المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
|
(الْمَسْجِد) الْجَبْهَة حَيْثُ يكون ندب السُّجُود (ج) مَسَاجِد والمساجد من بدن الْإِنْسَان الْأَعْضَاء الَّتِي يسْجد عَلَيْهَا وَهِي الْجَبْهَة وَالْأنف وَالْيَدَانِ وَالرُّكْبَتَانِ وَالْقَدَمَانِ
(الْمَسْجِد) مصلى الْجَمَاعَة وَالْمَسْجِد الْحَرَام الْكَعْبَة وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى مَسْجِد بَيتالْمُقَدّس وَفِي التَّنْزِيل الْعَزِيز {{سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى}} (ج) مَسَاجِد |
|
مسجد:[في الانكليزية] Mosque ،place of prayer [ في الفرنسية] Mosquee ،lieu de priere
في اللغة الفارسية: مكان السّجود. ولكن في اصطلاح العلماء. وبفتح الجيم هو موضع السجود أينما كان. وبكسر الجيم فهو مكان معيّن موقوف لأداء الصلاة. وفي اصطلاح السّالكين: هو مظهر التجلّي الجمالي، وقيل عتبة الشيخ والمرشد. كذا في كشف اللغات. |
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
المَسْجِدَانِ:
إذا أطلق هذا اللفظ أريد به مسجدا مكة والمدينة، وأما مساجد المدن الجوامع فتذكر مع المدن. |
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
مَسْجِدُ ابن رَغْبَانَ:
في غربي بغداد كان مزبلة، قال بعض الدهاقين: مرّ بي رجل وأنا واقف عند المزبلة التي صارت مسجد ابن رغبان قبل أن تبنى بغداد فوقف عليها وقال: ليأتينّ على الناس زمان من طرح في هذا الموضع شيئا فأحسن أحواله أن يحمل ذلك في ثوبه، فضحكت تعجّبا، فما مرّت إلا أيام حتى رأيت مصداق ما قال. |
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
مَسْجِدُ التّقوى:
قيل: لما قدم النبي، صلّى الله عليه وسلّم، مهاجرا نزل بقباء على بني عمرو بن عوف فأقام فيهم يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس وأسّس مسجده ثم أخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجمعة، وذكر ابن أبي خيثمة أن رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، حين أسّسه كان هو أول من وضع حجرا بيده في قبلته ثم جاء أبو بكر بحجر فوضعه ثم جاء عمر بحجر فوضعه إلى جنب حجر أبي بكر ثم أخذ الناس في البنيان، وهذا المسجد أول مسجد بني في الإسلام، وفيه وفي أهله نزلت: فيه رجال يحبون أن يتطهّروا، وهو على هذا المسجد الذي أسّس على التقوى وإن كان روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، سئل عن المسجد الذي أسّس على التقوى فقال: هو المسجد هذا، وفي رواية أخرى قال: وفي الآخر خير كثير، وقد قال لبني عمرو بن عوف حين نزل: لمسجد أسّس على التقوى من أول يوم، ما الطهور الذي أثنى الله به عليكم؟ فذكروا له الاستنجاء بالماء بعد الاستجمار، قال: هو ذاكم فعليكموه، وليس بين الحديثين تعارض كلاهما أسّس على التقوى غير أن قوله من أول يوم يقتضي مسجد قباء لأن تأسيسه كان في أول يوم من حلول رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، دار هجرته وهو أول التاريخ للهجرة المباركة ولعلم الله تعالى بأن ذلك اليوم سيكون أول يوم من التاريخ سمّاه أول يوم أرّخ فيه في قول بعض الفضلاء، وقد قال بعضهم: إن ههنا حذف مضاف تقديره تأسيس أول يوم، والأول أحسن. |
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
المَسْجِدُ الحَرَامُ:
الذي بمكة كان أول من بناه عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ولم يكن له في زمن النبي، صلّى الله عليه وسلّم، وأبي بكر جدار يحيط به، وذاك أن الناس ضيّقوا على الكعبة وألصقوا دورهم بها فقال عمر: إن الكعبة بيت الله ولا بدّ للبيت من فناء وإنكم دخلتم عليها ولم تدخل عليكم، فاشترى تلك الدور وهدمها وزادها فيه وهدم على قوم من جيران المسجد أبوا أن يبيعوا ووضع لهم الأثمان حتى أخذوها بعد واتخذ للمسجد جدارا دون القامة فكانت المصابيح توضع عليه، ثم كان عثمان فاشترى دورا أخر وأغلى في ثمنها وأخذ منازل أقوام أبوا أن يبيعوها ووضع لهم الأثمان فضجوا عليه عند البيت فقال: إنما جرّأكم عليّ حلمي عنكم وليني لكم، لقد فعل بكم عمر مثل هذا فأقررتم ورضيتم، ثم أمر بهم إلى الحبس حتى كلمه فيهم عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص فخلّى سبيلهم، ويقال: إن عثمان أول من اتخذ الأروقة حين وسع المسجد وزاد في سعة المسجد، فلما كان ابن الزبير زاد في إتقانه لا في سعته وجعل فيه عمدا من الرخام وزاد في أبوابه وحسّنها، فلما كان عبد الملك بن مروان زاد في ارتفاع حائط المسجد وحمل إليه السواري من مصر في البحر إلى جدّة واحتملت من جدّة على العجل إلى مكة، وأمر الحجّاج بن يوسف فكساها الديباج، فلما ولي الوليد بن عبد الملك زاد في حليتها وصرف في ميزابها وسقفها ما كان في مائدة سليمان بن داود، عليه السلام، من ذهب وفضة وكانت قد حملت على بغل قوي فتفسّخ تحتها فضرب منها الوليد حلية الكعبة، وكانت هذه المائدة قد احتملت إليه من طليطلة بالأندلس لما فتحت تلك البلاد، وكان لها أطواق من ياقوت وزبرجد، فلما ولي المنصور وابنه المهدي زادا أيضا في إتقان المسجد وتحسين هيئته ولم يحدث فيه بعد ذلك عمل إلى الحين، وفي اشتراء عمر وعثمان الدور التي زاداها في المسجد دليل على أن رباع أهل مكة ملك لأهلها يتصرفون فيها بالبيع والشراء والكراء إذا شاءوا، وفيه اختلاف بين الفقهاء. |
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
مسجدُ سِمَاك:
بالكوفة منسوبة إلى سماك بن مخرمة ابن حمين بن بلث الأسدي من بني الهالك بن عمرو ابن أسد بن خزيمة بن مدركة، وفي سماك هذا يقول الأخطل: إنّ سماكا بنى مجدا لأسرته ... حتى الممات، وفعل الخير يبتدر قد كنت أحسبه قينا وأخبره، ... فاليوم طيّر عن أثوابه الشّرر |
|
مَسْجِد
من (س ج د) مكان الصلاة. |
دستور العلماء للأحمد نكري
|
تَحِيَّة الْمَسْجِد: سنة عندنَا وواجبة عِنْد غَيرنَا وَيَكْفِي لتحية الْمَسْجِد رَكْعَتَانِ ثمَّ اخْتلفُوا فِي أَنه يجلس ثمَّ يقوم وَيُصلي تَحِيَّة الْمَسْجِد أَو يُصَلِّي قبل أَن يجلس قَالَ بَعضهم يجلس ثمَّ يقوم. وَعَامة الْعلمَاء قَالُوا يُصَلِّي كلما دخل الْمَسْجِد كَذَا فِي الظهيري.
|
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الْمَسْجِد: بِفَتْح الْمِيم وَكسر الْجِيم أَو فتحهَا ظرف من سجد يسْجد على نصر ينصر - وَالْقِيَاس فِي هَذَا الْبَاب مَجِيء الظّرْف بِفَتْح الْعين. وَلِهَذَا قَالُوا إِن الْمَسْجِد بِفَتْح الْجِيم قِيَاس وبكسرها على خِلَافه كالمشرق وَالْمغْرب. وَلَا فرق بَينهمَا على ظَاهر مَا قَالَه الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح أَن الْمَسْجِد وَاحِد الْمَسَاجِد لِأَنَّهُ يفهم من ظَاهر هَذَا الْكَلَام أَن الْمَسْجِد بِالْمَعْنَى الْمَشْهُور يجوز فِيهِ الْفَتْح وَالْكَسْر. وَفِي شمس الْعُلُوم أَن الْمَسْجِد بِفَتْح الْمِيم وَالْجِيم مَوضِع السُّجُود من الأَرْض وبكسر الْجِيم بَيت الصَّلَاة.وَاعْلَم أَن الْمَسْجِد الْكَبِير مثل الْمَسْجِد الْجَامِع كَذَا فِي الْمُحِيط. وَفِي بعض شُرُوح الْمُخْتَصر الصَّغِير أقل من جريب.
|
|
المسجد: موضع السجود، وهو أخفض محط القائم.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
تحيَّة المسجد: هو ما يصلي عند دخول المسجد تحيةً لرب المسجد.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
عَرش المسجد: سَقْفة والسقْفُ من البيت أعلاه مقابلاً لأرضه.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
فَناءِ المسجد: هو المكانُ المتصل به ليس بينه وبينه طريق كذا في الكبيري.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
مَسْجد البيت: هو الموضعُ المُعدّ لصلاة في البيت خصوصاً لصلاة المرأة وهو ليس بمسجد حقيقة فلا يزول الملك فيه.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
المَسْجد الجامع: هوالمسجد الكبيرُ العام.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
المسجد الحرام: هو الكعبةُ، والمسجد الأقصى: هو جامع في القُدس بجوار جامع الإمام عمر رضي الله عنه، والمسجدان: مسجدُ مكة المكرمة ومسجدُ المدينة المنورة.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
المسجد الخاص: هو مسجد المحلَّة، وفي "رد المختار": والمراد به ما له إمام وجماعةٌ معلومون وهو المسجد الراتب ومسجد الجماعة.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
مسجد السوق: وأيضاً مسجد الطريق ما لم يكن له إمام ولا مؤذن راتب ولا جماعة معلومون.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
المسجد الضرار: مسجد اتّخذه المنافقون ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله فيه: {{لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا}} [التوبة:108] فهدمه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأحرقه فهو مسجدٌ خاص، نعم يُلحق به في الذمَّ وعدم الثواب كل مجسد بُني مباهاة أو رياء أو سمعة أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله تعالى، أو بمال غير طيب كذا في المدارك لكن ليس هو مسجد ضرار حقيقة حتى يهدم ويحرق والله أعلم.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
المسجد الكبير: حَدّه أن يكون طوله خمساً وعشرين خُطوة وعرضه من المحراب إلى حد الصحن خمس عشرة خطوة وفي رواية طوله ستّون ذراعاً وعرضه ثلاثون ذراعاً كذا في نوازل الفقيه أبي الليث رحمه الله تعالى.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
ومقصورةُ المسجد: مقامُ الأمير والإمام فيه.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
المقصورة الشريفة بالمسجد النبوي: هي الإحاطة التي فيها قبرُ النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبرُ صاحبيه رضي الله تعالى عنهما.
|
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
إتحاف الأخصا، بفضائل المسجد الأقصى
مختصر. أوله: (الحمد لله الذي جلت نعماؤه... الخ). للشيخ، المحقق، كمال الدين: محمد بن محمد بن أبي شريف الشافعي، المصري. (المتوفى: سنة ست وتسعمائة). ألفه: في مجاورته بالقدس، سنة 875. ورتب على: سبعة عشر بابا. معتمدا في نقله على: (الروض المغرس)، لثقة مؤلفه. فصار عمدة ما فيه. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
بذل العسجد، لسؤال المسجد
رسالة. للشيخ، جلال الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي. المتوفى: سنة 911، إحدى عشرة وتسعمائة. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
التحفة اللطيفة، في أنباء المسجد الحرام والكعبة الشريفة - شرفها الله تعالى -
لمحب الدين: جار الله بن عبد العزيز بن عمر المكي. المتوفى: سنة 954، أربع وخمسين وتسعمائة. قلت: وهو ابن فهد، المذكور آنفا. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
تحفة المحب للمحبوب، في تنزيه مسجد الرسول عن كل خصي ومجبوب
رسالة. للشيخ، شمس الدين: محمد بن زين الدين، الخطيب بالحرم النبوي. أولها: (الحمد لله الفتاح العليم... الخ). كتبها: للسلطان: سليم، وسليمان. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
تمكين المقام، في المسجد الحرام
للشيخ: علي دده بن الحاج مصطفى البسنوي. وهو رسالة. ألفها لما صار مأمورا لتجديد المقام الإبراهيمي من قبل السلطان: مراد خان، سنة 1001، إحدى وألف. ورتب على: أربعة أركان، وخاتمة. الأول: في سبب نزول الآيات فيه. والثاني: فيما ورد في فضل الصلاة فيه. الثالث: فيما ورد في أسرار المقام. الرابع: في أوائل المقامات. الخاتمة: فيما قيل في مدحه. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
تنزيه المسجد الحرام، عن بدع جهلة العوام
للقاضي، أبي البقا: أحمد بن الضياء القرشي، المكي، الحنفي. المتوفى،: سنة 854، أربع وخمسين وثمانمائة. وهو: رسالة. في كراسة. ثم اختصرها. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
الجامع المستقصى، في فضائل المسجد الأقصى
للحافظ، أبي القاسم: علي بن الحسن، الشهير: بابن عساكر، الدمشقي. الصحيح أنه لولده: قاسم بن علي، المتوفى: سنة 600. المتوفى: سنة 517، سبع عشرة وخمسمائة، (571). |
سير أعلام النبلاء
|
ذكر الاسراء برسول اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى المَسْجِدِ الأقصى:
قال موسى بن عقبة، عن الزهري: أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس قبل الهجرة بسنة. وكذا قال ابْنُ لَهِيْعَةَ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ. وقال أبو إسماعيل الترمذي: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن الضحاك الزبيدي بن زبريق، قال: حدثا عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم، عن الزبيدي محمد بن الوليد، قال: حدثنا الوليد بن عبد الرحمن، أن جبير بن نفير قال: حدثنا شداد بن أوس، قال: قلنا يا رسول الله كيف أسري بك؟ قال: "صليت لأصحابي صلاة العتمة بمكة معتما، فأتاني جبريل بدابة بيضاء فوق الحمار ودون البغل، فقال: اركب، فاستصعب عليّ، فرازها1 بأذنها، ثم حملني عليها، فانطلقت تهوي بنا، يقع حافرها حيث أدرك طرفها، حتى بلغنا أرضا ذات نخل، فأنزلني فقال: صل. فصليت، ثم ركبنا، فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم. قال: صليت بيثرب، صليت بطيبة. فانطلقت تهوي بنا، يقع حافرها حيث أدرك طرفها، ثم بلغنا أرضا، فقال: انزل فصل. ففعلت، ثم ركبنا. قال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم. قال صليت بمدين عند شجرة موسى -عليه السلام- ثم انطلقت تهوي بنا، يقع حافرها حيث أدرك طرفها، ثم بلغنا أرضا بدت لنا قصور، فقال: انزل، فصليت وركبنا. فقال لي: صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى. ثم انطلق بي حتى دخلنا المدينة من بابها اليماني، فأتى قبلة المسجد فربط فيه دابته، ودخلنا المسجد من باب فيه تميل الشمس والقمر، فصليت من المسجد حيث شاء الله، وأخذني من العطش أشد ما أخذني، فأتيت بإناءين لبن وعسل، أرسل إليَّ بهما جميعا، فعدلت بينهما، ثم هداني الله فأخذت اللبن، فشربت حتى قرعت2 به جبيني، وبين يدي شيخ متكئ على مثراة له، فقال: أخذ صاحبك الفطرة إنه ليهدى. ثم انطلق بي حتى أتينا الوادي الذي في المدينة فإذا جهنم تنكشف عن مثل الزرابي"3. قلت: يا رسول الله، كيف وجدتها؟ قال: "مثل الحمأة4 السخنة. ثم انصرف بي، فمررنا بعير لقريش، __________ 1 رازها: أي اختبرها. 2 قرعت: أي ضربه، يعني أنه شرب جميع ما فيه. 3 الزرابي: واحدتها الزربية: وهي الطنفسة، وقيل: البساط ذو الخمل. وتكسر زايها وتفتح وتضم. 4 الحمأة والحمأ: اللين الأسود المنتن. قال أبو عبيدة: واحدة الحمإ حمأة كقصبة، واحدة القصب. |
سير أعلام النبلاء
|
قصة بناء المسجد:
قال أبو التياح، عن أنس: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملأ بني النجار فجاءوا فقال: "يا بني النجار، ثامنوني بحائطكم هذا". قالوا: لا والله، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله. فكان فيه ما أقول لكم: كان فيه قبور المشركين، وكان فيه خرب ونخل. فامر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، وبالنخل فقطع. فصفوا النخل قبلة، وجعلوا عضادتيه حجارة، وجعلوا ينقلون الصخر، وهم يرتجزون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم، ويقولون: اللهم لا خير إلا خير الآخره ... فانصر الأنصار والمهاجره متفق عليه1. وفي رواية: فاغفر للأنصار. وقال موسى بن عقبة, عن ابن شهاب، في قصة بناء المسجد: فطفق هو وأصحابه ينقلون اللبن، ويقول وهو ينقل اللبن معهم: هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر ويقول: اللهم لا خير إلا خير الآخره ... فارحم الأنصار والمهاجره قال ابن شهاب: فتمثل رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعر رجل من المسلمين لم يسم في الحديث. ولم يبلغني في الحديث أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تمثل ببيت شعر غير هذه الأبيات. ذكره البخاري في صحيحه. وقال صالح بن كيسان: حدثنا نافع أن عبد الله أخبره أن المسجد كان عَلَى عَهْدِ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مبنيا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل. فلم يزد فيه أبو بكر شيئا. وزاد فيه عمر، وبناه على بنيانه فِي عَهْدِ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ باللبن والجريد، وأعاد عمده خشبا. وغيره __________ 1 صحيح: أخرجه الطيالسي "2085"، وأحمد "3/ 211-212"، والبخاري "428" و"1868" و"2106" و"2771" و"2774" و"2779" و"3932"، ومسلم "524" "9"، وأبو داود "453"، والنسائي "2/ 39-40"، والبيهقي "2/ 438"، والبغوي "3765" من طرق عن عبد الوارث بن سعيد، عن أبي التياح، به. |
سير أعلام النبلاء
|
4727- المَسْجِدي 1:
الشَّيْخُ الصَّالِحُ المُسْنِدُ، أَبُو القَاسِمِ سَهْلُ بنُ إبراهيم النيسابوري المسجدي، ويعرف أيضًا: بالسبعي. رَوَى عَنْ: أَبِي مُحَمَّدٍ الجُوَيْنِيّ الفَقِيْه، وَأَبِي حَفْصٍ بنِ مَسْرُوْر، وَعَبْدِ الغَافِرِ بنِ مُحَمَّدٍ الفَارِسِيِّ، وَأَبِي عُثْمَانَ الصَّابونِي، وَأَبِي سَعْدٍ الطَّبِيْب، وَوجيه بن أَبِي الطّيب. رَوَى عَنْهُ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ، وَحَفِيْدُهُ مُحَمَّد بن أَحْمَدَ المَسْجِدِي، وَعبدُ المُنْعِم بن الفُرَاوِي، وَعبد الرَّحْمَن بن أَبِي القَاسِمِ الشّعرِي، وَأَبُو سَعْدٍ عَبْدُ اللهِ بن عُمَرَ الصَّفَّار، وَابْنُ يَاسِر الجيَّانِي، وَغَيْرهُم. وَقِيْلَ لَهُ: المَسْجِدِي، لأَنَّه كَانَ خَادِمَ مَسْجِدِ الْمُطَرز، وَكَانَ دَيِّناً خَيراً، عَالِيَ الإِسْنَاد، وَكَانَ وَالِدُهُ قَدْ عُرِفَ بتِلاَوَة سُبْعٍ كُلَّ يَوْمٍ، وَكَانَ وَلدُهُ أَحْمَد بن سَهْل يَرْوِي عَنْ: يَعْقُوْب بن أَحْمَدَ الصَّيْرَفِيّ. مَاتَ سهل سَنَة بِضْع وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ، وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي "تاريخ الإسلام" تقريبًا في اثنتين وعشرين. __________ 1 ترجمته في الأنساب للسمعاني "7/ 32"، واللباب لابن الأثير "2/ 100". |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
*مسجد إشبيلية الجامع قام بإنشائه الخليفة الموحدى يوسف بن عبد المؤمن، عندما رأى أن جامع عمر بن عدبَّس، الذى بناه عبد الرحمن الأوسط سنة (214 هـ) لم يعد يفى بحاجات أهل إشبيلية بعد أن زاد عددهم.
عَهِد الخليفة إلى أكبر مهندسى عصره وهو أحمد بن باسه وضع تصميم المسجد، وكان يتفقد مراحل بنائه بنفسه فى أكثر الأيام ومعه شيوخ دولته، إلى أن تمَّ الانتهاء من بنائه فى شعبان سنة (571 هـ)، واستغرق بناؤه نحو أربعة أعوام. وتوجد الآن فى موضع المسجد كاتدرائية ضخمة، تبلغ مساحتها (8816 م2)، ولا يتبقى من المسجد إلا مئذنته. |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
*المسجد الأقصى ثانى مسجد بنى فى الأرض بعد المسجد الحرام، وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
يقع بالأرض المقدسة بفلسطين. ورد ذكره فى القرآن الكريم فى قوله تعالى: (سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذى باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير (. كما ورد ذكره فى كثير من الأحاديث النبوية، منها مارواه البخارى فى صحيحه عن النبى - صلى الله عليه وسلم -: لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدى هذا. وقيل: إن الذى بنى المسجد الأقصى هو آدم، عليه السلام. ثم جدد بناءه إبراهيم، عليه السلام، وأول من جدده بعد بعثة النبى محمد (هو عمر بن الخطاب سنة (15 هـ). وقد مرَّ المسجد بالعديد من التجديدات والترميمات فى مختلف العصور. وظلَّ أسيرًا فى يد الصليبيين نيفًا وتسعين سنة، حتى استرده صلاح الدين الأيوبى سنة (583 هـ)، ولمَّا احتل اليهود أرض فلسطين سنة (1948م) قاموا باعتداءات متكررة عليه، منها قيامهم بإحراق المسجد فى أغسطس سنة (1969 م)، وبسلسلة من الحفريات تحته وحوله منذ سنة (1967 م) وحتى يومنا هذا. |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
*مسجد دمشق شيده الخليفة الأموى الوليد بن عبد الملك فوق كنيسة يوحنا المعمدان، التى كانت مبنية داخل معبد رومانى، وعوض النصارى عن تلك الكنيسة تعويضًا سخيًّا.
واستغرق بناء المسجد أكثر من تسع سنوات، من سنة (86 هـ) حتى سنة (96 هـ)، وأُنفق عليه أربعمائة صندوق، فى كل صندوق أربعة عشر ألف دينار. ويتألف مسجد دمشق من صحن أوسط مكشوف، يشغل القسم الغربى منه قبة بيت المال، التى تقوم فوق ثمانية أعمدة جرانيتية. أمَّا القسم الشرقى فيشغله قبة الساعات التى أُنشئت فى عام (400 هـ)، وتحيط به أربعة أروقة، أكبرها رواق القبلة الجنوبى. وبالمسجد تسعة أبواب، وثلاث مآذن. وكانت جميع سقوف الأروقة وجدرانها وبطون العقود والدهاليز والأقسام العليا من رواق القبلة مكسوة إلى ارتفاع سبعة أمتار برسوم من الفسيفساء. إلا أن المسجد تعرض على مر الزمان لأضرار بالغة، فقد احترق خمس مرات، وأُعيد بناؤه، مما أفقده كثيرًا من عناصره المعمارية الأولى، وإن احتفظ بتخطيطه الأول. |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
*مسجد السلطان حسن بدأ السلطان حسن عمارته سنة (757 هـ)، واستمر العمل فيه ثلاث سنوات دون انقطاع.
والمسجد لايزال موجودًا بميدان محمد على تجاه باب العزب من قلعة الجبل. وهو أضخم مساجد مصر عمارة، وأعلاها بنيانًا، وأكثرها فخامة، وأحسنها شكلاً، وأجمعها لمحاسن العمارة، وأدلها على عِظَم الهمَّة، وغاية الكد الذى بذل فى إنشائه. ويبلغ طول المسجد (150) مترًا، وعرضه (68) مترًا، ومساحته (7906) أمتار مربعة، وارتفاعه عند بابه (37. 70) سنتيمترًا، وعلى جوانب صحن الجامع أربعة إيوانات معدة لإقامة الشعائر الدينية. وفى كل زاوية من زواياه باب يوصل إلى إحدى المدارس الأربع التى شيدها منشئ الجامع ليدرِّس فى كل مدرسة منها مذهب من مذاهب الفقه الأربعة المشهورة. وإيوانه الشرقى من أكبر الإيوانات، سقفه معقود عقدًا ستينيًّا فوق نصف الدائرة، وهو أكبر عقد بنى على إيوان بمصر. والإيوانات الثلاثة الأخرى، سقف كل واحد منها على شكل نصف أسطوانة من الحجر، ومساحتها متقاربة، وفى وسط الإيوان الشرقى محراب جميل، وعن يمينه منبر من الرخام الأبيض، وبجانبى القبلة، التى تقع فى الوجهة الشرقية بابان يوصلان إلى القبة العظيمة، التى تبلغ مساحتها (751) مترًا مربعًا، وارتفاع جدرانها (30. 20) سنتيمترًا، إلى مبدأ القبة التى تبلغ ذروتها (48) مترًا. وبالجانب القبلى الشرقى المنارتان العظيمتان، اللتان يبلغ ارتفاع كبراهما (81. 60) سنتيمترًا. وبالجملة، فإن مسجد السلطان حسن من أروع الآثار الإسلامية، فجميع الزخارف وآثار الصناعة فى داخل المسجد وخارجه تسترعى النظر، وخاصة عند بوابة الدخول العامة والوجهة القبلية الشرقية التى تعلوها المنارتان والرفرف الكبير المركَّب من ستة مداميك مقرنصة، والعلو الشامخ فى سائر الوجهات مع ما فيها من النوافذ على ثمانى طبقات. وهو من أهم المساجد التى يحرص على زيارتها السائحون. |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
*مسجد السليمانية شيده المهندس العثمانى سنان، أعظم المعماريين، فى الفترة من سنة (957 - 964 هـ)، وأروع ملامح المسجد القبة الرئيسية، التى يبلغ قطرها (26.
50) سنتيمترًا، وارتفاعها (53) مترًا، وهى أطول قباب إستانبول ارتفاعًا بعد آياصوفيا، وترتكز القبة على أربع دعامات ضخمة، ولزيادة اتساعها من ناحية المدخل والقبلة أُضيف إليها نصف قبة من كل ناحية بارتفاع (40) مترًا، ثم وسعت هاتان المنطقتان بحنيات ركنية إضافية، أمَّا المساحتان الموجودتان إلى اليمين واليسار فقد غطيت كل منها بخمس قباب. ويوجد بالمسجد شمعدانات ضخمة بقياس قامة الرجل من النحاس الأصفر الأصلى، ومرصعة بالذهب الخالص، وكل واحد منها يزن (20) قنطارًا، وحول سقف القبة فى الداخل صفان من الرواق يقومان على عواميد ويضاءان بعدد كبير من المصابيح بلغ نحو (22) ألف مصباح، وفيه كذلك عدة آلاف من قطع الزينة معلقة بالسقف. وبلغ عدد الخدم المعينين لخدمة المسجد ثلاثة آلاف خادم. |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
*مسجد قرطبة الجامع قام بإنشائه عبد الرحمن الداخل فى أواخر أيامه سنة (170 هـ)، فى الطرف الجنوبى لمدينة قرطبة، وجلب إليه الأعمدة الفخمة والرخام المنقوش بالذهب واللازورد، لكنه تُوفِّى قبل إتمامه، فأتمه ولده هشام، وزاد فيه من بعده ملوك بنى أمية، حتى غدا أعظم مساجد الأندلس.
وبلغ ما أنفقه عليه عبد الرحمن الداخل وحده، مائة ألف دينار. ومازال المسجد قائمًا حتى اليوم بكامل أروقته ومحاريبه، لكنه تحول منذ القرن السادس عشر الميلادى إلى كنيسة قرطبة العظمى، وعلى الرغم من أن الهياكل قد أقيمت فى جميع عقوده الجانبية، وأقيم فى وسطه مصلَّى عظيم على شكل صليب، فإنه مازال يحمل بالإسبانية اسمه القديم المسجد الجامع. وقد أزيلت قبابه ومعظم زخارفه الإسلامية، لتحل مكانها الزخارف النصرانية، ولكن محاريبه الفخمة مازالت تحتفظ بنقوشها الإسلامية، وآياتها القرآنية. ويقع المسجد وسط شبكة من الدروب الأندلسية القديمة، على مقربة من القنطرة الرومانية العربية القائمة على نهر الوادى الكبير. ويبلغ طوله (185) مترًا، وعرضه (135) مترًا. وله عدة أبواب كبيرة فخمة، مازالت تحتفظ بكثير من نقوشها الإسلامية. |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
*المسجد النبوى هو مسجد يقع وسط المدينة المنورة، بناه النبى - صلى الله عليه وسلم - منذ أن قدم إلى المدينة، وألحق به مساكن لزوجاته، وجعل تخطيطه على هيئة فناء مربع متساوى الأضلاع تقريبًا، يبلغ طول ضلعه نحو (70) ذراعًا، وتحف به جدران أربعة، ارتفاع كل منها نحو (7) أذرع، ويتجه أحد جوانبه نحو المسجد الأقصى فى الشمال، والجانب المقابل نحو الكعبة المشرفة فى الجنوب.
وجُعلت القبلة فى الجدار الشمالى من حجارة منضودة بعضها فوق بعض. وبعد نحو سبع سنوات من الهجرة سنة (7 هـ) ضاق المسجد بالمصلين، فأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بتوسعته، فأصبح طول كل ضلع بالمسجد (100) ذراع. ولم يكن المسجد يشتمل فى ذلك الوقت على مئذنة، إذ كان المؤذن ينادى للصلاة من فوق سطح أحد البيوت العالية المجاورة للمسجد. وصار تصميم المسجد النبوى بالمدينة نموذجًا للمساجد الجامعة، التى أسسها المسلمون فى المدن المفتوحة. وفى عهد الوليد بن عبد الملك أُعيد بناء المسجد النبوى إعادة شاملة، على يد عمر بن عبد العزيز، واليه على المدينة، سنة (91 هـ)، وعندما تولى المهدى العباسى الخلافة أمر بعمارة المسجد سنة (160 هـ)؛ فوسعه باتجاه الشمال بنحو (30) مترًا، وفتح بابين جديدين فى الجدار الشمالى. وفى عصر المماليك تم تزويد الحجرة النبوية بقبة، وفى عهد السلطان عبد المجيد، تمت إعادة بناء المسجد وزخرفته وفق الطراز العثمانى، وفى العصر الحديث قامت المملكة العربية السعودية بتوسعة المسجد وعمارته. |
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - الْمَسْجِدُ فِي اللُّغَةِ: بَيْتُ الصَّلاَةِ، وَمَوْضِعُ السُّجُودِ مِنْ بَدَنِ الإِْنْسَانِ وَالْجَمْعُ مَسَاجِدُ (1) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عُرِّفَ بِتَعْرِيفَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا: أَنَّهَا الْبُيُوتُ الْمَبْنِيَّةُ لِلصَّلاَةِ فِيهَا لِلَّهِ فَهِيَ خَالِصَةٌ لَهُ سُبْحَانَهُ وَلِعِبَادَتِهِ (2) . وَكُل مَوْضِعٍ يُمْكِنُ أَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ فِيهِ وَيُسْجَدَ لَهُ (3) ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جُعِلَتْ لِي الأَْرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا (4) . وَخَصَّصَهُ الْعُرْفُ بِالْمَكَانِ الْمُهَيَّأِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، لِيَخْرُجَ الْمُصَلَّى الْمُجْتَمَعِ فِيهِ لِلأَْعْيَادِ وَنَحْوِهَا، فَلاَ يُعْطَى حُكْمَهُ، وَكَذَلِكَ الرُّبُطُ وَالْمَدَارِسُ فَإِنَّهَا هُيِّئَتْ لِغَيْرِ ذَلِكَ (5) . __________ (1) المصباح المنير. (2) تفسير النسفي 4 / 1 - 3 ط. دار الكتاب العربي - بيروت. (3) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 2 / 78 ط. دار الكتب المصرية 1935م. (4) حديث: " جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا ". أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 533) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. (5) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 8 ط. المجلس الأعلى للشئون الإسلامية. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْجَامِعُ 2 - مِنْ مَعَانِي الْجَامِعِ فِي اللُّغَةِ: أَنَّهُ الْمَسْجِدُ الَّذِي تُصَلَّى فِيهِ الْجُمُعَةُ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لأَِنَّهُ جَمَعَ النَّاسَ لِوَقْتٍ مَعْلُومٍ (1) . وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى (2) . وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا هِيَ أَنَّ الْجَامِعَ أَخَصُّ مِنَ الْمَسْجِدِ. ب - الْمُصَلَّى 3 - الْمُصَلَّى فِي اللُّغَةِ بِصِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُول: مَوْضِعُ الصَّلاَةِ أَوِ الدُّعَاءِ (3) . وَيُرَادُ بِهِ فِي الاِصْطِلاَحِ الْفَضَاءُ وَالصَّحْرَاءُ (4) ، وَهُوَ الْمُجْتَمَعُ فِيهِ لِلأَْعْيَادِ وَنَحْوِهَا (5) . وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَالْمُصَلَّى أَنَّ الْمُصَلَّى أَخَصُّ مِنَ الْمَسْجِدِ. ج - الزَّاوِيَةُ 4 - الزَّاوِيَةُ فِي اللُّغَةِ: وَاحِدَةُ الزَّوَايَا، وَزَاوِيَةُ الْبَيْتِ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ ذَلِكَ لأَِنَّهَا جَمَعَتْ قُطْرَيْنِ __________ (1) المصباح المنير. (2) حاشية الدسوقي 4 / 91. (3) المصباح المنير. (4) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك للكشناوي 1 / 336. (5) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 28. مِنْهُ وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَسْجِدِ غَيْرِ الْجَامِعِ لَيْسَ فِيهِ مِنْبَرٌ (1) . وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ (2) . وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَسْجِدَ أَعَمُّ. بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ وَعِمَارَتُهَا وَوَظَائِفُهَا 5 - يَجِبُ بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ فِي الأَْمْصَارِ وَالْقُرَى وَالْمَحَال - جَمْعُ مَحَلَّةٍ - وَنَحْوِهَا حَسَبَ الْحَاجَةِ وَهُوَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ (3) . وَالْمَسَاجِدُ هِيَ أَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الأَْرْضِ وَهِيَ بُيُوتُهُ الَّتِي يُوَحَّدُ فِيهَا وَيُعْبَدُ، يَقُول سُبْحَانَهُ: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} ، قَال ابْنُ كَثِيرٍ: أَيْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِتَعَاهُدِهَا وَتَطْهِيرِهَا مِنَ الدَّنَسِ وَاللَّغْوِ وَالأَْقْوَال وَالأَْفْعَال الَّتِي لاَ تَلِيقُ فِيهَا، كَمَا قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: نَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنِ اللَّغْوِ فِيهَا، وَقَال قَتَادَةُ: هِيَ هَذِهِ الْمَسَاجِدُ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِبِنَائِهَا وَعِمَارَتِهَا وَرَفْعِهَا وَتَطْهِيرِهَا، وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ كَعْبًا كَانَ يَقُول: مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ: أَنَّ بُيُوتِي فِي الأَْرْضِ الْمَسَاجِدُ وَأَنَّهُ مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ زَارَنِي فِي بَيْتِي أَكَرَمْتُهُ، وَحَقٌّ عَلَى الْمَزُورِ __________ (1) مختار الصحاح، والمصباح المنير. (2) جواهر الإكليل 1 / 93، وشرح الزرقاني 1 / 275. (3) كشاف القناع 2 / 364. كَرَامَةُ الزَّائِرِ (1) . وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثٌ كَثِيرَةٌ فِي بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَاحْتِرَامِهَا وَتَوْقِيرِهَا وَتَطْيِيبِهَا وَتَبْخِيرِهَا. فَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ (2) . وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: " إِنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالْمَسَاجِدِ أَنْ تُبْنَى فِي الدُّورِ، وَأَنْ تُطَهَّرَ وَتُطَيَّبَ (3) . وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَْسْقَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ وَشِرَاءَكُمْ وَبَيْعَكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ وَسَل سُيُوفِكُمْ، وَاتَّخِذُوا عَلَى أَبْوَابِهَا الْمَطَاهِرَ - الْمَرَاحِيضَ - وَجَمِّرُوهَا فِي الْجُمَعِ (4) . وَقَدْ بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِذِكْرِ اللَّهِ وَلِلصَّلاَةِ فِيهَا كَمَا قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلأَْعْرَابِيِّ الَّذِي بَال فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ: إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لاَ تَصْلُحُ لِشَيْءٍ __________ (1) تفسير ابن كثير 3 / 292 ط. عيسى الحلبي. (2) حديث: " من بنى مسجدًا يبتغي به وجه الله. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 544) ومسلم (1 / 378) . (3) حديث: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالمساجد أن تبنى في الدور، وأن تطهر وتطيب ". أخرجه ابن ماجه (1 / 250) والترمذي (2 / 490) ، وصوب الترمذي إرساله. (4) حديث: " جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم. . . ". أخرجه ابن ماجه (1 / 247) وضعفه البوصيري في " مصباح الزجاجة " (1 / 162) . مِنْ هَذَا الْبَوْل وَلاَ الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَل وَالصَّلاَةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ (1) فَهِيَ بُيُوتُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَمَوَاطِنُ عِبَادَتِهِ وَشُكْرِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَتَنْزِيهِهِ (2) . وَهَذَا دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآْصَال رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَْبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} وَلِذَا يُسْتَحَبُّ لُزُومُهَا وَالْجُلُوسُ فِيهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إِحْيَاءِ الْبُقْعَةِ وَانْتِظَارِ الصَّلاَةِ، وَفِعْلِهَا فِي أَوْقَاتِهَا عَلَى أَكْمَل الأَْحْوَال (3) ، قَال أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لاِبْنِهِ: يَا بُنَيَّ لِيَكُنِ الْمَسْجِدُ بَيْتَكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: الْمَسَاجِدُ بُيُوتُ الْمُتَّقِينَ وَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَل لِمَنْ كَانَ الْمَسَاجِدُ بُيُوتَهُ الرَّوْحَ وَالرَّحْمَةَ وَالْجَوَازَ عَلَى الصِّرَاطِ (4) . __________ (1) حديث: " إن هذه المساجد لا تصلح لشيء. . . ". أخرجه مسلم (1 / 237) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. (2) تفسير ابن كثير 3 / 294. (3) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 304 - 305. (4) حديث: " المساجد بيوت المتقين. . . ". أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (13 / 317) وفي إسناده جهالة. فَضْل الْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ 6 - تَفْضُل الْمَسَاجِدُ الثَّلاَثَةُ (الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ بِمَكَّةَ الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ بِالْمَدِينَةِ، الْمَسْجِدُ الأَْقْصَى بِالْقُدْسِ) غَيْرَهَا مِنَ الْمَسَاجِدِ الأُْخْرَى بِأَنَّهَا الَّتِي تُشَدُّ إِلَيْهَا الرِّحَال دُونَ غَيْرِهَا، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: لاَ تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الأَْقْصَى (1) . وَلِذَا قَال الْعُلَمَاءُ: مَنْ نَذَرَ صَلاَةً فِي مَسْجِدٍ لاَ يَصِل إِلَيْهِ إِلاَّ بِرِحْلَةِ وَرَاحِلَةٍ فَلاَ يَفْعَل وَيُصَلِّي فِي مَسْجِدِهِ إِلاَّ فِي الثَّلاَثَةِ الْمَسَاجِدِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِنَّ مَنْ نَذَرَ صَلاَةً فِيهَا خَرَجَ إِلَيْهَا، وَمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ لِمَسْجِدٍ غَيْرِ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ لاِعْتِكَافٍ أَوْ صَوْمٍ فَإِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ الإِْتْيَانُ لِذَلِكَ الْمَسْجِدِ وَيَفْعَل تَلِكَ الْعِبَادَةَ بِمَحَلِّهِ، أَمَّا مَنْ نَذَرَ الإِْتْيَانَ لِمَسْجِدٍ مِنَ الْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ لأَِجْل صَوْمٍ أَوْ صَلاَةٍ أَوِ اعْتِكَافٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الإِْتْيَانُ إِلَيْهِ (2) . __________ (1) حديث: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام. . . ". أخرجه مسلم (2 / 1014) . (2) فتح القدير 2 / 336، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 2 / 172 - 173، وجواهر الإكليل 1 / 250، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 10 / 211 - 212، ومنار السبيل في شرح الدليل 1 / 233 المكتب الإسلامي، وإعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 269. أَمَّا أَنَّ الرِّحَال لاَ تُشَدُّ لِغَيْرِهَا مِنَ الْمَسَاجِدِ فَلأَِنَّ غَيْرَهَا مِنَ الْمَسَاجِدِ لَيْسَ فِي مَعْنَاهَا، إِذْ هِيَ مُتَمَاثِلَةٌ، وَلاَ بَلَدَ إِلاَّ وَفِيهِ مَسْجِدٌ وَلاَ مَعْنَى لِلرِّحْلَةِ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ، وَعَلَى هَذَا وَكَمَا قَال الْعُلَمَاءُ لَوْ عَيَّنَ مَسْجِدًا غَيْرَ الْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ لأَِدَاءِ فَرِيضَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ ذَلِكَ، لأَِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِبَعْضِهَا فَضْلٌ عَلَى بَعْضٍ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ لأَِجْل ذَلِكَ مِنْهَا مَا عَيَّنَهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (1) . كَمَا تَفْضُل هَذِهِ الْمَسَاجِدُ الثَّلاَثَةُ بِزِيَادَةِ ثَوَابِ الصَّلاَةِ فِيهَا عَنْهُ فِي غَيْرِهَا وَإِنْ كَانَتْ تَتَفَاضَل فِي هَذَا الثَّوَابِ فِيمَا بَيْنَهَا. فَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: فَضْل الصَّلاَةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى غَيْرِهِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلاَةٍ، وَفِي مَسْجِدِي أَلْفُ صَلاَةٍ وَفِي مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَمْسُمِائَةِ صَلاَةٍ (2) . قَال الزَّرْكَشِيُّ: إِنَّ هَذِهِ الْمُضَاعَفَةَ فِي الْمَسْجِدَيْنِ لاَ تَخْتَصُّ بِالْفَرِيضَةِ، بَل تَعُمُّ النَّفْل وَالْفَرْضَ كَمَا قَال النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: إِنَّهُ __________ (1) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 104 - 105، 388 - 391. (2) حديث: " فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره بمائة ألف صلاة. . . ". أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (4 / 7) وعزاه للطبراني في الكبير ثم قال: " رجاله ثقات، وفي بعضهم كلام، وهو حديث حسن ". الْمَذْهَبُ، قُلْتُ: وَهُوَ لاَزِمٌ لِلأَْصْحَابِ مِنَ اسْتِثْنَائِهِمُ النَّفْل بِمَكَّةَ مِنَ الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ لأَِجْل زِيَادَةِ الْفَضِيلَةِ. وَقَال الطّحَاوِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ فِي شَرْحِ الآْثَارِ: وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالْفَرْضِ وَأَنَّ فِعْل النَّوَافِل فِي الْبَيْتِ أَفَضْل مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَال ابْنُ أَبِي الصَّيْفِ الْيَمَنِيِّ: هَذَا التَّضْعِيفُ فِي الصَّلَوَاتِ يَحْتَمِل أَنْ يَعُمَّ الْفَرْضَ وَالنَّفَل، وَهُوَ ظَاهِرُ الأَْخْبَارِ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ الْفَرْضُ دُونَ النَّفْل، لأَِنَّ النَّفْل دُونَهُ (1) . وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ هُوَ أَوَّل مَسْجِدٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ فِي الأَْرْضِ لِلتَّعَبُّدِ فِيهِ، قَال تَعَالَى: {إِنَّ أَوَّل بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} ، وَلِذَلِكَ كَانَ أَفَضْل الْمَسَاجِدِ، فَهُوَ قِبْلَةُ الْمُصَلِّينَ وَكَعْبَةُ الزَّائِرِينَ وَفِيهِ الأَْمْنُ وَالأَْمَانُ (2) . وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَْرْضِ أَوَّل؟ قَال: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ __________ (1) إعلام الساجد 124 - 125. (2) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 4 / 138، وإعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 29 - 30. قَال: الْمَسْجِدُ الأَْقْصَى قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَال: أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاَةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ فَإِنَّ الْفَضْل فِيهِ (1) . وَأَمَّا مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ فَقَال الزَّرْكَشِيُّ: أَنْشَأَ أَصْلَهُ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ وَالْمُهَاجِرُونَ الأَْوَّلُونَ وَالأَْنْصَارُ الْمُتَقَدِّمُونَ خِيَارُ هَذِهِ الأُْمَّةِ، وَفِي ذَلِكَ مِنْ مَزِيدِ الشَّرَفِ عَلَى غَيْرِهِ مَا لاَ يَخْفَى، وَاشْتِمَالُهَا عَلَى بُقْعَةٍ هِيَ أَفَضْل بِقَاعِ الأَْرْضِ بِالإِْجْمَاعِ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي ضَمَّ أَعْضَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَكَى الإِْجْمَاعَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ، وَفِي ذَلِكَ قَال: بَعْضُهُمْ - وَهُوَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبِسْكَرِيُّ الْمَغْرِبِيُّ -: جَزَمَ الْجَمِيعُ بِأَنَّ خَيْرَ الأَْرْضِ مَا قَدْ حَاطَ ذَاتَ الْمُصْطَفَى وَحَوَاهَا وَنَعَمْ لَقَدْ صَدَقُوا بِسَاكِنِهَا عَلَتْ كَالنَّفْسِ حَيْنَ زَكَتْ زَكَا مَأْوَاهَا (2) وَلِذَا نَدَبَ الشَّارِعُ إِلَى زِيَارَتِهِ وَالصَّلاَةِ فِيهِ وَلِلْمَسْجِدِ الأَْقْصَى قَدَاسَتُهُ وَعَرَاقَتُهُ وَلَهُ مَكَانَتُهُ فِي الإِْسْلاَمِ حَيْثُ كَانَ قِبْلَةَ الْمُسْلِمِينَ فِي فَتْرَةٍ مِنَ الزَّمَانِ، وَكَانَ إِلَيْهِ مَسْرَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَيْهِ، قَال تَعَالَى: { __________ (1) حديث: " قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟ . . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 6 / 407) ومسلم (1 / 370) واللفظ للبخاري. (2) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 242، والاختيار لتعليل المختار 1 / 175 وما بعدها. سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} . فَهَذِهِ الآْيَةُ تُعَظِّمُ قَدْرَهُ بِإِسْرَاءِ سَيِّدِنَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمَكَّةَ، وَصَلاَتُهُ فِيهِ بِالأَْنْبِيَاءِ إِمَامًا قَبْل عُرُوجِهِ إِلَى السَّمَاءِ وَبَعْدَ أَنْ صَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، هَذَا إِلَى إِخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْبَرَكَةِ حَوْلَهُ، إِمَّا بِأَنْ جَعَل حَوْلَهُ مِنَ الأَْنْبِيَاءِ الْمُصْطَفَيْنَ الأَْخْيَارِ، وَإِمَّا بِكَثْرَةِ الثِّمَارِ وَمَجَارِي الأَْنْهَارِ (1) ، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: إِنَّ الْجَنَّةَ تَحِنُّ شَوْقًا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَصَخْرَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ، وَهِيَ صُرَّةُ الأَْرْضِ (2) . آدَابُ الدُّخُول إِلَى الْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ وَغَيْرِهَا 7 - إِذَا عَايَنَ دَاخِل الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْبَيْتَ وَوَقَعَ بَصَرُهُ عَلَيْهِ رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَال: اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَزِدْ مِنْ شَرَفِهِ وَكَرَمِهِ وَعِظَمِهِ مِمَّنْ حَجَّهُ أَوِ اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَبِرًّا (3) . __________ (1) إعلام الساجد 286، تفسير ابن كثير 4 / 138 - ط. الأندلس. (2) أثر أنس بن مالك: " إن الجنة تحن. . . ". أخرجه ابن الجوزي في فضائل القدس 139. (3) ورد في ذلك حديث مرفوع أخرجه البيهقي في السنن (5 / 73) من حديث ابن جريج مرسلاً، وقال البيهقي بعده: " هذا منقطع ". وَعَنْ عَطَاءٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول إِذَا لَقِيَ الْبَيْتَ: أَعُوذُ بِرَبِّ الْبَيْتِ مِنَ الدَّيْنِ وَالْفَقْرِ وَضِيقِ الصَّدْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُول: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلاَمُ وَمِنْكَ السَّلاَمُ فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلاَمِ (1) . وَمِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَبْدَأَ حَيْنَ دُخُولِهِ بِتَقْدِيمِ الرِّجْل الْيُمْنَى وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَطْ، بَل بِالنِّسْبَةِ لِلْمَسَاجِدِ كُلِّهَا. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُول: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَيَقُول كَذَلِكَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ جِئْتُ لأُِؤَدِّيَ فَرْضَكَ وَأَطْلُبَ رَحْمَتَكَ وَأَلْتَمِسَ رِضَاكَ، مُتَّبِعًا لأَِمْرِكَ رَاضِيًا بِقَضَائِكَ، أَسْأَلُكَ مَسْأَلَةَ الْمُضْطَرِّينَ الْمُشْفِقِينَ مِنْ عَذَابِكَ أَنْ تَسْتَقْبِلَنِي الْيَوْمَ بِعَفْوِكَ تَحْفَظُنِي بِرَحْمَتِكَ وَتَتَجَاوَزُ عَنِّي بِمَغْفِرَتِكَ وَتُعِينُنِي عَلَى أَدَاءِ فَرَائِضِكَ، اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ وَأَدْخِلْنِي فِيهَا وَأَعِذْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. وَلَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِكُل لَفْظٍ فِيهِ التَّضَرُّعُ وَالْخُشُوعُ. __________ (1) حديث عطاء: " أعوذ برب البيت. . . ". أورده البابرتي في العناية (2 / 147) ولم نهتد لمن أخرجه، وأخرج الشطر الثاني منه " اللهم أنت السلام ومنك السلام. . . " البيهقي في " السنن الكبرى " (5 / 73) عن مكحول مرسلاً، وضعفه البيهقي. وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَدْخُل الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ الْمَعْرُوفِ الآْنَ بِبَابِ السَّلاَمِ إِذْ مِنْهُ دَخَل عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ (1) ، هَذَا مَا انْعَقَدَ إِجْمَاعُ الأَْئِمَّةِ عَلَيْهِ (2) . 8 - وَلاَ يَخْتَلِفُ دُخُول مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ عَنْ دُخُول غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ مِنْ حَيْثُ تَقْدِيمُ الدَّاخِل رِجْلَهُ الْيُمْنَى قَائِلاً: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَيَدْخُل مِنْ بَابِ جِبْرِيل أَوْ غَيْرِهِ وَيَقْصِدُ الرَّوْضَةَ الشَّرِيفَةَ وَهِيَ بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْقَبْرِ الشَّرِيفِ فَيُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ مُسْتَقْبِلاً السَّارِيَةَ الَّتِي تَحْتَهَا الصُّنْدُوقُ بِحَيْثُ يَكُونُ عَمُودُ الْمِنْبَرِ حِذَاءَ مَنْكِبِهِ الأَْيْمَنِ إِنْ أَمْكَنَهُ وَتَكُونُ الْحَنِيَّةُ الَّتِي فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَذَلِكَ مَوْقِفُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا قِيل قَبْل أَنْ يُغَيَّرَ الْمَسْجِدُ، ثُمَّ يَأْتِي الْقَبْرَ الشَّرِيفَ فَيَسْتَقْبِل جِدَارَهُ وَيَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ عَلَى نَحْوِ أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ مِنَ السَّارِيَةِ الَّتِي عِنْدَ رَأْسِ الْقَبْرِ فِي زَاوِيَةِ جِدَارِهِ، ثُمَّ يَقُول فِي مَوْقِفِهِ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُول اللَّهِ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا خَيْرَ خَلْقِ اللَّهِ، __________ (1) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل من باب بني شيبة ". أورده ابن حجر في التلخيص 2 / 243 وعزاه إلى الطبراني وقال: في إسناده: عبد الله بن نافع وهو ضعيف. (2) فتح القدير والعناية بهامشه 2 / 147، والقليوبي وعميرة على منهاج الطالبين 2 / 101 - 102 ط. دار إحياء الكتب العربية - عيسى البابي الحلبي، والمهذب في فقه الإمام الشافعي 1 / 227 - 228، وأسهل المدارك شرح إرشاد السالك للكشناوي 1 / 459 - 460 ط. دار الفكر، والمغني لابن قدامة 3 / 368 - 370. السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا خِيرَةَ اللَّهِ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا حَبِيبَ اللَّهِ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا سَيِّدَ وَلَدِ آدَمِ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّكَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَشْهَدُ أَنَّكَ يَا رَسُول اللَّهِ قَدْ بَلَّغْتَ الرِّسَالَةَ وَأَدَّيْتَ الأَْمَانَةَ وَنَصَحْتَ الأُْمَّةَ وَكَشَفْتَ الْغُمَّةَ فَجَزَاكَ اللَّهُ عَنَّا خَيْرًا، جَازَاكَ اللَّهُ عَنَّا أَفَضْل مَا جَازَى نَبِيًّا عَنْ أُمَّتِهِ، اللَّهُمَّ أَعْطِ سَيِّدَنَا عَبْدَكَ وَرَسُولَكَ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَالدَّرَجَةَ الْعَالِيَةَ الرَّفِيعَةَ وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدَّتْهُ، وَأَنْزِلْهُ الْمَنْزِل الْمُقَرَّبَ عِنْدَكَ إِنَّكَ سُبْحَانَكَ ذُو الْفَضْل الْعَظِيمِ، وَيَسْأَل اللَّهَ تَعَالَى حَاجَتَهُ (1) . هَذَا مَا عَلَيْهِ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ مَعَ اخْتِلاَفٍ يَسِيرٍ فِي صِيَغِ بَعْضِ الأَْدْعِيَةِ. 9 - وَآدَابُ دُخُول بَيْتِ الْمَقْدِسِ لاَ تَخْتَلِفُ عَنْ آدَابِ دُخُول غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ فَقَدْ دَخَلَهُ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى وَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَأَمَّ الأَْنْبِيَاءَ (2) . 10 - ثُمَّ آدَابُ دُخُول الْمَسَاجِدِ فِي غَيْرِ مَا ذُكِرَ أَنْ يُقَدِّمَ الدَّاخِل رِجْلَهُ الْيُمْنَى فِي الدُّخُول وَالْيُسْرَى فِي الْخُرُوجِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ __________ (1) فتح القدير 2 / 336 - 337. (2) تفسير ابن كثير 3 / 22 - ط. الحلبي. عَنْهُ: مِنَ السُّنَّةِ إِذَا دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلِكَ الْيُمْنَى وَإِذَا خَرَجْتَ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلِكَ الْيُسْرَى (1) . قَال الْبُخَارِيُّ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَبْدَأُ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى فَإِذَا خَرَجَ بَدَأَ بِرِجْلِهِ الْيُسْرَى (2) ، وَذَلِكَ لِقَاعِدَةِ الشَّرْعِ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّشْرِيفِ وَالتَّكْرِيمِ يُنْدَبُ فِيهِ التَّيَامُنُ وَمَا كَانَ بِضَدِّهِ يُنْدَبُ فِيهِ التَّيَاسُرُ، وَإِذَا أَخْرَجَ يُسْرَاهُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَضَعَهَا عَلَى ظَاهِرِ نَعْلِهِ، وَيُخْرِجُ يُمْنَاهُ وَيُقَدِّمُهَا فِي اللُّبْسِ، وَعِنْدَ الدُّخُول يَخْلَعُ يُسْرَاهُ وَيَضَعُهَا عَلَى ظَاهِرِ نَعْلِهِ، ثُمَّ يُخْرِجُ الْيُمْنَى وَيُقَدِّمُهَا دُخُولاً (3) . وَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا دَخَل أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ إِنَّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ (4) . وَعَنْ أَبِي هَرِيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا دَخَل أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلْيَقُل: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ __________ (1) أثر أنس: " من السنة إذا دخلت المسجد. . . ". أخرجه الحاكم (المستدرك 1 / 218) وقال: " صحيح على شرط مسلم "، ووافقه الذهبي. (2) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 347، وأثر ابن عمر ذكره البخاري في صحيحه تعليقًا (الفتح 1 / 523) . (3) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 1 / 108. (4) حديث: " إذا دخل أحدكم المسجد. . . ". أخرجه مسلم (1 / 494) . وَلْيَقُل: اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (1) . وَعَنْ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِنْتِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَل الْمَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَال: رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ. وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَال رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ (2) } . تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ 11 - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يُسَنُّ لِكُل مَنْ يَدْخُل مَسْجِدًا غَيْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ - يُرِيدُ الْجُلُوسَ بِهِ وَكَانَ مُتَوَضِّئًا - أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ قَبْل الْجُلُوسِ. أَمَّا تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَهِيَ عِنْدَهُمُ الطَّوَافُ لِلْقَادِمِ لِمَكَّةَ. وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَحِيَّةٌ ف 5 وَمَا بَعْدَهَا) . الْبِنَاءُ لِلسَّكَنِ فَوْقَ الْمَسْجِدِ وَتَحْتَهُ وَبِنَاؤُهُ عَلَى الْقَبْرِ وَالدَّفْنُ فِيهِ: 12 - أَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ اتِّخَاذَ مَنْزِلٍ لِلسَّكَنِ فِيهِ __________ (1) حديث: " إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم. . . ". أخرجه ابن ماجه (1 / 254) ، وصحح إسناده البوصيري في: " مصباح الزجاجة " (1 / 165) . (2) حديث: " ربِّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي. . . ". أخرجه الترمذي (2 / 128) وقال: " حديث حسن ". تَحْتَ الْمَسْجِدِ وَلَمْ يُجِيزُوا اتِّخَاذَهُ فَوْقَهُ (1) . وَلَمْ يُجِيزُوا الدَّفْنَ فِيهِ لأَِنَّهُ يُؤَدِّي لِنَبْشِهِ إِلاَّ لِمَصْلَحَةِ تَعُودُ عَلَى الْمَيِّتِ (2) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ - كَمَا نَقَل ابْنُ مُفْلِحٍ عَنِ الْمُسْتَوْعِبِ - إِنْ جَعَل أَسْفَل بَيْتِهِ مَسْجِدًا لَمْ يَنْتَفِعْ بِسَطْحِهِ، وَإِنْ جَعَل سَطْحَهُ مَسْجِدًا انْتَفَعَ بِأَسْفَلِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَال أَحْمَدُ: لأَِنَّ السَّطْحَ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى أَسْفَل (3) . وَحَرَّمُوا الدَّفْنَ بِالْمَسَاجِدِ وَكَذَا بِنَاءَ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقَبْرِ لِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَعَنَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ (4) . وَيَقُول الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا جَعَل السُّفْل مَسْجِدًا وَعَلَى ظَهْرِهِ مَسْكَنٌ فَهُوَ مَسْجِدٌ لأَِنَّ الْمَسْجِدَ مِمَّا يَتَأَبَّدُ وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ فِي السُّفْل دُونَ الْعُلْوِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ عَلَى عَكْسُ هَذَا لأَِنَّ الْمَسْجِدَ مُعَظَّمٌ، وَإِذَا كَانَ فَوْقَهُ مَسْكَنٌ أَوْ مُسْتَغَلٌّ يَتَعَذَّرُ تَعْظِيمُهُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ جَوَّزَ فِي الْوَجْهَيْنِ حَيْنَ قَدِمَ بَغْدَادَ وَرَأَى ضِيقَ الْمَنَازِل فَكَأَنَّهُ اعْتَبَرَ الضَّرُورَةَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ حِينَ دَخَل الرَّيَّ أَجَازَ ذَلِكَ كُلَّهُ. __________ (1) جواهر الإكليل 2 / 203، والشرح الكبير 4 / 70. (2) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4 / 70. (3) الآداب الشرعية 3 / 419. (4) حديث: " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات. . . ". أخرجه الترمذي (2 / 136) وقال: حديث حسن. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إِذَا جَعَل السُّفْل مَسْجِدًا دُونَ الْعُلُوِّ جَازَ لأَِنَّهُ يَتَأَبَّدُ بِخِلاَفِ الْعُلُوِّ (1) . قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لَوْ جَعَل تَحْتَهُ سِرْدَابًا لِمَصَالِحِهِ جَازَ (2) . وَكَرِهَ الشَّافِعِيَّةُ بِنَاءَ مَسْجِدٍ عَلَى الْقَبْرِ (3) ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَل قَبْرِي وَثَنًا، لَعَنَ اللَّهُ قَوْمًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ (4) ، قَال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَأَكْرَهُ أَنْ يُعَظَّمَ مَخْلُوقٌ حَتَّى يُجْعَل قَبْرُهُ مَسْجِدًا مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ بَعْدَهُ مِنَ النَّاسِ (5) ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ (6) . وَنَقَل الزَّرْكَشِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا وَيَتَّخِذَ فَوْقَهُ مَسْكَنًا يَسْكُنَ فِيهِ بِأَهْلِهِ، قَال الزَّرْكَشِيُّ: وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ مَا يَقْتَضِي مَنْعَ مُكْثِ الْجُنُبِ فِيهِ لأَِنَّهُ جَعَل ذَلِكَ هَوَاءَ الْمَسْجِدِ وَهَوَاءُ الْمَسْجِدِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ (7) . __________ (1) فتح القدير 5 / 63، وحاشية ابن عابدين 3 / 370. (2) ابن عابدين والدر 1 / 441. (3) الزواجر عن اقتراف الكبائر للهيتمي 1 / 165. (4) حديث: " اللهم لا تجعل قبري وثناً، لعن الله قوماً. . . ". أخرجه أحمد في المسند (2 / 246) ، وصحح إسناده أحمد شاكر في تعليقه على المسند (13 / 86) . (5) المهذب في فقه الإمام الشافعي 1 / 146 - 147. (6) سبق تخريجه بهذه الفقرة. (7) إعلام الساجد في أحكام المساجد ص407. بِنَاءُ الْمَسْجِدِ بِمُتَنَجِّسٍ 13 - نَقَل الزَّرْكَشِيُّ عَنِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ قَوْلَهُ: لاَ يَجُوزُ بِنَاءُ الْمَسْجِدِ بِاللَّبِنِ الْمَعْجُونِ بِالْمَاءِ النَّجِسِ بِنَاءً عَلَى نَجَاسَتِهِ وَيَطْهُرُ بِالْغَسْل ظَاهِرُهُ دُونَ بَاطِنِهِ عَلَى الْجَدِيدِ الأَْصَحِّ (1) . تَرْمِيمُ الْمَسَاجِدِ 14 - لِلتَّرْمِيمِ فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ، مِنْهَا: الإِْصْلاَحُ، يُقَال: رَمَّمْتُ الْحَائِطَ وَغَيْرَهُ تَرْمِيمًا: أَصْلَحْتُهُ، وَيُقَال: رَمَمْتُ الشَّيْءَ أَرُمُّهُ وَأَرُمُّهُ رُمًّا وَمَرَمَّةً إِذَا أَصْلَحْتَهُ (2) . وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. وَالتَّرْمِيمُ قَدْ يَكُونُ بِقَصْدِ التَّقْوِيَةِ إِذَا كَانَ الشَّيْءُ مُعَرَّضًا لِلتَّلَفِ، وَقَدْ يَكُونُ بِقَصْدِ التَّحْسِينِ. وَتَرْمِيمُ الْمَسَاجِدِ لاَ يَخْرُجُ فِي مَعْنَاهُ أَوِ الْغَرَضِ مِنْهُ عَمَّا سَبَقَ. 15 - وَتَرْمِيمُ الْمَسَاجِدِ مِنْ عِمَارَتِهَا الْمَأْمُورِ بِهَا شَرْعًا، وَالْعِمَارَةُ فَرْضُ كِفَايَةٍ إِنْ قَامَ بِهَا بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ سَقَطَ الإِْثْمُ عَنِ الْبَاقِينَ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: __________ (1) إعلام الساجد بأحكام المساجد ص403. (2) مختار الصحاح، والمصباح المنير. {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} . قَال الْقُرْطُبِيُّ: أَثْبَتَ الإِْيمَانَ فِي الآْيَةِ لِمَنْ عَمَّرَ الْمَسَاجِدَ بِالصَّلاَةِ فِيهَا وَتَنْظِيفِهَا وَإِصْلاَحِ مَا وَهِيَ مِنْهَا وَآمَنَ بِاللَّهِ (1) . وَقَال الْقَلْيُوبِيُّ: عِمَارَةُ الْمَسْجِدِ هِيَ الْبِنَاءُ وَالتَّرْمِيمُ وَالتَّجْصِيصُ لِلإِْحْكَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأُجْرَةُ الْقَيِّمِ وَمَصَالِحُهُ تَشْمَل ذَلِكَ. وَقَال: لَوْ زَادَ رِيعُ مَا وَقَفَ عَلَى الْمَسْجِدِ لِمَصَالِحِهِ أَوْ مُطْلَقًا ادَّخَرَ لِعَمَارَتِهِ، وَلَهُ شِرَاءُ شَيْءٍ بِهِ مِمَّا فِيهِ زِيَادَةُ غَلَّتِهِ وَلَوْ زَادَ رِيعُ مَا وَقَفَ لِعَمَارَتِهِ وَلَمْ يُشْتَرَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَيُقَدِّمُ عِمَارَةَ عَقَارِهِ عَلَى عِمَارَتِهِ وَعَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْوَاقِفُ، كَذَا فِي الْعُبَابِ (2) . وَلِلتَّفْصِيل (ر: وَقْفٌ) تَزْوِيقُ الْمَسَاجِدِ 16 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِنَقْشِ الْمَسْجِدِ خَلاَ مِحْرَابَهُ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لأَِنَّهُ يُلْهِي الْمُصَلِّيَ، وَكَرِهُوا التَّكَلُّفَ بِدَقَائِقِ النُّقُوشِ وَنَحْوِهَا خُصُوصًا فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ. وَقِيل: يُكْرَهُ فِي الْمِحْرَابِ دُونَ السَّقْفِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِحْرَابِ جِدَارُ الْقِبْلَةِ. __________ (1) تفسير القرطبي 8 / 90. (2) القليوبي وعميرة 3 / 108. وَالْمُرَادُ بِالنَّقْشِ هُنَا مَا كَانَ بِالْجِصِّ وَمَاءِ الذَّهَبِ لَوْ كَانَ بِمَال النَّاقِشِ، أَمَّا لَوْ كَانَ مِنْ مَال الْوَقْفِ فَهُوَ حَرَامٌ وَيَضْمَنُ مُتَوَلِّيهِ لَوْ فَعَلَهُ. وَإِنِ اجْتَمَعَتْ أَمْوَال الْمَسْجِدِ وَخَافَ الْمُتَوَلِّي الضَّيَاعَ بِطَمَعِ الظَّلَمَةِ لاَ بَأْسَ بِهِ حِينَئِذٍ. وَلَيْسَ بِمُسْتَحْسَنِ كِتَابَةُ الْقُرْآنِ عَلَى الْمَحَارِيبِ وَالْجُدَرَانِ مِمَّا يَخَافُ مِنْ سُقُوطِ الْكِتَابَةِ وَأَنْ تُوطَأَ، وَلاَ يَجُوزُ لِلْقَيِّمِ شِرَاءُ الْمُصَلَّيَاتِ لِتَعْلِيقِهَا بِالأَْسَاطِينِ وَيَجُوزُ لِلصَّلاَةِ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ لاَ تُعَلَّقُ بِالأَْسَاطِينِ وَلاَ يَجُوزُ إِعَارَتُهَا لِمَسْجِدٍ آخَرَ، قَال فِي الْقُنْيَةِ: هَذَا إِذَا لَمْ يُعْرَفْ حَال الْوَاقِفِ، أَمَّا إِذَا أَمَرَ بِتَعْلِيقِهَا وَأَمَرَ بِالدَّرْسِ فِيهِ وَبَنَاهُ لِلدَّرْسِ وَعَايَنَ الْعَادَةَ الْجَارِيَةَ فِي تَعْلِيقِهَا بِالأَْسَاطِينِ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي يُدَرَّسُ فِيهَا فَلاَ بَأْسَ بِشِرَائِهَا بِمَال الْوَقْفِ فِي مَصْلَحَتِهِ إِذَا احْتِيجَ إِلَيْهَا وَلاَ يَضْمَنُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (1) . وَكَرِهَ الْمَالِكِيَّةُ تَزْوِيقَ حِيطَانِ الْمَسْجِدِ وَسَقْفِهِ وَخَشْبِهِ وَالسَّاتِرِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِذَا كَانَ بِحَيْثُ يَشْغَل الْمُصَلِّيَ وَإِلاَّ فَلاَ، كَمَا يُكْرَهُ كَذَلِكَ عِنْدَهُمْ تَزْوِيقُ الْقِبْلَةِ بِالذَّهَبِ وَغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ الْكِتَابَةُ فِيهَا، وَأَمَّا إِتْقَانُ الْمَسْجِدِ بِالْبِنَاءِ وَالتَّجْصِيصِ فَمَنْدُوبٌ (2) . __________ (1) رد المحتار على الدر المختار 1 / 442 - 443، والفتاوى الهندية 1 / 109، 461، 5 / 319، 322. (2) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 1 / 65، 255، وجواهر الإكليل 1 / 55. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: قَال الزَّرْكَشِيُّ: يُكْرَهُ نَقْشُ الْمَسْجِدِ، وَلاَ شَكَّ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ صَرْفُ غَلَّةِ مَا وَقَفَ عَلَى عَمَارَتِهِ فِي ذَلِكَ، وَعِبَارَةُ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ: لاَ يَجُوزُ صَرْفُهَا إِلَى التَّجْصِيصِ وَالتَّزْوِيقِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرَّ بِمَسْجِدٍ مُزَخْرَفٍ فَقَال: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ زَخْرَفَهُ، أَوْ قَال: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ فَعَل هَذَا، الْمَسَاكِينُ أَحْوَجُ مِنَ الأَْسَاطِينِ. وَمَا يَفْعَلُهُ جَهَلَةُ النُّظَّارِ مِنْ ذَلِكَ سَفَهٌ مُضَمِّنٌ أَمْوَالَهُمْ. وَقَال الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: لاَ يَجُوزُ تَنْقِيشُ الْمَسْجِدِ بِمَا لاَ إِحْكَامَ فِيهِ، وَقَال فِي الْفَتَاوَى فَإِنْ كَانَ فِي إِحْكَامٍ فَلاَ بَأْسَ، فَإِنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَنَى الْمَسْجِدَ بِالْقَصَّةِ - الْجِصِّ وَالْجِيرِ - وَالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ (1) ، قَال الْبَغَوِيُّ: وَمَنْ زَوَّقَ مَسْجِدًا أَيْ تَبَرُّعًا لاَ يُعَدُّ مِنَ الْمَنَاكِيرِ الَّتِي يُبَالَغُ فِيهَا كَسَائِرِ الْمُنْكَرَاتِ، لأَِنَّهُ يَفْعَلُهُ تَعْظِيمًا لِشَعَائِرِ الإِْسْلاَمِ، وَقَدْ سَامَحَ فِيهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَأَبَاحَهُ بَعْضُهُمْ، ثُمَّ قَال فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لاَ يَجُوزُ نَقْشُ الْمَسْجِدِ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ وَيَغْرَمُ الْقِيمَةَ إِنْ فَعَلَهُ، فَلَوْ فَعَلَهُ رَجُلٌ بِمَالِهِ كُرِهَ، وَلأَِنَّهُ يَشْغَل قَلْبَ الْمُصَلِّينَ. وَأَطْلَقَ غَيْرُهُ عَدَمَ الْجَوَازِ، لأَِنَّهُ بِدْعَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَلأَِنَّ فِيهِ تَشَبُّهًا بِالْكُفَّارِ، فَقَدْ وَرَدَ مَرْفُوعًا " { __________ (1) انظر عمدة القاري في باب بنيان المساجد 4 / 204. مَا سَاءَ عَمَل قَوْمٍ قَطُّ إِلاَّ زَخْرَفُوا مَسَاجِدَهُمْ (1) . وَإِذَا وَقَفَ عَلَى النَّقْشِ وَالتَّزْوِيقِ لاَ يَصِحُّ عَلَى الأَْصَحِّ لأَِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَلأَِنَّهُ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، لأَِنَّهُ مِمَّا يُلْهِي عَنِ الصَّلاَةِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ، وَقِيل: يَصِحُّ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ الْمَسْجِدِ وَإِعْزَازِ الدِّينِ. وَيُكْرَهُ زَخْرَفَتُهَا، قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: لَتُزَخْرِفَنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى (2) ، وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ (3) . وَوَرَدَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَمَرَ بِبِنَاءِ مَسْجِدٍ وَقَال: " أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ الْمَطَرِ وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ (4) "، وَقَال أَبُو الدَّرْدَاءِ: إِذَا حَلَّيْتُمْ مَصَاحِفَكُمْ، وَزَخْرَفْتُمْ مَسَاجِدَكُمْ فَالدَّبَارُ - الْهَلاَكُ - عَلَيْكُمْ، وَقَال عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ الْقَوْمَ إِذَا رَفَعُوا مَسَاجِدَهُمْ فَسَدَتْ أَعْمَالُهُمْ. وَيُكْرَهُ أَنْ يُكْتَبَ فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ آيَةً مِنَ __________ (1) حديث: " ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم ". أخرجه ابن ماجه (1 / 245) ، وضعفه البوصيري في " مصباح الزجاجة " (1 / 160) . (2) انظر عمدة القاري 4 / 204. (3) حديث: " لا تقوم الساعة حتى. . . ". أخرجه أبو داود (1 / 311) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. (4) أثر عمر: " أكن الناس من المطر. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 539) معلقاً. الْقُرْآنِ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ قَالَهُ مَالِكٌ، وَجَوَّزَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَقَال: لاَ بَأْسَ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ} الآْيَةَ، وَلِمَا رُوِيَ مِنْ فِعْل عُثْمَانَ ذَلِكَ بِمَسْجِدِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ. وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: وَفِي تَحْلِيَةِ الْمَسَاجِدِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَتَعْلِيقِ قَنَادِيلِهَا وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: التَّحْرِيمُ فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنِ السَّلَفِ، وَالثَّانِي: الْجِوَازُ كَمَا يَجُوزُ سَتْرُ الْكَعْبَةِ بِالدِّيبَاجِ، وَيَحِل الْحَرِيرُ لإِِلْبَاسِ الْكَعْبَةِ، وَأَمَّا بَاقِي الْمَسَاجِدِ فَقَال الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: لاَ بَأْسَ بِسَتْرِ الْمَسْجِدِ بِالثِّيَابِ مِنْ غَيْرِ الْحَرِيرِ، وَأَمَّا الْحَرِيرُ فَيَحْتَمِل أَنْ يَلْحَقَ بِالتَّزْيِينِ بِقَنَادِيل الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ قَوْلاً وَاحِدًا لأَِنَّ أَمْرَهُ أَهْوَنُ، وَلَمْ تَزَل الْكَعْبَةُ تُسْتَرُ بِالْحَرِيرِ فَلاَ يَبْعُدُ إِلْحَاقُ غَيْرِهَا بِهَا. قُلْتُ: وَفِي فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ: لاَ فَرْقَ فِي الإِْبَاحَةِ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَغَيْرِهَا، لأَِنَّ الْحَرِيرَ إِنَّمَا حُرِّمَ عَلَى الرِّجَال لاَ عَلَى النِّسَاءِ فَكَيْفَ الْجَمَادَاتُ وَالْمَسَاجِدُ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي فَتَاوَى قَاضِي الْقُضَاةِ أَبِي بَكْرٍ الشَّامِيِّ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يُعَلَّقَ عَلَى حِيطَانِ الْمَسْجِدِ سُتُورًا مِنْ حَرِيرٍ وَلاَ مِنْ غَيْرِهِ، وَلاَ يَصِحُّ وَقْفُهَا عَلَيْهِ وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ. وَيُسْتَحَبُّ فَرْشُ الْمَسَاجِدِ وَتَعْلِيقُ الْقَنَادِيل وَالْمَصَابِيحِ (1) ، وَيُقَال: أَوَّل مَنْ فَعَل ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ فِي صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ، وَلَمَّا رَأَى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اجْتِمَاعَ النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى الصَّلاَةِ وَالْقَنَادِيل تُزْهِرُ وَكِتَابُ اللَّهِ يُتْلَى: قَال: نَوَّرْتَ مَسَاجِدَنَا، نَوَّرَ اللَّهُ قَبْرَكَ يَا بْنَ الْخَطَّابِ، وَرُوِيَ عَنْ مَيْمُونَةَ مَوْلاَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، أَفْتِنَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَال: أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ فَإِنَّ صَلاَةً فِيهِ كَأَلْفِ صَلاَةٍ فِي غَيْرِهِ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَتَحَمَّل إِلَيْهِ؟ قَال: فَتُهْدِي لَهُ زَيْتًا يُسْرَجُ فِيهِ، فَمَنْ فَعَل ذَلِكَ فَهُوَ كَمَنْ أَتَاهُ (2) . وَيَقْرُبُ مِنْ ذَلِكَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ فَقَدْ قَالُوا: تَحْرُمُ زَخْرَفَةُ الْمَسْجِدِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَتَجِبُ إِزَالَتُهُ إِنْ تَحَصَّل مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ، وَأَوَّل مَنْ ذَهَّبَ الْكَعْبَةَ فِي الإِْسْلاَمِ وَزَخْرَفَهَا وَزَخْرَفَ الْمَسَاجِدَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَيُكْرَهُ أَنْ يُزَخْرَفَ الْمَسْجِدُ بِنَقْشٍ وَصَبْغٍ وَكِتَابَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا يُلْهِي الْمُصَلِّي عَنْ صَلاَتِهِ غَالِبًا، وَإِنْ فَعَل ذَلِكَ مِنْ مَال الْوَقْفِ حَرُمَ فِعْلُهُ، وَوَجَبَ ضَمَانُ مَال الْوَقْفِ الَّذِي __________ (1) إعلام الساجد بأحكام المساجد ص340. (2) حديث: " أرض المحشر والمنشر، ائتوه فصلوا فيه. . . ". أخرجه ابن ماجه (1 / 451) ، وصححه البوصيري في " مصباح الزجاجة " (1 / 250 - 251) . صَرَفَهُ فِيهِ، لأَِنَّهُ لاَ مَصْلَحَةَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مَالِهِ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى جِهَةِ الْوَقْفِ، وَفِي الْغُنْيَةِ: لاَ بَأْسَ بِتَجْصِيصِهِ، أَيْ يُبَاحُ تَجْصِيصُ حِيطَانِهِ أَيْ تَبْيِيضُهَا، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي سَعْدُ الدِّينِ الْحَارِثِيُّ، وَلَمْ يَرَهُ أَحْمَدُ، وَقَال: هُوَ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا، قَال فِي الشَّرْحِ: وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُ الْمَسَاجِدِ وَزَخْرَفَتُهَا، فَعَلَيْهِ يَحْرُمُ مِنْ مَال الْوَقْفِ، وَيَجِبُ الضَّمَانُ لاَ عَلَى الأَْوَّل. وَيُصَانُ عَنْ تَعْلِيقِ مُصْحَفٍ وَغَيْرِهِ فِي قِبْلَتِهِ دُونَ وَضْعِهِ بِالأَْرْضِ، قَال أَحْمَدُ: يُكْرَهُ أَنْ يُعَلَّقَ فِي الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَحُول بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، وَلَمْ يُكْرَهْ أَنْ يُوضَعَ فِي الْمَسْجِدِ الْمُصْحَفُ أَوْ نَحْوُهُ (1) . تَعْلِيمُ الصِّبْيَانِ فِي الْمَسْجِدِ 17 - قَال ابْنُ الْهُمَامِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: هَؤُلاَءِ الْمُكَتِّبُونَ الَّذِينَ يَجْتَمِعُ عِنْدَهُمُ الصِّبْيَانُ فِي الْمَسَاجِدِ لِلتَّعْلِيمِ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُمْ، إِذْ هُمْ لاَ يَقْصِدُونَ الْعِبَادَةَ بَل الاِرْتِزَاقُ، وَمُعَلِّمُ الصِّبْيَانِ الْقُرْآنَ كَالْكَاتِبِ إِنْ كَانَ بِالأَْجْرِ لاَ يَجُوزُ وَحِسْبَةً لِلَّهِ فَلاَ بَأْسَ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَّل هَذَا، إنْ كَانَ لِضَرُورَةِ الْحَرِّ وَغَيْرِهِ لاَ يُكْرَهُ وَإِلاَّ فَيُكْرَهُ، وَسَكَتَ عَنْ كَوْنِهِ بِأَجْرِ أَوْ غَيْرِهِ فَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ حِسْبَةً، فَأَمَّا إنْ __________ (1) كشاف القناع 2 / 366. كَانَ بِأَجْرِ فَلاَ شَكَّ فِي الْكَرَاهَةِ، وَعَلَى هَذَا فَإِذَا كَانَ حِسْبَةً وَلاَ ضَرُورَةَ يُكْرَهُ، لأَِنَّ نَفْسَ التَّعْلِيمِ وَمُرَاجَعَةُ الأَْطْفَال لاَ تَخْلُو عَمَّا يُكْرَهُ فِي الْمَسْجِدِ (1) . وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَفِي الْخُلاَصَةِ تَعْلِيمُ الصِّبْيَانِ فِي الْمَسْجِدِ لاَ بَأْسَ بِهِ (2) . وَكَرِهَ الْمَالِكِيَّةُ تَعْلِيمَ الصَّبِيِّ فِي الْمَسْجِدِ إِلاَّ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ رَوَى إِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ مَبْلَغَ الأَْدَبِ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يُؤْتَى بِهِ الْمَسْجِدَ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا لاَ يَقِرُّ فِيهِ وَيَعْبَثُ فَلاَ أُحِبُّ ذَلِكَ (3) . وَالْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ مَنْعُ تَعْلِيمِ الصِّبْيَانِ فِيهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ مَظِنَّةً لِلْعَبَثِ وَالتَّقْدِيرِ أَمْ لاَ، لأَِنَّ الْغَالِبَ عَدَمُ تَحَفُّظِهِمْ مِنَ النَّجَاسَةِ (4) . وَأَمَّا إِحْضَارُ الصَّبِيِّ الْمَسْجِدَ فَأَجَازُوهُ حَيْثُ لاَ يَعْبَثُ بِهِ وَيَكُفُّ عَنِ الْعَبَثِ إِذَا نُهِيَ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ الْعَبَثُ أَوْ عَدَمُ الْكَفِّ فَلاَ يَجُوزُ إِحْضَارُهُ فِيهِ (5) ، لِحَدِيثِ: جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ مَجَانِينَكُمْ وَصِبْيَانَكُمْ (6) . وَنَقَل الزَّرْكَشِيُّ عَنِ الْقَفَّال أَنَّهُ سُئِل عَنْ تَعْلِيمِ الصِّبْيَانِ فِي الْمَسْجِدِ؟ فَقَال: الأَْغْلَبُ مِنَ __________ (1) فتح القدير 1 / 300. (2) ابن عابدين 5 / 275. (3) جواهر الإكليل 2 / 203. (4) الشرح الكبير 4 / 71. (5) جواهر الإكليل 1 / 80، الشرح الكبير 1 / 334. (6) حديث: " جنبوا مساجدكم مجانينكم. . . ". تقدم تخريجه ف 5. الصِّبْيَانِ الضَّرَرُ بِالْمَسْجِدِ فَيَجُوزُ مَنْعُهُمْ (1) . وَقَال الْجِرَاعِيُّ الْحَنْبَلِيُّ: يُسَنُّ أَنْ يُصَانَ الْمَسْجِدُ عَنْ عَمَل صَنْعَةٍ، وَنُقِل عَنِ السَّامِرِيِّ قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَ الصَّانِعُ يُرَاعِي الْمَسْجِدَ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَقَال فِي رِوَايَةِ الأَْثْرَمِ: مَا يُعْجِبُنِي مِثْل الْخَيَّاطِ وَالإِْسْكَافِ وَمَا أَشْبَهَهُ وَسَهَّل فِي الْكِتَابَةِ فِيهِ. وَقَال الْقَاضِي سَعْدُ الدِّينِ: خَصَّ الْكِتَابَةَ لأَِنَّهَا نَوْعُ تَحْصِيلٍ لِلْعِلْمِ فَهِيَ فِي مَعْنَى الدِّرَاسَةِ، وَهَذَا يُوجِبُ التَّقَيُّدَ مِمَّا لاَ يَكُونُ تَكَسُّبًا. وَنَقَل الْجِرَاعِيُّ عَنِ ابْنِ الصَّيْرَفِيِّ أَنَّهُ قَال فِي النَّوَادِرِ: لاَ يَجُوزُ التَّعْلِيمُ فِي الْمَسَاجِدِ. وَقَال أَبُو الْعَبَّاسِ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ: لاَ يَجُوزُ - وَقَدْ سُئِل عَنْهَا - يُصَانُ الْمَسْجِدُ مِمَّا يُؤْذِيهِ وَيُؤْذِي الْمُسْلِمِينَ حَتَّى رَفْعِ الصِّبْيَانِ أَصْوَاتَهُمْ فِيهِ، كَذَلِكَ تَوْسِيخُهُمْ لِحُصْرِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لاَ سِيَّمَا إِنْ كَانَ ذَلِكَ وَقْتَ الصَّلَوَاتِ فَإِنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ، وَقَال فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهَا: وَأَمَّا تَعْلِيمُ الصِّبْيَانِ فِي الْمَسْجِدِ بِحَيْثُ يُؤْذُونَ الْمَسْجِدَ فَيَكُونُونَ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ وَيَشْغَلُونَ الْمُصَلِّيَ فِيهِ فَهَذَا مِمَّا يَجِبُ النَّهْيُ عَنْهُ وَالْمَنْعُ مِنْهُ. وَأَضَافَ الْجِرَاعِيُّ: وَقَال صَاحِبُ الْفُرُوعِ - __________ (1) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 327. ابْنُ مُفْلِحٍ - عَقِيبَ كَلاَمِ الْقَاضِي سَعْدِ الدِّينِ الْمُتَقَدِّمِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُخَرَّجَ عَلَى هَذَا تَعْلِيمُ الصِّبْيَانِ لِلْكِتَابَةِ فِي الْمَسْجِدِ بِالأُْجْرَةِ، وَتَعْلِيمُهُمْ تَبَرُّعًا جَائِزٌ كَتَلْقِينِ الْقُرْآنِ، وَتَعْلِيمِ الْعِلْمِ، وَهَذَا كُلُّهُ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَحْصُل ضَرَرٌ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ (1) . رَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ وَالْجَهْرُ فِيهِ 18 - قَال الْحَنَفِيَّةُ بِكَرَاهَةِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِذِكْرٍ فِي الْمَسْجِدِ إِلاَّ لِلْمُتَفَقِّهِ، وَفِي حَاشِيَةِ الْحَمَوِيِّ عَنِ الشَّعْرَانِيِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ سَلَفًا وَخَلَفًا عَلَى اسْتِحْبَابِ ذِكْرِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا، إِلاَّ أَنْ يُشَوِّشَ جَهْرُهُمْ عَلَى نَائِمٍ أَوْ مُصَلٍّ أَوْ قَارِئٍ. وَصَرَّحُوا بِكَرَاهَةِ الْكَلاَمِ الْمُبَاحِ فِي الْمَسْجِدِ وَقَيَّدَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِأَنْ يُجْلَسَ لأَِجْلِهِ لأَِنَّ الْمَسْجِدَ مَا بُنِيَ لأُِمُورِ الدُّنْيَا. وَفِي صَلاَةِ الْجَلاَّبِيِّ - كَمَا نَقَل عَنْهُ ابْنُ عَابِدِينَ - الْكَلاَمُ الْمُبَاحُ مِنْ حَدِيثِ الدُّنْيَا يَجُوزُ فِي الْمَسَاجِدِ وَإِنْ كَانَ الأَْوْلَى أَنْ يَشْتَغِل بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى قَوْل الْجَلاَّبِيِّ: فَقَدْ أَفَادَ أَنَّ الْمَنْعَ خَاصٌّ بِالْمُنْكَرِ مِنَ الْقَوْل أَمَّا الْمُبَاحُ فَلاَ (2) . __________ (1) تحفة الراكع والساجد ص209 - 211، وانظر الآداب الشرعية 3 / 395 - 396. (2) حاشية ابن عابدين 1 / 444، 445، 5 / 269. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ بِذِكْرٍ وَقُرْآنٍ وَعِلْمٍ فَوْقَ إِسْمَاعِ الْمُخَاطَبِ وَلَوْ بِغَيْرِ مَسْجِدٍ، وَمَحَل كَرَاهَةِ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ مَا لَمْ يُخَلِّطْ عَلَى مُصَلٍّ وَإِلاَّ حَرُمَ، بِخِلاَفِ مَسْجِدِ مَكَّةَ وَمِنَى فَيَجُوزُ رَفْعُ الصَّوْتِ فِيهِمَا عَلَى الْمَشْهُورِ (1) . وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: يُكْرَهُ اللَّغَطُ وَرَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ (2) . وَقَال ابْنُ مُفْلِحٍ: يُسَنُّ أَنْ يُصَانَ عَنْ لَغَطٍ وَكَثْرَةِ حَدِيثٍ لاَغٍ وَرَفْعِ صَوْتٍ بِمَكْرُوهِ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ مُبَاحًا أَوْ مُسْتَحَبًّا. وَنُقِل عَنِ الْغُنْيَةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ إِلاَّ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَنُقِل عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِالْمُنَاظَرَةِ فِي مَسَائِل الْفِقْهِ وَالاِجْتِهَادِ فِي الْمَسَاجِدِ إِذَا كَانَ الْقَصْدُ طَلَبَ الْحَقِّ، فَإِنْ كَانَ مُغَالَبَةً وَمُنَافَرَةً دَخَل فِي حَيِّزِ الْمُلاَحَاةِ وَالْجِدَال فِيمَا لاَ يَعْنِي وَلَمْ يَجُزْ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا الْمُلاَحَاةُ فِي غَيْرِ الْعُلُومِ فَلاَ تَجُوزُ فِي الْمَسْجِدِ. وَنُقِل عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ يُكْرَهُ كَثْرَةُ الْحَدِيثِ وَاللَّغَطُ فِي الْمَسَاجِدِ (3) . __________ (1) حاشية الدسوقي والشرح الكبير 4 / 71. (2) إعلام الساجد بأحكام المساجد 326. (3) الآداب الشرعية 3 / 397 - 398. التَّقَاضِي فِي الْمَسْجِدِ 19 - أَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ التَّقَاضِيَ فِي الْمَسْجِدِ، فَلِلْقَاضِي أَنْ يَجْلِسَ فِيهِ لِلْفَصْل فِي الْخُصُومَاتِ جُلُوسًا ظَاهِرًا فَإِنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْصِل بَيْنَ الْخُصُومِ فِي الْمَسْجِدِ (1) ، وَكَذَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنْ بَعْدِهِ، وَلِئَلاَّ يَشْتَبِهَ عَلَى الْغُرَبَاءِ مَكَانُهُ فَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ خَرَجَ الْقَاضِي إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَنَظَرَ فِي خُصُومَتِهَا أَوْ أَمَرَ مَنْ يَفْصِل بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ كَانَتِ الْمُنَازَعَةُ فِي دَابَّةٍ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ لاِسْتِمَاعِ الدَّعْوَى وَالإِْشَارَةِ إِلَيْهَا فِي الشَّهَادَةِ. وَلِلْمَالِكِيَّةِ طَرِيقَتَانِ: الأُْولَى اسْتِحْبَابُ الْجُلُوسِ فِي الرِّحَابِ وَكَرَاهَتُهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالثَّانِيَةُ اسْتِحْبَابُ جُلُوسِهِ فِي نَفْسِ الْمَسْجِدِ (2) . وَكَرِهَ الشَّافِعِيَّةُ لِلْقَاضِي أَنْ يَجْلِسَ لِلْقَضَاءِ __________ (1) فصل النبي صلى الله عليه وسلم بين الخصوم في المسجد يدل عليه ما رواه البخاري (فتح الباري 1 / 551 - 552 ط. السلفية) ومسلم (3 / 1192) من حديث كعب بن مالك أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان له عليه في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيته فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته فنادى: " يا كعب "، قال: لبيك يا رسول الله، قال: " ضع من دينك هذا " (2) الاختيار شرح المختار 2 / 85 ط. مصطفى البابي الحلبي بمصر 1936م، وفتح القدير 5 / 465 - 466 ط. المطبعة الأميرية الكبرى 1315هـ، وجواهر الإكليل 2 / 223، والمغني لابن قدامة 9 / 46. فِي الْمَسْجِدِ (1) ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ مُعَاذًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ وَحُدُودَكُمْ وَسَل سُيُوفِكُمْ وَشِرَاءَكُمْ وَبَيْعَكُمْ (2) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (قَضَاءٌ ف 38) . إِقَامَةُ الْحُدُودِ وَالتَّعَازِيرِ فِيهِ: 20 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَشِرَاءَكُمْ وَبَيْعَكُمْ وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ وَجَمِّرُوهَا فِي جُمَعِكُمْ وَضَعُوا عَلَى أَبْوَابِهَا الْمَطَاهِرَ (3) . وَلأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ خُرُوجُ النَّجَاسَةِ مِنَ الْمَحْدُودِ فَيَجِبُ نَفْيُهُ عَنِ الْمَسْجِدِ إِذْ بِالضَّرْبِ قَدْ يَنْشَقُّ الْجِلْدُ فَيَسِيل مِنْهُ الدَّمُ فَيَتَنَجَّسُ الْمَسْجِدُ. وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (حُدُودٌ ف 44) . الأَْكْل وَالنَّوْمُ فِي الْمَسْجِدِ 21 - كَرِهَ الْحَنَفِيَّةُ الأَْكْل فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّوْمَ فِيهِ وَقِيل: لاَ بَأْسَ لِلْغَرِيبِ أَنْ يَنَامَ فِيهِ، وَأَمَّا __________ (1) المهذب 2 / 294، ومنهاج الطالبين 4 / 302 ط. دار إحياء الكتب. (2) حديث: " جنبوا مساجدكم صبيانكم. . . ". تقدم تخريجه في فقرة 5. (3) حديث: " جنبوا مساجدكم صبيانكم. . . ". تقدم تخريجه في فقرة 5. بِالنِّسْبَةِ لِلْمُعْتَكِفِ فَلَهُ أَنْ يَشْرَبَ وَيَأْكُل وَيَنَامَ فِي مُعْتَكَفِهِ لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَأْوِي فِي اعْتِكَافِهِ إِلاَّ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَلأَِنَّهُ يُمْكِنُ قَضَاءُ هَذِهِ الْحَاجَةِ فِي الْمَسْجِدِ فَلاَ ضَرُورَةَ إِلَى الْخُرُوجِ (1) . وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ إِنْزَال الضَّيْفِ بِمَسْجِدِ بَادِيَةٍ وَإِطْعَامَهُ فِيهِ الطَّعَامَ النَّاشِفَ كَالتَّمْرِ لاَ إِنْ كَانَ مُقَذِّرًا كَبِطِّيخِ أَوْ طَبِيخٍ فَيَحْرُمُ إِلاَّ بِنَحْوِ سُفْرَةٍ تُجْعَل تَحْتَ الإِْنَاءِ فَيُكْرَهُ، وَمِثْل مَسْجِدِ الْبَادِيَةِ مَسْجِدُ الْقَرْيَةِ الصَّغِيرَةِ وَأَمَّا التَّصْنِيفُ فِي مَسْجِدِ الْحَاضِرَةِ فَيُكْرَهُ وَلَوْ كَانَ الطَّعَامُ نَاشِفًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِهِمْ. كَمَا أَجَازُوا النَّوْمَ فِيهِ بِقَائِلَةٍ أَيْ نَهَارًا وَكَذَا بِلَيْلٍ لَمِنْ لاَ مَنْزِل لَهُ أَوْ عَسُرَ الْوُصُول إِلَيْهِ (2) . أَمَّا الْمُعْتَكِفُ: فَاسْتَحَبُّوا لَهُ أَنْ يَأْكُل فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي صَحْنِهِ أَوْ فِي مَنَارَتِهِ وَكَرِهُوا أَكْلَهُ خَارِجَهُ، وَأَمَّا النَّوْمُ فِيهِ مُدَّةَ الاِعْتِكَافِ فَمِنْ لَوَازِمِهِ، إِذْ يَبْطُل اعْتِكَافُهُ بِعَدَمِ النَّوْمِ فِيهِ (3) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجُوزُ أَكْل الْخُبْزِ وَالْفَاكِهَةِ وَالْبِطِّيخِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَدْ رُوِيَ __________ (1) فتح القدير 1 / 300، 2 / 111 - 112، وحاشية ابن عابدين على الدر المختار 1 / 444. (2) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 4 / 70، وجواهر الإكليل 2 / 203. (3) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 1 / 547، وجواهر الإكليل 1 / 158. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيِّ قَال: كُنَّا نَأْكُل عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ (1) . قَال: وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْسُطَ شَيْئًا خَوْفًا مِنَ التَّلَوُّثِ وَلِئَلاَّ يَتَنَاثَرَ شَيْءٌ مِنَ الطَّعَامِ فَتَجْتَمِعَ عَلَيْهِ الْهَوَامُّ، هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ كَالثُّومِ وَالْبَصَل وَالْكُرَّاثِ وَنَحْوِهِ فَيُكْرَهُ أَكْلُهُ فِيهِ وَيُمْنَعُ آكِلُهُ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهُ، فَإِنْ دَخَل الْمَسْجِدَ أُخْرِجَ مِنْهُ لِحَدِيثِ: مَنْ أَكَل ثُومًا أَوْ بَصَلاً فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ لِيَعْتَزِل مَسْجِدَنَا وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ (2) . وَقَالُوا أَيْضًا بِجِوَازِ النَّوْمِ فِي الْمَسْجِدِ فَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الأُْمِّ، فَعَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ وَهُوَ شَابٌّ أَعْزَبُ لاَ أَهْل لَهُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (3) ، وَأَنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ قَال: كُنَّا نَبِيتُ عَلَى عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي الْمَسْجِدِ وَأَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ وَعَطَاءً وَالشَّافِعِيَّ رَخَّصُوا فِيهِ (4) . __________ (1) حديث عبد الله بن الحارث " كنا نأكل على عهد. . . ". أخرجه ابن ماجه (2 / 1097) ، وقال البوصيري في " مصباح الزجاجة " (2 / 179) " هذا إسناد حسن ". (2) حديث: " من أكل ثوماً أو بصلاً. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 339) ومسلم (1 / 394) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه. (3) أثر ابن عمر: " أنه كان ينام وهو شاب. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 535) . (4) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 305 - 306 - 329. أَمَّا الْمُعْتَكِفُ فَأَكْلُهُ وَمَبِيتُهُ فِي مَسْجِدِ اعْتِكَافِهِ، وَأُجِيزَ لَهُ أَنْ يَمْضِيَ إِلَى الْبَيْتِ لِيَأْكُل فِيهِ، وَلاَ يَبْطُل اعْتِكَافُهُ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لأَِنَّ الأَْكْل فِي الْمَسْجِدِ يَنْقُصُ مِنَ الْمُرُوءَةِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ (1) . وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ قَال ابْنُ مُفْلِحٍ: لاَ يَجُوزُ دُخُول الْمَسْجِدِ لِلأَْكْل وَنَحْوِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ، وَذَكَرَ فِي الشَّرْحِ وَالرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِمَا بِأَنَّ لِلْمُعْتَكِفِ الأَْكْل فِي الْمَسْجِدِ وَغَسْل يَدِهِ فِي طَسْتٍ، وَذَكَرَ فِي الشَّرْحِ فِي آخِرِ بَابِ الأَْذَانِ: أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِالاِجْتِمَاعِ فِي الْمَسْجِدِ وَالأَْكْل فِيهِ وَالاِسْتِلْقَاءِ فِيهِ. وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ بَأْسَ أَنْ يَأْكُل الْمُعْتَكِفُ فِي الْمَسْجِدِ وَيَضَعَ سُفْرَةً يَسْقُطُ عَلَيْهَا مَا يَقَعُ مِنْهُ كَيْلاَ يُلَوِّثَ الْمَسْجِدَ (2) . الْغِنَاءُ وَالتَّصْفِيقُ وَالرَّقْصُ فِي الْمَسْجِدِ 22 - قَال ابْنُ مُفْلِحٍ: يُسَنُّ أَنْ يُصَانَ الْمَسْجِدُ عَنِ الْغِنَاءِ فِيهِ وَالتَّصْفِيقِ (3) . وَأَمَّا لَعِبُ الْحَبَشَةِ بِدَرَقِهِمْ وَحِرَابِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ عِيدٍ وَجَعْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتُرُ عَائِشَةَ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَقَوْلُهُ لَهُمْ: دُونَكُمْ يَا بَنِي __________ (1) المهذب 1 / 198 - 199، 201. (2) الآداب الشرعية لابن مفلح 3 / 399، والمغني لابن قدامة 3 / 206. (3) الآداب الشرعية لابن مفلح 3 / 407 - 408، والمغني لابن قدامة 3 / 206. أَرْفَدَةَ (1) (بَنُو أَرْفَدَةَ: جِنْسٌ مِنَ الْحَبَشَةِ يَرْقُصُونَ) ، فَقَدْ قَال النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: فِيهِ جَوَازُ اللَّعِبِ بِالسِّلاَحِ وَنَحْوِهِ مِنْ آلاَتِ الْحَرْبِ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَلْحَقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الأَْسْبَابِ الْمُعِينَةِ عَلَى الْجِهَادِ، وَفِيهِ بَيَانُ مَا كَانَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ وَالْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ. وَلِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: " جَاءَ حَبَشٌ يَزْفِنُونَ (أَيْ يَرْقُصُونَ) فِي يَوْمِ عِيدٍ فِي الْمَسْجِدِ (2) "، وَنَقَل ابْنُ مُفْلِحٍ عَنْ شَرْحِ مُسْلِمٍ: حَمَلَهُ الْعُلَمَاءُ عَلَى التَّوَثُّبِ بِسِلاَحِهِمْ وَلَعِبِهِمْ بِحِرَابِهِمْ عَلَى قَرِيبٍ مِنْ هَيْئَةِ الرَّاقِصِ لأَِنَّ مُعْظَمَ الرِّوَايَاتِ إِنَّمَا فِيهَا لَعِبُهُمْ بِحِرَابِهِمْ فَتَتَأَوَّل هَذِهِ اللَّفْظَةُ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: بَيْنَمَا الْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ عِنْدَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِرَابِهِمْ إِذْ دَخَل عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَهْوَى إِلَى الْحَصْبَاءِ يَحْصِبُهُمْ فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعْهُمْ يَا عُمَرُ (3) ، قَال فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ هَذَا لاَ يَلِيقُ بِالْمَسْجِدِ وَأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ (4) . قَال الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ شَارِحُ الْبُخَارِيِّ: __________ (1) حديث: " دونكم يا بني أرفدة ". أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 440) ، ومسلم (2 / 609) . (2) حديث: " جاء حبش يزفنون في يوم عيد. . . ". أخرجه مسلم (2 / 609) من حديث عائشة رضي الله عنها. (3) حديث: " بينما الحبشة يلعبون. . ". أخرجه مسلم (2 / 610) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (4) الآداب الشرعية لابن مفلح 3 / 401 - 402. الْمَسْجِدُ مَوْضُوعٌ لأَِمْرِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَكُل مَا كَانَ مِنَ الأَْعْمَال الَّتِي تَجْمَعُ مَنْفَعَةَ الدِّينِ وَأَهْلِهِ، وَاللَّعِبُ بِالْحِرَابِ مِنْ تَدْرِيبِ الْجَوَارِحِ عَلَى مَعَانِي الْحُرُوبِ فَهُوَ جَائِزٌ فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ (1) . الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الأَْذَانِ 23 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ دَخَل مَسْجِدًا قَدْ أُذِّنَ فِيهِ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ حَتَّى يُصَلِّيَ إِلاَّ لِعُذْرِ كَانْتِقَاضِ طَهَارَةٍ أَوْ خَوْفِ فَوَاتِ رُفْقَةٍ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ مِمَّنْ يَنْتَظِمُ بِهِ أَمْرُ جَمَاعَةٍ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: لاَ يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ النِّدَاءِ إِلاَّ مُنَافِقٌ، إِلاَّ رَجُلٌ يَخْرُجُ لِحَاجَتِهِ وَهُوَ يُرِيدُ الرَّجْعَةَ إِلَى الصَّلاَةِ (2) وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَدْرَكَهُ الأَْذَانُ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ خَرَجَ لَمْ يَخْرُجْ لِحَاجَةٍ وَهُوَ لاَ يُرِيدُ الرَّجْعَةَ فَهُوَ مُنَافِقٌ (3) ، وَعَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَال: كُنَّا مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ رَجُلٌ حِينَ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِلْعَصْرِ فَقَال __________ (1) عمدة القاري 4 / 220. (2) حديث: " لا يخرج من المسجد بعد النداء. . ". أخرجه عبد الرزاق في " المصنف " (1 / 508) من حديث سعيد بن المسيب مرسلاً. (3) حديث: " من أدركه الآذان في المسجد. . . ". أخرجه ابن ماجه (1 / 242) من حديث عثمان بن عفان وضعفه البوصيري في " مصباح الزجاجة " (1 / 156 - 157) . أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ (1) . وَأَضَافَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى وَكَانَتِ الظُّهْرُ أَوِ الْعِشَاءُ فَلاَ بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ لأَِنَّهُ أَجَابَ دَاعِيَ اللَّهِ مَرَّةً، إِلاَّ إِذَا أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي الإِْقَامَةِ لأَِنَّهُ يُتَّهَمُ بِمُخَالَفَةِ الْجَمَاعَةِ عِيَانًا، وَإِنْ كَانَتِ الْعَصْرَ أَوِ الْمَغْرِبَ أَوِ الْفَجْرَ خَرَجَ وَإِنْ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فِيهَا لِكَرَاهَةِ التَّنَفُّل بَعْدَهَا (2) . وَقَالُوا: إِنَّ مَنْ دَخَل مَسْجِدًا قَدْ أُذِّنَ فِيهِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ صَلَّى أَوْ لاَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ صَلَّى، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَسْجِدَ حَيِّهِ أَوْ لاَ، فَإِنْ كَانَ مَسْجِدَ حَيِّهِ كُرِهَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ قَبْل الصَّلاَةِ لأَِنَّ الْمُؤَذِّنَ دَعَاهُ لِيُصَلِّيَ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسْجِدَ حَيِّهِ فَإِنْ صَلَّى فِي مَسْجِدِ حَيِّهِ فَكَذَلِكَ لأَِنَّهُ صَارَ بِالدُّخُول فِيهِ مِنْ أَهْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يُصَل فِيهِ وَهُوَ يَخْرُجُ لأَِنْ يُصَلِّيَ فِيهِ لاَ بَأْسَ بِهِ لأَِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ حَيِّهِ. وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى وَكَانَتِ الظُّهْرَ أَوِ الْعِشَاءَ فَلاَ بَأْسَ بِالْخُرُوجِ (3) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَحْرُمُ الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الأَْذَانِ بِلاَ عُذْرٍ أَوْ نِيَّةِ رُجُوعٍ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ __________ (1) أثر أبي هريرة: " أما هذا فقد عصى. . . ". أخرجه مسلم (1 / 454) . (2) فتح القدير 1 / 338. (3) العناية بهامش فتح القدير 1 / 338 - 339، وإعلام الساجد بأحكام المساجد 351، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري 2 / 143 ط. الريان للتراث، وجواهر الإكليل 1 / 98، والشرح الكبير 1 / 385، والمغني لابن قدامة 1 / 408. قَال: مَنْ أَدْرَكَهُ الأَْذَانُ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ خَرَجَ لَمْ يَخْرُجْ لِحَاجَةِ وَهُوَ لاَ يُرِيدُ الرَّجْعَةَ فَهُوَ مُنَافِقٌ (1) ، وَقَال صَالِحٌ: لاَ يَخْرُجُ، وَنَقَل أَبُو طَالِبٍ: لاَ يَنْبَغِي، وَنَقَل ابْنُ الْحَكَمِ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ لاَ يَخْرُجَ، وَكَرِهَهُ أَبُو الْوَفَاءِ وَأَبُو الْمَعَالِي وَقَال ابْنُ تَمِيمٍ: يَجُوزُ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَخْرُجَ بَعْدَ أَذَانِ الْفَجْرِ، قَال الشَّيْخُ: إِنْ كَانَ التَّأْذِينُ لِلْفَجْرِ قَبْل الْوَقْتِ لَمْ يُكْرَهِ الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ قَبْل الصَّلاَةِ (2) . صَلاَةُ النَّوَافِل فِي الْمَسْجِدِ 24 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ صَلاَةَ النَّوَافِل فِي الْبَيْتِ أَفَضْل مِنْهَا فِي الْمَسْجِدِ فَقَدْ قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلَيْكُمْ بِالصَّلاَةِ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ خَيْرَ صَلاَةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ (3) وَقَال: اجْعَلُوا مِنْ صَلاَتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وَلاَ تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا (4) ، وَقَال: أَفْضَل صَلاَةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ (5) . __________ (1) سبق تخريجه في نفس الفقرة. (2) كشاف القناع 1 / 244. (3) حديث: " عليكم بالصلاة في بيوتكم. . . ". أخرجه مسلم (1 / 540) من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه. (4) حديث: " اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 3 / 62) ، ومسلم (1 / 538) واللفظ لمسلم، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. (5) حديث: " أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ". أخرجه النسائي (3 / 198) من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه، وجود إسناده المنذري في الترغيب والترهيب (1 / 356 - ط. دار ابن كثير) . وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ مَا شُرِعَتْ لَهُ الْجَمَاعَةُ كَالتَّرَاوِيحِ فَإِنَّهَا تُصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ الرَّوَاتِبَ أَيْضًا (1) . الصَّلاَةُ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي الْمَسْجِدِ 25 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الصَّلاَةِ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي الْمَسْجِدِ فَكَرِهَهَا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَأَجَازَهَا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ فِيهِ، وَقَال الْحَنَابِلَةُ بِجِوَازِهَا فِي الْمَسْجِدِ وَقَيَّدَ الْحُكْمَ بِأَمْنِ تَلْوِيثِ الْمَسْجِدِ، وَإِلاَّ كُرِهَ (2) . وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (جَنَائِزٌ ف 38) . السَّكَنُ وَالْبِنَاءُ فِي الْمَسْجِدِ 26 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِقَيِّمِ الْمَسْجِدِ أَنْ يَجْعَلَهُ سَكَنًا لأَِنَّهُ إِنْ فَعَل ذَلِكَ تَسْقُطُ حُرْمَتُهُ. وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ حَوَانِيتَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي فِنَائِهِ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَفْعَل، لأَِنَّ الْفِنَاءَ تَبَعٌ لِلْمَسْجِدِ (3) . __________ (1) فتح القدير 1 / 313، 2 / 338، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1 / 314، والمهذب 1 / 91 - 92، ومنار السبيل في شرح الدليل 1 / 110 المكتب الإسلامي والمغني لابن قدامة 2 / 141. (2) فتح القدير 1 / 463 - 465، وجواهر الإكليل 1 / 113، وحاشية القليوبي 1 / 348، والمغني لابن قدامة 2 / 493. (3) فتح القدير 5 / 64. وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةِ لِرَجُلٍ تَجَرَّدَ لِلْعِبَادَةِ السُّكْنَى بِالْمَسْجِدِ وَذَلِكَ مَا لَمْ يَحْجُرْ فِيهِ وَيُضَيِّقْ عَلَى الْمُصَلِّينَ وَإِلاَّ مُنِعَ، لأَِنَّ السُّكْنَى فِي الْمَسْجِدِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التَّجَرُّدِ لِلْعِبَادَةِ مُمْتَنِعَةٌ، لأَِنَّهَا تَغْيِيرٌ لَهُ عَمَّا حُبِّسَ لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا أَوْ يُكْرَهُ وَلَوْ تَجَرَّدَتْ لِلْعِبَادَةِ لأَِنَّهَا قَدْ تَحِيضُ وَقَدْ يَلْتَذُّ بِهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْل الْمَسْجِدِ فَتَنْقَلِبُ الْعِبَادَةُ مَعْصِيَةً حَتَّى وَلَوْ كَانَتْ عَجُوزًا لاَ إِرَبَ لِلرِّجَال فِيهَا، قَال الدُّسُوقِيُّ: لأَِنَّ كُل سَاقِطَةٍ لَهَا لاَقِطَةٌ (1) . الاِعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ 27 - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ لِلرَّجُل أَنْ يَعْتَكِفَ إِلاَّ فِي الْمَسْجِدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} ، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْتَكِفْ إِلاَّ فِي الْمَسْجِدِ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا كَالرَّجُل لاَ يَصِحُّ أَنْ تَعْتَكِفَ إِلاَّ فِي الْمَسْجِدِ، مَا عَدَا الْحَنَفِيَّةَ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّهَا تَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا لأَِنَّهُ هُوَ مَوْضِعُ صَلاَتِهَا، وَلَوِ اعْتَكَفَتْ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ. وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (اعْتِكَافٌ ف 14 وَمَا بَعْدَهَا) . __________ (1) الشرح الكبير 4 / 70، وجواهر الإكليل 2 / 203. عَقْدُ النِّكَاحِ فِي الْمَسْجِدِ 28 - اسْتَحَبَّ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَقْدَ النِّكَاحِ فِي الْمَسْجِدِ لِلْبَرَكَةِ، وَلأَِجْل شُهْرَتِهِ فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ (1) . وَأَضَافَ الْمَالِكِيَّةُ فِي إِجَازَتِهِمْ لِعَقْدِ النِّكَاحِ فِي الْمَسْجِدِ أَنْ يَكُونَ بِمُجَرَّدِ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ شُرُوطٍ وَلاَ رَفْعِ صَوْتٍ أَوْ تَكْثِيرِ كَلاَمٍ وَإِلاَّ كُرِهَ فِيهِ. وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُخْتَارِ عِنْدَهُمْ: أَنَّ الزِّفَافَ بِهِ لاَ يُكْرَهُ إِذَا لَمْ يَشْتَمِل عَلَى مَفْسَدَةٍ دِينِيَّةٍ فَإِنِ اشْتَمَل عَلَيْهَا كُرِهَ فِيهِ (2) . الْبُصَاقُ فِي الْمَسْجِدِ 29 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي اسْتِحْبَابِ صِيَانَةِ الْمَسْجِدِ عَنِ الْبَصْقَةِ فِيهِ إِذْ هِيَ فِيهِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا لِمَا فِيهَا مِنْ تَقَزُّزِ النَّاسِ مِنْهَا. وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (بُصَاقٌ ف 4) . __________ (1) حديث: " أعلنوا هذا النكاح. . . ". أخرجه الترمذي (3 / 389 - 390) وضعفه ابن حجر في " فتح الباري " (9 / 226) . (2) فتح القدير 2 / 343 - 344، وجواهر الإكليل 1 / 275، 2 / 203، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 4 / 70، والمهذب في فقه الإمام الشافعي 1 / 201، وإعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 360، 362، وتحفة الراكع والساجد في أحكام المساجد ص208. الْبَيْعُ فِي الْمَسْجِدِ 30 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِغَيْرِ الْمُعْتَكِفِ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي الْمَسْجِدِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ وَشِرَاءَكُمْ وَبَيْعَكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ وَسَل سُيُوفِكُمْ وَاتَّخِذُوا عَلَى أَبْوَابِهَا الْمَطَاهِرَ وَجَمِّرُوهَا فِي الْجُمَعِ (1) . وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَهَى عَنِ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ وَأَنْ تُنْشَدَ فِيهِ ضَالَّةٌ، وَأَنْ يُنْشَدَ فِيهِ شِعْرٌ (2) ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُعْتَكِفِ فَإِنَّهُ لاَ بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ وَيَبْتَاعَ فِي الْمَسْجِدِ مَا كَانَ مِنْ حَوَائِجِهِ الأَْصْلِيَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحْضِرَ السِّلْعَةَ لأَِنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ بِأَنْ لاَ يَجِدَ مَنْ يَقُومُ بِحَاجَتِهِ، إِلاَّ أَنَّهُمْ قَالُوا: يُكْرَهُ إِحْضَارُ السِّلْعَةِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، لأَِنَّ الْمَسْجِدَ مُحَرَّرٌ عَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَفِيهِ شُغْلُهُ بِهَا (3) . وَكَذَلِكَ الْحَال عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي كَرَاهَةِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي الْمَسْجِدِ بِغَيْرِ سَمْسَرَةٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: لاَ أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ (4) . __________ (1) حديث: " جنبوا مساجدكم صبيانكم. . . ". تقدم تخريجه فقرة (17) . (2) حديث: " نهى عن الشراء والبيع في المسجد. . . ". أخرجه أبو داود (1 / 651) ، والترمذي (2 / 139) واللفظ لأبي داود، وقال الترمذي: " حديث حسن ". (3) فتح القدير 2 / 112، والمغني لابن قدامة 2 / 202، والآداب الشرعية لابن مفلح 3 / 394 - 395. (4) حديث: " إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد. . . ". أخرجه الترمذي (3 / 603) وقال: " حديث حسن ". فَإِنْ كَانَ بِسَمْسَرَةٍ أَيْ بِمُنَادَاةٍ عَلَى السِّلْعَةٍ بِأَنْ جَلَسَ صَاحِبُ السِّلْعَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَأَتَاهُ الْمُشْتَرِي يُقَلِّبُهَا وَيَنْظُرُ فِيهَا وَيُعْطِي فِيهَا مَا يُرِيدُ مِنْ ثَمَنٍ حَرُمَ لِجَعْل الْمَسْجِدِ سُوقًا، ثُمَّ إِنَّ مَحَل الْكَرَاهَةِ إِذَا جَعَل الْمَسْجِدَ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بِأَنْ أَظْهَرَ السِّلْعَةَ فِيهِ مُعْرِضًا لَهَا لِلْبَيْعِ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ عَقْدِهِمَا فَلاَ يُكْرَهُ (1) . وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْقَوْل بِكَرَاهَةِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِيهِ (2) ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لاَ أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ (3) . نِشْدَانُ الضَّالَّةِ فِي الْمَسْجِدِ 31 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ إِلَى كَرَاهَةِ نِشْدَانِ الضَّالَّةِ فِي الْمَسْجِدِ (4) فَعَنْ عَمْرِو بْنِ __________ (1) جواهر الإكليل 2 / 203، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 4 / 71. (2) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 324. (3) حديث: " إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد. . . ". تقدم تخريجه آنفاً. (4) فتح القدير 2 / 112، والشرح الكبير 4 / 71، وجواهر الإكليل 2 / 203، وإعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 324، والآداب الشرعية لابن مفلح 3 / 399 - 400. شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ يُنْشَدَ فِيهِ ضَالَّةٌ أَوْ يُنْشَدَ فِيهِ شِعْرٌ (1) . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: لاَ أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيهِ ضَالَّةً فَقُولُوا: لاَ رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ (2) ، وَعَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُل: لاَ رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا (3) . صَلاَةُ الْعِيدَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ 31 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ صَلاَةَ الْعِيدَيْنِ سُنَّةٌ فِي الْمُصَلَّى - وَالْمُرَادُ الْفَضَاءُ وَالصَّحْرَاءُ - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّهَا مَنْدُوبَةٌ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالأَْضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى (4) ، وَكَذَا الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ وَكَرِهُوا صَلاَتَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ __________ (1) حديث: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشراء. . . ". تقدم تخريجه ف (30) . (2) حديث: " إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد. . . ". تقدم تخريجه ف (30) . (3) حديث: " من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد. . . ". أخرجه مسلم (1 / 397) . (4) حديث: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 449) ، ومسلم (2 / 605) . ضَرُورَةٍ دَاعِيَةٍ إِلَى الصَّلاَةِ فِيهِ، وَذَلِكَ كَقِيَامِ عُذْرٍ يَمْنَعُ الْخُرُوجَ إِلَى الْمُصَلَّى مِنْ مَطَرٍ أَوْ وَحْلٍ أَوْ خَوْفٍ مِنْ لُصُوصٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنْ وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الأَْعْذَارِ وَمَثِيلاَتِهَا فَإِنَّهَا تُصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ بِلاَ كَرَاهَةٍ لِوُجُودِ الضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ لِذَلِكَ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: أَصَابَنَا مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ فَصَلَّى بِنَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ (1) ، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا صَلَّيَا فِي الْمَسْجِدِ فِي الْمَطَرِ، وَأَمَّا بِمَكَّةَ فَتُنْدَبُ صَلاَةُ الْعِيدَيْنِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِمُشَاهَدَةِ الْكَعْبَةِ (2) ، وَهِيَ عِبَادَةٌ لِخَبَرِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنَزِّل كُل يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عِشْرِينَ وَمِائَةَ رَحْمَةٍ، يَنْزِل عَلَى هَذَا الْبَيْتِ سِتُّونَ لِلطَّائِفِينَ وَأَرْبَعُونَ لِلْمُصَلِّينَ وَعِشْرُونَ لِلنَّاظِرِينَ (3) . __________ (1) حديث: " أصابنا مطر في يوم عيد. . . ". أخرجه ابن ماجه (1 / 416) وقال ابن حجر في " التلخيص الحبير " (2 / 83) : " وإسناده ضعيف ". (2) حاشية ابن عابدين 1 / 557، وفتح القدير 1 / 423، والاختيار شرح المختار 1 / 84 - 85، ومراقي الفلاح شرح نور الإيضاح 164 ط. محمد علي صبيح، وجواهر الإكليل 1 / 103، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 1 / 399، وأسهل المدارك شرح إرشاد السالك للكشناوي 1 / 336 - 337، والمهذب في فقه الإمام الشافعي 1 / 125، والقليوبي وعميرة على منهاج الطالبين 1 / 306 - 307، ومنار السبيل في شرح الدليل 1 / 149، ومغني المحتاج 1 / 312، والمغني لابن قدامة 2 / 372 - 373. (3) حديث: " إن الله تعالى ينزل في كل يوم وليلة عشرين ومائة رحمة. . . ". أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير 11 / 195) ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (3 / 292) : " وفيه يوسف بن سفر وهو متروك ". وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الْمَسْجِدَ إِنْ كَانَ وَاسِعًا فَهُوَ أَفْضَل مِنَ الْمُصَلَّى لأَِنَّ الأَْئِمَّةَ لَمْ يَزَالُوا يُصَلُّونَ صَلاَةَ الْعِيدِ بِمَكَّةَ فِي الْمَسْجِدِ، وَلأَِنَّ الْمَسْجِدَ أَشْرَفُ وَأَنْظَفُ، وَإِنْ صَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ فَلاَ بَأْسَ، لأَِنَّهُ إِذَا تَرَكَ الْمَسْجِدَ وَصَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ ضَرَرٌ، وَقِيل: فِعْلُهَا فِي الصَّحْرَاءِ أَفْضَل، لأَِنَّهَا أَرْفَقُ بِالرَّاكِبِ وَغَيْرِهِ، إِلاَّ لِعُذْرٍ كَمَطَرٍ وَنَحْوِهِ فَالْمَسْجِدُ أَفْضَل، وَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ ضَيِّقًا فَصَلَّى فِيهِ وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى الْمُصَلَّى كُرِهَ ذَلِكَ لِتَأَذِّي النَّاسِ بِالزِّحَامِ، وَرُبَّمَا فَاتَ بَعْضَهُمُ الصَّلاَةُ (1) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: وَالْحِكْمَةُ فِي صَلاَةِ الْعِيدَيْنِ فِي الْمُصَلَّى هِيَ مِنْ أَجْل الْمُبَاعَدَةِ بَيْنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ، لأَِنَّ الْمَسَاجِدَ وَإِنْ كَبُرَتْ يَقَعُ الاِزْدِحَامُ فِيهَا وَفِي أَبْوَابِهَا بَيْنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ دُخُولاً وَخُرُوجًا، فَتُتَوَقَّعُ الْفِتْنَةُ فِي مَحَل الْعِبَادَةِ (2) . 33 - وَهَل لِلْمُصَلَّى حُكْمُ الْمَسْجِدِ: سُئِل الْغَزَالِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ فِي فَتَاوِيهِ عَنِ الْمُصَلَّى الَّذِي بُنِيَ لِصَلاَةِ الْعِيدِ خَارِجَ الْبَلَدِ فَقَال: لاَ يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ فِي الاِعْتِكَافِ وَمُكْثِ الْجُنُبِ وَغَيْرِهِ مِنَ الأَْحْكَامِ، لأَِنَّ الْمَسْجِدَ هُوَ __________ (1) المهذب 1 / 125، والقليوبي وعميرة على منهاج الطالبين 1 / 306 - 307. (2) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 1 / 399. الَّذِي أُعِدَّ لِرَوَاتِبِ الصَّلاَةِ وَعُيِّنَ لَهَا، حَتَّى لاَ يُنْتَفَعَ بِهِ فِي غَيْرِهَا، وَمَوْضِعُ صَلاَةِ الْعِيدِ مُعَدٌّ لِلاِجْتِمَاعَاتِ وَلِنُزُول الْقَوَافِل وَلِرُكُوبِ الدَّوَابِّ وَلَعِبِ الصِّبْيَانِ وَلَمْ تَجْرِ عَادَةُ السَّلَفِ بِمَنْعِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِيهِ، وَلَوِ اعْتَقَدُوهُ مَسْجِدًا لَصَانُوهُ عَنْ هَذِهِ الأَْسْبَابِ، وَلَقُصِدَ لإِِقَامَةِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَصَلاَةُ الْعِيدِ تَطَوُّعٌ وَهُوَ لاَ يَكْثُرُ تَكَرُّرُهُ، بَل يُبْنَى لِقَصْدِ الاِجْتِمَاعِ وَالصَّلاَةُ تَقَعُ فِيهِ بِالتَّبَعِ (1) . صَلاَةُ النِّسَاءِ فِي الْمَسَاجِدِ 34 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلنِّسَاءِ أَنْ تَكُونَ صَلاَتُهُنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ، فَذَلِكَ لَهُنَّ أَفْضَل مِنْ صَلاَتِهِنَّ فِي الْمَسْجِدِ، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ (2) ، فَإِنْ أَرَادَتِ الْمَرْأَةُ حُضُورَ الْمَسْجِدِ مَعَ الرِّجَال: فَإِنْ كَانَتْ شَابَّةً أَوْ كَبِيرَةً يُشْتَهَى مِثْلُهَا كُرِهَ لَهَا الْحُضُورُ وَإِنْ كَانَتْ عَجُوزًا لاَ تُشْتَهَى لَمْ يُكْرَهْ لَهَا، لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: وَالَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ مَا صَلَّتِ امْرَأَةٌ صَلاَةً قَطُّ خَيْرٌ لَهَا مِنْ صَلاَةٍ تُصَلِّيهَا فِي بَيْتِهَا، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَوْ مَسْجِدَ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ __________ (1) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 386، وراجع الموسوعة في (مصطلح صلاة العيدين ف 10) . (2) حديث: " لا تمنعوا نساءكم المساجد. . . ". أخرجه أبو داود (1 / 383) . إِلاَّ عَجُوزًا فِي مَنْقَلِهَا (1) ، وَذَلِكَ حَيْثُ تَقِل الرَّغْبَةُ فِيهَا، وَلِذَا يَجُوزُ لَهَا حُضُورُ الْمَسَاجِدِ كَمَا فِي الْعِيدِ. وَإِنْ كَانَتْ شَابَّةً غَيْرَ فَارِهَةٍ فِي الْجَمَال وَالشَّبَابِ جَازَ لَهَا الْخُرُوجُ لِتُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ، بِشَرْطِ عَدَمِ الطِّيبِ، وَأَنْ لاَ يُخْشَى مِنْهَا الْفِتْنَةُ، وَأَنْ تَخْرُجَ فِي رَدِيءِ ثِيَابِهَا، وَأَنْ لاَ تُزَاحِمَ الرِّجَال، وَأَنْ تَكُونَ الطَّرِيقُ مَأْمُونَةً مِنْ تَوَقُّعِ الْمَفْسَدَةِ، فَإِنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ فِيهَا تِلْكَ الشُّرُوطُ كُرِهَ لَهَا الصَّلاَةُ فِيهِ، فَقَدْ كَانَتِ النِّسَاءُ يُبَاحُ لَهُنَّ الْخُرُوجُ إِلَى الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ لَمَّا صَارَ سَبَبًا لِلْوُقُوعِ فِي الْفِتْنَةِ مُنِعْنَ عَنْ ذَلِكَ (2) ، جَاءَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ} (3) ، أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ النِّسْوَةِ __________ (1) حديث: " والذي لا إله غيره ما صلت امرأة صلاة قط خير لها من صلاة تصليها في بيتها. . . ". أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " (3 / 131) ، وأخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (9 / 339) من حديث عبد الله بن مسعود موقوفاً، قال الهيثمي في مجموع الزوائد (2 / 35) : " رجاله رجال الصحيح ". والمنقل بفتح الميم الخف، ذكره على عادة العجائز في لبس المناقل وهي الخفاف (2) فتح القدير والعناية بهامشه 1 / 259، والمهذب 1 / 100، وجواهر الإكليل 1 / 80 - 81، والشرح الكبير 1 / 335 - 336، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 2 / 78، ومنار السبيل في شرح الدليل 1 / 123، وإعلام الساجد بأحكام المساجد 359 - 360. (3) سورة الحجر / 24. حَيْثُ كَانَ الْمُنَافِقُونَ يَتَأَخَّرُونَ لِلاِطِّلاَعِ عَلَى عَوْرَاتِهِنَّ، وَقَوْل عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي الصَّحِيحِ: " لَوْ أَدْرَكَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيل (1) ، وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَرْفَعُهُ أَيُّهَا النَّاسُ انْهُوا نِسَاءَكُمْ عَنْ لُبْسِ الزِّينَةِ وَالتَّبَخْتُرِ فِي الْمَسَاجِدِ، فَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيل لَمْ يُلْعَنُوا حَتَّى لَبِسَ نِسَاؤُهُمُ الزِّينَةَ وَتَبَخْتَرُوا فِي الْمَسَاجِدِ (2) ، وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: خَيْرُ مَسَاجِدِ النِّسَاءِ قَعْرُ بُيُوتِهِنَّ (3) . دُخُول الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ فِي الْمَسْجِدِ وَعُبُورُهُمْ لَهُ 35 - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: إِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ دُخُول الْمَسْجِدِ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: جَاءَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوُجُوهُ بُيُوتِ أَصْحَابِهِ شَارِعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ فَقَال: وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَل وَلَمْ يَصْنَعِ الْقَوْمُ شَيْئًا رَجَاءَ __________ (1) حديث: " لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 349) ، ومسلم (1 / 329) واللفظ للبخاري (2) حديث: " أيها الناس انهوا نساءكم عن لبس الزينة. . . " أورده ابن الهمام في فتح القدير (1 / 259) ، وعزاه لابن عبد البر في التمهيد ولم نهتد إليه في المطبوع. (3) حديث: " خير مساجد النساء قعر بيوتهن ". أخرجه الحاكم في المستدرك (1 / 209) وأحمد في المسند (6 / 297) وصححه ابن خزيمة في صحيحه (3 / 92) . أَنْ تَنْزِل فِيهِمْ رُخْصَةٌ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَقَال: وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ فَإِنِّي لاَ أُحِل الْمَسْجِدَ لِحَائِضِ وَلاَ جُنُبٍ (1) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ الْعُبُورُ فِيهِ إِنْ خِيفَ تَلْوِيثُ الْمَسْجِدِ وَإِنْ لَمْ يُخَفِ التَّلْوِيثُ جَازَ الْعُبُورُ (2) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (حَيْضٌ ف 41، وَجَنَابَةٌ ف 18، وَدُخُولٌ ف 6) . حَيْضُ الْمَرْأَةِ وَجَنَابَةُ الرَّجُل فِي الْمَسْجِدِ 36 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ إِذَا حَاضَتْ، وَالرَّجُل إِذَا أَجْنَبَ، وَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ أَنْ يَبْقَيَا فِيهِ وَهُمَا عَلَى مَا هُمَا عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِمَا أَنْ يَخْرُجَا مِنْهُ حَتَّى يَطْهُرَ كُلٌّ مِنْهُمَا، فَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ أُحِل الْمَسْجِدَ لِحَائِضِ وَلاَ جُنُبٍ (3) . وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الاِعْتِكَافَ لاَ يَفْسُدُ بِالاِحْتِلاَمِ، ثُمَّ إِنْ أَمْكَنَهُ الاِغْتِسَال فِي الْمَسْجِدِ __________ (1) حديث: " وجهوا هذه البيوت عن المسجد. . . . " أخرجه أبو داود (1 / 158 - 159) ، وأخرجه البيهقي في (السنن الكبرى 2 / 442) ونقل عن البخاري تضعيفه. (2) فتح القدير 1 / 114 - 115، ومراقي الفلاح شرح نور الإيضاح 42 ط. محمد علي صبيح، وجواهر الإكليل 1 / 32، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 1 / 173 - 175، والمهذب 1 / 45، 52، والإقناع للشربيني الخطيب 1 / 143 - 144 (3) حديث: " لا أحل المسجد. . . " سبق تخريجه ف (35) مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَلَوَّثَ الْمَسْجِدُ فَلاَ بَأْسَ بِهِ، وَإِلاَّ فَيَخْرُجُ وَيَغْتَسِل وَيَعُودُ إِلَى الْمَسْجِدِ (1) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ وَهِيَ فِي مَسْجِدِ اعْتِكَافِهَا - قَبْل إِتْمَامِ مَا نَوَتْهُ أَوْ نَذَرَتْهُ - خَرَجَتْ وُجُوبًا مِنْهُ وَعَلَيْهَا حُرْمَةُ الاِعْتِكَافِ، فَلاَ تَفْعَل مَا لاَ يَفْعَلُهُ الْمُعْتَكِفُ مِنْ جِمَاعٍ أَوْ مُقَدِّمَاتِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِذَا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا رَجَعَتْ فَوْرًا لِمُعْتَكَفِهَا لِلْبِنَاءِ، وَالْمُرَادُ بِالْبِنَاءِ: الإِْتْيَانُ بِبَدَل مَا حَصَل فِيهِ الْمَانِعُ وَتَكْمِيل مَا نَذَرَتْهُ وَلَوْ أَخَّرَتْ رُجُوعَهَا إِلَيْهِ وَلَوْ نَاسِيَةً أَوْ مُكْرَهَةً بَطَل اعْتِكَافُهَا وَعَلَيْهَا أَنْ تَسْتَأْنِفَهُ. وَإِذَا أَجْنَبَ الرَّجُل فِي الْمَسْجِدِ وَكَانَ مُعْتَكِفًا فَسَدَ اعْتِكَافُهُ وَابْتَدَأَهُ بَعْدَ أَنْ يَغْتَسِل، إِذْ يَحْرُمُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ مِنْ أَهْلِهِ بِاللَّيْل مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْهُنَّ بِالنَّهَارِ، وَلاَ يَحِل لِرَجُلٍ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَتَهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ (2) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} (3) . وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا طَرَأَ الْحَيْضُ وَجَبَ الْخُرُوجُ، وَكَذَا الْجَنَابَةُ إِنْ تَعَذَّرَ الْغُسْل فِي __________ (1) فتح القدير 2 / 113 - 114، والاختيار شرح المختار 1 / 137 ط. مصطفى الحلبي 1936، والفتاوى الهندية 1 / 213، وانظر الدر المختار ورد المحتار عليه 2 / 131 - 132. (2) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 1 / 552، وجواهر الإكليل 1 / 160. (3) سورة البقرة / 187. الْمَسْجِدِ لِحُرْمَةِ الْمُكْثِ فِيهِ عَلَى الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ، فَلَوْ أَمْكَنَ الْغُسْل فِيهِ جَازَ الْخُرُوجُ لَهُ وَلاَ يَلْزَمُ، بَل يَجُوزُ الْغُسْل فِيهِ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُبَادِرَ بِهِ كَيْلاَ يَبْطُل تَتَابُعُ اعْتِكَافِهِ، وَلاَ يُحْسَبُ زَمَنُ الْحَيْضِ وَلاَ الْجَنَابَةِ فِي الْمَسْجِدِ مِنَ الاِعْتِكَافِ لِمُنَافَاتِهِمَا لَهُ (1) . وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: إِذَا أَجْنَبَ الرَّجُل فِي الْمَسْجِدِ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُرَاعِيَ أَقْرَبَ الطُّرُقِ إِلَى الْخُرُوجِ (2) . وَيَقُول الْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ عَلَى الْحَائِضِ الْمُعْتَكِفَةِ أَنْ تَتَحَيَّضَ فِي خِبَاءٍ فِي رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ إِنْ كَانَ لَهُ رَحْبَةٌ وَأَمْكَنَ ذَلِكَ بِلاَ ضَرَرٍ وَإِلاَّ فَفِي بَيْتِهَا، فَإِنْ طَهُرَتْ وَكَانَ الاِعْتِكَافُ مَنْذُورًا رَجَعَتْ فَأَتَمَّتِ اعْتِكَافَهَا وَقَضَتْ مَا فَاتَهَا وَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهَا (3) . وَقَال ابْنُ مُفْلِحٍ: وَفِي جَوَازِ مَبِيتِ الْجُنُبِ فِيهِ مُطْلَقًا بِلاَ ضَرُورَةٍ رِوَايَتَانِ، وَقِيل: يَجُوزُ إِنْ كَانَ مُسَافِرًا أَوْ مُجْتَازًا، وَإِلاَّ فَلاَ (4) . وَإِذَا خَافَ الْجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ، أَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ، أَوْ لَمْ يَجِدْ مَكَانًا غَيْرَهُ، أَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْغُسْل وَلاَ الْوُضُوءُ تَيَمَّمَ ثُمَّ __________ (1) منهاج الطالبين مع شرح المحلي 2 / 80 ط. دار إحياء الكتب العربية، والمهذب 1 / 200. (2) إعلام الساجد بأحكام المساجد 316. (3)) المغني لابن قدامة 3 / 209. (4) الآداب الشرعية لابن مفلح 3 / 399. أَقَامَ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِذَا تَوَضَّأَ الْجُنُبُ فَلَهُ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ، وَقَال أَكْثَرُ أَهْل الْعِلْمِ: لاَ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ (1) . تَخَطِّي الرِّقَابِ فِي الْمَسْجِدِ 37 - لِتَخَطِّي الرِّقَابِ فِي الْمَسْجِدِ أَحْكَامٌ تَخْتَلِفُ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمُتَخَطِّي إِنْ كَانَ إِمَامًا أَوْ غَيْرَهُ، أَوْ كَانَ لِلصَّلاَةِ أَوْ لِغَيْرِهَا، وَمَعَ وُجُودِ فُرْجَةٍ أَوْ عَدَمِ وُجُودِهَا. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (تَخَطِّي الرِّقَابِ ف 2 وَمَا بَعْدَهَا) . وَقْفُ الْمَسْجِدِ وَالْوَقْفُ عَلَيْهِ 38 - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ وَقْفِ الْمَسْجِدِ وَالْوَقْفِ عَلَيْهِ مِمَّنْ كَانَ مِنْ أَهْل التَّبَرُّعِ، لأَِنَّهُ قُرْبَةٌ وَعَلَى جِهَةِ بِرٍّ، إِلاَّ أَنَّهُمْ وَضَعُوا قَوَاعِدَ لِزَوَال مِلْكِ وَاقِفِهِ عَنْهُ وَلُزُومِهِ. وَفِي هَذَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لَمْ يَزَل مِلْكُهُ عَنْهُ حَتَّى يُفْرِزَهُ عَنْ مِلْكِهِ بِطَرِيقِهِ، وَيَأْذَنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلاَةِ فِيهِ، فَإِذَا صَلَّى فِيهِ وَاحِدٌ زَال عَنْ مِلْكِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عَنْهُمَا، وَفِي الأُْخْرَى: لاَ يَزُول إِلاَّ بِصَلاَةِ جَمَاعَةٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَزُول مِلْكُهُ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: جَعَلْتُهُ مَسْجِدًا، لأَِنَّ التَّسْلِيمَ عِنْدَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، كَمَا يَصِحُّ الْوَقْفُ __________ (1) المغني لابن قدامة 1 / 146. عَلَيْهِ وَالْمَسْجِدُ جُعِل لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخُلُوصِ مُحَرَّرًا عَنْ أَنْ يَمْلِكَ الْعِبَادُ فِيهِ شَيْئًا غَيْرَ الْعِبَادَةِ فِيهِ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ خَرَجَ عَنْ مِلْكِ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ (1) . وَمَتَى زَال مِلْكُهُ عَنْهُ وَلَزِمَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ وَلاَ يَبِيعَهُ وَلاَ يُورَثَ عَنْهُ، لأَِنَّهُ تَجَرَّدَ عَنْ حَقِّ الْعِبَادِ وَصَارَ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا لأَِنَّ الأَْشْيَاءَ كُلَّهَا لِلَّهِ وَإِذَا أَسْقَطَ الْعَبْدُ مَا ثَبَتَ لَهُ مِنَ الْحَقِّ رَجَعَ إِلَى أَصْلِهِ فَانْقَطَعَ تَصَرُّفُهُ عَنْهُ كَمَا فِي الإِْعْتَاقِ (2) . وَيَقُول الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا، وَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ لِلصَّلاَةِ فِيهِ صَحَّ وَقْفُهُ وَلَزِمَ، فَإِذَا لَمْ يُخَل الْوَاقِفُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ بَطَل وَقْفُهُ، كَمَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ (3) . وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا وَصَلَّى فِيهِ، أَوْ أَذِنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلاَةِ، وَقَال: وَقَفْتُهُ مَسْجِدًا لِلصَّلاَةِ فِيهِ صَحَّ وَقْفُهُ، وَإِنْ لَمْ يَقُل ذَلِكَ لَمْ يَصِرْ مَسْجِدًا، لأَِنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ مَعَ الْقُدْرَةِ كَالْعِتْقِ. فَإِذَا صَحَّ لَزِمَ وَانْقَطَعَ تَصَرُّفُ الْوَاقِفِ فِيهِ، __________ (1) فتح القدير 5 / 64. (2) فتح القدير 5 / 64. (3) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 4 / 81، وجواهر الإكليل 2 / 206. لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا قَال فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ، إِنَّهُ لاَ يُبَاعُ وَلاَ يُوهَبُ وَلاَ يُورَثُ (1) ، وَيَزُول مِلْكُهُ عَنِ الْعَيْنِ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ (2) . وَيَقُول الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا وَأَذِنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلاَةِ فِيهِ إِذْنًا عَامًّا كَانَ لاَزِمًا وَمُؤَبَّدًا لاَ يُبَاعُ وَلاَ يُوهَبُ وَلاَ يُورَثُ (3) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (وَقْفٌ) . الْوَصِيَّةُ لِلْمَسْجِدِ 39 - الْوَصِيَّةُ لِلْمَسْجِدِ أَجَازَهَا الْفُقَهَاءُ وَيُصْرَفُ الْمُوصَى بِهِ فِي مَصَالِحِهِ كَوُقُودِهِ وَعِمَارَتِهِ، لأَِنَّهُ مَقْصُودُ النَّاسِ بِالْوَصِيَّةِ لَهُ. وَقَال الدُّسُوقِيُّ: إِنِ اقْتَضَى الْعُرْفُ صَرْفَهَا لِلْمُجَاوِرِينَ كَالْجَامِعِ الأَْزْهَرِ صُرِفَ لَهُمْ لاَ لِمَرَمَّتِهِ وَحُصْرِهِ، وَنَحْوِهِمَا (4) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (وَصِيَّةٌ) . __________ (1) حديث: " إن شئت حبست أصلها. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 5 / 354) ، ومسلم (3 / 1255) ، واللفظ للبخاري. (2) المهذب 1 / 448 - 449، وشرح المحلي على المنهاج 3 / 100 - 101. (3) منار السبيل في شرح الدليل 2 / 6 المكتب الإسلامي. (4) جواهر الإكليل 2 / 317، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 4 / 426، وشرح المحلي على المنهاج 3 / 159، ومنار السبيل في شرح الدليل 2 / 40، والاختيار شرح المختار 3 / 201 مصطفى البابي الحلبي 1936م. دُخُول الذِّمِّيِّ الْمَسْجِدَ 40 - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِدُخُول الذِّمِّيِّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْزَل وَفْدَ ثَقِيفٍ فِي الْمَسْجِدِ وَكَانُوا كُفَّارًا وَقَال: إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الأَْرْضِ مِنْ أَنْجَاسِ النَّاسِ شَيْءٌ إِنَّمَا أَنْجَاسُ النَّاسِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ (1) ، وَتَأْوِيل الآْيَةِ أَنَّهُمْ لاَ يَدْخُلُونَ مُسْتَوْلِينَ أَوْ طَائِفِينَ عُرَاةً كَمَا كَانَتْ عَادَتُهُمْ (2) . وَمَنَعَ الْمَالِكِيَّةُ دُخُول الذِّمِّيِّ الْمَسْجِدَ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي الدُّخُول مَا لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ لِدُخُولِهِ كَعِمَارَةِ وَإِلاَّ فَلاَ (3) . وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: يُمَكَّنُ الْكَافِرُ مِنْ دُخُول الْمَسْجِدِ وَاللُّبْثِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ جُنُبًا، فَإِنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يَدْخُلُونَ مَسْجِدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلاَ شَكَّ أَنَّ فِيهِمُ الْجُنُبَ. وَأَطْلَقَ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْكَافِرِ أَنْ يَدْخُل مَسَاجِدَ غَيْرَ الْحَرَمِ بِإِذْنِ الْمُسْلِمِ، فَإِذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمُسْلِمُ فِي ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ الدُّخُول عَلَى الصَّحِيحِ، فَإِنْ دَخَل بِغَيْرِ إِذْنٍ عُزِّرَ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ جَاهِلاً بِتَوَقُّفِهِ عَلَى الإِْذْنِ فَلاَ يُعَزَّرُ (4) . __________ (1) حديث: " إنه ليس على الأرض. . . ". أخرجه البخاري في " شرح معاني الآثار " (1 / 13) من حديث الحسن البصري مرسلاً. (2) الاختيار شرح المختار 3 / 121. (3) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 1 / 139، وجواهر الإكليل 1 / 23، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 2 / 78. (4) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 318 - 320. وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ: أَنَّهُ لَيْسَ لِلذِّمِّيِّ دُخُول مَسَاجِدِ الْحِل (وَهِيَ كُل مَسْجِدٍ خَارِجِ نِطَاقِ حَرَمِ مَكَّةَ) بِغَيْرِ إِذْنِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لَهُمْ دُخُولُهُ (1) . وَقْفُ الذِّمِّيِّ عَلَى الْمَسْجِدِ 41 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَقْفِ الذِّمِّيِّ عَلَى الْمَسْجِدِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى صِحَّتِهِ لِعُمُومِ أَدِلَّةِ الْوَقْفِ، وَمَنَعَهُ الْمَالِكِيَّةُ. وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (وَقْفٌ) . الزَّكَاةُ لِلْمَسْجِدِ 42 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، لاِنْعِدَامِ التَّمْلِيكِ. وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (زَكَاةٌ ف) . وَنَقَل الإِْمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ عَنِ الْقَفَّال فِي تَفْسِيرِهِ آيَةَ الزَّكَاةِ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُمْ أَجَازُوا صَرْفَ الصَّدَقَاتِ إِلَى جَمِيعِ وُجُوهِ الْخَيْرِ مِنْ تَكْفِينِ الْمَوْتَى وَبِنَاءِ الْحُصُونِ وَعِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ لأَِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَفِي سَبِيل اللَّهِ} (2) عَامٌّ فِي الْكُل (3) . الصَّدَقَةُ عَلَى السَّائِلِينَ فِي الْمَسْجِدِ 43 - قَال الزَّرْكَشِيُّ: لاَ بَأْسَ أَنْ يُعْطَى السَّائِل __________ (1) المغني لابن قدامة 8 / 532، والآداب الشرعية لابن مفلح 3 / 406 - 407. (2) سورة التوبة / 60. (3) تفسير الرازي 16 / 87. فِي الْمَسْجِدِ شَيْئًا لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَل مِنْكُمْ أَحَدٌ أَطْعَمَ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ فَقَال أَبُو بَكْرٍ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا أَنَا بِسَائِلٍ يَسْأَل فَوَجَدْتُ كِسْرَةَ خُبْزٍ فِي يَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَأَخَذْتُهَا مِنْهُ فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ (1) . وَنَقَل الزَّرْكَشِيُّ عَنْ كِتَابِ الْكَسْبِ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ السَّائِل لاَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ وَلاَ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي، وَلاَ يَسْأَل النَّاسَ إِلْحَافًا فَلاَ بَأْسَ بِالسُّؤَال وَالإِْعْطَاءِ، لأَِنَّ السُّؤَّال كَانُوا يَسْأَلُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يُرْوَى أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَصَدَّقَ بِخَاتَمِهِ وَهُوَ فِي الرُّكُوعِ (2) . فَمَدَحَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} (3) ، وَإِنْ كَانَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ وَيَمُرُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي فَيُكْرَهُ إِعْطَاؤُهُ، لأَِنَّهُ إِعَانَةٌ لَهُ عَلَى أَذَى النَّاسِ حَتَّى قِيل: هَذَا فَلْسٌ وَاحِدٌ يَحْتَاجُ إِلَى سَبْعِينَ فَلْسًا لِكَفَّارَتِهِ (4) . وَقَال ابْنُ مُفْلِحٍ: قَال بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُكْرَهُ السُّؤَال وَالتَّصَدُّقُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَمُرَادُهُمْ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - التَّصَدُّقُ عَلَى السُّؤَّال لاَ مُطْلَقًا، __________ (1) حديث: " هل منكم أحد أطعم. . . ". أخرجه أبو داود (2 / 309) ، ونقل المنذري في " مختصر السنن " (2 / 252) عن أبي بكر البزار أن إسناده مرسل. (2) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6 / 221. (3)) سورة المائدة / 55. (4) ) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 353 - 354. وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ، وَأَكْثَرُهُمْ لَمْ يَذْكُرِ الْكَرَاهَةَ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى أَنَّ مَنْ سَأَل قَبْل خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ ثُمَّ جَلَسَ لَهَا تَجُوزُ الصَّدَقَةُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ تَصَدَّقَ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْأَل أَوْ سَأَل الْخَطِيبُ الصَّدَقَةَ عَلَى إِنْسَانٍ جَازَ. وَنَقَل ابْنُ مُفْلِحٍ عَنِ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ بَدْرٍ قَال: صَلَّيْتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِذَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بِقُرْبٍ مِنِّي، فَقَامَ سَائِلٌ فَسَأَل فَأَعْطَاهُ أَحْمَدُ قِطْعَةً (1) . وَكَرِهَ الْحَنَفِيَّةُ التَّخَطِّيَ لِلسُّؤَال فَلاَ يَمُرُّ السَّائِل بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي وَلاَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ وَلاَ يَسْأَل النَّاسَ إِلْحَافًا إِلاَّ إِذَا كَانَ لأَِمْرٍ لاَ بُدَّ مِنْهُ (2) . اسْتِبْدَال الْمَسْجِدِ 44 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ اسْتِبْدَال الْمَسْجِدِ. قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ بَاعَ كَرْمًا فِيهِ مَسْجِدٌ قَدِيمٌ إِنْ كَانَ عَامِرًا يَفْسُدُ الْبَيْعُ وَإِلاَّ لاَ، وَلَوِ اشْتَرَى دَارًا بِطَرِيقِهَا ثُمَّ اسْتُحِقَّ الطَّرِيقُ: إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا بِحِصَّتِهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا إِنْ كَانَ الطَّرِيقُ مُخْتَلِطًا بِهَا، وَإِنْ كَانَ مُتَمَيِّزًا لَزِمَهُ الدَّارُ بِحِصَّتِهَا، وَمَعْنَى اخْتِلاَطِهِ كَوْنُهُ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ __________ (1) الآداب الشرعية لابن مفلح 3 / 408 ط. الرياض الحديثة. (2) الفتاوى الهندية 1 / 148، وحاشية ابن عابدين 1 / 554. الْحُدُودَ، وَفِي الْمُنْتَقَى: إِذَا لَمْ يَكُنِ الطَّرِيقُ مَحْدُودًا فَسَدَ الْبَيْعُ، وَالْمَسْجِدُ الْخَاصُّ كَالطَّرِيقِ الْمَعْلُومِ وَلَوْ كَانَ مَسْجِدُ جَمَاعَةٍ فَسَدَ الْبَيْعُ فِي الْكُل، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلَوْ كَانَ مَسْجِدٌ جَامِعٌ فَسَدَ فِي الْكُل، وَكَذَا لَوْ كَانَ مَهْدُومًا أَوْ أَرْضًا سَاحَةً لاَ بِنَاءَ فِيهَا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ مَسْجِدًا جَامِعًا كَذَا فِي الْمُجْتَبَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مُتَفَرِّعٌ عَلَى قَوْل أَبِي يُوسُفَ فِي الْمَسْجِدِ: إِلاَّ إِنْ كَانَ مِنْ رِيعِهِ مَعْلُومٌ يُعَادُ بِهِ، وَلَوْ بَاعَ قَرْيَةً وَفِيهَا مَسْجِدٌ وَاسْتُثْنِيَ الْمَسْجِدُ جَازَ الْبَيْعُ (1) . وَفِي هَذَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ: أَمَّا الْمَسْجِدُ فَلاَ خِلاَفَ فِي عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ خَرِبَ أَمْ لاَ، وَإِنِ انْتَقَلَتِ الْعِمَارَةُ عَنْ مَحَلِّهِ، وَمِثْل عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الْمَسْجِدِ نَقْضُهُ، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ نَقْضِ الْمَسْجِدِ بِمَعْنَى أَنْقَاضِهِ. وَإِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ مَحْفُوفًا بِوُقُوفِ فَافْتَقَرَ إِلَى تَوْسِعَةٍ جَازَ أَنْ يَبْتَاعَ مِنْهَا مَا يُوَسِّعُ بِهِ، يَعْنِي أَنَّ الْمَسْجِدَ إِذَا كَانَ مَحْفُوفًا بِوُقُوفِ وَكَانَ هَذَا الْمَسْجِدُ فِي حَاجَةٍ إِلَى تَوْسِعَةٍ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُوَسِّعُهُ إِلاَّ بِبَيْعِ بَعْضِ تِلْكَ الأَْوْقَافِ أَوْ كُلِّهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ لِتَوْسِعَةِ الْمَسْجِدِ، وَعَلَى هَذَا فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الْحَبْسِ وَلَوْ صَارَ خَرِبًا إِلاَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهِيَ مَا إِذَا ضَاقَ الْمَسْجِدُ بِأَهْلِهِ، __________ (1) فتح القدير 5 / 227 ط. المطبعة الكبرى الأميرية 1316هـ. أَوِ احْتَاجَ إِلَى تَوْسِعَةٍ، وَبِجَانِبِهِ عَقَارُ حَبْسٍ أَوْ مِلْكٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْحَبْسِ لأَِجْل تَوْسِعَةِ الْمَسْجِدِ، وَإِنْ أَبَى صَاحِبُ الْحَبْسِ أَوْ صَاحِبُ الْمِلْكِ بَيْعَ ذَلِكَ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُمَا يُجْبَرَانِ عَلَى بَيْعِ ذَلِكَ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِ الْحَبْسِ مَا يُجْعَل حَبْسًا كَالأَْوَّل، وَمِثْل تَوْسِعَةِ الْمَسْجِدِ تَوْسِعَةُ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَمَقْبَرَتِهِمْ. وَفِي الْمَوَّاقِ: قَال سَحْنُونٌ: لَمْ يُجِزْ أَصْحَابُنَا بَيْعَ الْحَبْسِ بِحَالٍ إِلاَّ دَارًا بِجِوَارِ مَسْجِدٍ احْتِيجَ أَنْ تُضَافَ إِلَيْهِ لِيَتَوَسَّعَ بِهَا، فَأَجَازُوا بَيْعَ ذَلِكَ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهَا دَارٌ تَكُونُ حَبْسًا، وَقَدْ أُدْخِل فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُورٌ مُحَبَّسَةٌ كَانَتْ تَلِيهِ، وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَجُوزُ فِي مَسَاجِدِ الْجَوَامِعِ إِنِ احْتِيجَ إِلَى ذَلِكَ لاَ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ، إِذْ لَيْسَتِ الضَّرُورَةُ فِيهَا كَالْجَوَامِعِ (1) . وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ: لَوِ انْهَدَمَ مَسْجِدٌ وَتَعَذَّرَتْ إِعَادَتُهُ لَمْ يُبَعْ بِحَالٍ لإِِمْكَانِ الصَّلاَةِ فِيهِ فِي الْحَال، وَيَقُول الْقَلْيُوبِيُّ تَعْلِيقًا عَلَى قَوْل صَاحِبِ الْمِنْهَاجِ (وَتَعَذَّرَتْ إِعَادَتُهُ) : أَيْ بِنَقْضِهِ، ثُمَّ إِنْ رُجِيَ عَوْدُهُ حُفِظَ نَقْضُهُ وُجُوبًا - وَلَوْ بِنَقْلِهِ إِلَى مَحَلٍّ آخَرَ إِنْ خِيفَ عَلَيْهِ لَوْ بَقِيَ - وَلِلْحَاكِمِ هَدْمُهُ وَنَقْل نَقْضِهِ إِلَى مَحَلٍّ أَمِينٍ __________ (1) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك 3 / 104 - 105 دار الفكر. إِنْ خِيفَ عَلَى أَخْذِهِ لَوْ لَمْ يُهْدَمْ، فَإِنْ لَمْ يُرْجَ عَوْدُهُ بُنِيَ بِهِ مَسْجِدٌ آخَرُ لاَ نَحْوُ مَدْرَسَةٍ، وَكَوْنُهُ بِقُرْبِهِ أَوْلَى، فَإِنْ تَعَذَّرَ الْمَسْجِدُ بُنِيَ بِهِ غَيْرُهُ. وَأَمَّا غَلَّتُهُ الَّتِي لَيْسَ لأَِرْبَابِ الْوَظَائِفِ وَحُصْرُهُ وَقَنَادِيلُهُ فَكَنَقْضِهِ وَإِلاَّ فَهِيَ لأَِرْبَابِهَا، وَإِنْ تَعَذَّرَتْ، لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِمْ (1) . وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِذَا تَعَطَّلَتْ مَنَافِعُ الْمَسْجِدِ بِخَرَابٍ أَوْ غَيْرِهِ، كَخَشَبٍ تَشَعَّثَ وَخِيفَ سُقُوطُهُ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُعْمَرُ بِهِ، فَيُبَاعُ وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ أَوْ بَعْضِ مِثْلِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ قَال: وَإِذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ خَشَبَاتٌ لاَ قِيمَةَ لَهَا جَازَ بَيْعُهَا وَصَرْفُ ثَمَنِهَا عَلَيْهِ، وَقَال: يُحَوَّل الْمَسْجِدُ خَوْفًا مِنَ اللُّصُوصِ وَإِذَا كَانَ مَوْضِعُهُ قَذِرًا، قَال أَبُو بَكْرٍ الْمَعْرُوفُ بِالْخَلاَّل: وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْمَسَاجِدَ لاَ تُبَاعُ إِنَّمَا تُنْقَل آلَتُهَا، قَال: وَبِالْقَوْل الأَْوَّل أَقُول، لإِِجْمَاعِهِمْ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْفَرَسِ الْحَبِيسِ إِذَا لَمْ يَصْلُحْ لِلْغَزْوِ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنَ الْفَرَسِ أُعِينَ بِهِ فِي فَرَسٍ حَبِيسٍ، لأَِنَّ الْوَقْفَ مُؤَبَّدٌ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ تَأْبِيدُهُ بِعَيْنِهِ اسْتَبْقَيْنَا الْفَرَسَ - وَهُوَ الاِنْتِفَاعُ عَلَى الدَّوَامِ - فِي عَيْنٍ أُخْرَى وَاتِّصَال الأَْبْدَال يَجْرِي مَجْرَى الأَْعْيَانِ وَجُمُودُنَا عَلَى الْعَيْنِ مَعَ تَعَطُّلِهَا تَضْيِيعٌ لِلْغَرَضِ كَذَبْحِ الْهَدْيِ إِذَا أَعْطَبَ فِي مَوْضِعِهِ __________ (1) منهاج الطالبين وحاشية القليوبي عليه 3 / 108 ط. دار إحياء الكتب العربية. مَعَ اخْتِصَاصِهِ بِمَوْضِعٍ آخَرَ، فَلَمَّا تَعَذَّرَ تَحْصِيل الْغَرَضِ بِالْكُلِّيَّةِ اسْتَوْفَى مِنْهُ مَا أَمْكَنَ، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ. وَبِمُجَرَّدِ شِرَاءِ الْبَدَل يَصِيرُ وَقْفًا، وَكَذَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ لَوْ ضَاقَ عَلَى أَهْلِهِ وَلَمْ تُمْكِنْ تَوْسِعَتُهُ فِي مَوْضِعِهِ، أَوْ خَرِبَتْ مَحَلَّتُهُ أَوِ اسْتُقْذِرَ مَوْضِعُهُ، قَال الْقَاضِي: يَعْنِي إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ الصَّلاَةِ فِيهِ فَيُبَاعُ. وَيَجُوزُ نَقْل آلَتِهِ وَحِجَارَتِهِ لِمَسْجِدٍ آخَرَ احْتَاجَ إِلَيْهَا، وَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ بَيْعِهِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إِلَى سَعْدٍ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ بَيْتَ الْمَال الَّذِي فِي الْكُوفَةِ نُقِبَ، أَنِ انْقُل الْمَسْجِدَ الَّذِي بِالتَّمَّارِينَ وَاجْعَل بَيْتَ الْمَال فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُ لَنْ يَزَال فِي الْمَسْجِدِ مُصَلٍّ، وَكَانَ هَذَا بِمَشْهَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ خِلاَفُهُ فَكَانَ كَالإِْجْمَاعِ (1) . بَيْعُ الْمَسْجِدِ أَوْ أَنْقَاضِهِ دُونَ أَرْضِهِ 45 - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ لاَ يُبَاعُ، وَفِي هَذَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ: مَنِ اتَّخَذَ أَرْضَهُ مَسْجِدًا وَاسْتَوْفَى شُرُوطَ صِحَّةِ وَقْفِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ وَلاَ يَبِيعَهُ وَلاَ يُورَثَ عَنْهُ، لأَِنَّهُ تَجَرَّدَ عَنْ حَقِّ الْعِبَادِ وَصَارَ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا لأَِنَّ الأَْشْيَاءَ كُلَّهَا لِلَّهِ تَعَالَى وَإِذَا أَسْقَطَ __________ (1) منار السبيل في شرح الدليل 2 / 18 - 19. الْعَبْدُ مَا ثَبَتَ لَهُ مِنَ الْحَقِّ رَجَعَ إِلَى أَصْلِهِ فَانْقَطَعَ تَصَرُّفُهُ عَنْهُ كَمَا فِي الإِْعْتَاقِ. وَلَوْ خَرِبَ مَا حَوْل الْمَسْجِدِ وَاسْتُغْنِيَ عَنْهُ يَبْقَى مَسْجِدًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لأَِنَّهُ إِسْقَاطٌ مِنْهُ فَلاَ يَعُودُ إِلَى مِلْكِهِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَعُودُ إِلَى مِلْكِ الْبَانِي (الْوَاقِفِ) إِنْ كَانَ حَيًّا أَوْ إِلَى وَارِثِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ بَانِيهِ وَلاَ وَرَثَتُهُ كَانَ لَهُمْ بَيْعُهُ وَالاِسْتِعَانَةُ بِثَمَنِهِ فِي بِنَاءِ مَسْجِدٍ آخَرَ لأَِنَّهُ عَيَّنَهُ لِنَوْعِ قُرْبَةٍ، وَقَدِ انْقَطَعَتْ، فَصَارَ كَحَصِيرِ الْمَسْجِدِ وَحَشِيشِهِ إِذَا اسْتُغْنِيَ عَنْهُ، إِلاَّ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَقُول فِي الْحُصْرِ وَالْحَشِيشِ إِنَّهُ يُنْقَل إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ. وَلَوْ ضَاقَ الْمَسْجِدُ وَبِجَنْبِهِ أَرْضٌ وَقْفٌ عَلَيْهِ أَوْ حَانُوتٌ جَازَ أَنْ يُؤْخَذَ وَيَدْخُل فِيهِ، وَلَوْ كَانَ مِلْكَ رَجُلٍ أُخِذَ بِالْقِيمَةِ كَرْهًا، فَلَوْ كَانَ طَرِيقًا لِلْعَامَّةِ أُدْخِل بَعْضُهُ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَضُرَّ بِالطَّرِيقِ. وَفِي كِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ مِنَ الْخُلاَصَةِ عَنِ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَل شَيْءٌ مِنَ الطَّرِيقِ مَسْجِدًا، أَوْ يُجْعَل شَيْءٌ مِنَ الْمَسْجِدِ طَرِيقًا لِلْعَامَّةِ، يَعْنِي إِذَا احْتَاجُوا إِلَى ذَلِكَ. وَلأَِهْل الْمَسْجِدِ أَنْ يَجْعَلُوا الرَّحْبَةَ مَسْجِدًا وَكَذَا عَلَى الْقُلُبِ، وَيُحَوِّلُوا الْبَابَ أَوْ يُحْدِثُوا لَهُ بَابًا آخَرَ، وَلَوِ اخْتَلَفُوا يُنْظَرُ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ وِلاَيَةً لَهُ ذَلِكَ. وَلَهُمْ أَنْ يَهْدِمُوهُ وَيُجَدِّدُوهُ، وَلَيْسَ لِمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْمَحَلَّةِ ذَلِكَ، وَكَذَا لَهُمْ أَنْ يَضَعُوا الْحَبَابَ وَيُعَلِّقُوا الْقَنَادِيل وَيَفْرِشُوا الْحُصْرَ كُل ذَلِكَ مِنْ مَال أَنْفُسِهِمْ، وَأَمَّا مِنْ مَال الْوَقْفِ فَلاَ يَفْعَل غَيْرُ الْمُتَوَلِّي إِلاَّ بِإِذْنِ الْقَاضِي. وَمِنْ كِتَابِ التَّجْنِيسِ: قَيِّمُ الْمَسْجِدِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ حَوَانِيتَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي فِنَائِهِ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَفْعَل، لأَِنَّهُ إِذَا جَعَل الْمَسْجِدَ سَكَنًا تَسْقُطُ حُرْمَةُ الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا الْفِنَاءُ فَلأَِنَّهُ تَبَعٌ لِلْمَسْجِدِ، وَلَوْ خَرِبَ مَا حَوْل الْمَسْجِدِ وَاسْتَغْنَى عَنْهُ أَيِ اسْتَغْنَى عَنِ الصَّلاَةِ فِيهِ أَهْل تِلْكَ الْمَحَلَّةِ أَوِ الْقَرْيَةِ بِأَنْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ فَخَرِبَتْ وَحُوِّلَتْ مَزَارِعَ يَبْقَى مَسْجِدًا عَلَى حَالِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ (1) . وَيَقُول الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ خَرِبَ أَمْ لاَ وَلَوِ انْتَقَلَتِ الْعِمَارَةُ عَنْ مَحَلِّهِ، وَمِثْل عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الْمَسْجِدِ نَقْضُهُ، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ نَقْضِ الْمَسْجِدِ بِمَعْنَى أَنْقَاضِهِ. وَفِي الْقُرْطُبِيِّ: لاَ يَجُوزُ نَقْضُ الْمَسْجِدِ وَلاَ بَيْعُهُ وَلاَ تَعْطِيلُهُ وَإِنْ خَرِبَتِ الْمَحَلَّةُ (2) . وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ: مَنْ وَقَفَ مَسْجِدًا فَخَرِبَ __________ (1) فتح القدير 5 / 64. (2) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك 3 / 104 دار الفكر، وجواهر الإكليل 2 / 208 - 209، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 2 / 78. الْمَكَانُ وَانْقَطَعَتِ الصَّلاَةُ فِيهِ لَمْ يَعُدْ إِلَى الْمِلْكِ وَلَمْ يَجُزِ التَّصَرُّفُ فِيهِ، لأَِنَّ مَا زَال الْمِلْكُ فِيهِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَلاَ يَعُودُ إِلَى الْمِلْكِ بِالاِخْتِلاَل كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا ثُمَّ زَمِنَ (1) . وَإِنْ وَقَفَ جُذُوعًا عَلَى مَسْجِدٍ فَتَكَسَّرَتْ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَالثَّانِي: يَجُوزُ بَيْعُهُ، لأَِنَّهُ لاَ يُرْجَى مَنْفَعَتُهُ، فَكَانَ بَيْعُهُ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ بِخِلاَفِ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّ الْمَسْجِدَ يُمْكِنُ الصَّلاَةُ فِيهِ مَعَ خَرَابِهِ، وَقَدْ يُعْمَرُ الْمَوْضِعُ فَيُصَلَّى فِيهِ. وَإِنْ وَقَفَ شَيْئًا عَلَى مَسْجِدٍ فَاخْتَل الْمَكَانُ حُفِظَ الاِرْتِفَاعُ (الْغَلَّةُ) وَلاَ يُصْرَفُ إِلَى غَيْرِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَرْجِعَ كَمَا كَانَ (2) . وَيَقُول الْحَنَابِلَةُ بِتَحْرِيمِ بَيْعِ الْمَسْجِدِ إِلاَّ أَنْ تَتَعَطَّل مَنَافِعُهُ بِخَرَابٍ أَوْ غَيْرِهِ كَخَشَبٍ تَشَعَّثَ وَخِيفَ سُقُوطُهُ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُعْمَرُ بِهِ، فَيُبَاعُ وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ أَوْ بَعْضِ مِثْلِهِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، قَال: وَإِذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ خَشَبَاتٌ لَهَا قِيمَةٌ جَازَ بَيْعُهَا وَصَرْفُ ثَمَنِهَا عَلَيْهِ (3) . غَرْسُ الشَّجَرِ فِي الْمَسْجِدِ وَالزَّرْعُ فِيهِ وَحَفْرُ بِئْرٍ فِيهِ 46 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ غَرْسُ __________ (1) المهذب في فقه الإمام الشافعي 1 / 452. (2) المهذب في فقه الإمام الشافعي 1 / 452. (3) منار السبيل 2 / 18 المكتب الإسلامي. الأَْشْجَارِ فِي الْمَسْجِدِ إِلاَّ إِذَا كَانَ ذَا نَزٍّ، والأُسْطُوَانَاتُ لاَ تَسْتَقِرُّ بِهِ، فَيَجُوزُ لِتَشْرَبَ ذَلِكَ الْمَاءَ فَيَحْصُل بِهَا النَّفْعُ، وَلاَ يُحْفَرُ فِيهِ بِئْرٌ، وَلَوْ كَانَتْ قَدِيمَةً - كَبِئْرِ زَمْزَمَ - تُرِكَتْ، وَلَوْ حَفَرَ فَتَلِفَ فِيهِ شَيْءٌ إِنْ حَفَرَ أَهْل الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرُهُمْ بِإِذْنِهِمْ لاَ يُضْمَنُ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ ضُمِنَ أَضَرَّ ذَلِكَ بِأَهْلِهِ أَوْ لاَ (1) . وَحَرَّمَ الْحَنَابِلَةُ حَفْرَ الْبِئْرِ وَغَرْسَ الشَّجَرِ بِالْمَسَاجِدِ لأَِنَّ الْبُقْعَةَ مُسْتَحَقَّةٌ لِلصَّلاَةِ فَتَعْطِيلُهَا عُدْوَانٌ، فَإِنْ فَعَل طُمَّتِ الْبِئْرُ وَقُلِعَتِ الشَّجَرَةُ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَال: هَذِهِ غُرِسَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ وَالَّذِي غَرَسَهَا ظَالِمٌ غَرَسَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ. وَتَحْرِيمُ حَفْرِ الْبِئْرِ فِي الْمَسْجِدِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، فَإِنْ كَانَ فِي حَفْرِهِ مَصْلَحَةٌ وَلَمْ يَحْصُل بِهِ ضِيقٌ لَمْ يَكْرَهْ أَحْمَدُ حَفْرَهَا فِيهِ، وَالزَّرْعُ فِيهِ مَكْرُوهٌ (2) . وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ يَجُوزُ أَنْ يُغْرَسَ فِي الْمَسْجِدِ شَجَرَةٌ وَإِنْ كَانَتِ النَّخْلَةُ فِي أَرْضٍ فَجَعَلَهَا صَاحِبُهَا مَسْجِدًا وَالنَّخْلَةُ فِيهَا فَلاَ بَأْسَ وَيَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهَا مِنَ الْجِيرَانِ، وَفِي رِوَايَةٍ: لاَ تُبَاعُ وَتُجْعَل لِلْمُسْلِمِينَ وَأَهْل الدَّرْبِ يَأْكُلُونَهَا، وَقِيل: إِنَّ الْمَسْجِدَ إِذَا احْتَاجَ إِلَى __________ (1) فتح القدير 1 / 299. (2) منار السبيل في شرح الدليل 2 / 20، والآداب الشرعية لابن مفلح 3 / 405. ثَمَنِ ثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ بِيعَتْ وَصُرِفَ ثَمَنُهَا فِي عِمَارَتِهِ، أَمَّا إِنْ قَال صَاحِبُهَا: هَذِهِ وَقْفٌ عَلَى الْمَسْجِدِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَاعَ ثَمَرُهَا وَيُصْرَفَ إِلَيْهِ (1) . وَالْمَالِكِيَّةُ لاَ يُجِيزُونَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ وَقَعَ قُلِعَ (2) . وَالشَّافِعِيَّةُ قَالُوا بِكَرَاهَةِ غَرْسِ الشَّجَرِ وَالنَّخْل وَحَفْرِ الآْبَارِ فِي الْمَسَاجِدِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّضْيِيقِ عَلَى الْمُصَلِّينَ، وَلأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْل السَّلَفِ، وَالصَّحِيحُ تَحْرِيمُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْجِيرِ مَوْضِعِ الصَّلاَةِ وَالتَّضْيِيقِ وَجَلْبِ النَّجَاسَاتِ مِنْ ذَرْقِ الطُّيُورِ، وَقَال الْغَزَالِيُّ: لاَ يَجُوزُ الزَّرْعُ فِيهِ، وَإِنْ غَرَسَ غَرْسًا يَسْتَظِل بِهِ فَهَلَكَ بِهِ إِنْسَانٌ فَلاَ ضَمَانَ. وَقَال الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ: وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُغْرَسَ فِي الْمَسْجِدِ شَجَرٌ لأَِنَّهُ يَمْنَعُ الْمُصَلِّينَ، قَال فِي الرَّوْضَةِ فِي بَابِ السَّجَدَاتِ: فَإِنْ غُرِسَ قَلَعَهُ الإِْمَامُ، وَقَال الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ فِي الصَّلاَةِ: لاَ يَجُوزُ الْغَرْسُ فِي الْمَسْجِدِ وَلاَ الْحَفْرُ فِيهِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَشْغَل الْمُصَلِّيَ. وَقَال فِي آخِرِ كِتَابِ الْوَقْفِ: سُئِل أَبُو عَلِيٍّ عَبْدُ اللَّهِ الْحَنَّاطِيُّ عَنْ رَجُلٍ غَرَسَ شَجَرَةً فِي __________ (1) المغني لابن قدامة 5 / 634، 635. (2) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4 / 70 - 71. الْمَسْجِدِ كَيْفَ يَصْنَعُ بِثِمَارِهَا؟ فَقَال: إنْ جَعَلَهَا لِلْمَسْجِدِ لَمْ يَجُزْ أَكْلُهَا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَيَجِبُ صَرْفُهَا إِلَى مَصَالِحِ الْمَسْجِدِ، وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُغْرَسَ فِي الْمَسَاجِدِ الأَْشْجَارُ لأَِنَّهَا تَمْنَعُ الصَّلاَةَ، فَإِنْ غَرَسَهَا مُسَبَّلَةً لِلأَْكْل جَازَ أَكْلُهَا بِلاَ عِوَضٍ وَكَذَا إِنْ جُهِلَتْ نِيَّتُهُ حَيْثُ جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ (1) . انْتِفَاعُ جَارِ الْمَسْجِدِ بِوَضْعِ خَشَبَةٍ عَلَى جِدَارِهِ 47 - لِلْمَالِكِيَّةِ قَوْلاَنِ فِي أَنَّهُ هَل لِنَاظِرِ وَقْفِ الْمَسْجِدِ أَنْ يُعِيرَ جَارَ الْمَسْجِدِ مَوْضِعًا لِغَرْزِ خَشَبَةٍ فِيهِ أَوْ لَيْسَ لَهُ هَذَا الْحَقُّ؟ أَحَدُهُمَا بِإِعْطَائِهِ هَذَا الْحَقَّ، وَالآْخَرُ بِمَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ (2) . وَيَشْتَرِطُ الْحَنَابِلَةُ لِجَوَازِ وَضْعِ تِلْكَ الْخَشَبَةِ عَلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ أَنْ لاَ تَضُرَّ بِحَائِطِهِ فَيَضْعُفَ عَنْ حَمْلِهَا، وَأَنْ لاَ يُمْكِنَ التَّسْقِيفُ بِدُونِ وَضْعِهَا وَأَنْ لاَ يَكُونَ عِنْدَ صَاحِبِهَا غَنَاءٌ بِوَضْعِهَا عَلَى غَيْرِ جِدَارِ الْمَسْجِدِ، وَأَنْ تَكُونَ الْحَاجَةُ دَاعِيَةً إِلَى وَضْعِ تِلْكَ الْخَشَبَةِ عَلَى جِدَارِهِ، فَمَتَى كَانَ ذَلِكَ جَازَ وَضْعُ تِلْكَ الْخَشَبَةِ عَلَى جِدَارِهِ، وَقِيل: يُشْتَرَطُ لِلْجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَلاَثَةُ حِيطَانٍ وَلِجَارِهِ حَائِطٌ وَاحِدٌ. فَإِنْ كَانَ غَرْزُهَا فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ يَضُرُّ __________ (1) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 341 - 342. (2) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك للكشناوي 3 / 58. بِحَائِطِهِ فَيُضْعِفُهُ عَنْ حَمْلِهَا، أَوْ أَمْكَنَ التَّسْقِيفُ بِدُونِ وَضْعِهَا عَلَيْهِ، أَوْ كَانَ عِنْدَهُ غَنَاءٌ بِوَضْعِهَا عَلَى غَيْرِ جِدَارِهِ، أَوْ لَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ إِلَى وَضْعِهَا عَلَى جِدَارِهِ لَمْ يَجُزْ وَضْعُهَا عَلَيْهِ (1) . إِغْلاَقُ الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ الصَّلاَةِ 48 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِإِغْلاَقِ الْمَسَاجِدِ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ الصَّلاَةِ، صِيَانَةً لَهَا وَحِفْظًا لِمَا فِيهَا مِنْ مَتَاعٍ، وَتَحَرُّزًا عَنْ نَقْبِ بُيُوتِ الْجِيرَانِ مِنْهَا، وَخَوْفًا مِنْ سَرِقَةِ مَا فِيهَا (2) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ تَحْرِيمًا إِغْلاَقُ بَابِ الْمَسْجِدِ لأَِنَّهُ يُشْبِهُ الْمَنْعَ مِنَ الصَّلاَةِ وَالْمَنْعُ مِنَ الصَّلاَةِ حَرَامٌ (3) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} (4) . تَعْطِيل الْمَسَاجِدِ 49 - قَال الزَّرْكَشِيُّ: إِذَا تَعَطَّل الْمَسْجِدُ بِتَفَرُّقِ النَّاسِ عَنِ الْبَلَدِ أَوْ خَرَابِهَا أَوْ بِخَرَابِ الْمَسْجِدِ فَلاَ يَعُودُ مَمْلُوكًا وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِحَالٍ وَلاَ التَّصَرُّفُ فِيهِ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا ثُمَّ زَمِنَ __________ (1) المغني لابن قدامة 4 / 502 - 503. (2) فتح القدير والعناية بهامشه 1 / 299، وإعلام الساجد بأحكام المساجد 340، 344، والآداب الشرعية لابن مفلح 3 / 406. (3) فتح القدير والعناية بهامشه 1 / 299. (4) سورة البقرة / 114. لاَ يَعُودُ مَمْلُوكًا. ثُمَّ إِنْ خِيفَ أَنْ تَنْقُضَهُ الشَّيَاطِينُ، نُقِضَ وَحُفِظَ، وَإِنْ رَأَى الْقَاضِي أَنْ يَبْنِيَ بِنَقْضِهِ مَسْجِدًا آخَرَ، قَال الْقَاضِي وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي: يَجُوزُ، وَقَال الْمُتَوَلِّي: الأَْوْلَى أَنْ يُنْقَل إِلَى أَقْرَبِ الْجِهَاتِ إِلَيْهِ، فَإِنْ نُقِل إِلَى الْبَعِيدِ جَازَ، وَلاَ يُصْرَفُ النَّقْضُ إِلَى غَيْرِ الْمَسْجِدِ كَالرِّبَاطَاتِ وَالْقَنَاطِرِ وَالآْبَارِ، كَمَا لاَ يَجُوزُ عَكْسُهُ، لأَِنَّ الْوَقْفَ لاَزِمٌ، وَقَدْ دَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى تَبْدِيل الْمَحَل دُونَ الْجِهَةِ (1) . وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: لاَ يَجُوزُ نَقْضُ الْمَسْجِدِ وَلاَ بَيْعُهُ وَلاَ تَعْطِيلُهُ وَإِنْ خَرِبَتِ الْمَحَلَّةُ (2) . وَإِذَا تَعَطَّلَتْ مَنَافِعُ الْمَسْجِدِ بِخَرَابٍ أَوْ غَيْرِهِ كَخَشَبٍ تَشَعَّثَ وَخِيفَ سُقُوطُهُ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُعْمَرُ بِهِ فَيُبَاعُ وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ أَوْ بَعْضِ مِثْلِهِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، قَال: إِذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ خَشَبَاتٌ لَهَا قِيمَةٌ جَازَ بَيْعُهَا وَصَرْفُ ثَمَنِهَا عَلَيْهِ، وَقَال يُحَوَّل الْمَسْجِدُ خَوْفًا مِنَ اللُّصُوصِ، وَإِذَا كَانَ مَوْضِعُهُ قَذِرًا (3) . __________ (1) إعلام الساجد 345. (2) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 2 / 78. (3) منار السبيل في شرح الدليل 2 / 18. |
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - مَسْجِدُ إِبْرَاهِيمَ مُرَكَّبٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ: مَسْجِدُ وَإِبْرَاهِيمُ، فَالْمَسْجِدُ فِي اللُّغَةِ: بَيْتُ الصَّلاَةِ، وَمَوْضِعُ السُّجُودِ مِنْ بَدَنِ الإِْنْسَانِ. وَالْمَسْجِدُ فِي الاِصْطِلاَحِ: الأَْرْضُ الَّتِي جَعَلَهَا الْمَالِكُ مَسْجِدًا وَأَذِنَ بِالصَّلاَةِ فِيهَا (1) . قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ نَبِيُّ اللَّهِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَلَى الصَّحِيحِ (2) . وَقِيل: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ هُوَ أَحَدُ أُمَرَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ وَهُوَ الَّذِي يُنْسَبُ إِلَيْهِ بَابُ إِبْرَاهِيمَ بِمَكَّةَ (3) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ 2 - الْمَقَامُ - بِفَتْحِ الْمِيمِ - اسْمُ مَكَانٍ مِنْ قَامَ يَقُومُ قَوْمًا وَقِيَامًا: أَيِ انْتَصَبَ، وَقَال أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ: الْحَجَرُ الَّذِي تَعْرِفُهُ النَّاسُ الْيَوْمَ، يُصَلُّونَ عِنْدَهُ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ (4) . وَالصِّلَةُ بَيْنَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ وَمَسْجِدِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَنْسُوبٌ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ، غَيْرَ أَنَّ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، وَتُسَنُّ رَكْعَتَا الطَّوَافِ عِنْدَهُ، وَمَسْجِدُ إِبْرَاهِيمَ عِنْدَ عَرَفَاتٍ. الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: يَتَعَلَّقُ بِمَسْجِدِ إِبْرَاهِيمَ أَحْكَامٌ مِنْهَا. أ - الْوُقُوفُ بِمَسْجِدِ إِبْرَاهِيمَ 3 - قَال أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ مُقَدَّمَ مَسْجِدِ إِبْرَاهِيمَ فِي طَرَفِ وَادِي عُرَنَةَ لاَ فِي عَرَفَاتٍ، وَآخِرُهُ فِي عَرَفَاتٍ قَال: فَمَنْ وَقَفَ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ الْمُسَمَّى بِمُصَلَّى إِبْرَاهِيمَ لاَ يَصِحُّ وُقُوفُهُ، وَمَنْ وَقَفَ فِي آخِرِهِ صَحَّ (5) . ب - لُقَطَةُ مَسْجِدِ إِبْرَاهِيمَ 4 - قَال الزَّرْكَشِيُّ فِي إِعْلاَمِ السَّاجِدِ نَقْلاً عَنِ الْحَاوِي: إِنَّ لُقَطَةَ عَرَفَةَ وَمُصَلَّى إِبْرَاهِيمَ (أَيْ مَسْجِدِ إِبْرَاهِيمَ) فِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: حِل لُقْطَتِهَا قِيَاسًا عَلَى الْحِل، وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَالْحَرَمِ لاَ تَحِل إِلاَّ لِمُنْشِدٍ، لأَِنَّهُ مَجْمَعُ الْحَاجِّ وَيَنْصَرِفُ الْقُصَّادُ مِنْهُ إِلَى سَائِرِ الْبِلاَدِ كَالْحَرَمِ. وَأَمَّا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فَقَالُوا: لاَ فَرْقَ بَيْنَ لُقَطَةِ الْحِل وَلُقَطَةِ الْحَرَمِ. وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (حَرَمٌ ف 19) . ج - صَلاَةُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ بِمَسْجِدِ إِبْرَاهِيمَ 5 - يُنْدَبُ إِذَا قَصَدَ الْحَجِيجُ عَرَفَاتٍ لِلْوُقُوفِ بِهَا أَنْ يَتَوَجَّهُوا إِلَى مَسْجِدِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ - وَيُسَمَّى الآْنَ مَسْجِدُ نَمِرَةَ وَيُصَلُّوا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمْعًا بَعْدَ خُطْبَتَيْنِ يُلْقِيهِمَا الإِْمَامُ (6) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (عَرَفَاتٌ ف 2) __________ (1) لسان العرب، وقواعد الفقه للبركتي. (2) مغني المحتاج 1 / 496، ونهاية المحتاج 3 / 287، وحاشية القليوبي 2 / 113. (3) المراجع السابقة. (4) إعلام الساجد بأحكام المساجد ص154، والحاوي للماوردي 9 / 428، والقليوبي وعميرة 3 / 123. (5) إعلام الساجد بأحكام المساجد ص72. (6) حاشية ابن عابدين 2 / 173، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 2 / 43، 44، ومغني المحتاج 1 / 496، وشرح المنهاج للمحلي 2 / 113، كشاف القناع 2 / 491. |
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - الْمَسْجِدُ الأَْقْصَى هُوَ الْمَسْجِدُ الْمَعْرُوفُ فِي مَدِينَةِ الْقُدْسِ، وَقَدْ بُنِيَ عَلَى سَفْحِ الْجَبَل (1) وَيُسَمَّى بَيْتَ الْمَقْدِسِ، أَيِ الْبَيْتُ الْمُطَهَّرُ الَّذِي يُتَطَهَّرُ فِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ. وَهُوَ أُولَى الْقِبْلَتَيْنِ وَثَالِثُ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَمَسْرَى رَحْمَةِ اللَّهِ لِلْعَالَمِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَحَدُ الْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ الَّتِي لاَ تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ إِلَيْهَا، وَالْمَسْجِدُ الَّذِي بَارَكَ اللَّهُ حَوْلَهُ كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ (2) . وَيُسَمَّى الأَْقْصَى لِبُعْدِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَكَانَ أَبْعَدَ مَسْجِدٍ عَنْ أَهْل مَكَّةَ فِي الأَْرْضِ يُعَظَّمُ بِالزِّيَارَةِ (3) . أَسْمَاءُ الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى 2 - لِلْمَسْجِدِ الأَْقْصَى أَسْمَاءٌ عِدَّةٌ ذَكَرَ الزَّرْكَشِيُّ مِنْهَا سَبْعَةَ عَشَرَ مِنْ أَهَمِّهَا: الأَْوَّل: مَسْجِدُ إِيلِيَاءَ: وَقِيل فِي مَعْنَاهُ: بَيْتُ اللَّهِ، وَعَنْ كَعْبِ الأَْحْبَارِ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُسَمَّى بِإِيلِيَاءَ، وَلَكِنْ بَيْتُ اللَّهِ الْمُقَدَّسِ، وَقَدْ حَكَى ذَلِكَ الْوَاسِطِيُّ فِي فَضَائِلِهِ. الثَّانِي: بَيْتُ الْمَقْدِسِ: بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ - أَيِ الْمَكَانِ الَّذِي يُطَّهَرُ فِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَالْمَقْدِسُ: الْمُطَهِّرُ. الثَّالِثُ: الْبَيْتُ الْمُقَدَّسُ: - بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَالدَّال الْمُشَدَّدَةِ - أَيِ الْمُطَهَّرُ، وَتَطْهِيرُهُ إِخْلاَؤُهُ مِنَ الأَْصْنَامِ (4) ، وَغَيْرُهَا مِنَ الأَْسْمَاءِ، وَقَدْ أَوْصَلَهَا الْجُرَاعِيُّ إِلَى اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ اسْمًا، فِي كِتَابِهِ تُحْفَةِ الرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ (5) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ 3 - الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ هُوَ الْمَسْجِدُ الَّذِي أَسَّسَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، وَهُوَ ثَانِي الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَثَوَابُ الصَّلاَةِ فِيهِ يَرْبُو عَلَى الصَّلاَةِ فِي غَيْرِهِ بِأَلْفِ صَلاَةٍ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى وَالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ مِنَ الْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ الَّتِي لاَ تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ إِلَيْهَا (6) . ب - الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ 4 - الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ هُوَ بَيْتُ اللَّهِ الْحَرَامُ بِمَكَّةَ الْمُكَرَّمَةَ، وَهُوَ أَوَّل مَسْجِدٍ وُضِعَ عَلَى الأَْرْضِ، كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {{إِنَّ أَوَّل بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ}} (7) . وَهُوَ أَوَّل الْحَرَمَيْنِ وَثَانِي الْقِبْلَتَيْنِ، وَفَضْل الصَّلاَةِ فِيهِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلاَةٍ عَمَّا سِوَاهُ، وَالصِّلَةُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنَ الْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ الَّتِي لاَ تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ إِلَيْهَا (8) . فَضَائِل الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى وَمَكَانَتُهُ فِي الإِْسْلاَمِ وَخَصَائِصُهُ لِلْمَسْجِدِ الأَْقْصَى فَضَائِل أَهَمُّهَا: 1 - أَنَّهُ الْقِبْلَةُ الأُْولَى لِلْمُسْلِمِينَ: 5 - مِنَ الْفَضَائِل الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا الْمَسْجِدُ الأَْقْصَى، أَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى أُولَى الْقِبْلَتَيْنِ، فَإِلَيْهِ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَتَوَجَّهُونَ فِي صَلاَتِهِمْ قَبْل أَنْ تُحَوَّل الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ. وَفِي ذَلِكَ دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْبَيْتَ شَرَّفَهُ اللَّهُ وَكَرَّمَهُ، فَوَجَّهَ أَنْظَارَ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِ فَتْرَةً مِنَ الزَّمَنِ (9) . ب - الإِْسْرَاءُ إِلَيْهِ وَالْمِعْرَاجُ مِنْهُ: 6 - إِلَى الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى كَانَ إِسْرَاءُ النَّبِيِّ ﷺ قَبْل الْهِجْرَةِ، وَنَزَل فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}} (10) . وَهَذِهِ الآْيَةُ هِيَ الْمُعَظِّمَةُ لِقَدْرِهِ بِإِسْرَاءِ سَيِّدِنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِ قَبْل عُرُوجِهِ إِلَى السَّمَاءِ (11) . وَدَخَل النَّبِيُّ ﷺ وَمَعَهُ جِبْرِيل بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ (12) . ج - شَدُّ الرِّحَال إِلَيْهِ: 7 - جَعَل الإِْسْلاَمُ هَذَا الْمَسْجِدَ أَحَدَ ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ تُشَدُّ إِلَيْهَا الرِّحَال (13) ، فَقَال ﷺ: لاَ تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ، الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الأَْقْصَى (14) . د - فَضْل الصَّلاَةِ فِيهِ: 8 - وَمِنْ خَصَائِصِ الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى وَفَضْلِهِ، مُضَاعَفَةُ الصَّلاَةِ فِيهِ، وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الأَْحَادِيثُ فِي مِقْدَارِهَا، قَال الْجُرَاعِيُّ: وَرَدَ أَنَّ الصَّلاَةَ فِيهِ بِخَمْسِمِائَةٍ، وَقَال الشَّيْخُ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِنَّهُ الصَّوَابُ (15) . هـ - مُبَارَكَةُ الأَْرْضِ حَوْلَهُ: 9 - أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى أَنَّهُ بَارَكَ حَوْلَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}} ، وَفِي الآْيَةِ تَأْوِيلاَنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مُبَارَكٌ بِمَنْ دُفِنَ حَوْلَهُ مِنَ الأَْنْبِيَاءِ الْمُصْطَفَيْنَ الأَْخْيَارِ، وَالثَّانِي: بِكَثْرَةِ الثِّمَارِ وَمَجَارِي الأَْنْهَارِ (16) . و كَوْنُهُ ثَانِي مَسْجِدٍ فِي الأَْرْضِ: 10 - أَوَّل مَسْجِدٍ وُضِعَ عَلَى الأَْرْضِ هُوَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ ثُمَّ الْمَسْجِدُ الأَْقْصَى. فَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: سَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ أَوَّل مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَْرْضِ قَال: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَال: الْمَسْجِدُ الأَْقْصَى، قُلْتُ: وَكَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَال: أَرْبَعُونَ عَامًا، ثُمَّ الأَْرْضُ لَكَ مَسْجِدًا فَحَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاَةُ فَصَل (17) ، وَقَال الْبُخَارِيُّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاَةُ فَصَل فِيهِ، فَإِنَّ الْفَضْل فِيهِ. وَقَدْ أُشْكِل هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى بَعْضِ الْعُلَمَاءِ كَابْنِ الْجَوْزِيِّ فَقَال: إِنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ هُوَ الَّذِي بَنَى الأَْقْصَى كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو يَرْفَعُهُ: أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ لَمَّا بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ سَأَل اللَّهَ ثَلاَثًا: سَأَل اللَّهَ عَزَّ وَجَل حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ فَأُوتِيَهُ، وَسَأَل اللَّهَ عَزَّ وَجَل مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَِحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأُوتِيَهُ، وَسَأَل اللَّهَ عَزَّ وَجَل حِينَ فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى أَلاَّ يَأْتِيَهُ أَحَدٌ لاَ يَنْهَزُهُ يُحَرِّكُهُ إِلاَّ الصَّلاَةُ فِيهِ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ (18) . وَسُلَيْمَانُ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ كَمَا قَال أَهْل التَّارِيخِ بِأَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ عَامٍ، وَأَجَابَ الزَّرْكَشِيُّ: بِأَنَّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِنَّمَا كَانَ لَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى تَجْدِيدُهُ لاَ تَأْسِيسُهُ، وَالَّذِي أَسَّسَهُ هُوَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بَعْدَ بِنَاءِ إِبْرَاهِيمَ الْكَعْبَةَ بِهَذَا الْقَدْرِ (19) . أَحْكَامُهُ 11 - تَتَعَلَّقُ بِالْمَسْجِدِ الأَْقْصَى أَحْكَامٌ سَبَقَ ذِكْرُ بَعْضِهَا كَمُضَاعَفَةِ أَجْرِ الصَّلاَةِ فِيهِ، وَاسْتِحْبَابِ شَدِّ الرِّحَال إِلَيْهِ لِلْحَدِيثِ الشَّرِيفِ كَمَا تَقَدَّمَ (20) . وَمِنْهَا مَا يَأْتِي: الأَْوَّل: اسْتِحْبَابُ خَتْمِ الْقُرْآنِ فِيهِ وَعَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَال: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ لِمَنْ أَتَى الْمَسَاجِدَ الثَّلاَثَةَ، أَنْ يَخْتِمَ بِهَا الْقُرْآنَ قَبْل أَنْ يَخْرُجَ، الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، وَمَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ، وَمَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. كَمَا رُوِيَ أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ كَانَ يَخْتِمُ بِهِ الْقُرْآنَ (21) . الثَّانِي: اسْتِحْبَابُ الإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مِنْهُ ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَقَال: فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ أَهَل بِحَجَّةِ أَوْ عُمْرَةٍ مِنْ الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ أَوْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ (22) . وَأَحْرَمَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُ، كَابْنِ عُمَرَ وَمُعَاذٍ وَكَعْبِ الأَْحْبَارِ وَغَيْرِهِمْ (23) . الثَّالِثُ: حُكِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّ السَّيِّئَاتِ تُضَاعَفُ فِي الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ كَعْبِ الأَْحْبَارِ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْوَاسِطِيُّ عَنْ نَافِعٍ قَال: قَال لِي ابْنُ عُمَرَ: اخْرُجْ بِنَا مِنْ هَذَا الْمَسْجِدِ فَإِنَّ السَّيِّئَاتِ تُضَاعَفُ فِيهِ كَمَا تُضَاعَفُ الْحَسَنَاتُ. وَذَكَرَ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ كَعْبِ الأَْحْبَارِ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي مِنْ حِمْصَ لِلصَّلاَةِ فِيهِ فَإِذَا صَارَ مِنْهُ قَدْرُ مِيلٍ اشْتَغَل بِالذِّكْرِ وَالتِّلاَوَةِ وَالْعِبَادَةِ حَتَّى يَخْرُجَ عَنْهُ بِقَدْرِ مِيلٍ أَيْضًا وَيَقُول: السَّيِّئَاتُ تُضَاعَفُ فِيهِ، (أَيْ تَزْدَادُ قُبْحًا وَفُحْشًا لأَِنَّ الْمَعَاصِيَ فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ شَرِيفٍ أَشَدُّ جُرْأَةً وَأَقَل خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى) (24) . الرَّابِعُ: أَنَّهُ يُحَذَّرُ مِنَ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ فِيهِ وَكَذَلِكَ فِي الْمَسْجِدَيْنِ فَإِنَّ عُقُوبَتَهَا عَاجِلَةٌ (25) . الْخَامِسُ: يُكْرَهُ اسْتِقْبَال بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَاسْتِدْبَارُهُ بِالْبَوْل وَالْغَائِطِ وَلاَ يَحْرُمُ قَالَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ فِي الرَّوْضَةِ مِنْ زَوَائِدِهِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ الأَْصْحَابِ. وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (قَضَاءُ الْحَاجَةِ ف 5) . السَّادِسُ: ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ إِقَامَةَ صَلاَةِ الْعِيدِ فِي الْمُصَلَّى أَوْلَى مِنْهَا فِي الْمَسْجِدِ إِلاَّ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ، قَال الرَّافِعِيُّ: وَأَلْحَقَ الصَّيْدَلاَنِيُّ بِهِ مَسْجِدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (26) . السَّابِعُ: اسْتِحْبَابُ الصِّيَامِ فِيهِ فَقَدْ رُوِيَ: صَوْمُ يَوْمٍ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ (27) . الثَّامِنُ: قَال الزَّرْكَشِيُّ، قَال الدَّارِمِيُّ: لاَ يَجُوزُ الاِجْتِهَادُ بِمِحْرَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ يَمْنَةً وَلاَ يَسْرَةً إِلْحَاقًا لَهُ بِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ (28) . __________ (1) مراصد الإطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع لصفي الدين البغدادي 3 / 1296. (2) إعلام الساجد للزركشي ص277 - 279، وتحفة الراكع والساجد للجراعي ص184 - 186. (3) تفسير القرطبي 10 / 212. (4) تحفة الراكع للجراعي ص184، وإعلام الساجد للزركشي ص278. (5) تحفة الراكع للجراعي ص184 - 186. (6) تحفة الراكع والساجد ص131 - 137، وإعلام الساجد للزركشي ص246. (7) سورة آل عمران / 96. (8) إعلام الساجد ص29، 84. (9) تفسير القرطبي 2 / 149 - 150. (10) سورة الإسراء / 1. (11) إعلام الساجد للزركشي ص 286. (12) تفسير القرطبي 10 / 105 - 106. (13) إعلام الساجد ص288، وتحفة الراكع والساجد ص187. (14) حديث: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 3 / 63) ، ومسلم (2 / 976) . (15) تحفة الراكع والساجد للجراعي ص178 - 179، 180، وإعلام الساجد للزركشي ص289. (16) إعلام الساجد ص286، وتحفة الراكع والساجد 179، وتفسير القرطبي 10 / 212 (17) حديث: " المسجد الحرام. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 6 / 458) ، ومسلم (1 / 370) . (18) سنن النسائي 1 / 112، وإعلام الساجد للزركشي ص29. (19) إعلام الساجد للزركشي ص29 - 30، وتحفة الراكع والساجد ص175. (20) إعلام الساجد ص 288. (21) إعلام الساجد للزركشي ص288، وتحفة الراكع والساجد للجراعي ص187، وأثر أبي مجلز " كانوا يستحبون. . ". أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " كما عزاه الزركشي في إعلام الساجد ص 288. (22) حديث: " من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى. . . ". أخرجه أبو داود (2 / 356) ، وضعفه البخاري في " التاريخ الكبير " (1 / 161) . (23) السنن الكبرى 5 / 3، وإعلام الساجد للزركشي ص289. (24) إعلام الساجد للزركشي ص290، وتحفة الراكع والساجد ص188. (25) تحفة الراكع والساجد ص189، 190، وإعلام الساجد ص290 - 291، 295. (26) إعلام الساجد للزركشي ص297، وتحفة الراكع والساجد ص 191. (27) إعلام الساجد ص289. (28) إعلام الساجد ص297. |
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - الْمَسْجِدُ - بِكَسْرِ الْجِيمِ - فِي اللُّغَةِ: مَوْضِعُ السُّجُودِ مِنْ بَدَنِ الإِْنْسَانِ، وَبَيْتُ الصَّلاَةِ (1) . وَالْمَسْجِدُ شَرْعًا هُوَ كُل مَوْضِعٍ مِنَ الأَْرْضِ لِقَوْلِهِ ﷺ جُعِلَتْ لِي الأَْرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا (2) ، ثُمَّ إِنَّ الْعُرْفَ خَصَّصَ الْمَسْجِدَ بِالْمَكَانِ الْمُهَيَّأِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ (3) . وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ فِي الاِصْطِلاَحِ - كَمَا قَال النَّوَوِيُّ - قَدْ يُرَادُ بِهِ الْكَعْبَةُ فَقَطْ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْمَسْجِدُ حَوْلَهَا مَعَهَا، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَكَّةُ كُلُّهَا مَعَ الْحَرَمِ حَوْلَهَا، وَقَدْ جَاءَتْ نُصُوصُ الشَّرْعِ بِهَذِهِ الأَْقْسَامِ (4) . وَسُمِّيَ الْمَسْجِدُ حَرَامًا لأَِنَّهُ لاَ يَحِل انْتِهَاكُهُ فَلاَ يُصَادُ عِنْدَهُ وَلاَ حَوْلَهُ وَلاَ يُخْتَلَى مَا عِنْدَهُ مِنَ الْحَشِيشِ -. قَال الْعُلَمَاءُ: وَأُرِيدَ بِتَحْرِيمِ الْبَيْتِ سَائِرُ الْحَرَمِ (5) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ 2 - الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ هُوَ الْمَسْجِدُ الَّذِي بَنَاهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي مَوْقِعِهِ الْمَعْرُوفِ بِالْمَدِينَةِ حِينَ قَدِمَ مُهَاجِرًا إِلَيْهَا مِنْ مَكَّةَ، وَهُوَ ثَانِي الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ (6) . وَالصِّلَةُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ مِنَ الْمَسَاجِدِ الَّتِي تُشَدُّ إِلَيْهَا الرِّحَال وَيُضَاعَفُ فِيهَا الأَْجْرُ. ب - الْمَسْجِدُ الأَْقْصَى 3 - الْمَسْجِدُ الأَْقْصَى هُوَ الْمَسْجِدُ الْمَعْرُوفُ فِي مَدِينَةِ الْقُدْسِ وَقَدْ بُنِيَ عَلَى سَفْحِ الْجَبَل، وَيُسَمَّى بَيْتَ الْمَقْدِسِ أَيِ الْبَيْتُ الْمُطَهَّرُ الَّذِي يُتَطَهَّرُ فِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ. (ر: الْمَسْجِدُ الأَْقْصَى) . وَالصِّلَةُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الأَْقْصَى مِنَ الْمَسَاجِدِ الَّتِي تُشَدُّ إِلَيْهَا الرِّحَال وَيُضَاعَفُ فِيهَا الأَْجْرُ. بِنَاءُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ 4 - أَوَّل مَسْجِدٍ وُضِعَ عَلَى الأَْرْضِ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، وَهُوَ مَسْجِدُ مَكَّةَ (7) ، كَمَا قَال اللَّهُ تَعَالَى: {{إِنَّ أَوَّل بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ}} (8) ، وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَْرْضِ أَوَّل؟ فَقَال: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَال: الْمَسْجِدُ الأَْقْصَى، قُلْتُ وَكَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَال: أَرْبَعُونَ عَامًا (9) . قَال ابْنُ الْجَوْزِيِّ: إِنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ كَانَ صَغِيرًا وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جِدَارٌ إِنَّمَا كَانَتِ الدُّورُ مُحْدِقَةً بِهِ، وَبَيْنَ الدُّورِ أَبْوَابٌ يَدْخُل النَّاسُ مِنْ كُل نَاحِيَةٍ فَضَاقَ عَلَى النَّاسِ الْمَسْجِدُ فَاشْتَرَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دُورًا فَهَدَمَهَا، ثُمَّ أَحَاطَ عَلَيْهِ جِدَارًا قَصِيرًا، ثُمَّ وَسَّعَ الْمَسْجِدَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَاشْتَرَى مِنْ قَوْمٍ، ثُمَّ زَادَ ابْنُ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي الْمَسْجِدِ وَاشْتَرَى دُورًا وَأَدْخَلَهَا فِيهِ، وَأَوَّل مَنْ نَقَل إِلَيْهِ أَسَاطِينَ الرُّخَامِ وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ الْمُزَخْرَفِ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ زَادَ الْمَنْصُورُ فِي شِقِّهِ الشَّامِيِّ ثُمَّ زَادَ الْمَهْدِيُّ، وَكَانَتِ الْكَعْبَةُ فِي جَانِبٍ فَأَحَبَّ أَنْ تَكُونَ وَسَطًا فَاشْتَرَى مِنَ النَّاسِ الدُّورَ وَوَسَطَهَا (10) . ثُمَّ تَوَالَتِ الزِّيَادَاتُ فِيهِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا. الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ 5 - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ أَعْظَمَ الْمَسَاجِدِ حُرْمَةً الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ ثُمَّ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ ثُمَّ مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ الْجَوَامِعُ ثُمَّ مَسَاجِدُ الْمَحَال ثُمَّ مَسَاجِدُ الشَّوَارِعِ ثُمَّ مَسَاجِدُ الْبُيُوتِ (11) . وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ أَفْضَل الْمَسَاجِدِ وَيَلِيهِ مَسْجِدُ مَكَّةَ وَيَلِيهِ مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (12) . شَدُّ الرِّحَال إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ 6 - الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ هُوَ أَحَدُ الْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ الَّتِي تُشَدُّ إِلَيْهَا الرِّحَال، وَفِي الْحَدِيثِ: لاَ تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُول ﷺ وَالْمَسْجِدِ الأَْقْصَى (13) . هَذَا الْحَدِيثُ يَدُل عَلَى فَضِيلَةِ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ وَمَزِيَّتِهَا لِكَوْنِهَا مَسَاجِدِ الأَْنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، وَلأَِنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ قِبْلَةُ النَّاسِ وَإِلَيْهِ حَجُّهُمْ، وَمَسْجِدُ الرَّسُول ﷺ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى وَالْمَسْجِدُ الأَْقْصَى كَانَ قِبْلَةَ الأُْمَمِ السَّابِقَةِ، وَأُولَى الْقِبْلَتَيْنِ (14) . تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ 7 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ أَوَّل مَا يَبْدَأُ بِهِ دَاخِل الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الطَّوَافُ مُحْرِمًا أَوْ غَيْرَ مُحْرِمٍ دُونَ الصَّلاَةِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ، أَوْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِيَّةِ وَلَوِ الْوِتْرَ، أَوْ سُنَّةً رَاتِبَةً، أَوْ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ، فَيُقَدِّمُ الصَّلاَةَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ عَلَى الطَّوَافِ (15) . قَال الْمُنْلاَ عَلِيٌّ: مَنْ دَخَل الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ لاَ يَشْتَغِل بِتَحِيَّةِ لأَِنَّ تَحِيَّةَ هَذَا الْمَسْجِدِ الشَّرِيفِ هِيَ الطَّوَافُ لِمَنْ عَلَيْهِ الطَّوَافُ أَوْ أَرَادَهُ، بِخِلاَفِ مَنْ لَمْ يُرِدْهُ، أَوْ أَرَادَ أَنْ يَجْلِسَ فَلاَ يَجْلِسُ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ مَكْرُوهًا (16) . وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّهُ لاَ يُصَلِّي مُرِيدُ الطَّوَافِ لِلتَّحِيَّةِ أَصْلاً لاَ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ، وَلَعَل وَجْهَهُ انْدِرَاجُهَا فِي رَكْعَتَيْهِ (17) . وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي حَقِّ الآْفَاقِيِّ، وَكَذَلِكَ الْمَكِّيُّ الْمَأْمُورُ بِالطَّوَافِ الطَّوَافُ، وَأَمَّا الْمَكِّيُّ الَّذِي لَمْ يُؤْمَرْ بِطَوَافٍ وَلَمْ يَدْخُلْهُ لأَِجْل الطَّوَافِ، بَل لِلْمُشَاهَدَةِ أَوْ لِلصَّلاَةِ أَوْ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، فَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ فِي حَقِّهِ الصَّلاَةُ (18) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ الصَّلاَةُ وَتَحِيَّةَ الْبَيْتِ الطَّوَافُ، وَلَيْسَ الطَّوَافُ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ (19) ، وَلَكِنْ تَدْخُل التَّحِيَّةُ فِي رَكْعَتَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا (20) . وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الصَّلاَةُ وَتُجْزِئُ عَنْهَا الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الطَّوَافِ (21) . وَنَقَل ابْنُ مُسْدِيٍّ فِي " إِعْلاَمِ النَّاسِكِ " عَنْ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يُحَيِّي الْمَسْجِدَ أَوَّلاً بِرَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقْصِدُ الطَّوَافَ (22) . فَضْل الصَّلاَةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ 8 - إِنَّ صَلاَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَل مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ (23) ، رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَل مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلاَةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَل مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ (24) . ثُمَّ إِنَّ التَّضْعِيفَ الْمَذْكُورَ يَرْجِعُ إِلَى الثَّوَابِ وَلاَ يَتَعَدَّى إِلَى الإِْجْزَاءِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَلاَتَانِ فَصَلَّى فِي أَحَدِ الْمَسْجِدَيْنِ (الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ) صَلاَةً لَمْ تُجْزِئْ إِلاَّ عَنْ وَاحِدَةٍ (25) . 9 - وَالْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى فَضِيلَةِ الْفَرْضِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى الْفَرْضِ فِي غَيْرِهِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي شُمُول هَذَا الْفَضْل الْفَرْضَ وَالنَّفْل. قَال الْفَاسِيُّ الْمَالِكِيُّ: إِنَّ الْفَضْل يَخْتَصُّ بِالْفَرْضِ وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ (26) ، وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ قَوْل الْفَاسِيِّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَقِّبَ عَلَيْهِ، وَنَسَبَ الْعَيْنِيُّ هَذَا الْقَوْل إِلَى الطَّحَاوِيِّ أَيْضًا (27) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمُضَاعَفَةَ لاَ تَخْتَصُّ بِالْفَرِيضَةِ بَل تَعُمُّ النَّفْل وَالْفَرْضَ، قَال الزَّرْكَشِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ: وَهُوَ لاَزِمٌ لِلأَْصْحَابِ مِنِ اسْتِثْنَائِهِمُ النَّفْل بِمَكَّةَ مِنَ الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ لأَِجْل زِيَادَةِ الْفَضِيلَةِ (28) . وَقَال الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ الْحَنْبَلِيُّ: ظَاهِرُ الأَْخْبَارِ أَنَّ النَّفْل فِي الْبَيْتِ أَفْضَل، قَال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: أَفْضَل الصَّلاَةِ صَلاَةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ (29) ، قَال: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ إِلاَّ النِّسَاءَ لأَِنَّ صَلاَتَهُنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ أَفْضَل، وَالأَْخْبَارُ مَشْهُورَةٌ فِي ذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ (30) . الْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي تُضَاعَفُ فِيهِ الصَّلاَةُ 10 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُضَاعَفَةَ تَعُمُّ جَمِيعَ حَرَمِ مَكَّةَ (31) ، فَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَال: بَيْنَمَا ابْنُ الزُّبَيْرِ يَخْطُبُنَا إِذْ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَل مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلاَةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ تَفْضُل بِمِائَةٍ، قَال عَطَاءٌ فَكَأَنَّهُ مِائَةُ أَلْفٍ، قَال: قُلْتُ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ هَذَا الْفَضْل الَّذِي يُذْكَرُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحْدَهُ أَوْ فِي الْحَرَمِ؟ قَال: بَل فِي الْحَرَمِ، فَإِنَّ الْحَرَمَ كُلَّهُ مَسْجِدٌ (32) . وَقَال ابْنُ مُفْلِحٍ: ظَاهِرُ كَلاَمِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنَّهُ نَفْسُ الْمَسْجِدِ، وَمَعَ هَذَا فَالْحَرَمُ أَفْضَل مِنَ الْحِل، فَالصَّلاَةُ فِيهِ أَفْضَل (33) . وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: يَتَحَصَّل فِي الْمُرَادِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي تُضَاعَفُ فِيهِ الصَّلاَةُ سَبْعَةُ أَقْوَالٍ. الأَْوَّل: أَنَّهُ الْمَكَانُ الَّذِي يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ الإِْقَامَةُ فِيهِ. الثَّانِي: أَنَّهُ مَكَّةُ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ الْحَرَمُ كُلُّهُ إِلَى الْحُدُودِ الْفَارِقَةِ بَيْنَ الْحِل وَالْحَرَمِ، قَالَهُ عَطَاءٌ وَقَدْ سَبَقَ مِثْلُهُ عَنِ الْمَاوَرْدِيِّ وَغَيْرِهِ، وَقَال الرُّويَانِيُّ: فُضِّل الْحَرَمُ عَلَى سَائِرِ الْبِقَاعِ فَرُخِّصَ فِي الصَّلاَةِ فِيهِ فِي جَمِيعِ الأَْوْقَاتِ لِفَضِيلَةِ الْبُقْعَةِ وَحِيَازَةِ الثَّوَابِ الْمُضَاعَفِ، وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: وَهَذَا فِيهِ تَصْرِيحٌ بِهَذَا الْقَوْل. الرَّابِعُ: أَنَّهُ الْكَعْبَةُ، قَال الزَّرْكَشِيُّ وَهُوَ أَبْعَدُهَا. الْخَامِسُ: أَنَّهُ الْكَعْبَةُ وَالْمَسْجِدُ حَوْلَهَا، وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ. السَّادِسُ: أَنَّهُ جَمِيعُ الْحَرَمِ وَعَرَفَةَ، قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ. السَّابِعُ: أَنَّهُ الْكَعْبَةُ وَمَا فِي الْحَجَرِ مِنَ الْبَيْتِ، وَهُوَ قَوْل صَاحِبِ الْبَيَانِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيَّةِ (34) . وَحَكَى الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ خِلاَفَ الْفُقَهَاءِ فِي مَكَانِ الْمُضَاعَفَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّلاَةِ، وَرَجَّحَ أَنَّ الْمُضَاعَفَةَ تَخْتَصُّ بِمَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ (35) . تَقَدُّمُ الْمَأْمُومِ عَلَى الإِْمَامِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ 11 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا صَلَّى الإِْمَامُ خَارِجَ الْكَعْبَةِ وَتَحَلَّقَ الْمُقْتَدُونَ حَوْلَهَا جَازَ لِمَنْ فِي غَيْرِ جِهَتِهِ أَنْ يَكُونَ أَقْرَبَ إِلَيْهَا مِنْهُ، لاَ لِمَنْ كَانَ فِي جِهَتِهِ، لأَِنَّ التَّقَدُّمَ وَالتَّأَخُّرَ إِنَّمَا يَظْهَرُ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِهَةِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُسْتَحَبُّ لِلإِْمَامِ أَنْ يَقِفَ خَلْفَ الْمَقَامِ، وَيَقِفَ الْمَأْمُومُونَ مُسْتَدِيرِينَ بِالْكَعْبَةِ، بِحَيْثُ يَكُونُ الإِْمَامُ أَقْرَبَ إِلَى الْكَعْبَةِ مِنْهُمْ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَقْرَبَ إِلَيْهَا مِنْهُ وَهُوَ فِي جِهَةِ الإِْمَامِ فَفِي صِحَّةِ صَلاَتِهِ قَوْلاَنِ: الْجَدِيدُ بُطْلاَنُهَا، وَالْقَدِيمُ صِحَّتُهَا. وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ جِهَتِهِ فَطَرِيقَانِ: الْمَذْهَبُ: الْقَطْعُ بِصِحَّتِهَا وَهُوَ نَصُّهُ فِي الأُْمِّ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. وَالثَّانِي فِيهِ الْقَوْلاَنِ، حَكَاهُ الأَْصْحَابُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ (36) . الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ 12 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُمْنَعُ الْمَارُّ دَاخِل الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، لِمَا رُوِيَ عَنِ الْمُطَّلِبِ ابْنِ أَبِي وَدَاعَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي مِمَّا يَلِي بَابَ بَنِي سَهْمٍ وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ (37) ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الطَّائِفِينَ فِيمَا يَظْهَرُ لأَِنَّ الطَّوَافَ صَلاَةٌ فَصَارَ كَمَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ صُفُوفٌ مِنَ الْمُصَلِّينَ (38) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَرُمَ الْمُرُورُ إِنْ كَانَ لَهُ مَنْدُوحَةٌ وَصَلَّى لِسُتْرَةِ، وَإِلاَّ جَازَ، هَذَا إِذَا كَانَ الْمَارُّ غَيْرَ طَائِفٍ، وَأَمَّا هُوَ فَلاَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، ثُمَّ إِنْ كَانَ لَهُ سُتْرَةٌ كُرِهَ حَيْثُ كَانَ لِلطَّائِفِ مَنْدُوحَةٌ (39) . وَنَصَّ الرَّمْلِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَصَّرَ الْمُصَلِّي، بِأَنْ وَقَفَ فِي قَارِعَةِ الطَّرِيقِ أَوْ بِشَارِعٍ أَوْ دَرْبٍ ضَيِّقٍ أَوْ نَحْوِ بَابِ مَسْجِدٍ كَالْمَحَل الَّذِي يَغْلِبُ مُرُورُ النَّاسِ بِهِ فِي وَقْتِ الصَّلاَةِ وَلَوْ فِي الْمَسْجِدِ كَالْمَطَافِ، وَكَأَنْ تَرَكَ فُرْجَةً فِي صَفِّ إِمَامِهِ فَاحْتِيجَ لِلْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ لِفُرْجَةِ قَبْلَهُ فَلاَ يَحْرُمُ الْمُرُورُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَلَوْ فِي حَرِيمِ الْمُصَلَّى وَهُوَ قَدْرُ إِمْكَانِ سُجُودِهِ، خِلاَفًا لِلْخَوَارِزْمِيِّ، بَل وَلاَ يُكْرَهُ عِنْدَ التَّقْصِيرِ (40) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: الْمُصَلِّي بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ لاَ يَرُدُّ الْمَارَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَال أَحْمَدُ: لأَِنَّ مَكَّةَ لَيْسَتْ كَغَيْرِهَا لأَِنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ بِهَا وَيَزْدَحِمُونَ فَمَنْعُهُمْ تَضْيِيقٌ عَلَيْهِمْ، وَلأَِنَّهُ ﷺ صَلَّى بِمَكَّةَ وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سِتْرٌ. وَأَلْحَقَ الْمُوَفَّقُ بِمَكَّةَ سَائِرَ الْحَرَمِ لِمُشَارَكَتِهِ لَهَا فِي الْحُرْمَةِ. وَقَال الرَّحِيبَانِيُّ: إِنَّمَا يَتَمَشَّى كَلاَمُ الْمُوَفَّقِ فِي زَمَنِ حَاجٍّ لِكَثْرَةِ النَّاسِ وَاضْطِرَارِهِمْ إِلَى الْمُرُورِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَجِّ فَلاَ حَاجَةَ لِلْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي لِلاِسْتِغْنَاءِ عَنْهُ، وَكَلاَمُ أَحْمَدَ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الصَّلاَةِ فِي الْمَطَافِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ وَهُوَ مُتَّجَهٌ (41) . أَفْضَلِيَّةُ صَلاَةِ الْعِيدِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ 13 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى نَدْبِ إِيقَاعِ صَلاَةِ الْعِيدِ بِالْمُصَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ، وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ أَفْضَلِيَّةَ الصَّلاَةِ فِي الصَّحْرَاءِ بِمَا إِذَا كَانَ مَسْجِدُ الْبَلَدِ ضَيِّقًا. وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ صَلاَةَ الْعِيدِ بِمَكَّةَ، فَمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَإِيقَاعُهُ صَلاَةَ الْعِيدِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَل لِلْمَزَايَا الَّتِي تَقَعُ فِيهِ لِمَنْ يُصَلِّي الْعِيدَ وَهِيَ النَّظَرُ وَالطَّوَافُ الْمَعْدُومَانِ فِي غَيْرِهِ (42) ، لِخَبَرِ يُنَزِّل اللَّهُ عَلَى أَهْل الْمَسْجِدِ مَسْجِدِ مَكَّةَ كُل يَوْمٍ عِشْرِينَ وَمِائَةَ رَحْمَةً: سِتِّينَ مِنْهَا لِلطَّائِفِينَ، وَأَرْبَعِينَ لِلْمُصَلِّينَ، وَعِشْرِينَ مِنْهَا لِلنَّاظِرِينَ (43) . نَذْرُ الإِْتْيَانِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ 14 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي أَصَحِّ الطَّرِيقَيْنِ إِلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ إِتْيَانَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، وَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا النَّبِيَّ ﷺ فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فَقَال ﷺ: لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ (44) ، وَلأَِنَّ مُطْلَقَ كَلاَمِ النَّاذِرِينَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ثَبَتَ لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ، وَالْعُرْفُ قَصْدُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَيُحْمَل نَذْرُهُ عَلَيْهِ (45) . وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ لُزُومَ الْمَشْيِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمَا إِذَا نَذَرَ النَّاذِرُ الْمَشْيَ لَهُ لِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ لِصَلاَةٍ فِيهِ فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلاً (46) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا لَزِمَهُ الْمَشْيُ مَشَى مِنْ حَيْثُ نَذَرَ الْمَشْيَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ مَحَلًّا مَخْصُوصًا فَمِنَ الْمَكَانِ الْمُعْتَادِ لِمَشْيِ الْحَالِفِينَ بِالْمَشْيِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَكَانًا مُعْتَادًا لِلْحَالِفِينَ فَمِنْ حَيْثُ حَلَفَ أَوْ نَذَرَ وَأَجْزَأَ الْمَشْيُ مِنْ مِثْلِهِ فِي الْمَسَافَةِ، وَجَازَ رُكُوبٌ لِحَاجَةٍ كَأَنْ يَرْجِعَ لِشَيْءِ نَسِيَهُ أَوِ احْتَاجَ إِلَيْهِ كَمَا يَجُوزُ لَهُ الرُّكُوبُ فِي الطَّرِيقِ لِبَحْرٍ اعْتِيدَ رُكُوبُهُ لِلْحَالِفِينَ أَوِ اضْطُرَّ إِلَى رُكُوبِهِ، وَيَسْتَمِرُّ مَاشِيًا لِتَمَامِ طَوَافِ الإِْفَاضَةِ أَوْ تَمَامِ السَّعْيِ إِنْ كَانَ سَعْيُهُ بَعْدَ الإِْفَاضَةِ (47) . وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ مَنْ قَال: عَلَيَّ الْمَشْيُ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ لأَِنَّ الْتِزَامَ الإِْحْرَامِ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ عَلَيْهِ، وَلاَ يُمْكِنُ إِيجَابُهُ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ فَامْتَنَعَ أَصْلاً (48) . وَلِلتَّفْصِيل (ر: نَذْرٌ) . حَاضِرُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: 15 - قَال الْقُرْطُبِيُّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ - بَعْدَ الإِْجْمَاعِ عَلَى أَنَّ أَهْل مَكَّةَ وَمَا اتَّصَل بِهَا مِنْ حَاضِرِيهِ - وَقَال الطَّبَرِيُّ: بَعْدَ الإِْجْمَاعِ عَلَى أَهْل الْحَرَمِ. قَال ابْنُ عَطِيَّةَ: وَلَيْسَ كَمَا قَال - فَقَال بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مَنْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ فَهُوَ حَضَرِيٌّ، وَمَنْ كَانَ أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ بَدَوِيٌّ، فَجَعَل اللَّفْظَةَ مِنَ الْحَضَارَةِ وَالْبَدَاوَةِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ: هُمْ أَهْل مَكَّةَ وَمَنْ فِي حُكْمِهِمْ مِنْ أَهْل دَاخِل الْمَوَاقِيتِ (49) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ الْمُعْتَمَدِ الْمُخْتَارِ إِلَى أَنَّ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ مِنَ الْحَرَمِ. وَفِي الْقَوْل الْمُقَابِل لِلأَْصَحِّ: حَاضِرُو الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ (50) . وَقَال ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الإِْشْرَافِ: حَاضِرُو الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ هُمْ أَهْل مَكَّةَ وَأَهْل ذِي طُوًى: وَقَال مُجَاهِدٌ وَطَاوُسٌ: هُمْ أَهْل الْحَرَمِ (51) . دُخُول الْكَافِرِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ 16 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ إِلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ لَهُ دُخُول الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِحَالٍ (52) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا}} (53) . وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ إِذْ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الْكَافِرَ يُمْنَعُ مِنْ دُخُول الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا وَإِنْ أَذِنَ لَهُ مُسْلِمٌ مَا لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ لِدُخُولِهِ كَعِمَارَةِ (54) ، وَقَالُوا: إِنَّ الآْيَةَ: {{فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا}} عَامَّةٌ فِي سَائِرِ الْمُشْرِكِينَ وَسَائِرِ الْمَسَاجِدِ، وَبِذَلِكَ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عُمَّالِهِ، وَنَزَعَ فِي كِتَابِهِ بِهَذِهِ الآْيَةِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى {{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ}} (55) ، وَدُخُول الْكُفَّارِ فِيهَا مُنَاقِضٌ لِتَرْفِيعِهَا (56) . وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِدُخُول أَهْل الذِّمَّةِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَسَائِرَ الْمَسَاجِدِ (57) . __________ (1) المصباح المنير. (2) حديث: " جعلت لي الأرض طهورا ومسجدا " أخرجه مسلم (1 / 371) من حديث أبي هريرة. (3) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي ص27 - 28. (4) تهذيب الأسماء واللغات 4 / 152، وانظر إعلام الساجد ص59 وما بعدها، وتفسير القرطبي 8 / 104. (5) المطلع على أبواب المقنع ص158، 188، والمصباح المنير. (6) إعلام الساجد 223 وما بعدها، وتحفة الراكع والساجد 131 وما بعدها. (7) إعلام الساجد ص29، وتفسير القرطبي 4 / 137. (8) سورة آل عمران / 96. (9) حديث أبي ذر قلت: " يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 6 / 407) ومسلم (1 / 370) . (10) مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن لأبي الفرج بن الجوزي 1 / 358 نشر دار الراية. (11) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص371 نشر دار ومكتبة الهلال. (12) كفاية الطالب الرباني 2 / 32 - 33 نشر دار المعرفة. (13) حديث: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 3 / 63) ومسلم (2 / 1014) من حديث أبي هريرة واللفظ للبخاري. (14) الفتاوى الهندية 1 / 265، وكفاية الطالب الرباني 2 / 33 ط دار المعرفة، وعمدة القاري 7 / 253 ط دار الفكر، وفتح الباري 3 / 65 ط. السلفية. (15) فتح القدير 2 / 181 ط الأميرية. (16) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص215، وحاشية ابن عابدين 1 / 457. (17) حاشية ابن عابدين 1 / 457. (18) حاشية الصاوي مع الشرح الصغير 1 / 406 - 407. (19) إعلام الساجد ص107. (20) مغني المحتاج 1 / 223، 484. (21) كشاف القناع 2 / 477. (22) إعلام الساجد 115، ومثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن لابن الجوزي 1 / 359، وتحفة الراكع والساجد ص 29. (23) حديث: " صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه. . . ". أخرجه ابن ماجه (1 / 450 - 451) وصحح إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (1 / 250) وقال أصله في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وفي مسلم وغيره من حديث ابن عمر. (24) تحفة الراكع والساجد ص30، وانظر عمدة القاري 7 / 257، وفتح الباري 3 / 68. (25) شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام 1 / 82. (26) حاشية ابن عابدين 2 / 187، وعمدة القاري 7 / 257. (27) إعلام الساجد 124، وتحفة الراكع والساجد 29. (28) حديث: " أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ". أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 214) من حديث زيد بن ثابت. (29) تحفة الراكع والساجد ص 29 - 30. (30) حاشية ابن عابدين 2 / 188، وشفاء الغرام بأخبار البلد الحرام 1 / 80، وتحفة الراكع والساجد ص30، وإعلام الساجد بأحكام المساجد ص119. (31) حديث عطاء بن أبي رياح قال: " بينما ابن الزبير يخطبنا. . . ". أخرجه أبو داود الطيالسي في المسند (ص195) ، وأخرج أحمد (4 / 5) الشطر المرفوع منه فقط، وفيه في آخره: " تفضل بمائة صلاة في هذا " وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (4 / 6) وعزاه إلى الطبراني في الكبير وقال: رجاله رجال الصحيح. (32) تحفة الراكع والساجد ص 30. (33) إعلام الساجد 120 - 121. (34) المرجع السابق ص120. (35) المجموع 4 / 299 - 300. (36) حديث المطلب بن أبي وداعة: " أنه رأى النبي ﷺ يصلي مما يلي باب بني سهم. . . ". أخرجه أبو داود (2 / 518) وفي إسناده جهالة. (37) حاشية ابن عابدين 1 / 427، 2 / 172. (38) حاشية الصاوي مع الشرح الصغير 1 / 336 - 337. (39) نهاية المحتاج 2 / 53 - 54. (40) مطالب أولي النهى 1 / 482. (41) غنية المتملي شرح منية المصلي ص571 - 572، وحاشية ابن عابدين 1 / 557، والفتاوى الهندية 1 / 150، والشرح الصغير مع حاشية الصاوي عليه 1 / 529، والمجموع 5 / 4، والمغني 2 / 372، وتحفة الراكع والساجد ص108. (42) حديث: " ينزل الله على أهل المسجد مسجد مكة كل يوم عشرين ومائة رحمة. . . ". أخرجه الطبراني في الأوسط (7 / 169) من حديث ابن عباس، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (3 / 292) وذكر أن فيه راوياً متروكاً. (43) حديث عقبة بن عامر: " نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 79) ومسلم (3 / 1264) . (44) الشرح الصغير 2 / 255 - 256، والهداية 2 / 90 - 91 ط مصطفى الحلبي، والبناية 5 / 315 - 316، وإعلام الساجد ص208، وتحفة الراكع والساجد ص123. (45) الشرح الصغير 2 / 255. (46) الشرح الصغير 2 / 256. (47) الهداية 2 / 90 - 91 ط. الحلبي، وانظر البناية 5 / 315 - 316. (48) تفسير القرطبي 2 / 404، وحاشية ابن عابدين 2 / 197، وجواهر الإكليل 1 / 172. (49) حاشية القليوبي على شرح المحلي 2 / 128. (50) تحفة الراكع والساجد ص63. (51) نهاية المحتاج 8 / 86، وإعلام الساجد للزركشي ص173، والمغني 8 / 531، والدر المختار 3 / 275، وتفسير القرطبي 8 / 105، وأحكام أهل الذمة 1 / 184 - 187. (52) سورة التوبة / 28. (53) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 1 / 139. (54) سورة النور / 36. (55) تفسير القرطبي 8 / 104 - 105. (56) الفتاوى الهندية 5 / 246، والبناية 9 / 372، وتكملة فتح القدير 8 / 130 ط. الأميرية. |
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - الْمَسْجِدُ - لُغَةً - بِكَسْرِ الْجِيمِ - الْمَوْضِعُ الَّذِي يُسْجَدُ فِيهِ، قَال الزَّجَّاجُ: كُل مَوْضِعٍ يُتَعَبَّدُ فِيهِ فَهُوَ مَسْجِدٌ، وَالْمَسْجَدُ بِالْفَتْحِ مَوْضِعُ وُقُوعِ الْجَبْهَةِ عَلَى الأَْرْضِ (1) . وَشَرْعًا: عَرَّفَهُ الزَّرْكَشِيُّ بِأَنَّهُ: كُل مَوْضِعٍ مِنَ الأَْرْضِ لِقَوْلِهِ ﷺ جُعِلَتْ لِي الأَْرْضُ مَسْجِدًا (2) قَال: وَهَذَا مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الأُْمَّةِ، ثُمَّ قَال: إِنَّ الْعُرْفَ خَصَّصَ الْمَسْجِدَ بِالْمَكَانِ الْمُهَيَّأِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ حَتَّى يَخْرُجَ الْمُصَلَّى الْمُجْتَمَعُ فِيهِ لِلأَْعْيَادِ وَنَحْوِهَا فَلاَ يُعْطَى حُكْمَهُ (3) . وَالْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ: هُوَ الْمَسْجِدُ الَّذِي بَنَاهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي مَوْقِعِهِ الْمَعْرُوفِ بِالْمَدِينَةِ حِينَ قَدِمَ مُهَاجِرًا إِلَيْهَا مِنْ مَكَّةَ، وَهُوَ ثَانِي الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ (4) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: 1 - الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ: 2 - وَهُوَ الْمَسْجِدُ الَّذِي بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَمَعَهُ ابْنُهُ إِسْمَاعِيل، فِي مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ (5) ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {{إِنَّ أَوَّل بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ}} (6) . ب - الْمَسْجِدُ الأَْقْصَى: 3 - وَيُسَمَّى بَيْتَ الْمَقْدِسِ (7) ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى}} (8) وَالصِّلَةُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ وَالْمَسْجِدِ الأَْقْصَى مِنَ الْمَسَاجِدِ الَّتِي تُشَدُّ إِلَيْهَا الرِّحَال وَيُضَاعَفُ فِيهَا الأَْجْرُ. تَأْسِيسُ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ 4 - قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرًا إِلَيْهَا مِنْ مَكَّةَ حِينَ اشْتَدَّ الضُّحَى مِنْ يَوْمِ الاِثْنَيْنِ لاِثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَْوَّل - عَلَى مَا صَحَّحَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ النَّجَّارِ وَالنَّوَوِيُّ فَمَكَثَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ أَيَّامَ الاِثْنَيْنِ وَالثُّلاَثَاءِ وَالأَْرْبِعَاءِ وَالْخَمِيسِ وَبَنَى فِيهِمْ مَسْجِدَ قُبَاءٍ وَصَلَّى فِيهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ رَكِبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَمَرَّ عَلَى بَنِي سَالِمٍ فَجَمَعَ بِهِمْ وَبِمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَسْجِدِهِمْ فَكَانَتْ أَوَّل جُمُعَةٍ صَلاَّهَا النَّبِيُّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ وَأَصْبَحَ ذَلِكَ الْمَسْجِدُ يُسَمَّى مَسْجِدَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْيَوْمِ، ثُمَّ رَكِبَ مِنْ بَنِي سَالِمٍ فَجَعَل كُلَّمَا مَرَّ دَارًا مِنْ دُورِ الأَْنْصَارِ يَدْعُونَهُ إِلَى الْمُقَامِ عِنْدَهُمْ يَقُولُونَ يَا رَسُول اللَّهِ هَلُمَّ إِلَى الْقُوَّةِ وَالْمَنَعَةِ فَيَقُول ﷺ: " خَلُّوا سَبِيلَهَا (9) - يَعْنِي نَاقَتَهُ الْقَصْوَاءَ - فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ "، وَقَدْ أَرْخَى زِمَامَهَا وَمَا يُحَرِّكُهَا وَهِيَ تَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالاً حَتَّى إِذَا أَتَتْ مَوْضِعَ الْمَسْجِدِ بَرَكَتْ - وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مِرْبَدٌ لِلتَّمْرِ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ - ثُمَّ ثَارَتِ النَّاقَةُ وَالنَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهَا حَتَّى بَرَكَتْ عَلَى بَابِ دَارِ أَبِي أَيُّوبَ الأَْنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ ثَارَتْ مِنْهُ وَبَرَكَتْ فِي مَبْرَكِهَا الأَْوَّل وَأَلْقَتْ جِرَانَهَا - أَيْ بَاطِنَ عُنُقِهَا - بِالأَْرْضِ وَأَرْزَمَتْ أَيْ صَوَّتَتْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَفْتَحَ فَاهَا - فَنَزَل عَنْهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَقَال: هَذَا الْمَنْزِل إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاحْتَمَل أَبُو أَيُّوبَ رَحْلَهُ ﷺ وَأَدْخَلَهُ فِي بَيْتِهِ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: الْمَرْءُ مَعَ رَحْلِهِ (10) . وَنَقَل السُّيُوطِيُّ عَنِ ابْنِ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَال: بَرَكَتْ نَاقَةُ رَسُول اللَّهِ ﷺ عِنْدَ مَوْضِعِ الْمَسْجِدِ - وَهُوَ يَوْمَئِذٍ يُصَلِّي فِيهِ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ مِرْبَدًا لِسَهْلٍ وَسُهَيْلٍ - غُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ مِنَ الأَْنْصَارِ وَكَانَا فِي حِجْرِ أَبِي أُمَامَةَ: أَسْعَدِ بْنِ زُرَارَةَ، فَدَعَا رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالْغُلاَمَيْنِ فَسَاوَمَهُمَا بِالْمِرْبَدِ لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا، فَقَالاَ: بَل نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُول اللَّهِ، فَأَبَى النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَأَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُعْطِيَهُمَا ذَلِكَ (11) ، فَأَمَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالنَّخْل الَّذِي فِي الْحَدِيقَةِ وَبِالْغَرْقَدِ الَّذِي فِيهِ أَنْ يُقْطَعَ، وَأَمَرَ بِاللَّبِنِ فَضُرِبَ، وَكَانَ فِي الْمِرْبَدِ قُبُورٌ جَاهِلِيَّةٌ فَأَمَرَ بِهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فَنُبِشَتْ، وَأَمَرَ بِالْعِظَامِ أَنْ تُغَيَّبَ، وَأَسَّسُوا الْمَسْجِدَ فَجَعَلُوا طُولَهُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ إِلَى مُؤَخَّرِهِ مِائَةَ ذِرَاعٍ، وَفِي هَذَيْنِ الْجَانِبَيْنِ مِثْل ذَلِكَ فَهُوَ مُرَبَّعٌ، وَيُقَال كَانَ أَقَل مِنَ الْمِائَةِ وَجَعَلُوا الأَْسَاسَ قَرِيبًا مِنْ ثَلاَثَةِ أَذْرُعٍ عَلَى الأَْرْضِ بِالْحِجَارَةِ ثُمَّ بَنَوْهُ بِاللَّبِنِ، وَبَنَاهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ وَجَعَل يَنْقُل الْحِجَارَةَ مَعَهُمْ بِنَفْسِهِ وَيَقُول: اللَّهُمَّ لاَ عَيْشَ إِلاَّ عَيْشَ الآْخِرَةِ فَاغْفِرْ لِلأَْنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَةِ (12) . وَجَعَل لَهُ ثَلاَثَةَ أَبْوَابٍ، بَابًا فِي مُؤَخَّرِهِ، وَبَابًا يُقَال لَهُ بَابُ الرَّحْمَةِ وَهُوَ الْبَابُ الَّذِي يُدْعَى بَابُ عَاتِكَةَ، وَالْبَابُ الثَّالِثُ الَّذِي يَدْخُل مِنْهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الْبَابُ الَّذِي يَلِي آل عُثْمَانَ وَجَعَل طُول الْجِدَارِ بَسْطَةً، وَعُمُدَهُ الْجُذُوعَ، وَسَقْفَهُ جَرِيدًا فَقِيل لَهُ أَلاَ تُسْقِفُهُ؟ فَقَال: عَرِيشٌ كَعَرِيشِ مُوسَى خُشَيْبَاتٌ وَتَمَامُ الشَّأْنِ أَعْجَل مِنْ ذَلِكَ، وَبَنَى بُيُوتًا إِلَى جَنْبِهِ بِاللَّبِنِ وَسُقُفُهَا بِجُذُوعِ النَّخْل وَالْجَرِيدِ (13) وَكَانَتْ تِلْكَ الْبُيُوتُ مَكَانَ حُجْرَتِهِ الْيَوْمَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ أَزْوَاجُهُ خُلِطَتِ الْبُيُوتُ وَالْحُجَرُ بِالْمَسْجِدِ فِي زَمَنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ (14) . تَوْسِعَةُ الْمَسْجِدِ وَعِمَارَتُهُ: 5 - قَال الزَّرْكَشِيُّ: رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَال: كَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ وَسَقْفُهُ الْجَرِيدُ وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْل (15) فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبَنَاهُ عَلَى بِنَائِهِ فِي عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَبِيرَةً وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ (16) ، وَجَعَل عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ وَسُقُفُهُ بِالسَّاجِ، وَقَال خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ: بَنَى رَسُول اللَّهِ ﷺ مَسْجِدَهُ سَبْعِينَ ذِرَاعًا فِي سِتِّينَ ذِرَاعًا أَوْ يَزِيدُ، قَال أَهْل السِّيَرِ: جَعَل عُثْمَانُ طُول الْمَسْجِدِ مِائَةً وَسِتِّينَ ذِرَاعًا وَعَرْضَهُ مِائَةً وَخَمْسِينَ ذِرَاعًا وَجَعَل أَبْوَابَهُ سِتَّةً كَمَا كَانَتْ فِي زَمَنِ عُمَرَ ثُمَّ زَادَ فِيهِ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَجَعَل طُولَهُ مِائَتَيْ ذِرَاعٍ وَعَرْضَهُ فِي مُقَدَّمِهِ مِائَتَيْنِ وَفِي مُؤَخَّرِهِ مِائَةً وَثَمَانِينَ ثُمَّ زَادَ فِيهِ الْمَهْدِيُّ مِائَةَ ذِرَاعٍ مِنْ جِهَةِ الشَّامِ فَقَطْ دُونَ الْجِهَاتِ الثَّلاَثِ (17) . الرَّوْضَةُ الشَّرِيفَةُ 6 - وَرَدَ فِي فَضْل الرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ، مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي (18) ، وَمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَا بَيْنَ مِنْبَرِي إِلَى حُجْرَتِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ وَإِنَّ مِنْبَرِي عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ (19) وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: مَا بَيْنَ هَذِهِ الْبُيُوتِ - يَعْنِي بُيُوتَهُ ﷺ - إِلَى مِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ (20) . قَال النَّوَوِيُّ: ذَكَرُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ: مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ بِعَيْنِهِ يُنْقَل إِلَى الْجَنَّةِ، وَالثَّانِي أَنَّ الْعِبَادَةَ فِيهِ تُؤَدِّي إِلَى الْجَنَّةِ (21) ، وَقَال مُحِبُّ الدِّينِ الطَّبَرِيُّ قَال بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَمَّا كَانَ جُلُوسُهُ وَجُلُوسُ النَّاسِ إِلَيْهِ يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ وَالدِّينَ وَالإِْيمَانَ هُنَاكَ شَبَّهَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ بِالرَّوْضَةِ لِكَرَمِ مَا يُجْتَنَى فِيهِ، وَأَضَافَهُ إِلَى الْجَنَّةِ لأَِنَّهَا تُؤَوَّل إِلَى الْجَنَّةِ، كَمَا قَال ﷺ: الْجَنَّةُ تَحْتَ ظِلاَل السُّيُوفِ (22) . أَسَاطِينُ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ الأَْصْلِيِّ 7 - مِنْ أَسَاطِينِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ أُسْطُوَانَةُ الْمُخَلَّقِ الَّتِي هِيَ عَلَمٌ عَلَى الْمُصَلَّى الشَّرِيفِ، فَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَْكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَتَحَرَّى الصَّلاَةَ عِنْدَهَا. وَمِنْهَا: أُسْطُوَانَةُ الْقُرْعَةِ وَتُعْرَفُ بِأُسْطُوَانَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا وَبِأُسْطُوَانَةِ الْمُهَاجِرِينَ أَيْضًا، رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَبَالَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَاثْنَيْنِ مَعَهُ دَخَلُوا عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا فَتَذَاكَرُوا الْمَسْجِدَ فَقَالَتْ عَائِشَةُ إِنِّي لأََعْلَمُ سَارِيَةً مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الصَّلاَةِ إِلَيْهَا لاَضْطَرَبُوا عَلَيْهَا بِالسُّهْمَانِ، فَخَرَجَ الرَّجُلاَنِ وَبَقِيَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ خَرَجَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مُسْرِعًا فَصَلَّى إِلَى هَذِهِ السَّارِيَةِ، وَعَنِ ابْنِ زَبَالَةَ أَيْضًا: وَبَلَغَنَا أَنَّ الدُّعَاءَ فِيهَا مُسْتَجَابٌ. وَمِنْهَا: أُسْطُوَانَةُ التَّوْبَةِ وَتُعْرَفُ بِأُسْطُوَانَةِ أَبِي لُبَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَهِيَ الَّتِي رَبَطَ أَبُو لُبَابَةَ نَفْسَهُ إِلَيْهَا حَتَّى نَزَلَتْ تَوْبَتُهُ. وَمِنْهَا: أُسْطُوَانَةُ السَّرِيرِ وَهِيَ الَّتِي كَانَ يُوضَعُ عِنْدَهَا سَرِيرُ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا اعْتَكَفَ. وَمِنْهَا: أُسْطُوَانَةُ الْحَرَسِ وَهِيَ الَّتِي كَانَ يَجْلِسُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي صَفْحَتِهَا الَّتِي تَلِي الْقَبْرَ مِمَّا يَلِي بَابَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَحْرُسُ النَّبِيَّ ﷺ. وَمِنْهَا: أُسْطُوَانَةُ الْوُفُودِ وَهِيَ الَّتِي كَانَ يَجْلِسُ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَيْهَا لِوُفُودِ الْعَرَبِ إِذَا جَاءَتْهُ. وَمِنْهَا: أُسْطُوَانَةُ التَّهَجُّدِ وَهِيَ الَّتِي كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ إِذَا انْكَفَّتِ النَّاسُ فَيُصَلِّي عِنْدَهَا صَلاَةَ اللَّيْل (23) . حُجُرَاتُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ 8 - قَال ابْنُ النَّجَّارِ: لَمَّا بَنَى رَسُول اللَّهِ ﷺ مَسْجِدَهُ بَنَى بَيْتَيْنِ لِزَوْجَتَيْهِ عَائِشَةَ وَسَوْدَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَلَى نَعْتِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ مِنْ لَبِنٍ وَجَرِيدِ النَّخْل، وَلَمَّا تَزَوَّجَ ﷺ نِسَاءَهُ بَنَى لَهُنَّ حُجَرًا وَهِيَ تِسْعَةُ أَبْيَاتٍ وَهِيَ مَا بَيْنَ بَيْتِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إِلَى الْبَابِ الَّذِي يَلِي بَابَ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَال أَهْل السِّيَرِ: ضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ الْحُجُرَاتِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ وَالشَّرْقِ إِلَى الشَّامِيِّ وَلَمْ يَضْرِبْهَا غَرْبِيَّهُ، وَكَانَتْ خَارِجَةً مِنَ الْمَسْجِدِ مُدِيرَةً بِهِ إِلاَّ مِنَ الْمَغْرِبِ وَكَانَتْ أَبْوَابُهَا شَارِعَةً فِي الْمَسْجِدِ. وَكَانَ بَيْتُ فَاطِمَةَ بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ خَلْفَ بَيْتِهِ عَنْ يَسَارِ الْمُصَلَّى إِلَى الْكَعْبَةِ وَكَانَ فِيهِ خَوْخَةٌ إِلَى بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْل إِلَى الْمَخْرَجِ اطَّلَعَ مِنْهَا يَعْلَمُ خَبَرَهُمْ (24) ، وَكَانَ يَأْتِي بَابَهَا كُل صَبَاحٍ فَيَأْخُذُ بِعِضَادَتَيْهِ وَيَقُول: الصَّلاَةَ: {{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْل الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}} (25) . مِنْبَرُ النَّبِيِّ ﷺ 9 - وَرَدَتْ عِدَّةُ رِوَايَاتٍ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْطُبَ وَأَطَال الْقِيَامَ يُسْنِدُ ظَهْرَهُ إِلَى إِحْدَى سَوَارِي مَسْجِدِهِ - ﷺ - الَّتِي كَانَتْ مِنْ جُذُوعِ النَّخْل، وَكَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِ طُول قِيَامِهِ فَأُتِيَ بِجِذْعٍ فَحُفِرَ لَهُ فَصَارَ يَخْطُبُ إِلَى جَنْبِهِ وَإِذَا طَال قِيَامُهُ - ﷺ - اسْتَنَدَ فَاتَّكَأَ عَلَيْهِ، وَلَمَّا رَأَى الصَّحَابَةُ أَنَّهُ - ﷺ - يَشْكُو ضَعْفًا فِي رِجْلَيْهِ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ طُول الْقِيَامِ عَمِلُوا لَهُ مِنْبَرًا مِنْ خَشَبِ الطَّرْفَاءِ وَكَانَ بِمِرْقَاتَيْنِ - أَيْ دَرَجَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثٍ (26) فَلَمَّا تَحَوَّل ﷺ إِلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ عَلَيْهِ سُمِعَ لِذَلِكَ الْجِذْعِ حَنِينٌ كَصَوْتِ الْعِشَارِ فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِ فَاحْتَضَنَهُ وَضَمَّهُ فَسَكَنَ (27) . مَوْضِعُ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ 10 - قَال ابْنُ هِشَامٍ: لَمَّا فَرَغَ مِنْ جِهَازِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الثُّلاَثَاءِ وُضِعَ عَلَى سَرِيرِهِ فِي بَيْتِهِ وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ اخْتَلَفُوا فِي دَفْنِهِ فَقَال قَائِلٌ نَدْفِنُهُ فِي مَسْجِدِهِ، وَقَال قَائِلٌ بَل نَدْفِنُهُ مَعَ أَصْحَابِهِ (28) ، فَقَال أَبُو بَكْرٍ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَا قُبِضَ نَبِيٌّ إِلاَّ دُفِنَ حَيْثُ قُبِضَ (29) ، فَرُفِعَ فِرَاشُ رَسُول اللَّهِ ﷺ الَّذِي تُوُفِّيَ عَلَيْهِ فَحُفِرَ لَهُ تَحْتَهُ ثُمَّ دَخَل النَّاسُ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ أَرْسَالاً - جَمَاعَةً بَعْدَ جَمَاعَةٍ -. وَقَال ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ عُلِمَ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ دُفِنَ فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ الَّتِي كَانَتْ تَخْتَصُّ بِهَا شَرْقِيَّ مَسْجِدِهِ فِي الزَّاوِيَةِ الْغَرْبِيَّةِ الْقِبْلِيَّةِ مِنَ الْحُجْرَةِ، ثُمَّ دُفِنَ بَعْدَهُ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (30) . مَكَانُ أَهْل الصُّفَّةِ 11 - الصُّفَّةُ: بِضَمِّ الصَّادِ الْمُشَدَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ - مَكَانٌ مُظَلَّلٌ فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ وَإِلَيْهَا يُنْسَبُ أَهْل الصُّفَّةِ (31) ، وَهُمْ أَنَاسٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَكْثَرُهُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَنَازِل وَلاَ مَأْوًى، أَنْزَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ الْمَسْجِدَ وَسَمَّاهُمْ أَهْل الصُّفَّةِ، وَكَانَ ﷺ يُجَالِسُهُمْ وَيَأْنَسُ بِهِمْ، وَكَانَ إِذَا جَاءَتْهُ هَدِيَّةٌ أَصَابَ مِنْهَا وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مِنْهَا، وَإِذَا جَاءَتْهُ الصَّدَقَةُ أَرْسَل بِهَا إِلَيْهِمْ وَلَمْ يُصِبْ مِنْهَا (32) . قَال ابْنُ النَّجَّارِ (33) : رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا فُقَرَاءَ، وَرُوِيَ - أَيْضًا - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنْ أَهْل الصُّفَّةِ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، إِمَّا إِزَارٌ وَإِمَّا كِسَاءٌ قَدْ رَبَطُوهُ فِي أَعْنَاقِهِمْ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْنِ وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الْكَعْبَيْنِ فَيَجْمَعُهُ بِيَدِهِ كَرَاهَةَ أَنْ تُرَى عَوْرَتُهُ (34) . آدَابُ دُخُول الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ 12 - يُسْتَحَبُّ لِمَنْ دَخَل الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ أَنْ يَقُول الذِّكْرَ الْوَارِدَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ دُخُول الْمَسَاجِدِ، فَيُقَدِّمَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَيَقُول: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ، رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ. وَعِنْدَ الْخُرُوجِ يُقَدِّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَقُول ذَلِكَ، وَلَكِنْ بِلَفْظِ: (وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ) ، وَيُصَلِّيَ عِنْدَ الدُّخُول رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ وَالْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَإِنَّ تَحِيَّتَهُ الطَّوَافُ. ثُمَّ يَقْصِدَ الْحُجْرَةَ الشَّرِيفَةَ الَّتِي فِيهَا قَبْرُ النَّبِيِّ ﷺ فَيَسْتَقْبِل الْقَبْرَ وَيَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ، وَيَدْعُوَ بِالدُّعَاءِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ (35) . ر: مُصْطَلَحُ (زِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ ف 7) . الأَْحْكَامُ الْخَاصَّةُ بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ مَا لِلْمَسَاجِدِ مِنْ أَحْكَامٍ، وَيَخْتَصُّ بِأَحْكَامٍ مِنْهَا 1 - شَدُّ الرِّحَال إِلَيْهِ: 13 - فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُول - ﷺ - وَمَسْجِدِ الأَْقْصَى (36) . وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ أَحَدُ الْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِمَزِيَّةِ جَوَازِ شَدِّ الرِّحَال إِلَيْهَا. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضِيلَةُ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ وَمَزِيَّتُهَا عَلَى غَيْرِهَا لِكَوْنِهَا مَسَاجِدَ الأَْنْبِيَاءِ، وَلأَِنَّ الأَْوَّل قِبْلَةُ النَّاسِ وَإِلَيْهِ حَجُّهُمْ وَالثَّانِي كَانَ قِبْلَةَ الأُْمَمِ السَّالِفَةِ، وَالثَّالِثُ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى. وَاخْتُلِفَ فِي شَدِّ الرِّحَال إِلَى غَيْرِهَا كَالذَّهَابِ إِلَى زِيَارَةِ الصَّالِحِينَ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، وَإِلَى الْمَوَاضِعِ الْفَاضِلَةِ لِقَصْدِ التَّبَرُّكِ بِهَا وَالصَّلاَةِ فِيهَا، فَقَال أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ: يَحْرُمُ شَدُّ الرِّحَال إِلَى غَيْرِهَا عَمَلاً بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَبِهِ قَال عِيَاضٌ وَطَائِفَةٌ. وَالصَّحِيحُ عِنْدَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِهِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَحْرُمُ (37) . 2 - ثَوَابُ الصَّلاَةِ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ فَرْضًا وَنَفْلاً 14 - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ (38) . وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي حُصُول هَذِهِ الأَْفْضَلِيَّةِ وَمُضَاعَفَةِ الثَّوَابِ الْوَارِدَةِ فِي الْحَدِيثِ - لِصَلاَةِ الْفَرْضِ. أَمَّا فِي صَلاَةِ النَّفْل فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ - عَلَى الصَّحِيحِ - وَالْحَنَابِلَةُ: أَنَّ الأَْفْضَلِيَّةَ وَمُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ الْوَارِدَةَ فِي الْحَدِيثِ خَاصَّةٌ بِالْفَرَائِضِ دُونَ النَّوَافِل، لأَِنَّ صَلاَةَ النَّافِلَةِ فِي الْبَيْتِ أَفْضَل وَأَقْرَبُ إِلَى الإِْخْلاَصِ وَأَبْعَدُ عَنِ الرِّيَاءِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: صَلاَةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَل مِنْ صَلاَتِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ (39) ، وَقَوْلِهِ ﷺ: إِذَا قَضَى أَحَدُكُمُ الصَّلاَةَ فِي مَسْجِدِهِ فَلْيَجْعَل لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلاَتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلاَتِهِ خَيْرًا (40) . لَكِنَّ الْمَالِكِيَّةَ فَرَّقُوا بَيْنَ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْمَدِينَةِ وَبَيْنَ مَنْ كَانَ مِنَ الْغُرَبَاءِ عَنْهَا، فَقَالُوا إِنَّ صَلاَةَ أَهْل الْمَدِينَةِ النَّفْل الْمُطْلَقَ فِي بُيُوتِهِمْ أَفْضَل مِنْ فِعْلِهَا فِي الْمَسْجِدِ بِخِلاَفِ الرَّوَاتِبِ وَمَا تُسَنُّ لَهُ الْجَمَاعَةُ فَإِنَّ فِعْلَهَا فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَل. أَمَّا الْغُرَبَاءُ عَنِ الْمَدِينَةِ فَإِنَّ صَلاَتَهُمُ النَّافِلَةَ فِي مَسْجِدِهِ ﷺ أَفْضَل مِنْ صَلاَتِهِمْ لَهَا فِي بُيُوتِهِمْ وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ النَّافِلَةُ مِنَ الرَّوَاتِبِ أَمْ كَانَتْ نَفْلاً مُطْلَقًا. وَقَالُوا: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْغَرِيبِ عَنِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ مَنْ لاَ يُعْرَفُ فِيهَا، وَإِنَّ الْمُجَاوِرَ بِهَا حُكْمُهُ حُكْمُ أَهْلِهَا حَيْثُ كَانَ يُعْرَفُ (41) . وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ - وَمُطَرِّفٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ - أَنَّ التَّفْضِيل الْوَارِدَ بِالْحَدِيثِ يَعُمُّ صَلاَةَ الْفَرْضِ وَصَلاَةَ النَّفْل. قَال النَّوَوِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لاَ يَخْتَصُّ هَذَا التَّفْضِيل بِالصَّلاَةِ فِي هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ - أَيِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ - بِالْفَرِيضَةِ بَل يَعُمُّ الْفَرْضَ وَالنَّفْل جَمِيعًا، وَبِهِ قَال مُطَرِّفٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ التَّحْقِيقَ: أَنَّ صَلاَةَ النَّفْل فِي بَيْتِهِ أَفْضَل مِنَ الْمَسْجِدِ (42) . 3 - حُكْمُ مَا زِيدَ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ 15 - طَرَأَتْ عَلَى بِنَاءِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ تَوْسِعَةٌ وَزِيَادَاتٌ فِي بِنَائِهِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ بَحَثَ الْعُلَمَاءُ حُكْمَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ مِنْ جِهَةِ نَيْل الثَّوَابِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَال إِنَّ الْفَضْل الثَّابِتَ لِمَسْجِدِهِ ﷺ ثَابِتٌ لِمَا زِيدَ فِيهِ. قَال مُحِبُّ الدِّينِ الطَّبَرِيُّ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَال: زَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ شَامِيِّهِ وَقَال: (لَوْ زِدْنَا فِيهِ حَتَّى تَبْلُغَ الْجَبَّانَةَ كَانَ مَسْجِدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ) (43) ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لَوْ بُنِيَ هَذَا الْمَسْجِدُ إِلَى صَنْعَاءَ كَانَ مَسْجِدِي (44) ، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُول: ظَهْرُ الْمَسْجِدِ كَقَعْرِهِ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: " وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ قَدْ زِيدَ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، فَقَدْ زَادَ فِيهِ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ الْوَلِيدُ ثُمَّ الْمَهْدِيُّ، وَالإِْشَارَةُ بِهَذَا إِلَى الْمَسْجِدِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ ﷺ، وَلاَ شَكَّ أَنَّ جَمِيعَ الْمَسْجِدِ الْمَوْجُودِ الآْنَ يُسَمَّى مَسْجِدَهُ ﷺ، فَقَدِ اتَّفَقَتِ الإِْشَارَةُ وَالتَّسْمِيَةُ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ فَلَمْ تُلْغَ التَّسْمِيَةُ فَتَحْصُل الْمُضَاعَفَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ، فِيمَا زِيدَ فِيهِ " (45) . وَنَقَل الْجُرَاعِيُّ عَنِ ابْنِ رَجَبٍ مِثْل ذَلِكَ، وَأَنَّهُ قَدْ قِيل إِنَّهُ لاَ يُعْلَمُ عَنِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ خِلاَفٌ (46) . وَرُوِيَ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ التَّوَقُّفُ (47) . وَرَجَّحَ السَّمَهُودِيُّ - مِنَ الْمَالِكِيَّةِ - أَنَّ مَا زِيدَ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ دَاخِلٌ فِي الأَْفْضَلِيَّةِ الْوَارِدَةِ بِالْحَدِيثِ، وَنَقَل عَنِ الإِْمَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِل عَنْ حَدِّ الْمَسْجِدِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ الْخَبَرُ هَل هُوَ عَلَى مَا كَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ هُوَ عَلَى مَا عَلَيْهِ الآْنَ؟ فَقَال بَل هُوَ عَلَى مَا هُوَ الآْنَ، وَقَال لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ بِمَا يَكُونُ بَعْدَهُ وَزُوِيَتْ لَهُ الأَْرْضُ فَأُرِيَ مَشَارِقَ الأَْرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَتَحَدَّثَ بِمَا يَكُونُ بَعْدَهُ فَحَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَنَسِيَ ذَلِكَ مَنْ نَسِيَهُ، وَلَوْلاَ هَذَا مَا اسْتَجَازَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْمَهْدِيُّونَ أَنْ يَزِيدُوا فِيهِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ مُنْكِرٌ (48) . لَكِنْ قَال الأُْبِّيُّ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ: صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ. . . (49) إِنَّ التَّفْضِيل مُخْتَصٌّ بِمَسْجِدِهِ الَّذِي كَانَ فِي زَمَانِهِ ﷺ دُونَ مَا زِيدَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلاَ يَتَنَاوَل التَّفْضِيل مَا زَادَ فِيهِ عُثْمَانُ لأَِنَّهُ مِنَ اتِّخَاذِهِ، وَيَدُل عَلَى أَنَّهُ مِنَ اتِّخَاذِهِ احْتِجَاجُهُ حِينَ أُنْكِرَ عَلَيْهِ فِيهِ الزِّيَادَةُ بِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ بَنَى مَسْجِدًا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ (50) ، فَجَعَلَهُ مِنْ بِنَائِهِ لِنَفْسِهِ (51) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ مُخْتَصَّةٌ بِنَفْسِ مَسْجِدِهِ ﷺ الَّذِي كَانَ فِي زَمَانِهِ دُونَ مَا زِيدَ فِيهِ بَعْدَهُ (52) . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَجَمْعٌ مِنَ الْحَنَابِلَةِ (53) . 4 - نَذْرُ الْمَشْيِ إِلَى الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ 16 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْوَفَاءِ عَلَى مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ، لأَِنَّ مِنْ شُرُوطِ النَّذْرِ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً مَقْصُودَةً وَأَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ أَوْ فَرْضٌ، وَالذَّهَابُ إِلَى الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ غَيْرُ وَاجِبٍ بِخِلاَفِ مَا لَوْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ (54) . وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ (55) . وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وُجُوبَ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ إِنْ نَوَى صَلاَةً أَوْ صَوْمًا أَوِ اعْتِكَافًا، لَكِنْ لاَ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ وَلَهُ أَنْ يَذْهَبَ رَاكِبًا (56) . وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ لُزُومَ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ مَاشِيًا، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الأَْقْصَى (57) . وَقَالُوا إِنَّهُ يَلْزَمُهُ - حِينَئِذٍ - أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ رَكْعَتَيْنِ لأَِنَّ الْقَصْدَ بِالنَّذْرِ الْقُرْبَةُ وَالطَّاعَةُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ تَحْصِيل ذَلِكَ بِالصَّلاَةِ فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ نَذْرَهُ كَمَا يَلْزَمُ نَاذِرَ الْمَشْيِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ (58) . وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (نَذْرٌ) 5 - زِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ 17 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ زِيَارَةَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ مُسْتَحَبَّةٌ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ إِنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ تَقْرُبُ مِنْ دَرَجَةِ الْوَاجِبَاتِ، وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ (59) . وَذَهَبَ الْفَقِيهُ الْمَالِكِيُّ أَبُو عِمْرَانَ مُوسَى بْنُ عِيسَى الْفَاسِيُّ إِلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ (60) . وَمِنْ أَدِلَّةِ مَشْرُوعِيَّتِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {{وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُول لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا}} (61) ، وَقَوْلُهُ ﷺ: مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَوْتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي (62) . وَلِلتَّفْصِيل: ر: مُصْطَلَحُ (زِيَارَةُ النَّبِيِّ ﷺ ف 2) . آدَابُ وَدَاعِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ 18 - يُسْتَحَبُّ لِمَنْ عَزَمَ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى بَلَدِهِ أَنْ يُوَدِّعَ الْمَسْجِدَ بِصَلاَةٍ وَيَدْعُوَ بَعْدَهَا بِمَا أَحَبَّ وَأَنْ يَأْتِيَ الْقَبْرَ الشَّرِيفَ فَيُسَلِّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيَدْعُوَ اللَّهَ بِمَا أَحَبَّ وَيَسْأَلَهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يُوصِلَهُ إِلَى أَهْلِهِ سَالِمًا غَانِمًا وَيَقُول: غَيْرَ مُوَدَّعٍ يَا رَسُول اللَّهِ، وَيَسْأَل اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرُدَّهُ إِلَى حَرَمِهِ وَحَرَمِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي عَافِيَةٍ (63) . __________ (1) تاج العروس - ط، الكويت، وسبل السلام 1 / 152. (2) حديث: " جعلت لي الأرض مسجداً ". أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 533) . (3) إعلام الساجد للزركشي ص27، 28، وتحفة الراكع والساجد للجراعي ص12. (4) إعلام الساجد ص223، وتحفة الراكع والساجد للجراعي ص12. (5) إعلام الساجد ص29، 45. (6) سورة آل عمران / 96. (7) إعلام الساجد ص275 - 283. (8) سورة الإسراء / 1. (9) حديث: " خلوا سبيلها. . . ". أخرجه ابن سعد مع القصة في الطبقات (1 / 1 / 160) . (10) إعلام الساجد ص223 - 225، وتحفة الراكع والساجد ص131، ووفاء الوفا ص322، والدرة الثمينة ص355. (11)) حديث: " بركت ناقة رسول الله ﷺ. . . ". أخرجه ابن سعد في الطبقات (1 / 2 / 1) وفي إسناده محمد بن عمر الواقدي وقد ضعفه المزي في " تهذيب الكمال " (26 / 180) . (12) أبيات الشعر: " اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة. . . ". قد ثبتت عن النبي ﷺ حين حفر الخندق كما أخرجها البخاري (فتح الباري 7 / 118) . (13) الحاوي للفتاوى للسيوطي 2 / 76 (ط. التجارية الكبرى - الثالثة) . وحديث: " عريش كعريش موسى. . . ". أخرجه البيهقي في " دلائل النبوة " (2 / 542) من طريقين، قال ابن كثير في " البداية والنهاية " (3 / 215) قال عن الطريق الأول " مرسل " من حديث الحسن البصري، والثاني: " حديث غريب ". (14) إعلام الساجد ص224. (15) حديث: " كان المسجد على عهد رسول الله ﷺ مبنيًا. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 540) . (16) القَصَّة: الجص والجير، القاموس المحيط. (17) إعلام الساجد للزركشي ص224، 225، ثم إنه لم تزل أيدي الخلفاء والملوك تتوالى على الحرمين الشريفين بالتوسعة والبناء على مر العصور وكان آخرها التوسعة التي أمر بها الملك عبد العزيز بن سعود عام 1370هـ ثم التوسعة الحالية التي أمر بها خادم الحرمين الشريفين الملك (18) حديث: " ما بين بيتي ومنبري. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 3 / 70) . (19) حديث: " ما بين منبري إلى حجرتي. . . ". أخرجه أحمد في المسند (2 / 412) . (20) حديث: " ما بين هذه البيوت. . . ". أخرجه أحمد في " المسند " (4 / 41) . (21) شرح النووي على مسلم 9 / 163، وإعلام الساجد ص251، 252، وتحفة الراكع والساجد ص143. (22) حديث: " الجنة تحت ظلال السيوف ". أخرجه مسلم (3 / 1362 - 1363) . (23) وفاة الوفا بأخبار دار المصطفى للسمهودي 2 / 439 - 453. (24) الدرة الثمينة ص359، وفاء الوفا 2 / 463. (25) حديث: " أن رسول الله ﷺ كان يمر بباب فاطمة ". أخرجه الترمذي (5 / 352) من حديث أنس بن مالك دون ذكر صفة بيت فاطمة رضي الله عنها، وقال الترمذي: " حديث حسن غريب " والآية من سورة الأحزاب / 33. (26) الدرة الثمينة ص360، وتاريخ ابن كثير 6 / 124، ووفاء الوفا 1 / 388. (27) حديث: " أن النبي ﷺ إذا أراد أن يخطب. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 6 / 601 - 602) والدرامي (1 / 29) واللفظ للدرامي. (28) السيرة النبوية لابن هشام 4 / 662 ط. مصطفى الحلبي. (29) حديث: " ما قبض نبيّ. . . ". أخرجه الترمذي (3 / 338) وابن ماجه (1 / 520 - 521) بإسنادين مختلفين وكلا الإسنادين ضعيف، الأول ضعفه الترمذي والآخر ضعفه البوصيري في " مصباح الزجاجة " (1 / 291) . (30) البداية والنهاية 5 / 272 مكتبة المعارف - بيروت. (31) القاموس المحيط. (32) تاريخ ابن كثير 6 / 102. (33) وفاء الوفا 2 / 454. (34) أثر أبي هريرة رضي الله عنه: " رأيت سبعين من أهل الصفة. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 536) . (35) فتح القدير 3 / 94، والشرح الصغير 1 / 405 - 407، وإعلام الساجد ص347، والمغني 3 / 577، 558. (36) حديث: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 3 / 63) ، ومسلم (2 / 1014) . (37) فتح الباري شرح البخاري 3 / 305 - 308 ط، مصطفى الحلبي، وصحيح مسلم بشرح النووي 9 / 106، وصحيح مسلم بشرح الأبي 3 / 480. (38) حديث: " صلاة في مسجدي هذا. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 3 / 63) ، ومسلم (2 / 1012) . (39) حديث: " صلاة المرء في بيته أفضل. . . ". أخرجه أبو داود (1 / 632) ، والترمذي (2 / 312) من حديث زيد بن ثابت، وقال الترمذي: " حديث حسن ". (40) حديث: " إذا قضى أحدكم الصلاة. . . ". أخرجه مسلم (1 / 539) . (41) حاشية ابن عابدين 1 / 659 ط. دار الفكر، وفتح القدير 3 / 96، وحاشية الدسوقي 1 / 314، وكفاية الطالب الرباني وبهامشه حاشية العدوي 4 / 59 (طبع المدني - الأولى) ، والمغني لابن قدامة 2 / 141 - الرياض. (42) شرح النووي على صحيح مسلم 9 / 164، وإعلام الساجد ص246، وشرح الأبي على مسلم 3 / 477، دار الكتب العلمية - بيروت. (43) أثر عمر: لو زدنا فيه حتى بلغ الجبانة. أورده ابن تيمية في كتاب الرد على الإخنائي (ص198 - بهامش تلخيص كتاب الاستغاثة) ، وعزاه لعمر بن شبة في تاريخ المدينة. (44) حديث: " لو بني هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي ". أورده ابن تيمية في الرد على الإخنائي (ص198 - بهامش تلخيص كتاب الاستغاثة) وعزاه إلى تاريخ المدينة لابن شبة، وقد ضعف غير واحد أحد رواته كما في الميزان للذهبي (2 / 429) (45) حاشية ابن عابدين 1 / 427، 659، والإقناع 1 / 323، والفتاوى لابن تيمية 26 / 146. (46) تحفة الراكع والساجد ص139. (47) الإقناع 1 / 323. (48) وفاء الوفا 1 / 357، 2 / 424. (49) حديث: " صلاة في مسجدي هذا. . . ". تقدم ف14. (50) حديث: " من بنى مسجدًا. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 544) ومسلم (4 / 2287) . (51) شرح صحيح مسلم للآبي 3 / 477 ط. دار الكتب العلمية بيروت. (52) إعلام الساجد ص 247، ومغني المحتاج 1 / 513، ونهاية المحتاج 3 / 311، وحاشية الجمل 2 / 483، والمجموع 8 / 277. (53) الإقناع 1 / 323. (54) حاشية ابن عابدين 3 / 735. (55) مغني المحتاج 4 / 363. (56) بداية المجتهد 1 / 445، والشرح الصغير 2 / 255. (57) حديث: " لا تشد الرحال. . . ". تقدم (ف 13) . (58) المغني 9 / 16. (59) فتح القدير 3 / 94، وحاشية ابن عابدين 2 / 626، والمغني 3 / 556. (60) الشفا 2 / 150. (61) سورة النساء / 64. (62) حديث: " من زارني بعد موتي. . . ". أخرجه الدارقطني في " السنن " (2 / 278) وضعفه ابن حجر في " التلخيص الحبير " (2 / 266 - 267) . (63) فتح القدير 3 / 97 وحاشية ابن عابدين 2 / 626، والمغني 3 / 546. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* فضل المشي إلى الصلاة في المسجد على طهارة:
1 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من تطهر في بيته، ثم مشى إلى بيت من بيوت الله، ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة)). أخرجه مسلم (¬1). 2 - عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من خرج من بيته متطهراً إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا يَنصِبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر، وصلاةٌ على أثر صلاةٍ لا لغو بينهما كتاب في عليين)). أخرجه أبوداود (¬2). * الخشوع في الصلاة: يحصل الخشوع في الصلاة بأمور، منها: 1 - حضور القلب. 2 - الفهم والإدراك لما يقرأ أو يسمع. 3 - التعظيم، ويتولد من أمرين: معرفة جلال الله وعظمته، ومعرفة حقارة النفس، فيتولد منهما الانكسار لله، والخشوع له. 4 - الهيبة، وهي أسمى من التعظيم، وتتولد من المعرفة بقدرة الله، وعظمته، وتقصير العبد في حقه سبحانه. 5 - الرجاء، وهو أن يرجو بصلاته ثواب الله عز وجل. 6 - الحياء، ويتولد من معرفة نعم الله، وتقصيره في حق الله سبحانه. ¬_________ (¬1) أخرجه مسلم برقم (666). (¬2) حسن / أخرجه أبو داود برقم (558)، صحيح سنن أبي داود رقم (522). وانظر صحيح الترغيب والترهيب رقم (315). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* آداب دخول المسجد:
يسن للمسلم أن يخرج إلى المسجد بسكينة ووقار، ولا يشبك بين أصابعه؟ لأنه في صلاة. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا ثُوّب للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وائتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا، فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة)). متفق عليه (¬1). 1 - يسن للمسلم إذا أتى المسجد أن يقدم رجله اليمنى في الدخول، قائلاً: ((أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم)). أخرجه أبو داود (¬2). ((باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك)). 2 - وإذا خرج قدم رجله اليسرى قائلاً: ((باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم إني أسألك من فضلك))، وزاد ابن ماجه: ((اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم)). أخرجه أبو داود وابن ماجه وابن السني (¬3). * إذا دخل المسلم المسجد سلم على من فيه، ثم صلى ركعتين تحية المسجد، ويستحب له أن يشتغل بذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن، والنوافل حتى تقام الصلاة، ويجتهد أن يكون في الصف الأول، على يمين الإمام. * النوم في المسجد أحيانا للمحتاج كالغريب والفقير الذي لا سكن له جائز، وأما اتخاذ المسجد مبيتاً ومقيلاً فهو منهي عنه إلا لمعتكف ونحوه. ¬_________ (¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (908)، ومسلم برقم (602)، واللفظ له. (¬2) صحيح/ أخرجه أبو داود برقم (466)، صحيح سنن أبي داود رقم (441). (¬3) صحيح/ أخرجه أبو داود برقم (465) صحيح سنن أبي داود رقم (440). وأخرجه ابن ماجه برقم (773)، صحيح سنن ابن ماجه رقم (627). وأخرجه ابن السني برقم (88)، وأصله في مسلم برقم (713). |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* حكم حجز مكان في المسجد:
السنة أن يسبق الرجل بنفسه إلى المسجد، فإذا قدم المفروش من سجادة ونحوها وتأخر هو فقد خالف الشريعة من جهتين: من جهة تأخره وهو مأمور بالتقدم. ومن جهة غصبه لطائفة من المسجد ومنعه غيره من السابقين أن يصلوا فيه، ومن فرش في المسجد وتأخر فلمن سبق إليه أن يرفع ذلك ويصلي في مكانه ولا إثم عليه. |