحكومة العثمانية بعقد صلح منفرد مع الحلفاء. وحيث إن ألمانيا لن تضحي بتحالفها من أجل الصهاينة، فإنها ترددت كثيراً في الاستجابة للمطلب الصهيوني. ثم صدر وعد بلفور نفسه عام (1917) م، وعند هذه النقطة. وحسبما جاء في دراسة الدكتور محافظة، (اندفع الصهاينة يلحون على حكومة برلين لتلبية مطالبهم مع تشكيل وزارة طلعت باشا في عام (1917) م، وحاولت الحكومة الألمانية إرضاء الصهاينة بتَدخُّلها الحاسم لإلغاء التدابير العسكرية التي فرضها جمال باشا على اليهود في فلسطين عام (1917) م. وبعد صدور تصريح بلفور، اتجه الصهاينة إلى برلين لاستصدار تصريح مماثل. كما أنتهزوا زيارة الصدر الأعظم (طلعت باشا) في مطلع يناير (1918) م، فقابله الزعيم الصهيوني ألفريد نوسيج الذي بحث معه موضوع اليهود في الدولة العثمانية (ومما يجدر ذكره أن هذا الزعيم الصهيوني أصبح عميلاً للجستابو النازي فيما بعد، كما وضع خطة لإبادة يهود أوربا. وقد قبض عليه ثوار جيتو وارسو. وبعد محاكمة قصيرة، نُفِّذ فيه حكم الإعدام). وطلب نوسيج باسم الصهاينة إلغاء القيود المفروضة على هجرة اليهود إلى فلسطين. فوعدهم الصدر الأعظم بأن الباب العالي سوف يعيد تنظيم الأوضاع حالما تعود القدس وجنوب فلسطين إلى السيادة العثمانية بصورة تَكفُل الرضا التام لليهود، وتحقق أمانيهم كافة. وقد نُشر هذا التصريح في الصحف الألمانية في اليوم التالي للقاء. ولا يمكن أن نسمِّي هذا التصريح وعداً بلفوريًّا بمعنى الكلمة، وإن كان يقترب من ذلك. ومن الواضح أن ذلك يمثل إحدى الحيل التي كانت تستعملها الدولة العثمانية على ممثلي العالم الغربي، وهو فن تَملَّك العثمانيون ناصيته نظراً لضعفهم العسكري. ولكن أهمية هذا التصريح لا تكمن فيه وإنما في أنه أعطى الضوء الأخضر للدولة الألمانية. وقد استمرَّ الصهاينة في ضغوطهم حتى حصلوا على تصريح من وكيل وزارة الخارجية الألمانية في اليوم التالي لتصريح الصدر الأعظم، هذا نصه: (نحن نؤيد رغبة الأقليات اليهودية، في البلدان التي لهم فيها ثقافة متطورة، في أن تختط طريقها الخاص بها، ونميل إلى دعم أمانيها. أما بالنسبة إلى أماني اليهود، وبخاصة أماني الصهاينة منهم في فلسطين، فإن الحكومة (الألمانية) ترحب بالتصريح الذي أدلى به مؤخراً الصدر الأعظم، طلعت باشا، والذي يعبِّر عن عزم الحكومة التركية، المتفق مع نظرتها الودية نحو اليهود بوجه عام، على تنمية استقرار يهودي مزدهر في فلسطين، عن طريق الهجرة غير المُقيدة، والاستيطان ضمن قدرة البلاد الاستيعابية، وقيام حكم ذاتي يتفق وقوانين البلاد، والتطور الحر لحضارتها). ويُلاحَظ أن صياغة هذا الوعد تميل نحو الإبهام الشديد، فهو يؤكد حق اليهود المندمجين في الاستمرار في اندماجهم، وهو يميِّز بينهم وبين الصهاينة الذين لهم أمان في فلسطين، حيث سيسمح لهم (باستقرار يهودي مزدهر في فلسطين)، وهي عبارة غامضة حاول الوعد تحديدها عن طريق عبارة (قيام حكم ذاتي)، ثم عاد وعدَّلها من خلال إضافة عبارة (يتفق وقوانين البلاد والتطور الحر لحضارتها). ولنلاحظ أن فكرة (قوانين البلاد) تحل محل عبارة (القانون العام) أو (القانون الدولي) التي ترد في الأدبيات الصهيونية، خصوصاً في صياغتها الهرتزلية، وهي عبارة تعني: (حسب القانون الغربي أو الاستعماري). فكأن الوعد هنا ينزع المشروع الصهيوني من سياقه الغربي، ويضعه في سياق عثماني، الأمر الذي يعني فقدانه كل معنى، فالمستوطنون الصهاينة كان معروضاً عليهم دائما أن يحصلوا على المواطنة العثمانية، ويستقروا في فلسطين كعثمانيين لا كعنصر استيطاني تابع لدولة غربية. والقضية لم تكن قضية عدة آلاف يهودي لا وطن لهم، أو مضطهدين في أوطانهم ويبحثون عن مأوى لهم، وإنما هي قضية غَرْس عنصر بشري غريب يتحول إلى دولة ذات تَوجُّه غربي استعماري استيطاني رفض هذا الحل. وبعد صدور الوعد البلفوري الألماني، استمرَّ الصهاينة في الضغط على الدولة العثمانية. وكلَّف الصدر الأعظم- بعد عودته من برلين- النائب اليهودي التركي قاراصو بتأليف لجنة يهودية عثمانية لوضع التفاصيل العملية لإنشاء شركة ذات امتياز في إستنبول تتولَّى العمل في المناطق المأهولة باليهود لإقامة حكم ذاتي فيها. وأمر طلعت باشا بدراسة الخطة التي وضعهتا اللجنة، ووعد بتبنيها عند بَحْث شروط الصلح بعد انتهاء الحرب. وسعى الصهاينة، انطلاقاً من هذا الوعد، إلى الحصول على مزيد من التنازلات من الجانب العثماني، وإصدار تصريح عثماني مماثل لتصريح بلفور. وقد تمكَّنوا من الحصول على هذا التصريح في (14) تموز (1918) م، وتشكَّلت لجنة عثمانية لوضع ما جاء فيه موضع التنفيذ. ويمكننا ملاحظة اختفاء الديباجات العلنية المزخرفة أو الإشارة إلى الدوافع الحقيقية، فلا توجد أية إشارة للشعب اليهودي أو أمانيه القومية أو ارتباطه الأزلي بالأرض، وإنما هي إشارة روتينية إلى (أماني الصهاينة) وحديث عن استقرار يهودي مزدهر. ومقابل هذا، لا توجد أية إشارة لكره اليهود أو الرغبة في استخدامهم أو تأسيس حامية عسكرية يقطنون فيها كمادة قتالية. ولا شك في أن وجود العثمانيين كطرف هو الذي أفضى إلى هذا الوضع. فهم لم يتحمسوا قط للمشروع الصهيوني، بل كانوا يرونه جزءاً من المحاولة الغربية لتفتيت حكمهم ودولتهم. ومع هذا، فقد اضطروا كارهين للدخول في حوار مع الصهاينة، وتقديم بعض التنازلات بسبب تدهور الوضع العسكري العام على الجبهات كافة، وفقدان معظم فلسطين، واعتقاد الدولة العثمانية أن تحقيق بعض المطالب الصهيونية قد يُحسِّن وضعها في مؤتمر الصلح الذي كان مقبلاً. ويمكننا أن نقول: إن وعد بلفور هو أهم حدث في تاريخ الصهيونية وتاريخ الجماعات اليهودية في العالم، كما أن أهميته بالنسبة لفلسطين والفلسطينيين لا تخفى على أحد. وعد بلفور Balfour Declaration « وعد بلفور» هو التصريح الشهير الذي أصدرته الحكومة البريطانية عام (1917) م, تعلن فيه عن تعاطفها مع الأماني اليهودية في إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وحين صدر الوعد كان عدد أعضاء الجماعة اليهودية في فلسطين لا يزيد عن 5% من مجموع عدد السكان. وقد أخذ الوعد شكل رسالة بعث بها لورد بلفور في (2) نوفمبر (1917) م, إلى اللورد إدموند دي روتشيلد أحد زعماء الحركة الصهيونية آنذاك. وفيما يلي النص الكامل للرسالة: (عزيزي اللورد روتشيلد: يسعدني كثيراً أن أنهي إليكم، نيابةً عن حكومة جلالة الملك، التصريح التالي تعاطفاً مع أماني اليهود الصهاينة التي قدَّموها، ووافق عليها مجلس الوزراء. إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وسوف تبذل ما في وسعها لتيسير تحقيق هذا الهدف. وليكن مفهوماً بجلاء أنه لن يتم شيء من شأنه الإخلال بالحقوق المدنية للجماعات غير اليهودية المقيمة في فلسطين أو بالحقوق أو الأوضاع القانونية التي يتمتع بها اليهود في أية دولة أخرى. وسوف أكون مديناً بالعرفان لو قمتم بإبلاغ هذا التصريح إلى الاتحاد الصهيوني. ) إمضاء ( وفيما يتصل بهذا النص، نلاحظ ما يلى: 1 ـ صيغة الوعد واضحة تماماً هنا إذ تُوجَد هيئة حكومية (حكومة جلالة الملك) تؤكد أنها تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي سيضم (الشعب اليهودي)، أي: أنه تم الاعتراف باليهود لا كلاجئين أو مضطهدين مساكين، كما أن الهدف من الوعد ليس هدفاً خيريًّا، ولكنه هدف سياسي (استعماري). كما أن هذه الحكومة التي أصدرت الوعد لن تكتفي بالأمنيات، وإنما سوف تبذل ما في وسعها لتيسير تحقيق هذا الهدف. هذا هو الجوهر الواضح للوعد. 2 ـ ثم تبدأ بعد ذلك الديباجات التي تهدف إلى التغطية، فالوعد لن يضر بمصالح الجماعات غير اليهودية المقيمة في فلسطين ولا بمصالح الجماعات اليهودية التي لا تود المساهمة في المشروع الصهيوني، بل تود الاستمرار في التمتع بما حققته من اندماج وحراك اجتماعي. وسنلاحظ أن الديباجات تتسم بكثير من الغموض؛ إذ إن الوعد لم يتحدث عن كيفية ضمان هذه الحقوق. ثم نأتي الآن للأسباب التي يوردها بعض المؤرخين (الصهاينة أو المتعاطفون مع الصهيونية) لتفسير إصدار إنجلترا لوعد بلفور. فهناك نظرية مفادها أن بلفور قد صدر في موقفه هذا عن إحساس عميق بالشفقة تجاه اليهود بسبب ما عانوه من اضطهاد، وبأن الوقت قد حان لأن تقوم الحضارة المسيحية بعمل شيء لليهود، ولذلك فإنه كان يرى أن إنشاء دولة صهيونية هو أحد أعمال التعويض التاريخية. ولكن من الثابت تاريخيًّا أن بلفور كان معادياً لليهود، وأنه حينما تولى رئاسة الوزارة الإنجليزية بين عامي (1903و1905) م, هاجم اليهود المهاجرين إلى إنجلترا؛ لرفضهم الاندماج مع السكان، واستصدر تشريعات تحد من الهجرة اليهودية؛ لخشيته من الشر الأكيد الذي قد يلحق ببلاده. وقد كان لويد جورج رئيس الوزراء لا يقل كرهاً لأعضاء الجماعات اليهودية عن بلفور، تماماً مثل تشامبرلين قبلهما، والذي كان وراء الوعد البلفوري الخاص بشرق أفريقيا. وينطبق الوضع نفسه على الشخصيات الأساسية الأخرى وراء الوعد، مثل جورج ملنر وإيان سمطس، وكلها شخصيات لعبت دوراً أساسيًّا في التشكيل الاستعماري الغربي. ويرى بعض المؤرخين أن إنجلترا أصدرت الوعد تعبيراً عن اعترافها بالجميل لوايزمان؛ لاختراعه مادة الأسيتون المحرقة أثناء الحرب العالمية الأولى، وهو تفسير تافه لأقصى حد، لا يستحق الذكر إلا لأنه ورد في بعض الدراسات الصهيونية والدراسات العربية المتأثرة بها. ويبدو أن وايزمان نفسه قد تقبَّل هذا التفسير بعض الوقت. ولذا حينما توترت العلاقات بين إنجلترا والمستوطنين الصهاينة في الأربعينيات، وضع وايزمان مواهبه العلمية تحت تصرف الإمبراطورية، متصوراً أن بإمكانه ممارسة بعض التأثير عليها. وبطبيعة الحال، لم يُوفَّق وايزمان في مساعيه. وفيما يتصل بجهوده الدبلوماسية نفسها أثناء الحرب، يمكن القول بأنه كان شخصية محدودة الذكاء، فلم يدرك الأبعاد الإمبريالية للمشروع الصهيوني أو لوحشية المشروع الإمبريالي، وغير مدرك حتى لدقائق السياسة البريطانية (وهذا هو وصف موظفي الخارجية البريطانية له في تقاريرهم السرية التي تم الكشف عنها مؤخراً). وحينما أندلعت الحرب العالمية الأولى، كان وايزمان قد وصل لتوه إلى سويسرا في إجازة صيفية. ثم اضطر إلى العودة إلى بريطانيا، فطلب منه لويد جورج أن يقابل هربرت صمويل، فعبَّر عن خوفه من أن يكون صمويل مثل سائر يهود إنجلترا معادياً للصهيونية، ولكنه فوجئ بأن صمويل هذا صهيوني هو الآخر. وحينما تقدَّم بطلباته الصهيونية، أخبره صمويل بأن طلباته هذه متواضعة أكثر من اللازم، وأن عليه أن يفكر على مستوى أكبر من ذلك (ويبدو أن هرتزل لم يشف التسلليين تماماً من ضيق الأفق والفشل في إدراك عالمية الظاهرة الإمبريالية ووحشيتها). ثم أخبره صمويل بأن أعضاء الوزارة يفكرون في أهداف صهيونية، ودوَّن وايزمان بعد ذلك العبارة التالية: (لو كنت يهوديًّا متديناً لظننت أن عودة الماشيَّح قد دنت). ومع هذا، وكما سنبيِّن فيما بعد، أظهر وايزمان شيئاً من الذكاء باكتشافه بريطانيا (لا ألمانيا) باعتبارها القوة الإمبريالية الصاعدة التي يمكنها أن ترعى المشروع الصهيوني. ولعل الأمر لا يدل على ذكاء بقدر ما ينبع من وجوده في إنجلترا بالفعل، وتَحرُّكه داخل إطار المصالح البريطانية، ولعله لو وُجد في فرنسا لما أدرك شيئاً. وهناك نظرية تذهب إلى أن الضغط الصهيوني (واليهودي) العام هو الذي أدَّى إلى صدور وعد بلفور، ولكن من المعروف أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يكونوا كتلة بشرية ضخمة في بلاد غرب أوربا، وهم لم يكونوا من الشعوب المهمة التي كان على القوى العظمى أن تساعدها أو تعاديها، بل كان من الممكن تجاهلهم. ويمكن القول بأن أعضاء الجماعات اليهودية كانوا مصدر ضيق وحسب، ولم يكونوا قط مصدر تهديد. أما الصهاينة فلم تكُن لهم أية قوة عسكرية أو سياسية أو حتى مالية (فأثرياء اليهود كانوا ضد الحركة الصهيونية). ولكل هذا، لم يكن مفر من أن تكون المطالب الصهيونية على هيئة طلب لخدمة مصالح إحدى الدول العظمى الإمبريالية. ولعل أكبر دليل على أن الضغط الصهيوني أو اليهودي لا يشكل عنصراً فعالاً في عملية استصدار وعد بلفور، وأنه عنصر ثانوي على أحسن تقدير، هو نجاح الصهاينة في إنجلترا وفشلهم في ألمانيا. فقد بذل صهاينة ألمانيا جهوداً محمومة لاستصدار وعد بلفوري، وكانت توجد عندهم مقومات النجاح، ولكن كل هذا لم يُجد فتيلا: 1 ـ بذل صهاينة ألمانيا قصارى جهدهم ليبينوا للحكومة الألمانية مدى نفع اليهود للمشروع الاستعماري الألماني، وقد كان هناك كثير من المفكرين الألمان غير اليهود يشاركون في هذه الرؤية. 2 ـ كان عدد كبير من الزعماء الصهاينة يقف وراء ألمانيا، وكانت برلين لوقت طويل المقر الرئيسي للمنظمة. 3 ـ كانت ألمانيا حليفة لتركيا التي كانت فلسطين تابعة لها. 4 ـ كانت لغة المؤتمرات الصهيونية هي الألمانية، كما كانت ثقافة مؤسسي الحركة الصهيونية ألمانية. 5 ـ كانت الجماعة اليهودية في ألمانيا مُشرَّبة بالثقافة الألمانية، وكان كثير من أعضاء النخبة الثقافية الألمانية من اليهود، وقد يسَّر هذا على اليهود الحركة داخل المجتمع الألماني. 6 ـ كانت الجماعة اليهودية في ألمانيا ذات ثقل مالي وثقافي وسياسي كبير؛ إذ كانت أهم البنوك الألمانية في أيد يهودية. 7 ـ اشترك أعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا في القوات الألمانية أثناء الحرب بأعداد تفوق نسبتهم القومية. 8 ـ كانت القوات الألمانية في الحرب العالمية الأولى تقوم بما سمته «تحرير» بولندا وليتوانيا وغرب روسيا (مراكز الكثافة البشرية اليهودية)، واعتبرت اليهود عنصراً بشريًّا ألمانيًّا تابعاً لألمانيا. وقد أسَّس الزعيم الصهيوني ماكس بودنهايمر لجنة لتحرير يهود روسيا عام (1914) م. وكان بين أعضائها ليو موتزكين. وقد تم إصدار نشرة بالعبرية كتب ناحوم سوكولوف افتتاحيتها. وكان أمل الصهاينة أن تستولي القوات الألمانية على غرب روسيا حيث كان يوجد معظم اليهود. ومعنى هذا أنه كان ثمة تلاق بين الآمال الصهيونية والآمال التوسعية الألمانية. 9 ـ كانت أرستقراطية اليهود في أمريكا (كبار المموِّلين) من أصل ألماني، وقد كانت هذه الأرستقراطية متعاطفة تماماً مع ألمانيا ومؤيدة لها. ويمكن أن نقارن هذا الوضع بوضع الجماعة اليهودية في إنجلترا، التي كانت صغيرة العدد ومندمجة ومعادية للصهيونية، وكانت الحركة الصهيونية فيها ضعيفة للغاية. ومع هذا، فشل صهاينة ألمانيا في استصدار وعد بلفوري من ألمانيا. وحينما نجحوا، كان ذلك في مرحلة متأخرة من الحرب وكان وعداً باهتاً للغاية، بينما نجح صهاينة إنجلترا فيما فشل فيه صهاينة ألمانيا. وفي الواقع، يمكننا تفسير الفشل الصهيوني في ألمانيا، والنجاح الصهيوني في إنجلترا، لا بالقوة والضعف الذاتيين الصهيونيين، ولا بحجم الضغوط الصهيونية مهما كانت ضخمة ومهمة وحيوية، ولكن بالعودة إلى المصالح الإستراتيجية الغربية. ويبدو أن ألمانيا، بسبب علاقتها الحميمة مع تركيا، لم يكن بإمكانها أن تُصدر مثل هذا الوعد (تماماً كما كان الوضع مع إنجلترا عام (1904) م, حينما أصدرت وعد شرق أفريقيا البلفوري، ولم تذكر فلسطين من قريب أو بعيد؛ لأن علاقتها مع الدولة العثمانية لم تكن تسمح بذلك). ومن المعروف أن وايزمان، كي ينجح في الحصول على وعد بلفور، قطع علاقته مع اللجنة التنفيذية الصهيونية في برلين، ورفض التراسل مع زملائه في دول الوفاق Entente ورفض موقف الحياد الرسمي الذي اتخذته المنظمة. كما أنه لم يخبر المقر الرئيسي للمنظمة في كوبنهاجن بمباحثاته مع إنجلترا. ويُقال: إن انقسام الحركة الصهيونية لم يُعق جهوده بل ساعدها. والواقع أن نجاحه في إنجلترا، تماماً مثل الفشل الصهيوني في ألمانيا، يمكن تفسيره بإستراتيجية الإمبراطورية الإنجليزية التي قررت تقسيم الدولة العثمانية واحتلال الشرق العربي. ولعل ذكاء وايزمان يَكمُن في اكتشافه ذيلية الصهيونية، وحتمية الاعتماد على الإمبريالية، وصعود القوة البريطانية، فتبعها بكل قوته، وقطع كل علاقاته مع المنظمة الصهيونية ذات الجذور الألمانية والتوجه الألماني. ¤ موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية لعبد الوهاب المسيري – موقع المسيري المطلب الثاني: خطط اليهود المستقبلية: اليهود لم يكتفوا بفلسطين فقط، بل إنهم يسيرون ويعملون على تحقيق أطماعهم، وأحلامهم المستقبلية، وذلك بإقامة دولة إسرائيل الكبرى التي تسيطر على العالم. وكما أنهم يسعون سعياً حثيثاً في سبيل رفع الحصار عنهم، فهم يعملون على إزالة حاجز النفرة بينهم وبين المسلمين باسم السلام تارة، وباسم التطبيع أخرى. وقد حدث شيء من ذلك، فقد حصل تطبيع بينها وبين بعض الدول العربية، فوجدوا بذلك الفرصة للإفساد والخراب، ونشر الرذيلة والفحشاء، كما حدث في مصر وغيرها، وهم لا يقتنعون بشيء، ولا يرضون حتى نتبعهم وندخل معهم في كل ما يريدون، وصدق الله إذ يقول: وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة: 120. وقد استعملوا في ذلك شتى الطرق، واستعانوا بالنصارى وغيرهم، وجعلوهم حميراً يمتطونها؛ لتحقيق أغراضهم وأهدافهم. ¤ رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد ص 105 المطلب الثالث: اللوبي اليهودي والصهيوني (أو جماعات الضغط الصهيونية) Jewish and Zionist Lobby » لوبي « Lobby كلمة إنجليزية تعني: «الرواق» أو «الردهة الأمامية في فندق»، ولذا يُقال مثلاً: (سأقابلك في لوبي الفندق)، أي: في الردهة الأمامية التي توجد عادةً أمام مكتب الاستقبال. وتُطلَق الكلمة كذلك على الردهة الكبرى في مجلس العموم في إنجلترا، وعلى الردهة الكبرى في مجلس الشيوخ في الولايات المتحدة، حيث يستطيع الأعضاء أن يقابلوا الناس، وحيث تُعقَد الصفقات فيها، كما تدور فيها المناورات والمشاورات، ويتم تبادل المصالح. وقد أصبحت الكلمة تُطلَق على جماعات الضغط (الترجمة الشائعة للمعنى المجازي لكلمة «لوبي lobby «) التي يجلس ممثلوها في الردهة الكبرى، ويحاولون التأثير على أعضاء هيئة تشريعية ما مثل مجلس الشيوخ أو مجلس النواب. وفعل «تو لوبي to lobby « يعني أن يحاول شخص ذو نفوذ (يستمده من ثروته أو مكانته أو من كونه يمثل جماعة تشكل مركز قوة) أن يكسب التأييد لمشروع قانون ما عن طريق مفاوضة أعضاء المجلس التشريعي في ردهته الكبرى، فيعدهم بالأصوات أو بالدعم المالي لحملاتهم الانتخابية، أو بالذيوع الإعلامي إن هم ساندوا مطالبه، وساعدوا على تحقيقها، ويهددهم بالحملات ضدهم، وبحجب الأصوات عنهم إن هم أحجموا عن ذلك. ويوجد في الولايات المتحدة أكثر من لوبي أو جماعة ضغط تمارس معظم نشاطاتها في العلن بشكل مشروع، وإن كان هذا لا يستبعد بعض الأساليب الخفية غير الشرعية (مثل الرشاوي التي قد تأخذ شكل منح نقدية مباشرة، أو تسهيلات معيَّنة، أو منح عقود، أو التهديد بنشر بعض التفاصيل أو الحقائق التي قد تسبب الحرج لأحد أعضاء النخبة الحاكمة وصانعي القرار ... إلخ ( وتوجد أشكال وأنواع من جماعات الضغط، فهناك جماعات الضغط الإثنية: م |
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
اليهود هم اليهود في عقائدهم وأخلاقهم، كما كانوا من قبل، إلا أنهم في العصر الحاضر أجمعُ شملاً، وأقوى نفوذاً، وأكثر تنظيماً، وأحكم سيطرة على مقاليد العالم، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية؛ حيث إنتهزوا الخواء الروحي والاقتصادي والسياسي الذي مُنِيَ به الغرب؛ فتمكنوا، وتحكموا في مقاليد الأمور هناك فكريًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا، خاصة في الولايات المتحدة، وبريطانيا، وروسيا.
ثم هم وراء ابتداع وترويج النظرية الماركسية-الشيوعية- ثم تطبيقها في روسيا القيصرية، ثم تصديرها إلى شرق أوربا وبعض دول ما يسمى بالعالم الثالث. وكذلك قاموا بترويج النظريات الهدامة الأخرى في الاقتصاد، والسياسة، والاجتماع كنظرية التطور لدارون، ونظرية دور كايم الاجتماعية، ونظرية ميكافيلي السياسية التي ترى أن الغاية تسوغ الوسيلة. ولعل أبرز عمل قاموا به في هذا العصر هو احتلالهم لفلسطين بناءً على وعد بلفور عام (1335) هـ, حيث احتلوها سنة (1367) هـ، وقامت بعدها (إلى) اليوم بتوسيع رقعتها، وضم بعض الأراضي؛ سعياً في تحقيق الحلم بإقامة دولة إسرائيل الكبرى. وخلال تلك الفترة إلى هذا اليوم قامت إسرائيل بمجازر رهيبة جماعية وفردية, كذلك قاموا باحتلال لبنان والجولان، وأفسدوا في البلدان التي أقاموا معها جسوراً وعلاقات؛ حيث نشروا الفساد والرذيلة؛ فانتشر بذلك الانحلال، والأمراض الفتاكة كالإيدز وغيرها, كذلك انتشرت المخدرات, وعمليات التجسس. كما أنهم يحرصون على كل ما فيه هدم للقيم والأخلاق. كما أنهم يحرصون على إقامة دولتهم، وعلى جمع اليهود في شتى بقاع العالم؛ حيث قاموا بنقل يهود الفلاشا، ويهود الاتحاد السوفييتي وغيرهم إلى فلسطين. ولا يزالون يعيثون في الأرض فساداً، ويكررون اعتداءاتهم على الأقصى الشريف، ويذيقون أهل فلسطين ألواناً من العَسْف، والطغيان، والتسلط. ¤رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد ص 89، 90 مراجع للتوسع: ـ جذور البلاء، عبد الله التل، وله أيضاً: الأفعى اليهودية في معاقل الإسلام ـ وخطر اليهودية العالمية. ـ المخططات التلمودية الصهيونية اليهودية في غزو العالم الإسلامي، أنور الجندي. ـ بروتوكولات حكماء صهيون، ترجمة أحمد عبد الغفور عطار. عجاج نويهض، شوقي عبد الناصر، محمد خليفة التونسي، حسين الطنطاوي. ـ القوى الخفية، ل. فراي. ـ مؤامرة الصهيونية على العالم، أحمد عبد الغفور عطار. ـ الصهيونية وربيبتها إسرائيل، عمر رشدي. ـ الصهيونية العالمية، عباس محمود العقاد. ـ اليهودي العالمي، هنري فورد. ـ هذه هي الصهيونية، إسرائيل كوهين. ـ إسرائيل الزائفة، فريد عبد الله جورجي. ـ أحجار على رقعة الشطرنج، وليم غاي كار. ـ الصهيونية بين تاريخين، عبد الله النجار ـ كمال الحاج. ـ موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية، عبد الوهاب المسيري. ـ سياسة الاستعمار الصهيوني تجاه فلسطين، حسن صبري الخولي. ـ الموسوعة النقدية للفلسفة اليهودية، عبد المنعم الحفني. ـ إسرائيليات، أحمد بهاء الدين. ـ الأيديولوجية الصهيونية، عبد الوهاب المسيري. ـ الصهيونية، زينب عصمت وآخرون. ـ خطر اليهودية العالمية، عبد الله التل. ـ اليهودية دين لا قومية، المر برجر. ـ الصهيونية بين الدين والسياسة، عبد السميع الهراوي. ـ أصول الصهيونية في الدين اليهودي، إسماعيل راجي الفاروقي. ـ الملل المعاصرة في الدين اليهودي، إسماعيل راجي الفاروقي. ـ الفكر الديني الإسرائيلي أطواره ومذاهبه، حسن ظاظا. ـ الصهيونية العالمية وإسرائيل، حسن ظاظا وآخرون. ـ من يجرؤ على الكلام، بول فندلي. ـ مذكرات السلطان عبد الحميد الثاني، محمد حرب عبد الحميد. ـ حكومة العالم الخفية، شيريب سيريد وفيتش. ـ السلطان عبد الحميد الثاني وفلسطين، رقيق شاكر النتشة. ـ تاريخ الحركة الصهيونية الحديثة، محمد عبد الرؤوف سليم. ـ الصهيونية والعنف، حسين الطنطاوي. ـ الصهيونية العالمية والرد على الفكر الصهيوني المعاصر، محمود دياب. ـ أمريكا مستعمرة صهيونية، صلاح دسوقي. ـ الصهيونية العالمية وأرض الميعاد، علي إمام عطية. ـ لهذا أكره إسرائيل، أمين سامي الغمراوي. ـ أساليب الغزو الفكري، علي جريشة ـ محمد شريف. ـ الإسلام والمستعمرات الصهيونية، جمال الدين اليرماوي. ـ حقائق عن قضية فلسطين، محمد أمين الحسيني. - نهاية اليهود: د. أبو الفداء محمد عزت عارف. - الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة: د. ناصر العقل ود. ناصر القفاري - معركتنا مع اليهود: سيد قطب. - المدخل لدراسة التوراة والعهد القديم: د. محمد البار. - المخططات التلمودية: أنور الجندي. - العلمانية: د. سفر الحوالي. - حقيقة اليهود: سيد رفاعي. |
موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية
|
كان لليهود المهاجرين من إسبانيا إلى أوربا- وبخاصة فرنسا وهولندا- أثرهم البالغ في تسرب الأفكار اليهودية إلى النصرانية من خلال حركة الإصلاح، وبخاصة الاعتقاد بأن اليهود شعب الله المختار، وأنهم الأمة المفضلة، كذلك أحقيتهم في ميراث الأرض المباركة.
في عام (1523) م, أصدر مارتن لوثر كتاب عيسى وُلِد يهوديًّا متأثراً فيه بالأفكار الصهيونية. وفي عام (1544) م, أصدر لوثر كتاباً آخر فيما يتعلق باليهود وأكاذيبهم. كانت هزيمة القوات الكاثوليكية وقيام جمهورية هولندا على أساس المبادئ البروتستانتية الكالفينية عام (1609) م, بمثابة انطلاقة للحركة الصهيونية المسيحية في أوربا، مما ساعد على ظهور جمعيات وكنائس وأحزاب سياسية عملت جميعاً على تمكين اليهود من إقامة وطن قومي لهم في فلسطين. ومن أبرز هذه الحركات: الحركة البيوريتانية التطهيرية التي تأسست على المبادئ الكالفينية بزعامة السياسي البريطاني أوليفر كروميل (1649 - 1659) م, الذي دعا حكومته إلى حمل شرف إعادة إسرائيل إلى أرض أجدادهم، حسب زعمه. في عام (1807) م, أُنشئت في إنجلترا جمعية لندن؛ لتعزيز اليهودية بين النصارى، وقد أطلق أنطوني إشلي كوبر اللورد ريرل شانتسبري (1801 - 1885) م، أحد كبار زعمائها شعار: (وطن بلا شعب لشعب بلا وطن) الأمر الذي أدَّى إلى أن يكون أول نائب لقنصل بريطانيا في القدس وليم برنج أحد أتباعها، ويعتبر اللورد بالمرستون وزير خارجية بريطانيا (1784 - 1765) م, من أكبر المتعاطفين مع أفكار تلك المدرسة الصهيونية المسيحية، وأيضاً فإن تشارلز. هـ. تشرشل الجد الأعلى لونستون تشرشل - رئيس الحكومة البريطانية الأسبق - أحدُ كبار أنصارها. انتقلت الصهيونية المسيحية إلى أمريكا من خلال الهجرات المبكرة لأنصارها نتيجة للاضطهاد الكاثوليكي، وقد استطاعت تأسيس عدة كنائس هناك من أشهرها الكنيسة المورمونية. يعتبر سايسروس سكلوفليد (1843) م, الأب اللاهوتي للصهيونية المسيحية في أمريكا. لعبت تلك الكنائس دوراً هامًّا في تمكين اليهود من احتلال فلسطين، واستمرار دعم الحكومات الأمريكية لهم - إلا ما ندر- من خلال العديد من اللجان والمنظمات والأحزاب التي أنشئت من أجل ذلك، ومن أبرزها: الفيدرالية الأمريكية المؤيدة لفلسطين التي أسسها القس تشارلز راسل عام (1930) م، واللجنة الفلسطينية الأمريكية التي أسسها في عام (1932) م, السناتور روبرت واضر، وضمَّت (68) عضواً من مجلس الشيوخ، و (200) عضو من مجلس النواب، وعدد من رجال الدين الإنجيليين، ورفعت هذه المنظمات شعارات: الأرض الموعودة، والشعب المختار. وفي العصر الحديث تعتبر الطائفة التدبيرية التي يبلغ عدد أتباعها (40) مليون نسمة تقريباً والمعروفة باسم الأنجلو ساكسون، البروتستانت البيض من أكثر الطوائف مغالاة في تأييد الصهيونية، وفي التأثير على السياسة الأمريكية في العصر الحاضر. ومن أشهر رجالها اللاهوتيين: بيل جراهام، وجيري فولويل، جيمي سويجارت. ومن أبرز رجالها السياسيين الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريجان. اهتمَّت الكنيسة البروتستانتية بنشر الإنجيل في أوروبا وأمريكا منذ القرن الثامن عشر والتاسع عشر، ثم تطور عملها في شكل منظمات وإرساليات، ووضعت اللوائح والقوانين المنظمة لها وكذلك الميزانيات اللازمة. ومن ثم انتقل العمل التبشيري البروتستانتي إلى القارتين الأفريقية والآسيوية، وبخاصة التي كانت تستعمرها الدول الغربية ذات العقيدة البروتستانتية. ومن أوائل الذين قادوا حركة التبشير: جوف وسلي، ووليام ولبرفورس، ووليام كيري، أبو المبشرين في العصر الحديث. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية
للدكتور عبد الوهاب المسيري تتناول هذه الموسوعة كل جوانب تاريخ العبرانيين فى العالم القديم، وتواريخ الجماعات اليهودية بامتداد بلدان العالم، وتعداداتها وتوزيعاتها، وسماتها الأساسية، وهياكلها التنظيمية، وعلاقات أفراد الجماعات اليهودية بالمجتمعات التى يوجدون فيها وبالدولة الصهيونية. وتغطى الموسوعة كذلك أشهر الأعلام من اليهود (مثل موسى بن ميمون) وغير اليهود ممن ارتبطت أسماؤهم بتواريخ الجماعات اليهودية (مثل نابليون وهتلر) . كما تتناول هذه الموسوعة كل الجوانب المتعلقة بتاريخ اليهودية، وفرقها وكتبها الدينية، وطقوسها وشعائرها، وأزمتها فى العصر الحديث، وعلاقتها بالصهيونية وبمعاداة السامية (معاداة اليهود) . وتغطى الموسوعة الحركة الصهيونية ونشاطاتها ومدارسها وأعلامها، وبعض الجوانب الأساسية للدولة الصهيونية. وتهدف الموسوعة إلى توفير الحقائق التاريخية المعاصرة عن الظواهر اليهودية والصهيونية والإسرائيلية، وإلى تقديم رؤية جديدة للموضوعات التى تغطيها. وهى تحاول إنجاز ذلك من خلال عدة طرق: 1 - تقديم تاريخ عام للعقيدة والجماعات اليهودية وللحركة الصهيونية: تقدم الموسوعة رؤية تاريخية جديدة لكل من العقيدة والجماعات اليهودية والحركة الصهيونية أكثر علمية وحياداً وتفسيرية من تلك الرؤية الغربية التقليدية التى تبناها المؤلفون اليهود وغير اليهود فى الشرق والغرب، والمتأثرة بما يسمى "التاريخ المقدس" - أى التاريخ الذى ورد فى العهد القديم. والرؤية الجديدة تضع تواريخ الجماعات اليهودية فى أنحاء العالم فى إطار التاريخ الإنسانى العام. كما أن الموسوعة قامت بربط تاريخ الصهيونية، عقيدة وحركة وتنظيماً، بتاريخ الفكر الغربى والإمبريالية الغربية. 2- التعريف الدقيق للمفاهيم والمصطلحات السائدة، والتأريخ لها من منظور جديد، وإبراز جوانبها الإشكالية: فعلى سبيل المثال حينما تتعرض الموسوعة لظاهرة مثل يهود الاتحاد السوفيتى (سابقاً) فإنها تفعل ذلك من خلال عدة مداخل عن تاريخ اليهود وتوزيعهم الوظيفى وأعدادهم وأسباب هجراتهم وانتماءاتهم السياسية والفكرية فى كل من روسيا القيصرية وروسيا السوفيتية. كما توجد عدة مداخل أخرى عن أنواع يهود الاتحاد السوفيتى (قرائين - الكرمشاك - جورجيين - يهود البايشية - يهود الجبال - يهود بخارى … إلخ) . وتضم الموسوعة أيضاً مداخل عن موقف ماركس وإنجلز والبلاشفة من المسألة اليهودية، وعلاقة اليهود بالفكر الاشتراكى وتطور الرأسمالية الغربية. 3- إسقاط المصطلحات المتحيزة وإحلال مصطلحات أكثر حياداً وتفسيرية محلها: تتسم المصطلحات المستخدمة لوصف الظاهرة اليهودية والصهيونية بأنها متحيزة لأقصى حد، وتجسد التحيزات الصهيونية والغربية. ولتجاوز هذا الوضع تم استبعاد مصطلح مثل "الشعب اليهودى" الذى يفترض أن اليهود يشكلون وحدة عرقية ودينية وحضارية متكاملة (الأمر الذى يتنافى مع الواقع) ، وحل محله مصطلح "الجماعات اليهودية"، وبدلاً من كلمة "الشتات" استخدمت العبارة المحايدة "أنحاء العالم"، وبدلاً من "التاريخ اليهودى" تشير الموسوعة إلى "تواريخ الجماعات اليهودية". والمصطلحات البديلة ليست أكثر حياداً وحسب، وإنما أكثر دقة وتفسيرية. ويمكن تلخيص هدف الموسوعة فى أنها محاولة تطوير خطاب تحليلى (مصطلحات ومفاهيم) لوصف الظاهرة اليهودية والصهيونية، وهو خطاب يسترجع البعد التاريخى لهذه الظاهرة، من حيث كونها ظاهرة تاريخية اجتماعية يمكن فهمها والتعامل معها. وغنى عن القول أن موسوعة عربية عن الظواهر اليهودية أمر له أهمية بالغة بالنسبة للمتخصصين وغير المتخصصين فى هذا الحقل، أما بالنسبة للمتخصصين، فإن الموسوعة تحاول أن تضع إطاراً شاملاً وجديداً يمكن من خلاله دراسة اليهود واليهودية والصهيونية وإسرائيل. وعلى المستوى القومى، فإن هذه الموسوعة ستزود صانع القرار العربى، مهما كانت اتجاهاته السياسية، بقدر كبير من المعلومات اللازمة لاتخاذ أى قرار. كما أن العاملين فى مجالى السياسة والإعلام، وفى غيرهما من المجالات، سيجدون مرجعاً عربياً يزودهم بالمعلومات الضرورية عن اليهود واليهودية والصهيونية وإسرائيل. وسيستفيد من الموسوعة أيضاً المتخصصون فى الفروع الأخرى من المعرفة ممن يتصدون للظواهر اليهودية والصهيونية والإسرائيلية بالدراسة، كل فى حقل تخصصه. وموسوعة اليهود واليهودية والصهيونية التي صدرت عام 1999، والتي نالت جائزة أحسن كتاب في معرض القاهرة للكتاب ذلك العام، هي من ضمن مساعي الدكتور المسيري العديدة الرامية إلى إلقاء الضوء على حقيقة الحركة والدولة الصهيونية (والعقيدة اليهودية والجماعات اليهودية في العالم) . وقد استغرق إعدادها ما يزيد عن ربع قرن واشترك في هذه العملية عشرات الأفراد (مؤلفون - محرر فني - مساعدي باحث - سكرتارية - مكتب للترجمة العبرية - محرر لغوي - طابع على الكمبيوتر) . وقد قام الدكتور المسيري بجهوده الذاتية بإعداد هذه الموسوعة والإنفاق عليها طيلة هذه الفترة. وحينما عرف بأمر الموسوعة، قام "مائير كاهانا" (عضو الكنيست السابق ورئيس جماعة كاخ الصهيونية الإرهابية) بإرسال خطابات تهديد بالقتل لمؤلفها والمشرف عليها في يناير عام 1984، واعترف بإرسال الخطابات، في حديث مع جريدة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية في عددها الصادر في 21 فبراير 1984. وبلغ عدد هذه الخطابات ثلاثة عشر خطاباً، أرسل ستة منها على عنوان الدكتور المسيري بالرياض (المملكة العربية السعودية) وأرسلت الستة الأخرى على عنوانه بالقاهرة، أما الخطاب الثالث عشر فقد أرسل له في القاهرة فور عودته من الرياض، جاء فيه أن مرسلي الخطاب يعلمون بأمر عودته، وأنهم "يعدون قبراً له". كما جاء في هذه الرسائل أنه إن لم يتوقف الدكتور المسيري عن نشاطاته المعادية للصهيونية (وأهم هذه النشاطات - بطبيعة الحال - هو تأليف الموسوعة) فستصل إليه الأيدي الصهيونية، وستقوم بتصفيته. وقد وضع الدكتور المسيري تحت حراسة سلطات الأمن المصرية، حمايةً له. كما أرسلت جامعة بار إيلان خطاباً إلى الملحق الثقافي الإسرائيلي تطلب منه الكتابة إلى السفير الأمريكي لتشويه سمعة بعض الشخصيات المصرية المعادية للصهيونية ومن ضمنها الدكتور المسيري (نشرت جريدة العربي المصرية نص الخطاب في عددها الصادر بتاريخ 11 نوفمبر 1993) . تقع موسوعة فى ثمانية مجلدات، متوسط عدد صفحات كل منها 450 صفحة، ويتناول كل مجلد واحد منها موضوعاً محدداً. فالمجلد الأول يتناول الإطار النظري للموسوعة وقضايا المنهج. أما المجلدات التالية (الثانى والثالث والرابع) فتتناول موضوع الجماعات اليهودية. ويتناول المجلد الخامس اليهودية، والمجلد السادس الصهيونية، والمجلد السابع إسرائيل. ويضم كل مجلد عدة أجزاء، ويضم كل جزء عدة أبواب، ويضم كل باب عدة مداخل. وعدد مداخل الموسوعة حوالى 2300 مدخل. والموسوعة مرتبة موضوعياً، فعلى سبيل المثال يتناول المجلد الرابع تواريخ الجماعات اليهودية فى بلدان العالم الغربى ويضم 18 باباً يتناول كل باب منها تاريخ جماعة يهودية بعينها فى إحدى بلدان العالم الغربى (إنجلترا - ألمانيا - روسيا… الخ) . ويضم باب إنجلترا ثلاثة مداخل (إنجلترا من العصور الوسطى حتى عصر النهضة - إنجلترا منذ عصر النهضة - إنجلترا فى الوقت الحاضر) تغطى موضوع تاريخ الجماعة اليهودية فى إنجلترا. إلا أن الموسوعة لا تقتصر على التصنيف الموضوعى إذ يوجد فى المجلد الثامن فهرس ألفبائى عربى بكل مداخل الموسوعة. فإذا أراد القارئ أن يعرف شيئاً عن "إنجلترا من العصور الوسطى حتى عصر النهضة" فإنه سيذهب إلى حرف الألف حيث سيجد عنوان المدخل وبجواره رقم المجلد والصفحة. وحتى نعطى القارئ فكرة عن مدى شمول الموسوعة فسنورد فى الصفحات التالية عناوين المجلدات والأجزاء والأبواب. المحتويات: المجلد الأول: الإطار النظري الجزء الأول: إشكاليات نظرية 1 ـ مقدمة. 2 ـ مفردات. 3 ـ فشل النموذج المادى في تفسير ظاهرة الإنسان. 4 ـ إشكاليات الإنساني والطبيعى والذاتى والجزئى والكلى. الجزء الثاني: النماذج كأداة تحليلية 1 ـ النماذج: سماتها وطريقة صياغتها. 2 ـ أنواع النماذج. 3 ـ النموذج الاختزالي والنموذج المركب. الجزء الثالث: الحلول الكمونية الوحدانية 1 ـ الحلول ووحدة الوجود والكمونية. 2 ـ الحلول الكمونية الواحدية والعلمانية الشاملة. الجزء الرابع: العلمانية الشاملة 1 ـ إشكالية تعريف العلمانية. 2 ـ اختلاط الحقل الدلالي لمصطلح ومفهوم (علمانية) . 3 ـ نموذج تفسيري مركب وشامل للعلمانية. 4 ـ مصطلحات الواحدية والاستيعاب فيها. 5 ـ مصطلحات تشير إلى تفكيك الإنسان وتقويضه. 6 ـ مصطلحات جديدة لبلورة النموذج الكامن. 7 ـ الثنائية الصلبة والسيولة الشاملة وما بعد الحداثة. 8 ـ العلمانية الشاملة والإمبريالية. 9 ـ العلمانية الشاملة: تاريخ موجز وتعريف. الجزء الخامس: الجماعات الوظيفية 1 ـ السمات الأساسية للجماعات الوظيفية. 2 ـ الجماعات الوظيفية والحلولية والعلمانية الشاملة. المجلد الثاني:الجماعات اليهودية: إشكاليات الجزء الأول: طبيعة اليهود في كل زمان ومكان 1 ـ إشكالية الجوهر اليهودي. 2 ـ إشكالية الوحدة والنفوذ اليهودي. 3 ـ إشكالية العبقرية والجريمة اليهودية. 4 ـ إشكالية العزلة والخصوصية اليهودية. 5 ـ منفي وعودة أم هجرات وانتشار؟ 6 ـ هجرات وانتشار أعضاء الجماعات اليهودية. الجزء الثاني: يهود أم جماعات يهودية؟ 1 ـ الجماعات اليهودية الأساسية. 2 ـ الجماعات اليهودية المنقرضة والهامشية. 3 ـ إشكالية الهوية اليهودية. 4 ـ اليهود والجماعات اليهودية. 5 ـ إشكالية التعداد. الجزء الثالث: يهود جماعات يهودية؟ 1 ـ الجماعات الوظيفية اليهودية. 2 ـ الجماعات الوظيفية اليهودية القتالية والاستيطانية والمالية. 3 ـ أقنان ويهود البلاط. 4 ـ جماعات وظيفية أخرى (البغاء ـ الطب ـ الترجمة ـ الجاسوسية) . 5 ـ مسألة الحدودية والهاشمية. الجزء الرابع: عداء الأغيار الأزلي لليهود واليهودية 1 ـ إشكالية معاداة اليهود. 2 ـ بعض التجليات المتعينة لمعاداة اليهود. 3 ـ معاداة اليهود والتحيز لهم. 4 ـ الإبادة النازية والحضارة الغربية الحديثة. 5 ـ بعض إشكاليات الإبادة النازية ليهود أوربا. 6 ـ إشكالية التعاون بين بعض أعضاء الجماعات اليهودية والنازيين. المجلد الثالث:الجماعات اليهودية: التحديث والثقافة الجزء الأول: التحديث 1 ـ من التحديث إلى ما بعد الحداثة. 2 ـ العلمانية (والإمبريالية) واليهودية وأعضاء الجماعات اليهودية. 3 ـ التحديث وأعضاء الجماعات اليهودية. 4 ـ الإعتاق. 5 ـ الاستنارة اليهودية. 6 ـ الرأسمالية والجماعات اليهودية. 7 ـ رأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في العالم (ما عدا الولايات المتحدة الأمريكية) . 8 ـ رأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة. 9ـ الاشتراكية والجماعات اليهودية. الجزء الثاني: ثقافات أعضاء الجماعات اليهودية 1 ـ ثقافات الجماعات اليهودية (تعريف وإشكالية) . 2 ـ فلكلور (طعام وأزياء) الجماعات اليهودية. 3 ـ الفنون التشكيلية والجماعات اليهودية. 4 ـ إشكالية المتحف اليهودي. 5 ـ الموسيقى والرقص والجماعات اليهودية. 6 ـ الكوميديا والسينما والجماعات اليهودية. 7 ـ الأدب اليهودي والصهيوني. 8 ـ الآداب المكتوبة بالعبرية. 9 ـ الأدب اليديشي. 10 ـ لهجات أعضاء الجماعات اليهودية ولغاتهم. 11 ـ المفكرون من أعضاء الجماعات اليهودية. 12 ـ الفلاسفة من أعضاء الجماعات اليهودية. 13 ـ علماء الاجتماع من أعضاء الجماعات اليهودية. 14 ـ علماء النفس من أعضاء الجماعات اليهودية. 15 ـ التربية والتعليم عند الجماعات اليهودية حتى العصر الحديث. 16 ـ التربية والتعليم عند الجماعات اليهودية في العصر الحديث. المجلد الرابع:الجماعات اليهودية: تواريخ الجزء الأول: تواريخ الجماعات اليهودية فى العالم القديم 1 ـ إشكالية التاريخ اليهودي. 2 ـ أشكال الإدارة الذاتية. 3 ـ مصر والإمبراطورية الحيثية. 4 ـ الشعوب السامية: الآشوريين والبابليون. 5 ـ الشعوب والأقوام السامية الأخرى. 6 ـ الحوريون والفلستيون. 7 ـ العبرانيون. 8 ـ عصر الآباء. 9 ـ التسلل أو الغزو العبرانى لكنعان. 10 ـ عصر القضاة. 11 ـ عبادة يسرائيل. 12 ـ الهيكل. 13 ـ المملكة العبرانية المتحدة. 14 ـ المملكة الجنوبية والمملكة الشمالية. 15 ـ التهجير الآشورى والبابلى. 16 ـ الفرس. 17 ـ اليونانيون. 18 ـ الرومان. 19 ـ التمردات اليهودية. الجزء الثانى: تواريخ الجماعات اليهودية فى العالم الإسلامي 1 ـ الشرق الأدنى القديم قبل وبعد انتشار الإسلام. 2 ـ إسبانيا الإسلامية (الأندلس) . 3 ـ الدولة العثمانية وفارس بعد انتشار الإسلام. 4 ـ العالم العربى منذ القرن التاسع عشر. الجزء الثالث: تواريخ الجماعات اليهودية فى بلدان العالم الغربى 1 ـ الإقطاع الغربى وجذور المسألة اليهودية. 2 ـ الجيتو. 3 ـ الإمبراطورية البيزنطية المسيحية وإسبانيا المسيحية. 4 ـ فرنسا. 5 ـ إنجلترا. 6 ـ ألمانيا. 7 ـ النمسا وهولندا وإيطاليا. 8 ـ بولندا قبل التقسيم (ظهور يهود اليديشية) . 9 ـ بولندا من التقسيم حتى الوقت الحاضر. 10 ـ روسيا القيصرية حتى عام 1885. 11 ـ روسيا القيصرية حتى اندلاع الثورة. 12 ـ الاتحاد السوفيتي. 13 ـ يهود اليديشية في أوكرانيا وجا ليشيا ورومانيا والمجر. 14 ـ أمريكا اللاتينية. 15 ـ جنوب أفريقيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا. 16 ـ الولايات المتحدة حتى منتصف القرن التاسع عشر. 17 ـ الولايات المتحدة منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى عام 1971. 18 ـ اليهود الجدد أو الأمريكيون اليهود في الوقت الحاضر. المجلد الخامس:اليهودية: المفاهيم والفرق الجزء الأول: بعض الإشكاليات 1 ـ إشكالية التركيب الجيولوجي التراكمي والشريعة الشفوية. 2 ـ إشكالية الحلولية اليهودية. 3 ـ إشكالية علاقة الغنوصية باليهودية. 4 ـ إشكالية علاقة اليهودية بالصهيونية. الجزء الثاني: المفاهيم والعقائد الأساسية 1 ـ الإله. 2 ـ الشعب المختار. 3 ـ الأرض. 4 ـ الكتب المقدسة والدينية. 5 ـ الأنبياء والنبوة. 6 ـ اليهودية الحاخامية (التلمودية) . 7 ـ الفقهاء (الحاخامية) . 8 ـ القبالاه. 9 ـ قبالاه الزوهار والقبالاه اللوريانية. 10 ـ السحر والقبالاه المسيحية. 11 ـ الشعائر. 12 ـ المعبد اليهودي. 13 ـ الحاخام (بمعنى "القائد الديني للجماعة اليهودية") . 14 ـ الصلوات والأدعية. 15 ـ الأغيار والطهارة. 16 ـ الأسرة. 17 ـ التقويم اليهودي. 18 ـ الأعياد اليهودية. 19 ـ الفكر الأخروي. 20 ـ الماشيح والمشيحانية. الجزء الثالث: الفرق الدينية اليهودية 1 ـ الفرق الدينية اليهودية (حتى القرن الأول الميلادي) . 2 ـ اليهودية والإسلام. 3 ـ اليهودية والمسيحية. 4 ـ الحسيدية. 5 ـ اليهودية الإصلاحية. 6 ـ اليهودية الأرثوذكسية. 7 ـ اليهودية المحافظة. 8 ـ تجديد اليهودية وعلمنتها. 9 ـ اليهودية وأعضاء الجماعات اليهودية وما بعد الحداثة. 10 ـ اليهودية بين لاهوت موت الإله ولاهوت التحرير. 11 ـ العبادات الجديدة. المجلد السادس:الصهيونية الجزء الأول: إشكاليات وموضوعات أساسية 1 ـ التعريف بالصهيونية. 2 ـ التيارات الصهيونية. 3 ـ العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية. 4 ـ وضع العقد موضع التنفيذ. 5 ـ الصهيونية والعلمانية الشاملة. 6 ـ الخطاب الصهيوني المراوغ. الجزء الثاني: تاريخ الصهيونية 1 ـ تاريخ الصهيونية. 2 ـ الإرهاصات اليهودية الأولى: حملات الفرنجة (الصليبيين) . 3 ـ صهيونية غير اليهود المسيحية. 4 ـ صهيونية غير اليهود العلمانية. 5 ـ الصهيونية التوطينية. 6 ـ المؤسسات التوطينية. 7 ـ الصهيونية الاستيطانية (العملية) . 8 ـ تيودور هرتزل. 9 ـ الصهيونية السياسية. 10 ـ الصهيونية العامة (أو الصهيونية العمومية) . 11 ـ الصهيونية العمالية. 12 ـ الصهيونية الإثنية الدينية. 13 ـ الصهيونية الإثنية العلمانية. 14 ـ الصهيونية الإقليمية. 15 ـ الدولة مزدوجة القومية. الجزء الثالث: المنظمة الصهيونية 1 ـ المنظمة الصهيونية العالمية. 2 ـ اللوبي اليهودي والصهيوني. 3 ـ الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة. 4 ـ الجباية الصهيونية. الجزء الرابع: الصهيونية والجماعات اليهودية 1 ـ موقف الصهيونية وإسرائيل من الجماعات اليهودية في العالم. 2 ـ موقف الجماعات اليهودية من الصهيونية. 3 ـ الرفض اليهودي للصهيونية. 4 ـ شخصيات ومنظمات يهودية معادية للصهيونية. المجلد السابع:إسرائيل: المستوطن الصهيوني الجزء الأول: إشكالية التطبيع والدولة الوظيفية 1 ـ إشكالية التطبيع. 2 ـ الدولة الصهيونية الوظيفية. الجزء الثاني: الدولة الاستيطانية الإحلالية 1 ـ الاستعمار الاستيطاني الصهيوني. 2 ـ إحلالية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني. 3 ـ التهجير (الترانسفير) والهجرة الاستيطانية. 4 ـ هجرة اليهود السوفيت. الجزء الثالث: العنصرية والإرهاب الصهيونيان 1 ـ العنصرية الصهيونية. 2 ـ الإرهاب الصهيوني / الإسرائيلي حتى عام 1948. 3 ـ الإرهاب الصهيوني / الإسرائيلي منذ عام 1948. الجزء الرابع: النظام الاستيطاني الصهيوني 1 ـ الاستيطان والاقتصاد. 2 ـ التوسع الجغرافي أم الهيمنة الاقتصادية؟ 3 ـ النظام السياسي الإسرائيلي. 4 ـ نظرية الأمن. الجزء الخامس: أزمة الصهيونية والمسألة الإسرائيلية 1 ـ أزمة الصهيونية. 2 ـ الاستجابة الصهيونية / الإسرائيلية للأزمة. 3 ـ المسألة الإسرائيلية والحلول الصهيونية. 4 ـ المسألة الفلسطينية. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الأدب اليهودى
Jewish Literature «الأدب اليهودي» عبارة تُستخدَم لتصنيف بعض الأعمال الأدبية، إما من منظور مضمونها أو من منظور الانتماء الإثني أو الديني (الحقيقي أو الوهمي) لكاتبها إذ تُصنَّف الأعمال الأدبية التي تتناول موضوعاً يهودياً أو مُستمَّداً من حياة أعضاء الجماعات اليهودية (بغض النظر عن لغة العمل أو التقاليد الفكرية أو الحضارية التي يدور في إطارها) باعتبارها «أدباً يهودياً» . ويمكن تصنيف الأعمال الأدبية من منظور انتماء كاتبها، فإن كان يهودياً صُنِّف ما كتبه على أنه «أدب يهودي» . وهذا التعريف الأخير يستبعد الأدباء غير اليهود الذين تناولوا موضوعات يهودية في أدبهم. والمقدرة التفسيرية والتصنيفية لهذا المصطلح محدودة للغاية لعدة أسباب: 1 ـ إن أخذنا بالتصنيف الذي يستند إلى مضمون العمل الأدبي، فنحن بذلك نكون قد تجاهلنا لغة الأدب والتقاليد الحضارية والأدبية والشكلية التي يَصدُر عنها وصرنا نختزله تماماً في بُعْد واحد. فالأعمال الأدبية التي كتبها أدباء مثل برنارد مالامود وسول بيلو وفيليب روث هي أدب يهودي (بالمعنى الإثني لا بالمعنى الديني، فهم لا يؤمنون باليهودية) إذ يتناولون فيها موضوعات وشخصيات يهودية في أدبهم. ولا شك في أن تصنيفنا لأدبهم على هذا النحو سيحد من توقعاتنا، وسييسر علينا فهم أعمالهم الأدبية اليهودية وتفسيرها. ولكن هذا التصنيف رغم فائدته قاصر عن أن يحيط بأدبهم بكل تركيبيته، فهو أدب مكتوب بالإنجليزية وينتمي إلى التقاليد الأدبية الأمريكية. والموضوعات والشخصيات التي يتناولونها ليست يهودية بشكل عام ومجرد، وإنما هي أمريكية يهودية تحددت هويتها داخل التشكيل الحضاري الأمريكي، بل إن البُعْد الأمريكي في نهاية الأمر أكثر أهمية من البُعد الإثني اليهودي. 2 ـ يربط مصطلح «الأدب اليهودي» بين أعمال أدبية كُتبت داخل تقاليد أدبية مختلفة باعتبار أنها جميعاً «أدب يهودي» ، وكأن ثمة موضوعات متواترة وأنماطاً متكررة تبرر تصنيف هذه الأعمال الأدبية داخل إطار واحد. فقصيدة كتبها شاعر روسي يهودي عن اليهود باللغة الروسية، ورواية كتبها مؤلف فرنسي يهودي عن اليهود باللغة الفرنسية، وقصة قصيرة كتبها كاتب أمريكي يهودي عن اليهود باللغة الإنجليزية، ومقال أدبي كتبه أديب من ليتوانيا باليديشية، ودراسة نقدية كتبها أديب إسرائيلي بالعبرية، تُصنَّف كلها باعتبارها «أدب يهودي» . أي أنه مصطلح يفترض وجود أطر ثقافية وفكرية يهودية عالمية. ومثل هذا الافتراض لا يسانده الكثير في واقع أعضاء الجماعات اليهودية، وهو يؤكد الوحدة والتجانس والعمومية على حساب التنوع وعدم التجانس والخصوصية، وفيه تأكيد للمضمون اليهودي للعمل الأدبي على حساب أبعاده الفكرية والشكلية الأخرى، أي أنه مصطلح يُفقد الأدب ما يُميِّزه كأدب. ويمكن أن يُقال إن هناك موضوعات مثل الإحساس بالغربة أو انتظار الماشيَّح تربط بين هذه الآداب. ولكن سيُلاحَظ أن هذه الموضوعات من العمومية بحيث نجد أن ما يربط بينها هنا ليست يهودية المؤلف، وإنما أحاسيسه الإنسانية، أي أن المرجعية النهائية هي إنسانيتنا المشتركة، أو البُعْد الإنساني في تجربة عضو الأقلية في مجتمع الأغلبية، بكل ما يحيق بهذه التجربة من مخاطر. 3 ـ إن أخذنا بالتصنيف الذي يستند إلى خلفية الكاتب اليهودية، نكون قد أخذنا بأساس تصنيفي ليس له مقدرة تفسيرية عالية. فكثير من الأعمال الأدبية التي يكتبها مؤلفون يهود (مثل الناقد الأمريكي ليونيل تريلنج) ليس لها مضمون يهودي. ونحن نرى ضرورة عدم استخدام هذا المصطلح بسبب قصوره عن الإحاطة بشكل ومضمون الأعمال الأدبية التي كتبها مؤلفون يهود عن موضوعات يهودية، فالبُعْد اليهودي ليس هو المحدِّد الأساسي للعمل الأدبي، كما أنه لا يوجد بُعْد يهودي عالمي واحد. وبطبيعة الحال، يثير مصطلح «أدب يهودي» مشكلة بشأن أديب مثل هايني الذي تمرَّد على يهوديته ليدخل الحضارة الغربية، فتنصَّر. ولكنه بعد تنصره بدأ يحن ليهوديته! أو أديب مثل نيثان وينشتاين الذي رفض انتماءه اليهودي تماماً وغيَّر اسمه إلى «ناثانيل وست» وكَتَب أدباً عدمياً يهاجم فيه المسيحية واليهودية ومختلف العقائد الدينية. ونحن في هذه الموسوعة نرفض التعميمات التصنيفية الكاسحة مثل «أديب يهودي» ونُصنِّف كل أديب حسب الأبعاد الحقيقية لأعماله الأدبية، ولهذا نستخدم مصطلحات مثل «الأدباء من أعضاء الجماعات اليهودية» ، و «الأدب الصهيوني» ، و «الآداب المكتوبة بالعبرية» ، و «الأدب اليديشي» . ولتصنيف أي كاتب من أعضاء الجماعات اليهودية لابد من استخدام مصطلح مُركَّب. فمثل هذا الأديب لا يعيش خارج التاريخ، حتى ولو توهَّم هو نفسه ذلك، بل يعيش داخل حضارة معينة ويكتب أدباً بلغة معيَّنة. لكل هذا، يُستحسَن وصف تشرنحوفسكي، على سبيل المثال، بأنه شاعر روسي يهودي يكتب بالعبرية. ورغم أنه يَصدُر عن التقاليد الأدبية الروسية والغربية، فهو صهيوني النزعة في معظم قصائده، ولذا فهو يكتب أدباً يمكن أن يُسمَّى «أدباً صهيونياً» . أما سول بيلو فهو كاتب أمريكي يهودي يكتب أدباً ذا طابع أمريكي باللغة الإنجليزية، ويتعرض أحياناً للموضوعات اليهودية وأحياناً أخرى يهملها، وأعماله الأدبية لا تنم عن نزعة صهيونية، وإن كانت إحدى أعماله الصحفية تعبِّر عن هذه النزعة. وبهذا نكون قد وصفنا الانتماء الحقيقي للأديب قومياً وحضارياً وأدبياً (وهذا هو الإطار العام) ، ثم ذكرنا الأداة اللغوية والتقاليد الأدبية التي يدور في إطارها (أي انتقلنا إلى الخاص وحددنا الأداة التي يستخدمها) ، ثم ذكرنا موقفه السياسي بعد انتمائه الحضاري واللغوي. الأدب الصهيوني Zionist Literature «الأدب الصهيوني» عبارة يمكن استخدامها للإشارة لبعض الأعمال الأدبية ذات المضمون الصهيوني الواضح، بغض النظر عن الانتماء القومي أو الديني أو الحضاري أو اللغوي للمؤلف. فرواية دانيال دروندا، التي ألَّفتها الكاتبة المسيحية جورج إليوت بالإنجليزية، تنتمي إلى هذا الأدب الصهيوني، بينما نجد أن بعض الروايات التي كتبها يهود عن الحياة اليهودية لا تنتمي إلى الصهيونية من قريب أو بعيد، بل إن بعضها يتبنى رؤية معادية للصهيونية بل ولليهودية. وما يُسمَّى «الأدب الصهيوني» هو عادةً أدب من الدرجة الثالثة (أو كما نقول «أدب صحفي» ، أي أنه كُتب ليُنشَر في الصحافة كما أنه ذو توجُّه دعائي واضح. ومن أهم أعمال الأدب الصهيوني رواية الخروج للكاتب الأمريكي اليهودي ليون أوريس وأعمال الكاتب الأمريكي اليهودي مائير لفين) . والأعمال الأدبية المكتوبة بالعبرية أو اليديشية أو التي كتبها أدباء يهود في مختلف أرجاء العالم نجد أن منها ما هو صهيوني - وهو القليل - ومنها ما هو معاد للصهيونية، وغالبيتها غير مكترثة بها. ولا يصف مصطلح «الأدب الصهيوني» شكل الأدب ولا محتواه ولا حتى لغته، وإنما يصف اتجاهه العقائدي العام، تماماً مثل عبارة «الأدب الرأسمالي» أو «الأدب الاشتراكي» . ولذلك، فهو مصطلح عام ومجرد مقدرته التفسيرية والتصنيفية ضعيفة للغاية ولا يُعَدُّ تصنيفاً أدبياً، شأنه في هذا شأن مصطلح «الأدب اليهودي» . الأدباء من أعضاء الجماعات اليهودية Men of Letters from Jewish Communities «الأدباء من أعضاء الجماعات اليهودية» مصطلح نستخدمه بدلاً من مصطلحات مثل «الأدب اليهودي» أو حتى «الأدباء اليهود» (انظر: «الأدب اليهودي» ـ «الأدب الصهيوني» ) . وقد أشرنا في المداخل الخاصة بهؤلاء الأدباء إشكالية البُعْد اليهودي في أدبهم، فبعضهم تنصَّر والبعض الآخر وُلد مسيحياً وبعضهم هاجم اليهودية بعنف والبعض الآخر لم يكترث بها، وهناك من تناول يهوديته باعتبارها موضوعاً إنسانياً (وحسب) ، أما خصوصيته اليهودية فهي مسألة عرضية تشكل جزءاً من الكل الإنساني. وكل أديب من هؤلاء ينتمي إلى التشكيل الحضاري الذي يعيش في كنفه بشكل شبه كامل، ومن ثم أمكنه أن يبدع من خلاله. هاينريش هايني (1797-1856 ( Heinrich Heine واحد من أشهر شعراء ألمانيا الرومانسيين، وُلد لأب يهودي ثري يعمل بالتجارة. تلقَّى هايني تعليماً بروتستانتياً ثم التحق بمدرسة ابتدائية يهودية ثم بمدرسة ثانوية كاثوليكية. كما أن المدينة التي وُلد فيها (دوسلدورف) تغيَّر انتماؤها بحيث أن هايني غير جنسيته ست مرات دون أن يغيِّر مكان إقامته. وربما ساهم هذا في إضعاف هويته وتقوية عدم انتمائه إلى وطنه ألمانيا وحماسه لفرنسا وللثقافة الفرنسية. كان هايني ينوي الالتحاق بخدمة نابليون ولكن هزيمة الجنرال الفرنسي قضت على هذه الآمال، فاشتغل بعض الوقت في أمور المال والتجارة ولكن لم يحالفه النجاح. ثم درس القانون وتأثر بفلسفة هيجل. وقد تنصَّر، وهو أمر كان شائعاً بين يهود ألمانيا، وعلى وجه الخصوص بين دارسي القانون، إذ أن الوظائف في السلك القانوني كانت مقصورة على المسيحيين. ولكن لم تكن الاعتبارات العملية وحدها هي السبب في تنصُّره، فكما أشرنا لم يكن هناك انتماء محدَّد لهايني. ويمكن القول بأن هايني أدرك تماماً أن الحلولية (الكمونية) هي المدخل الحقيقي لفهم الفلسفة الغربية. فالحلولية بالنسبة له هي تقديس (تأليه) الطبيعة وهي أيضاً تأليه الإنسان وهو تَناقُض أساسي: إذ كيف يمكن لإله أن يُقدِّس الأشياء المتألهة، وأيهما يسبق الآخر: الإنسان المتأله، أم الطبيعة المتألهة؟ ويرى هايني أن إسبينوزا هو نبي الحلولية، وأن الفلسفة الألمانية المثالية هي الوريث الحقيقي لهذه الحلولية، ولذا فهي فلسفة «هدَّامة» ولكن ديباجاتها أكاديمية ضبابية تُخبِّئ معناها الإلحادي العميق، بل وأحياناً تظهرها بمظهر إيماني. وقد قام كانط - حسب تصوُّر هايني ـ باستكمال ما بدأه إسبينوزا فأسقط فكرة الألوهية في ألمانيا (تماماً كما أسقط الثوار النظام القديم في فرنسا) . بل إن كانط في تصوُّر هايني أكثر إرهابية من روبسبير، فالثورة الفرنسية لم تقتل سوى ملك، أما كانط (وتلاميذه) فقتلوا إلهاً. ودفاع شلنج عن فلسفة الطبيعة هو ذاته حلولية إسبينوزا. أما في حالة جوته فإن القشرة الرياضية الصلبة التي تحيط بفلسفة إسبينوزا قد سقطت، وظهرت روح إسبينوزا الحقيقية ترفرف في شعره في فاوست وآلام فرتر. وهيجل هو أيضاً وريث إسبينوزا. وإذا كان إسبينوزا قد ساوى بين الطبيعة والتاريخ أو بين الطبيعة والإنسان وجعل للطبيعة تاريخاً دون أن يجعل منه روحاً، فإن هيجل أعلى من شأن التاريخ وجعل منه روحاً. ويقف هايني مع إسبينوزا في إلغاء أية ثنائية وفي الإصرار على المساواة الكاملة بين الطبيعة والتاريخ وبين المادة والروح. هذه الحلولية تعبِّر عن نفسها في شعر هايني العميق، فهو شاعر نيتشوي (قبل ظهور نيتشه) يحتفي بالحياة، حياة تخبئ نفسَها بنفسها. وكما يقول في إحدى قصائده «الحياة الحمراء تنبض في عروقي، وتحت قدمي تذعن الدنيا، وفي توهُّج الحب أعانق الأشجار والتماثيل، وتعيش هي في عناقي» . وهذا عالم عضوي يشير إلى ذاته؛ مات فيه الإله، ولذا فالإنسان هو سيد نفسه، خالق قيمه وعالمه. وفي قصيدة «ألمانيا: قصة شتاء» يصل هايني إلى ألمانيا ليسمع فتاة صغيرة (رمز ألمانيا) : كانت تغني عن الحب وأحزان المحبين عن التضحية، حتى نلتقي في يوم آخر في عالم أفضل لا يعرف الألم أو الأحزان. غنت في وادي الدموع الدنيوي هذا عن الحب الذي لا يُمسك به إنسان عن العالم الآخر العظيم حيث تعيش الأرواح في غبطة وقد تحوَّلت إلى نشوة أزلية. ويدرك هايني أن هذا إن هو إلا الأفيون الديني الذي يُعطَى للجماهير (هذا العملاق الأحمق) ، فيغني للفتاة أغنية أخرى: أغنية جديدة، أغنية أفضل يجب أن نلدها الآن يا رفاقي، ولنبدأ على التو في بناء مملكة السماء على الأرض، فالتربة تعطينا خبزاً يكفي لإطعام بني الإنسان كلهم، وتعطيهم الزهرة والآس، والجمال والفرح، كما تعطيهم البازلاء الخضراء. ثم يضيف قائلاً: بوسعنا أن نترك السماء بلا تردُّد للملائكة والطيور. والنزعة الحلولية المشيحانية واضحة في هذه الأبيات. فالأرض هي مصدر كل القيم المادية والمعنوية، وثمة نزوع نحو الفردوس الأرضي ونهاية التاريخ. وتتضح نفس الحلولية في أفكار هايني السياسية. فقد كان ثورياً وارتبط اسمه بعض الوقت بالسان سيمونية (التي أسماها «المسيحية الجديدة» ) . ورحَّب بثورة 1830 في فرنسا (واستقر في باريس) . ومن هنا عداوته للمسيحيين، بل لكل الأديان بما في ذلك اليهودية، فقد كان يكرهها بعمق. وقد كتب مرة يقول إنه يوجد أمراض ثلاثة شريرة: الفقر والألم واليهودية. بل كان يعتبر اليهودية قوة معادية للإنسانية، فهي «مصيبة وليست ديناً» ، على حد قوله. ورغم احتقاره لليهودية الحاخامية، أي الأرثوذكسية، فإنه كان يحتقر أيضاً اليهودية الإصلاحية التي ستقضي على اليهود. وفي عام 1847 أصيب هايني بمرض في عموده الفقري بسبب أحد الأمراض السرية، وهو ما أقعده في الفراش. وهكذا أصبح شاعر المادة يعيش في «مقبرة المادة» على حد قوله. ولا ندري هل هذا هو الذي أدَّى به إلى إعادة النظر في حلوليته الإلحادية؟ إذ بدأ يُعبِّر عن مخاوفه من أن الشعب قد يتحوَّل إلى غوغاء يعبد المادة. وواكبت ذلك مراجعة لموقفه من كانط، إذ اكتشف أن كانط تَرك مسألة الإله دون اتخاذ قرار، أي أنه لم يَعُد كانط الملحد الذي بشَّر به هايني من قبل. وعبَّر هايني عن احتقاره لفلسفة هيجل التي أشار إليها بأنها " جدلية برلين العنكبوتية " التي لا يمكنها أن تقتل قطاً أو إلهاً. أما البروتستانتية التي كان يراها في الماضي بداية الإلحاد فقد أصبحت حينئذ بداية الإيمان، وأعلن تراجُعه عن عملية التسوية الحلولية بين الإنسان والطبيعة، وبدأ يحن إلى اليهودية كجزء من حنينه الديني العام. كما كان يوقع خطاباته برسم نجمة داود السداسية. وقد ازداد صيت هايني ذيوعاً بعد موته، ولحَّن شوبرت وشوبان وبرامز قصائده. والحديث عن البُعْد اليهودي في شعر هايني سيكون حديثاً عن أمور هامشية ليس لها مقدرة تفسيرية. إذ أن القضية الكبرى في حياته هي نفسها القضية الكبرى التي شغلت المفكرين في عصره وهي قضية الحلولية. ولذا فمحاولة فهم رؤية هايني وأشعاره في إطار يهودي لن تفيد كثيراً، فمثل هذا الإطار قد يُفسِّر لنا تطرفه الحلولي المشيحاني وعلمانيته الشرسة في المرحلة الأولى، ولكنه لن يُفسِّر لنا جوهر الإشكالية، ولذا سيكون الإطار الألماني الغربي هو الأجدى والأكثر تفسيرية. إما لازاروس (1849-1887 ( Emma Lazarus شاعرة أمريكية يهودية، وُلدت في نيويورك لأبوين ثريين من يهود السفارد المندمجين. ولم تكن لازاروس ذات موهبة أدبية كبيرة. وهي تتناول في أعمالها موضوعات يهودية. قامت لازاروس بترجمة بعض قصائد ابن جبرول ويهودا هاليفي إلى الإنجليزية (عن الألمانية لأنها لم تكن تعرف العبرية (. وفي عام 1883، كتبت لازاروس قصيدة «التمثال الضخم الجديد» من أجل جمع التبرعات لإقامة قاعدة لتمثال الحرية، وألهبت بقصيدتها هذه حماس الكثيرين. وحُفرت القصيدة على لوحة برونزية ووُضعت على مدخل التمثال عام 1903. والقصيدة من طراز السونت وتتحدث عن المثل الأعلى الأمريكي، ويتذكرها معظم الأمريكيين باعتبارها قصيدة وطنية أمريكية تُعبِّر عن رؤيتهم لأنفسهم. وبعد موتها، رفضت اختها أن تضم أعمالها الكاملة «أي شيء يهودي» (على حد قولها (. مارسيل بروست (1871-1922 ( Marcel Proust روائي فرنسي، وُلد في باريس لأب كاثوليكي وأم يهودية، نشأ نشأة كاثوليكية ليبرالية وإن اختلط من خلال أمه بأعضاء الطبقة الوسطى من اليهود وغير اليهود. تخرَّج في إحدى مدارس الليسيه الفرنسية المرموقة كما درس في السوربون، وعاش حياة اجتماعية واسعة مختلطاً بالطبقة الراقية التي شكلت مادة خصبة لكتاباته الروائية. صدرت أول أعماله عام 1896 تحت عنوان الملذات والأيام. أما أهم أعماله على الإطلاق فهي رواية البحث عن الزمن المفقود التي صدرت في 15 جزءاً و7 مجلدات في الفترة ما بين عامي 1913 و1927، وهي تُعتبَر واحدة من أهم الأعمال الروائية المعاصرة. وهذه الرواية، وإن لم تكن سيرة ذاتية، إلا أنها تستمد كثيراً من شخصياتها وأحداثها من تجارب بروست وذكرياته الشخصية ويتخللها عدد من الأفكار المحورية التي تتكرر في أشكال مختلفة عبر جميع الأجزاء، مثل الإغراء الدائم للأرستقراطية الفرنسية، والشذوذ الجنسي (بروست نفسه كان شاذاً جنسياً) ، وفكرة الحب التي اعتبرها بروست نوعاً من المرض أو الوهم، ثم موضوع الزمن الذي اعتبره بروست السيد النهائي للإنسان والكون. فالحياة في مجراها ليست إلا زمناً مفقوداً وأوهاماً زائلة، والذاكرة والفن هما السبيل الوحيد لاستعادة هذا الزمن المفقود وتحويل الأوهام إلى أشكال ملموسة من الجمال الأبدي. ويتميَّز أسلوب بروست الأدبي بانتمائه إلى التراث الأدبي الفرنسي الكلاسيكي، فقد تأثر بفلوبير وسان سيمون كما تأثر بالأدب الإنجليزي، وخصوصاً أدب ديكنز وجورج إليوت وراسكين، ويُقال أيضاً إنه تأثر بوردزورث ومفهوم الذاكرة عنده. ورغم أن بروست كان كاثوليكي النشأة فرنسي الثقافة لا يرتبط عقائدياً أو وجدانياً باليهودية، فإن كثيراً من الأدبيات والمراجع اليهودية تُصنِّفه باعتباره يهودياً، بل حاول البعض التلميح بوجود مسحة من اليهودية التلمودية في أسلوبه الروائي الغريب الذي هو في الواقع أسلوب ينتمي إلى التراث الأدبي الفرنسي. بل ويشيرون إلى تأثره البالغ بقضية دريفوس والتي تناولها في بعض رواياته، وأنه كان أول من أقنع أناتول فرانس بالتدخل في هذه القضية. ومن ناحية أخرى، فإن تناول بروست للشخصية اليهودية في روايته البحث عن الزمن المفقود دفعت البعض لوصفه بمعاداة اليهود. فروايته تضم ثلاث شخصيات يهودية رئيسية، إحداها شخصية عدوانية متفردة تُجسِّد أسوأ الصفات الاجتماعية، أما الشخصية الثانية، فقد تناولها بروست بشكل أفضل وهي ليهودي مندمج يعيش في الأوساط الراقية ويكتشف هويته عقب حادثة دريفوس وينفصل عن حياة البرجوازية. وقد اعتبر البعض أن هذه الشخصية تجسيد لبروست نفسه. وتتميَّز شخصياته اليهودية بالتَكبُّر الشديد ولكنه تكبُّر يخفي وراءه شعوراً عميقاً بعدم الأمان، فاليهود في نظر بروست أقلية مضطهدة يتملكها جنون الإحساس بالاضطهاد والارتياب الشديد في الآخرين، وهم «جنس ملعون» أشبه بالشواذ جنسياً، على حد قوله. وهذا الربط بين اليهود واللبيدو أو الطاقة الجنسية أو الانحراف أو قوى الظلام هو موقف متجذِّر في الحضارة الغربية يعود إلى الرؤية المسيحية للكون، حيث يلعب اليهودي دور قاتل الرب وحيث لا يمكن خلاص العالم بدون تنصيره. فرانز كافكا (1883-1924 ( Franz Kafka روائي ألماني يهودي، وُلد ونشأ في تشيكوسلوفاكيا لأسرة يهودية مندمجة. درس القانون وعمل في أحد مكاتب المحاماة، ثم في شركة تأمين تابعة للحكومة، ولذلك فإنه لم يكن يكتب إلا في أوقات فراغه. كان أبوه شخصية متسلطة تركت أثراً عميقاً فيه. وكان كافكا يعاني طيلة حياته من الصداع النصفي والأرق. وتم تشخيص مرضه في عام 1917 على أنه السل، فقضى بقية حياته في مصحة. وكان كافكا قد عهد بمخطوطاته لصديقه وكاتب سيرته ماكس برود، ولكنه أوصى وهو على فراش الموت بأن تُحرَق أعماله بعد وفاته، ولكن برود لم يُنفِّذ رغبته. وكثيراً ما تُطرَح قضية يهودية كافكا: فهناك من يرى أنه كان يهودياً بل وصهيونياً حتى النخاع، وهناك من يذهب إلى أنه كان غير مكترث بيهوديته بل معادياً للصهيونية، ويورد كل فريق من الشواهد ما يدل على صدق رؤيته. كما أن هناك تناقُضاً عميقاً بين مذكراته من ناحية ورواياته من ناحية أخرى. ففي المذكرات اهتمام شديد بالموضوع اليهودي، على عكس رواياته التي يلتزم فيها الصمت حياله. وهناك، في المذكرات، إشارات إلى المدينة اليهودية القديمة والجيتو والمشروع الاستيطاني الصهيوني (بل قيل إن كافكا حضر أحد المؤتمرات الصهيونية) . أما رواياته فلا تكاد تشير إلى الموضوع اليهودي، ففي رواية أمريكا (1927) توجد شخصيات من كل الجنسيات (ألمان ومجريون وأيرلنديون وفرنسيون وروس وسلاف وإيطاليون) ولا يوجد سوى يهودي واحد. ونعرف أنه يهودي من اسمه، إذ لا تحمل شخصيته أية سمات من تلك التي تُسمَّى «يهودية» . ومع هذا، فإننا لا نعدم من يُقدِّم قراءة صهيونية لأعماله. ففي دراسة للكاتب العربي كاظم سعد الدين بعنوان «حل رموز كافكا الصهيونية» ، يذهب الكاتب إلى أن رواية المحاكمة (1925) تسعى إلى كشف فساد دار الحاخامية، سليلة السنهدرين، أي المجمع الديني الأعلى. ورواية المسخ أو التحول (1927) إنما تشير إلى التاجر اليهودي المتجول. والقلعة (1926) هي حصن صهيون، وترمز وظيفة المسَّاح إلى الحياة الدنيا لليهود، كما تشير إلى ضرورة معرفة قوانينها وعاداتها وإيجاد نوع من العلاقة الجيدة بينها وبين القلعة التي ترمز إلى السلطة الدينية اليهودية العليا. ويرى كاظم سعد الدين أن كافكا أسقط رمز سور الصين على حدود الدولة المُرتقَبة، وأراد أن يقول إن سور الصين سيُشكِّل لأول مرة في تاريخ العالم أساساً راسخاً لبرج بابل جديد!! وأن بدو الشمال هم الشعب العربي، وأن أبواب الهند هي أبواب فلسطين، وسيف الملك هو سيف داود! ويشير الكاتب أيضاً إلى أن كافكا عارض اندماج اليهود في الشعوب الأخرى ذاهباً إلى أن المدينة اليهودية القديمة غير الصحية، أي الجيتو، حقيقة أكثر رسوخاً بالنسبة إلى اليهود من الشوارع العريضة للمدينة المبنية حديثاً!! ويشير أيضاً إلى أن كافكا ذكر أن أرض كنعان هي أرض الأمل الوحيد. وأوضحت الدكتورة بديعة أمين في كتابها هل ينبغي إحراق كافكا؟ أن هذين الاقتباسين الأخيرين قد نُزعا من سياقهما، إذ يتبع الاقتباس الأول الخاص بالجيتو عبارة «إننا لسنا سوى شبح زال، أما أرض كنعان فهي ليست بأرض على الإطلاق، وإنما حلم وحسب» . ووصفت الدكتورة بديعة تفسيرات الأستاذ كاظم سعد الدين بأنه استنبطها من الكتب الدينية والتاريخية، ثم اعتبرها معادلات موضوعية مادية حسيَّة للرمز الكافكاوي استناداً إلى بعض العوامل الخارجة عن كتابات كافكا. ثم أضافت الدكتورة تحليلها لرؤية كافكا مبيِّنة استحالة أن يتبنى مثل هذا الكاتب رؤية صهيونية، فموضوعات أدبه هي الإحساس العميق بالغربة والعزلة الروحية حتى وسط الأهل والأصدقاء، والوعي بالذات وما يؤدي إليه هذا الوعي، وعلاقة الإنسان بالسلطة وبيروقراطيتها القاتلة، والانسحاب والانسلاخ الاجتماعيان، واختفاء الهدف والإحساس بالهزيمة. وقد عبَّر كافكا عن هذه الموضوعات بأسلوب غامض مغلق لا يسمح بتسرب قطرة ضوء. والواقع أن أدباً يتناول مثل هذه الموضوعات بمثل هذا الأسلوب لا يمكن أن يكون صهيونياً، لأن الأدب الصهيوني أداة أيديولوجية ووسيلة إلى هدف واضح بطريقة واضحة، ولذا فإن مثل هذا الأدب لابد أن يتسم بالوضوح والإيجابية. كما أن الأدب الصهيوني يهدف إلى الدفاع عما يُسمَّى حقوق الشعب اليهودي الذي يحمل خصائص عرْقية وإثنية خاصة ثابتة عبر الزمان والمكان، بل ويُركِّز على تقديس هذا الشعب. وغني عن القول أن رؤية كافكا للطبيعة البشرية مختلفة تماماً، فهي بالنسبة له طبيعة متقلِّبة كالغبار غير مستقرة ولا تحتمل أية قيود. كما أن اليهودي بالنسبة له شخصية هامشية تقف بين عوالم مختلفة ولا تنتمي إلى أي منها. أما كافكا ذاته، فهو يؤكد عدم انتمائه إلى أي عالم، وهو لا يخلع القداسة على أحد، يهودياً كان أو غير يهودي، فعالمه عالم حداثي تماماً، خال من أية مطلقات أو مرجعيات أو مقدَّسات. هذا فيما يتصل بموقف كافكا من الصهيونية. ولكن ماذا عن المضمون اليهودي في أدبه؟ إن مثل هذه المسألة يمكن أن تُحسَم إن قبلنا التحليل السياسي والمباشر للمضمون ثم أضفنا إليه مستويات أكثر عمقاً، ولعلنا لو قبلنا صيغة تفسيرية مُركَّبة تقبل المستويات المتناقضة المختلفة، لفهمنا كافكا حق الفهم. ولنبدأ بكافكا الإنسان والكاتب. كان كافكا يهودياً مندمجاً، ولذا فإنه لم يكن في البداية مدركاً للكتابات الدينية اليهودية أو كتابات المؤلفين اليهود، ولكنه بالتدريج بدأ يهتم بها وبالموضوع اليهودي. وهو أمر طرحته عليه عدة عناصر من أهمها أنه رغم الرغبة الصادقة لقطاعات كبيرة من يهود وسط أوربا في الاندماج، بل والانصهار في الحضارة الغربية، ورغم محاولة كثير من المجتمعات قبولهم ودمجهم وصهرهم، إلا أن عملية مثل هذه لم يكن من الممكن أن تتم في جيل واحد أو جيلين، فقد كان الجيل الأول والثاني من اليهود المندمجين يشعر أنه فقد الجيتو والأمن الذي كان اليهودي يشعر به داخله، بل ووجد نفسه في عالم معاد له. ولا شك في أن حركات معاداة اليهود التي تصاعد نفوذها وازدادت شعبيتها عمَّقت هذا الإحساس لدى كثير من المثقفين اليهود. كما أن هجرة يهود اليديشية (أي يهود شرق أوربا) ، الذين كان يتزايد عددهم داخل الإمبراطورية النمساوية المجرية، ساهم في خلخلة وضع اليهود المندمجين، وهو الوضع الذي فُرضَ على يهودي مندمج مثل هرتزل أن يبحث عن حل للمسألة اليهودية، أي مسألة يهود شرق أوربا، وأن يصوغ الحل الصهيوني. ويعني هذا أن الموضوع اليهودي قد فُرضَ على كافكا فرضاً. فبدأ يقرأ في الكتابات الدينية اليهودية وفي كتابات المؤلفين اليهود العلمانيين. قرأ في كُتب القبَّالاه والحسيدية، ودرس العبرية، وقرأ كتابات صهيونية أو شبه صهيونية (بل يُقال إنه كتب دراسات يُفهم منها تأييده للمشروع الاستيطاني الصهيوني) . وعلى أية حال، فإن المصادر الغربية لفكره كانت أكثر تنوعاً وعمقاً وشمولاً، فقد تأثر بكلٍّ من كيركجارد ودوستويفسكي وفلوبير وتوماس مان وهيس وجوركي، وبالفكر الاشتراكي والفوضوي في عصره. ويبدو أنه كان معادياً للرأسمالية ولاقتصاديات السوق التي تحوِّل الإنسان إلى شيء. وهذه الازدواجية (اليهودي/غير اليهودي) تُعبِّر عن نفسها في مختلف المستويات. ولنأخذ موقفه من الدين؛ من الواضح أن كافكا كان رافضاً للدين كحل لمشكلة المعنى، ومن هنا كانت حداثة رواياته وإحساسه بالضياع الشامل. وهو في هذا، يُعبِّر عن موقف كثير من يهود عصره، حيث كانت اليهودية الحاخامية تعاني من أزمتها العميقة، إذ أخذت تحل محلها العقائد العلمانية المختلفة، مثل الصهيونية والداروينية والماركسية والنازية. ولكن موقف كافكا في هذا كان لا يختلف كثيراً عن موقف كثير من المثقفين الغربيين الذين ابتعدوا عن عقيدتهم وعن مجتمعهم بسبب تَصاعُد معدلات العلمنة وبسبب تآكل المجتمع التقليدي. لقد اندفعوا نحو المجتمع الجديد، ولكنهم لم يجدوا فيه المعنى، ولم تتحقق لهم الطمأنينة. بل إن أزمة اليهودية الحاخامية، لم تكن إلا جزءاً من أزمة العقيدة الدينية في الحضارة الغربية، كما أن كلتا الأزمتين نتاج حركيات واحدة: الانتقال من مجتمع تقليدي إلى مجتمع حديث، ولكنه انتقال لا يأتي بالسعادة، وإنما يؤدي إلى عدم الاستقرار والغربة. ومعنى هذا أن الظاهرة نفسها يمكن أن تُفسَّر على أساس يهودي خاص، وعلى أساس غربي عام، ثم نكتشف أن كلاًّ من الأساسين اليهودي الخاص والغربي العام هما شيء واحد. ولكن موقف كافكا الديني يتجاوز مجرد الرفض، ذلك أن كافكا كان يمارس إيماناً دينياً عميقاً من نوع خاص. فكان يرى أن فعل الكينونة لا يعني الوجود المادي وحسب، وإنما يعني أيضاً الانتماء إلى الإله، فالإله كامن في أعماق الذات البشرية. وهذا الجزء في الإنسان هو الجزء غير القابل للدمار، وهو ذاته عالم المُطلَق والكمال، المتجرد من الخطيئة والنقص، وهو العالم الذي يُسمِّيه المؤمن «الإله» . ولكن قُرْب الإنسان من الإله يعني أن يعيش حياة صحيحة، وهذا الموقف يَنتُج عنه رفض العالم المحسوس (عالم السببية والمادة) . وإذا كان الموقف السابق الرافض للدين يعبِّر عن أزمة اليهودية الحاخامية الخاصة وأزمة المعنى في المجتمع الغربي ككل، فإن هذا النوع من الإيمان الديني يعبِّر هو الآخر عن رؤيتين متشابهتين: إحداهما يهودية (القبَّالاه) ، والأخرى غربية عامة (الغنوصية) . وكلتا الرؤيتين تطرح فكرة الإله الخفي (الديوس ابسكونديتويس في الغنوصية، والإين سوف في القبَّالاه) الذي تبعثرت شراراته، فاختلطت الشرارات بالمادة بحيث أصبح الإله موجوداً داخل البشر، مع أنه بعيد عنهم تماماً. ويحاول الإنسان جاهداً عبر حياته أن يتجه نحو الالتحام به والعودة إليه، ولكنها عودة أصبحت مستحيلة (ولذا يستحيل فهم «المحاكمة» ، كما يستحيل دخول «القلعة» ) . والتراث القبَّالي والغنوصي تراث منتشر في الحضارة الغربية بين اليهود وغير اليهود. فهناك قبَّالاة يهودية، وهناك قبَّالاة مسيحية (من أصل يهودي) ، وهناك غنوصية يهودية وأخرى مسيحية. ومن ثم، فإن من الممكن تفسير هذا الجانب أيضاً على أساس يهودي خاص وأساس غير يهودي أو غربي عام. وسنُلاحظ نفس الشيء في أهم جوانب روايات كافكا، أي شخصياتها الأساسية. فأبطال كافكا رجال بلا تاريخ، رجال يعيشون خارج الزمان والمكان في فراغ لا اسم له، وفي زمان لا يمرُّ به تاريخ، يوجدون في كل الأوطان ولا وطن لهم، شخصيات تبحث عن شيء ما لا تعرف هويته، ويسقطون ضحايا شر لا يفهمون كنهه. وتبدأ رواياته عادةً خارج نطاق التجربة اليومية. فافتتاحية المحاكمة تقدم لنا البطل جوزيف ك. وقد قُدِّم للمحاكمة بسبب جريمة لا يعرف ما هي، كما أنه لا يعرف شيئاً عن طبيعة هيئة المحكمة التي تقرر إعدامه، وتنتهي المحاكمة نهاية عبثية. وفي الروايات الأخرى لكافكا، لا توجد نهاية على الإطلاق، ففي القلعة مثلاً لا يصل البطل إلى أي هدف. ويمكن تفسير هذه العزلة من منظور يهودي خاص، فشخصيات كافكا ليسوا بعيدين عن تجربته كيهودي مندمج، فهم أيضاً تركوا حيِّز الشتتل والزمان الشعائري اليهودي ودخلوا في وجود بلا زمان ولا مكان، وهي حالة الدياسبورا بلا خلاص، أو المصير اليهودي الذي يُلحق باليهود الأذى دون ذنب اقترفوه، فكأن حالة النفي والعزلة هي مصير دائم بالنسبة إليهم. ولكن يمكن القول بأن مأساة أبطال كافكا هي أيضاً مأساة كل الشخصيات في الأدب الغربي الحديث التي تشعر بحالة النفي والغربة، فهي شخصيات فقدت الإيمان، إذ وجدت نفسها في مجتمع متناثر ذري لا يربط أجزاءه رابط، مجتمع تعاقدي، الإنسان فيه منفيٌّ دائماً، مجتمع ازدادت فيه معدلات الترشيد حتى أصبح كل شيء آلياً أو شيئاً شبه آليّ تم التحكم فيه، ولكنه ترشيد إجرائي لا هدف له. ومن ثم، ورغم تزايد تحكم الإنسان، إلا أنه يشعر بإحساس عميق بالاختناق وبأنه لا حول له ولا قوة. ويمكننا القول بأن الموضوعات الأساسية في أدب كافكا هي موضوعات أساسية متواترة في الأدب الغربي الحديث بصفة عامة، وبالتالي فإن أصولها غربية، ولا يمكن فهمها إلا على مستوى الحضارة الغربية ككل. ولكننا في حالة كاتب من أصل يهودي فَقَدَ يهوديته مثل كافكا، نجد أن وضعه هذا يخلق عنده قابلية غير عادية لاكتشاف هذه الموضوعات وتطويرها، فهي تكتسب حدة خاصة في أدبه، وبعبارة أخرى، فإن يهودية كافكا ليست مصدر الرؤية العبثية عنده (فهي رؤية تضرب بجذورها في حضارته الغربية) والأدب الغربي. ومع هذا فانتماؤه اليهودي يُعمِّق هذه العبثية ويزيد من حدَّتها. وقد ترك كافكا أثراً عميقاً للغاية في الأدب الغربي الحديث (مسرح العبث) . ويُستخدَم مصطلح «كافكاوي» أو «كافكوي» لوصف الإحساس بالضياع والسقوط في شبكة متداخلة من الأحداث العبثية. ولعل عمق أثره على الحضارة الغربية يُبيِّن مدى تجذُّره في التشكيل الحضاري الغربي، كما يُبيِّن مدى هامشية خصوصيته اليهودية، اللهم إلا إذا كانت هذه اليهودية نفسها تعبيراً عن شيء جوهري في الحضارة الغربية. سارة ميلين (1889-1967 ( Sarah Millin مؤلفة وروائية يهودية من جنوب أفريقيا، وُلدت في ليتوانيا ولكنها استقرت وهي بعد طفلة مع أهلها في جنوب أفريقيا، وتزوجت من القاضي فيليب ميلين، وهو قاض في المحكمة العليا في جنوب أفريقيا. نشرت عدة أعمال روائية وغير روائية، ولكنها حققت قدراً من الشهرة مع نشر روايتها أطفال الله (1924) وهي رواية عن الملونين في جنوب أفريقيا. نشرت ميلين سيرة حياة سيسل رودس (1933) وقد حُوّل الكتاب إلى فيلم عام 1936. كما نشرت سيرة حياة الجنرال سمتس (من جزأين) عام 1936، وهو تاريخ لجنوب أفريقيا ولدور اليهود فيها. ونشرت سيرتها الذاتية بعنوان طويل هو الليل (1941) . وتعود شهرتها إلى هذه الأعمال أكثر من أعمالها الروائية. وكانت مواقفها السياسية والأخلاقية بشأن المستوطنين السود في جنوب أفريقيا لا تخرج عن سياسة التفرقة اللونية (الأبارتهايد) . وكما هو متوقع من كاتبة مثل هذه، نجد أنها تدافع بشدة عن الدولة الصهيونية. وقد كرَّست سارة معظم كتابتها بعد الحرب العالمية الثانية للدفاع عن إسرائيل وجنوب أفريقيا. وحررت عام 1966 كتاباً بعنوان الأفريقيون البيض هم أيضاً بشر وساهمت فيه بدراسة، وهو كتاب يدافع عن روديسيا وجنوب أفريقيا. ولا يمكن القول بأن ميلين تؤيد إسرائيل بسبب يهوديتها (فهي لم تهاجر إلى الدولة الصهيونية) ، بل ينبع تأييدها للدولة الصهيونية من انتمائها للجيب العنصري في جنوب أفريقيا وللتشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي. بوريس باسترناك (1890-1960) Boris Pasternak شاعر وروائي روسي، وُلد في موسكو ابناً للرسام الروسي ليونيد باسترناك. تنصَّر باسترناك في طفولته، وتعكس أعماله الشعرية التي تُعتبَر من أهم الأعمال الشعرية الروسية في القرن العشرين الروح المسيحية الأرثوذكسية. درس الفلسفة في جامعة موسكو ثم في ماربورج في ألمانيا، وأصدر أول أعماله الشعرية عام 1914. ولم تتناول أعماله أية مواضيع يهودية بشكل خاص فيما عدا روايته الشهيرة دكتور زيفاجو التي كتبها عام 1958، وتتناول هذه الرواية المسألة اليهودية. وتتخلل أعمال باسترناك بعض أفكاره الأساسية التي تعكس رؤية المثقف الليبرالي للقضايا السياسية، ولفكرة الثورة وقضايا الفن. فتتكرر في أعماله مسألة عدم جدوى الأيديولوجيات، وغياب أي نوع من العلاقة بين السياسة والسعادة الإنسانية، كما تتكرر حيرة المثقف إبان الثورات بين تأييده للتغيير ورفضه للعنف المصاحب للثورات. وقد انعكس كره باسترناك للعنف، واتجاهه نحو الفرار من الواقع السياسي في سبيل السعادة الفردية، في روايته دكتور زيفاجو. وعكست هذه الرواية أيضاً انفصال باسترناك عن اليهودية تماماً، كما عكست اعتزازه وإيمانه بتفوق المسيحية، واعتقاده بأن الاندماج هو السبيل الوحيد أمام اليهود للتخلص من المآسي التي تلحق بهم. وقد نالت هذه الرواية جائزة نوبل عام 1958، وأثار حصوله على الجائزة زوبعة سياسية نظراً لما كانت تحتويه الرواية من نقد للنظام السوفيتي وأيديولوجيته ولما كان يتخللها من مسحة دينية مسيحية. واضطر باسترناك إلى رفض الجائزة تحت ضغط من السلطات السوفيتية. ومن الجدير بالذكر أن باسترناك ظل في نظر السلطات السوفيتية، منذ الثلاثينيات، فناناً منعزلاً محباً للجمال متميِّزاً بحرفية فائقة، كما اعتُبر من بقايا مثقفي فترة ما قبل الثورة المنفصلين عن واقعهم الجديد. وقد مُنعت روايته من التداول في الاتحاد السوفيتي. وبعد وفاته، رُدَّ إليه اعتباره بشكل جزئي. وفي عهد البريسترويكا، تم نشر دكتور زيفاجو في الاتحاد السوفيتي، وأُعيد نشر أعماله الأخرى. وتُصنِّف بعض الموسوعات اليهودية باسترناك باعتباره «يهودياً» ، وهو تصنيف يفتقر إلى أية قيمة تفسيرية أو تصنيفية. فإذا كان باسترناك قد وُلد يهودياً، فإن علاقته باليهودية انتهت بعد بضع سنوات من مولده، ولا يمكن تفسير أدبه إلا بالعودة لاهتماماته الدينية المسيحية ولموقفه المبهم من الثورة البلشفية. فرانز فرفل (1890-1945 ( Franz Werfel روائي نمساوي يهودي وكاتب مسرحي وشاعر. وُلد في براغ لعائلة يهودية ثرية ودرس في جامعات براغ وليبزيج، واشتغل محرراً في دار نشر، وصادق ماكس برود وفرانز كافكا. استهل فرفل حياته الأدبية بكتابة الشعر وصدرت له مجموعة أشعار عام 1911 تحت عنوان صديق العالم والتي دعَّمت مركزه الأدبي ووضعته ضمن أهم الشعراء التعبيريين في عصره. وتميَّز هذا العمل بطابع ديني مشيحاني وتمحور حول فكرة الحب والصداقة والأخوة الكونية العميقة. خدم فرفل خلال الحرب العالمية الأولى في صفوف الجيش النمساوي، وصدرت له عقب الحرب مجموعة أشعار بعنوان يوم القيامة (1919) ، جسَّدت انطباعاته عن الحرب وتناولت الموت والهلاك والبعث والخلاص، وأكد فيها فرفل أن المحبة والأخوة بين البشر هما المفتاحان الوحيدان لإحياء شباب العالم الذي أصبح ملطخاً بالدماء. وفي عام 1923، أصدر مجموعة أخرى من الأشعار تحت عنوان إهابة سحرية دعا فيها إلى أخوة ديونيسية جديدة (نسبة إلى ديونيسوس إله الخمر عند اليونان) تجمع بين جميع المخلوقات: الإنسان والحيوان والجماد، ومن ثم فهي وحدة حلولية عضوية ذات توجه نيتشوي واضح. واتجه فرفل بعد الحرب إلى الكتابة المسرحية وكتب عدداً من المسرحيات الناجحة مثل ثلاثية إنسان المرآة (1921) التي تناول فيها فكرة سقوط الإنسان وخلاصه، وهي الفكرة نفسها التي تناولها في مسرحيته الدينية بولس بين اليهود (1926) . وفي مسرحية الصمت (1922) ، تحدث عن خطر النازية واعتبرها تُمثِّل ثورة الإنسان البدائي ضد الإنسان المُتحضِّر. وبعد صعود هتلر إلى السلطة في ألمانيا، كتب المسرحية التاريخية الدينية الطريق الأبدي (1936) والتي عُرضت بنجاح كبير على مسارح نيويورك، تناول فيها قضية يهود العصور الوسطى الذين عاشوا حياة نفي مستمرة نتيجة تمسكهم بعقيدتهم، كما عبَّر فيها عن حيرته الروحية وعدم وضوح انتمائه الديني. ومع انحسار التعبيرية وانبعاث الواقعية، انتقل فرفل إلى عالم القصة والرواية وحقق من خلالها شهرته العالمية. وتميَّزت رواياته بطابع صوفي تبشيري وتبنَّت قضايا المطحونين والمهزومين والصراع بين قوى الخير وقوى الشر، ومن أهم مؤلفاته الروائية الأربعون يوماً لموسى داغ (1933) والتي أبرز فيها مقدار الظلم الذي يمكن أن تفرضه الأغلبية ضد الأقلية من خلال تناوله صراع الأرمن ضد الأتراك. وفي روايته القلب النقي (1931) يؤكد أهمية السمو الروحي والديني والأخلاقي الذي يعلو عن مستوى الواقع الفج والنشاط السياسي غير النزيه. وقد هرب فرفل من النمسا عام 1938 بعد استيلاء النازي عليها، واستقر في فرنسا، ثم هرب مرة ثانية بعد عام 1940.وأثناء وجوده في فرنسا، ألهمته زيارته لمزار ديني في لودز كتابة رواية أغنية برناديت التي صدرت في الولايات المتحدة عام 1941 وحققت نجاحاً كبيراً وحُوِّلت إلى فيلم سينمائي. وتجسد هذه الرواية الصراع بين قوى الظلام وقوى النور وتُمجِّد المسيحية الكاثوليكية التي ظل فرفل منجذباً إليها طوال حياته. وكان فرفل قد كتب مقالاً عام 1917 بعنوان «الرسالة المسيحية» يوحي بأنه كان على وشك اعتناق الكاثوليكية، إلا أنه لم يُقدم على ذلك أبداً. وقد أكَّد عام 1943 أن تكوينه الفكري والثقافي تم في ظل التأثير الروحي للمسيحية والكنيسة الكاثوليكية كما يتبين بشكل واضح من خلال أعماله الأدبية. ومما يُذكَر أن فرفل تزوج عام 1929 من أرملة الموسيقار اليهودي جوستاف ماهلر التي كانت رافضة لليهودية، واقترحت قبل زواجهما أن يتخلى فرفل عن يهوديته ويتنصَّر، ولكنهما اتفقا في النهاية على أن يتم تعميده بعد وفاته. وفي سنواته الأخيرة عكف فرفل على كتابة عمله الملحمي الضخم نجم الذين لم يولدوا بعد والذي صدر بعد وفاته عام 1946، واستعرض فيه القضايا والأسئلة الأزلية التي تظل دائماً دون إجابة نهائية والتي أرَّقته طوال حياته، وتُوفي فرفل في الولايات المتحدة ودُفن في فيينا. ويظهر اسم فرفل في كثير من الموسوعات اليهودية كمؤلف يهودي، وهو أمر يثير الحيرة لأن رؤيته في جوهرها مسيحية. إيليا إهرنبورج (1891-1967 ( Ilya Ehrenburg كاتب روسي يهودي، وُلد في كييف لأسرة مندمجة في المجتمع الروسي، وكان أبوه يمتلك مصنعاً لتقطير الخمور. انضم إهرنبورج للحركة الاشتراكية واضطر إلى اللجوء إلى باريس. وقد تحوَّل إلى الكاثوليكية عام 1911. كتب إهرنبورج في هذه المرحلة أشعاراً ذات طابع صوفي مسيحي، وتتحدث كتاباته النثرية (منذ عام 1920) عن معاناة اليهود باعتبار أن ذلك جزء من المخطط الإلهي للقضاء على الشر، وهذه فكرة قبَّالية. ولكنه عاد ورفض الإيمان الديني وقرر التعاون مع «حركة التاريخ» . واضطر للهجرة من روسيا عام 1921، ولم يَعُد إليها إلا في صيف 1941. تتناول بعض مؤلفاته موضوعات يهودية من أهمها رواية حياة لازيك رويتشفانتس العاصفة (1928) بطلها ترزي بسيط سيئ الحظ يبعث على الرثاء ولا علاقة له بالسياسة، ولكنه دائماً محط شك كل النظم، فبعد أن تم تحرير المنطقة التي يعيش فيها على يد القوات البلشفية ينظر إليه ممثلو النظام الجديد باعتباره ممثلاً للحرفيين البورجوازيين ذوي النزعة الفردية. وحينما يفرّ إلى الغرب، يظن الجميع أنه عميل سري شيوعي. وحينما يفرّ إلى فلسطين، لا يكون حظه أحسن حالاً. والبطل يشبه من بعض الوجوه أبطال شالوم عليخم (الكاتب اليديشي (. وأثناء الحرب، لعب إهرنبورج دوراً نشيطاً في اللجنة السوفيتية اليهودية المعادية للفاشية، وحرر هو وفاسيلس جروسمان الكتاب الأسود الذي ضم أقوال شهود عيان لجرائم النازيين، ولم تنشر السلطات السوفيتية الكتاب. وحينما أُعلنت دولة إسرائيل واعترف بها الاتحاد السوفيتي، ذكَّر إهرنبورج يهود بلاده بأن الاتحاد السوفيتي هو وطنهم. وبعد سقوط ستالين، كتب إهرنبورج رواية ذوبان الثلوج (1954) ، وهي تتناول شخصية مدير مصنع ديكتاتوري إبّان المرحلة الستالينية. ومن شخصيات الرواية طبيب يهودي يُتَّهم بالاشتراك في مؤامرة الأطباء. وظهرت بين عامي 1960 و1965 مذكرات إهرنبورج (الناس والحياة 1962، ومذكرات 1964) ، وهي تصف كثيراً من معاصري إهرنبورج، مثل: مارك شاجال وأيزاك بابل وسولومون ميخولز. أوسيب ماندلستام (1891-1938) Osip Mandelstam شاعر روسي يهودي، وُلد في روسيا لأسرة متدينة. ولكنه تلقى تعليماً علمانياً ثم سافر إلى فرنسا وإنجلترا وألمانيا وإيطاليا، وانضم للحركة الشعرية المسماة «الأكميزم Acmeism» (نسبة إلى «أكمي Acme» أي «القمة» أو «الذروة» ) والتي تُعَدُّ ثورة على المدرسة الرمزية، إذ طالب دعاة هذه المدرسة بقدر أكبر من الوضوح والمباشرة والتركيز على الشكل. وقد كتب ماندلستام بعض الوثائق الأساسية لهذه الحركة. نشر ماندلستام مجموعة شعرية عام 1913 بعنوان حجر، ولكن المجموعة التي نشرها عام 1922 بعنوان تريستيا هي التي حققت له الذيوع. وموضوعات شعره ذات طابع تاريخي ومُستَقَاة من التاريخ اليوناني والروماني. ويتَّسم شعره بصُوَره الأصيلة وحرفيتها العالية واستخدامه المتميِّز للغة الروسية. وقد تزوج ماندلستام من امرأة روسية غير يهودية. قابل ماندلستام الثورة البلشفية بكثير من الترحاب، ولكن الفجوة بدأت تتسع بينه وبين الثورة وانتهى الأمر بأن قُبض عليه عام 1934، ونُفي إلى سييبريا حيث مات فيها عام 1938 (وربما عام 1937) . وقد رفض ماندلستام اليهودية الحاخامية، ووُصف موقفه بأنه هروب من الفوضى اليهودية. ويُعتبَر ماندلستام مثلاً لليهودي الذي يكره نفسه (مثل تروتسكي) . ويظهر هذا بشكل واضح في مجموعة مقالاته المسماة ضوضاء الزمان حيث يسخر من اليهود الذين يصفهم بأنهم يستخدمون اللغة الروسية بدقة مبالغ فيها وبتصنع شديد حتى أنهم يزهقون روحها. ويُعبِّر ماندلستام عن كرهه للرطانة التي يتحدث بها يهود شرق أوربا (اليديشية) ولأبجديتهم (العبرية) وللخطوط السوداء والصفراء على شال الصلاة (طاليت) ، بل ولرائحتهم الكريهة. ويرى ماندلستام أن المسيحية تُشكِّل الإطار الحقيقي لشعره. وقد نشرت أرملته عام 1971 كتاباً عن حياتها مع ماندلستام يعده بعض النقاد من عيون الأدب الروسي. وقد ضم دليل بلاكويل للثقافة اليهودية مدخلاً عن ماندلستام باعتباره «مثقفاً يهودياً» في الوقت الذي استبعدت فيه هذه الموسوعة الكُتَّاب اليهود من أصل شرقي أو سفاردي، وهو أمر أقل ما يُوصَف به أنه مشكوك فيه، فأين تكمن يهودية مثل هذا الكاتب؟ نيللي ساكس (1891-1970 ( Nelly Sachs شاعرة ألمانية يهودية حاصلة على جائزة نوبل، وُلدت لعائلة يهودية مندمجة في برلين وكان والدها رجل صناعة ثرياً. بدأت في كتابة أشعارها الأولى بالألمانية في سن السابعة عشرة وظهر أول أعمالها عام 1921. تميَّزت أشعارها بمضمونها المسيحي وطابعها الصوفي ولغتها الرومانسية. وظلت ساكس متباعدة عن أصلها اليهودي وغير مكترثة له إلى أن جاء النازي إلى الحكم في ألمانيا وهو ما اضطرها إلى الفرار إلى السويد عام 1940. وقد تناولت في أشعارها اللاحقة مواضيع خاصة باليهود وبفترة الإبادة النازية، فأصدرت عام 1946 ديوان في مساكن الموت الذي أهدته إلى «إخوتها وأخواتها الموتى» ، ومن أشهر قصائد هذا الديوان قصيدة «المداخن» . أما ديوانها الصادر عام 1949، فيضم أشعاراً تعبِّر عن إيمانها اللامتناهي بقدرة «شعب إسرائيل» على البقاء وأهمية رسالته في الحياة. وتنتمي أشعار ساكس إلى الموروث الأوربي الرومانسي لألمانيا، ويبدو أنها تأثرت بالصوفية: تأثرت بدايةً بصوفية جيكوب بومه، ثم تأثرت بالقبَّالاه، خصوصاً كتاب الزوهار أهم كتب التراث القبَّالي، كما تأثرت بكتابات مارتن بوبر الحسيدية. وتتمحور أغلب أعمالها حول موضوعات الملاحقة والمطاردة والخوف والوحدة والاستشهاد والمعاناة. وهي تستخدم خلفية كونية في كتاباتها. كذلك كتبت ساكس عدداً من المسرحيات، من أشهرها مسرحية أسرار حول معاناة إسرائيل التي صدرت عام 1943 وتتناول فيها موضوع الإبادة النازية. ورغم تبايُن آراء النقاد واختلاف تصنيفهم لأعمال ساكس وانتقاد الكثيرين لها باعتبار أن أسلوبها الأوربي الرومانسي الألماني لا يتفق مع محتوى أشعارها، وأنها تفتقر إلى عذوبة ودقة اللفظ الذي يتيح للقارئ مشاركتها إحساسها وإدراكها الديني. ورغم أن عدداً كبيراً من النقاد يجد أن أعمالها ليست متميِّزة لا من الناحية الأدبية ولا من الناحية الفكرية، إلا أنها مُنحت عام 1965 جائزة الناشرين الألمان للسلام، ثم جائزة نوبل في الأدب عام 1966 (مناصفة مع الأديب الإسرائيلي شموئيل عجنون) . وقد قالت عند تسلُّمها الجائزة «إن عجنون يمثل دولة إسرائيل وأنا أمثل مأساة الشعب اليهودي» . ورغم تأكيد يهودية أدبها، فيجب ملاحظة أن مصادر ساكس الأدبية ألمانية، غير يهودية على الإطلاق، وكذلك مصادرها الفكرية والدينية. إذ تأثرت بأعمال المتصوف الألماني المسيحي جيكوب بومه، كما تأثرت بمارتن بوبر الذي تأثر بدوره بالفكر الديني المسيحي كليةً. أما تأثرها بالحسيدية، فلعله تأثر بالجوانب التي يمكن أن نسميها «مسيحية» . وهذا الموروث يظهر في تراثها الأدبي بكل وضوح، وقد وُصفت أعمالها الشعرية الأولى بأنها مسيحية. وفي عام 1940، نجد أنها تستخدم في قصيدتها الشهيرة «المداخن» صورة مجازية مسيحية، إذ تصف الدخان المنبعث من معسكرات الإبادة النازية بأنه يضم جسد إسرائيل، أما المسرحية التي كتبتها فهي ما يُسمَّى «مسرحية أسرار» ، وهي نوع أدبي ذو جذور مسيحية واضحة تتناول اغتيال صبي بولندي على يد جندي ألماني (وفي هذا صدى لقصة صلب المسيح) ، كما يتردد في المسرحية صدى أساطير حسيدية عن القديسين (تساديك) الذين يساهمون في استمرار العالم بفضل طهارتهم ويساهمون في إصلاح الخلل الكوني (تيقون) . وقد بيَّنا المضمون المسيحي لهذا المفهوم في موضع آخر (انظر: «تنصير اليهودية» ) . وقد وُصِّفت أعمالها بأنها مزج جيد بين المفردات الحسيدية والمفردات المسيحية، وعادةً لا يمكن مزج عنصرين إلا إذا كانت هناك رقعة مشتركة بينهما. وبالفعل، فإننا نجد أن المفردات الحسيدية التي اختارتها هي تلك المفردات التي تعبِّر عن الجانب المسيحي في الحسيدية، والتي استوعبها الحسيديون من تربتهم السلافية الأرثوذكسية. وهنا يمكن طرح السؤال التالي: هل أعطت أوربا الجائزة لساكس بسبب تعبيرها عن هويتها اليهودية أم أعطتها لها بسبب تخليها عنها؟ جوليان توويم (1894-1953 ( Julian Tuwim شاعر بولندي يهودي، يُعتبَر من أهم المجددين في الأدب البولندي، وُلد لأب وأم يهوديين، ولكن الأم كانت ذات اتجاه اندماجي قوي فبثت فيه روح الانتماء لبولندا وللقومية البولندية. ولا شك في أنها روح اكتسبت قوة من خلال تلقيه تعليمه في جامعات بولندا في فترة كانت الروح القومية فيها متأججة. وتعبِّر دواوين توويم الشعرية الأولى، في انتظار الإله (1918) ، وسقراط الراقص (1920) ، والخريف السابع (1922) ، عن إيمانه العميق بالقومية البولندية وتمسكه بها. أسس توويم، هو ومجموعة من الأدباء البولنديين، مجلة أدبية أطلق عليها سكامندر، كما أُطلق الاسم ذاته على حركة أدبية كان يرأسها توويم، وهي تُعَدُّ أهم حركة أدبية في بولندا حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية. وقد أصبح توويم من أهم شعراء بولندا بلا منازع، ومُنح جوائز أدبية عديدة وذاع صيته في أوربا باعتباره «بوشكين البولندي» . ورغم إيمانه العميق بقوميته، إلا أنه نحا في شعره منحىً اجتماعياً ثورياً، فهاجم الأثرياء والمستغلين والطبقة العسكرية والرأسمالية في بولندا في ديوانيه إنجيل الفجر (1933) ، وحفلة الأوبرا (1936) . ولكنه رغم تعاطفه الواضح مع العمال، بقي بمنأى عن الحركات العمالية الثورية، إذ ظل انتماؤه القومي هو الأساس. ولا يظهر الموضوع اليهودي في كتابات توويم إلا نادراً. وهو لم يحاول إخفاء أصوله اليهودية، إذ كان يرى أنها لا تتناقض مع انتمائه البولندي. وانطلاقاً من هذا، كان توويم يهاجم المعادين لليهودية الذين ينكرون عليه انتماءه القومي البولندي ويتهمونه بأنه يفسد اللغة البولندية، كما كان يهاجم الصهاينة وكل دعاة العزلة اليهودية. ولذا، اتهمته بعض الدراسات بأنه ينتمي لنمط اليهودي الذي يكره نفسه. ساهم توويم في حركة المقاومة ضد النازي، وكتب ملحمة أزهار بولندا (1940 - 1944) الذي أصبح أحد أجزائها ( «صلاة» ) نشيد حركة المقاومة البولندية. كما كتب في هذه المرحلة كتاباً بعنوان نحن اليهود البولنديون يدافع فيه عن انتمائه البولندي واليهودي. وقام توويم بترجمة كثير من الأعمال الأدبية إلى البولندية خصوصاً من الروسية، كما ترجم أعمال رامبو. وكتب دراسات في مواضيع متنوعة مثل السحر ولهجات السكارى، ونشر ثلاثة من كتب تضم أغاني للأطفال. وقد عاد إلى بولندا بعد استيلاء الشيوعيين على الحكم واستقر فيها حتى موته. ويظهر اسم توويم في كثير من الموسوعات اليهودية باعتباره أديباً يهودياً، الأمر الذي يثير السؤال التالي: من هو الأديب اليهودي؟ فهذا أديب نشأ يتحدث البولندية في بيئة بولندية وتلقى تعليمه في مؤسسات تعليمية بولندية، وينتمي إلى التراث الأدبي والشعبي البولندي، ويؤمن بالمشروع القومي البولندي (وقد كان البولنديون يتغنون بقصائده ويحولونها إلى أناشيد قومية لهم) ، وهو يعود إلى بلده بعد تحريرها (وبعد إنشاء الدولة الصهيونية في فلسطين) ليقضي فيها بقية أيامه ثم يُدفَن فيها، ومن ثم لا يمكن فهم حياته أو أدبه إلا في إطار انتمائه إلى بولندا. أما يهوديته، فقد فهمها حق الفهم، أي باعتبارها بُعداً هامشياً في شخصيته (وهو الأمر الذي فشل الصهاينة والمعادون لليهود في فهمه) . إسحق بابل (1894-1941) Isaac Babel كاتب قصة قصيرة ومسرحي سوفيتي يهودي، وُلد في مدينة أوديسا ونشأ فيها. وكانت أوديسا مركزاً كوزموبوليتانياً، إذ كانت تعيش فيها جماعات ذات خلفيات ثقافية وإثنية مختلفة (ولذا كانت المسارح تعرض المسرحية الواحدة بثلاث أو أربع لغات مختلفة) ، كما كانت مركزاً لنشاط تجاري دولي واسع النطاق. وإلى جوار هذا كانت أوديسا مركزاً للدراسات العبرية واليديشية ومركزاً لحركة التنوير اليهودية والحركة الصهيونية والحركات الاشتراكية اليهودية. وُلد بابل لعائلة مندمجة تتحدث اليديشية التي تُعَدُّ لغته الأولى، وتلقى تعليماً خاصاً في منزله حتى سن السادسة عشرة، حيث تعلم مواد دينية ودنيوية عديدة منها العبرية والعهد القديم والتلمود، ثم التحق بمدرسة تجارية في أوديسا. وبعد عام 1915، ذهب بابل إلى بتروجراد (سان بطرسبرج فيما قبل ولينينجراد فيما بعد) متخفياً، حيث كان محظوراً على أعضاء الجماعة اليهودية التواجد فيها دون تصريح، لأنها كانت تقع خارج منطقة الاستيطان على عكس أوديسا. وقد نُشرت أول أعماله الأدبية في بتروجراد، قبل الثورة، في مجلة أدبية كان يرأس تحريرها ماكسيم جوركي. وبعد اندلاع الثورة البلشفية، انضم بابل لقواتها. فعمل في قوات الأمن، وفي قوميسارية التعليم، وفي مهمات التموين، أي في مصادرة المحاصيل في الريف، وفي الجيش البلشفي ضد القوات الروسية البيضاء المعادية للثورة. كما خدم في فرقة الفرسان الأولى التي كانت تضم المحاربين القوزاق وكانت تحارب على الجبهة البولندية. وهذه واحدة من مفارقات عديدة في حياة بابل، فالقوزاق هم أعداء الجماعة اليهودية التقليديون، ومن صفوفهم جاء شميلنكي الذي قاد ثورة شعبية أوكرانية ضد الإقطاع الاستيطاني البولندي وممثليه من يهود الأرندا. كما كانت الدولة القيصرية تجند القوزاق في قوات الأمن الداخلي لقمع المتظاهرين ولفرض الهيمنة الروسية على الشعوب والأقليات التي كانت تضمها الإمبراطورية القيصرية ومن بينهم الجماعات اليهودية. ورغم كل هذا، انضم بابل اليهودي إلى القوزاق أعداء اليهود، وهم فرسان محاربون شرسون من أصل قَبَلي يحملون سيوفهم وأسلحتهم، وهو مثقف من المدينة يرتدي نظارة ويحمل كتبه ولا يجيد ركوب الخيل. وتستمر المفارقات في حياة بابل، فقد نشأ نشأة دينية أرثوذكسية جامدة، ثم تبنَّى عقيدة علمانية لا تقل عنها جموداً. وقد دافع بابل عن النظام السوفيتي، وسقط ضحية هذا النظام في نهاية الأمر. كتب بابل في هذه الفترة الفرسان الحمر (1926) وهو كتاب يتناول تجربته مع المحاربين القوزاق من الفرقة الأولى الحمراء. واتهمه قائد الفرقة الأولى بأنه شوَّه الحقائق وأساء إلى صورة الفرقة. وفي عام 1931، كتب بابل رواية أو مجموعة من القصص عن عملية فرض الصيغة الجماعية على الإنتاج الزراعي، وظهر فصل منها ثم توقفت لأنها كانت متناقضة مع خط الحزب. سُمح له عام 1928 بزيارة زوجته وابنته اللتين كانتا قد هاجرتا إلى باريس. ثم بدأت فترة الإرهاب الستالينية بعد ذلك، فأصبح بابل، حسب قول أحد النقاد، «سيد الصمت» . وبموت ماكسيم جوركي (1936) ، فَقَد بابل أحد أهم أصدقائه، إذ كان يزوده بالحماية. وبالفعل، قُبض عليه عام 1939 واختفى على الفور. ولا تُعرَف الأسباب التي أدَّت إلى القبض عليه، ولكن ثمة نظرية تذهب إلى أنها لم تكن سياسية، وأنه أُلقي القبض عليه بسبب علاقة غرامية بينه وبين زوجة رئيس البوليس السري. ويُعَدُّ بابل من أهم الكُتَّاب الروس، فرغم أن لغته الأولى كما أسلفنا هي اليديشية، ورغم أنه كتب أولى رواياته بالفرنسية، إلا أنه امتلك ناصية اللغة الروسية وأصبح من أحسن كتابها. ورغم اختياره الروسية لغة للتعبير، فقد ظل الموضوع اليهودي موضوعاً أساسياً ظاهراً وكامناً في أعماله. ولم يكن بابل منشغلاً بأن يحدِّد موقفاً مع اليهود أو ضدهم، فقد أدرك أن يهوديته (أو بقاياها) هي مُعطى أو ميراث يحدِّد سلوكه كمواطن في عصر الثورة وهو ما يخلق التناقضات والمفارقات العديدة في حياته. ولعل هذا هو سر عظمة أعماله وسر إنسانيتها، فاليهودية هنا ليست نسقاً مغلقاً مكتفياً بذاته يُقسِّم العالم إلى يهود وأغيار ثم يستبعد الأغيار باعتبارهم الأشرار، وإنما هي بُعْد أساسي في بنية إنسانية مأساوية كوميدية ذات دلالة إنسانية عامة. ومأساة اليهودي في رواياته ليست مأساة يهودية خاصة، وإنما هي مأساة إنسان يسقط صريع عمليتي الثورة والتحديث رغم إيمانه بهما وتحمسه لهما وانضمامه لصفوفهما. وهذا نمط إنساني عام يتجاوز يهودية اليهودي وكل الانتماءات الإثنية، ويُعبِّر عن الصراع القائم بين الجديد والقديم وبين المجتمع التقليدي والحديث، فالمرجعية النهائية هنا هي إنسانية البشر المشتركة، وكذلك أفراحهم وأتراحهم. ولم يكن بابل كاتباً غزير الإنتاج، فسمعته الأدبية تستند إلى مجموعتين أدبيتين: الفرسان الحمر (1926) ، وروايات أوديسا (1927) . وقد تأثر أسلوبه الروائي بفلوبير وموباسان، فهو يجيد رواية الحكايات، حيث تنكشف الشخصيات المتنوعة من خلال الحبكة نفسها. وعادةً ما يكون الراوي في القصة هو الشخصية الأساسية يحكي روايته بلغته سواء كانت لهجة فلاحية أو رطانة جنود أو لغة مواطن يهودي من أوديسا يتحدث الروسية بلكنة يديشية. والموضوع الأساسي في روايات بابل هو صدى لواحد من أهم الموضوعات في الأدب الغربي الحديث: تمجيد الإنسان الطبيعي أو النبيل المتوحش. ولكن الموضوع يأخذ شكلاً خاصاً في أدب بابل، بل يكتسب أبعاداً نيتشوية واضحة، وهو في هذا لا يختلف كثيراً عن كثير من الأدباء اليهود في عصره حيث اكتسحتهم النيتشوية، مثل آحاد هعام فيلسوف أوديسا وحاخامها اللاأدري. فاليهودي التقليدي في أدب بابل هو ممثل أخلاق الضعفاء، المثقل بعبء التاريخ وميراثه، يود أن يتحرر من كل هذا ويصبح مثل الوثنيين ممثلي أخلاق الأقوياء الذين يتسمون بالقوة الجسدية الخارقة وبغياب الحس الخلقي والمقدرة على الحياة في عالم الحس المباشر. ولعل أحسن مثل على ذلك، حسب رؤية بابل، المحاربون القوزاق. ومما يَحسُن ذكره أن لهذا الموضوع صدى في الأدب الصهيوني، فالصابرا أو العبراني الجديد هو هذا الوثني النيتشوي غير المُثقَل بعبء التاريخ، والوثني الجديد قادر على القيام بأفظع الأفعال وأبسطها؛ قتل الآخرين. وفي إحدى قصص بابل، لا يقوى بطلها على أن يُجهز على أحد الرفاق الجرحى، ويصلِّي للإله ليمنحه المقدرة على القتال. وفي قصة أخرى، يحاول البطل أن ينضم إلى جماعة القوزاق، ولذا كان عليه أن يقتل إوزَّة بطريقة شرسة وينجح في ذلك، ولكنه حينما يأوي إلى فراشه يبدأ ضميره (اليهودي) في تأنيبه على فعلته هذه. وإلى جانب ممثلي أخلاق الضعفاء، يوجد يهود آخرون يعيشون في عالم الحس خارج نطاق قيم الخير والشر، أبطال لا علاقة لهم باليهود المساكين الذين صوَّرهم الأدب اليديشي، ولا بالحالمين المثاليين في الأدب ذي التوجه الصهيوني. أما أبطال بابل فهم، على حد قول أحد النقاد، مثل الخمرة الحمراء الرديئة المليئة بالفقاقيع، فمنهم امرأة يهودية ضخمة تدير بؤرة للصوص وماخوراً للدعارة، ومنهم شحاذون ذوو ذقون مدببة يحرسون مقابر اليهود ويتحدثون عن عبث الوجود الإنساني، ومنهم رؤساء عصابات يُدخلون الرعب على قلوب تجار أوديسا وشرطييها، ومنهم ذابحون شرعيون وحسيديون بولنديون. هذا الجانب من أدب بابل يُعبِّر عن وعيه بالجانب الحسي لعالم يهود اليديشية، ولكنه عالم آخذ في الاختفاء بسبب تصاعُد معدلات العلمنة والتحديث، خصوصاً بعد الثورة. ومن هنا يتحوَّل أدب بابل إلى مرثية اختفاء هذا العالم، ولكنها مرثية كوميدية. وهذه النغمة هي التي تنقذه إلى حدٍّ ما من العدمية التي تسم كثيراً من الأعمال الحداثية وتُحل محلها شكلاً بدائياً مباشراً من تأكيد الحياة. فعلى سبيل المثال، هناك بيت للعجزة اليهود يحاول أن يضمن لنفسه الاستمرار بأن يتحوَّل إلى تعاونية اشتراكية للدفن، ولكنه لا يمكنه البقاء إلا بالحفاظ على الجثمان الوحيد لديه وعدم دفنه. ومن ثم، فإن أول جنازة حقيقية ستقوم بها هذه المؤسسة الاشتراكية تعني، في واقع الأمر، نهايتها. وهناك قصة أخرى عن حياة طفل يُسميه أبواه الشيوعيان الملحدان «كارل» ، ولكن جديه يختنانه سراً، ومن ثم يُسمَّى الطفل «كارل ـ يانكل» (كارل ـ يعقوب) . وفي قصة ثالثة، ينضم ابن أحد الحاخامات للحزب الشيوعي (رمز الجديد) ولكنه يستمر في الحياة مع أبويه لأنه لا يريد أن يترك أمه (رمز القديم) . وفي قصة رابعة، يموت ابن الحاخام الشيوعي في معركة ولكنهم (بعد موته) يجدون في أوراقه صورة للينين وأخرى لموسى بن ميمون وقرارات للحزب الشيوعي كُتبت في هوامشها أبيات شعرية بالعبرية ونص من نشيد الأنشاد مع بعض الطلقات الفارغة. ولعل من أهم القصص التي تبيِّن هذا الصراع قصة جيدالي. وبطل القصة يهودي عجوز (صاحب محل تحف) ، وقد اعترته الدهشة والحيرة بسبب عمليات السرقة والنهب في مدينته والتي يقوم بها الجانبان الشيوعي والمعادي للشيوعية. ولذا، فهو يسأل: كيف يستطيع المرء إذن أن يفرِّق بين الثورة والثورة المضادة؟ وهو ممن لا يقبلون الرأي الحديث القائل بأن الغاية تبرر الوسيلة، ويعيش في ألم لأن الثورة تطالب الناس بأن ينبذوا كل القيم القديمة: الجيد منها والرديء. «سنقول نعم للثورة، ولكن هل يمكن أن نقول لا لشعائر السبت؟» ثم تنتهي القصة باقتراح يقدمه بطل القصة لزائره الشيوعي: إن ما تحتاجه الدنيا ليس مزيداً من السياسة، وإنما منظمة دولية للأخيار، يعيش كل الناس فيها في سلام ووئام. وقد رُدَّ اعتبار بابل في الاتحاد السوفيتي في فترة ما بعد ستالين ونُشرت أعماله في الستينيات. ويمكن هنا أن نثير قضية تصنيف بابل الذي ورد اسمه في دليل بلاكويل للثقافة اليهودية باعتباره أديباً يهودياً. ورغم أن بابل يكتب باللغة الروسية داخل إطار الثقافة الروسية وتقاليد الرواية الروسية، ولا يمكن فهم أعماله إلا بالعودة إلى هذه التقاليد. وهو يتناول موضوعات يهودية، ولكنها في واقع الأمر موضوعات روسية يهودية، أي أنها موضوعات تخص حياة يهود اليديشية في روسيا بعد الثورة، وهي موضوعات لا تُفهَم هي الأخرى إلا بالعودة إلى المجتمع السوفيتي الجديد ومشاكل الشعوب والأقليات فيه. ويتسم تناول بابل لموضوعاته بالرحابة الإنسانية، ومن ثم فإن أعماله ترقى إلى مستوى العالمية. كل هذا يجعل تصنيفه كروائي يهودي مستحيلاً، فمثل هذا التصنيف لا يُفسِّر إلا جوانب محدودة للغاية من أدبه. بن هكت (1894-1964 ( Ben Hecht صحفي أمريكي يهودي وروائي وكاتب مسرحي، وكاتب سيناريو. وُلد في نيويورك، وانتقل عام 1910 إلى شيكاغو حيث بدأ حياته في مهنة الصحافة التي حقق فيها مكانة بارزة. أرسلته جريدة ديلي نيوز عام 1918 إلى برلين حيث ظل حتى عام 1920، وهناك تدعمت اهتماماته الأدبية. وفي عام 1921، أصدر روايته الأولى أريك دورن والتي عكست تجاربه في برلين. وفي شيكاغو، انضم بن هكت إلى مدرسة شيكاغو التي ضمت كُتّاباً مثل شروود أندرسن وماكسويل بودنهايم. وانتقل هكت بعد ذلك إلى نيويورك، حيث بدأ عمله في المجال المسرحي في برودواي، واشترك في كتابة بعض المسرحيات التي حققت شهرة واسعة. إلا أن هكت حقَّق شهرته الحقيقية من خلال عمله ككاتب سيناريو لعديد من الأفلام السينمائية الشهيرة والتي نال عنها جائزتي أوسكار. وكتب هكت عام 1931 روايته اليهودي المحب التي اعتبرتها الأوساط اليهودية مثالاً لكره اليهودي لنفسه، وذلك لما اتسمت به شخصياتها اليهودية من مكر وتآمر ورغبة في الاندماج. ولكنه، مع نهاية الثلاثينيات، ومع صعود النازية والفاشية في أوربا، بدأ في الاهتمام بالقضايا اليهودية، وأدان النازية، وأيَّد الوجود الصهيوني في فلسطين بشدة. وقد ظل بن هكت حائراً بين رفض النازية من ناحية ورفض السياسة البريطانية في فلسطين من ناحية أخرى، وكتب عام 1944 دليل المرتبكين تعبيراً عن هذه الحيرة. أما بعد الحرب، فقد هاجم بن هكت سياسة بريطانيا، وقدم الدعم المالي لمنظمة إرجون الصهيونية الإرهابية في فلسطين. ولكنه بعد قيام إسرائيل، أصيب بخيبة أمل تجاه إرجون وتجاه سياسات بن جوريون. وفي عام 1961، تضمَّن عمله الأدبي خيانة هجوماً لاذعاً وحاداً على الصهيونية، إذ تناول موضوع رودولف كاستنر (وهو الزعيم الصهيوني المجري الذي تعاون مع النازيين وأيخمان، فقام بخداع يهود المجر وأفهمهم أنهم ذاهبون لمعسكرات العمل، فضمن سكوتهم وعدم مقاومتهم نظير السماح لمجموعة من الشباب اليهودي القوي بالاستيطان في فلسطين) . وألَّف بن هكت مسرحية مستقاة من كتابه هذا فشنَّت المؤسسة الصهيونية عليه حرباً شعواء. ناثانيل وست (1903-1940 ( Nathaneal West روائي أمريكي يهودي اسمه الحقيقي نيثان وينشتاين. وُلد ونشأ في نيويورك لأبوين مهاجرين من يهود اليديشية كانا يرفضان التحدث باليديشية في المنزل، وشجَّعا ابنهما على الاندماج. ولم يحصل وست على شهادة الثانوية العامة، فالتحق بالجامعات بوثائق مزيفة. ولم يُسمَح له بالانضمام لإحدى الروابط الجامعية لأنه يهودي، فكتب قصة رمزية عن ذبابة وُلدت تحت إبط المسيح وتعيش على جسده وتموت لحظة موته. ولعل الذبابة رمز للشعب اليهودي الذي يعيش على هامش العالم المسيحي، منبوذاً منه، عالة عليه، يحيا بحياته ويموت بموته. وفي عام 1927، قبل أن يذهب إلى باريس، غيَّر نيثان اسمه وتبنى الاسم الذي عُرف به بقية حياته، وكتب رواية سيريالية تجريبية بعنوان حياة بالسوسنيل الواهمة (1931) هاجم فيها المسيحية واليهودية، وموضوع الرواية الأساسي هو بحث البطل بشكل عبثي عن شيء ثابت يمكنه الارتباط به. واتهمه بعض النقاد اليهود بأنه معاد لليهود واليهودية، وبأنه يهودي كاره لنفسه، الأمر الذي يثير قضية التصنيف: هل يمكن الاستمرار في تصنيف وست باعتباره «كاتباً أمريكياً يهودياً» أم أن من الأفضل تصنيفه باعتباره «كاتباً أمريكياً من أصل يهودي» أم مجرد «كاتب أمريكي علماني» (فقط) يهاجم مختلف العقائد الدينية؟ وروايات وست عنيفة ساخرة ومُستخفة بالقيم الإنسانية، تحاول أن تُظهر أن الحب الإنساني إن هو إلا وهم لا علاقة له بالواقع الخارجي القاسي الصلب. كما أن روايته المليون البارد (1934) هجوم على الحلم الأمريكي. وتجمع روايته يوم الجراد (1939) التي تدور أحداثها في هوليود بين اللاأخلاقية والأحلام الرؤياوية (الأبوكاليبسية (. ويذهب بعض النقاد إلى أن عدمية وست تعبير عن رفضه مجتمعاً صنَّفه يهودياً في وقت لم تَعُد له فيه علاقة باليهودية، ولعل هجومه الشرس على كلٍّ من اليهودية والمسيحية هو تعبير عن هذا الوضع الشاذ والفريد. ليونيل ترلنج (1905-1975 ( Lionel Trilling ناقد أدبي وروائي أمريكي يهودي، وُلد لأبوين مهاجرين وقضى معظم حياته أستاذاً للأدب الإنجليزي بجامعة كولومبيا (حيث تعرَّف إليه مؤلف هذه الموسوعة) . من أهم مؤلفاته ماثيو أرنوُلد (1939) ، وإي. ام. فورستر (1943) . أما روايته وسط الرحلة (1947) ، فتتناول جاذبية الماركسية بالنسبة للمثقفين. ومن أهم أعماله النقدية الوجدان الليبرالي (1950) الذي يحاول فيه أن يؤكد أهمية التركيب في الفكر (مقابل التسطيح والتبسيط) وعلاقة الأدب بالحضارة. وقد نشر أيضاً كتاباً عنوانه الذات المعارضة (1955) يضم مقالاً بعنوان «وردزورث والحاخامات» ، وهو من المقالات النادرة التي يتناول فيها الكاتب موضوعاً يهودياً. ويعقد ترلنج في هذا المقال مقارنة بين وردزورث وحبه وتقبُّله الطبيعة ورفضه فكرة الغزو بموضوع مماثل في كتابات الحاخامات. كما أن له مقالاً عن الكاتب الروسي اليهودي إسحق بابل يُبيِّن فيه أن بابل كان يدرك تماماً جدلية الجسد والروح، والمجتمع والذات، وأن يهوديته ليست أساس هذا الإحساس رغم أنها قد عمَّقته. وترلنج غير متعاطف مع تجربة الدولة الصهيونية، فهي تقف على طرف النقيض من الوجدان الليبرالي بتركيبيته وتعدديته. وقد نَشَر ترلنج رأيه هذا في مجلة كومنتاري. ومن هنا، فإن من الصعب إلى حدٍّ كبير استخدام مصطلح «كاتب أمريكي يهودي» للإشارة إلى ترلنج. فالموضوع اليهودي لا يظهر إلا لماماً في كتاباته، وإن ظهرت موضوعات يهودية فهي تظهر باعتبارها موضوعات إنسانية تُوضَع في سياق إنساني عالمي. وقد قال ترلنج إن الاهتمام بما يُقال له «الهوية اليهودية» هو أمر لا علاقة له بمن يود أن يصبح مثقفاً أو فناناً أمريكياً. ومن مؤلفاته الأخرى ما وراء الحضارة (1965) . ومن كتبه الأخيرة الإخلاص والأصالة (1974) ، وهو هجوم على حركات الستينيات العدمية المعادية للإنسان والحضارة. وقد استفاد ترلنج من علم النفس وتاريخ الحضارة في دراسته. مائير لفين (1905-1981 ( Meyer Levin روائي أمريكي يهودي وصهيوني لا يُصنَّف ضمن كُتَّاب الدرجة الأولى. وُلد في شيكاغو لأبوين مهاجرين. ورغم أن رواياته الأولى تجاهلت تماماً الموضوع اليهودي، إلا أنه بدأ علاقة طويلة مع الصهيونية ابتداءً من الثلاثينيات حيث كتب رواية يهودا، وهي أول رواية عن الحياة في الكيبوتس. وبعد هذا التاريخ، أصبحت كل رواياته لا تتناول سوى موضوعات يهودية، ومن وجهة نظر يقال لها «قومية» أي صهيونية. وفي عام 1932، نشر لفين مجموعة من القصص الحسيدية بعنوان الجبل الذهبي (أُعيد نشرها عام 1975 تحت عنوان روايات كلاسيكية حسيدية) . وقد نُشر عام 1937 أحد أهم أعماله العصبة القديمة، وهو كتاب ذو طابع صحفي تقريري وصفي عن الشبان اليهود في شيكاغو إبان فترة الكساد الكبير. وقد مدحته النيويورك تايمز، ولكن أحد النقاد اليهود وصف أعماله بأنها تعبير عن كره اليهودي لنفسه. عمل لفين مراسلاً لعدد من الصحف في فلسطين وإسبانيا، وساهم بعد الحرب في الهجرة اليهودية غير الشرعية. وفي عام 1947، نشر كتاباً بعنوان بيت أبي، وهو تأملات في مصير اليهود في ألمانيا النازية وفلسطين. كما كتب قصصاً وسيناريوهات لعدة أفلام ذات طابع صهيوني واضح. ونشر لفين عام 1952 مسرحية مُستَقَاة من حياة آن فرانك، كما كتب رواية بعنوان الإرغام عن جريمة شهيرة لا دافع لها اشترك فيها شابان يهوديان ثريان من شيكاغو مسقط رأسه. استوطن لفين في إسرائيل منذ عام 1958. وأصبح أدبه، بعد ذلك، صهيونياً غارقاً في العنصرية بشكل فاقع، يُضفي غلالة رومانسية على اليهود ويصوِّر العرب في أقبح الصور من خلال أنماط إدراكية استقاها من أدب معاداة اليهود، بحيث أصبح العربي في أدبه يقابل اليهودي في أدبيات معاداة اليهود. ونشر لفين سلسلة من الروايات عن الإبادة النازية لليهود، وآخر أعماله روايتان عن التجربة الصهيونية: المستوطنون (1972) ، والحصاد (1978 (. وكما أسلفنا، لا تحظى كتابات لفين بإعجاب معظم النقاد حيث لا يعدُّونه من كبار الكُتَّاب الذين يستحقون أن يُقرأوا قراءة جادة. وقد فسَّر لفين هذا الواقع بأن كتبه تتناول الموضوع اليهودي «ولا يمكن لكتاب عن اليهود أن يُعتبَر ضمن التيار الأساسي للأدب الأمريكي» ، أي أنه يرى أن يهوديته (لا رداءة أدبه) هي السبب في أنه لا يحظى بالاهتمام الذي يستحقه. وادعاؤه هذا لا أساس له من الصحة، إذ تُترجَم أعمال كثير من الكُتَّاب الإسرائيليين للإنجليزية ويقرِّظها النقاد الأمريكيون، كما يعبِّر كثير من النقاد الأمريكيين عن إعجابهم بأعمال الكاتب الأمريكي اليهودي برنارد مالامود، وهي أعمال أدبية والبُعْد اليهودي فيها واضح. وقد هاجم لفين كبار الكُتَّاب الأمريكيين اليهود، مثل فيليب روث وسول بيلو، واتهمهم بعدم الاكتراث باليهود، بل وبأنهم يعادونهم ويكرهون أنفسهم كيهود. ويمكن أن يُعَدُّ أدب لفين نموذجاً جيداً للأدب الصهيوني. رومان براندستايتر (1906-) Roman Brandstaetter شاعر وكاتب مسرحي بولندي من أصل يهودي، وهو ابن المؤلف البولندي ديفيد براندستايتر الذي دأب على تأليف كتبه بالعبرية. بدأ حياته الأدبية بنشر عدة دواوين شعرية في مواضيع عامة، ثم أخذ ينحو منحى صهيونياً واضحاً تبدَّى في نشاطه الأدبي، حيث حرَّر بعض الحوليَّات الصهيونية وكتب قصائد عن العودة إلى صهيون وصدر له ديوانان يدلّ عنوانهما على اتجاههما الصهيوني: مملكة الهيكل الثالث (1934) وأورشليم في النور والغسق (1935) . ثم استوطَن في فلسطين عام 1940 حيث أُقيمت عروض لإحدى مسرحياته. لكن براندستايتر ترك فلسطين بعد الحرب العالمية الثانية، واستقر في روما حيث تزوج من امرأة مسيحية كاثوليكية وتكثلك هو نفسه، ثم عاد إلى بولندا عام 1948 حيث انضم إلى مجموعة من الكتاب الكاثوليك، وأصبحت أعماله الأدبية تدور حول موضوعات مشتقة من التاريخ البولندي مثل عودة الابن الضال (1948) ورواية يسوع الناصره: زمن الصمت (1967) . ويثير براندستايتر مشكلة من هو الأديب اليهودي بحدة غير عادية، وذلك ربما بسبب تحوُّله الجذري. فبعد أن كان يهودياً صهيونياً يتغنى بصهيون ويستوطن في فلسطين، أصبح كاثوليكياً ينزح عن فلسطين ولا يدين بالولاء إلا لبولندا! ألبرتو مورافيا (1907-1990 ( Alberto Moravia روائي إيطالي وكاتب مقال وصحفي، وُلد في روما لأب يهودي وأم سلافية كاثوليكية قامت بتعميده وهو طفل (أي أنه مسيحي تماماً من منظور الشريعة اليهودية) . وظل متباعداً تماماً طوال حياته سواء عن اليهودية أو المسيحية. بدأ حياته الأدبية في سن مبكرة حيث كَتَب أولى رواياته له في سن الثامنة عشرة وصدرت عام 1929 بعنوان اللامبالون. وفي هذه الرواية هاجم الطبقة الوسطى الإيطالية بشدة وانتقد أنانيتها وقبولها السلبي للحكم الفاشي في البلاد. وقد ظل عداؤه للبرجوازية، وتحليله النفسي القاسي لأبطاله وشخصياته الروائية، من السمات الأساسية في أغلب أعماله. وتبيَّن ذلك بشكل واضح لأول مرة في رواية عجلة الحظ (1938) . عمل مورافيا في الثلاثينيات مراسلاً صحفياً واستمر في عمله هذا خلال الحرب العالمية الثانية في ألمانيا ثم في الشرق الأقصى. وقد أثارت مقالاته المعادية للفاشية خلافات عديدة مع نظام موسوليني، كما حاول الجستابو الألماني إلقاء القبض عليه عام 1943 وهو ما اضطره إلى الاختباء في إحدى القرى الإيطالية لمدة تسعة أشهر. أما بعد الحرب، فقد أصبح مورافيا واحداً من أبرز الكتاب الأوربيين، وتدفَّق إنتاجه الأدبي. ومن أشهر رواياته امرأة من روما التي كتبها عام 1947 وتناول فيها حياة امرأة دفعتها خيانة الرجال إلى حياة البغاء. وقد كان الجنس والبغاء من المواضيع المحورية في روايات مورافيا. وأثار ذلك انتقادات بعض النقاد الذين أخذوا عليه أيضاً عدم إقدامه على إدانة لا أخلاقية أبطاله. وقد رأي البعض الآخر أن تأكيد مورافيا على الجنس والبغاء ما هو إلا رمز للفساد الأوسع الذي أراد مورافيا انتقاده ومهاجمته، خصوصاً عبادة الطبقة الوسطى للمادة والمال. وقد تناول مورافيا أيضاً حياة الفقراء والمطحونين وذلك في رواية حكايات من روما. ومن أهم رواياته أيضاً امرأتان، وهي دراسة عميقة لشخصيتين مختلفتين يكشف من خلالهما التباين بين العقل والشهوة الحسية. وقد كان مورافيا قريباً للشيوعية، وانتُخب عام 1983 عضواً في البرلمان الأوربي كيساري مستقل، حيث دافع عن قضايا البيئة وعن حقوق الشعب الفلسطيني. وقد أكمل مورافيا سيرته الذاتية قبل وفاته بقليل، وكتب فيها أن الأدب يجب أن يعتبر نفسه قادراً على أن يحل محل كل شيء حتى الدين. ويظهر اسم مورافيا في بعض الدراسات والموسوعات اليهودية كمؤلف يهودي. وقد ينم هذا عن خلل في الأساس التصنيفي، فمورافيا وُلد لأم كاثوليكية عمَّدته وهو طفل، أي أنه ليس يهودياً من منظور الشريعة اليهودية، وهو كاثوليكي من منظور العقيدة الكاثوليكية. وقد ابتعد عن كل الأديان، كما أن أدبه لا يعبِّر إلا عن رؤية يسارية تنبع من التقاليد الثورية العلمانية الغربية. أبراهام كلاين (1909-1972) Abraham Klein شاعر ومؤلف كندي يهودي، وُلد في مونتريال لعائلة من المهاجرين الروس اليهود. اشتغل بالمحاماة ولكن اهتماماته اتجهت نحو الشعر ليصبح واحداً من أهم المساهمين في الحياة الأدبية في كندا. كان كلاين مطلعاً على الآداب المكتوبة بالإنجليزية والفرنسية والعبرية واليديشية، وظهرت أول أعماله الشعرية في مجموعة مختارة من الأشعار بعنوان مناطق جديدة (1936) . وهذا الديوان يدل على ارتباطه الوثيق بالتيارات والاتجاهات الأدبية الكندية آنذاك. وقد عمل كلاين محاضراً زائراً في جامعة ماكجيل بين أعوام 1945 ـ 1948، كما قام بتحرير الجريدة الأسبوعية كنديان جويش كرونيكل في الفترة 1939 ـ 1953 والتي نَشَر فيها كثيراً من المقالات وعدداً من الأشعار التي قام بترجمتها إلى الإنجليزية من العبرية واليديشية. كما كان لكلاين نشاط سياسي، حيث رشَّح نفسه في الانتخابات البرلمانية عام 1949 عن أحد الأحزاب الاشتراكية الكندية. لجأ كلاين في كتابة أشعاره إلى استخدام كثير من شخصيات وقصص العهد القديم. كما تتخلل أشعاره عبارات اليديشية وكلمات العبرية، وتتناول بعضها قضايا تخص باليهود كما في ديوانه أليس لليهودي؟ (1940) . أما في ديوانه الهستيريا (1944) ، وهي مجموعة من الأشعار كُتبت أثناء فترة الإبادة النازية، فيتناول قضية الاندماج ومعاداة اليهود. كما يتناول في بعض أشعاره الأخرى المشروع الصهيوني في فلسطين، فيخاطب الشعراء اليهود قائلاً: «إن زمن البكاء على معاناة اليهود في «الشتات» قد ولَّى، وأصبح من الضروري الآن التركيز على قضية إعادة الميلاد القومي اليهودي في أرض الأجداد» . أما روايته الوحيدة اللفائف الأخرى (1951) ، فهي رواية رمزية تأخذ شخصية اليهودي التائه لتتناول من خلالها الأحداث الرئيسية فيما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» ، خصوصاً الإبادة النازية وإقامة دولة إسرائيل. وعنوان الرواية مأخوذ عن لفائف الشريعة أو أسفار موسى الخمسة، والرواية مُقسَّمة إلى خمسة أجزاء يحمل كلٌّ منها عنوان أحد الأسفار. لكن استخدام كلاين للكلمات العبرية أو اليديشية في أعماله، أو تناوله لقضايا تخص الجماعات اليهودية، لا يضفي صفة اليهودية على أعماله أو على شعره أو أدبه. كما أن هذه القضايا والموضوعات يمكن أن يتناولها شعراء أو أدباء من غير اليهود. وبالإضافة إلى ذلك، يتخلل جميع أعماله اهتمام عميق بقضايا المجتمع الكندي بثقافتيه الفرنسية والإنجليزية وبتعدُّد جماعات المهاجرين فيه وبمشاكله الاجتماعية والسياسية، وهو ما يتناوله بشكل خاص في ديوانه المعنون الكرسي الهزاز. برنارد مالامود (1914-1986 ( Bernard Malamud روائي أمريكي يهودي، وُلد في بروكلين في نيويورك، وتلقى تعليمه في نيويورك ونشر أربع روايات: الطبيعي (1952) ، والمساعد (1957) ، والبرميل السحري (1958) ، وحياة جديدة (1961) . ومن رواياته المقامر (1966) ، والتي نال عنها الجائزة القومية (الأمريكية) للكُتَّاب وأخرج من قصتها فيلماً سينمائياً، وهي تتناول تهمة الدم التي وجهت ظلماً لمندل بيليس في روسيا. كما نشر مالامود رواية حياة دوبين (1979) ، ورحمة الله (1982) . وحقَّق مالامود ذيوعاً كبيراً في الستينيات، ولكن شهرته تراجعت بالتدريج. ورغم أن رواياته تتناول موضوعات يهودية، مثل حياة المهاجرين، ومأساة اليهودي باعتبارها مأساة الإنسان الحديث، والعلاقة بين اليهود وغير اليهود وبين اليهود والسود في المجتمع الأمريكي، إلا أنه رفض أن يُصنَّف ككاتب يهودي، وأصرَّ على أنه مجرد كاتب قصص. وسوف تظل «الحدوتة» ، في رأيه، موجودة ما وُجد الإنسان. أما عبارته الشهيرة «كل البشر يهود» التي تُقتبَس لتُبيِّن توجهه اليهودي، فهي تتحمل تفسيراً مغايراً تماماً. وقد قال هو نفسه إنه يكتب لكل البشر وأن رواياته تتجاوز الحدود المباشرة للموضوع اليهودي. ومن ثم، فالعبارة تعني أن الموضوع اليهودي إن هو إلا المادة الخام التي يكتشف من خلالها الموضوعات الإنسانية العامة فيؤكد ما هو مشترك بين البشر، فمرجعيته النهائية هي الإنسانية المشتركة. وهو يفعل ذلك مستخدماً اللغة الإنجليزية واللهجة الأمريكية، مستفيداً من معرفته بإيقاع الحياة في مدينة نيويورك، ومتبعاً التقاليد الأدبية الغربية الأمريكية. سول بيلّو (1915-) Saul Bellow روائي أمريكي يهودي حائز على جائزة نوبل وعلى جوائز أخرى مثل الجائزة القومية (الأمريكية) للكُتَّاب. وهو يُعَدُّ من أهم الروائيين الأمريكيين المحدَثين. وُلد بيلّو في مونتريال في كندا، ونُشِّئ تنشئة دينية، كما تعلَّم اليديشية والفرنسية والعبرية. كانت أمه تودّ أن يصبح حاخاماً، ولكنه التحق بجامعة شيكاغو حيث درس الاجتماع وعلم الإنسان، وذلك قبل أن يقرر أن يصبح كاتباً. صدرت له رواية أوجي مارش (1953) ، ثم نشر أمسك اليوم (1956) ، وأبطال هاتين الروايتين شخصيات ضعيفة محببة للنفس، تدخل أحياناً في مغامرات برغبتها وأحياناً أخرى رغم أنفها، ولكنها عادةً تلقى الهزيمة. ثم نشر بيلّو رواية هندرسون ملك المطر (1959) . ولكن أهم رواياته هي هرزوج (1964) ، وهي قصة أستاذ جامعي يهودي يُصاب بالشلل الجسدي والعقلي ويقضي وقته في كتابة خطابات وهمية، وحينما ينجح في التحرر من حياته الوهمية يرفض كل الاتجاهات الفكرية (مثل الوجودية) باعتبارها تقاليع، ويبدأ حياة مستقرة من الناحية العاطفية والفكرية. وتتناول رواية كوكب ساملر (1970) حياة يهودي بولندي عاش خلال فترة الإبادة النازية. وقد نشر بيلّو روايتين أخريين: ديسمبر شهر العميد (1982) ، وعدد أكبر يموت من تحطُّم القلب (1987) . ويمكن هنا أن نثير قضية الهوية اليهودية عند بيلو، إذ أنه كاتب أمريكي لا يمكن فهمه إلا في إطار الثقافة الأدبية الأمريكية، ولذا، فإن رواياته، سواء أكانت مادتها الخام يهودية أم كانت غير ذلك، تنبع من رؤية أمريكية للواقع، وطريقة السرد فيها أمريكية والصوت الروائي أمريكي. ففي رواية هندرسون ملك المطر يقوم البطل، وهو أمريكي غير يهودي، برحلة إلى أفريقيا كي يفهم ذاته ويكتشفها ثم يعود إلى وطنه مسلحاً بالحكمة الجديدة، وهذا هو النمط المتكرر في كثير من الروايات الأمريكية (موبي ديك لملفيل، ومغامرات هكلبري فين لمارك توين) . أما هرزوج الذي سُمِّيت الرواية باسمه فهو يهودي، ولكن الانتماء اليهودي أو غيابه أمر ثانوي. وقد هاجم بيلو المفهوم الصهيوني الذي يطالب بتصفية الدياسبورا (أي الجماعات اليهودية في العالم) والذي يذهب إلى أن وجود اليهود خارج فلسطين هو حالة مَرَضيّة، كما هاجم فكرة أن يهود أمريكا شخصيات ممزقة منقسمة على نفسها، وبأن اليهودي الحقيقي هو من يعيش في إسرائيل. ووصف بيلو نفسه بأنه أمريكي مخلص لتجربته وحضارته الأمريكية «يتحدث اللغة الإنجليزية الأمريكية، ويعيش في الولايات المتحدة، ولا يمكنه أن يرفض ستين عاماً من حياته هناك» . ومن ثم، فهو يرى أن مصطلح «كاتب يهودي» مصطلح مبتذل من الناحية الفكرية، وهو مصطلح ضيق الأفق، بل ولا قيمة له إطلاقاً. ومع هذا، فقد كتب بيلّو، علاوة على رواياته وأقواله، كتاباً صهيونياً مغرَقاً في العنصرية عن رحلته إلى إسرائيل إلى القدس والعودة (1976) . ولعل هذا الكتاب ذاته دليل على أن يهود الدياسبورا يروجون عن أنفسهم صورة تريحهم نفسياً هي أنهم صهاينة يؤيدون إسرائيل، بينما تؤكد حياتهم المتعينة غير ذلك. وحينما يكتب بيلو رواياته، فإنه يدع خياله الخلاَّق يَفصح عن رؤيته المركَّبة. أما في كتابه الدعائي المُشَار إليه، فهو يتبنَّى موقفاً أكثر عملية ودعائية. ولعل طموح بيلو للحصول على جائزة نوبل كان له أثره الكبير على الآراء السياسية التي أفصح عنها في كتابه. وقد حصل بيلّو بالفعل على الجائزة بعد صدور الكتاب. بريمو ليفي (1919-1987 ( Primo Levi كاتب إيطالي وكيميائي، وُلد في تورين لعائلة إيطالية يهودية مندمجة في تورين حيث درس الكيمياء في جامعتها وتخرج عام 1941، واشتغل في ميلانو. ومع سيطرة الفاشيين على السلطة، انضم إلى المقاومة الإيطالية، ولكنه وقع في الأسر ورُحِّل إلى معسكر الاعتقال النازي في أوشفيتس. ونظراً لخبرته الكيميائية، اُختير ليفي للعمل في معمل لإنتاج المطاط الصناعي لصالح المجهود الحربي الألماني. ومع انتهاء الحرب، عاد إلى تورين بعد رحلة شاقة، ليشتغل في تخصصه، ولكنه اتجه في الوقت نفسه إلى الكتابة حيث أراد تسجيل تجربته في معسكر أوشفيتس باعتباره شاهداً على ما حدث هناك، وكذلك باعتبار أن عملية التسجيل وسيلة لتفريغ مشاعره. وقد كانت ثمرة مجهوده كتابه الأول لو كان هذا رجلاً (1945) والذي وصف فيه تجربة معسكر الاعتقال بأسلوب مشابه لأسلوب دانتي في الجحيم، وقد سعى فيه إلى تفسير عملية التجرد من الإنسانية التي جرت في أوشفيتس من جهة، وقدرة البشر من جهة أخرى على الحفاظ على إنسانيتهم بفضل العقلانية والوعي بالذات. وفي كتابه الثاني الهدنة (1965) ، روى رحلة عودته عبر أوربا إلى تورين بعد الحرب. وفي عام 1975، كتب ليفي سيرته الذاتية تحت عنوان الجدول الدوري استخدم فيه أساس العناصر الكيميائية في الجدول الدوري ليرمز بذلك إلى الأحداث المختلفة التي جرت في حياته والشخصيات الكثيرة التي عرفها ومن بينها العَالم الألماني الذي عمل في معمله خلال فترة اعتقاله في أوشفيتس، والذي ظل على علاقة عمل به بعد الحرب. وتناول ليفي أحداث معسكرات الاعتقال النازية مرة أخرى في كتاب الغرقى والناجون (1986) والذي ضم مجموعة مقالات تناولت مواضيع مثل الشعور بالذنب لدى الناجين من المعسكرات وظاهرة المتعاونين مع الألمان. وفي عام 1982، أصدر ليفي رواية بعنوان إن لم يكن الآن فمتى؟ تناول فيها قصة يهودي روسي من أفراد المقاومة خلال الحرب وهو يشق طريقه عبر أوربا إلى إيطاليا بهدف الإبحار إلى فلسطين. وقد ابتعد ليفي عن اليهودية بشكل خاص وعن الدين بشكل عام وأصبح لا أدرياً، ولكنه كان من المؤمنين بقيمة الصدق كقيمة مطلقة ودعا إلى التمسك بها على المستوى الشخصي، ومن ثم قاوم إغراء الصلاة أمام احتمالات الموت أثناء وجوده في معسكر الاعتقال، باعتبار أن دوافع الصلاة في مثل هذه الظروف دوافع عملية، ولذا فهي لا تعبِّر عن التقوى، بل هي شكل من أشكال الهرطقة والتجديف. مات ليفي منتحراً عام 1987 حيث كان يعاني من حالة اكتئاب حاد أدَّى به على ما يبدو إلى الإقدام على الانتحار. ورؤية ليفي للعالم متشائمة عدمية، ويتجلَّى هذا في تناوله لموضوع الإبادة النازية ليهود أوربا، إذ يرى أن الضحايا قد تعاونوا تماماً مع من ذبحهم، ومن ثم فإن الإبادة كانت عملاً مشتركاً بينهما ولا يمكن تجريم النازيين وحدهم. وغني عن القول أن هذا الموقف قد أدَّى إلى هجوم الكثيرين عليه. أولجا كيرش (1924-) Olga Kirsh شاعرة يهودية من جنوب أفريقيا تكتب بالأفريكانز، لغة المستوطنين الهولنديين المعروفين باسم «أفريكانر» . والأفريكانز هي لغة متفرعة عن اللغة الهولندية. وُلدت كيرش في جنوب أفريقيا لأبوين يهوديين، وكانت الأم تتحدث الإنجليزية. أما الأب، فكان من أصل ليتواني، وكان يفهم الإنجليزية ويفضل الحديث باليديشية. درست كيرش الأفريكانز والهولندية في الجامعة. ورغم أنها كانت تجيد كلاًّ من الإنجليزية والأفريكانز إلا أنها لم تتمكن من التعبير عن تجربتها الشعرية إلا بالأفريكانز وحدها. وأول دواوين شعرها هو ضوء كشَّاف (1944) ، ثم حوائط القلب (1948) . وقد ذاعت شهرتها لأنها اليهودية الوحيدة التي تكتب بلغة الأفريكانز. وقد عبَّرت كيرش عن موقف المستوطنين الهولنديين من السود وعن إحساسهم بالضيق من النخبة الحاكمة الإنجليزية. هاجرت كيرش إلى إسرائيل عام 1948، ولكنها لم تتمكن من كتابة الشعر بالإنجليزية أو العبرية. ثم عادت ونشرت عام 1972 ديوان شعر ثالثاً بالأفريكانز بعنوان تسع عشرة قصيدة. وقد زارت جنوب أفريقيا عام 1974 للاشتراك في مهرجان لغة الأفريكانز، ومن وحى هذه الزيارة كتبت ديوانها الأخير الأرض الثرية والبيات الشتوي في بلاد غريبة. وتثير سيرتها الأدبية قضية الانتماء اليهودي، فهي أديبة لا تكتب إلا بالأفريكانز (لغة المستوطنين البيض من أصل هولندي في جنوب أفريقيا) . وقد فشلت في الكتابة عن أي موضوع يهودي أو إسرائيلي أو صهيوني، فظلت منابع وحيها وكذلك الوعاء اللغوي الذي تصب فيه إبداعها لا يتغيَّر رغم انتقالها من موطنها الأصلي إلى إسرائيل وبقائها فيها معظم حياتها. بل إنها حينما استوطنت في إسرائيل دخلت في فترة من الصمت الطويل دامت زهاء ثلاثين عاماً انحسرت بعودتها لوطنها الحقيقي. ولذا، فإن تصنيفها باعتبارها يهودية لا يفيد كثيراً. إيلي فايزل (1928-) Elie Wiesel روائي وصحفي فرنسي يهودي، وُلد في رومانيا في بيئة أرثوذكسية حسيدية، اعتقله النازيون حيث وُضع في معسكرات الاعتقال ولكنه لم يلق حتفه (على عكس بقية أعضاء أسرته) . قضى بعض الوقت في باريس بعد الحرب العالمية الثانية، ثم انتقل إلى نيويورك وأصبح مواطناً أمريكياً عام 1963، ولم يهاجر إلى فلسطين. ولكنه، مع هذا، عمل مراسلاً لجريدة يديعوت أحرنوت عام 1949، وعمل أستاذاً للدراسات الإنسانية في جامعة بوسطن عام 1976. تتناول كُتبه تجربته في معسكرات الاعتقال النازية. وهو يُركِّز على تجربة اليهود وحدهم لا ضحايا الإبادة النازية الآخرين، وينظر إلى هذه التجربة من خلال التراث التلمودي والقبَّالي والحسيدي دون أبعاد إنسانية شاملة. ومن أهم رواياته وكتبه الليل (1961) ، وبوابات الغابة (1964) ، وأساطير زماننا (1968) ، وكتاب يهود الصمت (1966) عن يهود الاتحاد السوفيتي، ورواية شحاذ القدس (1968) عن تجربة حرب الأيام الستة، حيث يبعث كل الشخصيات السابقة ورواياته وأساطيره ليقابلها أمام حائط المبكى. ومن أعماله الأخرى، الابن الخامس (1983) . ومعظم أعماله كتبها بالفرنسية، ولكنه نشر أيضاً بعض الأعمال الأدبية بالإنجليزية، من بينها: أرواح مشتعلة (1973) ، والقَسَم (1972) ، ويهودي اليوم (1979) . وينتمي فايزل إلى ما يُسمَّى «لاهوت موت الإله» وهو يَصدُر عن رؤية دينية ذات جذور تلمودية حسيدية قبَّالية يمكن وصفها بأنها حلولية متطرفة تُركِّز على ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» ، وأهم أحداث هذا التاريخ هو الإبادة النازية لليهود. والإبادة من منظور فايزل ليس لها مضمون إنساني عام، فهي ليست ظاهرة تاريخية اجتماعية (جريمة ارتكبتها الحضارة الغربية ككل ضد عدد من الأقليات والشعوب الغربية) ، وإنما هي جريمة نازية وحسب (بل جريمة كل الأغيار) ضد اليهود وحدهم. بل إنها تجربة فريدة لا يدركها إلا من جرَّبها، ولذا فهي تستبعد الأغيار وتضع حاجزاً بين اليهود وغير اليهود. بل إن حادثة الإبادة حادثة ميتافيزيقية تستعصي على الفَهْم والتفسير، ولذا فيجب أن تُقبل كما هي. وإذا كان ثمة دلالة للإبادة، فهي إثبات أنه لا يمكن للإنسان أن يثق في الإله، وهو ما يعني أن الإله قد مات. فما العمل إزاء هذا الغياب وانعدام المركز واختفاء الثقة؟ ما العمل إزاء هذا العالم ما بعد الحداثي؟ ليس ثمة شيء سوى الشعب اليهودي، فهو المركز الوحيد الممكن. ولذا، فإننا نجد أن الموضوع الأساسي الكامن في كتابات فايزل هي التذكُّر، بل إن التذكُّر عنده يحل محل الصلوات. والتذكُّر هنا هو الالتفاف حول الذات اليهودية، وهو أمر لا معنى له، فهو مجرد إعادة شعائرية تشبه الاجترار والتكرار وتهدف إلى تأكيد بقاء الشعب اليهودي. وأكبر تعبير عن إرادة البقاء، حسب رأي فايزل، هو ظهور دولة إسرائيل، فهي المطلق السياسي الذي يُجسِّد إرادة الشعب اليهودي المطلق ويعبِّر عن سيادته التي حلت مشكلة اليهود التاريخية. فبدلاً من كونهم شعباً شاهداً، أصبحوا شعباً شهيداً، ومن الاستشهاد أصبحوا شعباً مشاركاً في صنع التاريخ، ومن ثم فإن الحفاظ على الدولة الصهيونية أمر غير خاضع للحوار أو النقاش، وأفعالها مهما كانت لا أخلاقية لا يمكن التساؤل بشأنها. ولذا، يرفض فايزل أن يدين الوسائل الإرهابية التي اتبعتها الحكومة الإسرائيلية لقمع الانتفاضة، بما في ذلك قتل الأطفال وكسر العظام. وروايات فايزل ليست ذات قيمة إنسانية كبيرة، كما أنها ليست على مستوى فني رفيع. ومع هذا، فقد مُنح جائزة نوبل عام 1986. هارولد بنتر (1930-) Harold Pinter كاتب مسرحي بريطاني يهودي من أصل سفاردي برتغالي. وكان الاسم الأصلي لعائلته هو «دا بنتا» ، فقام بتغييره ليصبح «بنتر» . تلقَّى بنتر تعليمه في المدارس الإنجليزية. وحينما التحق بالأكاديمية الملكية للفنون المسرحية، وجد الطلبة فيها أكثر صقلاً وتركيباً منه، فادَّعى أنه مصاب بانهيار عصبي وترك الدراسة. ثم رفض بعد ذلك أداء الخدمة العسكرية نظراً لاعتراضه على أساس الضمير، وعمل ممثلاً بعض الوقت. في الخمسينيات، ظهر أول عمل مسرحي له، وهو الحجرة (1957) . ثم ظهر له الجرسون الأخرس وحفلة عيد الميلاد. ولكن أول نجاح حقيقي له كان في مسرحية الوصي (1960) والتي تُعَدُّ من أهم مسرحياته، وهي ملهاة مأساوية تنتمي إلى ما يُسمَّى «مسرح العبث» تتناول ثلاث شخصيات: أولهما هو ميك الذي يمتلك بيتاً مهجوراً ويهديه لأخيه المتخلف عقلياً، آستون، ولكن هذا الأخير يضعه تحت تصرف شخص متشرد لا مأوى له، والموضوعات الأساسية غير واضحة في المسرحية، ولكن هناك محاولة من جانب ميك أن يستعيد علاقته مع أخيه المتخلف عقلياً. ولكن المتشرد الوصيّ يتحول من مجرد شخص شريد هامشي إلى شخص عدواني ومنافس حقيقي لميك، ولكن المسرحية تنتهي بطرده. وهذه المسرحية عمل نموذجي لبنتر، فشخصياته تفشل دائماً في التواصل، ورغم أن لغة الحوار في المسرحية متميِّزة، إلا أن الشخصيات لا تمتلك لغة خاصة للتعبير عن عواطفها، ولذا يصف النقاد بنتر بأنه «سيد الصمت البليغ على المسرح» ، والصمت عنده هو دائماً رمز الفشل الإنساني في التعبير. كما أنه يستخدم الصمت أيضاً ليوحي بما لا يمكن توصيله بالكلمات (ولذا، فإن مسرحياته تُسمَّى أيضاً «كوميديات الخطر» ) . وشخصيات بنتر غير قادرة على فهم نفسها أو على شرح مواقفها ولكنهم جميعاً يتميَّزون بإحساس هائل بالمكان أو المنطقة التي ينتمون إليها (المنزل في مسرحية الوصيّ) . ولذا، فإن الصراع يدور دائماً بين الرجل الذي يجلس في الحجرة ويمتلكها والشخص الذي يقيم فيها. ومن أهم الموضوعات الأخرى التي تتناولها مسرحيات بنتر العلاقات الزوجية، فمسرحية المحب (1963) تتناول علاقة زوجية لا يستطيع الزوجان أن يستمرا فيها إلا بالتظاهر بأن علاقتهما مُحرَّمة وغير شرعية! أما مسرحية العودة (1964) ، فتدور حول مثقف بريطاني يعود من الولايات المتحدة ومعه زوجته الأمريكية التي تواجه أسرته التي تنتمي للطبقة العاملة. كتب بنتر عدة مسرحيات للإذاعة، وحوَّل بعض مسرحياته إلى أفلام. ومن أهم مسرحياته الأخرى: المجموعة (1961) ، وحفلة شاي (1964) ، وخيانة (1978) ، والأيام الخوالي (1979) ، وأصوات عائلية (1981) . ويعترف بنتر بأن أهم المؤثرين فيه هم فرانز كافكا وصمويل بيكت وأفلام العصابات الأمريكية التي تركت أعمق الأثر فيه. ويرد اسم بنتر في بعض الموسوعات اليهودية، بينما يُسقَط من بعضها الآخر. وهنا لابد من الإشارة إلى أن الدراسات الأدبية العامة في أدبه تذكر أصله اليهودي بشكل عابر، أو لا تذكره على الإطلاق، وهذا يعود إلى أنه لا يوجد أثر عميق لانتمائه اليهودي في أعماله الأدبية. وقد ذهب دليل بلاكويل للثقافة اليهودية إلى أن "خلفية بنتر اليهودية تم التعبير عنها من خلال قنوات عالمية إنسانية". وهذه عبارة ليس لها مدلول واضح، فهي تؤكد أن خلفية بنتر يهودية، وهو أمر لا خلاف عليه، ولكنها تشير إلى أن هذه الخلفية اليهودية لم تترك أي أثر في أدبه، إذ أنه تم التعبير عن هذه الخلفية من خلال قنوات (أي أشكال) عالمية، أي أن مرجعيته النهائية هي إنسانيتنا المشتركة كما هو الحال مع كل الأعمال الأدبية العظيمة، وهي إنسانية مشتركة لم يتم التعبير عنها من خلال قنوات يهودية، على عكس دانتي الذي عبَّر عن إنسانيتنا المشتركة من خلال قنوات كاثوليكية، وعلى عكس ملتون الذي عبَّر عنها من خلال قنوات بروتستانتية، فأين تكمن هوية بنتر اليهودية؟ أرنولد ويسكر (1932-) Arnold Wesker كاتب مسرحي بريطاني يهودي، وُلد في لندن لعائلة من المهاجرين اليهود من شرق أوربا. ترك المدرسة مبكِّراً، وتنقَّل بين عدد من الأعمال، كما خدم في القوات الجوية الملكية لمدة سنتين، واستخدم جميع هذه الخبرات المتنوعة كمادة في مسرحياته الأولى التي كانت أقرب إلى السيرة الذاتية. وتدور أغلب مسرحيات ويسكر حول المشاكل والقضايا الاجتماعية، كما تعكس توجُّهه الاشتراكي وإيمانه بالمذهب الطبيعي. ويوجِّه ويسكر من خلال هذه المسرحيات النقد اللاذع لقيم المجتمعات الصناعية الحديثة وماديتها، كما يتناول مسألة الفجوة بين القيم والإنجازات المادية. ويقتصر البُعْد اليهودي في مسرحياته على استخدامه الشخصيات اليهودية في كثير من أعماله، وهي شخصيات عرفها في الحي الشرقي في لندن ذي الأغلبية اليهودية من المهاجرين، وقد تناول حياتهم ومشاكلهم وصراعاتهم الخاصة كتعبير أو رمز لصراعات وقضايا إنسانية أوسع وأشمل لا تقتصر فقط على حياة الجماعات اليهودية. صدرت أول الأعمال المسرحية لويسكر عام 1959 بعنوان المطبخ، واستمد عنوانها ومضمونها من عمله كطاه لفترة من حياته، وهو يرمز، من خلال تناوله الحياة داخل المطبخ في أحد المطاعم، إلى الصراع والتنافس الذي تتسم به الحياة في المجتمعات الصناعية التي هي أقرب إلى العبودية. حقَّق ويسكر شهرته من خلال ثلاثيته التي تضم مسرحيات حساء الفراخ بالشعير (1958) ، والجذور (1959) ، وإني أتحدث عن القدس (1960) . وتحاول المسرحيات الثلاث تسليط الضوء على أعراض المجتمع المريض، فالمسرحية الأولى تستعرض قصة أسرة يهودية من الطبقة العاملة في الحي الشرقي في لندن خلال الثلاثينيات والأربعينيات، حيث يتناول المؤلف من خلالها قضية المواجهة بين المُثُل الاشتراكية والاتجاهات الفاشية في بريطانيا في تلك الفترة، ثم تآكل هذه المُثُل على ضوء تجارب الواقع، ومن أهمها الستالينية في الاتحاد السوفيتي ودولة الرفاه في بريطانيا. كما يتناول مسألة تفكُّك مجتمع المهاجرين اليهود في الحي الشرقي في لندن وشعورهم بالغربة تجاه قيم المجتمع الصناعي الحديث. وتتناول المسرحية الثانية أيضاً قضية الغربة وانحطاط القيم. أما المسرحية الثالثة، فتدور حول محاولة اثنين من الشخصيات اليهودية في مسرحيته الأولى إقامة مجتمع مثالي في الريف وصعوبة أو استحالة ذلك في ظل مجتمع تسود فيه قيم تعارض مثل هذه الممارسات الفردية. ومن مسرحياته الأخرى، تشيبس مع كل شيء (1962) التي استمد مادتها من تجربته في القوات الجوية الملكية، ولهذا فهي تدور داخل العالم العسكري، وتتميَّز شخصياتها إما بالاستبداد والانحطاط، أو بالخضوع التام والانصياع. وفي مسرحية الفصول الأربعة (1965) ، يترك ويسكر الإطار الاجتماعي العام ليتناول قضية الألم والمعاناة الشخصية التي بدأت تثير اهتمامه منذ أواسط الستينيات. وفي مسرحية المسنين (1972) ، يتناول ويسكر من خلال شخصيات يهودية مسألة الحياة والبقاء عند كبار السن. أما في مسرحية مأدبة الزوج (1974) ، فإنه يتناول قصة رجل أعمال يهودي، ويعود إلى قضية اصطدام القيم المثالية بحقائق الواقع القاسي. ويتناول نفس هذا الموضوع ولكن بشكل أكثر شمولاً في مسرحية التاجر (1977) التي تعتبر تناولاً جديداً لمسرحية تاجر البندقية لشكسبير. وبالإضافة إلى المسرحيات، كتب ويسكر القصة القصيرة أيضاً. وتضم آخر أعماله مجموعة مختارة من المقالات (1985) التي يتناول في كثير منها مسألة يهوديته. وقد قام ويسكر خلال الستينيات بتأسيس وإدارة «المركز 42» ، وهو مشروع ثقافي تم تحت رعاية اتحاد النقابات العمالية في بريطانيا بغرض توسيع رقعة الاهتمام الجماهيري بالفنون. جيرزي كوزينسكي (1933-1991 ( Jerzy Kosinski كاتب أمريكي يهودي، وُلد في مدينة لودز في بولندا، وكان والده أستاذاً مرموقاً في جامعة لودز. تعرَّض كوزينسكي، خلال الاحتلال النازي لبولندا، لتجارب مريرة وقاسية، وعاش متشرداً في الريف البولندي، وفَقَد القدرة على النطق لمدة 6 سنوات. وقد تركت تجاربه المؤلمة خلال فترة الحرب آثارها العميقة في نفسيته وشخصيته، انعكست في كتاباته التي غلب عليها الطابع المظلم والسوداوي. وتعبِّر روايته العصفور الملون عن جزء كبير من هذه التجارب. عاش كوزينسكي في بولندا حتى عام 1957 حيث هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية. ونال درجة الماجستير في العلوم السياسية من جامعة لودز عام 1953، ثم الماجستير في التاريخ عام 1955 من الجامعة نفسها، وعمل أستاذاً في معهد العلوم الاجتماعية والتاريخ الثقافي. وبعد هجرته إلى الولايات المتحدة، التحق بالدراسات العليا في جامعة كولومبيا في الفترة بين عامي 1958 و1965. وعمل محاضراً وأستاذاً زائراً وزميلاً لعدة جامعات ولعدد من مراكز الدراسات الأمريكية المرموقة. ولكوزينسكي مؤلفات عديدة من أهمها إستبس، أي خطوات، التي نال عنها الجائزة القومية (الأمريكية) للكتاب عام 1969، ومن أشهر أعماله أيضاً أن تكون هناك Being There (1971) الذي تحوَّل إلى فيلم سينمائي كتب له كوزينسكي السيناريو ونال عنه عدة جوائز. زار كوزينسكي بولندا عام 1988 لأول مرة منذ 31 عاماً، وأكد خلال زيارته على العلاقات التاريخية بين البولنديين واليهود، وأدان جميع أشكال التحيُّز سواء ضد البولنديين أو ضد اليهود. كما أن كوزينسكي، الذي يترأس الصندوق الأمريكي للبحوث البولندية ـ اليهودية، نجح خلال زيارته هذه في عقد اتفاق لإقامة مؤسسة للتراث البولندي ـ اليهودي في كازيميز، وهو الحي اليهودي القديم في كراكوف. وفي العام نفسه، كان كوزينسكي قد حوَّل شقته الصغيرة في نيويورك إلى مقر مؤسسة «برزنس» ، وهي مؤسسة تعمل للحفاظ على ما يُسمَّى «التراث اليهودي» . زار كوزينسكي إسرائيل في عام 1988 أيضاً، وأثار الدهشة والاستياء عندما دافع عن معاملة البولنديين لليهود خلال الحرب العالمية الثانية، وهاجم فيلم «شواه» الذي يتناول أحداث الإبادة النازية (الهولوكوست) ، حيث اعتبره فيلماً متحيِّزاً وغير عادل على الإطلاق. كما أعرب عن رفضه أن يظل يُعرَّف مدى الحياة باعتباره أحد الناجين من الإبادة النازية. وقد تعرَّض كوزينسكي في أوائل الثمانينيات إلى بعض الاتهامات التي ألقت بظلالها على سمعته الأدبية، حيث ادعت مجلة فيليج فويس Village Voice على صفحاتها أن مساعدي كوزينسكي كتبوا أجزاء من كتبه، وأن أعماله الأولى المعادية للشيوعية كانت مموَّلة من المخابرات المركزية الأمريكية، وأنه اختلق بعض تفاصيل أحداث حياته. وقد تركت هذه الاتهامات آثارها في كوزينسكي، كما أصابه الاكتئاب بعد الاستقبال الفاتر الذي قوبل به كتابه الأخير ناسك شارع 69 (1988) الذي كان بمثابة سيرة ذاتية في قالب روائي خيالي. وكان كوزينسكي يعاني كذلك من تدهوُّر صحته، الأمر الذي كان يعوقه عن العمل. ولعل كل هذه الأسباب مجتمعة هي التي أدَّت إلى انتحاره باستخدام أحد الأساليب التي أوصت بها جمعية هيملوك (السم) ، وهي إحدى الجمعيات التي تدعو إلى القتل الرحيم لمن يشكو مرضاً عُضَالاً، وهو نفسه الأسلوب الذي استخدمه عالم النفس الشهير برونو بتلهايم للانتحار قبل كوزينسكي بعام واحد. فيليب روث (1933-) Philip Roth أهم روائي أمريكي يهودي، وُلد ونشأ في مدينة نيو آرك التابعة لولاية نيوجرسي لأسرة أمريكية يهودية بورجوازية مندمجة. وتدور قصصه حول الصراع الحاد الذي يدور داخل الأمريكيين اليهود بين ميراثهم اليهودي (اليديشي) من جهة، وجاذبية الحضارة الأمريكية (المسيحية) والعلمانية التي يعيشون فيها من جهة أخرى. أثارت أعمال روث جدلاً كبيراً، ولعل هذا يعود إلى صراحته غير العادية وإلى أن شخصياته اليهودية شخصيات كوميدية مريضة تكشف عن نفسها من خلال علاقات جنسية شرعية وغير شرعية، صحيحة ومرضية. وقد وصفه البعض بأنه يهودي كاره لنفسه وليهوديته. ومن أهم قصصه المدافع عن العقيدة، وتحوُّل اليهود عن عقيدتهم (1962) ، ودرس التشريح (1983) حيث يحاول روث أن يتكشف التناقض الكامن في بعض التعريفات الأمريكية للهوية اليهودية، ويُبيِّن التضمينات الكوميدية الكامنة في مفاهيم مثل الشعب المختار والشعب المقدَّس، كما يكشف التناقض الكامن في الانشغال الزائد لدى اليهود بما حاق بهم من عذاب في الماضي وحساسيتهم الزائدة، بينما يعيشون الآن في مجتمع علماني لا يكترث بهم ولا يُكن لهم حباً ولا كُرهاً. ويتناول روث عادةً علاقات الأبناء بآبائهم، خصوصاً الأمهات، فموضوع الأم اليهودية شديدة الطموح والتسلط موضوع أساسي في رواياته. كما أن اهتمامه ينصرف كذلك إلى علاقة الرجال بالمرأة. إن الأنثى، خصوصاً اليهودية، متسلطة، زوجة كانت أم عشيقة، مخططاتها مختلفة عن مخططات الذكر. وهو يطلق على مثل هذه الأنثى «الأميرة الأمريكية اليهودية» ، وقد أصبح هذا المصطلح شائعاً في الخطاب الأمريكي ويحمل معنى قدحياً. وفي مقابل ذلك، تشير روايات روث إلى الشيكسا، أي الأنثى غير اليهودية، التي تشكل جاذبية خاصة لليهودي. وأهم الروايات التي تتناول هذا الموضوع هي شكوى بورتنوي (1969) التي تأخذ شكل اعتراف رجل يهودي يبلغ من العمر 33 عاماً لمحلله النفسي. وتُعَدُّ رواية شكوى بورتنوي ذات أهمية خاصة من منظور هذه الموسوعة، إذ أن بطلها ينتقل بين الولايات المتحدة (الدياسبورا) وإسرائيل. وفي الولايات المتحدة، يكتشف أن هويته اليهودية إنما هي مصدر آلام له وليس لها قوام أو مضمون واضح، وتدفع به إلى ما يسميه روث المستنقع الأوديبي: أي الاهتمام المرضي بعلاقة الابن اليهودي بأمه اليهودية، وإحساسه العميق بالذنب حينما تتجه عواطفه نحو الشيكسا من بنات الواسب (Wasp) ، أي الفتاة البيضاء (عادةً شقراء) من أصل أنجلو ساكسوني بروتستانتي. ولا يختلف الأمر كثيراً عندما يذهب البطل إلى إسرائيل، فإنه لا يعجبه ما يرى، إذ لا يجد ذاته الأمريكية اليهودية المركَّبة هناك. ولذا، فهو حينما يقابل فتاتين إسرائيليتين في أرض الميعاد، تنتهي العلاقة نهاية مأساوية ملهاوية، إذ تسأله الأولى، وهي ملازم في الجيش الإسرائيلي، إن كان يفضل الجرارات أو البلدوزرات أو الدبابات. أما الثانية (ناعومي) ، فهي إسرائيلية حقة، وُلدت في إحدى المستعمرات بالقرب من الحدود اللبنانية، وأتمت خدمتها في الجيش الإسرائيلي، ثم استقرت في إحدى المستعمرات الواقعة على الحدود السورية، وهي لا تكف عن الثرثرة عن الاشتراكية وعن الفساد الذي يسود المجتمع الأمريكي. وقد لقنته هذه الفتاة المحاربة درساً في التاريخ اليهودي من وجهة نظر صهيونية، فأخذت تتحسر على تلك القرون الطويلة التي عاشها اليهود بلا ديار ولا مأوى، والتي أفرزت أمثاله من الرجال "الخائفين المخنثين الذين لا يعرفون قدر أنفسهم، والذين أفسدتهم الحياة في عالم الأغيار". بل إنها تلومه على ما حدث لليهود في ألمانيا النازية "فيهود الشتات، بسلبيتهم، هم الذين ساروا بالملايين إلى غرف الغاز دون أن يرفعوا يداً ضد مضطهديهم ... الشتات! إن الكلمة ذاتها تثير حنقي". ولا غرو أن بورتنوي لم يُوفَّق بعد هذا في العثور على فتاة أحلامه في إسرائيل. وتعكس روايات روث واقع يهود الولايات المتحدة الأمريكية الذين يتمتعون بمعدلات عالية من الاندماج (أو يعانون منها حسب الرؤية الصهيونية) . ولذا، فإن رؤيتهم للواقع، وأحلامهم، وطموحاتهم، لا تختلف كثيراً عن رؤية وأحلام وطموحات أعضاء الأغلبية، فحلمهم هو الحلم الأمريكي. وهذا أمر مُتوقَّع من أبناء مهاجري اليديشية الذين تركوا أوطانهم واستقروا في أمريكا ليحققوا الحراك الاجتماعي، وإذا وجد الشاب اليهودي أن الشيكسا ذات جاذبية خاصة فهذا أمر منطقي لأقصى حد. وفي رواياته الأخيرة، بدأ روث يتجه نحو داخله باعتبار أنه فنان يهتم بعملية الإبداع بشكل خاص، وذلك في روايات مثل حياتي كرجل (1974) ، والكاتب الشبح (أي الذي يصوغ كتابة ما يكتبه الآخرون صياغة أدبية) عام 1979، وزوكرمان طليقاً (عام 1981) ، وتدور روايتا الكاتب الشبح، وزوكرمان طليقاً حول حياة الروائي زوكرمان الذي تشبه حياته حياة روث نفسه، وهي حياة مليئة بالمتناقضات. إنه متعطش للنجاح ولكنه لا يود أن يطارده المعجبون، ويتصرف كابن بار بأسرته ثم لا يُطيع أوامر أبيه، وينشر رواية تدور أحداثها عن أسرته ثم يتبيَّن مساوئها، ويتوق للإثارة والهدوء، ويتزوج من نساء مثقفات متزنات ثم يرفضهن لأنهن مثقفات متزنات، ويقوم بعمليات مطاردة جنسية للنساء ثم يرفض أي نقد موجه لهذه المطاردات، ويكتب روايات فاضحة عن اليهود ولكنه لا يفهم لماذا تستجيب المؤسسة اليهودية لرواياته استجابة سلبية. وقد صدرت لروث روايات أخرى، مثل: حينما كانت خيِّرة (1967) ، وعصابتنا (1971) ، والرواية الأمريكية العظمى (1973) ، وقراءة نفسي والآخرين (1975) ، وأستاذ الرغبة (1977) . ومن آخر رواياته رواية الحياة المضادة (1986) حيث يستكشف معنى حياة اليهود في إسرائيل وخارجها وعملية شيلوك (1992) . تدور الرواية الأخيرة حول الكاتب نفسه (فيليب روث) الذي يذهب إلى إسرائيل لإجراء مقابلة مع كاتب إسرائيلي معروف، وهناك يجد نظيراً له يحمل الملامح نفسها والاسم نفسه ويزعم أنه هو نفسه فيليب روث. يدعو فيليب روث الثاني هذا إلى ما يسميه «نظرية النية» ومفادها أن الأجدى لليهود الهجرة من إسرائيل إلى أوربا لأن واقعهم الثقافي الحقيقي كان دائماً هناك ولأن إسرائيل ستكون الموقع الجديد لإبادة اليهود في حرب نووية مع العرب، كما يصبح المؤلف/البطل محور العديد من الأحداث التي تدور في إسرائيل في زمن الانتفاضة. ومن أطرف المواقف في الرواية أن فيليب روث الحقيقي توقفه دورية إسرائيلية ليلاً وتشتبه في أنه عربي فيمر بلحظات رعب قبل أن ينجح في إثبات هويته. وتؤكد الرواية «أن على اليهود واجباً أخلاقياً لا مفر منه، هو تعويض الفلسطينيين عما اقترفه اليهود ضدهم من طرد وتعذيب وقتل» . ثم يؤكد بطل الرواية «بغض النظر عن كل شيء: الفلسطينيون كشعب، أبرياء بالكامل، واليهود كشعب، مُعذَّبون بالكامل» . سينثيا أوزويك (1928-) Cynthia Ozick روائية أمريكية يهودية وكاتبة قصة قصيرة، وُلدت ونشأت في نيويورك حيث تلقت تعليمها. قرأت أعمال ليو بايك، ومارتن بوبر، وفرانز روزنزفايج، وهرمان كوهين. وأولى رواياتها ثقة (1966) وتدور أساساً حول الصراع الناشئ بين الوثنية والدين، أو بين الطبيعي المادي والمقدَّس الروحي، وهي هنا ترى أن اليهودية وحدها هي التي تُجسِّد النزعات الدينية والروحية. وقد تناولت الموضوع نفسه في مجموعة قصصها القصيرة الحاخام الوثني وقصص أخرى (1971) . ففي إحدى القصص يظهر الحاخام كورن فيلد، أي حقل القمح، الذي تنجذب روحه إلى الطبيعة، وتبتعد عن طريق الروح والدين حتى ينتهي به الأمر إلى عبادة إله الطبيعة فيشنق نفسه على شجرة. ويتواتر الموضوع نفسه في كتابها الثاني إراقة الدم وثلاث روايات قصيرة (1976) ، وأخيراً في التنين: خمس روايات (1982) ، حيث نجد أن الشخصيات المسيحية تختار الطبيعة، أما الشخصيات اليهودية فتتجاوز عالم المادة والطبيعة، الأمر الذي يعني أن الوثنيين (المسيحيين) سيظلون دائماً ملتصقين بالمادة، أما اليهود فهم وحدهم القادرون على التسامي والتجاوز. ويُلاحَظ أن الشخصيات المتهودة تظل ذات طابع وثني طبيعي رغم تبنيها اليهودية ديناً. ذلك أن التهود، كما يبدو، لا يكفي لتغيير طبيعتهم الوثنية المسيحية. ومثل هذه الرؤية تُبيِّن أثر الفكر القبَّالي الوسيط والعرْقي الحديث على أوزيك. وقد كتبت أوزيك مجموعة مقالات ضمتها في كتاب الفن والحماس (1983) حيث تتناول الموضوع السابق نفسه، كما حاولت أن تتناول موضوع المرأة. أما آخر كتبها ماشيَّح ستوكهولم (1987) ، فيتناول موضوع النزعة المشيحانية. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
علمنة (صهينة) اليهودية (أو هيمنة الحلولية الكمونية)
Secularization (Zionization) of Judaism -The Dominance of Immanence نجحت عدة أيديولوجيات علمانية شاملة في التغلغل في اليهودية والاستيلاء عليها من الداخل، فاليهودية التجديدية هي مُركَّب من عدة مفاهيم علمانية (مثل التقدم في الإطار المادي) وقد تلبست لباساً يهودياً. ولكن أهم هذه الأيديولوجيات العلمانية هي الصهيونية التي نجحت في الاستيلاء على اليهودية تماماً وقامت بعلمنتها من الداخل إلى درجة أن الحركات الدينية الأرثوذكسية التي قامت في الأساس لمحاربة الصهيونية انتهى بها الأمر إلى أن تبنت الصهيونية إطاراً مرجعياً نهائياً. وقد أدَّى هذا إلى ظهور إشكالية حقيقية أمام اليهود الذين يرفضون التحالف مع ملحدين يسمون أنفسهم «يهوداً» . ونحن نذهب إلى أن الصهيونية قد نجحت في الاستيلاء على اليهودية وعلمنتها بسبب الخاصية الجيولوجية التراكمية، إذ وجد الصهاينة سوابق في التراث الديني اليهودي تدعم مقولاتهم العلمانية الشاملة. ولكن السبب الأساسي الذي أدَّى إلى نجاح الصهيونية في تحقيق أهدافها هو تصاعُد معدلات الحلولية داخل اليهودية. وتدور الرؤية الحلولية الكمونية حول ثلاثة عناصر: الإله والإنسان والطبيعة. وفي إطار الحلولية اليهودية، يتحول الإنسان إلى الشعب اليهودي، وتتحول الطبيعة إلى الأرض اليهودية (إرتس يسرائيل ـ أرض الميعاد) ، أما الإله فيتحوَّل إلى المبدأ الواحد الذي يحل فيهما معاً. ولا تختلف هذه الرؤية الحلولية الكمونية عن الصهيونية إلا في بعض التفاصيل وفي الطريقة التي تُسمَّى بها العناصر التي تكوِّن دائرة الحلول. ويمكن التعبير عن هذه الرؤية الحلولية الكمونية، اليهودية والصهيونية، على النحو التالي: الشعب اليهودي المبدأ الواحد الأرض اليهودي الرباط العضوي بين الشعب والأرض أو القوة التي تسري فيهما 1-يسميها الصهاينة المتدينون "الإله". 2-يطلق عليها الصهاينة العلمانيون أسماء كثيرة: "روح الشعب"-"التراث اليهودي" -"العرْق اليهودي"-"التوراة كتعبير عن روح الشعب"........ وأهم عناصر دائرة الحلول هو الإله الذي يصبح «المبدأ الواحد» والذي قد يُسمَّى «الإله» في الحلولية الكمونية اليهودية أو «روح الشعب» أو حتى «العرْق» في الحلولية الكمونية الصهيونية. ويُلاحَظ أنه لا يوجد فارق بين الإله والعرْق اليهودي (على سبيل المثال) فكلاهما (حالّ) في الشعب والأرض لا يتجاوزهما، فهو الشيء نفسه رغم اختلاف التسميات. وقد نجم عن حلول الإله في كلٍّ من الشعب والأرض أن أصبح الشعب مقدَّساً وأصبحت الأرض هي الأخرى مقدَّسة. يختلف الفريقان العلماني والديني في تسمية مصدر القداسة ولكنهما لا يختلفان قط في أن القداسة هناك، تسري في الشعب والأرض. وتسمية مصدر القداسة في المنظومات الحلولية الكمونية ليس أمراً مهماً إذ أن الحلول يجعل المادة المقدَّسة أكثر أهمية من مصدر القداسة. وإذا كان الصهاينة يؤمنون بحلولية بدون إله أو يؤمنون بقداسة دون مصدر غيبي للقداسة، فإن الدينيين يؤمنون بحلولية متطرفة، الإله داخلها جزء لا يتجزأ من الشعب وأرضه، ومن ثم فهو إله لا يختلف في أي وجه من الوجوه عن شعبه ولا ينفصل بأية حال من الأحوال عن أرضه وليس ذا إرادة مستقلة عنه. وسواء كانت الديباجات علمانية (شاملة) متطرفة في علمانيتها، أم دينية متطرفة في تديُّنها، فالجميع يتفق على أن المبدأ الواحد (الإله أو روح الشعب) حالّ في المادة كامن فيها، غير مفارق لها. ومن ثم يستطيع أعضاء الفريقين الصهيونيين، الديني والإلحادي، أن يترجما الثالوث الحلولي إلى شعار سياسي مثل: أرض يسرائيل لشعب يسرائيل حسب توراة يسرائيل، وهي صيغة تفترض وجود علاقة عضوية صارمة بين العناصر الثلاثة تمنح أعضاء هذا الشعب حقوقاً مطلقة (فهم داخل دائرة الوحدة العضوية والقداسة والحلول) وتستبعد الآخرين. وتصبح توراة يسرائيل كتاباً مقدَّساً مرسلاً من الإله بالنسبة للصهاينة الدينيين، أو كتاب فلكلور يعبِّر عن روح الشعب بالنسبة للصهاينة الملحدين. وبينما يؤكد الحاخام كوك (الأب الروحي والفكري لجماعة جوش إيمونيم) ، على سبيل المثال، أن روح الإله وروح يسرائيل شيء واحد، أي أن الشعب في قداسة الرب، فإن فلاديمير جابوتنسكي يشير إلى الشعب اليهودي بوصفه ربه، ويشير موشيه ديان إلى الأرض باعتبارها ربه. وصياغة كوك الدينية وصياغة جابوتنسكي وديان الإلحادية متشابهتان تماماً في بنيتهما، فكلتاهما تنتهيان إلى شعب مقدَّس له حقوق مطلقة في أرضه المقدَّسة، فهو شعب حل الإله فيه وفي أرضه، حسب صياغة كوك، وهو شعب/إله وأرض/إله في صياغة الملحدين، والفارق بين الصياغتين أمر شكلي. وقد قال نوفاليس إنه لا يوجد فرق كبير بين أن أقول "أنا جزء من الإله" أو "الإله جزء مني". ولا فرق بين أن أقول "إن الله هو العالم أو أن العالم هو الله". ويمكننا القول بأنه لا يوجد فرق كبير بين أن يقول الصهيوني المتدين الإله هو الشعب وأن يقول الصهيوني الشعب هو الإله فالمسافة بين الكل والجزء تختفي فيصبح الكل هو الجزء، ويصبح الشعب هو الإله. وعلمنة الحلولية اليهودية على يد الصهيونية، لم يكن أمراً فريداً وإنما كان متسقاً تمام الاتساق مع واحد من أهم إنجازات الغرب الفلسفية في العصر الحديث، أي اكتشاف تَرادُف وحدة الوجود الروحية ووحدة الوجود المادية، بحيث أصبح من الممكن الحديث عن الذات بلغة الموضوع وعن الموضوع بلغة الذات، وعن المقدَّس بلغة الزمني وعن الزمني بلغة المقدَّس، وعن الروحي بلغة المادي وعن المادي بلغة الروحي، وهو الإنجاز الذي وضع أسسه إسبينوزا وعمَّقه هيجل ووصل به إلى ذروته وأشاعه إلى درجة أن الخطاب الفلسفي الغربي أصبح في معظمه خطاباً حلولياً، سواء بين المتدينين أو بين العلمانيين. وقد وجد الصهاينة أن الإستراتيجية الإسبينوزية الهيجلية التي تفترض ترادف وحدة الوجود الروحية ووحدة الوجود المادية هي أنسب الصيغ للتوجُّه للجماهير اليهودية في شرق أوربا، وهي جماهير كانت لا تزال إما متدينة أو تربطها علاقة وثيقة بالرموز الدينية. وقد أصبحت هذه الحلولية الأرضية المشتركة بين المتدينين والعلمانيين في الحركة الصهيونية. الحلولية والحرفية والصهيونية: آليات التلاقي بين الصهاينة المتدينين والعلمانيين Immanence, Literalism, and Zionism: The Mechanics of the Convergence between Religious and Secular Zionists من أهم آليات تضييق الرقعة بين الدينيين والعلمانيين (في إطار الحلولية الكمونية) تبنِّي الدينيين تفسيرات العهد القديم الحرفية والعقائد اليهودية. فالحلولية الكمونية تترجم نفسها في نهاية الأمر لا إلى أصولية تعود إلى الأصول وتحتكم إليها وإنما إلى حرفية في تفسير المفاهيم الدينية (التي عادةً ما تحتوي قدراً من الثنائية والتجاوز يجعل التفسير المجازي أمراً حتمياً) . فالحرفية الحلولية ثمرة تصفية الثنائية والتجاوز، وثمرة اختزال المساحة التي تفصل بين الخالق والمخلوق وبين الدال والمدلول بحيث يُختزَل الواقع إلى مستوى واحد فلا يشير إلى أي عالم آخر أو أية منظومة أخرى وبحيث تصبح رؤية الواقع، في نهاية الأمر، واحدية لا تختلف كثيراً في بنيتها عن التفسيرات المادية التي تنكر الثنائية والتجاوز. وهذا ما حدث مع الأوساط الدينية اليهودية في عملية صهينة اليهودية، فقد أسقطوا التفسيرات المجازية وأحلوا محلها تفسيرات حرفية. فالأرض في المفهوم الحاخامي التقليدي (المجازي) كانت «صهيون الروحية» التي توجد في القلب، وقد وصفها نيثان برنباوم (بعد أن ترك الصهيونية وأصبح أرثوذكسياً) بأنها ليست وطناً مادياً جديداً بل كياناً دينياً لم يتوقفوا قط عن حبه والحنين إليه وتذكُّره. والشعب ليس شعباً عرْقياً مادياً مثل كل الشعوب وإنما جماعة دينية تدين بالولاء للإله من خلال الميثاق ومن خلال الإيمان بمنظومة قيمية. ولذا، فإن عودة هذا الشعب إلى أرضه لا يمكن أن تتم إلا بأمر الإله في نهاية التاريخ. بدلاً من هذه العقائد التي تحتوي قدراً من التجاوز، ومن ثم تتطلب تفسيرات مجازية، طرح الصهاينة المتدينون تفسيرات حرفية لا تختلف كثيراً عن التفسيرات العلمانية (التي تنكر التجاوز) رغم احتفاظها بالمصطلح الديني. فصهيون أصبحت الأرض التي يمكنهم متى شاءوا العودة إليها والاستيلاء عليها بقوة السلاح، والشعب أصبح مجموعة من البشر التي لها حقوق مطلقة منفصلة عن المنظومات القيمية الأخلاقية اليهودية، فهم ذوو حقوق مطلقة لا يختلفون كثيراً عن شعوب أوربا في المرحلة الإمبريالية. واكب هذه الحرفية في التفسير ظهور ديباجات علمانية حلولية، فالشعب في الخطاب الصهيوني أصبح الشعب العضوي (فولك) وهو مفهوم يَصدُر عن الإيمان بأن ثمة وحدة (وجود) عضوية تربط الشعب (العضوي) وأرضه وتراثه، وأن الجميع تسري فيهم روح واحدة هي مصدر الترابط العضوي هذا، الذي لا تنفصم عراه. وهذه الفكرة فكرة حلولية تجعل الذات القومية موضع التقديس وتخلع عليها المطلقية، والنسق الفلسفي الكامن وراءها نسق مغلق، إذ أن هذه الذات تصبح مرجعية نفسها، هي البداية والنهاية، وحتى برامجها السياسية تصبح مقدَّسة. وعادةً ما تصل هذه النماذج إلى لحظة تحقُّقها في لحظة نهاية التاريخ والفردوس الأرضي، حين تتجلى في كل مناحي الحياة، وتتجسد من خلالها. ولذا نجد أن الصور المجازية التي تُستخدَم في إطار هذه الأنساق صور مجازية عضوية تعبِّر عن عالم عضوي مصمت ملتف حول نفسه. ولأن العلاقة عضوية حتمية، فإن هذا يعني أن الأرض اليهودية (إرتس يسرائيل) ستظل خراباً ومهجورة إن تم فصل الشعب المقدَّس عن أرضه المقدَّسة. وهذا الشعب نفسه سيظل في حالة اغتراب وحزن (بل فساد وانحطاط) إن ظل بعيداً عن الأرض. فالأرض تكتسب الحياة من الشعب، والشعب يكتسب الحياة من خلال الأرض. وهذه الرؤية هي التي تفسر الشعار الصهيوني "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض". فالأرض (اليهودية) ترتبط بشكل عضوي حلولي كموني بالشعب اليهودي، ولذا فإن وُجد شعب آخر على هذه الأرض (الشعب الفلسطيني على سبيل المثال) فليس له وجود في المنظور العضوي الحلولي (ولذا لابد من تهميشه وطرده وإبادته) . وإن وُجد 99% من يهود العالم خارج فلسطين، متشردين في بقاع الأرض، فهم لا يزالون بلا أرض بسبب العلاقة العضوية الحتمية التي تربطهم بالأرض المقدَّسة. والتاريخ اليهودي بأسره تعبير عن رغبة اليهود العارمة في العودة لهذه الأرض لتحقيق تلك الرابطة العضوية. وبعد أن أسقط المتدينون العنصر المجازي (والإيمان بالتجاوز) وتبنَّى العلمانيون الصيغ الرومانتيكية العضوية الحلولية، أصبح اللقاء بين الفريقين سهلاً، فعدَّل المتدينون متتالية العودة حتى يمكنهم تَقبُّل أطروحات الصهيونية العلمانية وممارساتها (اللاأخلاقية) وإعطاؤها شرعية دينية. فبدلاً من المتتالية التقليدية: نفي بأمر الإله ـ انتظار الماشيَّح ـ مقدم الماشيَّح بإذن الإله ـ عودة تحت قيادته. أصبحت المتتالية كما يلي: نفي ـ عودة مجموعة من اليهود (عودة مادية فعلية) للإعداد لمقدم الماشيَّح (دون انتظار مشيئة الإله) ـ مقدم الماشيح ـ عودة تحت قيادته. والعودة المقدَّسة، المادية الفعلية الحرفية، تتطلب بطبيعة الحال استخدام العنف والقتل ومساندة الإمبريالية العالمية وطرد الشعب الفلسطيني، وهذا ما فعله الصهاينة المتدينون وقاموا بتبريره بديباجات دينية تخلع على ذاتهم وأفعالهم قداسة ومطلقية (كما هو الحال دائماً مع المنظومات الحلولية الكمونية) . وفي نهاية الأمر، تَبنَّى المتدينون الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة بعد أن قاموا بتهويدها، فبدلاً من: مادة بشرية تُنقَل إلى خارج أوربا لتوظيفها لصالح القوى الاستعمارية التي ستقوم بنقلها ودعمها، أصبحت: عودة الشعب المقدَّس (المستوطنين الصهاينة) إلى أرضه المقدَّسة (فلسطين) تنفيذاً للوعد الإلهي (على أن تكون العودة دون انتظار لمشيئته ودون تفرقة بين الوعد الإلهي ووعد بلفور) . ورغم اختلاف الأسماء، فإن المسمى واحد ويؤدي إلى النتيجة نفسها (ويصل هذا الاتجاه إلى قمته في الصهيونية الحلولية العضوية وجماعة جوش إيمونيم) . وقد توارت الصهيونية العلمانية الصريحة، صهيونية اليهود غير اليهود أو اليهود الملحدين، وانقسمت الصهيونية (من منظور الوعي اليهودي) إلى صهيونية إثنية علمانية وصهيونية إثنية دينية، وهما يتفقان تماماً في كل شيء باستثناء بعض الديباجات والزخارف اللفظية. وتتجلى الحلولية العضوية في موقف كلٍّ من الدينيين والملحدين من الجيش الإسرائيلي. فقد ذهب الحاخام تسفي كوك، حفيد الحاخام إسحق كوك، إلى أن الجيش الإسرائيلي هو القداسة الكاملة، وهو الذي يمثل حكم شعب الإله فوق أرضه. ولا يختلف الملحدون الحلوليون عنه في موقفهم من الجيش، فهم، عند احتفالهم بعيد الاستقلال على سبيل المثال، يُغيِّرون منطوق المزمور 118/24 الذي يقول: «هذا هو اليوم الذي صنعه الرب» بحيث يصبح: "هذا هو اليوم الذي صنعه تسهال"، أي الجيش الإسرائيلي (مصدر التماسك والوحدة العضوية) . وقد أسس الصهاينة دولتهم الصهيونية، بحيث تكون الإطار الشعائري (الحلولي الروحي أو المادي) الذي يعزل اليهودي عن العالم، فهي الدولة الجيتو التي تحيط المواطن برموز وشعارات يهودية، وهي الأداة التي يتحقق من خلالها الثالوث الحلولي المقدَّس. هذا لا يعني أنه لا يوجد اختلاف بين الحلوليين الملحدين والحلوليين الدينيين. فحلولية الملحدين، حلولية بدون إله، على عكس حلولية الدينيين. ولذا، نجد أن الدولة بالنسبة للدينيين هي أهم تجلٍّ للإله. أما بالنسبة للملحدين، فهي ليست تجلياً، وإنما هي نفسها موضع التقديس. وعادةً ما يُسوَّى هذا الخلاف بالطرق اللفظية السلمية. فعلى سبيل المثال، حين نوقش إعلان دولة إسرائيل، أصر المتدينون على ذكر عبارة "عناية الإله"، فرفضها اللادينيون، وتم حل المشكلة باستخدام عبارة "تسور يسرائيل"، أي "صخرة إسرائيل"، وهي عبارة تعني "الإله الذي يحل في الشعب ويجعله مطلقاً" بالنسبة للدينيين، وتعني "الذات القومية ومصدر المطلقية وموضع القداسة" بالنسبة لغير الدينيين. وقد استمر هذا الاتجاه بعد إنشاء الدولة، بل أخذ أشكالاً متطرفة من بعض النواحي، وأشكالاً صبيانية من بعض النواحي الأخرى. ففي احتفال عيد التدشين (حانوخاه) ، يقول الدينيون: "من يتكلم بجبروت الرب" (مزامير 106/2) ، ويقول العلمانيون (الماديون) : "من يتكلم بجبروت إسرائيل"، أي شعب وأرض يسرائيل. وفي الاحتفالات الدينية، وخصوصاً بعد قراءة التوراة في يوم الغفران، وفي عيد بهجة التوراة في آخر أيام عيد الفصح، وفي عيد الأسابيع، يقول الدينيون: "يزكور إلوهيم"، أي "اذكروا الرب". أما اللادينيون فيقولون: "يزكور عام يسرائيل"، أي "اذكروا شعب إسرائيل". وقد جاء في سفر زكريا (4/6) عبارة "لا بالقدرة ولا بالقوة بل بروحي قال رب الجنود"، واللادينيون يُسقطون عبارة "رب الجنود"، وبدلاً من كلمة "بروحي" يقولون "بالروح". وتوجد رقصة للأطفال في إسرائيل تصاحبها أغنية تَرد فيها عبارة من سفر القضاة (أنشودة دبوراـ 5/31) "وهكذا يبيد جميع أعدائك يارب"، فتصبح: "وهكذا يُبيد جميع أعدائك يا إسرائيل". كما يظهر الصراع بشكل حقيقي، وبحدة على مستوى الحياة اليومية في إسرائيل. فالأصوليون اليهود (أي الحرفيون أو الحلوليون المتدينون) يطالبون بأداء الشعائر التي لا يكترث بها كثيراً الحلوليون العلمانيون. فيطالب الأصوليون بمنع بيع لحم الخنزير، وإغلاق بعض الطرق يوم السبت، وفرض القيود على عمليات الإجهاض، وإغلاق صالونات الجنس، ومنع نشر إعلانات عن الخدمات الجنسية في الجرائد، ومنع القيام بحفريات أثرية في أماكن الدفن. كما يطالبون بتطبيق قوانين الطعام وتعديل قانون العودة لمنع هجرة غير اليهود، ويرفضون محاولة إصلاح قوانين الطلاق، ويرفضون الاعتراف بالزواج المدني. ويطالب الأصوليون كذلك بإلغاء صلاحيات الحاخامات الإصلاحيين التي تعطيهم الحق في القيام بمراسم اليهود وبمنع اليهود الإصلاحيين من الحصول على عضوية المجالس الدينية المحلية. ويجب أن نؤكد مرة أخرى أن الإله الذي يتحدث عنه الدينيون الحلوليون، ليس إلهاً مفارقاً للشعب متعالياً عليه متجاوزاً له، وإنما هو حالٌّ وكامن فيه. ومن ثم، فهو يؤدي إلى قداسة هذا الشعب. ولذا، فإن الاختلاف بين الدينيين والملحدين سيظل سطحياً أو على مستوى الإجراءات العملية ومناطق النفوذ والشعائر. فالإله في النسق الحلولي ليس سوى اسم، أما المسمى فهو العالم المادي الذي يكمن فيه هذا الإله ولا يتجاوزه. وقد اكتسحت الصهيونية يهود العالم حتى أصبح من الصعب على الدارسين أو على كل من يتعامل مع اليهودية والصهيونية (وضمن ذلك اليهود أنفسهم) أن يُفرِّقوا بين العقيدة الدينية والعقيدة السياسية. وعلى أية حال، فإن وسائل الإعلام الغربية تساهم في تدعيم هذه الرؤية. وبعد عام 1967، وبعد احتلال الصهاينة ما تبقى من فلسطين، طرأ تحول على الأحزاب الدينية الصهيونية (مثل المفدال) وغير الصهيونية (أجودات إسرائيل) . ففي البداية اعتبروا أن هذه الحرب معجزة وإشارة ربانية ثم تحول موقفهم وأصبح الاستيلاء على الأراضي العربية هو بداية الخلاص. وأصبحت العناصر الأرثوذكسية التي كانت علاقتها بالصهيونية تتراوح بين الشك والعداء من أشرس العناصر الصهيونية ومن أكثرها تطرفاً وتمسكاً بكل الأراضي المحتلة وبضرورة الاستيطان بها، أي أن الحلولية تزايدت معدلاتها وأصبحت الأرض مقدَّسة في قداسة الشعب. ورغم وجود هذه العلاقة القوية بين الحلولية الكمونية اليهودية والصهيونية لا نستطيع القول بأن الحلولية اليهودية هي التي "أدَّت" إلى ظهور الصهيونية. فكل ما نريد تأكيده، في هذا السياق هو أن ثمة ارتباطاً اختيارياً قوياً بين التيار الحلولي الكموني والأفكار العلمانية. وهذه مقولة تنطبق على كل البشر وعلى كل العقائد ومنها العقيدة اليهودية وأعضاء الجماعات اليهودية. فالحلولية الكمونية ولَّدت عند معظم اليهود في شرق أوربا (ابتداءً من القرن الثامن عشر) استعداداً كامناً (كامناً وحسب) للتأثر بالرؤى المعرفية الحلولية العلمانية التي يختلط فيها المطلق بالنسبي والمقدَّس بالزمني، وهي رؤى تشجع على العزلة وعلى جعل الذات موضع القداسة وموضع الحلول والكمون. ولقد فجرت اللحظة التاريخية والجغرافية التي وُجدت فيها اليهودية في أوربا الإمبريالية (في نهاية القرن التاسع عشر) الإمكانات الحلولية وغلَّبتها على غيرها من الإمكانات وهيأت لها سُبُل التحقق، فلولا أن الإمبريالية الغربية كانت في حاجة إلى دولة استيطانية في فلسطين، لما قامت للصهيونية قائمة ولما استولت الحلولية الكمونية على اليهودية ولربما ظلت تياراً هامشياً ليس له أيُّ ثقل أو وزن، ولربما أخذ الدين اليهودي نفسه مساراً تاريخياً آخر. ولكن ظهور الصهيونية بمساندة الإمبريالية وتأييدها، أعاق هذا التطور وساعد التيار الحلولي الكموني على السيطرة. ولكننا، على أية حال، نتوقع أن ينحسر المد الصهيوني الحلولي تحت تأثير الضغط العربي وظهور الفلسطينيين مرة أخرى على مسرح الأحداث، وتزايد أزمة الصهيونية. ولربما انتشرت الرؤية التوحيدية مرة أخرى، كما يتضح في لاهوت التحرير اليهودي. وإن كان هذا أمراً صعباً للغاية باعتبار أن الفكر الديني اليهودي يتحرك الآن في تربة غربية حلولية علمانية. وما يحدث عادةً أن الحلولية يتغيَّر نطاقها، وبدلاً من أن تكون ثنائية صلبة فإنها تصبح شاملة سائلة. وقد وضع كثير من أعداء الصهيونية من اليهود وغير اليهود أيديهم على هذه الخاصية في الصهيونية باعتبارها حلولية واحدية روحية (أي باعتبارها شكلاً من أشكال الوثنية) تم تحويلها إلى حلولية مادية. وقد أشار بعض الحاخامات إلى دولة إسرائيل باعتبارها العجل الذهبي الجديد الذي يعبده اليهود. كما احتج الحاخام جرسون كوهين بقوله: "إن كثيراً من يهود العالم يتصورون أن إسرائيل هي معبدهم الأساسي، وأن رئيس وزرائها حاخامهم الأكبر". وقد ظهرت في ألمانيا، في الثلاثينيات، جماعة من المفكرين الدينيين اللوثريين الذين أدركوا الطبيعة العدمية للرؤية الحلولية الكمونية وأدركوا تَورُّط الصهاينة فيها. وقد حذر هاينريش فريك اليهود من فكرة الشعب العضوي (أي الشعب الذي تكمن فيه قداسة دون مرجعية إلهية متجاوزة له) التي يدافع عنها النازيون والصهاينة. وعرَّف كلاًّ من النازية والصهيونية بأنهما حركتان حولتا الأرضية (الارتباط بالأرض) والدنيوية (الارتباط بالدنيا) ـ وهي أمور مادية ـ إلى كيانات ميتافيزيقية، أي إلى دين. كما أشار فيلي ستارك إلى أنهما ضرب من ضروب المشيحانية السياسية التي تُحوِّل الدنيوي (المدنَّس) إلى مقدَّس، ولذا فهما يُحوِّلان الدم والتربة إلى قيمة مطلقة تحيطها القداسة الدينية، قيمة تضرب بجذورها في المشاعر الأسطورية الكونية، وفي ممالك الأرض بدلاً من مملكة السماء، ومن ثم توصَّل إلى أنه لا يوجد مجال للتفاهم بين المسيحية وعبادة الشعب العضوي اليهودية أو النازية. الخلاص Redemption; Geulah «الخلاص» ترجمة للكلمة العبرية «جيئُّولاه» ، وهي اصطلاح ديني يشير إلى الاختلاف العميق والجوهري بين ما هو كائن وما سيكون وإلى انتهاء آلام الإنسان. وفي العهد القديم معنيان لكلمة «خلاص» : 1 ـ تخليص الأرض عن طريق شرائها (سفر اللاويين 25/25، حيث يتحدث السفر عن فك الأرض) : "إذا افتقر أخوك فباع من ملكه يأتي وليه الأقرب إليه ويفك مبيع أخيه". 2 ـ ثم أصبحت الكلمة تعني تخليص الأرض من عذابها بعد أن وقعت في يد غير اليهود، وبالتالي تحوَّل معنى الكلمة وأصبحت تشير إلى الخلاص بالمعنى المجازي. ومفهوم «الخلاص» غير متجانس وغير مستقر في اليهودية شأنه شأن كثير من الأفكار الدينية الأخروية الأخرى. فالخلاص في أسفار موسى الخمسة، خلاص قومي جماعي للشعب لا للأفراد، وهو خلاص قد يتم داخل الزمان لا خارجه، والآن وهنا لا في آخر الأيام، كما هو الحال في واقعة الخروج حيث يضرب الإله أعداء اليهود ويخرج بهم من مصر ثم يساعدهم على غزو كنعان، وهكذا دون أي ذكر لخلاص نهائي (في آخر الأيام خارج التاريخ أو حتى داخله) . وأخذ المفهوم يكتسب أبعاداً إنسانية وأخلاقية فردية واضحة في كتب الأنبياء، إلا أنه مع هذا لم يفقد كثيراً من الأبعاد القومية، فالإله لا تزال تربطه علاقة خاصة مع الشعب، والخلاص يتم الآن وهنا كواقعة مادية تاريخية. ولكن مع التهجير البابلي، ومع الإحباطات المتكررة في هذا العالم، أصبح الخلاص مسألة ستتم في العالم الآتي (المستقبل) في آخر الأيام، ولكن داخل الزمان وبشكل فجائي. وهذه أساساً هي رؤية كتب الرؤى (أبوكاليبس) ، على خلاف كتب الأنبياء حيث تتم عملية الخلاص من خلال جهد بطيء داخل التاريخ في معظم الأحيان. ثم ظهرت في القرنين الأخيرين قبل الميلاد فكرة الخلاص بعد البعث خارج الزمان في كتاب دانيال وغيره من الكتب، إلى أن أصبح الإيمان بذلك الشكل من الخلاص أحد الأصول الأساسية لليهودية عند موسى بن ميمون. ورغم كل التطورات التي دخلت على مفهوم الخلاص واتساع أبعاده، فإن البعد القومي الجماعي ظل واضحاً. فالعصر المشيحاني، أي عصر الخلاص بالدرجة الأولى، هو عصر عودة جماعة يسرائيل واسترجاع سيادته على الأرض وربما على العالم. وقد يشارك البشر كافة في عملية الخلاص هذه وقد لا يشاركون فيها. ولكن جماعة يسرائيل تظل، مع هذا، حجر الزاوية. وهناك رأي يذهب إلى أن الخلاص يتم على مرحلتين: الأولى وهي العصر المشيحاني حيث تعود جماعة يسرائيل إلى صهيون ويُبعث أتقياء اليهود للحياة الأزلية، ثم المرحلة الثانية حيث يُبعث الموتى جميعهم أتقياؤهم وأشرارهم للحساب النهائي، وهذه هي الآخرة. والرؤية التلمودية للخلاص قومية في جوهرها إذ تظل جماعة يسرائيل محط اهتمام الخالق ومحور التاريخ. فحياة المنفى هي العقاب الذي قدَّره الإله على أعضاء هذه الجماعة بسبب بُعدهم عن عبادته الحقيقية وبسبب ما يقترفون من آثام. ولذا، فإن اليهود يُكفِّرون في المنفى عن ذنوبهم وسيخلصهم الإله في نهاية الأمر. لكن معصية جماعة يسرائيل هي السبب في تأخير عملية الخلاص النهائية، أي أن عملية الخلاص مرتبطة بسلوكهم، والمصير النهائي للعالم يتوقف على مصيرهم. وأصبحت إعادة بناء الهيكل واستعادة العبادة القربانية صوراً أساسية مرتبطة بعملية الخلاص يهتم بها التلمود أيما اهتمام، كما سجل الحاخامات تفاصيلها حتى يمكن القيام بها في آخر الأيام في لحظة الخلاص. وسابعة الثماني عشرة بركة التي تُتلَى في صلاة العميدا تُدعى «بركة الخلاص» لأنها دعوة للإله مخلص يسرائيل، وهذه الرؤية مختلفة عن الرؤية المسيحية التي ترى أن الإنسان كائن ساقط يعاني من الخطيئة الأولى وأن أفعاله أياً ما بلغت من خير لا يمكنها أن تأتيه بالخلاص. ويُلاحَظ في القبَّالاه أن مركزية يسرائيل تتزايد، وأن مفاهيم مثل «السقوط» و «الخطيئة» الأولى تدخل النسق الديني اليهودي إذ يصبح السقوط مسألة ميتافيزيقية كونية كامنة في الحالة الإنسانية بل الإلهية أيضاً. فحادث تَهشُّم الأوعية أدَّى إلى تَبعثُّر الشرارات الإلهية (نيتسوتسوت) واختلاط الخير بالشر وانفصال الأمير (التجلي السادس) عن الأميرة (التجلي العاشر) . ولكن سقوط الإله وتبعثره يقابله سقوط آدم وسقوط أرواح كل البشر معه. ولابد من جَمْع الشرارات الإلهية التي تبعثرت حتى يستعيد الإله وجوده المتكامل ووحدته وخلاصه ويعود اسمه (فالاسم في التراث القبَّالي هو الإله في حالة تكامل عضوي) ويلتحم الأمير بالأميرة في الزواج المقدَّس. ولكن هذه العملية لا يمكن أن تتم دون جماعة يسرائيل، فهي أيضاً الشخيناه، أي التعبير الأنثوي عن الإله، تلك التي نُفيت مع تَبعثر الذات الإلهية. فكأن اليهود جزء من الإله، يوجد بين البشر ويشهد عليهم. والشعب اليهودي هو وحده القادر على أن يأتي بالخلاص عن طريق تنفيذ الأوامر والنواهي (متسفوت) فمن خلال هذه العملية ستتم استعادة الشرارات الإلهية واستعادة الإله نفسه، فيعود إلى الكون اتزانه، أي أن عملية الخلاص الكونية تتوقف على شعب يسرائيل. ويأخذ الخلاص شكل عودة الشخيناه من المنفى إلى أرض يسرائيل، فالعصر المشيحاني هنا أصبح جزءاً من دراما كونية تضم الإله وكل المخلوقات. وعودة اليهود إلى صهيون هي إلغاء حالة نفي البشر وتَبعثر الإله. وهنا يُلاحَظ أن نفي الشخيناه والشعب يشبه حادثة الصلب في المسيحية، فكأن الإله يتعذب بسبب سقوط الإنسان وتبعثر الشرارات، وسقوط آدم، والعودة تقابل البعث في اليوم الثالث، والتحام الأمير بالأميرة يشبه حادثة التجسد المسيحية، وهذا تعبير عن تنصر اليهودية تدريجياً. وفي بعض التفسيرات القبَّالية تشمل عملية الخلاص البشر جميعاً، ولكنها في بعض التفسيرات الأخرى لا تشمل سوى اليهود إذ أن البشر خُلقوا من طينة أخرى غير الطينة التي خُلق منها اليهود (وهذا يتنافى مع الرؤية التوراتية للخلق) . ولذا، فالأغيار ساقطون تماماً، مذنبون تماماً، ولا سبيل إلى إنقاذهم أو خلاصهم. ومن أهم المفاهيم القبَّالية المرتبطة بالخلاص مفهوم الخلاص بالجسد (عفوداه بجاشميوت) . وجوهر هذه الفكرة أنه مع تبعثر الشرارات الإلهية، يتداخل الخير الشر ولا يمكن الوصول إلى الخير إلا من خلال الشر. ولذا، فلا يمكن أن يتم الخلاص إلا بالغوص في الرذيلة، ولا يمكن الصعود إلا من خلال الهبوط. وقد استفاد المشحاء الدجالون من هذا المفهوم في انغماسهم في الملذات، بل في ارتدادهم عن اليهودية، إذ فُسِّرت رذائلهم بأنها الطريق إلى الفضيلة. وفي القرن السابع عشر، ظهرت في صفوف البروتستانت العقيدة الاسترجاعية التي جعلت اليهود مركزاً لرؤية الخلاص إذ لا يمكن أن يتم الخلاص إلا بعد عودة اليهود إلى صهيون (فلسطين) وتنصيرهم، أي استيعابهم في الأمم. الرؤية الصهيونية للخلاص Zionist View of Redemption استوعبت الصهيونية كثيراً من الأفكار اليهودية الخاصة بالخلاص، ذات التركيب الجيولوجي، بعد علمنتها: 1 ـ فكرة «خلاص الشعب» بالمعنى العرْقي (وليس بالمعنى الديني) فكرة محورية في التصور الصهيوني للتاريخ. 2 ـ يتم الخلاص كحادثة في التاريخ (مثل الخروج أو الهجرة من مصر) وليس كحادثة مشيحانية في آخر الأيام أو بعد البعث. ولذا، رفض الصهاينة فكرة انتظار مشيئة الإله وأخذوا زمام الأمور في أيديهم. 3 ـ يرى الصهاينة أن الحياة في المنفى شكل مرضي من الحياة، وهذه علمنة للفكرة الحاخامية القائلة بأن المنفى عقاب للتكفير عن الذنوب. 4 ـ يتمثل الخلاص (على الطريقة الصهيونية) في تطبيع الشخصية اليهودية الهامشية عن طريق تخليص الأرض والاستيطان فيها، وبإنشاء دولة طبيعية مثل الدول كافة، وبذا ينتهي الصراع القائم بين اليهود والعالم! (والخلاص هنا يعني التكيف مع مكونات العصر الحديث وحقائقه الصلبة) . وهذه علمنة لفكرة عودة الشعب آخر الأيام، وأن يعم السلام العالمين، كما أنها علمنة لفكرة تنصير الشعب اليهودي. 5 ـ يرى آرثر هرتزبرج أن الخلاص الذي كان يأخذ في الماضي شكل مواجهة بين الشعب والإله، يأخذ الآن شكل مواجهة بين الشعب وشعوب العالم الأخرى، وهذه علمنة أعمق لفكرة الخلاص. 6 ـ ولكن الصهاينة لم يُسقطوا عنصر الاختيار والتفوق، شأنهم شأن الفكر الديني الحلولي التقليدي، فالدولة الصهيونية لها حقوق يهودية مطلقة تجب الحقوق الأخرى كافة، وهي تشير إلى نفسها بأنها نور الأمم، وواحة الديموقراطية الغربية، ورائد العالم الثالث. 7 ـ وقد قامت الدولة الصهيونية أيضاً بعلمنة فكرة تخليص الأرض أو فكها عن طريق شرائها، فقامت بتأسيس الصندوق القومي اليهودي ليضطلع بهذه المهمة. كما أن الدولة الصهيونية تشارك في عملية الخلاص هذه بطرد العرب، واستصدار قوانين مختلفة تيسِّر عملية الاستيلاء على الأراضي وتجعلها أمراً شرعياً. ويمزج مفهوم العمل العبري الصهيوني بين كل الاتجاهات السابقة، فيهودي المنفى يخلِّص نفسه، ويخلِّص الأرض في آن واحد، بأن يعود إليها ويفلحها بنفسه، فيُطهِّر نفسه من أدران المنفى (الخلاص بالجسد) التي علقت به، ويطهرها هي من سكانها الأصليين. وهكذا يتم خلاص اليهودي وأرضه عن طريق التخلص من أصحابها الأصليين. عرَّف الصهاينة الخلاص بشكل عام دون تحديد الدوافع أو الوسائل التي يتم بها، فالخلاص، في نهاية الأمر، خلاص الأرض والشعب. ولكن ذلك يتم لدوافع اشتراكية وبوسائل اشتراكية عند الصهاينة العماليين، أو يتم بدوافع رأسمالية وبوسائل رأسمالية عند الصهاينة الرأسماليين، كما يمكن أن يتم لأسباب دينية أو إلحادية، وبوسائل دينية عند المتدينيين وبوسائل إلحادية عند الملحدين. ويُلاحَظ أن ما يتغيَّر هنا ليس مضمون الخلاص أو حتى طريقته (فالجميع يلجأ إلى العنف والإرهاب) وإنما ديباجته وما يُعلَن للناس من أهداف. اليهودية: تاريخ Judaism: History من الشائع أن يقرن الدارسون تاريخ العبرانيين وتواريخ الجماعات اليهودية من جهة بتاريخ العقيدة (أو العقائد) اليهودية من جهة أخرى، وكذلك أن يوحدوا بينهما وكأنهما شيء واحد. وهو اتجاه ساعد عليه ما يمكن تسميته «التاريخ المقدَّس» أو «التاريخ التوراتي» ، أي القصص التي وردت في التوراة على هيئة تاريخ. ونحن نرى ضرورة فصل تواريخ الجماعات اليهودية في العالم عن تاريخ العقيدة أو العقائد اليهودية، وذلك لاعتبارات منهجية وموضوعية، إذ أن الخلط بينها هو خلط بين مجالين مختلفين يؤدي إلى كثير من التشوش وعدم الفهم. وقد اعتاد الكثيرون النظر إلى اليهودية كما لو أنها عقيدة متكاملة وبناء ديني متكامل اتضحت معالمه الأساسية منذ ظهوره، وكما لو أن هذا البناء ظل محتفظاً بهذه السمات حتى الوقت الحاضر (كما هو الحال إلى حدٍّ كبير مع الإسلام والمسيحية على سبيل المثال) . وهذا مناف للواقع، فتاريخ اليهودية طويل إلى أقصى حد. وقد مرت اليهودية كعقيدة بعدة تطورات عميقة غيَّرت طبيعتها وتوجهاتها شكلاً ومضموناً. هذا على الرغم من وجود أطروحات أساسية متواترة، مثل العهد والشعب المختار، تخلع عليها نوعاً من الوحدة. بل إن ثمة ظاهرة تنفرد بها اليهودية وهي ما يمكن تسميتها «الخاصية الجيولوجية التراكمية» ، أي أن اليهودية تشبه التركيب الجيولوجي المكوَّن من طبقات مختلفة غير متجانسة تراكمت الواحدة فوق الأخرى عبر الزمان دون أن تمتزج. فاليهودية استوعبت عناصر مختلفة عديدة، ولكنها لم تمزجها ولم تفرض عليها حداً أدنى من الاتساق الداخلي. ولذا فإننا نجد أن هناك أفكاراً توحيدية متطرفة عند الأنبياء، وأفكاراً حلولية متطرفة عند القبَّاليين وصفها الحاخامات بأنها شكل من أشكال الشرك. ونجد رؤى متناقضة تماماً للإله فيما يتصل بمفاهيم مثل البعث والثواب والعقاب. كما دخل اليهودية كثير من المعتقدات الشعبية التي هي أقرب إلى الفلكلور. وربما كانت هذه السمة الجيولوجية هي التي أدَّت، في نهاية الأمر، إلى تعريف اليهودي في الشريعة اليهودية بأنه من وُلد لأم يهودية، وهو تعريف يضم الملحدين الذين لا يؤمنون بالإله، كما يضم (من الناحية النظرية على الأقل) اليهود الذين تنصروا أو أسلموا. ويمكن تقسيم تاريخ اليهودية، باعتبارها نسقاً دينياً وعقيدة، بعيداً عن تاريخ العبرانيين وتواريخ الجماعات اليهودية، إلى عدة مراحل أساسية، وتقسيم كل مرحلة إلى فترات. وفي محاولتنا توصيف اليهودية، سنبين تتابُع ظهور كتب اليهود المقدَّسة، كما سنشير إلى المواجهات الخمس الكبرى بين اليهودية والحضارات الوثنية والتوحيدية المختلفة. والمراحل الثلاث الأساسية في تاريخ اليهودية هي: أولاً: يهودية ما قبل التهجير إلى بابل (حتى عام 587 ق. م) ، أو العبادة اليسرائيلية والعبادة القربانية المركزية، تمييزاً لها عن اليهودية نفسها: وهي تقريباً المرحلة نفسها التي أطلقنا على اليهود فيها مصطلح «العبرانيون» ، باعتبارهم جماعة عرْقية إثنية، و «اليسرائيليون» أو «جماعة يسرائيل» باعتبارهم جماعة دينية. وهذه المرحلة الكبرى تقسَّم بدورها إلى عدة فترات، وهي مرحلة يختلط فيها التاريخ بالأسطورة، وتُسقَط مفاهيم فترات لاحقة على فترات سابقة. ويمكن تقسيم هذه المرحلة إلى الفترات التالية: 1 ـ فترة الآباء: (2100 ق. م ـ 1250 ق. م) : وتمتد ابتداءً من إبراهيم حتى يوسف. وحسبما جاء في التوراة، وقد قطع الإله على نفسه عهداً لإبراهيم بأن يكون الشعب الذي سينحدر من صلبه شعباً عظيماً، وأن تكون أرض كنعان من نصيبه. وحسب ما ورد في التوراة يمكن القول بأن عبادة الآباء تأثرت بالتراث الديني السامي القديم بتقديسها القوى الطبيعية والإيمان بالروح والشياطين والتحريمات (التابو) ، وتمييزها بين الطاهر والنجس. ويُلاحَظ وجود عناصر وثنية كما هو الحال في قضية الترافيم (الأصنام) . 2 ـ فترة موسى والخروج من مصر (فترة سيناء) (1275 ق. م ـ 1250 ق. م) : تلقَّى موسى، في سيناء، الوحي الإلهي من يهوه، والأمر بألا يُعبَد إلاّه باعتباره الإله الواحد، وبعدم تجسيده أو تشبيهه بشيء واحد من خلقه، أي أن الخالق يُصبح خالق التاريخ والطبيعة منزَّهاً عنهما. وقد صاحبت هذا الوحي مجموعة من الطقوس والقوانين الاجتماعية تحكم القبائل العبرانية في محيطها الصحراوي، أي نزل قانون ديني دائم ينظم المجتمع وعلاقات أعضائه. وفي هذه الفترة تَجدَّد العهد الإلهي المُعطَى للآباء. ويُعَدُّ الخروج نفسه تحقيقاً لهذا الوعد، وتُعَدُّ حادثة الخروج اللحظة التي وُلدت فيها جماعة يسرائيل، أي العبرانيون باعتبارهم جماعة دينية متميِّزة. 3 ـ المواجهة الأولى مع حضارة كنعان، والصراع بين يهوه وبعل (1200 ق. م ـ 587 ق. م) : حينما تغلغل العبرانيون في كنعان وجدوا عبادة بعل، وهي عبادة حلولية من عبادات الطبيعة كانت سائدة هناك (في ذلك المجتمع الزراعي) . وقد حملوا معهم من المجتمع الصحراوي عبادة يهوه، وهي عبادة توحيدية أو شبه توحيدية. وحينما امتزجوا وتزاوجوا مع السكان الأصليين وتبنوا لسانهم حدث الامتزاج بين العقيدتين. وقد أصبح التناقض بين عبادة يهوه (رب التاريخ والشعب) وعبادة بعل (رب الطبيعة والحياة اليومية) التوتر الأساسي الذي تَحكَّم في حياة العبرانيين الدينية، وذلك حتى سقوط الدولتين الشمالية والجنوبية. وشهدت هذه الفترة ظهور الأنبياء المدافعين عن عبادة يهوه. والإصلاح التثنوي (621 ق. م) تعبير عن التوتر بين الحلولية والتوحيد الذي كانت له أبعاده السياسية. وحسب التصور الديني اكتمل الوعد الإلهي بالأرض والخلاص في مرحلة الملوك، كما تم تشييد الهيكل في تلك المرحلة (مرحلة الهيكل الأول) وتحوَّل إلى محور العبادة القربانية المركزية التي كان يشرف عليها الكهنة. ورغم تأكيد وحدانية الإله، فقد ظهرت مفاهيم أخرى ذات طابع حلولي، مثل الاختيار بتضميناته العرْقية والتركيز على الأرض، وهي مفاهيم تحد من عالمية الإله وتجعله مقصوراً على شعبه وأرضه، الأمر الذي ينتقص وحدانيته. وقد ظل هذا توتراً أساسياً في النسق الديني اليهودي. فإله العالمين لا يحتاج إلى أرض أو شعب، أما الإله القومي فيحتاج إلى شعب وأرض. وهو توتر بين النزعة الدينية الأخلاقية التي تبحث عن الخلاص في الزمان، والنزعة الوثنية القومية التي تبحث عنه في المكان، وهي ما يمكن تسميته «نزعة صهيونية» بالمعنى العام والبنيوي. وقد أصبح داود الملك النموذجي الذي يحكم باعتباره حاكماً دينياً يساعده الكهنة، وارتبط اسمه بالماشيَّح المخلص الذي يأتي من نسله (إلا أن عقيدة الماشيَّح نفسها لم تكن قد ظهرت بعد في هذه الفترة) . وقد ظهرت في هذه المرحلة بعض القوانين الأخلاقية والشعائر، مثل: الختان، وشعائر الطعام والزراعة والسبت، وعيد الفصح، وعيد الأسابيع، وعيد المظال. وتتميَّز تلك المرحلة بأن الدين كان مرتبطاً بالجماعة الإثنية أو العرْقية ارتباطاً كاملاً، كما هو الحال في الشرق الأدنى القديم، وبأن اليهود تحوَّلوا تدريجياً، من خلال الاندماج مع السكان الأصليين، إلى جماعة زراعية بعد أن كانوا يشكلون جماعة صحراوية متنقلة. ويُلاحَظ وجود شعائر كثيرة مرتبطة بالزراعة. وتنتهي المرحلة بهدم الهيكل والتهجير إلى بابل (الذي يُطلَق عليه «السبي البابلي» في المصطلح الديني) . ثانياً: مرحلة ما بعد التهجير (بعد 587 ق. م) : وهي المرحلة التي اكتسبت خلالها العبادة القربانية المركزية، وهي المرحلة الثانية من عبادة يسرائيل، الملامح التي حولتها إلى العقيدة اليهودية في نهاية الأمر. وحينما نذكر اليهودية، فنحن عادةً ما نشير إلى يهودية ما بعد التهجير. وقد شهدت هذه المرحلة التعديل التدريجي للشريعة بحيث تحولت من كونها شريعة تشمل كل جوانب الحياة إلى شريعة تغطي بعض جوانبها وحسب، إذ تم تَقبُّل قوانين الدولة الحاكمة في عدة مجالات باعتبار أن «شريعة الدولة هي الشريعة» وهو ما أدَّى إلى تقلُّص مجال الشريعة اليهودية واقتصاره على الجوانب الدينية فقط وعلى الجوانب الخاصة بالعلاقات الداخلية لأعضاء الجماعات اليهودية. ويمكن تقسيم هذه المرحلة إلى الفترات التالية: 1 ـ الفترة البابلية (والمواجهة الثانية مع الحضارة البابلية) والفارسية والهيلينية (والمواجهة الثالثة مع الحضارة الهيلينية) والرومانية (578 ق. م ـ 175 ق. م) : شهدت هذه المرحلة تفتُّت وحدة اليهود الجغرافية وانفتاحهم على الأفكار الدينية البابلية التي تعرفوا إليها أثناء فترة التهجير (أو السبي) ، وهو ما ترك أثراً عميقاً في بنية العقيدة بحيث أخذت العبادة اليسرائيلية تتحول بالتدريج إلى اليهودية. وقد سمح قورش لليهود بالعودة إلى مقاطعة يهودا وأمر بإعادة تشييد الهيكل، وهذه بداية مرحلة الهيكل الثاني في المصطلح الديني. ومع قيام الإسكندر بغزو الشرق الأدنى القديم، دخلت اليهودية مرحلة جديدة إذ تأثر المفكرون اليهود تأثراً عميقاً بالأفكار الدينية والفلسفة الهيلينية. ويُلاحَظ أن عمق تأثر اليهود بالحضارة الهيلينية مرتبط باختفاء السلطة الدينية المركزية. وقد ساعد تسَامُح الحضارة الهيلينية، ثم السلطة الرومانية، تجاه اليهود على تَزايُد اندماج أعضاء الجماعات اليهودية ومن ثم على تأثرهم بالمنظومات الدينية والمعرفية والفلسفية السائدة في المجتمعات التي يعيشون فيها. ولم تتعاون السلطة الحاكمة (البطلمية أو السلوقية أو الرومانية) مع القيادات الحاخامية للهيمنة على أعضاء الجماعات كما فعلت السلطة الفارسية وإنما أتاحت لهم مجال الاندماج، فانتشرت أنماط التفكير الهيليني بسرعة، ونسي اليهود الآرامية وتعلموا اليونانية التي تُرجم إليها العهد القديم. وقد حل الكاهن الأعظم محل الملك في الرئاسة الدينية، وأُعيد تشييد الهيكل بحيث أصبح الهيكل مركز العبادة مرة أخرى. وشهدت هذه الفترة إصلاحات عزرا ونحميا، وبداية تدوين العهد القديم. ويمكن القول بأن الفترة السابقة يمكن تقسيمها إلى ما قبل ما بعد الرؤى (أبوكاليبس) ، والكتب الخارجية أو الخفية (أبوكريفا) في نهاية العصر الهيليني، وبدايات الشريعة الشفوية وتَرسُّخ عقيدة الماشيَّح، وظهور عقائد مثل: خلود الروح والبعث. وشهدت هذه الفترة أيضاً الانقسام السامري، وظل الدين في هذه الفترة مرتبطاً بالجماعة الإثنية رغم انتشار الجماعات اليهودية خارج فلسطين. 2 ـ فترة ما قبل ظهور اليهودية الحاخامية (أو المعيارية أو الكلاسيكية) حتى القرن السادس، ظهور الفريسيين وهدم الهيكل وظهور الأكاديميات (يشيفا) والمعبد اليهودي: يُعَدُّ ظهور الفريسيين قمة التطور الذي بدأ مع التهجيرالبابلي والذي أخذ شكل انفتاح مستمر على العناصر العالمية، وهي النقطة التي تحولت فيها العبادة اليسرائيلية والعبادة القربانية المركزية اليهودية بشكل نهائي. وجوهر الفريسية هو هجومها على طبقة الكهنة المرتبطة بالهيكل، والعبادة القربانية المركزية مُمثَّلة أساساً في الصدوقيين وطرحها تصوراً لليهودية منفصلاً عن المكان، وعن الدولة، وعن الأرض، وإن لم يكن منفصلاً عن الجماعة الإثنية. وقد طوَّر الفريسيون مفهوم الشريعة الشفوية لتوسيع مجال التفسير، وحتى يمكن تحرير اليهود من قبضة العبادة القربانية. وشهدت هذه المرحلة ظهور المعبد اليهودي (سيناجوج) . وواكب كل هذا انتشار الحضارة الهيلينية وقيمها بين اليهود الذين لم يعودوا يعرفون العبرية، كما كان عدد اليهود خارج فلسطين أكثر من عددهم داخلها. ولذا، أدَّى هدم الهيكل، على يد تيتوس، إلى تكريس اتجاه موجود بالفعل. وقد ظهرت المسيحية في هذه الفترة فمثلت تحقيقاً لعملية فصل الدين عن مؤسسات الدولة ثم عن الجماعة الإثنية، بحيث صار باب الخلاص مفتوحاً لجماعة المؤمنين بأسرها، وليس للمنتمين إلى جماعة إثنية محددة. وقد أدَّى انتشار المسيحية إلى ضمور اليهودية. وفي القرن السادس، تم تدوين التلمود الذي يتسم بزيادة الاتجاه نحو الحلولية والنزعة القومية، والذي ينسب إلى الإله صفات بشرية عديدة. ولم تَعُد القدس مركزاً دينياً وحيداً، بل أصبحت هناك مراكز عديدة منفصلة يقودها الحاخامات. ويُعدُّ هذا تاريخ ظهور اليهودية الحاخامية، وهي اليهودية التي انتشرت بين أعضاء الجماعات اليهودية حتى نهاية القرن التاسع عشر. ومن المشاكل الأساسية التي واجهتها اليهودية بدءاً من هذه الفترة أنها كانت ديانة توحيدية أو شبه توحيدية في تربة وثنية تكتسب هويتها من وحدانيتها وتحارب ضد الأسطورة والحلولية، ولكنها وجدت نفسها في تربة توحيدية، إسلامية أو مسيحية، ولذا عدَّلت إستراتيجيتها، وأخذت تتجه نحو الأسطورة والتعددية. ووصل هذا الاتجاه إلى قمته في القبَّالاه. 3 ـ اليهودية الحاخامية، من القرن السابع الميلادي (بعد تدوين التلمود) حتى منتصف القرن السابع عشر (هيمنة القبَّالاه) (المواجهة الرابعة مع الديانات التوحيدية: المسيحية والإسلام) . في هذه الفترة، تحوَّل اليهود إلى جماعات متفرقة لا تعمل بالزراعة، الأمر الذي ترك أثراً عميقاً في التركيب الطبقي والوظيفي لليهود إذ أصبحوا جماعات وظيفية وسيطة، خصوصاً في العالم الغربي. وقد تدعَّم مركز الحاخامات، الذين حلوا محل الكهنة، واكتملت المعالم الأساسية للتفسيرات الحاخامية التي تُسمَّى «الشريعة الشفوية» . وأخذ الفكر الديني اليهودي في الضمور في الغرب خلال العصور الوسطى في الغرب، بينما نجده ينفتح ويتطور نتيجة احتكاكه بالفكر الإسلامي التوحيدي، العقلاني والصوفي، وهذه هي المواجهة الرابعة مع الحضارة الإسلامية. وبلغ الانفتاح والتطور ذروته في كتابات موسى بن ميمون الذي قدَّم أول تحديد لأصول الدين اليهودي. وقد ظهر، تحت تأثير الفكر الإسلامي، الاحتجاج القرّائي (العقلاني) ورفض الشريعة الشفوية. ويُلاحَظ في هذه الفترة أن اليهودية لم تَعُد مرتبطة بالمكان، وذلك رغم أنها ظلت ديانة جماعة إثنية محددة. وأصبحت العودة مفهوماً دينياً وعملاً من أعمال التقوى، وأصبحت صهيون صورة مجازية دينية وكان على المؤمن ألا يحاول العودة إلى صهيون (فلسطين) ، وأن ينتظر حتى يشاء الإله عودة الشعب. ونظراً لوجود اليهودية الغربية في حالة العزلة داخل الجيتو باعتبارها عقيدة جماعة وظيفية وسيطة، فقد أصابها الجمود وأصبحت عاجزة عن الوفاء بحاجات اليهود الدينية. وأخذت الأزمة تتفاقم مع القرن السادس عشر، مع بدايات الثورة العلمانية الكبرى، ومع هجمات شميلنكي عام 1648. وأخذ الاحتجاج على اليهودية الحاخامية (ويُقال لها أيضاً «التلمودية» أو «الربانية» ) شكل ثورات المشحاء الدجالين، مثل شبتاي تسفي، الذين يطالبون بإسقاط الشريعة والتلمود، وبالعودة الفعلية والفورية إلى فلسطين. وقد أخذت الثورة ضد اليهودية الحاخامية شكلاً آخر، وهو ظهور تراث القبَّالاه الصوفي المفرط في الحلولية مثل كتاب الزوهار وكتابات إسحق لوريا المتأثر بشكل مشوَّه ببعض المفاهيم المسيحية مثل التثليث والصلب. ويرى جرشوم شوليم أن القبَّالاه اللوريانية حققت هيمنتها الكاملة في منتصف القرن السابع عشر. كما ظهرت الحركات الشبتانية والحركة الحسيدية. ولم ترفض المؤسسة الحاخامية القبَّالاه تماماً، بل استوعبتها بعد حين، وجعلت الإيمان بها واحداً من أركان العقيدة اليهودية. لكن التوتر ظل قائماً بين المؤسسة الحاخامية التلمودية والمؤسسة القبَّالية الحسيدية، وتَمثَّل هذا في الصراع بين المتنجديم والحسيديين، وإن كانوا قد وحدوا صفوفهم في مواجهة الحركات التجديدية والإصلاحية الحديثة. ثالثاً: العصر الحديث (مع منتصف القرن السابع عشر تقريباً) : وهي مرحلة المواجهة الخامسة مع الحضارة العلمانية في الغرب: بينما كانت اليهودية متخندقة في الجيتو، كان المجتمع الأوربي آخذاً في التطور السريع، وهو تطوُّر لم يشارك فيه أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب (رغم أنه ترك فيهم أعمق الأثر) . ومع ظهور الدولة القومية التي طالبت بفصل الولاء القومي عن الانتماء الديني، ومع تَصاعُد معدلات العلمنة، وجد أعضاء الجماعات اليهودية أنفسهم في العصر الحديث، غير مهيئين على الإطلاق لإنجاز هذه العملية. ولقد بدأت المرحلة الحديثة في هولندا في القرن السابع عشر، في أمستردام، ثم فرنسا وألمانيا في القرن الثامن عشر، ومعظم بلاد أوربا في منتصف القرن التاسع عشر، والعالم العربي والعالم الإسلامي في القرن العشرين. وتسبَّب هذا الوضع في ظهور أزمة هوية عميقة، وأخذت ردود الفعل أشكالاً كثيرة مثل: 1 ـ حركة التنوير اليهودية وظهور اليهودية الإصلاحية، أواخر القرن الثامن عشر: تُعَدُّ حركة التنوير واليهودية الإصلاحية إحدى الاستجابات اليهودية للعصر الحديث، وهي استجابة تتقبل معطيات هذا العصر وعقلانيته المادية وتنطلق منه، وتحاول فصل الدين لا عن الدولة الحاكمة وحسب، وإنما عن الجماعة الإثنية تماماً بحيث يصبح «اليهودي يهودياً في منزله مواطناً في مدينته» (على حد قول يهودا جوردون) . 2 ـ الحركات الأرثوذكسية والمحافظة، أوائل القرن التاسع عشر: لم تكن كل قطاعات اليهود راغبة في ـ أو قادرة على ـ دخول العصر الحديث، وتَقبُّل قيمه. ولذا، انخرطت أعداد كبيرة منها في حركات دينية هي في جوهرها رد فعل للعصر الحديث يأخذ شكل الإمساك بتلابيب الصيغة الدينية القومية التقليدية، مثل: الحسيدية (التي بعثت التراث الصوفي) واليهودية الأرثوذكسية والمحافظة والتجديدية. ولا تزال الفرق اليهودية كلها مختلفة حول أمور شعائرية وعقائدية عديدة، وتبلورت الخلافات في موقفها من الشريعة، أهي ملزمة لليهودي في العصر الحديث أم يمكنه إعادة تفسيرها على طريقته، أو حتى التخلي عنها؟ 3 ـ الحركة الصهيونية بين اليهود في أواخر القرن التاسع عشر: رغم أن الصهيونية في جوهرها حركة علمانية لا دينية، فإن ظهورها أثر تأثيراً عميقاً في اليهودية والفكر الديني اليهودي إلى درجة أن اليهودية الأرثوذكسية التي بدأت بمعاداة الصهيونية، أصبحت العمود الفقري للاستيطان الصهيوني. واستفادت الصهيونية من الاتجاه القومي داخل اليهودية وحوَّلت كثيراً من المفاهيم الدينية الروحية إلى مفاهيم فيزيقية بحيث تحولت العودة في نهاية الأيام إلى الاستيطان الصهيوني هذه الأيام. كما تمت علمنة المفاهيم الدينية بحيث أصبح هناك ما يشبه التماثل البنيوي بين اليهودية الحاخامية والصهيونية. فهناك كثير من علماء الدين اليهودي يتحدثون عن دولة إسرائيل كما لو كان لها معنى أخروي ميتافيزيقي، وأنها علامة على تَدخُّل الإله في التاريخ لينقذ شعبه ويأتي له بالخلاص تماماً كما فعل في واقعة الخروج. وقد قرن أحد المفكرين الدينيين اليهود بين الإله والدولة إلى درجة أنه صرح عام 1967 بأن الإله نفسه مُهدَّد في هذه الحرب! وقد ظهر إلى جانب الصهيونية ما يُسمَّى «اليهودية الإثنية» التي أعادت تعريف اليهودية بحيث أفرغتها من محتواها الديني والأخلاقي أو جعلته في المرتبة الثانية وأكدت محتواها الإثني، فأصبح بإمكان اليهودي الذي لا يؤمن بالإله ولا يمارس التحريمات الخاصة بالطعام أن يصر على تسمية نفسه يهودياً. ورغم انتصار الصهيونية الكاسح، فلا تزال توجد جيوب مقاومة بين اليهود الأرثوذكس والإصلاحيين. 4 ـ اليهودية في الولايات المتحدة: انتقل مركز اليهودية إلى الولايات المتحدة، وهو ما كان يعني انتقال اليهودية إلى تربة علمانية كاملة. فعمَّت الاتجاهات الإصلاحية والمحافظة، وضَعُفت اليهودية الكلاسيكية أو المعيارية (الأرثوذكسية) . كما ضَعُف دور الحاخام تماماً بحيث أصبح اليهود العاديون يسيطرون على الجماعة، وأصبح المعبد اليهودي جزءاً من النشاط الاجتماعي لأعضائها، كما هيمنت الصهيونية، في مستوى من المستويات، على الجماعة اليهودية وعلى فكرها الديني. 5 ـ لاهوت موت الإله: ظهر بعد الحرب العالمية الثانية تيار كاسح بين المفسرين الدينيين اليهود يَصدُر عن تقديس الشعب اليهودي وتاريخ هذا الشعب باعتباره سجلاً لما يقع له من أحداث وما يقوم به من أفعال. فكأن اليهودية سقطت مرة أخرى وبحدة في الحلولية الوثنية القديمة حيث يترادف الديني والقومي وحيث يستحيل تجاوز سطح المادة، فهي وثنية دون إله تحل فيها الذات القومية محل الذات الإلهية. وأهم أحداث التاريخ اليهودي (المقدَّس) من منظور هؤلاء المفكرين هو الإبادة النازية، فهي دليل على فشل اليهودية الحاخامية تماماً، إذ جعلت اليهود شعباً مختاراً يقف شاهداً على الشعوب الأخرى لا يشارك في السلطة السياسية ولا سيادة له. والإبادة دليل أيضاً على اختفاء أو موت الإله، فحضور معسكرات الاعتقال دليل على غياب الإله. ويُلاحَظ أن الخطاب المستخدم هو خطاب ما بعد الحداثة، الذي يركز دائماً على عدم وجود مطلقات تتجاوز الواقع وغياب المركز، ومن ثم غياب علاقة الدال بالمدلول. ولكن اختفاء الإله كمطلق لا يعني اختفاء كل المطلقات إذ يظهر الشعب اليهودي باعتباره المطلق، ويصبح بقاؤه بأي ثمن القيمة الأخلاقية الكبرى، كما تصبح دولة إسرائيل التعبير الأمثل عن إرادة هذا الشعب وعن تَخلُّصه من عجزه وتأكيده سيادته. وشعائر هذا اللاهوت هي تَذكُّر الإبادة، وكتبه المقدَّسة هي الكتب اليهودية التي تُذكِّر اليهود والعالم بهذه الحادثة والمؤسسات الصهيونية (الكنيست الإسرائيلي ـ مؤسسات الجباية) هي مؤسسات العقيدة الجديدة. والأوامر والنواهي لم تَعُد لها أهمية، فأهم واجب ديني يهودي هو الدفاع عن بقاء الشعب اليهودي والدولة الصهيونية (مهما ارتكبت من آثام) والدفاع عن إسرائيل (ومن هنا يُسمَّى لاهوت موت الإله «لاهوت البقاء» ، و «لاهوت ما بعد أوشفيتس» ) . وبطبيعة الحال، نجد أن الأخلاقيات الناجمة عن الإيمان بهذه الرؤية أخلاقيات براجماتية لا علاقة لها بالقيم المطلقة. وإذا كان هدف اليهود البقاء والإبقاء على دولتهم بأي ثمن، فإن البقاء يُعَدُّ قيمة طبيعية أو داروينية وليس قيمة أخلاقية أو إنسانية. ولاهوت موت الإله تعبير عن الهيمنة الصهيونية الكاملة أو إنسانية، وعلمنة النسق الديني اليهودي، إذ صفِّي النسق الحلولي تماماً من كل شائبة (وحتى من كلمة الإله) ، وأصبح نسقاً خالياً من أي شيء سوى الذات القومية، وهو يشكل بالتالي عودة شبه كاملة للعبادة القربانية المركزية، ولكنها كما قلنا عبادة دون إله، الأمر الذي يعني تأليهاً متطرفاً للذات القومية. 6 ـ إعادة تأكيد الانتماء الديني مقابل الانتماء الإثني: في السبعينيات، بدأت تظهر مؤخراً حركات بين اليهود لا ترفض الصهيونية علناً، ولكنها تحاول التملص منها، وتؤكد ضرورة الاحتفاظ بالانتماء الديني مستقلاً عن الانتماء الإثني أو القومي أو السياسي. وأعضاء هذه الحركات يخشون اقتران اليهودية بالصهيونية اقتراناً كاملاً قد يقضي عليها. ولذلك، فهم يصرون على مركزية الدياسبورا (الجماعات) مقابل المفهوم الصهيوني الخاص بمركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا، ومن أهم دعاة هذا الاتجاه الحاخام جيكوب نيوزنر أكبر علماء التلمود المعاصرين. كما ظهر ما يُسمَّى «لاهوت التحرير» الذي يُطوِّر كثيراً من هذه المفاهيم، فدعاة لاهوت التحرير يرفضون تقديس التاريخ اليهودي والمزاوجة بين القومي والمقدَّس، وهم من ثم يرفضون اعتبار العقائد أو الدولة الصهيونية مطلقات. بل إنهم يطالبون اليهود بألا يتذكروا ضحايا الإبادة من اليهود وحسب وإنما أن يتذكروا أيضاً الضحايا من غير اليهود. أما الدولة الصهيونية، بالنسبة لهم، فهي قد حلت بالفعل مشكلة العجز بسبب غياب السيادة ولكنها استخدمت سلطاتها في حرق البشر وفي كسر عظام الأطفال، وأصبح بقاؤها مرهوناً بموت الأطفال الفلسطينيين، ولذا يتعيَّن على اليهود أن يتذكروا ضحايا الصهيونية، وإذا كانوا يساندون هذه الدولة فيتعيَّن عليهم أيضاً التمسك بالقيم الأخلاقية المطلقة ومحاكمة هذه الدولة من خلال هذه القيم. ويُلاحَظ أن التناقض بين لاهوت موت الإله ولاهوت التحرر هو نفسه التوتر القديم بين الكهنة والأنبياء وبين دعاة الانغلاق الوثني والانفتاح الأخلاقي العالمي، فكأن اليهودية لا تزال في حالة التوتر الأولى، وهذا يعود ولا شك إلى تركيبتها الجيولوجية التراكمية. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
التعريف بالصيهونية
الصهيونية: إشكالية التعريف Zionism: The Problem of Definition كلمة «صهيونية» يصعب تعريفها بشكل مباشر للأسباب التالية: 1 ـ التعريفات الشائعة في المعاجم الغربية تشير إلى "الأمل الصهيوني" وليس إلى الظاهرة الصهيونية، فتُعرَّف الصهيونية، على سبيل المثال بأنها "الحركة الرامية إلى عودة اليهود إلى وطن أجدادهم إرتس يسرائيل حسبما جاء في الوعد الإلهي والآمال المشيحانية لليهود! " وغني عن القول أن الأمل الصهيوني أو المتتالية المفترضة أو المتوقعة تختلف كثيراً عن الواقع الصهيوني أو المتتالية المتحققة. 2 ـ تختلط التعريفات بالاعتذاريات والمنظورات المختلفة بحيث لا تمكن التفرقة بين الواحد والآخر، فالصهيونية قد تكون من منظور البعض هي تحقيق الآمال المشيحانية، ولكنها من منظور البعض الآخر مخطط استعماري استيطاني. 3 ـ يشير المصطلح إلى نزعات وحركات ومنظمات سياسية غير متجانسة، بل متناقضة أحياناً، في أهدافها ومصالحها ورؤيتها للتاريخ، أو في أصولها الإثنية أو الدينية أو الطبقية. 4 ـ قد يُستخدَم المصطلح مع صفة تحدُّ من حقله الدلالي أو تُوسِّعه كأن نقول «الصهيونية العمالية» و «الصهيونية المسيحية» . بل هناك أيضاً «صهاينة صهيون» وهم معارضو مشروع شرق أفريقيا باعتبار أن دعاة هذا المشروع هم صهاينة بدون صهيون (كما أشار بعض دعاة الصهيونية الإثنية العلمانية إلى صهيونية هرتزل باعتبارها «صهيون بلا صهيونية «) . وإذا كانت الصهيونية تعني "تهجير بعض أعضاء الجماعات اليهودية إلى فلسطين وتوطينهم فيها"، فبأي معنى إذن يمكننا الحديث عن «صهيونية الدياسبورا» أو «الشتات» (الجماعات اليهودية في العالم) ،أي صهيونية اليهودي الذي يرفض أن يشترك في عملية الاستيطان الصهيوني وإن كان في الوقت نفسه يرى أن هذا الاستيطان هو الحل الوحيد لمشاكل اليهود؟ ولعل هذا هو الذي حدا بالمفكر الصهيوني العمالي بوروخوف إلى أن ينحت مصطلحاً في غاية الأهمية اختفى من الأدبيات والتواريخ الصهيونية وهو «صهيونية الصالونات» ، ويعني صهيونية الطبقة الوسطى التي تهتم بالجوانب الحضارية والثقافية والإثنية (أي ما يُسمَّى «الوعي اليهودي» ) ولا تهتم كثيراً بالاستيطان. كما نحت آخر (بعد تأسيس الدولة الصهيونية) مصطلح «صهيونية دفتر الشيكات» وهي صهيونية اليهودي الذي يُحدث أصواتاً صهيونية عالية ولكنه يكتفي بدفع مبلغ من المال للمنظمة الصهيونية. ولذا، فإن الصفة هنا في الواقع لا تُعدِّل دلالة المصطلح وحسب، وإنما تغير معناه تغييراً جوهرياً. 5 ـ وهنا يجب أن نثير قضية تتصل بالمجال الدلالي. فإن قَبلنا بأن الصهيوني "هو من يدعو إلى تهجير اليهود إلى فلسطين وتوطينهم فيها"، فهل يمكن أن نُطلق المصطلح على دعوة المعادين لليهود بطرد اليهود من أوطانهم وتوطينهم في فلسطين؟ بل هل يمكن أن نُطلق المصطلح على المشاريع النازية المختلفة للتخلص من اليهود؟ وهل يمكن الحديث عن النازيين كصهاينة؟ وعلى كل حال، فإن هذا ما فعله أدولف أيخمان أثناء محاكمته. فقد أشار إلى نفسه باعتباره صهيونياً يحاول أن يضع شيئاً من الأرض الراسخة تحت أقدام اليهود (باعتبار أن اليهود شعبٌ بلا أرض، أما الأرض الراسخة فهي فلسطين، أرض بلا شعب) . الصهيونية: تاريخ المفهوم والمصطلح Zionism: The History of the Concept and the Term لم يُسك مصطلح «الصهيونية» إلا في القرن التاسع عشر، ولكنه مع هذا يُستخدَم للإشارة إلى بعض النزعات في التاريخ الغربي، بل داخل النسق الديني اليهودي قبل هذا التاريخ. وسنحاول فيما يلي أن نرصد بعض استخدامات المصطلح ونوردها ـ على قدر المستطاع ـ في تسلسلها التاريخي، مع العلم بأن كل دلالة جديدة لا تنسخ بالضرورة ما سبقها، وإنما تُضاف إلىها فتزيد المجال الدلالي اتساعاً وتناقضاً وتجعل المصطلح تركيباً جيولوجياً تراكمياً: 1 ـ الصهيونية بالمعنى الديني: تشير كلمة «صهيون» في التراث الديني اليهودي إلى جبل صهيون والقدس، بل إلى الأرض المقدَّسة ككل، ويُشير اليهود إلى أنفسهم باعتبارهم «بنت صهيون» . كما تُستخدَم الكلمة للإشارة إلى اليهود كجماعة دينية. والواقع أن العودة إلى صهيون فكرة محورية في النسق الديني اليهودي، إذ أن أتباع هذه العقيدة يؤمنون بأن الماشيح المخلِّص سيأتي في آخر الأيام ليقود شعبه إلى صهيون (الأرض ـ العاصمة) ويحكم العالم فيسود العدل والرخاء. ولكلمة «صهيون» إيحاءات شعرية دينية في الوجدان الديني اليهودي، فقد جاء في المزمور رقم 137/1 على لسان جماعة يسرائيل بعد تهجيرهم إلى بابل: "جلسنا على ضفاف أنهار بابل وذرفنا الدمع حينما تذكرنا صهيون". وقد وردت إشارات شتى في الكتاب المقدَّس إلى هذا الارتباط بصهيون الذي يُطلَق عليه عادةً «حب صهيون» ، وهو حب يعبِّر عن نفسه من خلال الصلاة والتجارب والطقوس الدينية المختلفة، وفي أحيان نادرة على شكل الذهاب إلى فلسطين للعيش فيها بغرض التعبد. ولذا، كان المهاجرون اليهود الذين يستقرون هناك لا يعملون ويعيشون على الصدقات التي يرسلها أعضاء الجماعات اليهودية في العالم. وقد كان العيش في فلسطين يُعَد عملاً من أعمال التقوى لا عملاً من أعمال الدنيا، وجزاؤه يكون في الآخرة أو في آخر الأيام، ولذا فإنه لا تربطه رابطة كبيرة بالاستيطان الصهيوني، وخصوصاً أن اليهودية الحاخامية (الأرثوذكسية) تُحرِّم محاولة العودة الجماعية الفعلية إلى فلسطين وتعتبرها تجديفاً وهرطقة ومن قبيل «دحيكات هاكتس» أي «التعجيل بالنهاية» . فاليهودية تؤمن بأن العودة إلى أرض الميعاد ستتم في الوقت الذي يحدده الرب وبطريقته، وأنها ليست فعلاً بشرياً يتم على يد البشر. وهذه النزعة الصهيونية الدينية (التي تؤكد عنصر تجاوز المادة) لا علاقة لها بالاستيطان الصهيوني الفعلي والمادي في فلسطين ولا حتى بما يُسمَّى «الصهيونية الدينية» في الوقت الحالي. 2 ـ يُطلَق اصطلاح «الصهيونية» أيضاً على نظرة محددة لليهود ظهرت في أوربا (وخصوصاً في الأوساط البروتستانتية في إنجلترا ابتداءً من أواخر القرن السادس عشر) وترى أن اليهود ليسوا جزءاً عضوياً من التشكيل الحضاري الغربي، لهم ما لبقية المواطنين وعليهم ما عليهم، وإنما تنظر إليهم باعتبارهم شعباً عضوياً مختاراً وطنه المقدَّس في فلسطين ولذا يجب أن يُهجَّر إليه. وقد استمر هذا التيار المنادي بتوطين اليهود في فلسطين حتى بعد أن خمد الحماس الديني الذي صاحب حركة الإصلاح الديني. ويُطلَق على هذه النزعة اسم «الصهيونية المسيحية» ، وهي تمارس في الولايات المتحدة الآن بعثاً جديداً وخصوصاً في بعض الأوساط البروتستانتية (الأصولية) المتطرفة. 3 ـ مع تَزايُد معدلات العلمنة في المجتمعات الغربية، ظهرت نزعات ومفاهيم صهيونية في أوساط الفلاسفة (ولا سيما الرومانسيين) والمفكرين السياسيين والأدباء، تنادي بإعادة توطين اليهود في فلسطين باعتبار أنهم شعب عضوي منبوذ تربطه علاقة عضوية بها استناداً لأسباب تاريخية وسياسية بل"علمية". ويُطلَق على هذا الضرب من الصهيونية «صهيونية غير اليهود» أو «صهيونية الأغيار» . 4 ـ يُلاحَظ حتى الآن أن مصطلح «صهيونية» نفسه لم يكن قد تم سكه بعد، ومع هذا كان مفهوم الصهيونية مفهوماً مُتداوَلاً على نطاق واسع بين الفلاسفة والمفكرين والشعراء والمهووسين الدينيين. ولكن مع تبلور الهجمة الإمبريالية الغربية على الشرق، وبخاصة الشرق الإسلامي، ومع تبلور الفكر المعادي لليهود في الغرب (بسبب ظهور الدولة العلمانية المركزية التي همَّشت اليهود كجماعة وظيفية) ، ومع تصاعد معدلات العلمنة بدأ مفهوم الصهيونية نفسه في التبلور والتخلص من كثير من أبعاده الغيبية الدينية أو الرومانسية وانتقل إلى عالم السياسة والمنفعة المادية ومصالح الدول. 5 ـ ليس من الغريب إذن أن نجد أن نابليون بونابرت أول غاز غربي للشرق الإسلامي في العصر الحديث وواحد من أهم المعادين لليهود في العالم الغربي (كما يدل على ذلك سجله في فرنسا) وواحد من أهم دعاة العلمانية الشاملة هو أيضاً صاحب أول مشروع صهيوني حقيقي، إذ دعا الصهاينة إلى الاستيطان في "بلاد أجدادهم"! 6 ـ أصبح مفهوم الصهيونية مفهوماً أساسياً في الخطاب السياسي الغربي عام 1841 مع نجاح أوربا في بلورة مشروعها الاستعماري ضد العالم العربي والإسلامي الذي حقق أول نجاح حقيقي له في القضاء على مشروع محمد علي في تحديث مصر والدولة العثمانية، ومع تفاقم المسألة اليهودية التقت المسألة الشرقية بالمسألة اليهودية وساد التصوُّر القائل بإمكان حل المسألتين من خلال دمجهما. 7 ـ تمت بلورة المفاهيم الصهيونية وملامح المشروع الصهيوني بشكل كامل في الفترة بين منتصف القرن التاسع عشر وعام 1880 على يد المفكرين الصهاينة غير اليهود لورد شافتسبري ولورانس أوليفانت. وقد لخص شافتسبري التعريف الغربي لمفهوم الصهيونية في عبارة أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض (في كلمات تقترب كثيراً من الشعار الصهيوني)) . وقد حاول أوليفانت أن يضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ. 8 ـ يُلاحَظ أننا نضع تاريخ تطوُّر مفهوم الصهيونية في سياق التاريخ الفكري والسياسي والعسكري الغربي، ولا نعود إلى العهد القديم أو ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» (إلا في محاولة دراسة الديباجات) . فحتى العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر لم يكن يربط اليهود أو اليهودية علاقة كبيرة بالصهيونية كفكرة أو مفهوم أو مشروع سياسي واقتصادي عسكري. وقد كان هذا هو الرأي السائد في الأوساط الصهيونية حتى عهد قريب. فأول تاريخ رسمي للصهيونية، كُتب بتكليف من المنظمة الصهيونية وكتبه ناحوم سوكولوف (الذي تولى رئاسة المنظمة الصهيونية بعض الوقت) مكوَّن من جزأين كرِّس معظمها لتاريخ الصهيونية بين غير اليهود. 9 ـ بدأت النزعات الصهيونية تظهر بين اليهود أنفسهم في أواخر القرن التاسع عشر مع تفاقم المسألة اليهودية، وعبَّرت عن نفسها في بادئ الأمر عن طريق المساعدات التي كان أثرياء اليهود في الغرب يدفعونها للجمعيات التوطينية المختلفة التي كانت تهدف إلى توطين يهود شرق أوربا في أي بلد (ويشمل ذلك فلسطين) حتى لا يهاجروا إلى غربها فيعرِّضوا مكانتهم الاجتماعية وأوضاعهم الطبقية للخطر. 10 ـ عبَّرت النزعة الصهيونية في شرق أوربا عن نفسها من خلال جماعات أحباء صهيون التي حاولت التسلل إلى فلسطين للاستيطان فيها. وتُوصَف هذه النزعات أيضاً بأنها «صهيونية» رغم اختلاف الدوافع بين الفريقين الأول والثاني. 11 ـ وقد نحت المصطلح نفسه المفكر اليهودي النمساوي نيثان بيرنباوم في أبريل 1890 في مجلة الانعتاق الذاتي وشرح معناه في خطاب بتاريخ 6 نوفمبر 1891 قال فيه إن الصهيونية هي إقامة منظمة تضم الحزب القومي السياسي بالإضافة إلى الحزب ذي التوجه العملي (أحباء صهيون) الموجود حالياً. وفي مجال آخر (في المؤتمر الصهيوني الأول 1897 صرَّح بيرنباوم بأن الصهيونية ترى أن القومية والعرْق والشعب شيء واحد، وهكذا أعاد بيرنباوم تعريف دلالة مصطلح «الشعب اليهودي» الذي كان يشير فيما مضى إلى جماعة دينية إثنية، فأصبح يشير إلى جماعة عرْقية (بالمعنى السائد في ذلك الوقت) ، وتم استبعاد الجانب الديني منه تماماً. وأصبحت الصهيونية الدعوة القومية اليهودية التي جعلت السمات العرْقية اليهودية (ثم السمات الإثنية في مرحلة لاحقة) قيمة نهائية مطلقة بدلاً من الدين اليهودي، وخلَّصت اليهودية من المعتقدات المشيحانية والعناصر العجائبية الأخروية، وهي الحركة التي تحاول أن تصل إلى أهدافها من خلال العمل السياسي المنظم لا من خلال الصدقات. ورغم أن بيرنباوم كان يهدف إلى الدعوة إلى ضرب جديد من التنظيم السياسي مقابل جهود أحباء صهيون التسللية، فإن المصطلح استُخدم للإشارة إلى الفريقين معاً. وبعد المؤتمر الصهيوني الأول 1897 في بازل، تحدَّد المصطلح وأصبح يشير إلى الدعوة التي تبشر بها المنظمة الصهيونية وإلى الجهود التي تبذلها، وأصبح الصهيوني هو من يؤمن ببرنامج بازل (في مقابل المرحلة السابقة على ذلك، أي مرحلة أحباء صهيون بجهودها التسللية المتفرقة) 12 ـ بعد ذلك، بدأت دلالات الكلمة تتفرع وتتشعب، فهناك «صهيونية سياسية» (يُشار إليها أحياناً بعبارة «الصهيونية الدبلوماسية» ) ، وأخرى «عملية» ، وتبعتها «الصهيونية التوفيقية» . وكل صهيونية لها توجُّهها وأسلوبها الخاص وإن كانت جميعاً لا تختلف في الهدف النهائي. وتذهب الصهيونية التوفيقية إلى أن كل الاتجاهات الصهيونية غير متناقضة بل يكمل الواحد منها الآخر، ومن ثم يَسهُل التوفيق بينها. 13 ـ تَبلور المفهوم الغربي للصهيونية تماماً في وعد بلفور الذي مُنح "للشعب اليهودي" (أُسقطت عبارة "العرْق اليهودي") والذي أشار للعرب باعتبارهم الجماعات غير اليهودية، أي أن اليهود أصبحوا شعباً بلا أرض وفلسطين أصبحت أرضاً بلا شعب. 14 ـ ثم ظهرت بعد ذلك «الصهيونية الثقافية» و «الدينية» التي أضافت إلى الصهيونية البعد الإثني (الديني والعلماني) . 15 ـ ثم ظهرت «الصهيونية الديموقراطية» و «الصهيونية العمالية» و «الصهيونية التصحيحية» و «الصهيونية الراديكالية «. 16 ـ وبعد عام 1948، ظهرت «صهيونية الدياسبورا «. ونحن نذهب إلى أنه يوجد في الواقع صهيونيتان لا صهيونية واحدة (صهيونية توطينية وصهيونية استيطانية) . ومع هذا، فإنهما يُشار إليهما بدالٍّ واحد: «صهيونية» . وذلك برغم أنهما ظاهرتان مختلفتان تماماً، لهما جذور مختلفة وقيادات وأهداف مختلفة. 17 ـ ويُشبِّه يوري أفنيري الصهيونية بالبيوريتانية (بالإنجليزية: بيوريتانيزم Puritanism) في أمريكا، فهي أيديولوجيا الأصول التي أدَّت إلى ظهور المجتمع الأمريكي، ولكنها ماتت ولم تَعُد لها فعالية في هذا المجتمع. ويرى الكاتب الإسرائيلي بوعز إفرون أن على الإسرائيلي في علاقته بالصهيونية أن يكون مثل الأمريكي في علاقته بالبيوريتانية. وبذا، تصبح الدوافع الأيديولوجية أو الاقتصادية التي دفعت الرواد الأوائل (الصهاينة أو البيوريتان) إلى الاستيطان (في فلسطين أو الولايات المتحدة) موضوعاً ذا أهمية تاريخية أو أكاديمية محضة، وليس موضوعاً أساسياً. ويتحدث الكاتب الإسرائيلي أبراهام يهوشاوا عن الصهيونية بوصفها حركة إنقاذ عملية ظهرت حلاًّ للمأزق اليهودي منذ قرن (أي المسألة اليهودية في شرق أوربا) ، وهو يعتقد أن العملية قد وصلت إلى نهايتها، أي أن الصهيونية كانت ولم تَعُد. 18 ـ وهناك مصطلح «الصهيونية الجغرافية» الذي ورد في رسالة بعث بها يوسف ضياء الدين الخالدي رئيس بلدية القدس إلى حاخام فرنسا الأكبر صادوق كاهن (الصديق المقرب لكلٍّ من هرتزل ونوردو) يُذكِّره بأن فلسطين جزء لا يتجزأ من الإمبراطورية العثمانية ويسكنها غير اليهود، ويتنبأ بقيام حركة شعبية ضد الصهيونية فيما لو استمرت الحال على ما هي عليه، ولذا فقد نصح الصهاينة بالتخلي عن «الصهيونية الجغرافية» ، أي الربط بين صهيون وفلسطين وبضرورة البحث عن أرض أو بلاد أخرى. ولعل هذا المصطلح هو المحاولة العربية الوحيدة لسك مصطلح مستقل لوصف الظاهرة. وهو مصطلح دقيق إلى حدًّ كبير، فهو يفصل بين الصهيونية وبين أية ديباجات دينية أو علمانية، ويبين أن المستهدف هو الأرض الفلسطينية. كما أن التركيز على عنصر الجغرافيا يبين أن عنصر التاريخ الحي قد استُبعد، ولذا فقد أشار الخالدي في خطابه إلى أن فلسطين هي بلاد اليهود "تاريخياً"، بمعنى أن جزءاً من تاريخهم مرتبط بها، ولكنه تاريخ متحفي بائد، إذ أن فلسطين أصبحت الآن جزءاً من التاريخ العربي الإسلامي. والواقع أن كلمة «جغرافية» تبين شراهة المشروع الصهيوني واستعماريته وإنكاره تاريخ المنطقة ووجود أهلها. 19 ـ وفي الوقت الحاضر، فإن كلمة «صهيونية» تعني في العالم العربي "الاستعمار الاستيطاني الإحلالي في فلسطين الذي تَرسَّخ بدعم من الغرب". وتحمل الكلمة إيحاءات دينية لدى كثير من العرب المسلمين أو المسيحيين الذين يرون أن الصراع العربي/الإسرائيلي صراع ديني. 20 ـ لا تحمل الكلمة أي معنى ديني في بلاد العالم الثالث، ولا تشارك شعوب العالم الثالث في الديباجات الصهيونية المختلفة عن "حق" اليهود بسبب اضطهادهم في أوربا أو عن الرابطة الأزلية بأرض الميعاد. وتحمل الكلمة تقريباً الدلالات نفسها التي تحملها في العالم العربي. 21 ـ وحتى نُبيِّن مدى خلل المجال الدلالي، يمكن أن نشير إلى أن الصهيونية حركة عنصرية حسب أحد قرارات هيئة الأمم وأنها ليست كذلك حسب قرارات أخرى. 22 ـ يُلاحَظ أن أزمة الصهيونية عبَّرت عن نفسها من خلال عدد لا ينتهي من المصطلحات تناولناها في الباب المعنون «أزمة الصهيونية «. وقد حاولنا في هذه الموسوعة أن نحدِّد معنى لفظ «صهيونية» ومجاله الدلالي من خلال ما سميناه «الصيغة الصهيونية الأساسية» التي تحوَّلت إلى «الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة» والتي تم تهويدها وأصبحت «الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة اليهودية» أو «المُهوَّدة» . وقد عرَّفنا الديباجات والانقسامات المختلفة التي تعطي مضموناً للكلمة. ويمكن اشتقاق فعل من كلمة «صهيونية» فنقول «صَهْيَنَ» َ (بالإنجليزية: زايونايز zionize) . ويُستخدَم المصدر من هذا الفعل عادةً بشكل شبه مجازي فيُقال «صهينة يهود العالم» بمعنى أن تسيطر العقيدة الصهيونية على بعض جوانب وجودهم لا كلها، ويُقال «صهينة اليهودية» بمعنى أن الرؤية الصهيونية للكون تصبح هي القيمة الحاكمة داخل النسق الديني اليهودي. وصهينة اليهود واليهودية هي الشكل الخاص الذي تتخذه عملية علمنتها. الصهيونية: تعريف Zionism: Definition تتسم التعريفات الشائعة في المعاجم الغربية للصهيونية بضعف مقدرتها التفسيرية. فإن كانت الصهيونية هي حركة القومية اليهودية وعودة اليهود لأرض الأجداد (كما تقول بعض المعاجم) ، فكيف نُفسِّر أن أغلبية هذا الشعب اليهودي الساحقة لا تزال تعيش في «المنفى» متمسكة به، تدافع عن حقوقها فيه؟ وكيف نُفسِّر امتلاء مخيمات اللاجئين بملايين الفلسطينيين؟ كيف نُفسِّر ما يقومون به من مقاومة؟ ولذا لابد من طرح تعريفات جديدة أكثر تركيبية وشمولاً وتفسيرية تتجاوز كل الاعتذاريات والديباجات (الصهيونية والعربية) لنصل إلى بعض الثوابت الكامنة. وسنحاول إنجاز هذا من خلال عملية تفكيك لما هو ظاهر واكتشاف لما هو كامن وبلورته ثم نعيد التركيب ونطرح تعريفاً جديداً، له مقدرة تفسيرية أعلى. ونحن نذهب إلى أن ثمة صيغة صهيونية أساسية شاملة تُشكل التعريف الحقيقي للصهيونية، وثمة عقد صامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية، كامن في هذه الصيغة، وثمة مادة بشرية مُستهدَفة (أعضاء الجماعات اليهودية خارج فلسطين والعرب الذين يعيشون فيها) . المادة البشرية المستهدفة Targeted Human Material «المادة البشرية المُستهدَفة» اصطلاح نستخدمه للإشارة إلى المادة البشرية اليهودية التي تشير إليها الصيغة الصهيونية الأساسية باعتبار أنها شعب عضوي منبوذ نافع سيتم نقله خارج أوربا لتوظيفه، أي أن المصطلح يشير إلى اليهود باعتبارهم جماعة وظيفية استيطانية. واصطلاح «المادة البشرية» ليس من ابتداعنا فقد ورد في كتابات هرتزل الزعيم الصهيوني وفي تصريحات أيخمان الموظف النازي. ويُلاحَظ وجود مادة بشرية أخرى مُستهدَفة هي «العرب» . ولكن مع هذا لم يأت لهم ذكر في العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية، ومن ثم لا تشير إليهم التعريفات الصهيونية من قريب أو بعيد، ولكن من المعروف أن السكان الأصليين المغيبين يكون مصيرهم، في المخططات الاستعمارية الغربية، هو عادةً الإبادة أو الطرد. الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة Underlying Zionist Premises «الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة» مصطلح قمنا بصكه للإشارة إلى الثوابت والمسلمات النهائية الكامنة في الاتجاهات الصهيونية كافة مهما اختلفت دوافعها وميولها ومقاصدها وطموحاتها وديباجاتها واعتذارياتها. ولا يمكن وصف أي قول أو اتجاه بأنه صهيوني إن لم يتضمن هذه المسلمات، فهي بمنزلة البنية العامة الكامنة وهي التي تُشكِّل الأساس الكامن للإجماع الصهيوني. ويمكن تلخيصها فيما يلي: أ) اليهود شعب عضوي منبوذ غير نافع، يجب نقله خارج أوربا ليتحوَّل إلى شعب عضوي نافع. ب) يُنقل هذا الشعب إلى أي بقعة خارج أوربا [استقر الرأي، في نهاية الأمر، على فلسطين بسبب أهميتها الإستراتيجية للحضارة الغربية وبسب مقدرتها التعبوية بالنسبة للمادة البشرية المستهدفة] ليُوطَّن فيها وليحل محل سكانها الأصليين، الذين لابد أن تتم إبادتهم أو طَرْدهم على الأقل [كما هو الحال مع التجارب الاستعمارية الاستيطانية الإحلالية المماثلة [. جـ) يتم توظيف هذا الشعب لصالح العالم الغربي الذي سيقوم بدعمه وضمان بقائه واستمراره، داخل إطار الدولة الوظيفية في فلسطين. وهذه الصيغة الشاملة لم يُفصح عنها أحد بشكل مباشر، إلا بعض المتطرفين في بعض لحظات الصدق النماذجية النادرة. ولكن عدم الإفصاح عنها لا يعني غيابها، فهي تشكل هيكل المشروع الصهيوني والبنية الفكرية التي أدرك الصهاينة الواقع من خلالها. ويُلاحَظ أن كثيراً من الأُسس التي تستند إليها الصيغة الشاملة قد اختفى بفعل التطورات التاريخية. فيهود العالم الغربي قد تناقص عددهم واندمجوا بشكل شبه تام في مجتمعاتهم، ولم يَعُد هناك مجال للحديث عن "عدم نفعهم". كما أن عملية نَقْل اليهود ونفي العرب اكتملت معالمها إلى حدٍّ كبير، وخصوصاً أن الترانسفير بعد تأسيس الدولة أصبح عملية هجرة تتم في ظلال قانون العودة. أما بالنسبة للسكان الأصليين فقد تم نفي غالبيتهم عام 1948، ولكن بعد عام 1967 أصبح من الصعب التخلص منهم. وما تبقَّى من الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة هو دولة وظيفية يدعمها الغرب ويضمن بقاءها وتقوم هي على خدمته وعلى تجنيد يهود العالم وراءها لخدمتها وخدمة العالم الغربي، وهذا ما يُشكِّل أساس الإجماع الصهيوني. وعلى كلٍّ ما يتم الإفصاح عنه هو الصياغة المهوِّدة للصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة، فهي أكثر صقلاً، وتبدو أكثر إنسانية، ولذا فإنها تحقق القبول الذي لا يمكن أن تحققه الصيغة غير المهودة بسبب إمبرياليتها وماديتها الشاملة. الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة: تاريخ Underlying Zionist Premises: History لم تظهر الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة كاملةً بين يوم وليلة، وإنما ظهرت بالتدريج، وكان يُضاف لكل مرحلة عنصر جديد إلى أن اكتملت مع صدور وعد بلفور وتحوَّلت إلى الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. والواضح أن الصيغة الصهيونية الأساسية تضرب بجذورها في الحضارة الغربية. وفيما يلي تاريخ موجز لمراحل تشكُّلها واكتمالها: 1 ـ تضرب الصيغة بجذورها في موقف الحضارة الغربية من الجماعات اليهودية وفي وضعهم داخلها، وهو موقف صهيوني ومعاد لليهود في آن واحد؛ أو صهيوني لأنه معاد لليهود. فاليهود شعب مختار عضوي متماسك (شعب شاهد ـ جماعة وظيفية) ، ووجوده في مجتمع ما ليس له أهمية في حد ذاته وإنما بمقدار ما يخدم الوظيفة الموكلة إليه. وحين يفقد الشعب وظيفته، لابد من التخلص منه عن طريق نَقْله (أو ربما إبادته) . ومن هنا، فإن نقطة الانطلاق (الشعب العضوي المنبوذ) هي الرقعة المشتركة بين معاداة اليهود والصهيونية، وهي صيغة خروجية تصفوية إذ تطالب بإخراج اليهود من أوربا وتصفيتهم، فالعنصر الأول بشقيه هو جوهر عداء اليهود وهو أيضاً المقدمة الأساسية للصهيونية. 2 ـ وأضيف لهذه الصيغة العنصر الثاني (الكامن تاريخياً وبنيوياً في العنصر الأول) وهو اكتشاف نفع اليهود، ومن ثم إمكانية توظيفهم خارج أوربا (وإصلاحهم) . وقد اكتُشف هذا الجزء أو تم تأكيده ابتداءً من القرن السابع عشر، عصر ظهور الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية. ويُلاحَظ أن ما يميِّز الصهيونية عن معاداة اليهود هو هذا الجزء. فكلاهما يرى اليهود عنصراً غير نافع يوجد داخل الحضارة الغربية ولكنه لا ينتمي إليها ولا حل للمشكلة إلا بإخراج اليهود. وبينما يلجأ أعداء اليهود إلى إخراج اليهود بشكل عشوائي عن طريق طردهم أو إبادتهم دون تخطيط أو ترشيد، فإن الصهاينة يرشِّدون العملية كلها ويرون إمكانية إخراج اليهود بشكل منهجي وتحويلهم إلى عنصر نافع. كما يُلاحَظ أن مكونات هذين العنصرين (المنبوذين ـ النافعين الذين يمكن توظيفهم) هي ذاتها السمات الأساسية للجماعة الوظيفية. ومن ثم، فإن اكتشاف نفع اليهود كان أمراً متوقعاً، إذ أن ذلك لصيق ببنية الجماعة الوظيفية وهو سر وجودها وبقائها، إذ أنها لا يمكن أن يكتب لها البقاء في مجتمع إلا إذا كانت "نافعة" و"تلعب دوراً ضرورياً". 3 ـ تظل الصيغة الصهيونية حتى نهاية القرن التاسع عشر مجرد فكرة، ولكنها تتحول إلى حركة منظمة بعد مرحلة هرتزل وبلفور ومضمونها أن يتم التوظيف من خلال دولة وظيفية على أن تشرف على العملية إحدى الدول الاستعمارية الكبرى في الغرب التي تُؤمِّن للمستوطنين موطئ قدم وتضمن بقاء واستمرار الدولة الوظيفية الاستيطانية. ومع وعد بلفور، يصبح المكان الذي ستقام فيه الدولة الوظيفية هو فلسطين وتتحول الصيغة الأساسية إلى الصيغة الشاملة. ولنا أن نلاحظ أن المفهوم الكامن وراء الصيغة الأساسية الشاملة في الصهيونية الغربية مفهوم محوري في الحضارة الغربية، فلم يتم إدراك اليهود وحدهم من خلاله وإنما تم إدراك كل المنحرفين اجتماعياً، فمثلاً كان يتم نَقْل المساجين إلى أستراليا وتوظيفهم هناك بحيث يتحوَّلون إلى عناصر صالحة؛ أعضاء في الحضارة التي نبذتهم ونقلتهم. والصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة محايدة تماماً، فهي صيغة علمانية نفعية مادية تماماً، رغم كل ما قد يحيط بها من ديباجات مسيحية أو رومانسية، فهي ترى اليهود، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، باعتبارهم مادة نافعة لا قداسة لها. وهي تنظر لوجود اليهود في العالم الغربى نظرة سلبية لابد من وضع نهاية له. ولذا، فهي صيغة تدعو اليهود إلى إنهاء السلبية الدينية والعودة المادية العلمانية إلى فلسطين دون انتظار أي أمر إلهي (الأمر الذي يتنافى مع العقيدة المسيحية الكاثوليكية واليهودية الأرثوذكسية) والصيغة تُعلمن اليهود (فهم مادة نافعة تُنقَل) ، كما تُعلمن المكان الذي سيُنقَلون إليه (فهو مجرد حيز) ، وتُعلمن سكانه الأصليين (فمصيرهم إما النقل أو الإبادة) ، وتُعلمن وسيلة النقل (فهي الإمبريالية) والصيغة الأساسية الشاملة هي القاسم المشترك الأعظم بين كل الصهيونيات: صهيونية اليهود ـ صهيونية غير اليهود ـ صهيونية اليهود المتدينين ـ صهيونية اليهود العماليين ـ صهيونية اليهود المتمسكين بإثنيتهم ـ صهيونية اليهود غير اليهود، وذلك بغض النظر عن الديباجات والاعتذاريات وزوايا الرؤية. ولا شك في أنها تصلح أساساً تصنيفياً للتفرقة بين الصهيونية وغيرها من الحركات التي توجهت للقضايا نفسها. والصيغة الشاملة تصلح أيضاً إطاراً لكتابة تاريخ عام للصهيونية، باعتبارها حركة فكرية سياسية اقتصادية اجتماعية في الحضارة الغربية (لا بين أعضاء الجماعات اليهودية وحسب) ، بحيث لا يتم الفصل بين صهيونية اليهود وصهيونية غير اليهود كما هو مُتَّبع، وإنما يُنظَر إليهما كمراحل مترابطة في سياق تاريخي حضاري واحد. والصيغة الشاملة هي الأساس الذي يستند إليه ما نسميه «العقد الصهيوني الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية بشأن يهود الغرب» ، فهذا العقد يتيح الفرصة أمام يهود الغرب لأن يحققوا من خلال الخروج من العالم الغربي ما فشلوا في تحقيقه من خلال البقاء فيه. وعلى المستوى السياسي، يمكن القول بأن الصيغة الشاملة تعني ربط حل المسألة اليهودية (المادة البشرية المستهدفة) بالمسألة الشرقية (المجال الذي ستُنقَل فيه لتُوظَّف لصالح الحضارة الغربية) . وقد تم تهويد الصيغة الشاملة من خلال مجموعة من الديباجات بحيث أصبحت «الصيغة الشاملة المُهوَّدة» ، وذلك حتى يتحقق لليهود استيطانها. ويُلاحَظ أنه في الوقت الحاضر بعد أن استقرت أوضاع الجماعات اليهودية في الغرب، وبعد دمجهم وتَناقُص أعدادهم أصبحت العناصر الأخيرة في الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة هي العنصر الأساسي (دولة وظيفية يدعمها الغرب ويضمن بقاءها وتقوم هي على خدمته وعلى تجنيد يهود العالم وراءها لخدمتها وخدمة العالم الغربي) . وأصبح هذا هو أساس الإجماع الصهيوني. الصهيونية البنيوية Structural Zionism «الصهيونية البنيوية» هي تَشكُّل بنية المجتمع وعلاقاته بحيث يضطر أعضاء الجماعة اليهودية إلى الهجرة إلى فلسطين والاستيطان فيها. و «الصهيونية البنيوية» مرتبطة تمام الارتباط بـ «المعاداة البنيوية للسامية» . بل إن المعاداة البنيوية لليهود واليهودية (أي أن تلفظ بنية المجتمع نفسها أعضاء الجماعات اليهودية الأمر الذي يجعل حياتهم مستحيلة داخل هذا المجتمع ويجعلهم "شعباً عضوياً منبوذاً") هي الشرط الأساسي لظهور الصهيونية البنيوية. ومن ثم فالصهيونية البنيوية لا تختلف كثيراً عن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. فإذا كانت "الصيغة الشاملة" تشكل النموذج، فالصهيونية البنيوية هي تَحقُّق هذه الصيغة من خلال بنية المجتمع نفسه، حتى تصبح الجماعة اليهودية شعباً عضوياً منبوذاً غير نافع. ولكن حينما ننظر لبقية الصيغة الشاملة (نقل اليهود خارج أوربا ـ توظيفهم لصالح أوربا) نجد أنها ليست جزءاً من بنية المجتمع وإنما نتيجة مخطط صهيوني، أي أن البنيوي ليس الصهيونية وإنما» معاداة اليهود واليهودية « وقد استخدم أحد المراجع مصطلح «صهيونية بنيوية» للإشارة لما حدث في كوبا بعد اندلاع ثورة كاسترو فقد كان القائمون بالثورة متعاطفين جداً مع أعضاء الجماعة اليهودية ويسَّروا لهم كل السُبل ليحققوا ذاتهم الدينية والإثنية. ومع هذا قامت حكومة الثورة بتأميم كثير من المصانع وإغلاق الكازينوهات وقطاع البغاء، وهي قطاعات كان يوجد فيها أعضاء الجماعة اليهودية بشكل ملحوظ. ولذا بدأ نزوح اليهود عن كوبا، حتى اختفت الجماعة اليهودية تماماً. ووُصف هذا الوضع بأنه صهيونية بنيوية، وهو ينم عن عدم فَهْم للواقع وفشل في إدراكه. فما حدث هو عملية تأميم نتج عنها تصفية بعض القطاعات الاقتصادية، وتصفية القائمين عليها يهوداً كانوا أم غير يهود. كما أن أعضاء الجماعة اليهودية الذين "خرجوا" لم "يعودوا" إلى فلسطين المحتلة، وإنما اتجه معظمهم إلى الولايات المتحدة، كما فعلت الآلاف غيرهم من المواطنين الكوبيين الذين رفضوا المشاركة في الثورة أو ممن فقدوا وظائفهم نتيجة التوجهات الاشتراكية للثورة. الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة المهودة Underlying Judaized Zionist Premises «الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة المُهوَّدة» هي «الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة» بعد أن اكتسبت ديباجات ومسوغات يهودية جعل بإمكان المادة البشرية المستهدفة استبطانها. فالصيغة الشاملة تُعلمن اليهود تماماً وتُحوْسلهم إلى أقصى حد، وهي أيضاً تُعلمن الهدف من نقلهم والأرض التي سيُنقَلون إليها. وليس من السهل على المرء قبول أن يتحول إلى وسيلة وأن يُنقَل كما لو كان شيئاً لا قيمة له إلى أرض (أي أرض) . ولذا، نجد أن المقدرة التعبوية للصيغة الشاملة تكاد تكون منعدمة، إذ أنها تفترض أن ينظر اليهود إلى أنفسهم بشكل براني، وهذا أمر مستحيل بطبيعة الحال. وقد طوَّر هرتزل الخطاب الصهيوني المراوغ الذي فتح الأبواب المغلقة أمام كل الديباجات اليهودية المتناقضة التي غطت، بسبب كثافتها، على الصيغة الأساسية الشاملة وأخفت إطارها المادي النفعي حتى حلَّت، بالنسبة لأعضاء الجماعات اليهودية في الغرب بل بالنسبة لمعظم قطاعات العالم الغربي، محل الصيغة الأساسية الشاملة. وقد تم إنجاز هذا بأن قامت الصهيونية الإثنية (الدينية والعلمانية) بإسقاط ديباجات الحلولية الكمونية (التي تلغي الحدود بين الإله والأرض والشعب وتخلع القداسة على كل ما هو يهودي) على الصيغة الشاملة بحيث يتحول اليهود من مادة نافعة إلى كيان مقدَّس له هدف وغاية ووسيلة ورسالة. وتجعل عملية نقله مسألة ذات أبعاد صوفية أو شبه صوفية نبيلة. لكل هذا أصبح من السهل على المادة البشرية أن تستبطن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة وأصبح من السهل التحالف بين الدينيين والعلمانيين: الجميع يتفق على قداسة الشعب ورسالته (ومطلقيته) ويختلفون حول مصدر القداسة وتجلياتها. ورغم كثافة الديباجات وإغراقها في الحلولية، تظل الثوابت كما هي، وتظل الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة كما هي. وتذهب الصيغة المُهوَّدة إلى أن العالم هو «المنفى» وأن اليهود يشكلون «شعباً عضوياً واحداً» لابد أن يُنقَل من المنفى (فهو شعب عضوي منبوذ) إلى فلسطين «أرض الميعاد» . ورغم هذا الاتفاق المبدئي إلا أن الديباجات تختلف، فالشعب العضوي المنبوذ لا يُنبَذ بسبب كونه جماعة وظيفية فقدت دورها أو لأنه قاتل المسيح، وإنما لعدد من الأسباب تتغيَّر بتغيُّر صاحب الديباجة منها أنه شعب مقدَّس مكروه من الأغيار في كل زمان ومكان بسبب قداسته (الصهيونية الإثنية الدينية) أو بسبب تركيبه الطبقي غير السوي (الصهيونية العمالية) أو لأن هويته الإثنية العضوية لا يمكن أن تتحقق إلا في أرضه (الصهيونية الإثنية العلمانية [الثقافية] ) أو لأنه شعب ليبرالي عادي يود أن يكون مثل كل الشعوب، وخصوصاً الشعوب الغربية (الصهيونية السياسة) . ومهما اختلفت الأسباب، فإن هذا الشعب ينظر إلى نفسه فيرى كياناً عضوياً مطلقاً له قيمة إيجابية ذاتية (بل يجد أنه المطلق وموضع الحلول والكمون (. أما الهدف من النقل فليس التخلص من اليهود أو تأسيس دولة وظيفية تقوم على خدمة الغرب وإنما هو إصلاح الشخصية اليهودية وتطبيعها وتأسيس دولة اشتراكية تحقق مُثُل الاشتراكية (الصهيونية العمالية) أو الاستجابة للحلم الأزلي في العودة وتحقيق رسالة اليهود الإلهية وتأسيس دولة تستند إلى الشريعة اليهودية (الصهيونية الدينية) أو تحقيق الهوية اليهودية وتأسيس دولة يهودية بالمعنى العلماني تكون بمنزلة مركز روحي وثقافي ليهود العالم (الصهيونية الإثنية العلمانية) أو تحقيق مُثُل الحرية وتأسيس دولة ديموقراطية غربية (الصهيونية السياسية) . كما اكتسب المكان الذي سيُنقل إليه الشعب معنى داخلياً إذ تصبح الأرض هي الأرض الوحيدة التي تَصلُح للخلاص (المشيحاني أو الاشتراكي أو الليبرالي) ، فهي «أرض الميعاد» الإثنية الدينية أو العلمانية، بل إن خلاص الشعب هو خلاص الأرض، وهو نفسه مشيئة الإله. وآليات الانتقال ليست الاستعمار الغربي أو العنف والإرهاب وإنما هي "القانون الدولي العام" متمثلاً في وعد بلفور (في الصياغة الصهيونية السياسية) أو "تنفيذاً للوعد الإلهي والميثاق مع الإله" (في الصياغة الدينية) أو بسبب قوة اليهود الذاتية (في الصياغة الصهيونية التصحيحية) . كما أن النتيجة النهائية واحدة وهي تحويل اليهود إلى مستوطنين صهاينة وطرد الفلسطينيين من وطنهم وتحويلهم إلى مهاجرين. وعلى هذا، فإن عملية نقل اليهود من المنفى إلى فلسطين (سواء بسبب الوعد الإلهي أو بسبب وعد بلفور) تؤدي إلى نقل الفلسطينيين خارج وطنهم (إلى المنفى) . ويُلاحَظ أن الصهيونية التصحيحية هي أكثر التيارات الصهيونية صراحة، فهي تُفصح عن الارتباط بالاستعمار ووظيفية الدولة وضرورة اللجوء للعنف، فهي تقترب من الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة ولا تختفي إلا وراء الحد الأدنى من الديباجات. وقد اتجهت الصيغة المُهوَّدة لقضية يهود الغرب المندمجين في مجتمعاتهم والذين لا ينوون (لعدة أسباب خاصة بهم) الانتقال إلى أرض الميعاد الاشتراكية أو الرأسمالية أو اليهودية. فقبلت قرارهم هذا نظير تلقِّي دعمهم والتفافهم حولها على أن تلزم الحركة الصهيونية الصمت تجاه فضيحة الصهاينة الذين لا يهاجرون ومن هنا ولدت الصهيونيتان: الاستيطانية والتوطنيه. وقد تنبَّه كثير من المفكرين الصهاينة إلى وجود الصيغة الشاملة المُهوَّدة أو اليهودية من وجهة نظرهم (رغم أن أحداً منهم لم يُسمِّها) ، فيشير حاييم لانداو، على سبيل المثال، إلى أن البرنامج الصهيوني يدور حول فكرة ثابتة واحدة "وكل القيم الأخرى إن هي إلا أداة في يد المطلق"، ثم يحدد هذا المطلق على أنه "الأمة". وقد وافقه موشيه ليلينبلوم، وكان ملحداً، على قوله هذا: "إن الأمة كلها أعز علينا من كل التقسيمات المتصلبة المتعلقة بالأمور الأرثوذكسية أو الليبرالية في الدين. فلا مؤمنين وكفار، فإن الجميع أبناء إبراهيم وإسحق ويعقوب ... لأننا كلنا مقدَّسون سواء كنا غير مؤمنين أو كنا أرثوذكسيين". والمعنى أن الشعب كله هو مركز الحلول، تجري في عروقه هذه القداسة بشكل متوارث. أما كلاتزكين، فإنه يوضح القضية بما ينم عن الذكاء في مقاله «الحدود» حيث يبين أن اليهودية تعتمد على الشكل لا على المضمون (الشكل يعني في واقع الأمر بنية العلاقات الكامنة وليس الشكل بالمعنى الدارج للكلمة) . وهذا الشكل الأساسي ـ كما يقول ـ هو تخليص "الشعب اليهودي" للأرض. أما المضامين الروحية أو الفكرية، فهي تختلف بشكل جذري، ولكن هذا لا يهم لأن مضمون الحياة نفسه (أي واقعها) سيصبح قومياً عندما تصبح أشكالها قومية. وقد تنبَّه هؤلاء المفكرون الصهاينة ـ وأولهم ديني متطرف في تَديُّنه والآخران علمانيان ـ إلى أن ثمة فكرة ثابتة، جوهراً ما، "مطلقاً" على حد قول الأول، و"شكلاً أساسياً" أو "قداسة معيَّنة" على حد قول المفكرين الآخرين. كما تنبهوا إلى أن هذا الجوهر هو الثابت وأنه يُغيِّر ما عداه ويُحوِّره ويسمه بميسمه. وقد حددوه بأنه مفهوم الأمة اليهودية. أرض بلا شعب لشعب بلا أرض A Land without a People for People without a Land شعار صهيوني يصعب معرفة تاريخ ظهوره. ولكن يمكن القول بأنه صياغة معلمنة للرؤية الإنجيلية القائلة بأن فلسطين هي أرض الميعاد والأرض المقدَّسة، وأن اليهود هم الشعب المقدَّس، ومن ثم فالشعب المقدَّس لابد أن يعود للأرض المقدَّسة، فهو صاحبها. ولعل أول من قام بعلمنة الصياغة هو اللورد شافتسبري الذي تحدث في منتصف القرن التاسع عشر عن "الأرض القديمة للشعب القديم". ثم اكتملت عملية العلمنة في الصياغة الحالية «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» . ويبدو أن إسرائيل زانجويل هو صاحب الصياغة الأخيرة. ومهما كان الأمر فهذا الشعار السوقي الساذج هو إفراز طبيعي للخطاب الحضاري الغربي الحديث، الذي ينبع من الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية التي قامت بعلمنة الرؤى الإنجيلية وحولتها من صياغات مجازية تتحقق في آخر الأيام بمشيئة الإله إلى شعارات استيطانية حرفية تتحقق الآن وهنا بقوة السلاح. وهذه الرؤية للكون (الطبيعة والبشر) باعتباره مادة استعمالية، تضع الإنسان الغربي في المركز ومن ثم يصبح العالم كله فراغاً بلا تاريخ وبلا بشر، وإن وُجد بشر فهم مادة استعمالية عرضية لا قيمة لها، ومن ثم تصبح فلسطين أرضاً مأهولة بلا شعب. ويصبح الفلسطينيون مادة استعمالية لا قيمة لها في حد ذاتها. ويخضع أعضاء الجماعات اليهودية لنفس العملية فهم بدلاً من أن يكونوا الشعب المقدَّس بالمعنى المجازي يصبحون الشعب اليهودي بالمعنى الحرفي، وحيث إنهم شعب، فهم إذن لا ينتمون للحضارة الغربية التي لا تضم سوى الشعوب الغربية ومن ثم لا أرض لهم. لا يبقى بعد هذا إلا عملية الحوسلة والتوظيف التي تأخذ شكل ترانسفير مزدوج: تحريك اليهود من المنفى إلى الأرض، وتحريك السكان الأصليين من الأرض إلى المنفى، وكل هذا يتم تحت رعاية الحضارة الغربية ولخدمة مصالحها، وهذا هو المشروع الصهيوني. ويتسم شعار «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» بتناسقه اللفظي الساحر، فهو ينقسم إلى قسمين متساويين يستخدم كل قسم القدر نفسه من الكلمات. وكلمة «بلا» في القسمين هي المركز الثابت والعنصر المشترك، وما يتحرك هو كلمتا «الأرض» و «الشعب» فيتبادلان مواقعهما تماماً كما سيتبادل اليهود والعرب مواقعهم. ويتسم الشعار بالتماسك العضوي والوحدة الكاملة، فلا يوجد حرف زائد ولا توجد كلمة ليست في موضعها، وهو تعبير جيد عن الرؤية العضوية المغلقة التي تسم الخطاب الغربي الحديث، الذي يُفضِّل الصيغ الجميلة المتماسكة لفظياً، بحيث تصبح الصيغة مرجعية ذاتها مكتفية بذاتها كالأيقونة. وقد ينبهر المرء بجمال العبارة فينسى أنها عبارة إبادية، تعني اختفاء العرب وتغييبهم. والترجمة السياسية للعبارة في وعد بلفور هي الإشارة للعرب باعتبارهم «الجماعات غير اليهودية» . وقد عبَّر الشعار عن نفسه فيما نسميه مقولة «العربي الغائب» في الخطاب الصهيوني العنصري. ونحن نذهب إلى أن إدراك العالم الغربي للفلسطينيين لا يزال يتحرك في إطار مقولة «أرض بلا شعب» ومن هنا سلوكه الذي قد يبدو لا عقلانياً بالنسبة لنا. والصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة هي تنويع تفصيلي على شعار أرض بلا شعب. فالشعب العضوي المنبوذ هو الشعب بلا أرض الذي سيُنقل لأرض يتم إبادة شعبها أو طردهم، وبذلك يصبح الشعب المنبوذ شعباً نافعاً داخل إطار الدولة الوظيفية. وغني عن القول أن هذه الصيغة الصهيونية السوقية التي تكشف المضمون الحقيقي للصهيونية وتبيِّن نزعتها العنصرية الإبادية الشرسة، قد اختفت تماماً من الخطاب الصهيوني، وحل محلها صيغ أكثر صقلاً وتركيباً، مثل «الحقوق المطلقة للشعب اليهودي» التي تعني في واقع الأمر أن حقوق الآخرين (العرب) نسبية عرضية ومن ثم يمكن تهميشها، وفي نهاية الأمر إلغاءها. كما أن الخطاب الصهيوني بعد عام 1967 وبعد ضم الأراضي الفلسطينية التي تحوي كثافة بشرية عالية اضطر أن يعترف بوجود شعب على الأرض، فلجأ لعملية تحايل كي يفرض الشعار القديم على الواقع. فمفهوم الحكم الذاتي الإسرائيلي يعني حقوق الفلسطينيين دون أن يكون لهم أي حقوق على الأرض (أي أن الفلسطينيين أصبحوا شعباً بلا أرض) . كما أن الطرق الالتفافية هي تعبير عن اعتراف ضمني بوجود الشعب الفلسطيني الذي لا يملك المستعمرون إلا "الالتفاف" حوله. القومية اليهودية Jewish Nationalism «القومية اليهودية» عبارة مرادفة لمصطلح «الصهيونية» وهي تفترض أن اليهود يشكلون جماعة قومية أو شعباً يهودياً. فالنسق الديني اليهودي، من حيث هو تركيب جيولوجي، يحوي داخله تياراً قومياً قوياً جداً يرتبط ارتباطاً تاماً بالبنية الحلولية، إذ يرى اليهود أنفسهم كياناً دينياً متماسكاً يُسمَّى «بنو يسرائيل» يتمتع بعلاقة خاصة مع الإله الذي يحل فيهم ويمنحهم درجة عالية من القداسة ويتولى قيادتهم وتوجيه تاريخهم القومي المقدَّس الفريد الذي بدأ بخروجهم من مصر. وقد أرسل الإله التوراة إليهم باعتبارهم شعبه المختار. ولذا، فإن اليهودية، من هذا المنظور، قومية دينية، وهي بذلك لا تختلف كثيراً عن الأديان الوثنية الحلولية حيث يقتصر الدين والإله على شعب واحد دون غيره من الشعوب. وتتلخص مهمة هذا الشعب اليهودي المقدَّس في أنه يقف شاهداً على التاريخ وعلى وجود الإله أمام الشعوب الأخرى. اليهودية، إذن، من هذا المنظور، هي دين قومي عرْقي، أو قومية دينية مقدَّسة تمزج الوجود التاريخي المتعيِّن والتصور الديني المثالي. ولذلك، فهي ديانة حلولية تعرف ثنوية الأنا والآخر ولكنها لا تعرف الثنائية الفضفاضة الناجمة عن الإيمان بإله واحد منزَّه. ولذا فاليهودية لا تفرِّق بين الإله والتاريخ أو بين الأرض والسماء. ولذلك، فإننا نجد أن الملكوت السماوي وآخر الأيام يكتسبان في اليهودية الحلولية طابعاً قومياً، فهما مرتبطان بمجئ الماشيَّح الذي يأتي ليعود بشعبه إلى أرض الميعاد. وقد عرَّفت الشريعة اليهودية اليهودي بأنه من وُلد لأم يهودية أو من تهوَّد، وقد اعتمدت بذلك تعريفاً قومياً دينياً للهوية. هذا من ناحية الرؤية. أما من ناحية الواقع التاريخي المتعيِّن، فنحن نرى أنه لا تُوجَد قومية يهودية أو شعب يهودي وإنما جماعات يهودية منتشرة في العالم تحكَّمت في صياغتها حركيتان أساسيتان متكاملتان: 1 ـ فالجماعات اليهودية لم تكن قط تشكل كتلة بشرية متماسكة تتبع مركزاً ثقافياً أو دينياً واحداً يحدد معايير مثالية أو واقعية يصوغ أعضاء هذه الجماعات رؤيتهم لأنفسهم وأسلوب حياتهم تبعاً لها، بل لم يكن لديهم ميراث ثقافي أو ديني واحد. فالجماعات اليهودية كانت منتشرة في كثير من بقاع الأرض داخل معظم التشكيلات الحضارية المعروفة وداخل البنَى التاريخية والقومية المختلفة، تتفاعل معها وتساهم فيها وترقى برقيها وتتخلف بتخلفها. فاليهودي في الأندلس كان عربياً، واليهودي في روسيا كان روسياً، وفي اليمن كان يمنياً، وهو أمريكي في الولايات المتحدة. وقد أدَّى هذا إلى تحوُّل أعضاء الجماعات اليهودية إلى تركيب جيولوجي غير متجانس، ولا يختلف ذلك عن العقيدة اليهودية بخاصيتها الجيولوجية. 2 ـ وقد كان معظم الجماعات اليهودية يشكل جماعات وظيفية، وهي جماعات تحافظ على عزلتها وانفصالها، ويساعدها المجتمع على ذلك حتى يتيسر لها أن تلعب دورها الوظيفي. فهي، إذن، ذات سمات إثنية خاصة تميِّز كل واحدة منها عن أعضاء الأغلبية في المجتمعات التي يعيش اليهود بين ظهرانيها. ولكن هذه السمات الإثنية لم تكن قط سمات قومية عامة تسم كل اليهود أينما كانوا. فرغم أن كل جماعة يهودية كانت منفصلة عن محيطها، فإنها كانت تحدِّد هويتها من خلاله، كما أن انفصالها عن محيطها لا يعني بالضرورة اتصالها بأعضاء الجماعات اليهودية الأخرى. فاليديشية الجرمانية كانت تَعزل أعضاء الجماعة اليهودية عن محيطهم الثقافي السلافي في بولندا. ولكنها، مع هذا، لم تَكُن لها أية علاقة باللادينو (اللاتينية) التي كانت تَعزل يهود السفارد عن محيطهم العربي الإسلامي في الدولة العثمانية. أما العبرية (وهي اللغة الوحيدة المشتركة) ، فقد ظلت من ناحية الأساس لغة الصلاة واللغة التي كُتبت بها النصوص الدينية وحسب، أي أن العنصر المشترك لم يتعد في جوهره الصلوات والعبادات وبعض المؤلفات. وظلت العلاقة بين أعضاء الجماعات اليهودية علاقة دينية أو وظيفية باعتبارهم أعضاء في الجماعة الدينية نفسها أو أعضاء في جماعات تضطلع بالوظيفة نفسها في كثير من المجتمعات. وعلى كلٍّ، لم تكن الرابطة الدينية بمعزل عن الوظيفة الاقتصادية أو الاجتماعية تماماً إذ أن الجماعة الوظيفية تضرب حول نفسها العزلة ويساعدها في ذلك المجتمع المضيف. وتُعدُّ العقائد الحلولية من أهم آليات العزلة. لكن المجتمع الغربي استغنى عن الجماعات الوظيفية، وأخذ في تصفيتها بعدة طرق منها مساعدة أعضاء هذه الجماعات (ومن هؤلاء اليهود) على التخلص من خصوصيتهم الإثنية، وفي دمجهم في المجتمع أو تشجيعهم على الاندماج. واستجابةً لذلك، ظهرت حركة التنوير وحركة اليهودية الإصلاحية اللتان قامتا بتعريف ما يُسمَّى «الهوية اليهودية» تعريفاً دينياً. وقد عارضت الصهيونية هاتين الحركتين، وراحت تعمل على تحويل كلٍّ من الإحساس بالانتماء الديني إلى جماعة دينية واحدة والارتباط العاطفي بأرض الميعاد إلى شعور قومي وبرنامج سياسي. كما قامت الصهيونيةبعلمنة المفاهيم الدينية. فبعد أن كانت كلمة «شعب» تعني أن اليهود جماعة دينية قومية، أصبحت الكلمة في المعجم الصهيوني تعني «الشعب» بالمعنى القومي والعرْقي الذي كان سائداً في أوربا في القرن التاسع عشر. وقد تأثر الفكر الصهيوني بفكرة الشعب العضوي، أي الفولك، فنظر الصهاينة إلى اليهود كشعب عضوي قوميته عضوية وعناصره كافة (الأرض والتراث والشخصية واللغة ... إلخ) مترابطة عضوياً. وقد تعمقت هذه الفكرة في كتابات دعاة الصهيونية الإثنية العلمانية الذين نادوا بأن الانتماء القومي لليهود يستند إلى ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» و «التراث اليهودي» ، وما العقيدة اليهودية سوى جزء عضوي من هذا التراث. أما دعاة الصهيونية الإثنية الدينية، فإنهم يرون أن اليهودية دين قومي أو قومية دينية، وأن ما يربط اليهود كشعب هو دينهم القومي أو قوميتهم الدينية. وقد انطلق المشروع الصهيوني من هذا الافتراض، وأُسِّست الدولة الصهيونية تحقيقاً لفكرة القومية اليهودية. ولكن من الواضح أن القومية اليهودية هي رؤية غير واقعية وبرنامج إصلاحي ليس له ما يسنده في الواقع التاريخي، فقد كان اليهود في القرن التاسع عشر، عند ظهور الصهيونية، خليطاً هائلاً غير متجانس: بينهم يهود اليديشية من الإشكناز، ويهود العالم العربي، ويهود العالم الإسلامي من السفارد، واليهود المستعربة. كما كان هناك القرّاءون والحاخاميون الذين انقسموا بدورهم إلى أرثوذكس ومحافظين وإصلاحيين، هذا غير عشرات الانقسامات الدينية والإثنية والعرْقية الأخرى. وقد أطلق الصهاينة على كل هؤلاء اسم «الشعب الواحد» أو «أين فولك» حسب تعبير هرتزل. لقد طرحوا شعارهم، ونجحوا في تهجير نسبة مئوية محدودة وحسب إلى إسرائيل. بل إن الهجرة في كثير من الأحيان، لم تكن تتم لأسباب قومية وإنما لأسباب نفعية محضة. ويواجه الصهاينة أزمة في المصادر البشرية نتيجة لأن سلوك أعضاء الجماعات اليهودية في العالم لا يَصدُر عن إيمانهم بمقولة «القومية اليهودية» . ومن هنا، فإن الهجرة اليهودية ما زالت متجهة إلي الولايات المتحدة من ناحية الأساس. وهكذا، فإننا نجد أن أغلبية أتباع القومية اليهودية لا يزالون في المنفى يرفضون العودة إلى وطنهم القومي. ويتضح زيف مقولة «القومية اليهودية» في فشل الدولة اليهودية في تعريف اليهودي، أي في تعريف ما يُسمَّى «الهوية اليهودية» . وحينما يهاجر أعضاء الجماعات اليهودية المختلفة إلى أمريكا اللاتينية، فإنهم يكتشفون عدم تجانسهم، إذ أن اليهودي الألماني يكتشف أن الصفات الإثنية المشتركة بينه وبين المهاجر الألماني غير اليهودي أكثر من السمات المشتركة بينه وبين أعضاء الجماعات اليهودية الآخرىن. وقد ظهرت هذه القضية في أمريكا اللاتينية أكثر من أية منطقة أخرى في العالم. وفي الولايات المتحدة، وفي دول الهجرة الأخرى مثل كندا وأستراليا، تُطرَح على المهاجرين هوية قومية جديدة عليهم تَبنِّيها. وقد فعل المهاجرون اليهود ذلك بكفاءة شديدة، واحتفظوا بشيء من يهوديتهم، ولكن هذه الملامح اتضح أنها مجرد ملامح يهودية داخل شخصية أمريكية واضحة. أما في أمريكا اللاتينية، فلا توجد هوية قومية جديدة، وإن وُجدَت فهي كاثوليكية أي استمرار للموروث الأوربي للقارة. وقد امتثل المهاجرون اليهود لهذا النمط، فأكدت كل جماعة يهودية مهاجرة ميراثها الإثني السابق، الأمر الذي أدَّى إلى تبعثر اليهود تماماً وانقسامهم إلى عشرات الجماعات وإلى ظهور انعدام تجانسهم بحدة. ويوجد في المكسيك، على سبيل المثال، عشرات الجماعات اليهودية من بينها جماعتان سوريتان، أي من أصل سوري، إحداهما دمشقية والأخرى حلبية! لكلٍّ منهما مؤسساتها. وفي الآونة الأخيرة، بدأت الحواجز تَسقُط، ولكن هذا يتم داخل إطار أمريكي لاتيني لا داخل إطار يهودي. وتحاول الدولة الصهيونية بذل محاولات جاهدة لدمج المهاجرين الوافدين إليها. ولكن، مع هذا، يتضح عدم تجانسهم في انقسامهم الحاد. وحتى لو قُدِّر النجاح لمحاولة إسرائيل مَزْج أعضاء الجماعات اليهودية، فإن ثمرة هذه المحاولة لن تكون «الشعب اليهودي» وتحقيق «القومية اليهودية» وإنما ستكون كياناً جديداً يمكن تسميته «الشعب الإسرائيلي» و «القومية الإسرائيلية» . ويرفض كثير من المفكرين اليهود، وكذلك التنظيمات اليهودية، فكرة القومية اليهودية، إما من منظور ديني أو من منظور ليبرالي أو اشتراكي، فيرون أن اليهود ليسوا شعباً وإنما أقلية دينية، كما يرون أنهم ينتمون إلى الشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها. ويرفض دعاة قومية الجماعات (الدياسبورا) فكرة القومية اليهودية العالمية المجردة والمرتبطة بفلسطين، ويرون أنه إذا كان ثمة انتماء قومي يهودي فهو عبارة عن انتماءات قومية مختلفة متنوعة مرتبطة بمجتمعات سواء أكانت هذه المجتمعات في شرق أوربا أم كانت في الولايات المتحدة. ومن ثم، يمكننا أن نتحدث عن «الجماعة اليهودية القومية في شرق أوربا» التي لا تختلف عن الأقليات القومية الأخرى، ولكن لا يمكننا أن نتحدث عن «الشعب اليهودي» بشكل عام. وثمة تيار فكري داخل إسرائيل يُسمَّى «الحركة الكنعانية» (نسبة إلى أرض كنعان) يرفض فكرة القومية اليهودية ويطرح بدلاً منها فكرة «القومية الإسرائيلية» . وتتواتر كلمة «الشعب» في الكتابات الدينية عند اليهود، ولكن المقصود بهذه الكلمة هو جماعة دينية ذات عقيدة دينية وانتماء ديني واحد. كما نجد مصطلحات دينية مماثلة، مثل «الشعب المختار» و «أمة الروح» و «الشعب المقدَّس» ، وهي مصطلحات تهدف إلى الإشارة إلى تجمُّع ديني أو أخلاقي وحسب. ولكن الصهيونية تستخدم التشابه بين المصطلح الديني والمصطلح القومي الشائع كدليل على أن اليهود أول شعب ظهر على الأرض وأول قومية في التاريخ. ومن ثم، فلابد أن يبتعد الباحث العربي عن استخدام مصطلحات مثل «الشعب اليهودي» و «القومية اليهودية» أو حتى «الصراع العربي اليهودي» لأنه لا يوجد بين الدين الإسلامي والقومية العربية من ناحية والدين اليهودي من ناحية أخرى أي صراع سياسي مسلح أو غير مسلح، وإنما الصراع عربي إسرائيلي، أي صراع بين العرب والمستوطنين الصهاينة الذين استوطنوا فلسطين عن طريق العنف. وفي بطاقة تحقيق الشخصية عند الإسرائيليين، توجد ثلاثة بنود: المواطنة، والدين، والقومية. فجميع المواطنين «إسرائيليون» ومن ذلك العرب. أما الدين، فيختلف فيه مواطن عن آخر، فهو الإسلام بالنسبة إلى المسلمين، والمسيحية بالنسبة إلى المسيحيين، واليهودية بالنسبة إلى اليهود. أما القومية، فهي عربية عند العرب، وبالنسبة إلى الإسرائيليين اليهود فلابد أن تكون القومية هي «اليهودية» ، إذ لابد أن يتفق بندا الدين والقومية (في حالة اليهود) حسب الرؤية الصهيونية. الوطن القومي اليهودي Jewish National Home «الوطن القومي» مصطلح يتواتر في الكتابات الصهيونية والمعادية لليهود، ويعني أن اليهود لا ينتمون إلى أوطانهم وإنما إلى وطن قومي واحد هو فلسطين التي يُشار إلىها أيضاً باسم «إرتس يسرائيل» ، أو «إسرائيل» أو «أرض الميعاد» أو «الأرض المقدَّسة» أو «الأرض» وحسب. كما يعني المصطلح أن البلاد التي يقيم اليهود فيها إنما هي منفى أو مَهْجَر أو بابل (بإيحاءات السبي البابلي) أو مصر (بإيحاءات العودة والخروج) . ويعني المصطلح أيضاً أن اليهود في حالة شتات يشكلون دياسبورا، وهي حالة يشعرون بها منذ هَدْم الهيكل على يد تيتوس. وقد ورد المصطلح في وعد بلفور، رغم احتجاجات قيادة الجماعة اليهودية في إنجلترا، واكتسب شرعية سياسية منذ ذلك التاريخ. لكن مصطلح «الوطن القومي» مصطلح ليست له مقدرة تفسيرية عالية، إذ أن كثيراً من الوقائع التاريخية لا تسانده. ومن الثابت تاريخياً أن عدد اليهود خارج فلسطين فاق عددهم داخلها قبل هدم الهيكل. كما أن من الثابت أن أكبر الهجرات في تواريخ الجماعات اليهودية، والتي بدأت في أواخر القرن التاسع عشر، اتجهت إلى الولايات المتحدة (ولو كانت فلسطين وطن اليهود القومي لاتجهوا إليها) . وقد بلغت نسبتهم نحو 80% من جملة المهاجرين اليهود، بل لم يَعُد يُشار في الأدبيات الصهيونية إلى الولايات المتحدة باعتبارها منفى وإنما أصبح يُشار إليها باعتبارها وطناً قومياً آخر لليهود، وباعتبارها أيضاً «البلد الذهبي» (باليديشية: جولدن مدينا) الذي يحقِّق تطلعات المهاجرين المادية. ولا ندري هل هي وطن قومي ثان أم هي وطن قومي أول بالنسبة إلى اليهود؟ ففي الخطاب السياسي يأتي مصطلح «الوطن القومي» دائماً في صيغة المفرد إذ لا معنى له في صيغة المثنى أو الجمع. وعلى كلٍّ، فقد حسم يهود الولايات المتحدة القضية بأن حوَّلوا إسرائيل (فلسطين) من وطن قومي إلى مسقط الرأس والوطن الأصلي السابق، أما الولايات المتحدة فهي الوطن القومي الحالي الذي يعيشون فيه بالفعل، وبذا أصبح الأمريكيون اليهود أمريكيين يهوداً على غرار الأمريكيين العرب أو الأمريكيين الأيرلنديين. ولكن هذا يعني أن أسطورة الذات الجديدة تصفي الأسطورة الصهيونية، إذ أن مسقط الرأس (إسرائيل) هو البلد الذي يهاجر اليهودي منه لا إليه! الدولة اليهودية The Jewish State «الدولة اليهودية» اصطلاح مرادف لمصطلح «الدولة الصهيونية» . ونحن نفضل المصطلح الأخير لدقته إذ يفترض المصطلح الأول أن دولة إسرائيل هي استمرار للمملكة العبرانية المتحدة التي يُشار إليها بـ (الكومنولث الأول) . كما أن الاصطلاح يفترض وحدة اليهود في العالم، وأن هذه الدولة دولتهم التي تعبِّر عن إرادتهم وتطلعاتهم، وهذا أبعد ما يكون عن الصحة إذ لا تزال دولة إسرائيل هي دولة 20% من يهود العالم وحسب. وعلاوة على كل هذا، يفترض المصطلح أيضاً يهودية هذه الدولة، وهذا أمر محل نقاش حتى في إسرائيل نفسها. فالدولة الصهيونية لا ترتبط بأية قيم أخلاقية يهودية، بل تسلك حسبما تملي عليها مصلحتها العملية. ولعل إيمانها بمصلحتها العملية هو الذي جعلها تحوِّل نفسها إلى ثكنات عسكرية يصعب وصفها باليهودية. ويُلاحَظ أن سكان إسرائيل من الصابرا لا يشعرون بالانتماء اليهودي، بل إن بعضهم يُكن الاحتقار ليهود العالم (الدياسبورا) الهامشيين. ولعله أمر طريف حقاً أن هذه الدولة التي تصف نفسها باليهودية لم تصل بعد إلى تعريف لليهودي. ولذا، يظل مصطلح «الدولة الصهيونية» أكثر دقة وتحدداً في وصف الكيان الصهيوني، فهو يؤكد استيطانية الكيان القائم الآن في الشرق العربي وطموحاته الإحلالية، ويفصله عن أية تصورات دينية أو عاطفية. الصهيونية العالمية World Zionism «الصهيونية العالمية» ترجمة للمصطلح الإنجليزي «ورلد زايونيزم World Zionism» . وقد شاع المصطلح في اللغة العربية. ويفترض هذا المصطلح أن الصهيونية حركة عالمية، أي تمارس نشاطها في أنحاء العالم بين جميع أعضاء الجماعات اليهودية في كل البلاد. وثمة خلل أساسي في المصطلح يعود إلى ما يلي: 1 ـ نشأت الصهيونية في الغرب في البلاد الاستعمارية (البروتستانتية) في بداية الأمر، ثم تبناها يهود العالم الغربي (في شرق أوربا ثم غربها) لأغراض مختلفة. فالصهيونية ليست عالمية من ناحية النشأة، وخصوصاً أن 90%من يهود العالم كانوا يوجدون داخل التشكيل الحضاري الغربي مع نهاية القرن التاسع عشر وهي المرحلة التي نشأت فيها الصهيونية. 2 ـ كانت الصهيونية ولا تزال جزءاً من التاريخ الاقتصادي والسياسي والحضاري، والإمبريالية الغربية هي الآلية الأساسية لتحويل الصهيونية من مجرد فكرة إلى دولة استيطانية. وعلى هذا، فإن الصهيونية لم تنشأ في العالم ككل أو داخل التاريخ العالمي بشكل مطلق، أو حتى بين كل أعضاء الجماعات الدينية والإثنية اليهودية المتناثرة في العالم، وإنما هي إفراز تشكيل حضاري محدَّد في لحظة زمنية محددة ولا يمكن دراستها خارج هذا التشكيل، ولا يمكن فهمها دون الرجوع إلى مراحل تطوره وأزماته والطريقة التي يحل بها هذه الأزمات. لكن هذا لا يعني، بطبيعة الحال، إسقاط السمات التي تُشكِّل خصوصية الحركة الصهيونية الغربية. ولعل الإنسان الغربي أطلق صفة «العالمية» على الصهيونية للأسباب التالية: 1 ـ ينظر الخطاب الإنجيلي إلى اليهود باعتبارهم شعباً مختاراً وجزءاً من الدراما الكونية التي يتحرك في إطارها تاريخ العالم والعالمين. والتاريخ اليهودي ـ حسب الرؤية الإنجيلية ـ تاريخ مستقل عن تاريخ الأغيار. ومع هذا، يشكل هذا التاريخ الركيزة الأساسية لتاريخ العالم. وهذا الخطاب الإنجيلي متغلغل تماماً في الوجدان الغربي. 2 ـ بعد أن ظهرت الصهيونية بين يهود الغرب، قامت بصهينة معظم يهود العالم، خصوصاً بعد إنشاء الدولة الصهيونية، ومن ثم فهي حركة عالمية بهذا المعنى. ولابد أن نسارع بالقول بأن الغالبية الساحقة من يهود العالم توجد الآن إما داخل التشكيل الحضاري الغربي (فرنسا ـ إنجلترا ـ روسيا) أو داخل التشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي (الولايات المتحدة ـ كندا ـ أستراليا ونيوزيلندا ـ أمريكا اللاتينية ـ جنوب أفريقيا ـ إسرائيل) ، وعلى وجه التحديد داخل التشكيل الاستعماري الاستيطاني الأنجلو ساكسوني. 3 ـ الحركة الإمبريالية التي حوَّلت الصهيونية إلى كيان استيطاني هي حركة عالمية رغم أصولها الغربية، فقد جعلت العالم كله مجالاً لحركتها والتهامها وافتراسها. والإمبريالية عالمية لا لأنها حركة نشأت بين كل البشر وإنما لأنها حوَّلت البشر كلهم إلى مستعمر أو مستعمَر. وتكتسب الصهيونية صفة العالمية من ارتباطها بالإمبريالية الغربية العالمية. 4 ـ يُلاحَظ أن الأدبيات السياسية الغربية، الصهيونية وغير الصهيونية، تستخدم كلمة «عالمي» بمعنى «غربي» . ولعل هذا يعود إلى أن الإنسان الأبيض في الغرب في القرن التاسع عشر كان يتصوَّر أنه مركز العالم وقمة رقيِّه، وأن الحضارات الأخرى حضارات متخلفة ستتطور لتلحق به وتصل إلى النموذج الحضاري العالمي نفسه. ويُلاحَظ في كتابات هرتزل أنه حينما يتحدث عن ضرورة إقامة المشروع الصهيوني "بضمان القانون الدولي العام"، فإن عبارة (القانون الدولي العام) تعني هنا (القانون الغربي) . ولذا، والتزاماً بالدقة، يجب أن نتحدث عن (الصهيونية الغربية) أو عن (الصهيونية) وحسب دون وصفها ليكون مفهوماً أنها حركة غربية وليست عالمية. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
التناقضات الأساسية الثلاثة بين الحركات الصهيونية المختلفة
Three Basic Contradictions between Different Zionist Trends قَبل كل الصهاينة الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة (والعقد الصامت بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية بشأن يهود العالم) ثم تم تهويد هذه الصيغة حتى يمكن تجنيد المادة البشرية المستهدفة. وقد ظهرت مجالات عديدة للخلاف بين الصهاينة قد تبدو لأول وهلة عميقة ولكنها في واقع الأمر سطحية إلى حدٍّ كبير، إذ أن رقعة الاختلاف تظل محكومة بالقبول المبدئي والجوهري للصيغة الأساسية الشاملة. وحتى يمكننا طرح إطار تصنيفي جديد للتيارات الصهيونية المختلفة سنحاول حَصْر مصادر الخلاف وكيف تبدت في عدة نقاط محدَّدة. وفي تصوُّرنا توجد ثلاثة مصادر أساسية للخلاف: 1 ـ الخلاف بين الصهاينة التوطينيين والاستيطانيين وهو ما نسميه «إشكالية الصهيونيتين» . 2 ـ الخلافات الأيديولوجية المختلفة بين الصهاينة، وهي الخلافات التي تعبِّر عن نفسها في عدة نقاط أهمها الخلاف بشأن الدولة الصهيونية (موقفها ـ حدودها ـ توجُّهها الأيديولوجي.. إلخ) . 3 ـ الخلاف بين الصهاينة الإثنيين الدينيين والإثنيين العلمانيين. الصهيونيتان: التوطينية والاستيطانية Two Zionisms: Settlement and Settler Colonial Zionism تُستخدَم كلمة «صهيونية» للإشارة إلى عدة مدلولات مختلفة يمكن أن تضمها جميعاً الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة، وهي الصيغة التي تم تهويدها بحيث أصبحت صالحة كإطار لكلٍّ من الصهاينة اليهود والصهاينة غير اليهود. وتوجد داخل هذه الوحدة العامة عدة انقسامات لعل أهمها ما نسميه «الصهيونيتين» . فنحن نذهب إلى أنه يوجد ضربان أساسيان من الصهيونية: صهيونية توطينية وأخرى استيطانية، لكلٍّ اتجاهه وتاريخه وجماهيره: 1 ـ صهيونية توطينية. وقد ظهرت في بداية الأمر بين الصهاينة غير اليهود (من المسيحيين والعلمانيين) وبين يهود الغرب المندمجين، وعلى وجه الخصوص أثرياؤهم. ثم عبَّرت الصهيونية التوطينية عن نفسها في الصهيونية الدبلوماسية وصهيونية الدياسبورا. وجمهور هذه الصهيونية هم مؤيدو المشروع الصهيوني في العالم الغربي ويهود الغرب الذين يؤيدون المشروع الصهيوني ولكنهم لا ينوون الهجرة، وهم يشكلون غالبية يهود وصهاينة العالم، وكذلك كل يهود غرب أوربا والولايات المتحدة تقريباً. 2 ـ صهيونية استيطانية: وقد ظهرت في بداية الأمر على هيئة صهيونية تسللية ثم تحوَّلت إلى صهيونية استيطانية بعد مرحلة هرتزل وبلفور. وأهم التيارات الاستيطانية التيار العمالي، ويأتي معظم الصهاينة الاستيطانيين من يهود شرق أوربا. وتقسيم «توطيني/استيطاني» ينصرف إلى المجال الذي يختاره كل صهيوني ليمارس نشاطه. ولنا أن نلاحظ وجود انقسامات فرعية داخل كل تيار بشأن التوجه السياسي (اشتراكي/رأسمالي) والموقف من التراث والهوية (ديني/علماني) . ويجب ألا نتصور أن هناك فصلاً قاطعاً بين الفريقين، فثمة تشابك وتداخُل بين الصهيونيتين (التوطينية والاستيطانية) قد يتبدَّى في الشخص الواحد نفسه، كما هو الحال مع وايزمان الذي قضى معظم حياته يقوم بنشاط في الخارج نيابة عن الداخل، ولكنه عاد بعد إعلان الدولة ليترأسها ويصبح من المستوطنين (وإن كان قد عاش في عزلة نظراً لأن زعيم الصهاينة الاستيطانيين ـ بن جوريون ـ لم يكن يرغب في أن يشاركه وايزمان السلطة) . ويظهر هذا التداخل في شخصية آحاد هعام، فيلسوف الصهيونية الإثنية العلمانية، الذي قام بجهود دبلوماسية ثم استوطن فلسطين نهائياً، ولكنه مع هذا ظل يشعر بالغربة فيها وبالحنين إلى المنفى والشتات! ويظهر التداخل في الوقت الحاضر حين يقرر يهودي من دول الكومنولث المستقلة (الاتحاد السوفيتي سابقاً) الهجرة إلى إسرائيل فيبدأ بالحديث عن هويته اليهودية ورغبته العارمة في الهجرة إلى وطنه القومي المزعوم، ثم يحصل على تأشيرة على أساس نيته الصهيونية الاستيطانية. ولكنه يغيِّر رأيه في النمسا ويقطع مسار هجرته ويتجه إلى الولايات المتحدة بدلاً من إسرائيل لينخرط في صفوف صهاينة الخارج التوطينيين. وهناك بطبيعة الحال الصهاينة الاستيطانيون الذين يتركون إسرائيل ليستوطنوا الولايات المتحدة ويستمروا في تأييد المشروع الصهيوني (ولكن من منظور توطيني هذه المرة) . والجدير بالذكر أن للاتجاهات الصهيونية المختلفة فروعاً في الداخل والخارج. فهناك فروع للأحزاب العمالية مثل الماباي والمابام في الولايات المتحدة، ولكن الأساس التصنيفي يظل هو الأساس الذي نقترحه. فمثلاً، رغم أن التنظيم الذي يُقال له الماباي في الخارج مرتبط بتنظيم الماباي في الدولة الصهيونية من الناحية التنظيمية، فإن التنظيمين يؤديان وظيفتين مختلفتين تماماً، ولا يشتركان بالتالي إلا في الاسم والديباجات السياسية والعقائدية التي تتسم بالعمومية الشديدة (مثل الإيمان بأزلية الشعب اليهودي وعدم التفريط في شبر من أرض إسرائيل الكبرى والإيمان بالاقتصاد الاشتراكي، وهكذا) . ويكتفي أعضاء عمال صهيون في الولايات المتحدة أو إنجلترا بإرسال الأموال والتوقيعات وبرقيات التأييد، كما يحضرون كل المهرجانات الصهيونية ويرسلون الرسائل إلى الصحف المحلية وإلى أعضاء الكونجرس دفاعاً عن الدولة الصهيونية. وأما أعضاء الحزب المماثل في إسرائيل فهم الذين يقومون بالنشاط الاستيطاني من استيلاء على الأرض وقتال ضد السكان الأصليين وغزو أراضي الدول المجاورة. ولا يعني هذا أن الصهيونية أصبحت وحدة متكاملة، بين التوطينيين والاستيطانيين، بل العكس. فقد ظلت التوترات تعبِّر عن نفسها بحدة، وكل ما حدث أنه تم امتصاصها (وليس استيعابها) من خلال الخطاب الصهيوني المراوغ. وأهم هذه التوترات الصراع الذي نشب على قيادة المنظمة الصهيونية بين الصهاينة التوطينيين والصهاينة الاستيطانيين بعد إنشاء الدولة. وقد حُسم الخلاف باستيلاء الاستيطانيين على المنظمة تماماً. وحتى بعد إنشاء الدولة تظهر صراعات، فبعض الصهاينة التوطينيين لا يقنع بالعمل في مجاله في الخارج ويحاول أن يفرض توجهات بعينها على الداخل كما حدث في حالة برانديز. ويحدث أحياناً أن الصهاينة الاستيطانيين لا يقنعون بالدعم المالي والسياسي ويطلبون من الصهاينة التوطينيين أن يتخذوا مواقف أكثر راديكالية كما حدث في المؤتمر الثامن والعشرين (1972حينما تقدَّم بعض الصهاينة الاستيطانيين بمشروع قرار ينص على أن القادة الصهاينة الذين لا يستوطنون في إسرائيل بعد فترتين من الخدمة يفقدون الحق في ترشيح أنفسهم مرة أخرى، فانسحب كل مندوبي الهاداساه (أكبر تنظيم صهيوني في العالم والذي يمثل أكثر من نصف الوفد الأمريكي) احتجاجاً على الاقتراح. وحدث الشيء نفسه تقريباً حينما وقعت الأزمة بين الدينيين والعلمانيين في إسرائيل مؤخراً إذ قامت جماعة من العلمانيين بحرق معبد يهودي، وقامت جماعة من الدينيين برش الإعلانات الإباحية في محطات الأتوبيس، فألقى المفكر الإسرائيلي العلماني شلومو أفنيري بالتبعة على يهود الولايات المتحدة، الإصلاحيين والمحافظين المندمجين التوطينيين (والذين لا يكفون عن الشكوى من التزمت الديني في إسرائيل) قائلاً لهم إنه لو هاجر منهم 100 ألف وحسب، فإن هذا سيرجِّح كفة العلمانيين وسيتم تكوين الحكومة دون الحاجة إلى أصوات الأحزاب الدينية. والعكس يحدث أحياناً، إذ يجد الصهاينة التوطينيون أن سلوك حكومة المستوطنين تسبب لهم كثيراً من الحرج في مجتمعاتهم الديموقراطية، كما يحدث عادةً بعد ارتكاب المذابح الواضحة (مثل مذبحة صبرا وشتيلا) وبعد الغزوات الفاضحة (غزو لبنان) ، إذ يصبح من الصعب الحفاظ على أساطير كثيرة مثل «إسرائيل المُحاصَرة» أو «إسرائيل الباحثة عن السلام» وكما يحدث بعد حادثة مثل حادثة بولارد (المواطن الأمريكي اليهودي الذي قام بالتجسُّس على حكومة بلده لصالح الدولة اليهودية (. ولكن معظم هذه الخلافات خلافات سطحية إذ تظل الصهيونية بشقيها التوطيني والاستيطاني متسمة بالوفاق. وقد عاد وفد الهاداساه المنسحب إلى قاعة المؤتمر بعد أن قرر منظمو المؤتمر أن مشروع القرار المقدم لم يكن دستورياً، ولا يزال معظم الصهاينة التوطينيين يؤيدون الدولة الصهيونية علناً ويقفون وراءها رغم كل توسعاتها. وتتولى المؤسسة الصهيونية القضاء على معظم الجماعات اليهودية والصهيونية المنشقة، وقد فعلت ذلك مع بريرا، وتحاول الشيء نفسه الآن مع التنظيمات اليهودية التي لا تقبل الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة، أو توجِّه لها بعض النقد. بعض الاختلافات الصهيونية بشأن الدولة الصهيونية Some Zionist Disagreements Regarding the Zionist State «الدولة الصهيونية» مفهوم صهيوني محوري. والمشروع الصهيوني، في أهم صوره، يرى أن الحل الوحيد للمسألة اليهودية هو إنشاء "دولة يهودية ذات سيادة" (شعار المؤتمر الصهيوني الأول 1897] ) . ويُلاحَظ أن ثمة ترادفاً في الخطاب الصهيوني بين عبارتي «الدولة الصهيونية» و «الدولة اليهودية» . وقد أصبحت الصيغة الصهيونية الأساسية صيغة أساسية شاملة بعد أن تم تحديد الدولة الصهيونية إطاراً لعملية التوظيف. وقد قام هرتزل بصياغة المفهوم والعقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية الذي تتعهد بمقتضاه الحضارة الغربية بأن تقوم بنقل اليهود إلى فلسطين وتأسيس دولة وظيفية لهم فيها، ورعايتها وحمايتها وضمان بقائها واستمرارها نظير أن يقوم اليهود على خدمة مصالح الغرب. ومع صدور وعد بلفور، يستقر المفهوم تماماً وتتحدد ملامحه وآليات تطبيقه. ومع هذا، بدأت الدعوة لإنشاء الدولة قبل هذا التاريخ بين الصهاينة غير اليهود من المفكرين والزعماء أصحاب المطامع الاستعمارية في الشرق. وكانت هذه الدعوة غريبة على الجماهير اليهودية وعلى المفكرين اليهود، لأنهم كانوا إما متدينين ينتظرون مقدم الماشيَّح المخلِّص ليعود بهم ليؤسس هو الدولة (دون أي تَدخُّل بشري) ، أو علمانيين يدافعون عن الاندماج في أوطانهم. وقد طرح المفكر الصهيوني موسى هس الفكرة في منتصف القرن التاسع عشر في كتابه ذي الطابع الاستعماري الواضح روما والقدس، ولكن الكتاب لم يُتداوَل بين أعضاء الجماعات اليهودية ولم يكن معروفاً لديهم. وقد عالج ليو بنسكر الفكرة نفسها في كتابه الانعتاق الذاتي، غير أن فكره ظل مقصوراً على بعض قطاعات المثقفين في شرق أوربا، ثم تعرَّض هرتزل للموضوع نفسه في كتابه دولة اليهود وجعلها فكرة أساسية. وقد أدرك هرتزل حتمية الاعتماد على الإمبريالية كآلية لتحقيق المشروع الصهيوني، وضرورة أن تكون الدولة الصهيونية دولة وظيفية تابعة تستند شرعيتها إلى الوظيفة التي تضطلع بها وتحصل الدعم الاستعماري بسببها. وقد أصبحت الدولة بعد مرحلة هرتزل وبلفور جزءاً من الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. وكما هو الحال عادةً، نجد أن الإجماع الصهيوني لا ينصرف إلا إلى هذه الصيغة الأساسية الشاملة، أما ما عدا ذلك فهو موضع خلاف وصراع (دون قتال) بسبب الطبيعة المراوغة للخطاب الصهيوني. وقد واجهت الفكرة معارضة من اليهود الإصلاحيين، وبعض اليهود الأرثوذكس ودعاة القومية اليديشية، وحزب البوند والاشتراكيين، وذلك لأسباب مختلفة. كما أن الصهاينة التوطينيين عارضوا فكرة الدولة في بداية الأمر خوفاً من أن يُتهَموا بازدواج الولاء. ولم يُكتَب للفكرة أن تتحقق إلا حينما تبنَّت الدول الإمبريالية المشروع الصهيوني ثم فرضت التجمع الاستيطاني على الواقع العربي. والفكر الصهيوني يشبه في بنيته بنية العقائد العلمانية الشاملة في التشكيل الحضاري الغربي الحديث. فمع تزايد معدلات العلمنة، تزايدت أهمية الدولة حتى أصبحت الركيزة الأساسية للمجتمع ومصدر تماسكه الوحيد (بدلاً من القيم الدينية) ، ثم أصبحت الدولة المطلق موضع التقديس الذي يحل محل الكنيسة والإله وأصبحت مصلحة الدولة العليا الإطار المرجعي للمنظومة القيمية. ومع ظهور القومية العضوية، أصبحت الدولة الإطار الذي يعبِّر الشعب العضوي من خلاله عن ذاته ويحقق تماسكه العضوي. ثم يصل هذا التيار إلى ذروته مع الفكر الهيجلي إذ أصبحت الدولة الأداة التي تتوسل بها «الفكرة المطلقة» لتحقيق ذاتها، بل أصبحت تجسد الفكرة المطلقة في التاريخ. والفكر الصهيوني لا يختلف، إلا في التفاصيل، عن الفكر الغربي، فالدولة اليهودية هي الإطار الذي سيعبِّر الشعب العضوي المنبوذ) أي المادة البشرية التي سيتم نقلها) عن هويته من خلاله. وتكتسب الدولة في الفكر الصهيوني دلالة أخرى هي فكرة الدولة الراعية الغربية. فقد أدرك الصهاينة من اليهود في مرحلة هرتزل أنهم لن يتأتى لهم تحقيق مشروعهم القومي إلا من داخل مشروع استعماري غربي. ومن هنا كان البحث عن دولة غربية عظمى تقوم بعملية نقل اليهود وتوطينهم وتأمين موطئ قدم لهم والدفاع عنهم ضد السكان الأصليين. وبالتدريج، اكتسبت الدولة اليهودية أبعاداً دينية مطلقة وأصبحت هي آلية تَحقُّق الحلم المشيحاني بل مركز الحلول. وبعد إعلان الدولة الصهيونية بدأ كثير من اليهود ينظرون إليها باعتبارها الكنيس المركزي وإلى رئيس وزرائها باعتباره الحاخام الأعظم. ومع انتشار لاهوت موت الإله بين اليهود، أصبحت الدولة حرفياً هي تَجسُّد المطلق في العالم، الآن وهنا، فهي على حد قول أحد المفكرين اليهود «العجل الذهبي» (وقد تراجع هذا التيار نحو تقديس الدولة مع الانتفاضة وظهور لاهوت التحرير بين اليهود (. وقد نشأت عدة صراعات بين الصهاينة حول عدة قضايا نوجزها فيما يلي: 1 ـ موقع الدولة: دارت أولى الصراعات حول موقع الدولة، وهو صراع دار بين الاستيطانيين والتوطينيين (قبل مرحلة هرتزل وبلفور) . فالتوطينيون الذين كان همهم التخلص من اليهود كانوا في عجلة من أمرهم، ولذا كانوا على استعداد "لأن يلقوا باليهود في أي مكان" (عبارة نوردو وجابوتنسكي) سواء في فلسطين أو خارجها. ومن هنا المشاريع الصهيونية المختلفة (العريش ـ شرق أفريقيا ـ الأحساء ـ ليبيا ـ مدغشقر.. إلخ) . وقد حُسم الأمر بعد بلفور فوُضعت فلسطين تحت الانتداب ودخلت الفلك الاستعماري وتقرَّر تحويلها إلى مكان لتوطين اليهود ومن ثم توقَّف الحديث عن موقع الدولة. 2 ـ آليات إنشاء الدولة: يختلف الصهاينة فيما بينهم حول أسلوب إنشاء الدولة. ففي البداية كان هناك الصهيونية التسللية التي وقعت أسيرة وهم كبير، إذ تصوَّر التسلليون أن بإمكانهم الاستيطان دون مساعدة الإمبريالية الغربية وقد اختفى هذا التيار مع تأسيس المنظمة الصهيونية. ولكن حتى بعد تأسيس المنظمة وقبول المظلة الإمبريالية اختلف الصهاينة فيما بينهم. فدعاة الصهيونية الدبلوماسية (الاستعمارية) كانوا يرون أن الطريق الأسلم هو التفاوض مع القوى الاستعمارية والتأكد من ضمانها للدولة. أما دعاة الصهيونية الإثنية العلمانية، فقد كانوا يرون ضرورة اتباع أسلوب العمل الثقافي البطيء بين جماهير اليهود في العالم وفي فلسطين. أما الصهاينة العماليون الاستيطانيون، فكانوا يرون أن خير وسيلة هي خَلْق الحقائق الاستيطانية في فلسطين. وكان بعض التصحيحيين (التوطينيين) ممن ضاقوا ذرعاً بالوجود اليهودي في المنفى يجدون أن خير وسيلة هي التحالف الفوري مع القوى الإمبريالية وفَرْض أغلبية يهودية على الفلسطينيين بالقوة العسكرية لإنشاء وطن يهودي على ضفتي نهر الأردن. وكان جوزيف ترومبلدور يحلم باختزال كل المسافات الزمانية والمكانية بتكوين جيش يهودي جرار قوامه 100 ألف يهودي يقتحم فلسطين ويستوطن فيها، ثم عدل عن خطته «الرهيبة» وأخذ يفكر في جيش قوامه عشرة آلاف. لكنه لم يتمكن من تحقيق حلمه العسكري الضخم الأول ولا حلمه العسكري الهزيل الثاني. ولا تزال الإشكالية تعبِّر عن نفسها وإن أصبحت تنصرف إلى آليات إدارة الدولة وإلى كيفية التعامل مع العرب. 3 ـ حدود الدولة: ظهر خلاف عنيف بين الصهاينة حول حدود الدولة. وهذا يعود إلى عدة أسباب، من بينها أن إرتس إسرائيل ليست ذات حدود معروفة، كما أن الدولة العبرانية القديمة لم تكن لها حدود مستقرة. وكان هناك من الصهاينة مَنْ يدرك أهمية الموازنات الدولية ويقنَع بحدود تتفق مع قرار الدولة الراعية. ولكن كان هناك أيضاً مَنْ لا يدرك هذه الموازنات ويظل يدور في إطار الرؤى الحلولية الدينية والتاريخية القديمة وأحلام النيل والفرات. وبعد إنشاء الدولة، لم تُحسَم المسألة قط. فهناك من يحاول ربط حدود الدولة بالكثافة البشرية اليهودية. ومع تصاعد الأزمة السكانية الاستيطانية ظهر دعاة ما يُسمَّى «الصهيونية السوسيولوجية» أو «الصهيونية السكانية» المهتمون بالطابع اليهودي للدولة، وهم يطالبون بحد أدنى على عكس دعاة ما يُسمَّى «الصهيونية العضوية الحلولية» و «صهيونية الأراضي» ، فهؤلاء يصرون على الحد الأقصى. وتعبِّر الإشكالية عن نفسها في الوقت الحاضر من خلال الحديث عن الحدود الآمنة للدولة، إذ تتغير الرؤية للحدود بتغيُّر الرؤية لأمن الدولة ومقوماته. 4 ـ التوجُّه الأيديولوجي للدولة: لم تتعرض الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة بعد بلفور للتوجُّه الأيديولوجي للدولة، إذ يبدو أن الصهاينة التوطينيين كانوا واعين بحقائق الموقف في فلسطين، وبصعوبات الاستيطان. كما لم يكن توجُّه الدولة الصهيونية يعنيهم من قريب أو بعيد مادامت تؤدي الأغراض المطلوبة منها، مثل إبعاد يهود شرق أوربا عنهم، والقيام بدور المدافع عن المصالح الإمبريالية. ولذلك، فإنهم لم يمانعوا قط في تأييد بعض الأفكار والممارسات الصهيونية التي ترتدي زياً اشتراكياً. ولعل الصيغة المراوغة التي توصلت إليها المنظمة الصهيونية العالمية بشأن الاستيطان كانت محاولة للتوفيق بين كل الصهاينة والجمع بينهم وراء الحد الأدنى الصهيوني، فقد تحدَّد هدف الحركة الصهيونية في الحصول على أراض في فلسطين كي تكون ملكاً للشعب اليهودي ولا يمكن التفريط فيها، وأن يكون الصندوق القومي اليهودي قائماً كلياً على تبرعات تلقائية من اليهود في جميع أنحاء العالم. فالهدف هنا لم يحدد شكل الدولة الصهيونية، ولا شكل ملكية الأرض، ولا المُثل الاجتماعية أو العقائدية الظاهرة أو الكامنة، وإنما تحدَّث فقط عن الحصول على أرض فلسطين كي تكون ملكاً للشعب اليهودي بشكل مبهم ومجرد. ولهذا، يَصعُب الحديث عن يمين أو يسار داخل الحركة الصهيونية، فمن الناحية البنيوية يتفق الجميع على الحد الأدنى. أما الشكل الاجتماعي والمضمون الطبقي لهذه الدولة، فهو أمر متروك لكل فريق بحيث يستمر الحوار بشأنه أو الصراع حوله دون قتال. بل إننا نجد أن الرأسماليين الصهاينة يقبلون بعض الأشكال الاشتراكية وأن الاشتراكيين يقبلون كثيراً من الممارسات الرأسمالية، كما أن المتدينيين يغضون الطرف عن كثير من ممارسات أعضاء النخبة الإلحادية. وكثير من أعضاء النخبة يؤدون بعض الشعائر الدينية رغم إلحادهم، إذ يدرك الجميع أن ثمة صيغة أساسية تنتظمهم جميعاً. 5 ـ التكوين السكاني للدولة: نشأ صراع حول التكوين السكاني للدولة، إذ تنبَّه بعض الصهاينة منذ البداية إلى أن طبيعة الدولة الصهيونية كدولة إحلالية شاملة ستُؤلِّب السكان الأصليين ضدها وتجعلها تعيش في صراع دائم، ومن ثم ظهرت فكرة الدولة ثنائية القومية التي دعا إليها بوبر وماجنيس وجماعة إيحود وحزب المابام. ولكن معظم الصهاينة أصروا على الطبيعة الإحلالية الشاملة للدولة الصهيونية. وقد خمد الصراع بين الفريقين ولكنه عاد إلى الظهور في أشكال أخرى، من بينها الصراع بين دعاة الصهيونية السوسيولوجية ودعاة صهيونية الأراضي. 6 ـ نطاق سيادة الدولة: طُرح سؤال بشأن نطاق سيادة الدولة الصهيونية: هل هي دولة الشعب اليهودي بأسره، داخل حدودها وخارجها، أم أنها دولة المستوطنين الصهاينة (وهو الصراع نفسه بين التوطينيين والاستيطانيين) . ويحاول الاستيطانيون أن يؤكدوا أن الدولة هي دولة الشعب اليهودي بأسره، ولذا تم إعلان قيام الدولة عن طريق مجلس قومي يتحدث باسم كل اليهود، سواء في فلسطين أو في خارجها. وقد أصدرت الدولة الصهيونية قوانين كثيرة، وأقامت هيئات مختلفة بهدف ترجمة مفهوم الشعب اليهودي إلى واقع قائم. ومن أهم هذه القوانين قانون العودة الذي يمنح جميع اليهود حق مغادرة مسقط رأسهم والعودة إلى "وطنهم القومي". وتعمل المنظمة الصهيونية العالمية على تكريس الوحدة اليهودية دون أية مراعاة للحدود الوطنية للدول المختلفة. ويحدد ميثاق المنظمة مهمتها بأنها "لمُّ شمل المنفيين في أرض إسرائيل التاريخية، وتدعيم وحدة الشعب اليهودي". وتأسيساً على هذا الهدف الصهيوني/الإسرائيلي، وعلى أساس هذا الأسلوب في العمل، فإن ميثاق المنظمة الصهيونية العالمية يتحدث عن واجبات المنظمة تجاه الدولة، مثل "تقوية دولة إسرائيل"، و"تعبئة الرأي العام العالمي" لتأييدها، ووردت بالميثاق أيضاً إشارة إلى "الأنشطة التي تتم خارج إسرائيل"، وقد أدَّى هذا المفهوم إلى درجة من التوتر. فالتوطينيون حاولوا، من خلال المنظمة، فَرْض سيطرتهم على الدولة، ولكن الاستيطانيين نجحوا في عزلهم والهيمنة على المنظمة. وقد استمر الصراع بعد انتصار الاستيطانيين، إذ يحاول التوطينيون أن يؤكدوا أن الدولة ليست لها سيادة عليهم وإنما على مواطنيها وحسب. وهذا اتجاه له صداه في إسرائيل إذ توجد جماعات ترى أن الدولة الصهيونية هي دولة الإسرائيليين وحسب (الحركة الكنعانية وغيرها) . وهكذا نرى أن الاختلافات بين الاتجاهات الصهيونية المختلفة إنما ينصرف إلى موقع الدولة والآليات المتبعة في إنشائها (وإدارتها) أو حدودها أو توجُّهها الأيديولوجي أو تكوينها السكاني أو نطاق سيادتها. ولكن ثمة اتفاقاً على المبدأ نفسه، أى ضرورة إنشاء الدولة. كما أن هناك قبولاً للعقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية بشأن وظيفية الدولة. ومن هنا كانت الوحدة الأساسية بين كل الصهاينة. ومع هذا، لجأت الحركة الصهيونية إلى أسلوب التدرج لتعلن عن حدها الأدنى الصهيوني بسبب الموازنات الدولية، وبسبب العلاقة المتوترة بين الاستيطانيين والتوطينيين، وبسبب الخوف من السكان المحليين. ويمكننا متابعة هذا التدرج بتأمل قرارات المؤتمرات الصهيونية المختلفة. فإذا ما نظرنا إلى قرارات المؤتمر الصهيوني الأول (1897 ثم إلى قرارات مؤتمر بلتيمور (1942) ، ثم إلى قرارات المؤتمر الصهيوني السابع والعشرين الذي عُقد في القدس (1968 للاحظنا التباين الشاسع ولرأينا كيف أن الحركة صاعدة من الحد الأدنى إلى الحد الأقصى. فقد صيغت قرارات المؤتمر الأول بشكل لا يزعج الأغيار (المطلوب عونهم في ذلك الوقت) ولا يزعج حكومة سويسرا (التي عُقد على أرضها المؤتمر) ولا يزعج يهود الغرب المندمجين (المطلوب دعمهم) ولا ينبه السكان الأصليين (المطلوب تصفيتهم) . ولذلك طلب المؤتمر إقامة «وطن قومي» (وليس دولة) في فلسطين يضمنه «القانون العام» (وليس الاستعمار الغربي ولا العنف أو الإرهاب) . كما دعا المؤتمر إلى تقوية الوعي والعواطف اليهودية وحسب دون أن يؤدي هذا إلى أي ازدواج في الولاء. ولم تصبح فكرة الدولة الصهيونية الشعار الرسمي للحركة الصهيونية إلا عام 1942 في مؤتمر بلتيمور، غير أن المُؤتمرين الصهاينة عبَّروا في قرارات هذا المؤتمر عن أملهم في انتصار الإنسانية والديموقراطية وما شابه ذلك، كما رحبوا بالتعاون مع العرب وبالبعث العربي اليهودي المشترك. وبرغم أن المطلقات الحلولية بدأت في الظهور، فإن الصياغة ظلت ديموقراطية ليبرالية إلى حدٍّ كبير. أما قرارات المؤتمر السابع والعشرين الذي عُقد بعد حرب يونية وبعد "توحيد" القدس على الطريقة الصهيونية وبعد ضم أراض عربية، فقد جعلت حدود الدولة الصهيونية تقترب بعض الشيء من تصوراتهم عن الحدود التاريخية أي المقدَّسة. ونحن هنا نجد الحلولية العضوية تسفر عن وجهها وأن الأهداف المعلنة قد قطعت شوطاً كبيراً في رحلتها إلى المطلق، فأصبحت أهداف الصهيونية هي وحدة الشعب اليهودي، ومركزية دولة إسرائيل في حياته، وتجميع المنفيين من الشعب اليهودي في وطنه التاريخي عن طريق الهجرة من جميع البلاد، وتدعيم دولة إسرائيل القائمة على مُثُل الأنبياء في العدل والسلام، والمحافظة على أصالة الشعب اليهودي بتنمية التعليم اليهودي واللغة العبرية اليهودية والثقافة اليهودية وتقوية التحالف الإستراتيجي مع الحضارة الغربية. الصراع بين الإثنيين الدينيين والإثنيين العلمانيين Conflict between Religious and Secular Ethnic Zionists نشب صراع حاد بين الصهاينة الإثنيين الدينيين والإثنيين العلمانيين. ولفهم طبيعة الصراع بإمكان القارئ أن يعود للأبواب التالية: «الصهيونية والعلمانية الشاملة» ـ «الصهيونية الإثنية الدينية» ـ «الصهيونية الإثنية العلمانية «. مواطن الاختلاف بين التيارات الصهيونية المختلفة Points of Disagreement between Various Zionist Trends قد يكون من المفيد حصر بعض الموضوعات الأساسية التي يختلف الصهاينة بشأنها، وكل موضوع سيأخذ شكل سؤال يجيب عنه كل تيار صهيوني بطريقته. ويُلاحَظ أن طريقة الإجابة على السؤال تُحدِّدها ثلاثة عناصر أساسية: هل الصهيوني توطيني أو استيطاني؟ هل الصهيوني إثني ديني أو إثني علماني؟ هل الصهيوني اشتراكي أو رأسمالي ... إلخ؟ (كان هناك تساؤلات تُطرَح قبل مرحلة هرتزل وبلفور تم حسمها فيما بعد وقد استبعدناها من قائمة الأسئلة على قدر المستطاع) . 1 ـ ما الموقف من اليهودية؟ * عقيدة الشعب اليهودي التي يجب اتباعها. * فلكلور الشعب اليهودي الذي يجب الحفاظ عليه. * تراث ميت يشكل عبئاً على الشعب اليهودي لابد من التخلص منه. 2 ـ من هو اليهودي؟ * إشكنازي وحسب. * كل يهود العالم. * من يؤمن باليهودية. * من وُلد لأم يهودية. * من تهود حسب الشريعة (أى على يد حاخام أرثوذكسي) . * من يشعر في قرارة نفسه أنه يهودي. * من يكتشف أن جده كان يهودياً. 3 ـ ما الموقف من ظاهرة العداء لليهود؟ * ظاهرة حتمية أزلية. * ظاهرة سلبية يمكن القضاء عليها أو تخفيف حدتها. * ظاهرة سببها اليهود أنفسهم (باعتبار أنهم شعب مختار أو شعب طفيلي أو شعب يرفض الاندماج أو شعب ذو وضع طبقي متميِّز) . 4 ـ ما طبيعة هذا الشعب اليهودي؟ * شعب مقدَّس. * شعب مختار. * طبقة وسطى هرمها الإنتاجي مقلوب. * مجموعة من الطفيليين. * شعب مثل كل الشعوب. * قومية عضوية. 5 ـ من ينبغي نقله من أعضاء هذا الشعب؟ * كل اليهود (وتصفى الدياسبورا) . * الفائض اليهودي البشري وحسب. * فقراء اليهود. * يهود اليديشية. * أي يهودي غير مندمج. 6 ـ ما سبب النقل (نظرية الحقوق) ؟ * كي يعود الشعب المختار لأرض الميعاد ليؤسس دولته. * كي يعود اليهود (الشعب الشاهد) إلى أرض الميعاد حيث يتم تنصيره تعجيلاً بالخلاص. * طفيلية اليهود التي لابد من القضاء عليها (أي تطبيع الشخصية اليهودية) . * فائض بشري لابد من التخلص منه. * ضحايا دائمون للأغيار. * مادة استيطانية جيدة. * رُسُل الحضارة الغربية البيضاء الذين سيأتون بالتقدم ويشكلون قاعدة للاستعمار الغربي. * تثوير المنطقة على يد الاشتراكيين اليهود عن طريق إقامة مجتمع اشتراكي. * مساعدة الإمبريالية الغربية. 7 ـ ما طبيعة الدولة الصهيونية؟ * وطن قومي وحسب. * دولة رأسمالية. * دولة اشتراكية. * دولة دينية. * دولة فاشية. * دولة مستقلة عن الغرب. * دولة تابعة للغرب. 8 ـ ما حدود الدولة؟ * قرار التقسيم. * حدود 48. * ضفتا نهر الأردن. * من النيل إلى الفرات. * حدود عملية تتحدد حسب عدد المهاجرين المستوطنين. * حدود جغرافية آمنة. * حدود تحددها القوة الذاتية للدولة. 9 ـ ما وظيفة الدولة؟ * دولة قومية للشعب اليهودي. * واحة للديموقراطية الغربية. * مكان لتطبيع اليهود وتخليصهم من طفيليتهم. * قاعدة للمصالح الغربية (ضد الوحدة العربية وفي مواجهة القومية العربية والشيوعية) . * مكان يحقق اليهود فيه هويتهم الدينية والإثنية. * مكان يحقق اليهود فيه مستوى معيشياً مرتفعاً. * مركز ثقافي لكل يهود العالم. * قاعدة للنظام العالمي الجديد (ضد الإسلام) . 10 ـ ما علاقة يهود العالم بالدولة؟ * هي الدولة التي يستوطنون فيها والتي عليهم أن يستوطنوا فيها. * دعم الاستيطان. * تكوين مراكز قوة وضغط (لوبي) في بلادهم لدعم الدولة. * التبعية للدولة اليهودية. * تبعية الدولة اليهودية لهم. * الدولة هي مجرد مركز ثقافي لهم. 11 ـ ما فلسطين؟ * أرض الميعاد. * موقع إستراتيجي بين آسيا وأفريقيا. * بقعة جيدة للاستثمار. 12 ـ ما مصير العرب؟ * لابد من رحيلهم من خلال الإقناع. * لابد من رحيلهم من خلال العنف. * دولة مزدوجة الجنسية. إن شقة الخلاف واسعة حيث يجيب كل تيار صهيوني عن الأسئلة بطريقة مختلفة. ومع هذا، تظل البنية الكامنة هي الصيغة الشاملة التي تفترض أن المادة البشرية اليهودية سيتم نقلها إلى فلسطين لإقامة دولة وظيفية بمساعدة الاستعمار الغربي. ثم تضاف إليها أية ديباجات تروق للصهيوني. فالمادة البشرية يمكن أن تكون الشعب المختار أو طليعة الطبقة العاملة ... إلخ. التيارات الصهيونية: إطار تصنيفي Zionist Trends: Framework for Classification نستخدم مصطلح «التيارات الصهيونية» للإشارة إلى التيارات الفكرية والتنظيمية داخل الحركة الصهيونية. ويُلاحَظ أننا لم نستخدم كلمة «مدارس» لأن هذه الكلمة قد توحي بأن ثمة اختلافات عميقة وجوهرية بين تلك التيارات، وهو أمر مناف للحقيقة. أما الصراعات داخل التيارات المختلفة فنشير إليها باعتبارها «اتجاهات» . وتعود الوحدة الأساسية بين التيارات الصهيونية المختلفة إلى أنها تدور في إطار الصيغة الصهيونية الأساسية بعد أن تحولت إلى صيغة أساسية شاملة وبعد تهويدها. فمهما احتدم الصراع بين تيار وآخر، يظل هناك الاتفاق المبدئي على الأهداف النهائية وعلى آليات تنفيذها. ومع هذا، تحدُث بعض الانقسامات داخل التيارات الصهيونية يمكن تصنيفها على النحو التالي: أولاً: التقسيم على أساس مجال النشاط الصهيوني. ينقسم الصهاينة من هذا المنظور إلى صهاينة استيطانيين يمارسون نشاطهم في فلسطين، وإلى آخرين توطينيين في الخارج (انظر: «الصهيونيتان» ـ «الصهيونية التوطينية» ـ «الصهيونية الاستيطانية» ) . ثانياً: التقسيم على أساس إثني (ديني/علماني) . ينقسم الصهاينة من المنظور الإثني إلى تيارين: صهيونية إثنية دينية وأخرى إثنية علمانية (انظر: «الصهيونية الإثنية الدينية» ـ «الصهيونية الإثنية العلمانية» ) . والتقسيمان السابقان يتعاملان مع اليهود على مستويين مختلفين، ومن ثم فهما لا يتداخلان ولا يوجد بينهما أي تناقض. وثمة تكامل بينهما، فيمكن أن تبذل الصهيونية التوطينية (التي استوعبت الصهيونية الدبلوماسية والسياسية الاستعمارية وصهيونية يهود الغرب المندمجين) الجهود المكثفة وتقوم بالمحاولات الدائبة لتأمين الدعم الاستعماري وإيجاد آليات إخلاء أوربا من اليهود ونَقْلهم خارجها. وتصوغ الصهيونية الإثنية (الدينية والعلمانية) المصطلح اللازم لإثارة حماس الجماهير المطلوب نقلها، وذلك بإطلاق اسم «الشعب اليهودي» عليها وبربطها عاطفياً بفلسطين، أو «إرتس يسرائيل» كما يسمونها. أما الصهيونية العمالية الاستيطانية، فإنها تُقدِّم المظلة العسكرية والسياسية الواقعية واللازمة لعملية الاستيطان في بيئة معادية. وفي تصوُّرنا أن هذه الطريقة لتصنيف التيارات الصهيونية ذات قيمة تفسيرية عالية وتشكل الإطار الحقيقي للانقسامات الصهيونية. ثالثاً: التقسيم على أساس إثني (إشكنازي/سفاردي، وغربي/شرقي (. فرغم عدم اشتراك يهود البلاد العربية في إفراز الفكر الصهيوني أو الحركة الصهيونية، ورغم أن الصهيونية (بشقيها الشرقي الاستيطاني والغربي التوطيني) لم تتوجه إليهم بشكلٍّ خاص ولم تحاول تجنيدهم بشكل عام وواسع قبل عام 1948، إلا أن إنشاء الدولة قد خلق حركيات تتخطى إرادتهم. كما أن حاجة الدولة الصهيونية إلى طاقة بشرية (بعد عزل يهود الشرق أو اختفائهم، وبعد رفض يهود الغرب الهجرة) ، جعلها تهتم بهم وتجندهم وتفرض عليهم في نهاية الأمر مصيراً صهيونياً، أي الخروج من أوطانهم. كما أن رغبتهم في الحراك الاجتماعي (فيما نسميه الصهيونية النفعية) قد ساعدت على ذلك. وقد استقرت أعداد كبيرة منهم في الدولة الصهيونية، وإن كان من الملحوظ أن أعداداً أكبر قد استقرت خارجها. والانقسام على أساس إثني (إشكنازي/سفاردي، وغربي/شرقي) هو انقسام مهم وخطير، فرغم أنه لم يؤثر في الأطروحات الفكرية النظرية الصهيونية الأساسية إلا أنه ترك أعمق الأثر في حركيات الدولة الصهيونية. رابعاً: التقسيم على أساس العقيدة السياسية. ينقسم الصهاينة من المنظور السياسي إلى قسمين أساسيين: اشتراكي (عمالي) ورأسمالي ليبرالي من دعاة المشروع الحر. وهو تقسيم ذو قيمة تفسيرية ضعيفة، وذلك بسبب طبيعة الدولة الصهيونية الوظيفية وقيام الإمبريالية الغربية بتمويلها بكل قطاعاتها الرأسمالية والاشتراكية. وهناك تصنيفات سياسية أخرى مثل انقسام الصهاينة إلى ديموقراطيين وفاشيين، وهكذا. لكن هذا التقسيم لا يقل في ضعفه من ناحية مقدرته التفسيرية عن التقسيم على أساس اشتراكي/رأسمالي للسبب السابق نفسه. ولعله، بعد تَساقُط المنظومة الاشتراكية في العالم، لم تَعُد لهذا التقسيم قيمة كبيرة. وهناك أيضاً الانقسام على أساس حدود الدولة ومستقبلها. ونحن نقترح هذا الإطار كأساس تصنيفي لكل التيارات الصهيونية إذا نظرنا إليها من منظور الصهيونية ككل لا من منظور إسرائيل وحسب. ولذا، فإننا نذهب إلى أن الصهيوني لابد أن يكون واحداً من أربعة انتماءات محتملة: 1ـ أ) صهيوني توطيني ديني. ب) صهيوني توطيني علماني. 2ـ أ) صهيوني استيطاني ديني. ب) صهيوني استيطاني علماني. وخريطة الأحزاب في التجمُّع الصهيوني تعكس هذه الاختلافات، فتُقسَّم الأحزاب حسب الأيديولوجية (مشروع حر مثل الليكود و"عمالية" مثل المعراخ) . وحسب ازدواجية الديني/العلماني (أحزاب دينية مثل مزراحي وأحزاب علمانية مثل ميرتز) . وحسب ازدواجية الشرقي والغربي (حزب جيشر السفاردي وحزب إسرائيل بعاليا الروسي) . وحسب الموقف من حدود إسرائيل وتكوينها السكاني (موليديت وميرتس) . ويمكن أن يعكس حزب واحد كثيراً من هذه الازدواجيات أو يتأرجح بينها (شاس السفاردي الديني الذي يؤيد التوسع وضم الأراضي أحياناً ويتراجع عن ذلك أحياناً) . ولكن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة تظل في البداية العقد الاجتماعي الصامت والمرجعية النهائية التي يتقبلها الجميع. الصهيونية التوفيقية Synthetic Zionism مصطلح «الصهيونية التوفيقية» تعبير آخر عما يُسمَّى «الصهيونية التركيبية» (بالإنجليزية: سينثيتيك زايونيزم Synthetic Zionism) . وهو مصطلح استخدمه وايزمان في المؤتمر الصهيوني الثامن 1907 حين طالب الصهاينة العمليين والصهاينة الدبلوماسيين بمزج أساليبهم في العمل. وقد أكد وايزمان أنه لا يرفض الأساليب الدبلوماسية (الاستعمارية) ولكنه يجدها غير كافية في حد ذاتها إذ لابد أن يساعدها نشاط استيطاني، وهو بذلك يكون قد قَبل الصهيونية الاستيطانية والصهيونية التوطينية. وقد عبَّر أتو ووربورج، رئيس المنظمة منذ عام 1911 وحتى عام 1920، عن هذه الصهيونية التوفيقية بشكل أدق إذ قال: إن "الحق التاريخي الذي تستند إليه ملكيتنا لفلسطين ... لا تأثير له وحده وفي حد ذاته على الدول الكبرى. بل يتوجب علينا إيجاد صيغة عصرية لذلك الحق تضاف إليه. وهذه الصيغة تقوم على برهنتنا، إن لم يكن شرعياً أو حقوقياً (دي جوري de jure) فبحكم الواقع الفعلي (دي فاكتو de facto) ، على أن فلسطين تخضع اقتصادياً لنفوذنا، وأن جميع ما أحرزته تلك البلاد من تَقدُّم كبير وملموس يرجع في الأصل إلى مبادرتنا وقوة وسائلنا الاقتصادية وفعاليتها ولم ينشأ إلا بفضلها". وهو هنا لا يشير إلى الصهيونية الدبلوماسية التوطينية وحسب، أو إلى الصهيونية الاستيطانية وحسب، وإنما يشير أيضاً إلى الصهيونية الإثنية (الحق التاريخي) ، كما أنه ينظر إلى فلسطين من منظور التيارات الصهيونية الثلاثة وإن كان يؤكد أهمية الاستيطان وسياسة خلق الحقائق. ولعل كلمات أوسيشكين (بعد وفاة هرتزل) هي أدق التصريحات، فقد اقترح العودة لا إلى صهيونية أحباء صهيون الاستيطانية ولا إلى الصهيونية الروحية (الصهيونية الإثنية) ولا إلى الصهيونية الدبلوماسية (التوطينية) وإنما إلى مزيج من هذه التيارات الثلاثة معاً، أي إلى الصهيونية السياسية كما نص عليها برنامج بازل. وهي، إذن، دعوة إلى الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة المُهوَّدة وإلى وحدة كل التيارات الصهيونية داخل إطار هذه الوحدة. وقد حقق الصهاينة قدراً كبيراً من الوحدة عبر تاريخهم. فأثناء المحادثات بشأن وعد بلفور، نجد أن وايزمان التوطيني يبذل جهوداً دبلوماسية غير عادية ويستفيد من التغيرات الدولية من أجل تحقيق هدف استيطاني (استصدار ضمان دولي لعملية الاستيطان الصهيوني في فلسطين) ، وفي خلفية هذه النشاطات كان يوجد آحاد هعام (أستاذ وايزمان ومؤسِّس التيار الصهيوني الإثني العلماني) يزودهم منذ عام 1908 بالمشورة وينصحهم بأن يبحثوا عن موافقة وتأييد بريطانيا لمشاريعهم الاستيطانية المختلفة. ثم يَصدُر وعد بلفور بالفعل على هيئة رسالة موجهة إلى أحد أثرياء الغرب المندمجين الذين غيَّروا موقفهم من رفض المشروع الصهيوني إلى قبوله. ويمكننا أن نقول إن الصهيونية الحقة، شأنها في هذا شأن إسرائيل، هي الصهيونية التي تمزج جميع التيارات الصهيونية؛ عمالية كانت أو رأسمالية، راديكالية أو تصحيحية، دينية أو علمانية، توطينية أو استيطانية، ذلك أن صهاينة الخارج يتحركون على الصعيد السياسي لصالح المُستوطَن الصهيوني ويقومون بتجنيد يهود العالم وراءه ويجمعون الضرائب لدعمه (الصهيونية التوطينية، أي كل التيارات الصهيونية في الخارج) . ويقوم المستوطنون بخلق حقائق جديدة (الصهيونية الاستيطانية، أي التيارات الصهيونية المختلفة في الداخل) . وتصر الصهيونية في الداخل على وحدة الهوية اليهودية (صهيونية إثنية) ، وهي هوية نابعة من التراث الديني (صهيونية إثنية دينية) وفق أحد التيارات الدينية، أو لا علاقة لها بالدين وإنما تنبع من التراث (صهيونية إثنية علمانية) حسب تصوُّر التيار العلماني. ومع ذلك، وبغض النظر عن كل هذه التصنيفات، نجد أن جميع التيارات الصهيونية تشترك في الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة المُهوَّدة، وفي الاعتماد شبه الكامل على الدعم الإمبريالي من خلال الراعي الإمبريالي والجماعة اليهودية في الغرب. ولذا، فيمكننا أن نزعم أن جميع الصهاينة، في نهاية الأمر، توفيقيون. الصهيونية: القيم السياسية Zionism: Political Values يجتمع في الإطار السياسي النظري للصهيونية نظم أساسية ومختلفة من القيم: اليهودية التي تمت صهينتها، والعنصرية، والقومية السياسية، والقومية العضوية، والاشتراكية، والليبرالية، الأمر الذي يجعل مبدأ "القوة" كأساس للمشروعية السياسية - ولا نقول للشرعية (المبدئية) - المبدأ الأساسي الذي يحكم مدركات التعامل السياسي الإسرائيلي. ولذا يتحكَّم هذا المبدأ في الحياة والمستقبل الإسرائيليين تحكُّماً يتجاوز في مداه وعمقه تأثير طاقات أيٍّ من تلك النظم المختلفة من القيم. ولإيضاح هذا، يتوجب تحديد ما نعنيه هنا بتلك النظم من القيم، وبمبدأ القوة كأساس للتعامل السياسي، وذلك في إطار تناولنا الصهيونية باعتبارها تلك العقيدة السياسية التي تدعو يهود العالم للتجمُّع في فلسطين لتكوين وبناء الدولة الإسرائيلية. ويمكن القول بأن المنهجية "التلفيقية" هي السمة البارزة في خطاب الصهيونية، لا ينهض الجانب الدعوي من هذا الخطاب بدونها، سواء في التعامل مع القوى غير اليهودية، أو في التعامل مع الجماعات اليهودية نفسها، أو في بناء فكرها نفسه. ولبيان ذلك علينا ملاحظة أن أياً من نظم القيم السياسية إنما يتكون، كغيره من نظم القيم الأخرى، من قيمة جماعية عليا (كالديموقراطية: احتراماً للكرامة الإنسانية، في نسق قيم الحضارة الغربية الحديثة) ، يرتبط بها ويعبِّر عنها نسق من القيم السياسية الفردية. وعَبْر هذا النسق من القيم السياسية الفردية، يتميَّز أيُّ نسق من القيم عن أنساق القيم الأخرى تميُّزاً لا يتحدد بالضرورة بهذه القيم كمفردات، بل يتحدد بالعلاقة فيما بينها في نسق القيم الذي يجمعها. فنسق القيم الشيوعي، في رفضه نسق القيم الغربي الليبرالي، لا يرفض مفردات قيمه السياسية الفردية، من حرية ومساواة وعدالة، ولكنه في الأساس يرفض أولوية قيمة الحرية على المساواة والعدالة؛ ويتبنَّى المساواة كقيمة سياسية عليا في نسق قيمه، جاعلاً لها الأولوية على الحرية مثلاً، منطلقاً في ذلك من فهم الشيوعية للعلاقة بين الظاهرة السياسية والظاهرة الاقتصادية، التي تعتبر مفهوم "الكفاف الاقتصادي" أساساً للديموقراطية السياسية. بل تمضي أبعد من ذلك لتعتبر أن تحقُّق "العدالة" مرهون بتحقُّق المساواة الفعلية في الأوضاع الاقتصادية. ولكن الأمر جدُّ مختلف بالنسبة للصهيونية إذ نجد أنفسنا أمام إطار من القيم تتداخل فيه أنساق من القيم، وليس مجرد مفردات من القيم. وهي بطبيعتها أنساق مختلفة، غير منسجمة مع بعضها البعض. وهو ما يجعل محاولة تبيُّن سمات نسق قيم الصهيونية عملية صعبة، بل قد تكون غير ممكنة، ما لم نلحظ السمة التلفيقية فيها بين أنساق من القيم وليس بين مفردات. وأول تلك الأنساق هي اليهودية التي تمت صهينتها أو الصهيونية ذات الديباجات الدينية اليهودية، ونعني بها تلك المعتقدات من اليهودية التي توظِّفها الصهيونية في مشروعها لبناء الدولة الصهيونية. ولا نقصد بذلك أن هذا التوظيف يتوافر على رؤية معرفية كلية، على درجة من الثبات المنهجي، تفسر الوجود السياسي، وتقيِّم الحركة السياسية، بصورة منطقية ومتجانسة. فاليهودية بوصفها تركيباً جيولوجياً تراكمياً عاجزة وعصيِّة تماماً على الانصهار في مثل تلك الرؤية المعرفية المحددة. غير أن هذه السمة الجيولوجية التراكمية نفسها، بما تشتمل عليه من أنساق وأفكار ومعتقدات ومفاهيم متعددة ومختلفة ومتناقضة، جعلت من اليسير على الصهيونية أن تختار الإطار المعتقدي أو المنطلق القيمي المناسب والمطلوب، لتقييم كل حركة أو مرحلة سياسية أو تبريرها، والتعامل معها؛ كما أنها (أي السمة التركيبية الجيولوجية التراكمية) تسمح بتفسير أو تبرير كل حالة سياسية، أو حتى الوجود السياسي نفسه، وذلك كله تبعاً لتغيُّر الإطار - أو حتى الظرف - التاريخي والسياسي والاجتماعي، أو تبعاً لاختلاف طبيعة التوظيف المعتقدي المطلوب سواء كان دعوياً يتجه إلى تأكيد رابطة الولاء والانتماء اليهودي للكيان الصهيوني، أو دعائياً يرمي إلى كسب التعاطف والتأييد الخارجي (الدولي) لهذا الكيان. ومع أن مثل هذا التوظيف التلفيقي يعمل على صبغ الصهيونية وشحنها بالمفاهيم والأطروحات المتناقضة الأمر الذي يدفعها في النهاية للانفجار والتفتت الفكري، إلا أنه يهيئ لها من جهة أخرى، وبخاصة في ظل ظروف وتحالفات دولية مواتية، استمراراً مرحلياً ما دامت تواجه بيئة سياسية واهنة أو مسترخية فكرياً وسياسياً، كما هو الحال في البيئة الثقافية والسياسية العربية الراهنة، وذلك بغض النظر عن الطاقات والإمكانات الفكرية والسياسية الكامنة لهذه البيئة (العربية) . إن مقولة «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» مثلاً، إنما تعبِّر في توظيفها، الدعوي والدعائي، عن تلك المنهجية الصهيونية التلفيقية، حيث يتم إحياء مفاهيم وتقاليد معينة في هذا التراث وتجاهُل أخرى، وذلك تبعاً لما يتطلبه الإطار التاريخي أو الظرف السياسي والاجتماعي، الذي تجرى فيه عملية التوظيف التلفيقية تلك. فعلى المستوى الدعوي المعني بتأكيد الانتماء والولاء اليهودي، وبخاصة نحو المشروع الصهيوني، يمكن توظيف المفاهيم الحلولية في التراث اليهودي كما يمثلها الثالوث الحلولي: الإله والأرض والشعب، فيحل الإله في فلسطين لتصبح أرضاً مقدَّسة، ويحل في يهود العالم ليصبحوا شعباً مقدَّساً، ومختاراً من الإله للتمركز في الأرض المقدَّسة، من أجل خلاصهم وخلاص العالم بأن ويتولوا قيادته حضارياً. ويمكن في مستهل المشروع الصهيوني، وعَبْر هذا التوظيف، اعتبار الأرض المقدَّسة أرضاً بلا شعب، فالأغيار (من عرب فلسطين) يمكن اعتبارهم مستباحين ومدنَّسين (بخلاف الشعب المقدَّس) ، فيستوي بذلك وجودهم وعدمه. وعندما يؤدي نضال عرب فلسطين إلى أن يصبح وجودهم وانتماؤهم لأرضهم حقيقة عصيّة أمام التوظيف الدعائي (لهذا الطرح الدعوي) ، فيمكن حينئذ - وعند اللزوم - تخفيف الطابع العنصري والحلولي الفج لمفهوم الاختيار، والاستعاضة عنه بمفهوم «البروليتاري الأزلي» كتصور لليهودي الذي أختير منذ الأزل لتأدية رسالة أزلية اشتراكية (كما هو الحال عند المفكر الصهيوني الاشتراكي نحمان سيركين) ثم يوظِّف هذا المفهوم لكسب تأييد الاشتراكيين ومعسكرهم من جهة، ومن جهة أخرى لخلق وتأكيد علاقة انتماء فعلية بين اليهودي وأرض فلسطين. كما يمكن أيضاً توظيف مفهوم اليهودي باعتباره «الديموقراطي الأزلي» الذي تحدَّث عنه لويس برانديز باعتبار أن اليهودي هو الجدير بحمل رسالة الديموقراطية (وخصوصاً في الوسط العربي الغريب عنها) ما دام الإله قد اختار اليهود للحوار الحق معه دون باقي أمم الأرض. وبالطبع، يمكن أن تجد هذه المفاهيم سندها داخل التركيب الجيولوجي التراكمي لليهودية، وذلك عبر إحياء فكرة "الاختيار الرسالي" التي دعت إليها اليهودية الإصلاحية، إلى جانب حركة التنوير اليهودية، وكلتاهما تمردت على فجاجة الطابع العنصري للرؤية اليهودية الحلولية لمفهوم الاختيار. هذا على صعيد تبرير وإضفاء المشروعية على الوجود الصهيوني السياسي نفسه، وهو تبرير يتم التعبير عنه، دعوياً ودعائياً، على مستوى مفكري وقادة المشروع الصهيوني أنفسهم. غير أن بإمكاننا تتبُّع هذه السمة التلفيقية، على مستوى تقييم تيارات وقوى يهودية في الكيان الصهيوني، لمشروعية هذا الكيان، وذلك في إطار مسيرته السياسية ومدى نجاحه في فَرْض وجوده الإقليمي والدولي. ويمكن أن نأخذ مثلاً على ذلك رؤية مثل تلك التيارات أو القوى للمشروع الصهيوني، في ضوء العقيدة المشيحانية التي تؤمن بأن خلاص اليهود وجَمْعهم من الشتات إنما يكون بقدوم الماشيَّح في آخر الأيام. لقد ظلت أكثرية التيارات والجماعات الدينية اليهودية تحافظ على موقف غير صهيوني من المشروع الصهيوني (الانتظار لمشيئة الإله) . ولكن هذه التيارات بدأت بعد إعلان الدولة الصهيونية تنقاد بالتدريج للتعايش مع المفهوم الصهيوني للعودة. وبعد حرب 1967، بدأت أحزاب دينية صهيونية عديدة تنظر إلى نتائج هذه الحرب باعتبارها معجزة و"إشارة ربانية" إلى بداية الخلاص، وأن دولة إسرائيل ما هي إلا مقدمة مجيء الماشيِّح المخلِّص، مضفية بذلك على دولة إسرائيل سمات دينية مشيحانية. بل اعتبرها البعض استجابة لنداء الرب، بل هي "الإرادة الإلهية نفسها" (على حد تعبير الحاخام كوك الأب الروحي لحركة جوش إيمونيم) . كذلك تتضح هذه المنهجية التلفيقية على صعيد مبادئ وأُسس النظام السياسي والاجتماعي في الكيان الصهيوني، وسواء أتعلَّق ذلك بتصور الصهيونية لهذه المبادئ والأُسس أم تعلَّق بتعاملها معها. وهكذا، فإن الصهيونية توظف فكرة العودة مثلاً لحث أكبر عدد من يهود العالم على الهجرة إلى فلسطين، بينما يظل التساؤل حول المعيار المحدد للهوية اليهودية (من هو اليهودي؟) بغير جواب حاسم من مؤسسة دولة إسرائيل، لئلا يقود - كما رأت جولدا مائير مثلاً - تبنِّي معيار متساهل لتحديد الهوية اليهودية إلى اندماج يهود الخارج في مجتمعاتهم، بينما يقود التشدد في ذلك إلى عواقب وخيمة على بنية الكيان الصهيوني نفسه في فلسطين؛ وعبر مثل هذا التوظيف (العملي) الذي تمارسه هنا جولدا مائير أحد أقطاب الصهيونية العمالية لأطروحات الصهيونية الإثنية، يظل تحديد من هو اليهودي خاضعاً، عن وعي وتصميم، لاعتبارات ظرفية غير عقائدية، وذلك رغم المحورية المركزية الطاغية لصفة اليهودي في المشروع الصهيوني. ويخضع تحديد مبادئ وأُسس الحياة الاجتماعية والسياسية في الكيان الصهيوني لتوازن معقد بين التيارات والقوى والأحزاب التي يُقال لها "علمانية" من جهة، ومن جهة أخرى التيارات ذات الديباجات الدينية فيها. ومع هذا لا يمكن الاكتفاء بإرجاع غياب الحسم العقائدي، في قضية مركزية في محوريتها، تهيمن على تعريف "المواطنة" نفسه، إلى غَلَبة إرادة العلماني على إرادة الديني في مركز القرار الإسرائيلي. فمن المعروف أن تشريعات "اليهودية الحاخامية" (كما تعبِّر عنها التشريعات التلمودية) ، تسيطر على تنظيم الأحوال الشخصية في الكيان الصهيوني، وذلك رغم أن الإحصاءات الاستطلاعية تشير (عام 1987 إلى أن 84%من يهود هذا الكيان لم يطَّلعوا على التلمود قط. كما نجحت الأحزاب الدينية (عام 1950) ، على سبيل المثال، في فرض إرادتها في أن تكون لها اليد الطولى في الإشراف على النظام التعليمي في معسكرات المهاجرين اليهود في فلسطين، وذلك بالرغم مما يفرضه هذا من تأثير داخلي جذري على مستقبل النظام السياسي والاجتماعي في الكيان الصهيوني. إن ما سبق من أمثلة يُظهر أن المعوَّل عليه في نهاية المطاف، بالنسبة للصهيونية، ليس إطاراً معتقدياً معيناً مستمداً من إحدى طبقات التركيب الجيولوجي التراكمي للعقيدة اليهودية، يتم تبنِّيه والثبات عليه؛ وإنما تفرض كل مرحلة حلاً مؤقتاً كل ما يُشتَرط فيه أن يكفُل التميُّز، ولكنه تميُّز لا مضمون له وإنما هو تميُّز وكفى. ولذلك، فحينما يعني التمسك بهوية (صلبة) للتميُّز (تحدِّد مثلاً من هو اليهودي؟) ، فإن التميُّز من حيث هو اختلاف عن الآخر، يصبح مصدر تهديد، ومن ثم يتم العدول عنه، ويتم تبنِّي تعريف للهوية يسمح بقدر من السيولة. وهي ظاهرة تتبدى في الحيرة والصراع داخل الكيان الصهيوني، حول الخيارات المستقبلية لمضمون تميُّزه، وهي قضية وثيقة الصلة بالصراع العربي الصهيوني: القبول بدولة فلسطينية مستقلة في سبيل نقاء الكيان الصهيوني؟ أم السماح بالوجود العربي داخل إطار الدولة الصهيونية، في سبيل إسرائيل الكبرى؟ إن الصراع هنا هو صراع بين الرؤية الصهيونية التقليدية (الحلولية المادية الصلبة) التي تتمسك بمفاهيم مثل إسرائيل الكبرى جغرافياً، والرؤية الإسرائيلية البرجماتية (الحلولية الشاملة السائلة) التي لا تُمانع في التنازل عن هذا المفهوم في سبيل الوصول إلى إسرائيل العظمى اقتصادياً. وهو ما يعكسه توجُّه اتفاقيات أسلو (1993وما بعدها، التي تمت بقيادة تيار فاعل في المؤسسة الإسرائيلية تنَّبه قبل عقود من هذه الاتفاقيات (وبخاصة عبر شيمون بيريز) إلى عناصر الحيرة والصراع التي تكتنف عملية حَسْم هوية المشروع الصهيوني. فكانت اتفاقيات أوسلو إيذاناً بتكريس توجُّه إسرائيل كبرى مختلفة: يعمل، وذلك بعد أن واتته الفرصة بعد حرب الخليج الثانية (1991) ، على إرساء نظام شرق أوسطي متمركز اقتصادياً حول الكيان الصهيوني؛ أي أنه توجُّه يعمل، عن وعي وإرادة، على تمييز الكيان الصهيوني بسطوة سائلة حلولية صهيونية اقتصادية، وذلك على حساب تميُّزه بهويته الحلولية الصهيونية العنصرية الصلبة. وباختصار، فإن المنهجية التلفيقية تهيمن بالضرورة، على تصوُّر الصهيونية لأُسس تبرير مشروعية الوجود الصهيوني السياسي نفسه، فضلاً عن مبادئ وأُسس النظام السياسي والاجتماعي في الكيان الصهيوني؛ والاصطدام (الكامن دوماً والمتفجر دورياً) ، الذي يقع بين هذه المنهجية التلفيقية من جهة، وبين حقائق الواقع والحقيقة الصلبة من جهة أخرى، لا يقودها إلى إعادة النظر في عناصر رؤيتها المعرفية (اليهودية الحلولية التراكمية) ؛ بل يدفعها (متأثرة طبعاً بحلوليتها اليهودية التراكمية هذه) إلى إعادة تشكيل مبادئها وأُسسها بنفس المنهجية التلفيقية. إنها تلفيقية مسكونة بهدف البقاء المتميِّز، تجعل مبدأ القوة المادية أساساً لتبرير مشروعيتها وتقييم، ثم إعادة تشكيل، مبادئ وأُسس حركتها ونُظُمها. ويُبرز وصف ديفيد بن جوريون للجيش الإسرائيلي بأنه "خير مفسِّر للتوراة"، هذه التلفيقية بجلاء وهي التلفيقية التي كانت تجعل بن جوريون يُفسِّر التوراة والتلمود، فضلاً عن الواقع والتاريخ، من خلال توظيف انتصارات جيش الدفاع الإسرائيلي. إن قيم اليهودية التي تمت صهينتها كرافد أصيل في تركيب إطار قيم الصهيونية، إنما تجعل مبدأ القوة مثاليتها وقيمتها العليا المحددة. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية بشأن يهود العالم
Silent Contract between Western Civilization and the Zionist Movent regarding Western Jewry «العقد» هو اتفاق بين طرفين يلتزمان بمقتضاه تنفيذ بنوده، أما «العقد الصامت» فهو عقد ضمني غير مكتوب لا يتم الإفصاح عنه أو التصريح به. والعقد الصامت في أغلب الأحيان غير واع ومع هذا فهو يعبِّر عن نفسه من خلال سلوك الأفراد والجماعات والمؤسسات. ويمكن القول بأن كل مجتمع إنساني يستند إلى عقد صامت بين أعضائه ينطلق من بعض المقولات الأولية القَبْلية التي يؤمن بها أعضاء هذا المجتمع، وتستمد السلطة الحاكمة شرعية وجودها واستمرارها من هذا العقد. والحديث عن «العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية» هو محاولة من جانبنا لتسمية شيء كامن مهم مُتضمَّن لم يُسمِّه أحد من قبل، رغم المقدرة التفسيرية للمصطلح. وقد ظل تاريخ الصهيونية متعثراً قبل ظهور هرتزل وظلت الصهيونية فكرة غير قادرة على التحقق لأسباب عديدة من أهمها أن دعاة الفكر الصهيوني كانوا من الصهاينة غير اليهود أو من أعداء اليهود، الأمر الذي جعل أعضاء المادة البشرية المستهدفة (أي اليهود) يرفضون الدعوة إلى استيطان فلسطين. كما أنه لم تكن هناك أية أطر تنظيمية تضم كل الجماعات اليهودية. وعلاوة على هذا كان هناك يهود الغرب المندمجين الذين كانوا يرون أن المشروع الصهيوني يهدد وجودهم ومكانتهم وكل ما حققوه من مكاسب. وقد حل هرتزل كل هذه الإشكاليات، فقام بوضع العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية استناداً للصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة التي نبعت من صميم هذه الحضارة ومن تاريخها الفكري والاقتصادي والسياسي. ولم يكتف هرتزل بوضع العقد وإنما قام بتأسيس المنظمة الصهيونية التي طرحت نفسها كإطار تنظيمي يمكن من خلاله توقيع العقد مع الحضارة الغربية وفرض الصيغة الصهيونية الشاملة على الجماهير اليهودية بحيث تتحول هذه الجماهير إلى مادة استيطانية ويدخل المشروع الصهيوني إلى حيز التنفيذ. كما طوَّر هرتزل الخطاب المراوغ الذي جعل بالإمكان إرضاء مختلف قطاعات يهود العالم الغربي (في غرب أوربا وشرقها) ، بل استيعاب كل ما قد يجد من مشاكل في المستقبل، الأمر الذي فتح الباب أمام تهويد الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. وهرتزل، واضع العقد الصامت، لم يكن مفكراً من الطراز الأول أو مُنظِّراً قادراً على التجريد وإنما كان صحفياً ذكياً سطحياً قليل الثقافة وخبرته السياسية محدودة، ولذا فإن تَوجُّهه كان برجماتياً عملياً. ومع هذا، فإن كتاباته تضم مادة هذا العقد الصهيوني الصامت كما تضم كتابات من لحقه مواد تكميلية للعقد. وكما أسلفنا هذا عقد صامت، غير مكتوب، أي أن كلمة «عقد» هنا تُستخدَم مجازاً. ومع هذا يمكننا القول بأن هذه الصورة المجازية ليست من نحتنا إلا بشكل جزئي. فهي تتواتر في الأدبيات الصهيونية غير اليهودية (وهذا أمر متوقع، فهي صهيونية كانت تنظر لليهود كعنصر نافع غريب يمكن توظيفه) ثم انتقلت الكلمة إلى كتابات الصهاينة اليهود. فقد أشار هرتزل في المؤتمر الصهيوني الأول (1897 إلى ضرورة التفاهم التام مع الوحدات السياسية المعنية حتى يتم الحديث عن حقوق الاستعمار وعن المنافع التي سيقدمها الشعب اليهودي برمته مقابل ما يُعطَى له. كما أشار إلى أن هذا سيأخذ شكل اتفاقية وإلى أن الاتفاقية سوف تصاغ على أساس الحقوق (التي ستُمنَح لليهود) وعلى أساس تعهدات قانونية معترف بها. وحينما طلب القيصر ولهلم الثاني من هرتزل أن يلخص له مطالب الصهيونية، قال هذا "تشارتر charter"، أي «ميثاق» أو «براءة» أو «عقد شركة» . وكان الصهاينة يشيرون إلى وعد بلفور باعتباره هذا الميثاق أو البراءة أو العقد الذي مُنح للحركة الصهيونية. وقد كان هرتزل يهدف إلى تحديث المسألة اليهودية، ولذا فقد كان من اللازم أن يستخدم (فعلاً أو ضمناً) اللغة التعاقدية النفعية التي تفهمها الحضارة الغربية. وإذا حاولنا ترجمة هذا العقد الصامت الذي يستند إلى الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة والصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة المُهوَّدة إلى لغة تعاقدية بسيطة، فإنه سيأخذ الشكل التالي: عقد بين المنظمة الصهيونية (كمتحدث غير مُنتخَب باسم يهود شرق أوربا وغربها) وبين العالم الغربي (وضمنه المعادون لليهود) ، وتفاهم ضمني بين يهود غرب أوربا ويهود اليديشية. تتعهد الحركة الصهيونية بمقتضى هذا العقد بإخلاء أوربا من يهودها (أو على الأقل الفائض البشري اليهودي) وتوطينهم في منطقة خارج هذا العالم الغربي (داخل دولة وظيفية) ، ويتحقق نتيجة ذلك ما يلي: 1 ـ الهدف الأكبر: يُؤسِّس المستوطنون، في موقعهم الجديد، قاعدة للاستعمار الغربي، وتتعهد الصهيونية بتحقيق مطالب الغرب ذات الطابع الإستراتيجي ومنها الحفاظ على تَفتُّت المنطقة العربية. 2 ـ أهداف أخرى: أ) يتم بذلك تخليص العالم الغربي من اليهود الزائدين، باستيعابهم في ذلك الجيب وتحويل فيض المهاجرين من يهود اليديشية. ب) عن طريق نَقْل اليهود، ستقوم الحركة الصهيونية بالسيطرة على الشباب اليهودي وتسريب طاقته الثورية من خلال القنوات الصهيونية. جـ) ستقوم الحركة الصهيونية بحشد يهود العالم وراء المشروع الصهيوني الغربي بحيث يصبحون عملاء ووكلاء للغرب أينما كانوا. د) ستقوم الحركة الصهيونية بتجنيد يهود الغرب المعروفين بثرائهم ليدعموا هذا المشروع الغربي دون أن تطالبهم بالهجرة. هـ) عن طريق نقل اليهود، ستقضي الصهيونية على معاداة اليهود في الغرب. ونظير ذلك، سيقوم الغرب (ككل) برعاية هذا المشروع ودَعْمه، كما أنه سيساعد الحركة الصهيونية في الهيمنة على يهود العالم الغربي (الذين يشكلون غالبية يهود العالم) . ولم يتوجه العقد بطبيعة الحال لمشكلة السكان الأصليين وكيفية حلها، ومع هذا يمكن القول بأن الحل مُتضمَّن في تَعهُّد الدول الغربية بضمان بقاء الدولة الوظيفية، الأمر الذي يعني استعدادها لاستخدام الآليات المألوفة المختلفة ضد السكان الأصليين من طَرْد أو إبادة أو محاصرة. وبرغم تناقض بنود العقد، إلا أنه تم توقيعه (مجازاً) وأصبح قيام الصهيونية بـ "خدمة اليهود والمسيحيين" (على حد قول نوردو) ممكناً وبتوظيف المادة البشرية اليهودية في خدمة الحضارة الغربية، ولذا "ستقام الصلوات في المعابد] اليهودية] من أجل نجاح هذا المشروع، وستُقام الصلوات في الكنائس أيضاً" (على حد قول هرتزل) . وقد أُضيف بعد ذلك عقد تكميلي أو تفاهم بين يهود الغرب التوطينيين ويهود شرق أوربا الاستيطانيين بحيث تَكفَّل يهود الغرب بالجانب التوطيني بدعم المُستوطَن الصهيوني مالياً والضغط من أجله سياسياً شريطة ألا تناقض مصالح المُستوطَن الصهيوني مصالح بلادهم، وبحيث يكتسبون شيئاً من هويتهم من خلال تَوحُّدهم العاطفي مع المُستوطَن الصهيوني مع بقاء ولائهم لأوطانهم، كما يتعيَّن على الصهاينة الاستيطانيين ألا يقوموا بشيء من شأنه إحراجهم أمام حكوماتهم أو وَضْع ولائهم لأوطانهم موضع الشك. أما الاستيطان والقتال والدفاع عن المصالح الإستراتيجية، فيقوم به الاستيطانيون في صهيون: أرض الميعاد والقتال. وقد لعبت الصياغة الصهيونية المراوغة دوراً أساسياً في صياغة العقد وترويجه. كما تم توقيع العقد بإصدار إنجلترا وعد أو عقد بلفور. وقد عبَّر العقد عن نفسه عبر تاريخ الصهيونية من خلال مذكرات تفاهم واتفاقيات عسكرية وإستراتيجية ودعم عسكري ومالي وسياسي فعلي. الوعود البلفورية Balfour Declarations «الوعود البلفورية» مصطلح نستخدمه للإشارة إلى مجموعة من التصريحات التي أصدرها بعض رجال السياسة في الغرب يدعون فيها اليهود لإقامة وطن قومي لهم في فلسطين ويعدون بدعمه وتأمينه نظير أن يقوم اليهود على خدمة مصالح الدولة الراعية، أي أنها دعوة لتوقيع العقد الصامت بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية. والوعود البلفورية تعبير عن نموذج كامن في الحضارة الغربية يضرب بجذوره فيها. وهي حضارة تنحو منحى عضوياً، وتجعل التماسك العضوي مثلاً أعلى. ونظراً لأن التماسك العضوي هو المثل الأعلى، فإن عدم التجانس يصبح سلبياً كريهاً. وينتج عن هذه الرؤية للكون رفض الآخر في شكل الأقليات. ومن ثم، نجد أن الحضارة الغربية (والمسيحية الغربية) لم تتوصل إلى إطار تتعامل من خلاله مع الأقليات، وبالذات اليهود، وإنما همَّشتهم (شعب شاهد) وحوسلتهم (جماعة وظيفية) . ومنذ عصر النهضة الغربية والثورة العلمانية الشاملة، بدأت أزمة الجماعات اليهودية وظهرت الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة التي تُعَد جزءاً من فكرة العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية بشأن يهود العالم: شعب عضوي منبوذ ـ نافع ـ يُنقَل خارج أوربا إلى فلسطين ليُوظَّف لصالحها في إطار الدولة الوظيفية. وقد صدرت معظم الوعود البلفورية في القرن التاسع عشر واستمرت حتى صدور وعد بلفور عام 1917، الذي حسم مسألة علاقة اليهود بالحضارة الغربية. وسنقوم بمحاولة تحليل عدد من الوعود البلفورية وسنقسمها إلى ثلاثة عناصر أساسية: 1 ـ نص الوعد 2 ـ الديباجة العلنية (أو الأسباب المعلنة) التي عادةً ما ترد في الوعد نفسه أو في مجال الدفاع عنه. 3 ـ الدوافع الخفية (العميقة أو الحقيقية) وهي عادةً لا ترد في أيٍّ من الوعود، وعلينا أن نبحث عنها في نصوص وحقائق تاريخية تشكِّل السياق التاريخي للوعد البلفوري موضع البحث. ويُعتبَر نابليون بونابرت من أوائل القادة الغربيين الذين أصدروا وعداً بلفورياً وهو أيضاً أول غاز للشرق في العصر الحديث. وفيما يلي الجزء المهم من نص الوعد: "من نابليون القائد الأعلى للقوات المسلحة للجمهورية الفرنسية في أفريقيا وآسيا إلى ورثة فلسطين الشرعيين. أيها الإسرائيليون، أيها الشعب الفريد، الذين لم تستطع قوى الفتح والطغيان أن تسلبهم اسمهم ووجودهم القومي وإن كانت قد سلبتهم أرض الأجداد فقط. إن مراقبي مصائر الشعوب الواعين المحايدين ـ وإن لم تكن لهم مواهب المتنبئين مثل أشعياء ويوئيل ـ قد أدركوا ما تنبأ به هؤلاء بإيمانهم الرفيع من دمار وشيك لمملكتهم ووطنهم: أدركوا أن عتقاء الإله سيعودون لصهيون وهم يُغنّون، وسيُولَد الابتهاج بتَملُّكهم إرثهم دون إزعاج، فرحاً دائماً في نفوسهم (أشعياء 35/10) . انهضوا إذن بسرور أيها المبعدون. إن حرباً لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، تخوضها أمة دفاعاً عن نفسها بعد أن اعتبر أعداؤها أرضها التي توارثوها عن الأجداد غنيمة ينبغي أن تُقسَّم بينهم حسب أهوائهم. وبجرة قلم من مجلس الوزراء تقوم للثأر وللعار الذي لحق بها وبالأمم الأخرى البعيدة. ولقد نُسي ذلك العار تحت قيد العبودية والخزي الذي أصابكم منذ ألفي عام. ولئن كان الوقت والظروف غير ملائمة للتصريح بمطالبكم أو التعبير عنها، بل وإرغامكم على التخلي عنها، فإن فرنسا تقدم لكم إرث إسرائيل في هذا الوقت بالذات، وعلى عكس جميع التوقعات. إن الجيش الذي أرسلتني العناية الإلهية به، والذي يقوده العدل ويواكبه النصر، جعل القدس مقراً لقيادتي، وخلال بضعة أيام سينتقل إلى دمشق المجاورة التي لم تَعُد تُرهب مدينة داود. يا ورثة فلسطين الشرعيين: إن الأمة التي لا تتاجر بالرجال والأوطان، كما فعل أولئك الذين باعوا أجدادهم لجميع الشعوب (يوئيل 4/6) ، تدعوكم لا للاستيلاء على إرثكم بل لأخذ ما تم فتحه والاحتفاظ به بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء. انهضوا وأظهروا أن قوة الطغاة القاهرة لم تُخمد شجاعة أحفاد هؤلاء الأبطال الذين كان تَحالُفهم الأخوي شرفاً لإسبرطة وروما (مكابيون 12/15) ، وأن معاملة العبودية التي دامت ألفي عام لم تُفلح في إخمادها. سارعوا! إن هذه هي اللحظة المناسبة ـ التي قد لا تتكرر لآلاف السنين ـ للمطالبة باستعادة حقوقكم ومكانتكم بين شعوب العالم، تلك الحقوق التي سُلبت منكم لآلاف السنين، وهي وجودكم السياسي كأمة بين الأمم، وحقكم الطبيعي في عبادة يهوه، طبقاً لعقيدتكم، علناً وإلى الأبد. (يوئيل 4/20. وفيما يتعلق بوعد نابليون البلفوري، يمكن ملاحظة ما يلي: 1 ـ جوهر الوعد هو العبارة التالية: "تقدِّم فرنسا فلسطين لليهود في هذا الوقت بالذات، وعلى عكس جميع التوقعات ... وهذه هي اللحظة المناسبة التي قد لا تتكرر لآلاف السنين". "تدعوكم [فرنسا] لا للاستيلاء على إرثكم بل لأخذ ما تم فتحه والاحتفاظ به بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء". "وجودكم السياسي كأمة بين الأمم، وحقكم الطبيعي في عبادة يهوه طبقاً لعقيدتكم، علناً وإلى الأبد". 2 ـ لا يختلف تصريح نابليون عن وعد بلفور، فنابليون يعتبر أعضاء الجماعات اليهودية شعباً غريباً عن وطنه (وهو ما يعني إسقاط المواطنة عنه) وهو شعب مرتبط بفلسطين. وقد وجه نابليون نداءه إلى "الشعب الفريد" و"المبعدين" الذين عاشوا "تحت قيد العبودية والخزي ... منذ ألف عام" و"ورثة فلسطين الشرعيين" (أي الشعب العضوي المنبوذ) بأن يتبعوا فرنسا التي ستقدم لهم إرث إسرائيل، أي أرض فلسطين، أي أنهم سيتم خروجهم من فرنسا وتوطينهم في فلسطين. 3 ـ ثم نأتي ثالثاً إلى الدوافع الخفية الحقيقية، وليس من الصعب تخمينها، فنابليون لم يَكُن يُكن كثيراً من الحب أو الاحترام لليهود، وهذا يظهر في تشريعاته داخل فرنسا. ولذا، فإن إرسالهم إلى فلسطين فيه حل للمسألة اليهودية في فرنسا (والتي كانت قد بدأت في التفاقم) . ومع هذا، كان نابليون يهدف إلى توظيف اليهود في خدمة مشاريعه وتحويلهم إلى عملاء له، وهذا ما قاله ملك إيطاليا لهرتزل (وقد وافقه الزعيم الصهيوني على رأيه) . ولعل إشارة نابليون إلى التقاليد المكابية هو إشارة خفية للدور القتالي (المملوكي) الذي يمكن أن تلعبه الدولة اليهودية المقترحة في خدمة المصالح الغربية. وقد صدرت أيضاً عدة وعود بلفورية ألمانية. ويمكننا هنا أن نتوقف قليلاً عند واحد من أهم إسهامات هرتزل للحركة الصهيونية وهو أنه إذا كانت الفكرة الصهيونية إمكانية كامنة في الحضارة الغربية تود أن تتحقق، فلم يكن بإمكانها أن تخرج من عالم الوجود بالقوة إلى عالم الوجود بالفعل إلا من خلال آليات محددة أهمها تنظيم المادة البشرية (اليهودية) التي سيتم ترحيلها وتأسيس إطار تنظيمي يستطيع أن يتلقى الوعود وأن يقوم بتنفيذها. وحينما أصدر نابليون وعده البلفوري لم يكن هناك تنظيم يهودي يمكنه تلقِّي هذا الوعد والعمل على تسخير المادة البشرية لتنفيذه. وهذا ما أنجزه هرتزل بعد أن نشر كتابه دولة اليهود الذي وضَّح فيه ما نسميه «العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية» . فقرَّر هرتزل أن يأخذ بزمام الأمور وأن يتوجه للدول العظمى. وقد ساعده في مسعاه هذا القس (الواعظ) الصهيوني نصف المجنون هشلر إذ قدمه إلى أحد كبار المسئولين الألمان الذي تحدَّث إلى القيصر عن الموضوع. وكانت ثمرة هذه الاتصالات وعد بلفوري ورد في خطاب من دون إيلونبرج باسم حكومة القيصر إلى هرتزل (مؤرخ في سبتمبر 1898وجاء فيه: "إن صاحب الجلالة على استعداد أكيد أن يناقش الأمر [توطين اليهود] مع السلطان، وأنه سيسعده أن يستمع إلى مزيد من التفاصيل منكم في القدس. وقد أصدر جلالته أوامره بأن تُذلِّل كل الصعاب التي تواجه استقبال وفدكم. وأخيراً يحب جلالته أن يخبركم عن استعداده أن يأخذ على عاتقه مسئولية محمية [يهودية] في حالة تأسيسها. وجلالته، حينما يكشف لكم عن نواياه، فهو يعوِّل، بطبيعة الحال، على مقدرتكم على الكتمان. وكم يسعدني أن أنقل لكم هذه المعلومات، وأتمنى أن تنجح في الوصول إلى القدس في الموعد المحدد. وفي الحقيقة، فإن فشلك في هذا سيسبب لجلالته خيبة الأمل. وأترك لكم، بما تتميزون به من لباقة، أن تقرروا ما إذا كنتم تودون الوصول إلى إستنبول في الوقت الذي يصل فيه جلالته إليها أم لا ". ويمكننا ملاحظة ما يلي: 1 ـ جوهر الوعد يُوجَد في العبارة: "يحب جلالته أن يخبركم عن استعداده أن يأخذ على عاتقه مسئولية محمية [يهودية] في حالة تأسيسها" وأنه "على استعداد أكيد أن يناقش الأمر [توطين اليهود] مع السلطان". 2 ـ وإذا انتقلنا بعد ذلك إلى الديباجة العلنية والنوايا المعلنة، فإننا لن نجد لها أيَّ أثر، فقيصر ألمانيا لم يكن تحت أية ضغوط للبحث عن مسوغات رومانسية، بل إن العكس في حالته هو الصحيح، إذ كان عليه أن يبرر أمام شعبه مسألة تعاطفه مع المشروع الصهيوني وتأييده له، بل واستعداده لأن يضع الصهاينة تحت حمايته. وكما قال في خطابه المؤرخ 29سبتمبر 1898والمُرسَل إلى دوق بادن، فإن تسعة أعشار شعبه سيُصدَم صدمة عميقة إذا اكتشف هذه الحقيقة. فاليهود ـ كما يقول ـ هم قتلة المسيح، وهو يعترف بهذه الحقيقة، ولكنه يضيف قائلاً: "إن الإله قد أنزل بهم العقاب على ما اقترفوه من آثام، إلا أنه لم يأمر المسيحيين بأن يسيئوا معاملة هذا الشعب". 3 ـ وأما العنصر الثالث، أي الدوافع الحقيقية الخفية، فهي موجودة وبغزارة، في خطاب القيصر المذكور، وفي تعليقه على تقرير سفير ألمانيا في سويسرا عن المؤتمر الصهيوني الأول (1897 فهو، في مجال تسويغ تعاونه مع "قتلة المسيح"، يورد الأسباب التالية لتأييد ألمانيا للمشروع الصهيوني: أ) سينتج عن توطين شعب إسرائيل رخاء للمنطقة، ولا سيما أن الملايين ستصب في الأكياس العثمانية، الأمر الذي قد يؤدي إلى شفاء الرجل المريض. ب) ستُوجَّه طاقة اليهود ومواهبهم إلى أهداف أكثر نبلاً من استغلال المسيحيين. جـ) إفراغ ألمانيا من اليهود الذين فيها "وكلما عجلوا بالذهاب..، كان ذلك أفضل. فلن أضع أية عراقيل في طريقهم". د) إذا بُحثت المسألة من منظور الحقائق السياسية [لا الأخلاقية] ، فإن ألمانيا ستستفيد غاية الاستفادة لأن رأس المال اليهودي العالمي، بكل خطورته، سينظر بعين العرفان إلى ألمانيا. ولعل موقف القيصر من اليهود، بما يتسم به من كره عميق لهم وترحيب شديد بالتخلص منهم واستعداد تام لتوظيفهم في خدمة المصالح الألمانية، لا يختلف كثيراً عن موقف نابليون من قبله أو موقف بلفور من بعده. ورغم وعود القيصر، ورغم حرصه على تبنِّي المشروع الصهيوني، إلا أنه لم يكن مدركاً مدى عُمْق الرفض العثماني للمشروع الصهيوني، وهو الأمر الذي أدركه إبان زيارته لإستنبول. ولذا، فحينما تم اللقاء في نهاية الأمر في القدس، حيث كان من المتوقع أن يُصدر القيصر وعده البلفوري العلني الكامل، تراجع واكتفى ببعض المجاملات الخالية من المعنى. ومن الأمثلة الأخرى على الوعود البلفورية، الوعد البلفوري الروسي القيصري. فقد قام هرتزل بمقابلة فون بليفيه، وزير الداخلية الروسي المعادي لليهود، بتفويض من المؤتمر الصهيوني الخامس (1901) ، حتى يَحصُل على تصريح يعبِّر عن نوايا الروس يتلوه في المؤتمر الصهيوني السادس المزمع عقده سنة 1903. وبالفعل، صَدَر الوعد البلفوري القيصري على النحو التالي (في شكل رسالة وجهها فون بليفيه إلى تيودور هرتزل) . وهذا هو منطوق الوعد: "ما دامت الصهيونية تحاول تأسيس دولة مستقلة في فلسطين، وتنظيم هجرة اليهود الروس، فمن المؤكد أن تظل الحكومة الروسية تحبذ ذلك. وتستطيع الصهيونية أن تعتمد على تأييد معنوي ومادي من روسيا إذا ساعدت الإجراءات العملية التي يفكر فيها على تخفيف عدد اليهود في روسيا". وقد توصَّل هرتزل أيضاً إلى اتفاق مع المسئولين الروس مفاده: أنْ تبذل الحكومة الروسية مساعيها الحميدة لدى تركيا لتسهيل دخول اليهود إلى فلسطين. وستقدم مساعدات مالية للمهاجرين تُجمَع من مصادر يهودية، وستُسهِّل تنظيم الجمعيات الصهيونية الملتزمة ببرنامج بازل. وقد سُمح أيضاً لبنك الاستيطان اليهودي ببيع أسهمه في روسيا شريطة أن يفتح فرعاً له في البلد لكي تستطيع السلطات مراقبة عمليات البيع. كذلك قام بليفيه بتزويد هرتزل برسالة موقعة منه، وبعد أن بحث محتوياتها مع القيصر، أعلن فيها أن الحكومة الروسية تنظر بعين العطف إلى الصهيونية ما دام هدفها إقامة دولة مستقلة في فلسطين، وأنها على استعداد لمساعدتها. وهذه المساعدة قد تتخذ شكل حماية الممثلين الصهاينة أمام الحكومة العثمانية، وتسهيل نشاط جمعيات الهجرة ومساعدتها مالياً من الضرائب التي تُجبى من اليهود. وقد استغل هرتزل هذه الرسالة، في أكثر من مناسبة، فيما بعد. ويُلاحَظ أنه لا توجد أية ديباجات رومانسية في هذا الوعد، فهو مسألة تعاقدية جافة يتحدث فيها كل طرف عن الفائدة المرجوة وعلى العائد من الصفقة. ولذا، فقد أكد فون بليفيه دون مواربة أو حياء أن الهدف هو التخلص من اليهود عامة باستثناء الأثرياء منهم، وجاء هذا واضحاً في قوله: " ... إن نجاح اليهود في إقامة دولة مستقلة لهم تستوعب عدة ملايين منهم لهو أمر نقبله وندعمه ... إننا لا نريد التخلص من جميع اليهود الروس ... إننا نريد فقط التخلص من المعدمين والمضطربين". وحذر فون بليفيه من أن التأييد الروسي القيصري سيتم سحبه إن كان هدف الصهيونية، غير المعلن، هو تحقيق تركيز قومي لليهود في روسيا، فالدعم الروسي مشروط بالتخلص من اليهود. وقد كان ذلك مفهوماً تماماً لدى هرتزل الذي أكد في مفاوضاته مع بليفيه أن الحركة الصهيونية "ستستقطب جميع اليهود وضمنهم المتطرفون [أي العناصر الثورية التي كانت تقض مضجع الدولة الروسية القيصرية] . أما إذا انهارت آمالنا، فإن الوضع سينقلب رأساً على عقب وستكسب الأحزاب الثورية إلى صفوفها أولئك الذين سينسحبون من الصهيونية التي أمثلها أنا وزملائي". كما أن هرتزل فهم تماماً تحذير بليفيه. وهكذا فإننا نجده، في المؤتمر الصهيوني السادس (1903، يؤكد للمجتمعين أن الحكومة الروسية لن تسبب أية مشاكل للحركة الصهيونية، ما دام نشاطها منحصراً ضمن النظام والقانون (أي في عملية التخلص من اليهود وتفريغ روسيا منهم) . واستطاع هرتزل بجهد وتصميم أن يحول بين المؤتمر وبين مناقشة مذابح كيشينيف، وقد علق على الموضوع في رسالة بعث بها إلى بليفيه قال فيها: " ... رغم المصاعب التي واجهتني في إدارة جلسات المؤتمر بجوها المشحون نتيجة الأحداث المؤلمة (مذابح كيشينيف) ، إلا أنني نجحت في المحافظة على النظام وإعادة الهدوء إلى الجلسات.. ولا شك في أن الفضل يعود في ذلك إلى رسالتكم التي تكرمت بإرسالها في 2 1أغسطس والتي كشفت محتوياتها لأخمد بذلك كل جدال ثار حول تلك الأحداث". ويمكن أن ننظر إلى مشروع شرق أفريقيا باعتباره أحد أهم الوعود البلفورية وهو لا يختلف كثيراً عن الوعود البلفورية التي أشرنا إليها وإن كان أكثر جدية وأكثر تحدداً منها. كما أنه يشبه في كثير من النواحي وعد بلفور الذي صدر في نهاية الأمر. (انظر الباب المعنون «الصهيونية الإقليمية» ) . وقد صدر آخر الوعود البلفورية عن ألمانيا بعد صدور وعد بلفور نفسه عن إنجلترا، إذ استغل الصهاينة الوضع الدولي الناشيء عن الجمود الذي ساد جبهات القتال عام 1916 واتجهوا إلى حث الحكومة الألمانية على إصدار بيان رسمي يتضمن العطف على الصهيونية في فلسطين. ولكن الحكومة الألمانية كانت لا تزال مرتبطة بتحالف مع الحكومة العثمانية. كما كانت تخشى أن يؤدي تدهور الوضع العسكري إلى أن تسارع الحكومة العثمانية بعقد صلح منفرد مع الحلفاء. وحيث إن ألمانيا لن تضحي بتحالفها من أجل الصهاينة، فإنها ترددت كثيراً في الاستجابة للمطلب الصهيوني. ثم صدر وعد بلفور نفسه عام 1917، وعند هذه النقطة. وحسبما جاء في دراسة الدكتور محافظة، "اندفع الصهاينة يلحون على حكومة برلين لتلبية مطالبهم مع تشكيل وزارة طلعت باشا في عام 1917 وحاولت الحكومة الألمانية إرضاء الصهاينة بتَدخُّلها الحاسم لإلغاء التدابير العسكرية التي فرضها جمال باشا على اليهود في فلسطين عام 1917. وبعد صدور تصريح بلفور، اتجه الصهاينة إلى برلين لإستصدار تصريح مماثل. كما انتهزوا زيارة الصدر الأعظم (طلعت باشا) في مطلع يناير 1918، فقابله الزعيم الصهيوني ألفريد نوسيج الذي بحث معه موضوع اليهود في الدولة العثمانية (ومما يجدر ذكره أن هذا الزعيم الصهيوني أصبح عميلاً للجستابو النازي فيما بعد، كما وضع خطة لإبادة يهود أوربا. وقد قبض عليه ثوار جيتو وارسو. وبعد محاكمة قصيرة، نُفِّذ فيه حكم الإعدام) . وطلب نوسيج باسم الصهاينة إلغاء القيود المفروضة على هجرة اليهود إلى فلسطين. فوعدهم الصدر الأعظم بأن الباب العالي سوف يعيد تنظيم الأوضاع حالما تعود القدس وجنوب فلسطين إلى السيادة العثمانية بصورة تَكفُل الرضا التام لليهود وتحقق أمانيهم كافة. وقد نُشر هذا التصريح في الصحف الألمانية في اليوم التالي للقاء. ولا يمكن أن نسمي هذا التصريح وعداً بلفورياً بمعنى الكلمة وإن كان يقترب من ذلك. ومن الواضح أن ذلك يمثل إحدى الحيل التي كانت تستعملها الدولة العثمانية على ممثلي العالم الغربي، وهو فن تَملَّك العثمانيون ناصيته نظراً لضعفهم العسكري. ولكن أهمية هذا التصريح لا تكمن فيه وإنما في أنه أعطى الضوء الأخضر للدولة الألمانية. وقد استمر الصهاينة في ضغوطهم حتى حصلوا على تصريح من وكيل وزارة الخارجية الألمانية في اليوم التالي لتصريح الصدر الأعظم هذا نصه: "نحن نؤيد رغبة الأقليات اليهودية، في البلدان التي لهم فيها ثقافة متطورة، في أن تختط طريقها الخاص بها، ونميل إلى دعم أمانيها. أما بالنسبة إلى أماني اليهود، وبخاصة أماني الصهاينة منهم في فلسطين، فإن الحكومة [الألمانية] ترحب بالتصريح الذي أدلى به مؤخراً الصدر الأعظم، طلعت باشا، والذي يعبِّر عن عزم الحكومة التركية، المتفق مع نظرتها الودية نحو اليهود بوجه عام، على تنمية استقرار يهودي مزدهر في فلسطين، عن طريق الهجرة غير المُقيَدة والاستيطان ضمن قدرة البلاد الاستيعابية وقيام حكم ذاتي يتفق وقوانين البلاد والتطور الحر لحضارتها". ويُلاحَظ أن صياغة هذا الوعد تميل نحو الإبهام الشديد، فهو يؤكد حق اليهود المندمجين في الاستمرار في اندماجهم، وهو يميِّز بينهم وبين الصهاينة الذين لهم أمان في فلسطين حيث سيسمح لهم "باستقرار يهودي مزدهر في فلسطين"، وهي عبارة غامضة حاول الوعد تحديدها عن طريق عبارة "قيام حكم ذاتي"، ثم عاد وعدَّلها من خلال إضافة عبارة "يتفق وقوانين البلاد والتطور الحر لحضارتها". ولنلاحظ أن فكرة "قوانين البلاد" تحل محل عبارة "القانون العام" أو "القانون الدولي" التي ترد في الأدبيات الصهيونية، خصوصاً في صياغتها الهرتزلية، وهي عبارة تعني "حسب القانون الغربي أو الاستعماري". فكأن الوعد هنا ينزع المشروع الصهيوني من سياقه الغربي ويضعه في سياق عثماني، الأمر الذي يعني فقدانه كل معنى، فالمستوطنون الصهاينة كان معروضاً عليهم دائماً أن يحصلوا على المواطنة العثمانية ويستقروا في فلسطين كعثمانيين لا كعنصر استيطاني تابع لدولة غربية. والقضية لم تكن قضية عدة آلاف يهودي لا وطن لهم، أو مضطَّهدين في أوطانهم ويبحثون عن مأوى لهم، وإنما هي قضية غَرْس عنصر بشري غريب يتحول إلى دولة ذات تَوجُّه غربي استعماري استيطاني رفض هذا الحل. وبعد صدور الوعد البلفوري الألماني، استمر الصهاينة في الضغط على الدولة العثمانية. وكلَّف الصدر الأعظم، بعد عودته من برلين، النائب اليهودي التركي قاراصو بتأليف لجنة يهودية عثمانية لوضع التفاصيل العملية لإنشاء شركة ذات امتياز في إستنبول تتولَّى العمل في المناطق المأهولة باليهود لإقامة حكم ذاتي فيها. وأمر طلعت باشا بدراسة الخطة التي وضعهتا اللجنة ووعد بتبنيها عند بَحْث شروط الصلح بعد انتهاء الحرب. وسعى الصهاينة، انطلاقاً من هذا الوعد، إلى الحصول على مزيد من التنازلات من الجانب العثماني، وإصدار تصريح عثماني مماثل لتصريح بلفور. وقد تمكنوا من الحصول على هذا التصريح في 4 1تموز 1918، وتشكلت لجنة عثمانية لوضع ما جاء فيه موضع التنفيذ. ويمكننا ملاحظة اختفاء الديباجات العلنية المزخرفة أو الإشارة إلى الدوافع الحقيقية، فلا توجد أية إشارة للشعب اليهودي أو أمانيه القومية أو ارتباطه الأزلي بالأرض، وإنما هي إشارة روتينية إلى "أماني الصهاينة" وحديث عن استقرار يهودي مزدهر. ومقابل هذا، لا توجد أية إشارة لكره اليهود أو الرغبة في استخدامهم أو تأسيس حامية عسكرية يقطنون فيها كمادة قتالية. ولا شك في أن وجود العثمانيين كطرف هو الذي أفضى إلى هذا الوضع. فهم لم يتحمسوا قط للمشروع الصهيوني، بل كانوا يرونه جزءاً من المحاولة الغربية لتفتيت حكمهم ودولتهم. ومع هذا، فقد اضطروا كارهين للدخول في حوار مع الصهاينة وتقديم بعض التنازلات بسبب تدهور الوضع العسكري العام على الجبهات كافة وفقدان معظم فلسطين، واعتقاد الدولة العثمانية أن تحقيق بعض المطالب الصهيونية قد يُحسِّن وضعها في مؤتمر الصلح الذي كان مقبلاً. ويمكننا أن نقول إن وعد بلفور هو أهم حدث في تاريخ الصهيونية وتاريخ الجماعات اليهودية في العالم، كما أن أهميته بالنسبة لفلسطين والفلسطينيين لا تخفى على أحد. وعد بلفور Balfour Declaration «وعد بلفور» هو التصريح الشهير الذي أصدرته الحكومة البريطانية عام 1917 تعلن فيه عن تعاطفها مع الأماني اليهودية في إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وحين صدر الوعد كان عدد أعضاء الجماعة اليهودية في فلسطين لا يزيد عن 5% من مجموع عدد السكان. وقد أخذ الوعد شكل رسالة بعث بها لورد بلفور في 2 نوفمبر 1917 إلى اللورد إدموند دي روتشيلد أحد زعماء الحركة الصهيونية آنذاك. وفيما يلي النص الكامل للرسالة: "عزيزي اللورد روتشيلد: يسعدني كثيراً أن أنهي إليكم، نيابةً عن حكومة جلالة الملك، التصريح التالي تعاطفاً مع أماني اليهود الصهاينة التي قدموها ووافق عليها مجلس الوزراء. إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين وسوف تبذل ما في وسعها لتيسير تحقيق هذا الهدف. وليكن مفهوماً بجلاء أنه لن يتم شيء من شأنه الإخلال بالحقوق المدنية للجماعات غير اليهودية المقيمة في فلسطين أو بالحقوق أو الأوضاع القانونية التي يتمتع بها اليهود في أية دولة أخرى. وسوف أكون مديناً بالعرفان لو قمتم بإبلاغ هذا التصريح إلى الاتحاد الصهيوني. ) إمضاء ( وفيما يتصل بهذا النص، نلاحظ ما يلى: 1 ـ صيغة الوعد واضحة تماماً هنا إذ تُوجَد هيئة حكومية (حكومة جلالة الملك) تؤكد أنها تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي سيضم "الشعب اليهودي"، أي أنه تم الاعتراف باليهود لا كلاجئين أو مضطهدين مساكين، كما أن الهدف من الوعد ليس هدفاً خيرياً ولكنه هدف سياسي (استعماري) . كما أن هذه الحكومة التي أصدرت الوعد لن تكتفي بالأمنيات وإنما سوف تبذل ما في وسعها لتيسير تحقيق هذا الهدف. هذا هو الجوهر الواضح للوعد. 2 ـ ثم تبدأ بعد ذلك الديباجات التي تهدف إلى التغطية، فالوعد لن يضر بمصالح الجماعات غير اليهودية المقيمة في فلسطين ولا بمصالح الجماعات اليهودية التي لا تود المساهمة في المشروع الصهيوني، بل تود الاستمرار في التمتع بما حققته من اندماج وحراك اجتماعي. وسنلاحظ أن الديباجات تتسم بكثير من الغموض إذ أن الوعد لم يتحدث عن كيفية ضمان هذه الحقوق. ثم نأتي الآن للأسباب التي يوردها بعض المؤرخين (الصهاينة أو المتعاطفون مع الصهيونية) لتفسير إصدار إنجلترا لوعد بلفور. فهناك نظرية مفادها أن بلفور قد صدر في موقفه هذا عن إحساس عميق بالشفقة تجاه اليهود بسبب ما عانوه من اضطهاد وبأن الوقت قد حان لأن تقوم الحضارة المسيحية بعمل شيء لليهود، ولذلك، فإنه كان يرى أن إنشاء دولة صهيونية هو أحد أعمال التعويض التاريخية. ولكن من الثابت تاريخياً أن بلفور كان معادياً لليهود، وأنه حينما تولى رئاسة الوزارة الإنجليزية بين عامي 1903 و1905 هاجم اليهود المهاجرين إلى إنجلترا لرفضهم الاندماج مع السكان واستصدر تشريعات تحد من الهجرة اليهودية لخشيته من الشر الأكيد الذي قد يلحق ببلاده. وقد كان لويد جورج رئيس الوزراء لا يقل كرهاً لأعضاء الجماعات اليهوديةعن بلفور، تماماً مثل تشامبرلين قبلهما، والذي كان وراء الوعد البلفوري الخاص بشرق أفريقيا. وينطبق الوضع نفسه على الشخصيات الأساسية الأخرى وراء الوعد مثل جورج ملنر وإيان سمطس، وكلها شخصيات لعبت دوراً أساسياً في التشكيل الاستعماري الغربي. ويرى بعض المؤرخين أن إنجلترا أصدرت الوعد تعبيراً عن اعترافها بالجميل لوايزمان لاختراعه مادة الأسيتون المحرقة أثناء الحرب العالمية الأولى، وهو تفسير تافه لأقصى حد لا يستحق الذكر إلا لأنه ورد في بعض الدراسات الصهيونية والدراسات العربية المتأثرة بها. ويبدو أن وايزمان نفسه قد تقبَّل هذا التفسير بعض الوقت. ولذا، حينما توترت العلاقات بين إنجلترا والمستوطنين الصهاينة في الأربعينيات، وضع وايزمان مواهبه العلمية تحت تصرف الإمبراطورية، متصوراً أن بإمكانه ممارسة بعض التأثير عليها. وبطبيعة الحال، لم يُوفَّق وايزمان في مساعيه. وفيما يتصل بجهوده الدبلوماسية نفسها أثناء الحرب، يمكن القول بأنه كان شخصية محدودة الذكاء، فلم يدرك الأبعاد الإمبريالية للمشروع الصهيوني أو لوحشية المشروع الإمبريالي، وغير مدرك حتى لدقائق السياسة البريطانية (وهذا هو وصف موظفي الخارجية البريطانية له في تقاريرهم السرية التي تم الكشف عنها مؤخراً) . وحينما اندلعت الحرب العالمية الأولى، كان وايزمان قد وصل لتوه إلى سويسرا في إجازة صيفية. ثم اضطر إلى العودة إلى بريطانيا، فطلب منه لويد جورج أن يقابل هربرت صمويل، فعبَّر عن خوفه من أن يكون صمويل مثل سائر يهود إنجلترا معادياً للصهيونية، ولكنه فوجئ بأن صمويل هذا صهيوني هو الآخر. وحينما تقدَّم بطلباته الصهيونية، أخبره صمويل بأن طلباته هذه متواضعة أكثر من اللازم وأن عليه أن يفكر على مستوى أكبر من ذلك (ويبدو أن هرتزل لم يشف التسلليين تماماً من ضيق الأفق والفشل في إدراك عالمية الظاهرة الإمبريالية ووحشيتها) . ثم أخبره صمويل بأن أعضاء الوزارة يفكرون في أهداف صهيونية، ودوَّن وايزمان بعد ذلك العبارة التالية: "لو كنت يهودياً متديناً لظننت أن عودة الماشيَّح قد دنت". ومع هذا، وكما سنبيِّن فيما بعد، أظهر وايزمان شيئاً من الذكاء باكتشافه بريطانيا (لا ألمانيا) باعتبارها القوة الإمبريالية الصاعدة التي يمكنها أن ترعى المشروع الصهيوني. ولعل الأمر لا يدل على ذكاء بقدر ما ينبع من وجوده في إنجلترا بالفعل وتَحرُّكه داخل إطار المصالح البريطانية. ولعله لو وُجد في فرنسا لما أدرك شيئاً. وهناك نظرية تذهب إلى أن الضغط الصهيوني (واليهودي) العام هو الذي أدَّى إلى صدور وعد بلفور، ولكن من المعروف أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يكونوا كتلة بشرية ضخمة في بلاد غرب أوربا، وهم لم يكونوا من الشعوب المهمة التي كان على القوى العظمى أن تساعدها أو تعاديها، بل كان من الممكن تجاهلهم. ويمكن القول بأن أعضاء الجماعات اليهودية كانوا مصدر ضيق وحسب، ولم يكونوا قط مصدر تهديد. أما الصهاينة فلم تكُن لهم أية قوة عسكرية أو سياسية أو حتى مالية (فأثرياء اليهود كانوا ضد الحركة الصهيونية) . ولكل هذا، لم يكن مفر من أن تكون المطالب الصهيونية على هيئة طلب لخدمة مصالح إحدى الدول العظمى الإمبريالية. ولعل أكبر دليل على أن الضغط الصهيوني أو اليهودي لا يشكل عنصراً فعالاً في عملية استصدار وعد بلفور وأنه عنصر ثانوي على أحسن تقدير، هو نجاح الصهاينة في إنجلترا وفشلهم في ألمانيا. فقد بذل صهاينة ألمانيا جهوداً محمومة لاستصدار وعد بلفوري، وكانت توجد عندهم مقومات النجاح، ولكن كل هذا لم يُجد فتيلا: 1 ـ بذل صهاينة ألمانيا قصارى جهدهم ليبينوا للحكومة الألمانية مدى نفع اليهود للمشروع الاستعماري الألماني، وقد كان هناك كثير من المفكرين الألمان غير اليهود يشاركون في هذه الرؤية. 2 ـ كان عدد كبير من الزعماء الصهاينة يقف وراء ألمانيا، وكانت برلين لوقت طويل المقر الرئيسي للمنظمة. 3 ـ كانت ألمانيا حليفة لتركيا التي كانت فلسطين تابعة لها. 4 ـ كانت لغة المؤتمرات الصهيونية هي الألمانية، كما كانت ثقافة مؤسسي الحركة الصهيونية ألمانية. 5 ـ كانت الجماعة اليهودية في ألمانيا مُشرَّبة بالثقافة الألمانية، وكان كثير من أعضاء النخبة الثقافية الألمانية من اليهود، وقد يسَّر هذا على اليهود الحركة داخل المجتمع الألماني. 6 ـ كانت الجماعة اليهودية في ألمانيا ذات ثقل مالي وثقافي وسياسي كبير إذ كانت أهم البنوك الألمانية في أيد يهودية. 7 ـ اشترك أعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا في القوات الألمانية أثناء الحرب بأعداد تفوق نسبتهم القومية. 8 ـ كانت القوات الألمانية في الحرب العالمية الأولى تقوم بما سمته «تحرير» بولندا وليتوانيا وغرب روسيا (مراكز الكثافة البشرية اليهودية) واعتبرت اليهود عنصراً بشرياً ألمانياً تابعاً لألمانيا. وقد أسَّس الزعيم الصهيوني ماكس بودنهايمر لجنة لتحرير يهود روسيا عام 1914. وكان بين أعضائها ليو موتزكين. وقد تم إصدار نشرة بالعبرية كتب ناحوم سوكولوف افتتاحيتها. وكان أمل الصهاينة أن تستولي القوات الألمانية على غرب روسيا حيث كان يوجد معظم اليهود. ومعنى هذا أنه كان ثمة تلاق بين الآمال الصهيونية والآمال التوسعية الألمانية. 9 ـ كانت أرستقراطية اليهود في أمريكا (كبار المموِّلين) من أصل ألماني، وقد كانت هذه الأرستقراطية متعاطفة تماماً مع ألمانيا ومؤيدة لها. ويمكن أن نقارن هذا الوضع بوضع الجماعة اليهودية في إنجلترا، التي كانت صغيرة العدد ومندمجة ومعادية للصهيونية، وكانت الحركة الصهيونية فيها ضعيفة للغاية. ومع هذا، فشل صهاينة ألمانيا في استصدار وعد بلفوري من ألمانيا. وحينما نجحوا، كان ذلك في مرحلة متأخرة من الحرب وكان وعداً باهتاً للغاية، بينما نجح صهاينة إنجلترا فيما فشل فيه صهاينة ألمانيا. وفي الواقع، يمكننا تفسير الفشل الصهيوني في ألمانيا والنجاح الصهيوني في إنجلترا، لا بالقوة والضعف الذاتيين الصهيونيين، ولا بحجم الضغوط الصهيونية مهما كانت ضخمة ومهمة وحيوية، ولكن بالعودة إلى المصالح الإستراتيجية الغربية. ويبدو أن ألمانيا، بسبب علاقتها الحميمة مع تركيا، لم يكن بإمكانها أن تُصدر مثل هذا الوعد (تماماً كما كان الوضع مع إنجلترا عام 1904 حينما أصدرت وعد شرق أفريقيا البلفوري ولم تذكر فلسطين من قريب أو بعيد لأن علاقتها مع الدولة العثمانية لم تكن تسمح بذلك) . ومن المعروف أن وايزمان، كي ينجح في الحصول على وعد بلفور، قطع علاقته مع اللجنة التنفيذية الصهيونية في برلين ورفض التراسل مع زملائه في دول الوفاق Entente ورفض موقف الحياد الرسمي الذي اتخذته المنظمة. كما أنه لم يخبر المقر الرئيسي للمنظمة في كوبنهاجن بمباحثاته مع إنجلترا. ويُقال إن انقسام الحركة الصهيونية لم يُعق جهوده بل ساعدها. والواقع أن نجاحه في إنجلترا، تماماً مثل الفشل الصهيوني في ألمانيا، يمكن تفسيره بإستراتيجية الإمبراطورية الإنجليزية التي قررت تقسيم الدولة العثمانية واحتلال الشرق العربي. ولعل ذكاء وايزمان يَكمُن في اكتشافه ذيلية الصهيونية وحتمية الاعتماد على الإمبريالية وصعود القوة البريطانية فتبعها بكل قوته وقطع كل علاقاته مع المنظمة الصهيونية ذات الجذور الألمانية والتوجه الألماني. ويمكننا الآن تناول الديباجات والأسباب الحقيقية لصدور الوعد: كان وعد بلفور إمكانية كامنة في الحضارة الغربية تريد أن تتحقق لتوجد بالفعل، ولذا يجب ألا ننظر لوعد بلفور بمعزل عن الوعود البلفورية السابقة عليه أو اللاحقة له أو عن المعاهدات الاستعمارية الدولية التي أُبرمت أثناء الحرب العالمية الأولى وكانت تهدف إلى حل المسألة الشرقية عن طريق تقسيم تركيا، وأهم هذه المعاهدات اتفاقية سايكس ـ بيكو واتفاقية ماكماهون ـ حسين. كما لا يجب النظر إلى الوعد بعيداً عن البراءات التي كانت تُعطَى للشركات الاستيطانية في آسيا وأفريقيا، ولا عن تقسيم العالم من قبَل القوى الإمبريالية الغربية وإعادة تقسيمه عام 1917، ولا عن الرؤية المعرفية الإمبريالية، ولا عن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة التي كانت كامنة في الحضارة الغربية. ولذا، قد يكون من المفيد أن نحاول فَهْم وعد بلفور في هذا الإطار باعتباره براءة لاستعمار فلسطين، الأمر الذي يتطلب منا أن نزيح الديباجات العلنية لنصل إلى لُب الموضوع، أي المصالح الإستراتيجية الغربية كما تخيَّلها أو توهَّمها أصحابها وكما قاموا بتحديدها، ويمكن أن نتحدث عن بعض الفوائد الجانبية التي سيجنيها أصحاب الوعد من إصداره ومن تأسيس الوطن القومي اليهودي: 1 ـ يتحدث العقد الصامت بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية عن تحويل يهود شرق أوربا عن غربها، حفاظاً على الأمن القومي بالداخل. ولابد أن الحكومة البريطانية كانت تأخذ هذا في اعتبارها، وخصوصاً أنه قد سبق لها إصدار وعد شرق أفريقيا البلفوري لهذا السبب. 2 ـ يتحدث العقد الصامت عن تسريب الطاقة الثورية من شباب اليهود من خلال المشروع الصهيوني. وهذه مسألة لم تكن بعيدة عن أذهان أصحاب وعد بلفور. وقد نُشر خبر إصدار الوعد في الصحف في 8 نوفمبر 1917، وهو العدد نفسه الذي نُشرت فيه أنباء اندلاع الثورة البلشفية، وقامت طائرات الحلفاء بإلقاء ألوف النسخ من وعد بلفور وأنباء صدوره على يهود روسيا القيصرية وبولندا وألمانيا والنمسا. 3 ـ كان ثمة اعتقاد غالب بأن الإعلان سيكون ذا قيمة دعائية على الصعيد الدبلوماسي، ذلك أن وعد بلفور سيَلقى صدى لدى اليهود الروس بحيث يمكن أن يصبحوا بشكل من الأشكال أداة ضغط على الحكومة الروسية المؤقتة حتى لا تتراجع عن رغبتها في متابعة الحرب مع ألمانيا. 4 ـ كان من المتوقع أن يؤدي الوعد إلى عائد مماثل بين يهود أمريكا الذين كانوا قد أصابهم شيء من خيبة الأمل بسبب تحالف الحلفاء الوثيق مع حكومة روسيا القيصرية التي كانت مكروهة عند أعضاء الجماعات اليهودية، فكان من المؤمل أن يشجع الوعد أصحاب الأموال من أعضاء الجماعات اليهودية على المساهمة في الجهود الحربية للحلفاء وعلى عدم الارتماء في أحضان الألمان، وخصوصاً أن أرستقراطية يهود الولايات المتحدة كانت من أصل ألماني. ولكن مسار الأحداث أثبت أن ثمة خطأً فاحشاً في التقدير، فلم يكن يهود روسيا أو الولايات المتحدة مهمين إلى هذا الحد. وكانت المنظمة الصهيونية منقسمة على نفسها، كما أن عدد الصهاينة من اليهود كان لا يزال صغيراً للغاية. وقد أوقفت الحكومة الروسية كل عملياتها العسكرية في أكتوبر 1917 حتى قبل وعد بلفور، ثم استولى البلاشفة على الحكم وأنهوا النفوذ الصهيوني فيها. وعلى أية حال، كان يهود روسيا منقسمين ولم يكن بوسعهم أن يحملوا روسيا على الاستمرار في الحرب. أما في أمريكا، فلم يلعب أعضاء الجماعات اليهودية دوراً في الحرب وتم توفير الدعم الأمريكي المطلوب من خلال الحكومة دون أي التفات إلى الصهيونية أو الصهاينة. ولكن كل هذه فوائد جانبية للحضارة الغربية. أما الفائدة الكبرى، فهي تأسيس دولة وظيفية في فلسطين تُوظَّف في إطارها المادة البشرية اليهودية في خدمة الاستعمار الغربي. فالدافع الحقيقي لوعد بلفور هو رغبة الإمبراطورية البريطانية في زرع دولة استيطانية في وسط العالم العربي في بقعة مهمة جغرافياً لحماية مصالحها الاستعمارية، وخصوصاً في قناة السويس ولحماية الطريق إلى الهند. وكان وايزمان يعرف، رغم بطء إدراكه، أن كل هؤلاء الإنجليز الذين لا يهمهم اليهود ولا اليهودية تُحرِّكهم دوافع المصالح الإمبريالية، وأن مهمته تتلخص في تقديم المادة البشرية حتى يمكنهم توظيفها. ولذا، فقد صرح قائلاً: إن وافقت إنجلترا على منحنا فلسطين، فإننا سنحصل على وطن وستحصل هي على سند فعال. وقد قال وايزمان إنه لم يحلم قط بوعد بلفور، وإنه جاء بكل صراحة بشكلٍّ مفاجئ. إذ كان قد أعد نفسه لأن يبدأ نشاطه بعد انتهاء الحرب، ولكن الإمبراطورية الإنجليزية كانت قد قررت أن تُوظِّف اليهود لمصلحتها. ومن ثم، لم يكن هناك مفر من إدخالهم في الصورة. ولذا، وعلى عكس المُتصوَّر، لم يبادر الصهاينة بالمفاوضات مع الحكومة الإنجليزية وإنما نجد أن الحكومة البريطانية هي التي بادرت بالاتصال بهم. وقد تَقدَّم الصهاينة بمطالبهم، ولكن رئيس الوزراء إسكويث كان ملتزماً بسياسة إحلال العرب محل الأتراك. ولكن قبل استقالة إسكويث، كانت الحكومة البريطانية قد درست مستقبل فلسطين وتوصلت إلى مخطط بشأن هذا المستقبل. وهناك لحسن الحظ المذكرة التي تقدَّم بها السير هربرت صموئيل في مارس 1915 للحكومة البريطانية ووضَّح فيها الاحتمالات الخمسة لمستقبل فلسطين بعد انهيار الدولة العثمانية. وما يهمنا هنا الاحتمالان الرابع والخامس في هذه المذكرة. لقد كان الاحتمال الرابع هو "الإقامة المبكرة لدولة يهودية وإنشاء محمية بريطانية". لكن هذا الاحتمال تم رفضه لأن اليهود كانوا لا يشكلون آنذاك سوى أقلية صغيرة لا تُذكَر "الأمر الذي سيؤدي إلى تلاشي حلم الدولة الصهيونية". وتضيف المذكرة أن زعماء الحركة الصهيونية "كانوا على إدراك تام لهذه الاعتبارات". وأما الاحتمال الخامس فهو الاحتمال الأوحد القابل للتحقيق حسبما جاء في المذكرة، وهو يشكل في رأينا الدوافع الحقيقية والعامة لإصدار وعد بلفور: 1 ـ يشكل إنشاء المحمية ضماناً لسلامة مصر [أي سلامة المصالح الإمبراطورية البريطانية التي كانت مصر تشكل إحدى ركائزها الأساسية أنذاك [ 2 ـ سوف يُقابَل إعلان الحماية البريطانية بالترحيب من السكان الحاليين [وسيتم بالتالي تحاشي الصدام مع اليهود [ 3 ـ ستُعطَى المنظمات اليهودية تحت ظل الحكم البريطاني تسهيلات لابتياع الأراضي وإنشاء المستعمرات وإقامة المؤسسات التربوية والدينية، والتعاون في إنماء البلاد اقتصادياً، وستنال مسألة الهجرة اليهودية مركز الأفضلية بحيث يتحول السكان اليهود إلى أكثرية مستوطنة في البلاد [أي توطيد دعائم الاستيطان الصهيوني] . 4 ـ ستؤدي هذه الخطوة إلى شعور يهود العالم بالامتنان تجاه بريطانيا وسوف يؤلف اليهود كتلة متحيزة للإمبراطورية البريطانية [توظيف اليهود في الداخل والخارج لخدمة المصالح الإمبريالية البريطانية] . 5 ـ يشير صموئيل في المذكرة (وفي أماكن أخرى) إلى أنه، بعد أن يستقل اليهود في دولة خاصة بهم، سوف تشكل هذه الدولة جزءاً من الحضارة الغربية وتدافع عن مصالحها. وإذا كان هذا هو الإطار العام، فإن التحرك من خلاله كان يتطلب استقالة إسكويث عام 1916، وقد حل محله لويد جورج كرئيس للوزراء وبلفور وزيراً للخارجية. وهنا ظهر السير مارك سايكس (1979-1919 المهندس الحقيقي لوعد بلفور الذي عُيِّن مستشاراً لوزارة الخارجية البريطانية لشئون الشرق الأوسط. ويكاد يكون هناك ما يشبه الإجماع بين المؤرخين على أن الإمبراطورية البريطانية كانت شديدة الاهتمام بفلسطين، وقد أبرمت معاهدة سايكس ـ بيكو لتحديد طريقة تقسيم الدولة العثمانية. ولم يشترك الصهاينة في المفاوضات المؤدية، ولم يُدعَوا إليها، ولم يعرفوا بها حتى بعد توقيعها، أي أن مصير فلسطين تقرَّر دون مشاركتهم. وكان سايكس يقبل مبدأ تقسيم الدولة العثمانية، ولكنه كان معارضاً لذلك القسم الخاص بتدويل فلسطين. لأن هذا كان "ينفي السيطرة البريطانية عليها" بل كان يعني قيام سيطرة فرنسية، الأمر الذي كان يعني زيادة حجم نفوذ الفرنسيين بشكل لا يتفق مع الواقع، كما قد يؤدي إلى نسف الموقف الإستراتيجي لبريطانيا في الشرق الأوسط برمته. وكان لويد جورج مقتنعاً بحاجة بريطانيا إلى فلسطين للدفاع عن مشارف قناة السويس، ومن هنا برزت أهمية المشروع الصهيوني كوسيلة للانسحاب بلباقة من اتفاقية سايكس ـ بيكو. فهذا المشروع يعني ببساطة تحويل فلسطين إلى وطن قومي يهودي تحت الرعاية البريطانية، وهذه الرعاية تعني في الواقع احتلال بريطانيا لفلسطين، ومن ثم قررت بريطانيا توظيف اليهود حتى تتخلص من البنود الخاصة بفلسطين في اتفاقية سايكس بيكو. ومنذ أن اتصل الصهاينة بهربرت صموئيل، اكتشفهم سايكس الذي أراد أن يستخدمهم في محاولة تعديل الاتفاقية وظلوا هم الجانب المتلقي لما تشاؤه الإرادة الإمبريالية البريطانية. وبعد أن تقرَّر توظيفهم، دُعي الصهاينة لأول مرة للاجتماع مع ممثلي الحكومة في فبراير 1917. وتتالت الأحداث، فقام سايكس بكتابة أولى مسودات الوعد، وتمت الموافقة عليها. وحينما تمت صياغة الوعد (كما لاحظ آحاد هعام) تمت صياغته بدون الالتفات إلى مقترحات الصهاينة أو مقترحات أعداء الصهيونية. وقد تأخر صدور الوعد بعض الوقت بسبب معارضة يهود إنجلترا المعادين للصهيونية، إذ قاد لوسيان وولف وسير إدوين مونتاجو حملة ضد الوعد وإصداره لأنه يُسقط حق المواطنة عن اليهود ويجعلهم مواطنين في دولة أخرى. واستجابةً لهذه الضغوط، أُسقطت عبارة "الجنس اليهودي" وحل محلها عبارة "الشعب اليهودي" كما أضيفت عبارة أن الوعد لن يؤدي إلى الإخلال بالحقوق والأوضاع القانونية التي يتمتع بها اليهود في أية دولة أخرى. ولكن الحكومة الإنجليزية لم تعامل أعداء الصهيونية برفق شديد إذ أن بلفور أخبر وولف وأصدقاءه أن يوقفوا الهجوم على الصهيونية، فالمشروع الصهيوني يشكل جزءاً من المشروع الاستعماري الغربي وعليهم أن يعوا ذلك. ووعد بلفور صيغة جديدة من البراءات الاستعمارية التي كانت تُمنَح للمستوطنين الغربيين في آسيا وأفريقيا. وحينما أُصدر وعد بلفور، سماه الصهاينة «الميثاق أو البراءة» . وقد كانوا، في ذلك، أكثر دقة من كثير من العرب ومؤرخي الصهيونية، فوعد بلفور كان الميثاق الذي يشبه البراءة التي مُنحت لرودس (وإن كان وعد بلفور أكثر التزاماً بمساعدة اليهود من البراءة التي مُنحت لرودس) . وقد مُنحت براءة بلفور لليهود بعد تقسيم تركيا بطريقة لا تختلف كثيراً عن البراءات التي أُعطيَت لبعض الشركات الغربية في أعقاب تقسيم أفريقيا في مؤتمر برلين. وقد أصدرت بريطانيا البراءة بعد التفاوض مع الحلفاء، ووافقت عليه مسبقاً كلٌّ من فرنسا وإيطاليا، ثم أيَّدته الولايات المتحدة، فهو ليس وعداً إنجليزياً وإنما هو وعد غربي، كما أن المستعمرة اليهودية التي ستُؤسَّس لن تكون تابعة لإنجلترا وحسب وإنما ستخدم المصالح الإمبريالية الغربية كافة. ولذا، فإن ثمة مسافة بين الصهاينة والحكومة البريطانية رغم التزام إنجلترا بدعم المُستوطَن الصهيوني، إلا أنه كان من المتوقع أن يقع عبء العمل الاستيطاني نفسه على عاتق الصهاينة أنفسهم (تماماً كما هو الحال مع شركات الاستيطان (. ويُلاحَظ أن براءة بلفور الاستيطانية، مثل البراءات الأخرى، صدرت دون استشارة السكان الأصليين ودون أخذ مصيرهم في الاعتبار. عقد بلفور Balfour Contract «عقد بلفور» مصطلح قمنا بسكه للإشارة إلى وعد بلفور. فوعد بلفور هو بمنزلة «عقد» علني واضح وقِّع بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية العالمية باعتبارها ممثلة للجماعات اليهودية في العالم لوضع العقد الصامت والصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة موضع التنفيذ. جيمس بلفور (1848-1930 ( James Balfour صهيوني غربي بريطاني يستخدم الديباجات المسيحية تارة، والعلمانية (العرْقية والإمبريالية) تارة أخرى، ويمزج بينها جميعاً تارة ثالثة. ويُنسَب إليه التصريح الذي أصدرته الحكومة البريطانية عام 1917 ويُسمَّى «وعد بلفور» . تلقَّى بلفور تعليماً دينياً من أمه في طفولته، وتشبَّع بتعاليم العهد القديم، خصوصاً في تفسيراتها الحرفية البروتستانتية. ورؤية بلفور لليهود متأثرة بالرؤية الألفية الاسترجاعية التي تراهم باعتبارهم شعباً مختاراً ومجرد وسيلة للتعجيل بالخلاص، وهي الرؤية التي تمت علمنتها فتحوَّل اليهود إلى الشعب العضوي (المختار) المنبوذ. ويتجلى هذا المزيج من الكره والإعجاب من جانب بلفور في تلك المقدمة التي كتبها لمؤلَف سولوكوف تاريخ الصهيونية حيث يبدي معارضته لفكرة المُستوطَن البوذي أو المُستوطَن المسيحي. فالمسيحية والبوذية في رأيه هما مجرد أديان، ولكنه يَقْبل فكرة المُستوطَن اليهودي لأن "العرْق والدين والوطن" أمور مترابطة بالنسبة إلى اليهود كما أن ولاءهم لدينهم وعرْقهم أعمق بكثير من ولائهم للدولة التي يعيشون فيها. إن هذا الشعب العضوي يتميَّز أعضاؤه بالنشاط والحركية، ولذا فقد حققوا نجاحاً باهراً في المجتمع. ولكن هذا الشعب العضوي المختار هو أيضاً "جماعة أجنبية معادية" تؤمن بدين هو محل كره مُتوارَث من المحيطين بها، أدَّى وجودها في الحضارة الغربية إلى "بؤس وشقاء استمرا دهراً من الزمان". ولأن تلك الحضارة لا تستطيع طَرْد أو استيعاب هذه الجماعة، فهم يتسببون في كوارث تحيق بإنجلترا (كما فعل يهود اليديشية المهاجرون إليها) . وقد أعلن بلفور أن ولاء اليهود للدولة التي يعيشون فيها "ضعيف إذا ما قُورن بولائهم لدينهم وعرْقهم، وذلك نتيجة طريقتهم في الحياة ونتيجة عزلتهم، فهم لا يتزاوجون إلا من بني جنسهم". وهذا اتهام لليهود بأنهم جماعة لا تندمج كما أنها تعاني من ازدواج الولاء بل من انعدامه أحياناً، وهو اتهام يوجهه دائماً الصهاينة ومعادو اليهود لما يسمونه «الشخصية اليهودية» . وقد اعترف بلفور نفسه لوايزمان بأنه وجد نفسه متفقاً مع افتراضات كوزيما فاجنر (ابنة الموسيقار) عن اليهود ومتقبلاً لها، وهي افتراضات معادية لليهود بشكل متطرف. لكل هذا، خلص بلفور إلى أنه ليس من مصلحة أي بلد أن يكون فيه يهود مهما بلغت وطنيتهم وانغماسهم في الحياة القومية. وانطلاقاً من كل هذا، فقد تبنَّى قانون الغرباء الذي صدر بين عامي 1903 و1905 والذي كان يهدف إلى وضع حدٍّ لدخول يهود اليديشية إلى إنجلترا. وقد أدَّى موقفه هذا إلى الهجوم عليه من قبَل المؤتمر الصهيوني السابع (1905، حيث وُصفت تصريحاته بأنها "معاداة صريحة للشعب اليهودي بأسره"، كما هاجمته الصحافة البريطانية. وقد يبدو الأمر لأول وهلة وكأنه نوع من التناقض الواضح الذي يقترب من الشيزوفرانيا، ولكن أفكار بلفور الاسترجاعية (علمانية كانت أم دينية) تعبِّر عن رغبة في التخلص من اليهود وفي حوسلتهم لخدمة الحضارة الغربية. والواقع أن مفهوم الحوسلة هو الذي يفسر تأرجحه بين الحب والكره، فالحب هو حب لشعب عضوي مختار متماسك، ومن ثم فإنه لا ينتمي إلى مسار التاريخ الإنساني العادي ولا يمكن استيعابه في الحضارة الغربية، والكره هو أيضاً كره لشعب عضوي مختار متماسك يرفض الاندماج أو الانتماء لمسار التاريخ الإنساني العادي أو الحضارة الغربية. والنتيجة واحدة، حباً أو كرهاً، وهي نقل اليهود خارج أوربا وتوظيفهم في خدمة الحضارة الغربية. فالشعب العضوي المنبوذ لا يمكن أن يحل مشكلته داخل التشكيل الحضاري الغربي عن طريق الاندماج في المجتمعات الغربية، وإنما يمكنه حلها من داخل التشكيل الاستعماري الغربي عن طريق التحول إلى مادة استيطانية نافعة بيضاء تُوطَّن خارج أوربا (في أية بقعة في آسيا أو أفريقيا) . وبالفعل، تعمَّق اهتمام بلفور بالمسألة اليهودية حين حضر هرتزل وتفاوض مع وزير المستعمرات جوزيف تشامبرلين ووزير الخارجية لانسدون، حيث أجرى معهما مفاوضات بشأن توطين اليهود في شبه جزيرة سيناء لتحويل الفائض البشري اليهودي عن إنجلترا وتوطينه في خدمة الإمبراطورية. وفي هذا الإطار، اقترح تشامبرلين، الوزير في وزارة بلفور، توطين اليهود في إحدى المستعمرات الإنجليزية، وتُرجم هذا الاقتراح إلى مشروع شرق أفريقيا. وفي عام 1905، قام بلفور بمقابلة حاييم وايزمان في مانشستر وأُعجب به كثيراً، ولكنه نسي فكرته الصهيونية إلى حدٍّ كبير في فترة الحرب. ثم قابله مرة أخرى عام 1915 وناقش معه الأهداف الصهيونية (بعد أن كانت الوزارة البريطانية قد ناقشتها عام 1914 وعندما عُيِّن وزيراً للخارجية في وزارة لويد جورج عام 1916، عاد بلفور لاهتمامه القديم بالصهيونية بسبب تزايد أهمية فلسطين في المخطط الإمبريالي البريطاني وبسبب تصاعُد الجو الثوري الذي ساد أوربا والشرق العربي (وقد كان بلفور يرى أن الصهاينة حماة مجتمع ذي تقاليد دينية وعرْقية تجعل اليهودي غير المندمج قوة محافظة هائلة في السياسة العالمية) . زار بلفور الولايات المتحدة عام 1917 في إطار محاولات إنجلترا حث الولايات المتحدة على دخول الحرب إلى جانب الحلفاء، وقابل الزعيم الصهيوني الأمريكي لويس برانديز. وفي نوفمبر من العام نفسه، أصدر بلفور تصريحه أو وعده المشهور نيابةً عن الحكومة الإنجليزية. وقد شهد العام نفسه رفضه التدخل لدى الحكومة الروسية لإزالة القيود المتعلقة بإعطاء اليهود حقوقهم المدنية. وبعد ذلك، استمر بلفور في دعم الصهيونية عدة سنوات وفي يونيه عام 1922، ألقى خطاباً في مجلس اللوردات البريطاني يحث فيه بريطانيا على قبول فرض الانتداب على فلسطين، وتقدَّم بمسودة قرار الانتداب لعصبة الأمم، كما شارك في افتتاح الجامعة العبرية عام 1925 وقد بيَّن بلفور تصوُّره لمستقبل فلسطين في إحدى المذكرات حيث قال: إن الصهيونية، سواء أكانت على حق أم كانت على باطل، خيِّرة كانت أم شريرة، فإنها ذات جذور متأصلة في "تعاليم قديمة وحاجات حالية وآمال مستقبلية" (غربية) . ولذا، فإن أهميتها "تفوق رغبات وميول السبعمائة ألف عربي" قاطني هذه الأرض. وقد أكد بلفور في مذكرة أخرى أن الحلفاء لم يكن في نيتهم قط استشارة سكان فلسطين العرب. وانطلاقاً من إدراك الأهمية الجغراسية (الجغرافية/السياسية) لفلسطين، طلب بلفور أن تكون فلسطين متاحة لأكبر عدد من المهاجرين (الذين رفض من قبل دخولهم إنجلترا) وأن تُوسَّع حدودها لتشمل الأراضي الواقعة شرقي نهر الأردن. ويوجد في إسرائيل موشاف يُدعَى «بلفوريا» أسسه مستوطنون من الولايات المتحدة، كما توجد شوارع في القدس وتل أبيب سُمِّيت جميعها باسمه، ويطلق كثير من اليهود على أبنائهم اسم «بلفور» مع أنه ليس اسماً عبرياً أو يهودياً. وقد ألَّف بلفور عدة كتب في الفلسفة الدينية، من أهمها: دفاع عن الشك الفلسفي (1879) ، وأُسس الاعتقاد الديني: ملاحظات أولية لدراسة اللاهوت (1893) ، والإيمان بالله والفكر: دراسة في العقائد المألوفة (1923) . مارك سايكس (1879-1919) Mark Sykes دبلوماسي ورحالة بريطاني وُلد في لندن وتلقَّى تعليمه في موناكو وبروكسل وكمبردج. عمل في الجيش البريطاني بعض الوقت في جنوب أفريقيا (1902 وسافر إلى سوريا والعراق، وعُيِّن ملحقاً فخرياً للسفارة البريطانية في إستنبول. وعُيِّن بسبب خبرته الواسعة في شئون الشرق مساعداً لوزارة الحرب البريطانية، وكانت وظيفته تزويد مجلس الوزراء بالمعلومات والمشورة حول شئون الشرق الأوسط. ولم يكن سايكس من صانعي القرار إلا أنه كان مؤثراً جداً فيهم بسبب شهرته كخبير في شئون الشرق الأوسط وحظوته لدى أصحاب السلطة. بل يرى كاتب سيرة حياته أنه كان القوة المحركة للسياسة البريطانية الخاصة بفلسطين التي أدَّت إلى إصدار وعد بلفور ثم الانتداب البريطاني على فلسطين. ومما تجدر ملاحظته أن سايكس كان كاثوليكياً على عكس الغالبية الساحقة من الصهاينة غير المسيحيين الذين يأتون من أوساط بروتستانتية. اشترك سايكس، بحكم منصبه، في المباحثات التي جرت في لندن وكان يمثل فيها الجانب البريطاني. أما فرانسوا جورج بيكو، القنصل الفرنسي السابق في بيروت ومستشار السفارة الفرنسية في لندن، فكان يُمثل الجانب الفرنسي فيما يتصل بما كان يُسمَّى «المسألة السورية» ، أي مستقبل المنطقة العربية (وخصوصاً الشام) وتقسيم ممتلكات الدولة العثمانية في آسيا. وقد انتهت هذه المباحثات، بشكل مبدئي (عام 1916 بتوقيع اتفاقية سايكس ـ بيكو الشهيرة لتقسيم مناطق النفوذ بين إنجلترا وفرنسا. وقد وُضعَت فلسطين بمقتضى الاتفاق تحت إشراف إدارة دولية. وبعد هذا التوقيع المبدئي، اطَّلع السير مارك سايكس على المذكرة التي وزعها هربرت صمويل على أعضاء الوزارة البريطانية يقترح فيها أن تبنَّت إنجلترا المشروع الصهيوني. وقد اكتشف سايكس على التو أنه لو تبنَّت إنجلترا المشروع الصهيوني، فإن هذا سيوفر لها موطئ قدم راسخاً في الشرق الأرسط. واكتشف سايكس أن بوسعه استخدام الصهاينة في التخلص من الجزء الخاص بوضع فلسطين تحت إدارة دولية (أي فرنسية إنجليزية) . ومما له دلالته، أن القيادة الصهيونية لم تكن تعرف شيئاً عن الاتفاق السري هذا (أي أن القرار دائماً قرار استعماري يتم توظيفه لاحقاً الصهاينة) . ولم يعرف وايزمان عن الاتفاق إلا في 16 أبريل 1917 من تشارلز سكوت رئيس تحرير المانشستر جارديان. وقد تقرَّر أن يعبِّر الصهاينة عن رغبتهم في أن تكون فلسطين تحت حكم إنجلترا وحسب وألا تُقسَّم. وبالفعل، قام الصهاينة بما طُلب منهم، وقام سوكولوف بمقابلة بيكو وعبَّر له عن وجهة النظر الصهيونية، وأكد له أن الدولة الصهيونية لن تضر بمصالح فرنسا. ولكن العنصر الحاسم في تغيير وجهة النظر الفرنسية لم يكن الضغوط الصهيونية وإنما وصول القوات البريطانية تحت قيادة أللنبى إلى فلسطين واستيلائهم عليها دون عون القوات الفرنسية. كما أن اندلاع الثورة البلشفية وانسحاب روسيا من الحرب غيَّر الصورة تماماً. وقد انتهى الأمر بأن تنازلت فرنسا عن فلسطين لإنجلترا. وقد شارك سايكس بشكل أساسي في الصياغة النهائية لوعد بلفور. وكان سايكس ـ كما هي العادة مع الصهاينة غير اليهود ـ معادياً لليهود بشكل صريح ويَصدُر عن مفهوم الشعب العضوي المنبوذ. فاليهودي بالنسبة له هو المموِّل العالمي. وينقسم اليهود ـ حسب تصوُّره ـ إلى قسمين: اليهود المتأنجلزون (أي المندمجون) الذين يتخلون عن هويتهم (العضوية) ، ومن ثم يمكثون في بلادهم ولا يهاجرون منها، وكان سايكس يكن لهم احتقاراً عميقاً، وهناك العبراني الحقيقي (هذا الذي يترك إنجلترا ليستوطن في بلده العضوي) ، وهؤلاء كان يحبهم سايكس، شأنه في هذا شأن النازيين وشأن كل من يرغب في أن "يعود" اليهود إلى "وطنهم القومي" في فلسطين، فتُفرَّغ أوربا من يهودها. ومن هنا، فلا غرو أن يؤيد سايكس المشروع الصهيوني. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
العقد الصامت: تاريخ
Silent Contract: History إن فَهْم ماهية العلاقة بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية، وكيفية إبرام هذا «العقد الصامت» بينهما، يقتضي استذكار قصة ظهور الفكرة الصهيونية في ظل الحضارة الغربية ـ وهي قصة بدأت قبل ظهور الحركة الصهيونية بثلاثة قرون. فالصهيونية ـ على صعيد الفكر ـ فكرة غربية استعمارية عنصرية دعت إلى اصطناع قومية لليهود وإقامة دولة لهم في فلسطين العربية يتجمعون فيها على أساس استعماري استيطاني، بالتعاون مع قوى الاستعمار الغربي. وقد انطلقت هذه الفكرة في دعوتها هذه من الزعم بأن اليهود أينما كانوا يشكلون "شعباً" واحداً، وهم غير قابلين للاندماج في الشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها وهذا ما يجعلهم هدفاً دائماً لاضطهاد هذه الشعوب لهم في كل زمان ومكان. كما انطلقت من الزعم بأن اليهود كشعب لهم تاريخ متصل في فلسطين انقطع لفترة مائتين وألف من السنين كانوا خلالها يتطلعون إلى العودة. كما أوضحنا أن ظهور هذه الفكرة بدأ في الغرب الأوربي الحديث خلال القرن السادس عشر الميلادي حين تضافرت حركة "النهضة الأوربية"، وحركة "الإصلاح الديني البروتستانتي"، وحركة "الكشوف الأوربية" في إرساء التاريخ الأوربي الحديث. وجاء تبلور هذه الفكرة من خلال تفاعُل أفكار الهيمنة الاستعمارية والسمو القومي والتفوق العنصري في الغرب الأوربي على مدى ثلاثة قرون. وكان من النتائج الواضحة للبروتستانتية ظهور الاهتمام الغربي بتحقيق النبوءات التوراتية المتعلقة بنهاية الزمان وتردُّد الحديث عن «العصر الألفي السعيد» المستند إلى الاعتقاد بعودة المسيح المنتظر الذي سيقيم مملكة الله في الأرض لتدوم ألف عام، وتتالي ظهور علماء لاهوت بروتستانت تحدثوا عن أمة يهودية وبَعْث يهودي، وعن كون فلسطين وطناً لليهود، وانتشار هذه الأفكار في الجزر البريطانية وبخاصة. وكان من النتائج الواضحة للكشوف الجغرافية الأوربية بدء الاستعمار الأوربي التجاري الذي تطوَّر بفعل عوامل أخرى إلى حركة استعمارية واسعة بلغت ذروتها في القرن التاسع عشر مع حدوث الانقلاب الصناعي في أعقاب الانقلابين التجاري والآلي، وهو ما أدَّى إلى تسلُّط أفكار الهيمنة الاستعمارية على دول أوربا، ومنها إنجلترا التي برز فيها اهتمام خاص بفلسطين وبفكرة عودة اليهود إليها لأسباب تجارية. وقد تنامى الاهتمام الأوربي بفلسطين بسبب موقعها المهم بالنسبة لطرق التجارة الدولية وبرزت فكرة استعمارها استيطانياً باليهود، ثم تضاعف هذا الاهتمام مع نشوء ما عُرف في أوربا بالمسألة الشرقية التي جرى تعريفها باللغة الاستعمارية "بأنها مشكلة ملء الفراغ الذي ولَّده الانحسار التاريخي التدريجي للدولة العثمانية عن الحدود التي بلغتها في أوج توسُّعها". وقد بلغ التنافس أوجه بين إنجلترا وفرنسا القوتين الاستعماريتين الأكبر في القرن الثامن عشر على مدِّ نفوذهما إلى قلب الوطن العربي. وبادر بونابرت حين غزا مصر وفلسطين وارتد أمام أسوار عكا إلى مخاطبة يهود فرنسا مقترحاً عليهم إقامة دولة يهودية في فلسطين، ولم تلبث الفكرة الصهيونية أن تبلورت في المخططات الاستعمارية الفرنسية في القرن التاسع عشر. وحدث الأمر نفسه في المخططات الاستعمارية البريطانية في الفترة نفسها. وامتلأت وزارة الخارجية البريطانية بمعتنقي الفكرة الصهيونية. ولم تلبث المخططات الاستعمارية الأوربية عامة أن تبنت فكرة توطين يهود أوربا في فلسطين وإقامة دولة لهم تكون قاعدة استعمارية. عمل الاستعماريون الأوربيون الذين بلوروا الفكرة الصهيونية على توظيف المعتقدات اليهودية لإقناع يهود أوربا بفكرة "عودتهم إلى فلسطين وإقامة دولة لهم فيها". وهكذا شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر تطوراً في مفهوم الماشيَّح تمثَّل في فتاوى حاخامات اليهود القائلة بضرورة هجرة أعداد كبيرة من اليهود إلى فلسطين لاستعمارها كخطوة على طريق تحقيق مملكة الخلاص وظهور المخلِّص. وألبس هؤلاء الاستعماريون الأوربيون ومنهم يهود الفكرة الصهيونية الثوب القومي، في وقت شهد ازدهار الفكرة القومية في أوربا، وعملوا على اصطناع قومية لليهود. وحين انحرف بعض المفكرين الأوربيين بفكرة القومية ونادوا بالسمو القومي والتفوق العنصري انساقت الفكرة الصهيونية مع ادعائهم وسقطت في مهاوي العنصرية مرددة مقولة شعب الله المختار. وثمة أسباب عديدة جعلت الفكرة الصهيونية "غير قادرة على التحقق"، من أهمها "أن دعاة الفكر الصهيوني كانوا من الصهاينة غير اليهود أو من أعداء اليهود، الأمر الذي جعل المادة البشرية المستهدفة (أي اليهود) يرفضون الدعوة إلى استيطان فلسطين. كما أنه لم يكن هناك أية أطر تنظيمية تضم كل الجماعات اليهودية. وعلاوة على هذا كان هناك يهود الغرب المندمجون الذين كانوا يرون أن المشروع الصهيوني يهدد وجودهم ومكانتهم وكل ما حققوه من مكاسب". وجاء تيودور هرتزل ليحل كل هذه الإشكاليات بوَضْع العقد الصامت استناداً للصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة التي نبعت من صميم الحضارة الغربية ومن تاريخها الفكري والاقتصادي والسياسي وبتأسيس المنظمة الصهيونية إطاراً تنظيمياً يمكن من خلاله توقيع العقد الصامت وفرض الصيغة الصهيونية الشاملة على الجماهير اليهودية. كما طوَّر الخطاب المراوغ الذي جعل إرضاء مختلف قطاعات يهود العالم الغربي في غرب أوربا وشرقها أمراً ممكناً. لقد جاء تيودور هرتزل 1860-1904 لينشر عام 1896 كتاب الدولة اليهودية مضمناً إياه "محاولة إيجاد حل عصري للمسألة اليهودية". وتلقَّفه وليام هشلر 1845 ـ 1931 القس الإنجليكاني الملحق بالسفارة البريطانية في فيينا، وعاونه في عقد المؤتمر الصهيوني الأول في بال عام 1897وصاغ هرتزل شعارات الحركة الصهيونية "نحن شعب"، و"فلسطين وطننا التاريخي الذي لا يُنسَى". ووضع خطة لتحقيق المشروع الصهيوني، وحوَّلها المؤتمر إلى برنامج سياسي، وقاد التحرك الصهيوني مع قوى الاستعمار الغربي وبخاصة في بريطانيا لتنفيذ هذا البرنامج. ووضعت الحركة الصهيونية نصب عينها بعد انعقاد مؤتمرها الأول القيام بمهام ثلاث هي: استعمار فلسطين، ومحاولة خلق شعب يهودي واحد متجانس، وإنشاء حركة تكون بمنزلة رأس الرمح في البرنامج الصهيوني الاستعماري. وتضمَّن هذا البرنامج تشجيع الاستعمار الصهيوني في فلسطين، وتأسيس منظمة تربط يهود العالم عن طريق مؤسسات محلية أو دولية طبقاً لقانون كل دولة، وتقوية الشعور القومي اليهودي، والحصول على موافقة حكومية لبلوغ الأهداف الصهيونية، وصولاً إلى "إنشاء وطن للشعب اليهودي في فلسطين يحميه القانون". باشرت الحركة الصهيونية تهجير يهود أوربيين إلى فلسطين التي كانت جزءاً من الدولة العثمانية. واستغلت هذه الحركة ما كانت تعانيه الدولة من فساد إداري لتمكِّن آلاف اليهود من التسلل. وكثَّف هرتزل في هذه المرحلة جهوده الدبلوماسية للحصول على "براءة" تضمن أي كيان صهيوني يقام في فلسطين، فحصل على نوع من الاعتراف الأوربي بالمنظمة الصهيونية العمالية رغم معارضة يهود غير صهاينة رأوا في الصهيونية خطراً عليهم في أوطانهم. وقد استخدم هرتزل مصطلح «البراءة» في جوابه عن سؤال القيصر ولهلم الثاني أن يلخص له مطالب الصهيونية. إن هذه البراءة هي في واقع الأمر العقد الصامت الذي أبرم بين المنظمة الصهيونية (كمتحدث غير منتخب باسم يهود شرق أوربا وغربها) وبين العالم الغربي (وضمن ذلك المعادون لليهود) . وهو تفاهم ضمني بين يهود غرب أوربا ويهود اليديشية، تتعهد الحركة الصهيونية بمقتضاه بإخلاء أوربا من يهودها (أو على الأقل من الفائض البشري اليهودي) وتوطينهم في منطقة خارج هذا العالم الغربي (داخل دولة وظيفية) ، ويتحقق نتيجةً لذلك أن يؤسس المستوطنون في موقعهم الجديد قاعدة للاستعمار الغربي وتتعهد الصهيونية بتحقيق مطالب الغرب ذات الطابع الإستراتيجي وضمنها الحفاظ على تفتُّت المنطقة العربية. هذا فضلاً عن أهداف أخرى تمكِّن الصهيونية من التحكم باليهود وتخلِّص العالم الغربي من نسبة كبيرة منهم. ولم يلتفت هذا العقد لمشكلة شعب الأرض المستهدفة وكيفية حلها، بل عمدت الحركة الصهيونية إلى الزعم بأن "فلسطين أرض بلا شعب" منكرة وجود شعب تمتد جذوره في وطنه إلى فجر التاريخ الإنساني. وقد جاء استهداف طرفي العقد فلسطين لعدة أسباب في مقدمتها موقع فلسطين في قلب دائرة الوطن العربي وفي موقع إستراتيجي من دائرة العالم الإسلامي والحضارة العربية الإسلامية. والعقد الصامت بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية هو الإطار الذي تمت من خلاله عملية الاستعمار الإحلالي الصهيوني في فلسطين. وقد مارست دول أوربا الاستعمارية ضغوطاً على الدولة العثمانية لتمكِّن الصهيونية من التسلل إلى فلسطين في مطلع القرن، وعملت الحركة الصهيونية طابوراً خامساً لهذه الدول إبان الحرب العالمية الأولى (1914ـ 1918) . ثم قامت بريطانيا يوم 3 نوفمبر 1917 بأصدار تصريح بلفور الذي مثَّل اعترافاً رسمياً بريطانياً بالهدف الصهيوني الخاص بتحويل فلسطين إلى وطن قومي لليهود والتزاماً بريطانياً رسمياً بالتعاون مع المنظمة الصهيونية العالمية لتحقيق هذا الهدف. وكان هدف بريطانيا منه استعمار فلسطين واغتصابها وإيجاد قاعدة استعمارية استيطانية فيها تفصل مشرق الوطن العربي عن مغربه، وتمكِّن بريطانيا من الهيمنة على المنطقة. تتالت الأمثلة الواقعية على هذا العقد الصامت في فلسطين إبان فترة ما بين الحربين وأثناء الحرب العالمية الثانية التي شكلت خلالها الحركة الصهيونية "الفيلق اليهودي" ليحارب مع الحلفاء. ومكَّنت بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، التي أصبحت قائدة الاستعمار الغربي بعد الحرب، الحركة الصهيونية من إقامة دولة إسرائيل في فلسطين عام 1948 وخلال العدوان الثلاثي وحرب 1967 عملت إسرائيل لمصلحة المخططات الغربية في المنطقة. وقد كشفت الوثائق البريطانية عن نظرة ونستون تشرشل أحد رموز الاستعمار الغربي في الخمسينيات لدور إسرائيل في الضغط على مصر لتقبل الشروط البريطانية. والأمر نفسه كشفته الوثائق الأمريكية في الستينيات وما بعد. وقد جاء تجسيد «العقد الصامت» صارخاً في الاتفاق الإستراتيجي الأمريكي الإسرائيلي عام 1981 الذي استهدف فلسطين والدائرة العربية والدائرة الإسلامية. وهكذا عبَّر العقد عن نفسه من خلال مذكرات تفاهم واتفاقيات عسكرية وإستراتيجية ودعم عسكري ومالي وسياسي فعلي. لقد واجه طرفا العقد مقاومة قوية استمرت هي الأخرى في مراحل نضال الشعوب المُستعمَرة من أجل التحرير في الدائرة العربية والإسلامية. ولا تزال هذه المقاومة مستمرة. وقد برزت بفعلها أسئلة عن مستقبل القاعدة الاستعمارية الاستيطانية الصهيونية، وعن مدى صواب إستراتيجية العداء الغربي للعروبة وحضارة الإسلام، وعن ما تسببه الصهيونية العنصرية من تداعيات تهدد يهوداً كثيرين فضلاً عن الشعوب العربية والإسلامية المُستهدَفة بالعقد الصامت. العقد الصامت والدعم السياسي والاقتصادي والعسكري الغربي للحركة الصهيونية وللدولة الصهيونية Silent Contract and Western Political, Economic, and Military Support of the Zionist Movement and State قامت القوى الاستعمارية الغربية بدعم الحركة الصهيونية حتى عام 1948 ثم قامت بدعم الدولة الوظيفية بعدها. وسنتناول بعض أشكال الدعم السياسي في مداخل هذا الباب. وبإمكان القارئ أن يعود إلى الباب المعنون «الدولة الوظيفية» وإلى المدخل المعنون «المعونات الخارجية للدولة الصهيونية الوظيفية.» لجنة كينج ـ كرين King-Crane Commission في سياق تصفية تركة الحرب العالمية الأولى بتقسيم مناطق النفوذ في العالم بين البلدان الاستعمارية المنتصرة، وانطلاقاً من رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في استثمار تضارب المصالح بين فرنسا وبريطانيا لإيجاد موطئ قدم في المنطقة العربية، اقترح الرئيس الأمريكي ويلسون في مارس 1919 على المجلس الأعلى لمؤتمر الصلح بين دول الحلفاء (أمريكا ـ بريطانيا ـ فرنسا ـ إيطاليا) إرسال لجنة تحقيق للوقوف على رغبات المواطنين في فلسطين وسوريا ولبنان وشرق الأردن تمهيداً لتقرير مصير المنطقة. ورغم التصديق على الاقتراح، فقد امتنعت فرنسا وبريطانيا عن الاشتراك في اللجنة لعلمهما بأن نتائج التحقيق لن تكون في صالحهما، ولذا فقد اقتصرت اللجنة على العضوين الأمريكيين اللذين سُميِّت اللجنة باسميهما وهما: هنري كينج وتشارلز كرين بالإضافة إلى بعض المستشارين. اطلعت اللجنة على المذكرة التي قدمتها المنظمة الصهيونية العالمية للمؤتمر في فبراير 1919، والتي تضمنت مطالب الحركة الصهيونية المتمثلة في الاعتراف بما يُسمَّى «الحقوق التاريخية للشعب اليهودي» في فلسطين، وحق اليهود في إقامة "وطن قومي" لهم، كما اطلعت على المذكرات المماثلة التي قدمها الفلسطينيون للمؤتمر، ومنها: مذكرة الاحتجاج التي بعث بها وجهاء وأعيان مدينة نابلس في يناير 1919، والمذكرة التي قدمها المؤتمر العربي الفلسطيني الأول في الشهر نفسه. وقد شددت المذكرات العربية على رفض المطالب الصهيونية وعلى أن فلسطين جزء لا يتجزأ من سوريا. وفي العاشر من يونيه 1919، بدأت اللجنة عملها في يافا فالتقت بالجمعيات الشعبية فيها وممثلي الطوائف الدينية ومندوبي القرى، واستمعت إلى مطالبهم. وفي القدس، التقت اللجنة بممثلي الجمعية الإسلامية ـ المسيحية الذين أكدوا رفض الهجرة اليهودية إلى فلسطين لأنها ترمي إلى تحقيق المشروع الصهيوني بإقامة وطن قومي لليهود، كما أكدوا وحدة سوريا وفلسطين مع احتفاظ الأخيرة باستقلالها الداخلي وحريتها في انتخاب حكامها من الوطنيين وسن قوانينها وفقاً لرغبات السكان. وواصلت اللجنة جولتها في المدن والقرى الفلسطينية حيث تعرفت على مواقف مختلف الأطراف، ثم سافرت إلى دمشق وأجرت فيها استفتاء شمل العلماء وممثلي الطوائف والحرف وممثلي مجلس الشورى وغيرهم، وتسلَّمت مذكرة من المؤتمر السوري العام تضمَّنت المطالب العربية الأساسية، كما انتقلت اللجنة إلى شرق الأردن وبيروت واطلعت على آراء السكان هناك. ثم توجَّهت بعد ذلك إلى الأستانة حيث عكفت على دراسة المذكرات والوثائق التي تلقتها وبلغت 1863 مذكرة، وانتهت من وضع تقريرها في أغسطس 1919 (ولكنه لم يُنشَر إلا بشكل موجز عام 1922، ولم يُنشَر رسمياً إلا عام 1947) . وذكرت اللجنة في تقريرها أن العداء للصهيونية لا يقتصر على فلسطين فحسب بل يشمل المنطقة كلها، وأن هناك إجماعاً على رفض البرنامج الصهيوني تماماً، وأضافت أن اليهود ـ الذين يشكلون نحو 10% من سكان فلسطين ـ هم وحدهم الذين يؤيدون الصهيونية وإن كانوا يختلفون في بعض التفاصيل والوسائل المتعلقة بإقامة الدولة اليهودية ومدى تَوافُقها مع تعاليم الدين اليهودي، كما أنهم وحدهم الذين يطالبون بفرض الانتداب البريطاني على فلسطين لأنه سيساعدهم على تحقيق مشروعهم. واعترفت اللجنة بأنها لمست بوضوح إصرار الصهاينة على تهجير الفلسطينيين والاستيلاء على الأراضي بالقوة. ووصف التقرير المزاعم الصهيونية بشأن "الحقوق التاريخية" لليهود في فلسطين بأنها لا تستوجب الاكتراث ولا يمكن النظر إليها جدياً بعين الاعتبار. وبيَّنت اللجنة ما في تعهدات وعد بلفور من ازدواجية وتناقض إذ "لا يمكن إقامة دولة يهودية دون هَضْم خطير للحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية في فلسطين". وكانت أهم توصيات اللجنة: 1 ـ ضرورة تحديد الهجرة اليهودية إلى فلسطين والعدول نهائياً عن الخطة الرامية إلى جعلها دولة يهودية. 2 ـ ضم فلسطين إلى دولة سوريا المتحدة لتكون قسماً منها. 3 ـ وضع الأماكن المقدَّسة في فلسطين تحت إدارة لجنة دولية تشرف عليها الدولة المنتدبة وعصبة الأمم، ويمثِّل اليهود فيها بعضو واحد. وقد قوبل تقرير اللجنة بالرفض التام من جانب فرنسا وبريطانيا والحركة الصهيونية. أما الولايات المتحدة ـ التي كان رئيسها صاحب فكرة إرسال اللجنة ـ فلم تُعر انتباهاً هي الأخرى لتوصيات اللجنة، رغم ما نص عليه تقريرها من أن المشروع الصهيوني يناقض مبدأ الرئيس ويلسون بشأن حرية الشعوب في تقرير مصيرها. وإذا وضعنا في الاعتبار أن ويلسون نفسه كان قد وافق على تصريح بلفور قبل إعلانه، فستتضح على الفور حقيقة الموقف الأمريكي وحقيقة أن تلك المبادئ لم تكن في الواقع إلا ستاراً للمصالح الاستعمارية. الانتداب The Mandate طبقاً لقرار مؤتمر سان ريمو لدول الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، وفي سياق اقتسام مناطق النفوذ في العالم بين الدول الاستعمارية الكبرى، وُضعت فلسطين عام 1920 تحت الانتداب البريطاني، ورأت الحكومة البريطانية أن تحصل على تصديق دولي لهذا القرار، فعرضته على عصبة الأمم التي أصدرت صك الانتداب عام 1922، وضمَّنته بريطانيا نص وعد بلفور، فأصبح بذلك وثيقة دولية، وأصبحت بريطانيا مسئولة عن تنفيذه أمام عصبة الأمم. وتجاهل صك الانتداب واقع فلسطين التاريخي والقومي، والأكثرية العربية الساحقة فيها التي لم يأت ذكرها إلا بشكل عرضي ومنقوص. رغم أن عددهم كان يفوق عندئذ 90%من مجموع السكان، بينما يمثل اليهود 10% فقط ولا تتجاوز أملاكهم 2% من الأراضي. كما جاء الصك مخالفاً بوضوح لميثاق عصبة الأمم نفسها الذي أعطى السكان الأصليين حقهم في اختيار الدولة المنتدبة طبقاً لرغبتهم. اتبعت سلطات الانتداب سياسة موالية للصهيونية، فعُيَّن الصهيوني السير هربرت صمويل مندوباً سامياً بريطانياً، وتم إفساح المجال لعمل المؤسسات الصهيونية المختلفة، مثل: الصندوق التأسيسي الفلسطيني، الهستدروت، والمجلس القومي. كما مُنحت عدة امتيازات للمستوطنين الصهاينة مكنتهم من السيطرة على كثير من المصالح الاقتصادية الحيوية في فلسطين، وجرى تعاون واسع بين سلطات الانتداب والوكالة اليهودية. وفي ظل هذه الأوضاع، تزايد النشاط الصهيوني واتجه إلى وسيلتين: الأولى: تشجيع هجرة اليهود إلى فلسطين على أوسع نطاق، والثانية: تشجيع انتقال الأراضي من العرب إلى اليهود بالطرق المختلفة؛ كشراء الأراضي، ومَنْح القروض لليهود، وتقديم المساعدات لتشييد المستعمرات. ومن ناحية أخرى، شجعت سلطات الانتداب تأسيس المنظمات العسكرية الصهيونية، مثل: الهاجاناه، إتسل، وليحي. وشاركت هذه السلطات في تدريب أفرادها وتطوير وسائلها، وتسترت على نشاطها الإرهابي ضد السكان العرب. وأمام تَصاعُد الرفض العربي للسياسة البريطانية في فلسطين وللإرهاب الذي تمارسه المنظمات الصهيونية، ولمواجهة الانتفاضات العربية المتتالية، أوفدت بريطانيا عدة لجان لدراسة الأوضاع في فلسطين واقتراح حلول لمشكلتها، وهي: لجنة هيكرافت (1921) ، لجنة شو (1930، لجنة بيل (1936) ، اللجنة الملكية للتحقيق (1936) ، ولجنة وودهيد (1938 كما أوفدت بريطانيا أيضاً سير جون سمبسون إلى فلسطين لهذا الغرض، وشكلت مع الولايات المتحدة لجنة مشتركة لتقصي الحقائق هي اللجنة الأنجلو ـ أمريكية (1946) . وأوفدت عصبة الأمم لجنة البراق الدولية إلى فلسطين (1930 لدراسة الأوضاع إثر انتفاضة البراق عام 1929. ودرجت الحكومة البريطانية أيضاً، خلال فترة الانتداب، على إصدار الكتب البيضاء لمعالجة الأوضاع المتفجرة في فلسطين. وقد قوبلت هذه الإجراءات بالرفض من الجانب العربي الذي لم يأل جهداً في سبيل التخلص من الاحتلال البريطاني والتغلغل الصهيوني في فلسطين. أما الجانب الصهيوني، فقد اتسمت علاقته مع سلطات الانتداب بالتعاون والتنسيق التام، عدا بعض الفترات القليلة التي شهدت خلافات بينهما نظراً لرفض الصهاينة نصوص الكتب البيضاء ولرغبتهم في الضغط على بريطانيا لدفعها إلى مواقف أكثر تأييداً للمشروع الصهيوني. وقد وصلت الخلافات إلى حد الصدام المسلح بين الطرفين في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وقد أنهت بريطانيا انتدابها على فلسطين في 14 مايو 1948 بعد طرح القضية برمتها على الأمم المتحدة وصدور قرار تقسيم فلسطين عام 1947. لجنة هيكرافت Haycraft Commission في أول مايو 1921، اندلعت الاشتباكات بين المواطنين الفلسطينيين واليهود في مدينة يافا إثر قيام الهستدروت بتنظيم مظاهرة للعمال اليهود رفعوا خلالها الرايات الصهيونية، وهو الأمر الذي استفز مشاعر الفلسطينيين إذ رأوا في ذلك إعلاناً عن قيام حكومة يهودية في فلسطين. وقد امتدت الاشتباكات إلى القرى والمدن المجاورة واستمرت نحو خمسة عشر يوماً تعرَّض المواطنون الفلسطينيون خلالها لقمع السلطات البريطانية والمستوطنين الصهاينة على حدٍّ سواء. وإزاء إحساس الحكومة البريطانية بتفاقم العداء العربي لها بسبب دعمها للمشروع الصهيوني، وخوفاً من امتداد أعمال العنف ضدها إلى مناطق أخرى من فلسطين، قرَّر هربرت صمويل ـ المندوب السامي البريطاني آنذاك ـ تشكيل لجنة للتحقيق في ملابسات أحداث يافا، وأسند رئاستها إلى توماس هيكرافت ـ قاضي قضاة فلسطين ـ وضمت اللجنة: هـ. لوك وج. ستوبس. بدأت اللجنة عملها في أواخر مايو 1921، فاتصلت بالجمعيات والمؤسسات العربية وتلقت منها تقارير عن الأحداث، كما استمعت إلى عشرات الشهود من الجانب العربي ومن جانب المستوطنين الصهاينة. وفي أكتوبر 1921، قدمت اللجنة تقريرها إلى مجلس العموم البريطاني أكدت فيه أن موقف بريطانيا المؤيد للمشروع الصهيوني بإقامة "وطن قومي" لليهود في فلسطين هو السبب الأساسي في تصاعُد مشاعر العداء من جانب الفلسطينيين تجاه السلطات البريطانية والمستوطنين اليهود. ونفت اللجنة مسئولية العرب عن تدبير أعمال العنف وأشارت إلى أن الذي أثار نقمة العرب هو: تبجُّح المستوطنين الصهاينة وخروجهم على الآداب العامة في الشوارع، وعدم اعتدادهم بالعادات والتقاليد العربية، وعدم اعترافهم بوجود تقاليد قومية عند العرب، كما أشارت إلى أن عدد اليهود في الوظائف العامة غير متناسب مع نسبتهم، وإلى اتساع سلطة البعثة الصهيونية الزائد عن الحد. ثم بسطت اللجنة شكاوى المواطنين الفلسطينيين الذين يمثلون الطوائف كافة. وأجمعت الشكاوى على مخاطر الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ومخاطر الدعم البريطاني للحركة الصهيونية والذي مكَّن المنظمة الصهيونية من أن تصبح بمنزلة حكومة داخل حكومة فلسطين. وأكدت اللجنة في ختام تقريرها أنها لمست بوضوح إصرار الصهاينة على إقامة "الوطن القومي اليهودي" بالقوة، ورفضهم مساواة الفلسطينيين بهم. وانتقد التقرير الدكتور أور رئيس البعثة الصهيونية لاقتراحه بأن لا يُسمَح لغير اليهود بحَمْل السلاح. وقد شنت الدوائر الصهيونية هجوماً عنيفاً على التقرير، فاعتبره حاييم وايزمان هدية قُدِّمت إلى خصومه ليستغلوها في تشويه أغراض الصهيونية، بل ذهب إلى حد القول بأن هذا التقرير غرس بذور المتاعب التي واجهها الصهاينة في فلسطين خلال السنوات التالية. دستور فلسطين Palestine Constitution وثيقة صدرت عن البلاط الملكي في قصر باكنجهام في اليوم الرابع عشر من شهر أغسطس 1922. وكان هذا الدستور امتداداً لصك الانتداب وتحدَّث عنه البعض باعتباره لائحة لتنظيم عملية تهويد فلسطين، وإطلاقاً ليد "المندوب السامي البريطاني" في فلسطين لتنفيذها. وقد أعطى هذا الدستور للمندوب السامي حق رَفْض القوانين وحق التصرف في الأراضي وحق السجن والإبعاد وحق قبول الشكوى إذا كانت ناجمة عن تقصير في تنفيذ صك الانتداب. ومن مواد هذا الدستور: ـ المادة 13: للمندوب السامي أن يهب أو يؤجر أية أرض من الأراضي العمومية أو أي معدن أو منجم، وله أن يأذن بإشغال هذه الأراضي بصفة مؤقتة بالشروط والمدد التي يراها ملائمة. ويشترط في كل هذا أن تجرى كل هبة كهذه أو كل إيجار أو تصرف كهذا وفقاً لمرسوم أو تشريع أو قانون معمول به في فلسطين، أو سيُعمَل به فيما بعد، أو وفقاً لما قد يَصدُر للمندوب السامي من التعليمات بتوقيع جلالته وختمه أو بواسطة الوزير تنفيذاً لأحكام صك الانتداب. ـ المادة 25: للمندوب السامي أن يعلن موافقته أو عدم موافقته على أي قانون بمحض إرادته مع مراعاة التعليمات الصادرة إليه بتوقيع الملك وختمه. ـ المادة 46 ـ الفقرة 3: يُشترَط ألا يُطبَّق التشريع العام ومبادئ العدل والإنصاف المشار إليها في هذا الدستور في فلسطين إلا بقدر ما تسمح به ظروف فلسطين وأحوالها، ومدى اختصاص جلالة الملك فيها، وأن تُراعَى عند التطبيق التعديلات التي تستدعيها الأحوال العامة. ـ المادة 85: إذا كانت أية طائفة دينية أو كان فريق كبير من سكان فلسطين يشكو من عدم قيام حكومة فلسطين بتنفيذ صك الانتداب، فيحق للطائفة أو الفريق المذكور أن يرفع مذكرة بذلك إلى المندوب السامي بواسطة عضو من أعضاء المجلس التشريعي. الكتاب الأبيض White Paper «الكتاب الأبيض» عبارة تُطلَق على مجموعة الوثائق التي تتضمن تقرير السياسة البريطانية فيما يتصل بموضوع ما والتي تقوم الحكومة بتقديمها إلى البرلمان. وقد لعبت هذه الوثائق دوراً مهماً في تاريخ الانتداب البريطاني في فلسطين إذ صدر منها ستة في الفترة 1922 ـ 1939: 1 ـ الكتاب الأبيض الصادر في يونيه 1922 (كتاب تشرشل الأبيض (: سادت فلسطين حالة من القلق وزادت الانتقادات في الصحف البريطانية بعد اتضاح محاباة الحكومة البريطانية للمؤسسة الصهيونية. لذا، رأى تشرشل أن يضع حداً لكل هذا بإصدار بيان رسمي عن السياسة البريطانية في فلسطين. تحتوي هذه الوثيقة التي قدَّمها ونستون تشرشل، باعتباره وزير المستعمرات، تقريراً بريطانياً بالغ الأهمية. فقد أكد هذا الكتاب ما تضمَّنه وعد بلفور 1917، ثم أعلن أن فلسطين لن تصبح يهودية بمثل ما تُعتبَر إنجلترا إنجليزية، أي أن العرب عليهم ألا يتخوفوا من طَرْد السكان العرب في فلسطين أو اختفاء ثقافتهم أو لغتهم. وأضافت هذه الوثيقة أنه "لا يوجد في وعد بلفور ما يشير إلى أن فلسطين بكاملها ستتحول إلى وطن «قومي» يهودي فقط، إن مثل هذا الوطن القومي سيكون في فلسطين دون أن يعني هذا فرض الجنسية اليهودية على سكان فلسطين بالكامل". كذلك تضمنت هذه الوثيقة سياسة الحكومة البريطانية فيما يتعلق بالهجرة، فذكرت أن الهجرة اليهودية ستستمر طالما أنها لا تتجاوز ما تستطيع طاقة البلاد الاقتصادية استيعابه، وأن الحكومة البريطانية ستشجع العمل على منح الإقليم حكماً ذاتياً يديره مجلس تشريعي من اثنى عشر عضواً منتخبين وعشرة مختارين يرأسهم المفوض الأعلى. وقد رفض هذه السياسة العرب واليهود على حدٍّ سواء. وقد استثنى الكتاب الأبيض هذا منطقة شرق الأردن من فلسطين. ومع هذا، سارع الصهاينة إلى الموافقة على الكتاب الأبيض. ولكن العرب أصروا على رفضهم، ذلك أن الوفد الفلسطيني لم يكن مفوضاً بقبول أية سياسة بريطانية مبنية على تصريح بلفور. كما أن تنظيم الهجرة اليهودية كان يعني في واقع الأمر، خلق أكثرية يهودية تعني بدورها سيطرة الصهاينة على فلسطين. 2 ـ الكتاب الأبيض الصادر في أكتوبر 1930 (كتاب باسفيلد الأبيض (: وقد أصدر هذا الكتاب اللورد باسفيلد وزير المستعمرات في أكتوبر 1930 على إثر الاضطرابات الدامية التي شهدها عام 1929. فقد أرسلت الحكومة البريطانية لجنة شو لتقصِّي الحقائق حول أسباب هذه الحوادث. وجاءت هذه الوثيقة لتشير إلى أن إعلان وعد بلفور والانتداب البريطاني في فلسطين كليهما يتضمنان نوعين من الالتزامات الملقاة على عاتق الحكومة البريطانية. الأول منها يتعلق بكفالة إنشاء وطن "قومي" لليهود في فلسطين، والثاني يتعلق بموقف السكان غير اليهود. وقد رفضت الوثيقة وجهة النظر القائلة بأن إنشاء وطن "قومي" لليهود هو الواجب الأساسي لنظام الانتداب، وصاغت السياسة البريطانية المقترحة في أربعة بنود أساسية: الأمن ـ التطوُّر الدستوري ـ التطوُّر الاقتصادي ـ التطوُّر الاجتماعي. وأعلنت الحكومة أنها لن تتحول عن هذه السياسة بتأثير أية ضغوط، وأنها ستعاقب بشدة أية تهديدات للأمن في المنطقة وأنها ستسير قدماً نحو إنشاء المجلس التشريعي الذي اقترحه كتاب تشرشل السابق. وتتبنَّى الوثيقة وجهة النظر القائلة بأن مساحة الأرض المزروعة في فلسطين لم تَعُد تسمح باستيعاب مهاجرين جدد، وتنتقد بشدة سياسة الوكالة اليهودية الخاصة بالاستيطان، إذ ترى فيها تهديداً للوجود العربي في فلسطين، كما أنها تتعارض مع مزاعم الصهيونية القائلة برغبة الصهاينة في العيش في سلام مع العرب. وطالبت الوثيقة بإدخال موضوع الأيدي العاملة العربية التي تعاني من البطالة في التقدير عند الحديث عن الطاقة الاقتصادية للإقليم فيما يتعلق بالهجرة. وقد تعرَّضت هذه السياسة لنقد عنيف من بعض الساسة البريطانيين الذين رأوا فيها اتجاهاً إلى تخلِّي الحكومة البريطانية عن التزاماتها الواردة في صك الانتداب. كذلك قدَّم وايزمان استقالته من رئاسة الوكالة اليهودية احتجاجاً على ما اعتبره إنكاراً لحقوق وآمال «الشعب اليهودي» في إنشاء وطن "قومي". وقد دخلت لجنة حكومية خاصة في مفاوضات مع ممثلين للوكالة اليهودية نتج عنها خطاب رامزي ماكدونالد رئيس الوزراء في 13 فبراير 1931 الذي وجَّهه إلى وايزمان واعتُبر وثيقة رسمية قُدِّمت لعصبة الأمم وللمندوب السامي في فلسطين. ولم يكن الخطاب في الظاهر سوى تفسير لكتاب باسفيلد الأبيض. إلا أنه من الناحية العملية تَضمَّن إلغاء الكثير من القيود التي فُرضت على الحركة الصهيونية عندما أكد أن الالتزام الوارد في صك الانتداب هو التزام "للشعب اليهودي" وليس فقط للسكان اليهود في فلسطين. كما أكد ما تضمنته ديباجة صك الانتداب (تضمنت نص وعد بلفور) ، بالإضافة لإشارته للحقوق "التاريخية" لليهود في فلسطين. كذلك وافق الخطاب على تسهيل الهجرة اليهودية إلى فلسطين وتشجيع الاستيطان اليهودي بها. 3 ـ الكتاب الأبيض الصادر في يوليه 1937 (لجنة بيل (: صدر هذا الكتاب مُتضمِّناً السياسة البريطانية في فلسطين في الوقت نفسه الذي صدر فيه تقرير «اللجنة الملكية لفلسطين» المعروف بتقرير بيل. فذكر أن الحكومة البريطانية قَبلت خطة التقسيم التي وضعتها اللجنة من ناحية المبدأ، وأنها ستتخذ الإجراءات الضرورية لوضعها موضع التنفيذ. وحتى يتم إنشاء الدولتين العربية واليهودية، فإن الحكومة لن تتخلى عن التزاماتها في حفظ السلم والأمن والنظام العام في سائر أنحاء فلسطين. وحتى يتم وَضْع الخطة موضع التنفيذ، فإن الحكومة قررت اتخاذ إجراءين: أ) حظر أي تغيير في ملكية الأراضي يكون من شأنه عرقلة تنفيذ البرنامج الحكومي. ب) تحديد الهجرة في الفترة من أغسطس 1937 حتى مارس 1938 بثمانية آلاف مهاجر. 4 ـ الكتاب الأبيض الصادر في ديسمبر 1937 (لجنة وودهيد) : وتتضمن هذه الوثيقة خطاباً من وزير المستعمرات إلى ووشوب المندوب السامي في فلسطين. وقد تَضمَّن هذا الخطاب تعيين لجنة وودهيد لدراسة تفصيلات وإمكانات مشروع التقسيم من الناحية العملية، فلو قدَّرت الحكومة أن المشروع عادل وعملي، فإنها ستحيله إلى عصبة الأمم، ويمكن بعدئذ أن تنشئ نظماً حكومية جديدة للمناطق اليهودية والعربية. 5 ـ كتاب نوفمبر 1938 الأبيض (تقرير لجنة وودهيد) : بعد إصدار تقرير لجنة وودهيد الذي طالب بإلغاء توصيات لجنة بيل (على اعتبار أن المشروع الذي طالبت به غير مجد) ، وحاولت الحكومة البريطانية تقديم وجهة نظر تهدف إلى احتواء الثورة الفلسطينية التي نشبت آنذاك في جبال فلسطين فانتهت إلى ادعاء رفض التقسيم حيث إن المصاعب الإدارية والسياسية والمالية التي تتضمنها عملية التقسيم من شأنها أن تجعل فكرة التقسيم غير عملية، وعليه فقد قررت الحكومة البريطانية بذل الجهود لخلق تفاهم أكبر بين العرب واليهود عن طريق الدعوة لعقد مؤتمر يحضره ممثلو الوكالة اليهودية وممثلو عرب فلسطين والدول العربية المجاورة للتباحث حول "سياسة المستقبل"، وضمنها موضوعات الهجرة إلى فلسطين "فإذا لم تتوصل الأطراف إلى اتفاق خلال فترة معقولة، فإن الحكومة البريطانية ستتخذ قرارها الخاص". 6 ـ الكتاب الأبيض الصادر في مايو 1939 (كتاب ماكدونالد الأبيض (: أدَّى إخفاق المؤتمر المشار إليه سابقاً إلى صدور هذه الوثيقة التي تضمنت "أن الحكومة البريطانية قد تبنت سياسة جديدة غير سياسة التقسيم، وأن حكومة صاحب الجلالة تعلن ـ حتى تزيل أية شكوك ـ أنها لا تتبنَّى أية سياسة ترمي لجعل فلسطين دولة يهودية"، ذلك أن "هذا يُعدُّ منافياً لالتزاماتها تجاه العرب بمقتضى صك الانتداب" إذ أن هدف الحكومة البريطانية هو خَلْق دولة مستقلة خلال عشر سنوات ... يمكن فيها تأمين الحقوق الأساسية لكل من العرب واليهود، وستكون الخطوة الأولى في هذا الاتجاه هي إلقاء مسئولية الإدارات الحكومية على عاتق كل من اليهود والعرب وفقاً لنسبتهم العددية". وقد قرَّرت الحكومة في هذه الوثيقة وَقْف الهجرة اليهودية لا على أسس اقتصادية هذه المرة، ولكن على أساس مبدأ سياسي "ذلك أن الحكومة لا تستطيع أن ترى في وثيقة الانتداب أيَّ دليل على أن الهجرة يجب أن تستمر إلى الأبد ... أو أن قدرة البلاد الاقتصادية على امتصاصها يجب أن تكون المعيار الوحيد، إذ أن خوف العرب من الهجرة اليهودية غير المحدودة يجب أيضاً أن يؤخذ بعين الاعتبار عند وضع سياسة الهجرة". وقرَّرت الوثيقة أن اتساع الوطن اليهودي دون ضوابط "سيعني الحكم بالقوة"، ولذلك "فإن الحكومة البريطانية قررت ألا تسمح باتساع هذا الوطن ـ عن طريق قبول المزيد من المهاجرين ـ إلا إذا قبل العرب ذلك، وعليه فإن حجم الهجرة الكلي سيحدد خلال السنوات الخمس التالية بـ 75.000 مهاجر، وهو ما يجعل العدد الكلي لليهود في فلسطين حوالي ثلث إجمالي عدد السكان. وبعد نهاية السنوات الخمس، لن يُسمَح بالمزيد من الهجرة في حالة رفض العرب ذلك". وبالنسبة لتحويل ملكية الأراضي، قررت الوثيقة رفض المزيد من عمليات تحويل الملكية في بعض المناطق، وعملت على تقييدها في مناطق أخرى. و"يُعطَى المندوب السامي في فلسطين الصلاحيات اللازمة لمنع وتنظيم هذه العمليات". وفي 28 فبراير 1940، أصدر المندوب السامي «قانون تحويل ملكية الأراضي» الذي قسَّم الإقليم الفلسطيني إلى ثلاث مناطق: 1 ـ المنطقة (أ) ، وتشمل التل وبعض المناطق المجاورة (64% من مساحة فلسطين) وهذه حُظر فيها نقل ملكية الأرض لغير العرب الفلسطينيين. 2 ـ المنطقة (ب) ، وتشمل وادي جزريل والجليل الشرقي ومعظم السهل الساحلي (ما عدا منطقة تل أبيب) والنجف (31% من مساحة فلسطين) وهذه أُبيح فيها انتقال الملكية في ظروف معيَّنة. 3 ـ المنطقة ج (5% من مساحة فلسطين) ، وقد بقيت «منطقة حرة» . وقد اعتادت الحركة الصهيونية أن تنظر لهذه الوثيقة باعتبارها بداية «الخيانة النهائية» للالتزامات الواردة في إعلان بلفور «للشعب اليهودي» وللانتداب البريطاني على فلسطين. وأعلنت الحرب ضد الانتداب البريطاني على فلسطين منذ صدورها. لجنة شو Shaw Commission أدَّت انتفاضة عام 1929 في فلسطين إلى تزايد مخاوف بريطانيا من تصاعُد الرفض العربي لسياستها المؤيدة للمشروع الصهيوني، وبدا لها أن الاشتباكات، التي جرت خلال هذا العام بين المواطنين الفلسطينيين من جهة والمستوطنين الصهاينة وسلطات الانتداب البريطاني من جهة أخرى، يمكن أن تمتد إلى مناطق أخرى داخل فلسطين وخارجها بشكل يهدد المصالح البريطانية في المنطقة. وفي محاولة لاحتواء الموقف، سارع لورد باسفيلد ـ وزير المستعمرات البريطاني آنذاك ـ بتشكيل لجنة للتحقيق في أحداث الانتفاضة التي فجَّرها ادعاء المستوطنين الصهاينة ملكية الحائط الغربي من الحرم الشريف بالقدس (حائط البراق) ، وتولَّى رئاسة اللجنة والتر شو (أحد القضاة الإنجليز) . بدأت اللجنة عملها في أواخر سبتمبر 1929، فاستمعت إلى شهادة عدد من كبار موظفي حكومة الانتداب، وحصلت على بيانات عن الأوضاع الاقتصادية للمواطنين الفلسطينيين ومعدلات الهجرة اليهودية إلى فلسطين والمؤسسات الممثلة لمختلف الطوائف. ثم بدأت اللجنة في عقد جلسات استماع، واعتُبرت الوكالة اليهودية مُمثِّلة للمستوطنين اليهود واعتُبرت اللجنة التنفيذية ـ المنتخبة من المؤتمر العربي الفلسطيني السابع عام 1927 ـ مُمثِّلة للفلسطينيين. واستمر عمل اللجنة نحو شهرين توجهت بعدهما إلى لندن حيث عكفت على إعداد تقريرها الذي قدمته إلى وزير المستعمرات البريطاني في مارس 1930. لامت اللجنة العرب لبدئهم المشكلة، ولكن التقرير ذكر أن السبب الحقيقي لتَفجُّر الأحداث يَكمُن في الأعمال الاستفزازية التي يقوم بها المستوطنون اليهود، فضلاً عن مخاوف الفلسطينيين على مصالحهم الاقتصادية من جراء الأنشطة الصهيونية الرامية إلى تهجير الفلسطينيين والاستيلاء على الأراضي الخاصة بهم، وكذلك المخاوف من اتساع اختصاصات الوكالة اليهودية في ظل دعم سلطات الانتداب. وكانت أهم توصيات اللجنة: 1 ـ أن تُصدر بريطانيا بياناً صريحاً عما تنوي اتباعه في فلسطين، وتفسر في الوقت نفسه المقصود بأحكام صك الانتداب وبخاصة ما يتعلق منها بحقوق الطوائف غير اليهودية في فلسطين. 2 ـ أن يُوضَع تفسير دقيق للبند الوارد في صك الانتداب بشأن مهام الوكالة اليهودية، بحيث يتم تأكيد أن الامتيازات التي تحظى بها الوكالة بموجب هذا البند لا تخوِّلها حق الاشتراك في حكومة فلسطين. 3 ـ وضع قيود على انتقال الأراضي، واتخاذ وسائل لحماية المزارعين الفلسطينيين والحيلولة دون إجلائهم عن الأراضي التي يزرعونها لكيلا يتسبب ذلك في مزيد من الاضطرابات في المستقبل. 4 ـ ضرورة تهدئة موجات السخط والاستياء بين المواطنين الفلسطينيين نظراً لحرمانهم من الحكم الذاتي، إذ أن استمرار الأوضاع على ما هي عليه سيزيد مصاعب سلطات الانتداب. 5 ـ إصدار بيان صريح من جانب بريطانيا بشأن الهجرة اليهودية إلى فلسطين ودراسة وسائل تنظيمها وتحديدها. 6 ـ تشكيل لجنة دولية بإشراف مجلس عصبة الأمم لتحديد حقوق الفلسطينيين والمستوطنين اليهود في حائط البراق. وقد قوبل تقرير اللجنة بالرفض من الدوائر الصهيونية بينما نظرت إليه الأوساط العربية بارتياح مشوب بالحذر والتحفظ. وقد تشكَّلت ـ طبقاً لتوصيات التقرير ـ لجنة حائط البراق، كما كان التقرير سبباً من أسباب صدور الكتاب الأبيض عام 1930. لجنة حائط البرا ق Buraq Wall Commission لجنة دولية شكلتها عصبة الأمم في يناير 1930 بناء على توصية تقرير لجنة شو، وذلك للنظر في النزاع القائم بين الفلسطينيين والمستوطنين اليهود بشأن حائط البراق الذي يشكل جزءاً من الحائط الغربي للحرم الشريف بالقدس. وتألفت اللجنة من ثلاثة أعضاء من السويد وسويسرا وأندونيسيا، وبدأت عملها في يونيه 1930 فاستمعت إلى شهادة 52 شاهداً من الجانبين وحصلت على 61 وثيقة تمثل وجهتي نظر الطرفين. وانتهت اللجنة من وضع تقريرها في ديسمبر من العام نفسه، وحاز موافقة الحكومة البريطانية وعصبة الأمم، ليصبح بذلك وثيقة دولية تؤكد حق الشعب الفلسطيني في حائط البراق، وأهم ما خلصت إليه اللجنة من نتائج: 1 ـ أن ملكية الحائط الغربي تعود إلى المسلمين وحدهم، ولهم فقط الحق العيني فيه، وينطبق ذلك بالمثل على الرصيف المجاور له. 2 ـ أن أدوات العبادة وغيرها من الأدوات التي يحق لليهود وضعها بالقرب من الحائط ـ استناداً إلى تقرير اللجنة أو بالاتفاق بين الطرفين ـ لا يجوز بأية حال من الأحوال أن يكون من شأنها إثبات أي حق عيني لليهود في الحائط أو في الرصيف المجاور له. 3 ـ لليهود حرية إقامة التضرعات عند الحائط في جميع الأوقات مع مراعاة عدم جلب أية خيمة أو ستار أو ما شابههما من الأدوات. 4 ـ لا يُسمَح لليهود بنفخ البوق بالقرب من الحائط. وكان من الطبيعي أن يثير تقرير اللجنة غضب الدوائر الصهيونية، إذ أكد بما لا يدع مجالاً للشك أن حائط البراق من الآثار الإسلامية المقدَّسة، كما بيَّن بوضوح زيف الادعاءات الصهيونية في هذا الشأن. لجنة موريسون Morrison Commission بناء على قرار وزير المستعمرات البريطاني، تشكَّلت هذه اللجنة في نوفمبر 1933 برئاسة وليم موريسون، وذلك للنظر في الأسباب المباشرة للمظاهرات التي قام بها المواطنون الفلسطينيون في أكتوبر من العام نفسه (احتجاجاً على السياسة البريطانية المؤيدة للمشروع الصهيوني) ووقعت خلالها اشتباكات عنيفة مع سلطات الانتداب البريطاني. وقد قاطع الفلسطينيون أعمال اللجنة إذ أدركو أنها ليست سوى محاولة من بريطانيا لاحتواء الموقف وتهدئة الغضب العربي العام، فضلاً عن أن المهام الموكلة للجنة تنصب على بحث الأسباب المباشرة للأحداث وبالتالي تمنعها من النظر في جذور النزاع الحقيقية والمتمثلة في مجمل سياسات بريطانيا الاستعمارية ودعمها غير المحدود للحركة الصهيونية. وقد حدث بالفعل ما كان متوقعاً، فقد جاء تقرير اللجنة في فبراير 1934 متجنياً بشدة على المواطنين الفلسطينيين إذ حمَّلهم وحدهم مسئولية أعمال العنف، دون أن يتطرق البتة إلى القمع الوحشي الذي واجهت به سلطات الانتداب جموع المتظاهرين وأسفر عن سقوط أكثر من ثلاثين شهيداً، كما لم يذكر التقرير شيئاً عن التحالف البريطاني ـ الصهيوني، ولكنه لاحظ الاختلاف بين أحداث 1933 وانتفاضة عامي 1920 و1929 وأكد أن ثمة مغزى في اتجاه الفلسطينيين للكفاح ضد بريطانيا بشكل مباشر، وفي إدراكهم العلاقة الحيوية بينها وبين الحركة الصهيونية. لجنة بيل Peel Commission لجنة تحقيق شكلتها الحكومة البريطانية في أغسطس 1936 بغرض دراسة الأسباب الأساسية لانتفاضة المواطنين الفلسطينيين في أبريل 1936 وبحث كيفية تنفيذ صك الانتداب على فلسطين والتزامات بريطانيا تجاه كل من الفلسطينيين والمستوطنين اليهود، كما طلبت الحكومة من اللجنة تقديم توصيات بشأن شكاوى الفلسطينيين واليهود عن طريقة تنفيذ الانتداب. وقد ضمت اللجنة ستة أعضاء برئاسة اللورد بيل الذي شغل منصب وزير شئون الهند. وصلت اللجنة إلى فلسطين في نوفمبر 1936، واستمر عملها ستة أشهر عقدت خلالها ستة وأربعين اجتماعاً منها واحد وثلاثون اجتماعاً علنياً واستمعت إلى أربعين شاهداً يهودياً، أما الفلسطينيون فقد قاطعوا أعمال اللجنة في بداية الأمر ثم تغيَّر الموقف فيما بعد، وقد أدلى بشهادته أمامها مفتي فلسطين الحاج محمد أمين الحسيني بالإضافة إلى أربعة وعشرين شاهداً. وفي يوليه 1937، قدَّمت اللجنة تقريرها الذي أرجع انتفاضة المواطنين الفلسطينيين إلى رغبتهم في الاستقلال القومي وإلى مخاوفهم من إقامة الوطن القومي اليهودي واستمرار الهجرة اليهودية إلى فلسطين واستيلاء المستوطنين الصهاينة على الأراضي العربية، فضلاً عن عدم تكافؤ الفرص بين الفلسطينيين واليهود في عَرْض قضيتهم أمام الحكومة والبرلمان في بريطانيا وتشكَّك الجانب العربي في قدرة ورغبة الحكومة البريطانية في تنفيذ وعودها. وتوصلت اللجنة إلى أن استمرار الانتداب البريطاني على فلسطين يعني مزيداً من التذمر إلى أجل غير مسمى، فهو الذي خلق العداء بين الفلسطينيين واليهود نظراً لتناقُض الالتزامات الواردة في صك الانتداب والتي يستحيل معها تحقيق المطلب الرئيسي لكل طرف دون الإخلال بالالتزام تجاه الطرف الآخر. ولهذا، أوصت اللجنة بأن تتخذ الحكومة البريطانية الخطوات اللازمة لإنهاء الانتداب وتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية مع بقاء القدس وبيت لحم والناصرة تحت الانتداب البريطاني، وكانت تلك المرة الأولى التي ترد فيها فكرة التقسيم. وقد تباينت ردود الأفعال تجاه تقرير لجنة بيل، ففي حين رأت الحكومة البريطانية في مشروع التقسيم أفضل حل للمشكلة، أعرب الفلسطينيون عن رفضهم تقسيم فلسطين أو التنازل عنها، وذلك من خلال مؤتمر بلودان في سبتمبر 1937. أما الحركة الصهيونية، فقد أجمع ممثلوها في المؤتمر الصهيوني العشرين على رفض انتقادات لجنة بيل لنظام الانتداب، ولكنهم اختلفوا فيما بينهم بشأن موضوع التقسيم وطالبوا بمزيد من الضمانات للدولة اليهودية. وقد درست لجنة الانتدابات التابعة لعصبة الأمم تقرير اللجنة. ورغم اعترافها بمساوئ الانتداب، إلا أنها اعتبرت قيام دولتين مستقلتين عملاً غير حكيم قبل مضي فترة أخرى من إدارة الانتداب، وأوصت ـ في حالة قبول مشروع التقسيم ـ ببقاء الدولتين العربية واليهودية تحت نظام انتداب انتقالي إلى أن تبرهن كلٌّ منهما على أحقيتها بالاستقلال. وفي سبتمبر 1937، اتَّخذ مجلس عصبة الأمم قراراً بتخويل بريطانيا في وضع خطة مفصلة لتقسيم فلسطين، وأُجِّل بحث جوهر الموضوع لحين تقديم هذه الخطة. ويمكن القول بوجه عام بأن تقرير لجنة بيل كان محاولة بارعة لحل مأزق السياسة البريطانية الاستعمارية في المنطقة، فهو يحقق للحركة الصهيونية مطلبها الأساسي في تأسيس "وطن قومي لليهود" ويحاول في الوقت نفسه امتصاص الغضب العربي عن طريق منح الفلسطينيين نوعاً من الاستقلال الشكلي الذي يضمن استمرار السيطرة الاستعمارية البريطانية. لجنة وودهيد Woodhead Commission لجنة تحقيق شكلتها الحكومة البريطانية في مارس 1938 تنفيذاً لقرار مجلس عصبة الأمم في سبتمبر 1937 حول تقرير لجنة بيل، وكانت مهمة اللجنة العمل على تنفيذ مقترحات لجنة بيل بشأن تقسيم فلسطين، وقد ضمت اللجنة أربعة أعضاء برئاسة سير جون وودهيد. وقد عُهد إلى اللجنة أن توصي برسم حدود فاصلة بين المنطقتين العربية واليهودية المقترحتين، وكذلك رسم حدود الأراضي المزمع بقاؤها تحت الانتداب البريطاني بصورة دائمة أو مؤقتة، على أن يكون من شأن هذه الحدود تقديم ضمانات كافية لتأسيس دولتين إحداهما عربية والأخرى يهودية مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة تقليل السكان العرب والمشاريع العربية في المنطقة اليهودية لأقل حد ممكن والعكس بالعكس. كما طالبت الحكومة البريطانية اللجنة بتقديم توصيات تساعدها على القيام بمسئولياتها كدولة منتدبة، كما منحتها الحرية الكاملة في إدخال أية تعديلات على مشروع التقسيم الذي اقترحته لجنة بيل بناء على دراستها للأوضاع الاقتصادية والسياسية في فلسطين. وفي 23 أبريل 1938، وصلت اللجنة إلى فلسطين ومكثت بها حتى 3 أغسطس حيث قابلت شهوداً من المستوطنين اليهود والمسئولين البريطانيين في فلسطين وشرق الأردن وعقدت 55 جلسة كانت اثنتان منها علنيتين والباقية سرية. أما الفلسطينيون فقد قاطعوا اللجنة لإدراكهم أن نقطة انطلاقها هي مشروع تقسيم فلسطين الذي ترفضه الجماهير العربية بجميع طوائفها واتجاهاتها. وقد توجَّهت اللجنة بعد ذلك إلى لندن حيث عقدت عدة جلسات سرية أعدت خلالها تقريرها الذي نُشر في نوفمبر من العام نفسه وذكرت فيه أن الفلسطينيين يقفون موقفاً عدائياً من التقسيم أياً كان شكله الأمر الذي يجعل اقتراحات لجنة بيل بشأن تفريغ الدولة اليهودية المقترحة من السكان العرب عن طريق النقل الإجباري أو الاختياري أمراً مستحيلاً، وفي المقابل قدَّمت اللجنة عدة اقتراحات بديلة لمواجهة المشاكل الناجمة عن التقسيم. وبعد نشر التقرير، أصدرت الحكومة البريطانية كتاباً أبيض تعترف فيه بالصعوبات السياسية والإدارية والمالية التي يتضمنها مشروع التقسيم، وأعلنت عزمها على عقد مؤتمر في لندن للتوصل إلى اتفاق بهذا الشأن من خلال المباحثات بين ممثلي العرب واليهود. قرار التقسيم Partition Resolution في التاسع والعشرين من نوفمبر 1947 أصدرت هيئة الأمم المتحدة قرار التقسيم. ويمكن القول بأن هذا القرار يشكل البداية الحقيقية لدولة إسرائيل. ومع مقاومة العرب في مناقشات الجمعية العامة للأمم المتحدة، انتوى الوفد الأمريكي القيام بخطوة تهدئ حدة مقاومة العرب واعتزم رئيس الوفد السفير هيرشل جونسون التقدم بتسوية تُبنَى على اقتطاع قسم من أراضي النقب، وضمنها العقبة، وضمه إلى أراضي الدولة العربية المقترحة. غير أن وايزمان يذكر في مذكراته أنه، عندما علم بما انتواه المستر جونسون، سافر إلى الولايات المتحدة لمقابلة الرئيس الأمريكي هاري ترومان في التاسع عشر من نوفمبر 1947 ولقي من المستر ترومان لطفاً وعطفاً شديدين. وقبيل أن يقوم المستر جونسون بالإبلاغ عن عزمه بصورة رسمية لسكرتارية الأمم المتحدة، أجرى الرئيس الأمريكي ترومان اتصالاً هاتفياً شخصياً بمندوب الولايات المتحدة الذي أصدر فيما بعد تعليماته للوفد الأمريكي بإبقاء النقب والعقبة ضمن نصيب اليهود. وقد فتح هذا القرار الأمريكي السبيل للتصويت في الجمعية العامة على مشروع التقسيم فنال أكثرية 33 صوتاً مقابل 13 صوتاً. فولك برنادوت (1895 ـ 1948) Folke Bernadotte ضابط سويدي ينحدر من أسرة ملكية عريقة، وقد تلقَّى تعليمه في مدرسة التدريب العسكري للضباط في كالبيرج. ارتبط اسمه بالمسألة اليهودية حين كان يشغل منصب نائب رئيس هيئة الصليب الأحمر السويدية عام 1943 وحين تولَّى رئاستها عام 1946، ففي هذه الأثناء قام بتنظيم عملية تبادل الأسرى والجرحى بين ألمانيا النازية والحلفاء ثم تفاوض مع هيملر (مسئول الأمن الألماني) عام 1945 بشأن إطلاق سراح أكثر من 7000 معتقل إسكندنافي من بينهم ما يزيد على 400 يهودي دانماركي. وقد نجح برنادوت في إطلاق سراح عدة آلاف من النساء اليهوديات من معسكرات الاعتقال. وفي عام 1948 قام مجلس الأمن باختيار برنادوت وسيطاً في النزاع العربي الإسرائيلي لتنفيذ اتفاقية الهدنة. وكان قد نجح في تحقيق الهدنة الأولى بين الطرفين المتحاربين في 11 يونيه، متنقلاً بين العواصم العربية للتعرف على وجهة نظر الزعماء العرب بشأن قضية فلسطين، كما اجتمع بالقادة الصهاينة واطلع على موقفهم بالنسبة للنزاع. وأسفرت هذه الاتصالات عن عدد من المقترحات عُرفت باسم «مقترحات برنادوت» قامت على أساس إدخال تعديلات على قرار الأمم المتحدة عام 1947 بتقسيم فلسطين إلى دولتين، وهو ما رأت فيه الدوائر الصهيونية إخلالاً بموازين القوى بين الدولة الصهيونية الناشئة والبلدان العربية المحيطة. ومن ثم، دبرت منظمة شتيرن الصهيونية خطة لاغتيال الرجل، وقامت بتنفيذها في 17 سبتمبر 1948 أثناء وصوله إلى القدس قادماً من دمشق خلال عمله كوسيط. وفي البداية، أعلنت جهة مزعومة تطلق على نفسها "جبهة أرض الأجداد" مسئوليتها عن الحادث، ثم تبيَّن فيما بعد أن الاسم المزعوم ما هو إلا ستار لمنظمة شتيرن. وجدير بالذكر أن إسحق شامير كان أحد ثلاثة خططوا وأطلقوا النار على برنادوت. ومما يستلفت النظر أن الصندوق القومي اليهودي قام بإطلاق اسم برنادوت على إحدى الغابات "تكريماً" لذكراه. ولبرنادوت مؤلفان أولهما ويسدل الستار ـ أو ـ الأيام الأخيرة للرايخ الثالث (1945) ، والثاني إلى القدس (1951) . مقترحات برنادوت Bernadotte Proposals مقترحات خاصة بالنزاع العربي الإسرائيلي أعدها فولك برنادوت من خلال اتصالاته مع الزعماء العرب والقادة الصهاينة أثناء عمله كوسيط بين الأطراف المتحاربة بتكليف من مجلس الأمن، وذلك لتنفيذ اتفاقية الهدنة عام 1948. وقد أرسل برنادوت مقترحاته في أوائل سبتمبر عام 1948 إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تلقتها وقامت بنشرها بعد أيام قليلة من اغتياله. وتقوم هذه المقترحات على إدخال بعض التعديلات على قرار الأمم المتحدة الصادر عام 1947 الخاص بتقسيم فلسطين، وتتلخص فيما يلي: 1 ـ ينشأ في فلسطين بحدودها التي كانت قائمة أيام الانتداب البريطاني الأصلي عام 1922 (وهي تتضمن شرقي الأردن) اتحاد من عضوين أحدهما عربي والآخر يهودي. وذلك بعد موافقة الطرفين اللذين يعنيهما الأمر. 2 ـ تُجرَى مفاوضات يساهم فيها الوسيط لتخطيط الحدود بين العضوين على أساس ما يعرضه هذا الوسيط من مقترحات. وحين يتم الاتفاق على النقاط الأساسية، تتولَّى لجنة خاصة تخطيط الحدود نهائياً. 3 ـ يعمل الاتحاد على تدعيم المصالح المشتركة، وإدارة المنشآت المشتركة وصيانتها، وضمن ذلك الضرائب والجمارك، وكذا الإشراف على المشروعات الإنشائية وتنسيق السياسة الخارجية والدفاعية. 4 ـ يكون للاتحاد مجلس مركزي وغير ذلك من الهيئات اللازمة لتصريف شئونه حسبما يتفق عضوا الاتحاد. 5 ـ تكون الهجرة إلى أراضي كل عضو بحسب طاقة ذلك العضو على استيعاب المهاجرين. ولأي عضو، بعد عامين من إنشاء الاتحاد، الحق في أن يطلب إلى مجلس الاتحاد إعادة النظر في سياسة الهجرة التي يسير عليها العضو الآخر؛ وفي وضع نظام يتمشى والمصالح المشتركة للاتحاد؛ وفي إحالة المشكلة، إذا لزم الأمر، إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة. 6 ـ كل عضو مسئول عن حماية الحقوق المدنية وحقوق الأقليات، على أن تكون الأمم المتحدة ضامنة لهذه الحقوق. 7 ـ تقع على عاتق كل عضو مسئولية حماية الأماكن المقدَّسة والأبنية والمراكز الدينية، وضمان الحقوق القائمة في هذا الصدد. 8 ـ لسكان فلسطين، إذا غادروها بسبب الظروف المترتبة على النزاع القائم، الحق في العودة إلى بلادهم دون قيد وفي استرجاع ممتلكاتهم. وقد أتبع برنادوت مقترحاته السابقة بملحق تضمَّن الآتي: "بالإشارة إلى الفقرة الثانية من المقترحات، يبدو أن من الأوفق عرض مقترحات تكون أساساً لتخطيط الحدود بين العضوين: 1 ـ ضم منطقة النقب بأكملها أو جزء منها إلى الأراضي العربية. 2 ـ ضم منطقة الجليل الغربي بأكملها أو جزء منها إلى الأراضي اليهودية. 3 ـ إعادة النظر في وضع مدينة يافا. 4 ـ ضم مدينة القدس إلى الأراضي العربية، ومنح الطائفة اليهودية فيها استقلالاً ذاتياً لإدارة شئونها، واتخاذ التدابير اللازمة لحماية الأماكن المقدَّسة. 5 ـ إنشاء ميناء حر في حيفا، على أن تشمل منطقة الميناء الحر مصانع تكرير البترول ونهاية خط الأنابيب. 6 ـ إنشاء ميناء جوي حر في مطار اللد. ويبدو أن برنادوت اقترح اتحاد شرقي الأردن وفلسطين آخذاً بعين الاعتبار الوضع الجغرافي لشرقي الأردن. وقد رفضت البلدان العربية مقترحات برنادوت لأنها تعترف بتقسيم فلسطين وبقيام الدولة الصهيونية كأمر واقع لا مناص منه، كما أنها تفسح المجال للاستعمار الاقتصادي الصهيوني في الكيان الفلسطيني المقترح. أما الحكومة الإسرائيلية المؤقتة، برئاسة بن جوريون، فقد رفضت المقترحات بشدة لأنها ـ في نظرها ـ تخل بالتوازن بين الدولة الصهيونية الناشئة والبلدان العربية المحيطة، كما أنها "تتجاوز" اختصاصات برنادوت كوسيط. ومن ناحية أخرى، لم تحصل المقترحات على تأييد الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر 1948 حيث أيَّدت بريطانيا والولايات المتحدة مقترحات برنادوت في حين عارضها الاتحاد السوفيتي. وفي ضوء ما تلقَّاه من ملاحظات وردود على مقترحاته الأولى، وما لاحظه من مشاهداته عند زيارته لفلسطين، أعد برنادوت صيغة معدلة لاقتراحاته عُرفت باسم «مشروع برنادوت» بعث به قبل اغتياله إلى الأمين العام للأمم المتحدة. وتتلخص خطوطه العامة فيما يلي: 1 ـ يجب أن يعود السلام العام الشامل إلى ربوع الأراضي المقدَّسة حتى يمكن إيجاد جو من الهدوء تعود فيه العلاقات الطيبة بين العرب واليهود إلى الوجود. وينبغي على الأمم المتحدة أن تتخذ كل ما من شأنه إيقاف الأعمال العدوانية في فلسطين. 2 ـ يجب أن يعترف العالم العربي بأنه قد أصبح في فلسطين دولة يهودية ذات سيادة تُدعَى «دولة إسرائيل» وهي تمارس سلطاتها كاملة في جميع الأراضي التي تحتلها. 3 ـ يجب قيام هذه الدولة الإسرائيلية ضمن الحدود التي نص عليها قرار التقسيم. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الرفض الصهيوني لليهودية
Zionist Rejection of Judaism تمت محاولات عدة لعلمنة اليهودية من الداخل من أهمها اليهودية الإصلاحية واليهودية المحافظة، ثم تصاعدت حدة العلمنة في اليهودية التجديدية. والصهيونية، في تصوُّرنا، أهم الأيديولوجيات اليهودية في العصر الحديث التي أنجزت عملية العلمنة من الداخل. وموقف الصهيونية من اليهودية يأخذ شكلين مختلفين مرتبطين: 1 ـ رفض العقيدة اليهودية على أساس علماني صريح وبشكل جذري وواضح. 2 ـ علمنة اليهودية من الداخل، أي صهينتها من خلال الحلولية الكمونية مع استيعاب المصطلح الديني. وسنتناول في هذا المدخل موقف الرفض الجذري والصريح لليهودية. طرحت الصهيونية نفسها من البداية على أنها رؤية كاملة وشاملة للحياة اليهودية والتاريخ اليهودي والإنسان اليهودي وعلاقته بالطبيعة (الأرض) وبذاته (الهوية اليهودية) الخ، أي أنها طرحت نفسها كرؤية للكون. وقد أدركت الصهيونية هويتها، منذ البداية، باعتبارها حركة علمانية شاملة ترفض العقيدة اليهودية وترفض الإيمان بأية مطلقات أخلاقية أو دينية متجاوزة لعالم المادة والقوى السياسية والطبقية والصراعات الفكرية. والعنوان الفرعي لكتاب هرتزل دولة اليهود هو محاولة لحل عصري للمسألة اليهودية (تماماً مثل المفكرين العنصريين الغربيين ولهلم مار وإيوجين دوهرنج اللذين كانا يصران على علمانية وعلمية رؤيتهم العنصرية لليهود واليهودية) . ولنا أن نلاحظ أن مؤسسي الحركة الصهيونية الذين أتوا أساساً من مجتمعات وسط أوربا لم يعيروا اليهودية أي انتباه إلا باعتبارها مشكلة تبحث عن حل. بل إن بعضهم اعتبر العقيدة اليهودية نفسها مشكلة اليهود الحقيقية. وقد أظهر بعض زعماء الصهيونية عداءً واضحاً لليهودية، فتيودور هرتزل تعمَّد انتهاك العديد من الشعائر الدينية اليهودية حين قام بزيارة القدس، وذلك لكي يؤكد أن الرؤية الصهيونية رؤية لادينية. وكذا كان الوضع مع ماكس نوردو الذي كان يجهر بإلحاده، ويؤكد دائماً أن كتاب هرتزل دولة اليهود سيحل محل التوراة باعتباره كتاب اليهود المقدَّس. وقد اتخذ الصهاينة موقفاً لا دينياً من كثير من المفاهيم المحورية في العقيدة اليهودية، ويمكن أن نأخذ أهم العناصر وهي الموقف من كلٍّ من الأرض والشعب وآلية عودة الشعب للأرض. 1 ـ لم تكن صهيون (فلسطين) بالنسبة للصهاينة أرضاً ذات قداسة خاصة، مرتبطة بالخلاص، وإنما كانت مجرد أرض يُنقَل إليها اليهود لأسباب مادية علمانية. ولم يطالب هرتزل بالقدس وإنما طالب بالأرض العلمانية فقط (على حد قوله) ؛ أرض صالحة للتقسيم والتوزيع والاستيطان حتى يمكن إقامة قاعدة يُجمَع فيها اليهود ليقوموا على خدمة من يتكفل بحمايتهم ودعمهم. 2 ـ وقد تم أيضاً رفض مفهوم الشعب المختار أو الشعب المقدَّس. فالشعب المختار، حسب المفهوم الحاخامي، يشير إلى جماعة من المؤمنين يرتبط انتماؤهم إلى هذه الجماعة بمدى طاعتهم للإله. وقد أخذ الصهاينة موقفاً مغايراً تماماً، فنزعوا القداسة عن هذا الشعب ووجهوا سهام نقدهم إليه وإلى الشخصية اليهودية (الدينية) مستخدمين في نقدهم هذا مقولات تحليلية ونقدية وأنماطاً إدراكية استوردوها من كلاسيكيات الفكر العرقي الغربي، وخصوصاً أدبيات معاداة اليهود. ونقدهم في جوهره هو نقد الفكر التنويري للشخصية الدينية. وأعاد الصهاينة تعريف اليهود على أساس عرْقي أو إثني (مادي) . ومن ثم، أصبح اليهود بالنسبة لهم شعباً مثل كل الشعوب، فهم مادة بشرية نافعة يمكن نقلها وتوظيفها لصالح من يدفع الثمن. 3 ـ وبعد تحويل صهيون إلى مادة طبيعية (أرض للاستيطان) والشعب المختار إلى شعب مثل كل الشعوب (مادة استيطانية) ، وجَّه الصهاينة سهام نقدهم لعقيدة الماشيَّح والعودة فوصفها هرتزل بأنها رؤية متخلفة، ووسمها بن جوريون بالسلبية وطرح بدلاً من ذلك فكرة العودة بقوة السلاح وبمساعدة القوى العظمى لتأسيس دولة يهودية. ويمكن القول بأنه تم استبعاد أي تجاوز معرفي أو مطلقية أخلاقية، وتم تبنِّي الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية وما يتبعها من تمجيد لإرادة البقاء والقوة، وطُرحت الصيغة الصهيونية الأساسية التي تشكل العمود الفقري لكل الصهيونيات: شعب عضوي منبوذ نافع يُنقَل خارج أوربا ليُوظَّف لصالح الغرب، وهي صيغة علمانية كاملة لا تعترف بقداسة أرض أو إنسان ولا تعترف بأية أخلاقيات تضبط عملية العودة. وفي هذا الإطار، يمكن فَهْم مشاريع الاستيطان الصهيونية المختلفة خارج فلسطين (صهيونية دون صهيون) ، فهي مشاريع استعمارية عادية، شأنها في هذا شأن أيِّ مشروع استعماري غربي يهدف إلى حل بعض المشاكل الاجتماعية التي ظهرت داخل التشكيل الحضاري السياسي الغربي عن طريق نقلها إلى آسيا وأفريقيا. فالمشكلة كانت المسألة اليهودية وكان حلها نَقْل اليهود إلى أي مكان في الأرض وتحويلهم إلى مستوطنين غربيين. وحتى بعد أن ظهرت الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة (توظيف اليهود داخل إطار الدولة الوظيفية التي تُؤسَّس في فلسطين) ، ظل كثير من الصهاينة ينظرون لمشروع الاستيطان الصهيوني في فلسطين من خلال المنظور نفسه، أي باعتباره مشروعاً استعمارياً غربياً. وإذا كانت المنظومة العلمانية في العالم الغربي قد أخذت شكل تأسيس الدولة القومية العلمانية التي قامت بعلمنة المادة البشرية داخل نطاق الدولة وبترشيدها حتى يمكن توظيفها، ثم قامت بعد ذلك بتجييش الجيوش التي حقَّقت الانطلاقة الإمبريالية الغربية، فإن الاختلاف في حالة الصهيونية اختلاف فرعي، إذ تمت أولاً علمنة المادة البشرية اليهودية من خلال الدول القومية الغربية، ثم تم بعد ذلك نَقْل المادة البشرية بمعاونة القوى الإمبريالية الغربية، وتم أخيراً تأسيس الدولة اليهودية القومية العلمانية التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من التشكيل الإمبريالي الغربي، فالاختلاف لا ينصرف إلى الرؤية وإنما إلى ترتيب الخطوات. ولا يزال هذا التيار الصهيوني العلماني الرافض لليهودية قوياً، فمن المعروف أن الفكر الصهيوني كان يرفض استخدام اصطلاح «دولة يهودية» ، فكتاب هرتزل يُسمَّى دولة اليهود لا «الدولة اليهودية» . وكانت النية تتجه نحو استخدام اصطلاح «عبري» بدلاً من «يهودي» ، ولذا كانت تتم الإشارة إلى «الدولة العبرية» وإلى «العبرانيين» (ولم يتم استخدام مصطلح «دولة يهودية» إلا في مراحل متأخرة) . والصهاينة العلمانيون هم مؤسسوا المُستوطَن الصهيوني الحقيقيون، وهم صهاينة إلحاديون تماماً، وكان المستوطنون الأوائل ينظمون مسيرة كل عام للإعلان عن إلحادهم. وكان فريق منهم يحرصون على الذهاب إلى حائط المبكى في يوم الغفران (أكثر الأيام قداسة في التقويم الديني اليهودي) ويلتهمون ساندوتشات من لحم الخنزير تعبيراً عن رفضهم اليهودية. وقد توارت هذه الطفولية الثورية الرافضة إلى حدٍّ كبير، ولكن الإلحادية الصريحة ما تزال تُعلن عن نفسها. فلا يزال هناك صهاينة من أمثال شالوميت آلوني ويائيل ديان يحملون بغضاً عميقاً للعقيدة اليهودية والمؤسسة الدينية. بل إن الأولى كانت وزيرة للتربية في إسرائيل وكانت لا تكف عن التعبير عن احتقارها للتقاليد الدينية اليهودية. أما الثانية، وهي كاتبة روائية وابنة موشيه ديان، فكانت تصر دائماً على أن الملك داود كان مصاباً بالشذوذ الجنسي وأن علاقته مع يوناثان تدل على ذلك (وهناك مسرحية بهذا المعنى تُعرَض في إسرائيل) . ولا تزال الكيبوتسات (العمود الفقري للمجتمع الإسرائيلي، وفي صفوفها تُجنَّد أعداد كبيرة من أعضاء النخبة الحاكمة) مؤسسات علمانية تماماً ترفض الاحتفال بالأعياد الدينية وتُطوِّر احتفالات خاصة بها، وتعيد تفسير كثير من النصوص الدينية والشعائر ليحل القومي الزمني محل الإلهي المتجاوز. ويصل هذا التيار إلى قمته فى حركة الكنعانيين الذين يرون العقيدة اليهودية انحرافاً عن الهوية العبرية السامية. وتُعَدُّ الدولة الصهيونية من أكثر المجتمعات إباحية واستهلاكية على وجه الأرض، وكانت ستُطبَع فيها طبعة عبرية من مجلة بنت هاوس الإباحية وقد استُقبل محررها عند حائط المبكى احتفالاً بهذه المناسبة السعيدة. وتنتشر محلات الأشياء الإباحية في مدينة القدس وتُقام المسرحيات المهرطقة التي لا تعرف حرمة لأي شيء. أما الأحزاب الدينية، فهي أحزاب أقلية لا تمارس نفوذها إلا في رقعة ضيقة جداً من الحياة العامة في إسرائيل، وهي على كل أحزاب تعبِّر عن يهودية تمت علمنتها على يد الصهاينة (أي صهينتها) ، ولذا فهي يهودية المظهر علمانية المخبر. وقد نجحت الصهيونية كذلك في تصعيد معدلات العلمنة بين يهود العالم بحيث حلت الصهيونية محل اليهودية، وأصبحت المشاعر الدينية تعبِّر عن نفسها من خلال التظاهر من أجل إسرائيل وتحرير الشيكات لها (انظر الباب المعنون «الصهيونية التوطينية» ) . وهنا لابد أن نثير قضية أساسية وهي أن النقد العربي العلماني الثوري لإسرائيل والصهيونية يستند إلى أُسس مادية واقتصادية وحسب، باعتبار أن الدولة الصهيونية تقوم باستغلال المواطن العربي. والسؤال هو: ماذا لو أصبحت إسرائيل مفيدة من الناحية الاقتصادية والمادية داخل إطار النظام العالمي الجديد؟ ما أساس رفضها؟ ألا يُفسَّر ذلك سرّ اندفاع الكثيرين الآن نحو إسرائيل؟ ورغم أن الصهيونية بدأت كحركة علمانية صريحة في علمانيتها، إلا أنها لم تكن لتستمر على هذا المنوال للأسباب التالية: 1 ـ من المعروف في تاريخ الحضارة الغربية الحديثة (ومتتالية العلمنة فيها) أن عملية العلمنة لا يمكن أن تتم بشكل واضح وصريح دفعة واحدة، حتى لا تَفزَع الجماهير من وحشية النموذج المطروح (العالم باعتباره مادة استعمالية خالية من القيمة ومجرد من الغاية) ، ولذا نجد أن الخطاب العلماني يتبنَّى ديباجات دينية في المرحلة الأولى (كما هو الحال مع فلسفة إسبينوزا والعقائد الربوبية) لترويج أفكار إلحادية الجوهر إيمانية المظهر. ثم تظهر تنويعات مختلفة على هذا إلى أن نصل إلى التعريفات العرْقية أو الإثنية الوثنية الصريحة. والصهيونية ولا شك، تنتمي إلى هذا النمط. 2 ـ المنظومة العلمانية المادية ترفض فكرة غائية الكون وفكرة ثبات القيمة الأخلاقية ومطلقيتها. فالإنسان موجود في الكون بالصدفة دون هدف أو غاية، والأخلاق تتغير بتغير الزمان والمكان. وكل هذا يخلق ما يُسمَّى «أزمة المعنى» . ولذا، فإن المنظومات العلمانية كثيراً ما تستورد مصطلحات ومفاهيم دينية دون أي التزام بالأعباء الأخلاقية المرتبطة بهذه المفاهيم، وذلك لحل مشكلة المعنى. فالجندي البريطاني الذي كان يقتل الأطفال في أدغال أفريقيا ويأتي على الأخضر واليابس، كان في حاجة إلى ما يبرر أفعاله الوحشية من خلال منظومة مريحة تخبره أنه يقتل دفاعاً عن الحضارة الغربية وأخلاق المحبة المسيحية وأن هذا هو عبء الرجل الأبيض. والصهيونية، أيضاً، حركة قامت باقتلاع مئات الألوف من اليهود من أوطانهم، ونقلتهم إلى أرض معادية داخل مجتمعات تُكن لهم البغض. ولذا، لجأت الصهيونية للعقيدة اليهودية لتحل مشكلة المعنى للمادة البشرية المنقولة. 3 ـ الصهيونية، شأنها شأن أية عقيدة سياسية، تود أن تكتسب شرعية، وأن تُجيِّش الجماهير وراءها. وقد كان هذا أمراً حتمياً بالنسبة للصهيونية، فقد كانت أيديولوجية نشأت في وسط أوربا بين مثقفين يهود غير يهود، مندمجين تماماً، تشربوا الثقافة الألمانية لا مجرد معجبين بها. أما الجماهير اليهودية، فقد كانت في شرق أوربا، وهي جماهير يهود اليديشية. وكانت قطاعات كبيرة منهم إما عميقة الإيمان بالدين أو على الأقل تربطها صلة وثيقة برموزه. ومن ثم، لم يكن هناك مفر من أن تستغل الصهيونية العقيدة اليهودية لتضفي على نفسها صبغة دينية، فلجأت إلى تبنِّي الرموز والأفكار الدينية المألوفة لدى هذه الجماهير بعد علمنتها، إذ أن أية صيغة صريحة في علمانيتها كانت ستفشل حتماً في تجنيدها. وهذا ما عبَّر عنه كلاتزكين حين قال: "إن الدين اليهودي يمكن أن يساهم في بلورة الروح القومية للشعب اليهودي". وقد كان نوردو وهرتزل يدركان أهمية العناصر الدينية في تجنيد الجماهير. ولذا، فعندما فكرا في اختيار العراق مكاناً للاستيطان، فكرا أيضاً في «العناصر الصوفية» المرتبطة به وفي إمكانية الاستفادة منها. ولقد استقر الأمر على فلسطين في نهاية الأمر بسبب عدة عوامل من بينها قوة الأسطورة، أي الاسم في حد ذاته، "ففلسطين هي صرخة عظيمة تجمع اليهود" على حد قول هرتزل. والصهيونية، في هذا، لا تختلف من قريب أو بعيد عن كثير من أيديولوجيات المستوطنين البيض أو النازيين (بل وكثير من أيديولوجيات القومية العلمانية) . فالمستوطنون البيض في جنوب أفريقيا أصحاب أيديولوجية عرْقية بيولوجية حتمية تستبعد السود من نطاق ما هو إنساني وهو ما يتنافى تماماً مع العقيدة المسيحية. ومع هذا، فقد استخدموا ديباجات مسيحية لتسويغ كل أفعالهم، ومن ذلك إبادة الملايين، بل أسسوا كنيسة مسيحية تستبعد السود ولا تسمح لهم بالانضمام لها. وهذا أيضاً ما فعله النازيون الذين كانوا يؤمنون بأيديولوجية حلولية وثنية تماماً تحاول بَعْث التاريخ الألماني قبل دخول المسيحية في ألمانيا وقبل تغلغل أخلاق الضعفاء بين أعضاء الجنس الآري. ولكن النازية، مع هذا، أسَّست كنيسة مسيحية ألمانية بهدف اجتذاب الجماهير لهذه الأيديولوجية دون إفزاعها بالإلحاد الكامن والوثنية المتضمنة. لكل هذا، نجد أن الصيغة الصهيونية التي شاعت هي التي تدور في إطار الحلولية الكمونية العضوية والتي تستخدم ديباجات دينية أو شبه دينية رغم أنها لا يربطها بالدين أي رابط (وهي الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة المُهوَّدة) . المصادر العلمانية للفكر الصهيوني Secular Sources of Zionist Thought تظهر علمانية الصهيونية في مصادرها الفكرية المتنوعة والمتعددة والتي تنتمي كلها للأنساق الفكرية العلمانية الغربية. وقد عبَّرت المنظومة العلمانية عن نفسها من خلال ما نطلق عليه «الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية» التي ترى العالم بأسره مادة نسبية يمكن توظيفها لصالح الإنسان الغربي، وهذه هي الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة، فهي صيغة تستند إلى رؤية إمبريالية (من الناحية المعرفية) تهدف إلى توظيف اليهود (والعرب) باعتبارهم مادة بشرية يمكن نَقْلها واستخدامها، كما تهدف إلى توظيف الطبيعة (الأرض أو فلسطين) باعتبارها مادة طبيعية، إذ لا قداسة ولا حرمة لأي شيء. أما من الناحية الأخلاقية، فإن الصهيونية ممارسة علمانية إمبريالية تقوم على العنف وإبادة السكان الأصليين أو طَرْدهم من أرضهم، وهي تستعين بالإمبريالية الغربية في تنفيذ مخططها، سواء في نَقْل اليهود من بلادهم أو في طَرْد الفلسطينيين من وطنهم. ولكن، إلى جانب هذا الإطار الأساسي العام، تُوجد بعض الأفكار الغربية العلمانية المحددة التي تركت أثراً عميقاً في الفكر الصيهوني، كما شكلت مصادره الأساسية والمباشرة. وفيما يلي المصادر الأساسية للفكر الصهيوني، وسنذكر بعد كل مصدر العناصر التي استقاها النسق الفكري الصهيوني منه، ثم نورد (بين قوسين) عنوان المدخل أو المداخل التي يجد فيها القارئ معالجة مستفيضة للموضوع. 1 ـ الفكر الصهيوني الاسترجاعي ذو الديباجات المسيحية: عودة اليهود ـ فلسطين كمركز تجمُّع لهم ـ اليهود كشعب مختار منبوذ ـ توظيف الديباجات الدينية (انظر: «الأحلام والعقائد الألفية» ـ «العقيدة الاسترجاعية» ) . 2 ـ فكر حركة الاستنارة: رفض سلبية الدين اليهودي وغيبيته ـ رفض خنوع الشخصية اليهودية ـ الإيمان بالتقدم وبأن اليهود حَمَلة التقدم للشرق ـ العودة لن تتم إلا من خلال التخطيط البشري (انظر الباب المعنون «الاستنارة اليهودية» ) . 3 ـ فكر حركة معاداة الاستنارة: الرؤية العضوية ـ أسبقية الأمة على الفرد (انظر: «الشعب العضوي [فولك [» ) . 4 ـ الدولة المطلقة: الدولة هي القيمة المطلقة والقيمة الحاكمة في النسق الصهيوني وهي الإطار الذي ستُوظَّف من خلاله المادة البشرية المنقولة (انظر: «الدولة اليهودية» ـ «بعض الاختلافات الصهيونية بشأن الدولة الصهيونية» (. 5 ـ القومية العضوية أو الشعب العضوي: اليهود يكوِّنون شعباً عضوياً مرتبطاً بأرضه برابطة حلولية عضوية، فلابد أن يعود إليها. ويُلاحَظ أن الدولة القومية هي الإطار الذي يعبِّر الشعب العضوي من خلاله عن نفسه (انظر: «الشعب العضوي المنبوذ «) . 6 ـ الفكر العرْقي العلماني (وخصوصاً معاداة اليهود والفاشية والنازية) : اعتماد العرْق والوراثة (لا الدين) مقياساً ـ تَفوُّق اليهود على العرب ـ الخضوع للعنصر اليهودي المتفوق (انظر الباب المعنون «العنصرية الصهيونية» . وانظر أيضاً الباب المعنون «بعض إشكاليات الإبادة النازية ليهود أوربا» ، والباب المعنون «إشكالية العزلة والخصوصية اليهودية» ) . 7 ـ النيتشوية: اليهود كأمة متفوقة (سوبر أمة) ـ العنف كآلية حتمية للبقاء ـ رفض أخلاق الضعفاء (الدينية) واعتماد إرادة القوة باعتبارها المطلق الأخلاقي الوحيد (انظر: «النيتشوية والصهيونية» ) . 8 ـ الداروينية أو التطورية: البقاء (المادي) هو القيمة الوحيدة المطلقة ـ سيحقق اليهود البقاء باعتبارهم العنصر الأصلح والأقوى ـ بقاء الشعب اليهودي هو الهدف من الوجود ـ اليهود أهم من اليهودية (انظر: «الداروينية الاجتماعية» ) . 9 ـ الرومانسية: العودة للأرض كمطلق ـ عبادة الفعل الجسدي المباشر ـ كرامة العمل اليدوي (انظر الباب المعنون «الصهيونية العمالية» ) . 10 ـ البرجماتية: اليهود أكثر حركية من العرب، ولذا فإن الأرض تصبح من حقهم، وعلى العرب الرضوخ للأمر الواقع (انظر: «هوراس كالن والبرجماتية» ) 11 ـ النفعية أو نَفْع اليهود: اليهود كعنصر وظيفي استيطاني يمكن توظيفه ـ الدولة الصهيونية الوظيفية (انظر: «نَفْع اليهود» ـ انظر أيضاً الباب المعنون «الدولة الصهيونية الوظيفية» ) . 12 ـ الليبرالية والرأسمالية: المشروع الصهيوني مشروع رأسمالي استعماري ـ المشروع الصهيوني سيصرف الشباب اليهودي عن الحركات الاشتراكية (انظر: «الصهيونية العامة» ـ «الصهيونية التصحيحية» ) . 13 ـ الفكر الاشتراكي: المشروع الصهيوني مشروع اشتراكي تعاوني ـ إسرائيل دولة اشتراكية ستقوم بتثوير المنطقة ـ ستقوم الصهيونية بشفاء اليهود من أمراض الطفيلية (انظر: «الصهيونية العمالية» ) . وبإمكان القارئ أن يعود إلى الباب المعنون «إشكالية علاقة اليهودية بالصهيونية» . الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية والصهيونية Secular Imperialist Epistemological Outlook and Zionism ثمة علاقة بنيوية بين الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية والتشكيل الاستعماري الغربي من جهة والصهيونية من جهة أخرى: 1 ـ فالرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية منظومة تركز على هذه الدنيا فتراها في إطار الواحدية المادية وترى أن هدف الإنسان في الكون هزيمة الطبيعة والإنسان وحوسلتهما وتسخيرهما، وهي تقوم بترشيد الإنسان والمجتمع على هدي هذه المنظومة. وهذا ما فعلته الصهيونية بفلسطين، واليهود والعرب، فقد فرضت الواحدية المادية على فلسطين ورشَّدتها وحولتها من أرض مقدَّسة (صهيون) إلى مكان غير مقدَّس للاستيطان كما رشَّدت اليهود والعرب وحولتهم إلى مادة بشرية تُنقَل من مكان إلى آخر، فاليهود مادة استيطانية نافعة تُنقَل من أوربا إلى فلسطين، أما العرب فهم مادة بشرية لا نفع لها، ولذا فهي تُطرَد من فلسطين. 2 ـ تستبعد الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية أي إيمان بأية حدود ويأخذ هذا شكل النزعة المشيحانية في الصهيونية وما يُسمَّى «دحيكات هاكتس» ، أي «التعجيل بالنهاية» . 3 ـ الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية تجعل الإنسان الغربي مركز الكون وتُسبغ عليه محورية وقداسة ومطلقية فهو صاحب رسالة حضارية تُسمَّى عبء الرجل الأبيض. وهذا ما فعلته الصهيونية مع اليهود الذين تحولوا إلى شعب مختار بالمعنى المادي العلماني. 4 ـ مركزية الإنسان تمنحه حقوقاً مطلقة وتجعله المرجعية الوحيدة. وهذا ما فعلته الصهيونية مع اليهود إذ جعلتهم شعباً عضوياً يرتبط ارتباطاً عضوياً بأرضه وتراثه وهو ما يعطيه حقوقاً مطلقة في هذه الأرض يمكنه بمقتضاها أن ينقل سكانها بعيداً عنها أو يوظفهم في خدمته، ثم يستورد إلى هذه الأرض من يشاء من البشر (المهاجرين السوفييت) ويمنع عنها من يشاء (الفلسطينيين العرب) . 5 ـ المنظومة العلمانية الإمبريالية تنكر الآخر وأىة منظومات قيمية أخلاقية إلا أخلاق القوة وهذا يتضح في النزعة النيتشوية القوية في الفكر الصهيوني (انظر: «النيتشوية والصهيونية» ـ «المصادر العلمانية للفكر الصهيوني» ) . 6 ـ الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية مبنية على تصدير المشاكل للخارج بحيث يدفع بقية العالم فواتير التقدم الأوربي. والحل الصهيوني بهذا المعنى هو حل إمبريالي مبني على تصدير المسألة اليهودية إلى فلسطين لحل مشاكل أوربا وتوظيف العنصر البشري لصالحها. أما على المستوى السياسي فقد قامت الإمبريالية الغربية بتأسيس الدولة الصهيونية بحيث أصبحت قاعدة للاستعمار الغربي تدين له ببقائها وتقوم على خدمته فهي دولة وظيفية تابعة للإمبريالية الغربية. |