نتائج البحث عن (نتح) 37 نتيجة

كنتح: رجل كَنْتَح وكَنْثَحٌ، بالتاء والثاء: وهو الأَحمق.
نتح: النَّتْحُ: العَرَقُ، وقيل: خروج العَرَق من الجلد والدَّسَمِ من النِّحْيِ والنَّدَى من الثَّرَى؛ وقال الأَزهري: النَّتْحُ خروج العرق من أُصول الشعر وهو نَتْحُه الجلد؛ نَتَحَ يَنْتَِحُ نَتْحاً ونُتُوحاً. الجوهري: النَّتْحُ الرَّشْحُ، ومَناتِحُ العَرَقِ مَخارِجُه من الجلد؛ وأنشد: جَوْنٌ، كأَنَّ العَرَقِ المَنْتُوحا لَبَّسَه القَطْرانَ والمُسُوحا ونَتَحه الحَرُّ وغيره. ونَتَحَ النِّحْيُ إِذا رَشَحَ بالسَّمْنِ. وذِفْرَى البعير تَنْتِحُ عَرَقاً إِذا سار في يوم صائف شديد الحر فقَطَرَ ذِفْرَياه عرقاً. ونَتَحَت المَزادةُ تَنْتِحُ نَتْحاً ونُتُوحاً، وكذلك خروج العَرق؛ قال الراجز: تَنْتِحُ ذِفْراها بمثل الدِّرْياقْ والمِنْتَحة: الاستُ. والنُّتُوحُ: صُمُوغ الأَشجار ولا يقال نُتُوع. والانْتِياحُ: مثل النَّتْح؛ قال ذو الرمة يصف بعيراً يَهْدِرُ في الشِّقْشِقَة: رَقْشاءُ تَنْتاحُ اللُّغامَ المُزْبِدا، دَوَّمَ فيها رِزَّه وأَرْعَدا واليَنْتُوح: طائر أَقرع الرأْس يكون في الرمل. الأَزهري: روى أَبو أَيوب عن بعض العرب: امْتَتحتُ الشيءَ وانْتَتحته وانتزعْتُه بمعنى واحد.
(ن ت ح)

النَّتْحُ: الْعرق. وَقيل: خُرُوج الْعرق من الْجلد، وَالدَّسم من النحي، والندى من الثرى. نَتَحَ يَنْتِحُ نَتْحا ونُتُوحا. ونتَحَه الحَرُّ وَغَيره. قَالَ:

جَوْنٌ كأنَّ العَرَقَ المَنْتُوحا

لَبَّسَه القِطران والمُسُوحا

والمِنْتَحَةُ: الإست.

واليَنْتُوحُ: طَائِر أَقرع الرَّأْس يكون فِي الرمل.
كنتح
: (الكَنْتَح، كجعفرٍ: الأَحمق) ، مثل الكلْتَح والكَنْثَح.
نتح
: (النَّتْح) ، بالمثنّاة الفوقيّة السّاكنة (: العَرَق) . وَفِي (الصّحاح) : الرّشْح. (و) قيل: (خُرُوجُه) ، أَي العَرقِ (مِن الجِلْدِ، كالنُّتُوحِ) بالضّم، نَتَحَ يَنْتَحِ نَتْحاً ونُتُوحاً (و) النَّتْح والنُّتُوحُ: خُرُوج (الدَّسَم مِنَ النِّحْيِ) . يُقَال: نَتَحَ النِّحيُ، إِذا رَشَحَ بالسَّمن ونَتَحَت المَزادَةُ نَتْحاً ونُتُوحاً. (و) كَذَا خُرُوجُ (النَّدِيّ) ضَبطه فِي نسختنا النَّدِيّ، كأَمير فليُنظر (من الثَّرَى) . وَقَالَ الأَزْهَرِيّ. النَّتْح: خُرُوجُ العَرَقِ من أُصول الشَّعرِ. (نَتَح هُوَ، كضَرَبَ، لازِمٌ، (ونَتَحَه الحَرُّ) وغيرُه، متعدَ.
(والنُّتُوحُ) ، بِالضَّمّ. (صُمُوغُ الأَشجارِ) ، وَلَا يُقَال نُتُوعٌ كَمَا فِي (الصّحاح) ، أَي على مَا اشتهرَ على الأَلْسنة. قَالَ شَيخنَا: ثُمّ يُحتاج إِلى النظرِ فِي مفْرده، هَل هُوَ نَتْح كصَمْغ وزْناً وَمعنى، أَو غير ذَلِك.
(والمِنْتَحَة، بِالْكَسْرِ: الاسْتُ) ، وَمثله فِي (اللِّسَان) .
(وانتَاحَ، مالَهُ مَعْنًى) مناسبٌ لهاذه المادّة لَا أَنه بِناءٌ مهمَل من أَصْله على مَا قرّره شَيخنَا، فَيلْزم عَلَيْهِ أَن يُقَال مَا الْمَانِع من أَن يكون افتعال من النَّوْح أَو من النَّيح، فإِنّ كلاًّ مِنْهُمَا مادّة واردةٌ لَهَا معَان، فتأَمّلْ. (وغَلِطَ الجَوهريُّ) رَحمَه الله تَعَالَى (ثَلاَثَ غَلَطَاتٍ) بِنَاء على مَا أَصَّلَه، (أَحدها: أَن التَّرْكِيب صَحِيح) لَيْسَ فِيهِ حَرْفُ عِلَّة، (فَمَا للانتِيَاحِ فِيهِ مَدْخَلٌ) ، وَلَا يكونُ مُطَاوعاً لنَتَحَ أَيضاً كَمَا هُوَ ظَاهر (ثَانِيهَا: أَنَّ الانتياحَ لَا معنَى لَهُ) ، أَي فِي هاذا التَّرْكِيب، لَا مُطلقاً كَمَا توهَّمه بعضٌ. (ثالثُها: أَنّ الرِّوايةفِي الرجز) لذِي الرّمة (المُستشهَد بِهِ) يصفَ بَعيراً يَهدِر فِي الشِّقْشِقة:
(رَقْشَاءَ تَنْتَاح، اللُّغَامَ المُزْبِدَا)
دَوَّوَ فِيهَا رِزُّه وأَرْعَدَا
إِنَّمَا هـ (تَمْتَاح بِالْمِيم لَا بالنُّون) ، وَمَعْنَاهُ (أَي تُلْقِي اللُّغَامَ) . قَالَ شَيخنَا: وَلم يَتعقّبه ابْن بَرّيّ فِي الْحَوَاشِي، وَلَا تعرَّض للرّجز شارحُ الشواهِدِ، كعادته فِي إِهمال المهمّات.
قلت: وَلم يَتعقَّبْه ابنُ منظورٍ أَيضاً مَعَ كَمَال تتبُّعه لما استُدرِك على الجوهريّ. ونصُّ عبارَة الجوهريّ: والانتياح مثْل النَّتْح، قَالَ ذُو الرّمّة...الخ. وَيُوجد فِي بعْض نُسخه: الانتتاحُ، بفَوقِيَّتَين. وَقد يُقَال إِنّ رِوايةَ المصنِّف لَا تَقدَح فِي رِواية الجوهريّ لأَنَّهم صَرَّحُوا أَن رِوَايَة لَا تَقدَح فِي رِواية، وَلَا تُرَدّ روايَةٌ بأُخْرَى لَو صَحّت وورَدَتْ عَن الثِّقات، كَمَا صرَّح بِهِ ابنُ الأَنباريّ فِي أُصوله وَابْن السّرّاج، وأَيَّده ابنُ هِشام. وَيُمكن أَن يُقَال إِنّ نون تنتاح بدل عَن الْمِيم، وَهُوَ كثير، أَو أَنَّ الأَلفَ لَيست بمبدَلة، كَمَا هُوَ دعوَى المصنّف، بل هِيَ أَلف إِشباع زِيدتْ للوزْنِ، قَالَه شَيخنَا.
(واليَنْتُوحُ، كيَعْسُوبٍ: طائرٌ) أَقرَعُ الرأْسِ يكون فِي الرَّمْلِ.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
مَنَاتِحُ العَرَق: مَخَارِجُه من الجِلْد. ونَتَح ذِفْرَى البعيرِ يَنْتِح عَرَقاً، إِذَا سارَ فِي يومٍ صائِفٍ شديدِ الحَرِّ فقَطرَ ذِفْرَياه عَرَقاً.
وَفِي (التَّهْذِيب) : رَوَى أَبو أَيّوبَ عَن بعضه الْعَرَب: امتتحْت الشيْءَ وانتَتَحْتُه وانتزَعْته، بِمَعْنى واحِدٍ.
وَقَالَ شَيخنَا: النَّتْح: سَيَلاَنُ الدَّمعِ.
وَفِي (الأَساس) : نِحْيٌ نَتّاحٌ: رَشَّاحٌ. وَمن المَجاز: فلَان يَنْتَحُ نَتْحَ الحَمِيت، إِذا كانَ سميناً.
[نتح]النَتْحُ: الرَشْحُ. نَتَحَتِ المَزادة تَنْتِحُ نَتْحاً ونُتوحاً. وكذلك خروج العرق. ومناتح العرق: مخارجه. قال الراجز:

تنتح ذفراه بمثل الدرياق * والنتوح: صموغ الاشجار. ولا يقال نتوع. والانتياح مثل النتح. قال ذو الرمة يصف بعيرا يهدر في الشقشقة: رقشاء تنتاح اللغام المزبدا * دوم فيها رزه وأرعدا
نتَحَ يَنتَح، نَتْحًا ونُتوحًا، فهو ناتح• نتَح العَرَقُ: رشَح من الجلد "نتح الإناءُ بما فيه".• نتَح النَّباتُ: (حي) أطلق أو أخرج بخارًا محتويًا على فضلات من خلال التغيُّرات الموجودة في أنسجته.

مَنْتَح [مفرد]: ج مناتِحُ: اسم مكان من نتَحَ: مكان النَّتْح (الرشح)، مخرج العَرَق من الجسم "رشح العرقُ من مناتِحه" ° مناتِحُ العرَقِ: مخارجُه من الجلد.

نَتْح [مفرد]: ج نُتوح (لغير المصدر):1 -مصدر نتَحَ.2 -عَرَقٌ ونحوه "نتْح جِلْد".3 -صمْغُ الشجر "نتْح صَنوْبر".4 -(نت) خروج الماء من النبات بالتبخُّر السطحي.

نَتْحة [مفرد]: ج نَتَحات ونَتْحات:1 -اسم مرَّة من نتَحَ.2 -ارتشاح "نتْحة دم".3 -سائل عُضويّ ينضح على مستوى الجزء الخارجيّ من الجلد، من الأغشية المخاطيّة أو الأغشية المصْليَّة، ويحوي عدّة كُريَّات بيض "نتْحة مصْليّة/ مُخاطيّة".

نُتوح [مفرد]: مصدر نتَحَ.
ن ت ح

نتح العرق من مناتحه، ورشح من مراشحه. ونحيٌ نتّاح: رشّاح.

قال جرير:

بأغبر وهّاج السّموم ترى به...دفوف المهاري والذّفاري تنتّح

أي ترشح عرقاً ومن المجاز: فلان ينتح نتح الحميت إذا كان سميناً
(نتح)نتحا ونتوحا رشح يُقَال نتح الْعرق من الْجلد ونتح الْإِنَاء بِمَا فِيهِ ونتحه الْحر
(المنتح) مَوضِع النتح (ج) مناتح يُقَال نتح الْعرق من مناتحه
(النتح) الْعرق وَنَحْوه وصمغ الشّجر (ج) نتوح
(انتحت)الشَّيْء نحت يُقَال نحته فانتحت وَالشَّيْء أَخذ مِنْهُ بالمنحات شَيْئا
(انتحر) الرجل قتل نَفسه بوسيلة مَا وَيُقَال انتحر السَّحَاب انبعق بالمطر وَالْقَوْم على الْأَمر تشاحوا وحرصوا
(انتحس) انتكس وساء يُقَال انتحس حَظه
(انتحل) الشَّيْء ادَّعَاهُ لنَفسِهِ وَهُوَ لغيره يُقَال انتحل فلَان هَذَا الشّعْر وَهَذَا الرَّأْي وَمذهب كَذَا انتسب إِلَيْهِ ودان بِهِ
(انتحى) مَال إِلَى نَاحيَة وَله عرض وَعَلِيهِ اعْتمد وَفِي الْأَمر جد يُقَال انتحى الْفرس فِي عدوه وَالشَّيْء قَصده
النَّتْحُ خُرُوْجُ العَرَقِ، ومَنَاتِحُه مَخَارِجُه. والتَّنَتُّحُ نَظَرُ المَرْأةِ مَرَّةً واختِبَاؤها أُخرى.
الكَنْتَحُ: الأحْمَقُ.
الانتحال:[في الانكليزية] Plagiarism [ في الفرنسية] Plagiat بالحاء قسم من السرقة وهو النسخ.
نتح1 نَتَحَ, aor. ـِ inf. n. نَتْحٌ, He, or it, sweated. (L.) b2: نَتَحَ, aor. ـِ inf. n. نَتْحٌ and نُتُوحٌ, It (a leathern vessel, or skin,) sweated, or exuded moisture, (S, L,) as when a skin sweats with the butter that is in it. (L.) b3: نَتَحَ, aor. ـ, inf. n. نَتْحٌ and نُتُوجٌ, It (sweat) exuded (S, L, K) from the skin, (L, K,) or from the roots of the hair; (T, L;) and grease, from a skin; and moisture, from the soil. (L, K.) b4: [And said of moisture, It percolated: see an ex. voce عَرِقَ.] b5: فُلَانٌ يَنْتِحُ نَتِيحَ الحَمِيتِ (tropical:) [Such a one sweats like a butter-skin]: said of one who is fat. (A.) b6: تَنَحَتْ ذِفْرَى البَعِيرِ عَرَقًا The camel's protuberance behind his ear dripped with sweat, by reason of his journeying during a vehemently hot summer-day. (L.) b7: نَتَحَتِ الدُمُوعُ, inf. n. نَتْحٌ, (assumed tropical:) The tears flowed. (MF.) b8: نَتَحَهُ It (heat, L, K, and some other thing, L,) made him to sweat. (L, K.) [Its aor. seems to be يَنْتَحُ; and MF thinks that, in an instance which follows, it may be written with ا after the ت by poetic licence.] F observes, that J has fallen into three errors with respect to اِنْتَاحَ; [saying that الاِنْتِيَاحُ (in the place of which is put, in some copies of the S, الاِنْتِتَاحُ, as is mentioned in the TA,) is like النَّتْحُ, and citing these words of Dhu-r-Rummeh, describing a camel making his voice to reciprocate in the شِقْشِقَة, رَقْشَآءُ تَنْتَاحُ اللُّغَامَ المُزْبِدَا first, because the root of the present art. is sound, so that الانتياح has no place in it; secondly, because this word has no meaning (in this art. TA); and thirdly, because the [correct] reading is تَمْتَاحُ, meaning “ casts forth ” the froth of the mouth. Neither IB nor IM has animadverted on J in this case. MF, however, observes, that one relation of a verse &c., does not impugn the correctness of another relation that differs from it; and that perhaps the ن of تنتاح is a substitute for م; such substitution being frequent; [as in the case of إِنْتَتَحَ;] or that the ا is what is termed أَلِفُ إِشْبَاعٍ, and added for the sake of the metre. (TA.) 8 اِنْتَتَحَ: see اِمْتَتَحَ, in art. متح.

نَتْحٌ Sweat. (K.) b2: See what follows.

نُتُوحٌ The gums of trees: (S, K:) one should not say نُتُوعٌ, (S,) as is commonly said: (TA:) it is doubtful whether its sing. be نَتْحٌ, or of some other form. (MF.) نِحْىٌ نَتَّاحٌ A butter-skin that sweats much. (A.) مِنْتَحَةٌ The podex.: or the anus: syn. إِسْتٌ. (L, K.) يَنْتُوحٌ A certain bird, (L, K,) bald-headed, found in sandy tracts. (L.) مَنَاتِحُ العَرَقِ The pores through which the sweat exudes. (S.)
النَّتْحُ: العَرَقُ، وخُروجُهُ من الجِلْدِ،كالنُّتوحِ، والدَّسَمُ من النِّحْيِ، والنَّديُّ من الثَّرى.نَتَحَ هو، كضَرَبَ، ونَتَحَه الحَرُّ.والنُّتوحُ: صُموغُ الأَشْجارِ.والمِنْتَحَةُ، بالكسر: الاسْتُ.وانْتاح: مالَهُ مَعْنًى، وغَلِطَ الجوهريُّ ثَلاثَ غَلَطاتٍ: أحَدُها أن التركيبَ صَحيحٌ، فما لِلاِنتِياحِ فيه مَدْخَلٌ، ثانيها أن الانْتياحَ لا مَعنى له، ثالثُها أن الرِّوايَةَ في الرَّجَزِ المُسْتَشْهِدِ به: "رَقْشاءُ تَمتاحُ اللُّغامَ المُزْبِدَا"تَمْتاحُ بالميمِ لا بالنونِ، أي: تُلْقي اللُّغامَ.واليَنْتُوح، كيَعْسوبٍ: طائِر.
نتح
نَتَحَ(n. ac.
نَتْح
نُتُوْح)

a. Flowed, dripped, percolated, oozed; sweated.
b. Made to sweat, perspire.

نَتْحa. Sweat; perspiration.
b. Moisture.

مَنْتِح
(pl.
مَنَاْتِحُ)

a. Pore.

مِنْتَحَةa. Podex, anus.

نُتُوْحa. Treegum, resin.

نَتَّاْحa. Moist; dripping.

يَنْتُوْح
a. A certain bird.

انتحاء السَّنن، واقتفاء السُّنن

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

انتحاء السَّنن، واقتفاء السُّنن
في شرح: (سنن أبي داود).
يأتي في: السين.
(نَتَحَ)النُّونُ وَالتَّاءُ وَالْحَاءُ. نَتَحَ الْعَرَقُ: رَشَحَ. وَمَنَاتِحُ الْعَرَقِ: مَخَارِجُهُ. وَنَتَحَ النِّحْيُ: رَشَحَ أَيْضًا.
الانتحالُ: أَن يُؤْخَذ شعر الْغَيْر كُله من غير تَغْيِير لنظمه.النَّسْخُ: أَن يتَّفقَا لفظا وَمعنى قصدا.

الغربلة والانتحال

المخصص

ابْن السّكيت نخلت الطَّعَام وَغَيره أنخله نخلا وانتخلته أبوعبيد تنخلته ونخالته - مَا انتخلت مِنْهُ أونقيته عَنهُ ابْن السّكيت المنخل والمنخل - مَا نخلته بِهِ ومنخل أحد الْحُرُوف الَّتِي أشذها سيبوبه من هَذَا الضَّرْب قَالَ وَمن الْعَرَب من يَقُول منغل ومنخل والغربلة - الانتحال صَاحب الْعين السفسفة - انتحال الدَّقِيق
في الفرنسية/ Tropisme
في الانكليزية/ Tropism
انتحى الشيء قصده، ومال اليه.
والانتحاء في علم الاحياء ميل الكائن الحي إلىإحدى الجهات بتأثير العوامل الخارجية، كاتجاه جذور النبات إلىالأرض، ويسمّى بالانتحاء الارضي ( geotropisme) أو حركة اجزاء النبات بتأثير الضوء، ويسمّى بالانتحاء الضوئي، ( Phototropisme) الخ.
ويطلق الانتحاء ايضا على ميل الحيوان إلىاحدى الجهات بتأثير المنبهات الفيزيائية والكيميائية.
وهذا الاتجاه ايجابي، أو سلبي، كاتجاه الحيوان إلىمنبع النور، أو ابتعاده عنه.
التَّعْرِيفُ:
1 - الاِنْتِحَارُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ انْتَحَرَ الرَّجُل،

بِمَعْنَى نَحَرَ نَفْسَهُ، أَيْ قَتَلَهَا. وَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ الْفُقَهَاءُ بِهَذَا الْمَعْنَى. لَكِنَّهُمْ عَبَّرُوا عَنْهُ بِقَتْل الإِْنْسَانِ نَفْسَهُ (1)
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلاً قَاتَل فِي سَبِيل اللَّهِ أَشَدَّ الْقِتَال، فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهُ مِنْ أَهْل النَّارِ، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ إِذْ وَجَدَ الرَّجُل أَلَمَ الْجُرْحِ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَتِهِ، فَانْتَزَعَ مِنْهَا سَهْمًا فَانْتَحَرَ بِهَا.
وَفِي الْحَدِيثِ نَفْسِهِ: انْتَحَرَ فُلاَنٌ فَقَتَل نَفْسَهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (2)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - النَّحْرُ وَالذَّبْحُ:
2 - النَّحْرُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ هُوَ: فَرْيُ الأَْوْدَاجِ وَقَطْعُ كُل الْحُلْقُومِ، وَمَحَلُّهُ مِنْ أَسْفَل الْحُلْقُومِ. وَيُطْلَقُ الاِنْتِحَارُ عَلَى قَتْل الإِْنْسَانِ نَفْسَهُ بِأَيِّ وَسِيلَةٍ كَانَتْ. وَلِهَذَا ذَكَرُوا أَحْكَامَهُ بِاسْمِ (قَتْل الشَّخْصِ نَفْسَهُ) (3)
بِمَ يَتَحَقَّقُ الاِنْتِحَارُ:
3 - الاِنْتِحَارُ نَوْعٌ مِنَ الْقَتْل فَيَتَحَقَّقُ بِوَسَائِل مُخْتَلِفَةٍ. وَيَتَنَوَّعُ بِأَنْوَاعٍ مُتَعَدِّدَةٍ كَالْقَتْل.
فَإِذَا كَانَ إِزْهَاقُ الشَّخْصِ نَفْسَهُ بِإِتْيَانِ فِعْلٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ، كَاسْتِعْمَال السَّيْفِ أَوِ الرُّمْحِ أَوِ الْبُنْدُقِيَّةِ أَوْ
__________
(1) لسان العرب وتاج العروس مادة: (نحر)
(2) حديث أبي هريرة: " أن رجلا قاتل في سبيل الله. . . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 11 / 498 ط السلفية)
(3) البدائع 5 / 41، والمغني 11 / 42، والشرح الصغير 2 / 154، ونهاية المحتاج 8 / 105، 111

أَكْل السُّمِّ أَوْ إِلْقَاءِ نَفْسِهِ مِنْ شَاهِقٍ أَوْ فِي النَّارِ " لِيَحْتَرِقَ أَوْ فِي الْمَاءِ لِيَغْرَقَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوَسَائِل، فَهُوَ انْتِحَارٌ بِطَرِيقِ الإِْيجَابِ.
وَإِذَا كَانَ الإِْزْهَاقُ بِالاِمْتِنَاعِ عَنِ الْوَاجِبِ، كَالاِمْتِنَاعِ مِنَ الأَْكْل وَالشُّرْبِ وَتَرْكِ عِلاَجِ الْجُرْحِ الْمَوْثُوقِ بِبُرْئِهِ بِمَا فِيهِ مِنْ خِلاَفٍ سَيَأْتِي، أَوْ عَدَمِ الْحَرَكَةِ فِي الْمَاءِ أَوْ فِي النَّارِ أَوْ عَدَمِ التَّخَلُّصِ مِنَ السَّبُعِ الَّذِي يُمْكِنُ النَّجَاةُ مِنْهُ، فَهُوَ انْتِحَارٌ بِطَرِيقِ السَّلْبِ (1)
4 - وَيُقَسَّمُ الاِنْتِحَارُ بِحَسَبِ إِرَادَةِ الْمُنْتَحِرِ إِلَى نَوْعَيْنِ: الاِنْتِحَارِ عَمْدًا وَالاِنْتِحَارِ خَطَأً.
فَإِذَا ارْتَكَبَ الشَّخْصُ عَمَلاً حَصَل مِنْهُ قَتْل نَفْسِهِ، وَأَرَادَ النَّتِيجَةَ الْحَاصِلَةَ مِنَ الْعَمَل، يُعْتَبَرُ الْقَتْل انْتِحَارًا عَمْدًا. كَرَمْيِ نَفْسِهِ بِقَصْدِ الْقَتْل مَثَلاً.
وَإِذَا أَرَادَ صَيْدًا أَوْ قَتْل الْعَدُوِّ فَأَصَابَ نَفْسَهُ، وَمَاتَ، يُعْتَبَرُ انْتِحَارًا خَطَأً. وَسَتَأْتِي أَحْكَامُهُمَا قَرِيبًا.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَحْصُل الاِنْتِحَارُ بِطَرِيقٍ يُعْتَبَرُ شَبَهَ الْعَمْدِ عِنْدَ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ، كَقَتْل الإِْنْسَانِ نَفْسَهُ بِمَا لاَ يَقْتُل غَالِبًا، كَالسَّوْطِ وَالْعَصَا. ر: (قَتْل) .

أَمْثِلَةٌ مِنَ الاِنْتِحَارِ بِطَرِيقِ السَّلْبِ:
أَوَّلاً: الاِمْتِنَاعُ مِنَ الْمُبَاحِ:
5 - مَنِ امْتَنَعَ مِنَ الْمُبَاحِ حَتَّى مَاتَ كَانَ قَاتِلاً نَفْسَهُ،
__________
(1) أحكام القرآن للجصاص 1 / 149، ونهاية المحتاج 7 / 243، ومواهب الجليل 3 / 233، والمغني 9 / 326

مُتْلِفًا لَهَا عِنْدَ جَمِيعِ أَهْل الْعِلْمِ (1) . لأَِنَّ الأَْكْل لِلْغِذَاءِ وَالشُّرْبَ لِدَفْعِ الْعَطَشِ فَرْضٌ بِمِقْدَارِ مَا يَدْفَعُ الْهَلاَكَ، فَإِنْ تَرَكَ الأَْكْل وَالشُّرْبَ حَتَّى هَلَكَ فَقَدِ انْتَحَرَ؛ لأَِنَّ فِيهِ إِلْقَاءَ النَّفْسِ إِلَى التَّهْلُكَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيل (2) .
وَإِذَا اضْطُرَّ الإِْنْسَانُ لِلأَْكْل أَوِ الشُّرْبِ مِنَ الْمُحَرَّمِ كَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْخَمْرِ حَتَّى ظَنَّ الْهَلاَكَ جُوعًا لَزِمَهُ الأَْكْل وَالشُّرْبُ، فَإِذَا امْتَنَعَ حَتَّى مَاتَ صَارَ قَاتِلاً نَفْسَهُ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَرَكَ أَكْل الْخُبْزِ وَشُرْبَ الْمَاءِ فِي حَال الإِْمْكَانِ؛ لأَِنَّ تَارِكَهُ سَاعٍ فِي إِهْلاَكِ نَفْسِهِ، وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} (3) . وَكَذَلِكَ حُكْمُ الإِْكْرَاهِ عَلَى أَكْل الْمُحَرَّمِ، فَلاَ يُبَاحُ لِلْمُكْرَهِ الاِمْتِنَاعُ مِنْ أَكْل الْمَيْتَةِ أَوِ الدَّمِ أَوْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ فِي حَالَةِ الإِْكْرَاهِ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الأَْشْيَاءَ مِمَّا يُبَاحُ عِنْدَ الاِضْطِرَارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} (4) وَالاِسْتِثْنَاءُ مِنَ التَّحْرِيمِ إِبَاحَةٌ، وَقَدْ تَحَقَّقَ الاِضْطِرَارُ بِالإِْكْرَاهِ، وَلَوِ امْتَنَعَ عَنْهُ حَتَّى قُتِل يُؤَاخَذُ بِهِ وَيُعَدُّ مُنْتَحِرًا، لأَِنَّهُ بِالاِمْتِنَاعِ عَنْهُ صَارَ مُلْقِيًا نَفْسَهُ إِلَى التَّهْلُكَةِ (5) .

ثَانِيًا: تَرْكُ الْحَرَكَةِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ:
6 - مَنْ أُلْقِيَ فِي مَاءٍ جَارٍ أَوْ رَاكِدٍ لاَ يُعَدُّ مُغْرَقًا، كَمُنْبَسِطٍ يُمْكِنُهُ الْخَلاَصُ مِنْهُ عَادَةً، فَمَكَثَ فِيهِ
__________
(1) أحكام القرآن للجصاص 1 / 148
(2) ابن عابدين 5 / 215
(3) سورة النساء / 29
(4) سورة الأنعام / 119
(5) البدائع 7 / 176، وأحكام القرآن للجصاص 1 / 149، ومواهب الجليل 3 / 233، وأسنى المطالب 1 / 570، والمغني 11 / 74

مُضْطَجِعًا مَثَلاً مُخْتَارًا لِذَلِكَ حَتَّى هَلَكَ، يُعْتَبَرُ مُنْتَحِرًا وَقَاتِلاً نَفْسَهُ، وَلِذَلِكَ لاَ قَوَدَ وَلاَ دِيَةَ عَلَى الَّذِي أَلْقَاهُ فِي الْمَاءِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ؛ لأَِنَّ هَذَا الْفِعْل لَمْ يَقْتُلْهُ، وَإِنَّمَا حَصَل الْمَوْتُ بِلُبْثِهِ فِيهِ، وَهُوَ فِعْل نَفْسِهِ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ غَيْرُهُ. كَذَلِكَ إِنْ تَرَكَهُ فِي نَارٍ يُمْكِنُهُ الْخَلاَصُ مِنْهَا لِقِلَّتِهَا، أَوْ لِكَوْنِهِ فِي طَرَفٍ مِنْهَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ بِأَدْنَى حَرَكَةٍ، فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى مَاتَ.
وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لَوْ تَرَكَهُ فِي نَارٍ يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا فَلَمْ يَخْرُجْ يَضْمَنُ، لأَِنَّهُ جَانٍ بِالإِْلْقَاءِ الْمُفْضِي إِلَى الْمَوْتِ. وَفَارَقَ الْمَاءَ، لأَِنَّهُ غَيْرُ مُهْلِكٍ بِنَفْسِهِ، وَلِهَذَا يَدْخُلُهُ النَّاسُ لِلسِّبَاحَةِ، أَمَّا النَّارُ فَيَسِيرُهَا يُهْلِكُ، وَلأَِنَّ النَّارَ لَهَا حَرَارَةٌ شَدِيدَةٌ، فَرُبَّمَا أَزْعَجَتْهُ حَرَارَتُهَا عَنْ مَعْرِفَةِ مَا يَتَخَلَّصُ بِهِ، أَوْ أَذْهَبَتْ عَقْلَهُ بِأَلَمِهَا وَرَوْعَتِهَا (1) .

ثَالِثًا: تَرْكُ الْعِلاَجِ وَالتَّدَاوِي:
7 - الاِمْتِنَاعُ مِنَ التَّدَاوِي فِي حَالَةِ الْمَرَضِ لاَ يُعْتَبَرُ انْتِحَارًا عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، فَمَنْ كَانَ مَرِيضًا وَامْتَنَعَ مِنَ الْعِلاَجِ حَتَّى مَاتَ، لاَ يُعْتَبَرُ عَاصِيًا، إِذْ لاَ يَتَحَقَّقُ بِأَنَّهُ يَشْفِيهِ.
كَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ الْمَجْرُوحُ عِلاَجَ جُرْحٍ مُهْلِكٍ فَمَاتَ لاَ يُعْتَبَرُ مُنْتَحِرًا، بِحَيْثُ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى جَارِحِهِ، إِذِ الْبُرْءُ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِهِ وَإِنْ عَالَجَ (2) . أَمَّا إِذَا كَانَ الْجُرْحُ بَسِيطًا وَالْعِلاَجُ مَوْثُوقًا بِهِ، كَمَا
__________
(1) الفتاوى الهندية 6 / 5، وشرح منتهى الإرادات 3 / 269، ونهاية المحتاج 7 / 243، والمغني 9 / 326، والوجيز للغزالي 2 / 122
(2) ابن عابدين 5 / 215، ونهاية المحتاج 7 / 243، والمغني 9 / 326

لَوْ تَرَكَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَصْبَ الْعِرْقِ، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ قَدْ قَتَل نَفْسَهُ، حَتَّى لاَ يُسْأَل جَارِحُهُ عَنِ الْقَتْل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (1) . وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِخِلاَفِهِ، وَقَالُوا: إِنْ تَرَكَ شَدَّ الْفِصَادِ مَعَ إِمْكَانِهِ لاَ يَسْقُطُ الضَّمَانُ، كَمَا لَوْ جُرِحَ فَتَرَكَ مُدَاوَاةَ جُرْحِهِ (2) .
وَمَعَ تَصْرِيحِ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ تَرْكَ الْعِلاَجِ لاَ يُعْتَبَرُ عِصْيَانًا؛ لأَِنَّ الْبُرْءَ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِهِ، قَالُوا: إِنْ ضَرَبَ رَجُلاً بِإِبْرَةٍ فِي غَيْرِ الْمَقْتَل عَمْدًا فَمَاتَ، لاَ قَوَدَ فِيهِ (3) فَقَدْ فَصَّلُوا بَيْنَ الْجُرْحِ الْمُهْلِكِ وَغَيْرِ الْمُهْلِكِ كَالشَّافِعِيَّةِ، فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ تَرْكَ الْجُرْحِ الْيَسِيرِ لِنَزْفِ الدَّمِ حَتَّى الْمَوْتِ يُشْبِهُ الاِنْتِحَارَ.
وَلَمْ نَعْثُرْ عَلَى نَصٍّ لِلْمَالِكِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:
8 - الاِنْتِحَارُ حَرَامٌ بِالاِتِّفَاقِ، وَيُعْتَبَرُ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ بِاَللَّهِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ} (4) وَقَال: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (5) وَقَدْ قَرَّرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الْمُنْتَحِرَ أَعْظَمُ وِزْرًا مِنْ قَاتِل غَيْرِهِ، وَهُوَ فَاسِقٌ وَبَاغٍ عَلَى نَفْسِهِ، حَتَّى قَال بَعْضُهُمْ: لاَ يُغَسَّل وَلاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ كَالْبُغَاةِ، وَقِيل: لاَ تُقْبَل تَوْبَتُهُ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ (6) .
كَمَا أَنَّ ظَاهِرَ بَعْضِ الأَْحَادِيثِ يَدُل عَلَى خُلُودِهِ
__________
(1) نهاية المحتاج7 / 243
(2) المغني 9 / 326
(3) ابن عابدين 5 / 215، والفتاوى الهندية 6 / 5
(4) سورة الأنعام / 151
(5) سورة النساء / 29
(6) ابن عابدين 1 / 584، والقليوبي مع حاشية عميرة 1 / 348، 349، والمغني 2 / 418، والزواجر لابن حجر الهيثمي 2 / 96

فِي النَّارِ. مِنْهَا قَوْلُهُ مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَل نَفْسَهُ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهَا خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا (1) .

وَهُنَاكَ حَالاَتٌ خَاصَّةٌ تُشْبِهُ الاِنْتِحَارَ، لَكِنَّهُ لاَ عِقَابَ عَلَى مُرْتَكِبِهَا، وَلاَ يَأْثَمُ فَاعِلُهَا، لأَِنَّهَا لَيْسَتِ انْتِحَارًا فِي الْوَاقِعِ كَالآْتِي:

أَوَّلاً: الاِنْتِقَال مِنْ سَبَبِ مَوْتٍ إِلَى آخَرَ:
9 - إِذَا وَقَعَ حَرِيقٌ فِي سَفِينَةٍ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْ ظَل فِيهَا احْتَرَقَ، وَلَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ غَرِقَ. فَالْجُمْهُورُ (الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ) عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ أَيَّهُمَا شَاءَ. فَإِذَا رَمَى نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ وَمَاتَ جَازَ، وَلاَ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ انْتِحَارًا مُحَرَّمًا إِذَا اسْتَوَى الأَْمْرَانِ.
وَقَال الصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَقَامُ وَالصَّبْرُ، لأَِنَّهُ إِذَا رَمَى نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ كَانَ مَوْتُهُ بِفِعْلِهِ، وَإِنْ أَقَامَ فَمَوْتُهُ بِفِعْل غَيْرِهِ (2)
كَذَلِكَ جَازَ لَهُ الاِنْتِقَال مِنْ سَبَبِ مَوْتٍ إِلَى سَبَبِ مَوْتٍ آخَرَ، إِذَا كَانَ فِي السَّبَبِ الَّذِي يَنْتَقِل إِلَيْهِ نَوْعُ خِفَّةٍ مَعَ التَّأَكُّدِ مِنَ الْقَتْل فِيهِمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، قَال الزَّيْلَعِيُّ: وَلَوْ قَال لَهُ: لَتُلْقِيَنَّ نَفْسَكَ فِي النَّارِ أَوْ مِنَ الْجَبَل، أَوْ لأََقْتُلَنَّكَ، وَكَانَ الإِْلْقَاءُ بِحَيْثُ لاَ يَنْجُو مِنْهُ، وَلَكِنْ فِيهِ نَوْعُ خِفَّةٍ، فَلَهُ الْخِيَارُ إِنْ شَاءَ فَعَل ذَلِكَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَل
__________
(1) حديث: " من تردى من جبل فقتل نفسه. . . . " أخرجه البخاري (الفتح 10 / 247 - ط السلفية) ومسلم (1 / 103 - 104 ط الحلبي)
(2) المغني 10 / 554، والشرح الكبير 2 / 184، والقليوبي 4 / 210، والزيلعي 5 / 190

وَصَبَرَ حَتَّى يُقْتَل، لأَِنَّهُ ابْتُلِيَ بِبَلِيَّتَيْنِ فَيَخْتَارُ مَا هُوَ الأَْهْوَنُ فِي زَعْمِهِ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ. وَعِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ يَصْبِرُ وَلاَ يَفْعَل ذَلِكَ؛ لأَِنَّ مُبَاشَرَةَ الْفِعْل سَعْيٌ فِي إِهْلاَكِ نَفْسِهِ فَيَصْبِرُ تَحَامِيًا عَنْهُ (1) .
أَمَّا إِذَا ظَنَّ السَّلاَمَةَ فِي الاِنْتِقَال مِنْ سَبَبٍ إِلَى سَبَبٍ آخَرَ لِلْمَوْتِ، أَوْ رَجَا طُول الْحَيَاةِ وَلَوْ مَعَ مَوْتٍ أَشَدَّ وَأَصْعَبَ مِنَ الْمَوْتِ الْمُعَجَّل، فَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِوُجُوبِهِ؛ لأَِنَّ حِفْظَ النُّفُوسِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ، وَعَبَّرَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ هُوَ الأَْوْلَى، مِمَّا يَدُل عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ (2) .
10 - وَمِنْ أَمْثِلَةِ الاِنْتِقَال مِنْ سَبَبِ مَوْتٍ إِلَى سَبَبِ مَوْتٍ آخَرَ مَا ذَكَرُوا مِنْ أَنَّهُ لَوْ تَبِعَ بِسَيْفٍ وَنَحْوِهِ مُمَيِّزًا هَارِبًا مِنْهُ فَرَمَى نَفْسَهُ بِمَاءٍ أَوْ نَارٍ مِنْ سَطْحٍ فَمَاتَ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قِيَاسُ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ، لِمُبَاشَرَتِهِ إِهْلاَكَ نَفْسِهِ عَمْدًا، كَمَا لَوْ أَكْرَهَ إِنْسَانًا عَلَى أَنْ يَقْتُل نَفْسَهُ فَقَتَلَهَا. فَكَأَنَّهُ يُشْبِهُ الاِنْتِحَارَ عِنْدَهُمْ. وَالْقَوْل الآْخَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ عَلَيْهِ نِصْفَ الدِّيَةِ.
أَمَّا لَوْ وَقَعَ بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ جَاهِلاً بِهِ، لِعَمًى أَوْ ظُلْمَةٍ مَثَلاً أَوْ تَغْطِيَةِ بِئْرٍ، أَوْ أَلْجَأَهُ إِلَى السَّبُعِ بِمَضِيقٍ ضَمِنَ مَنْ تَبِعَهُ، لأَِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إِهْلاَكَ نَفْسِهِ وَقَدْ أَلْجَأَهُ التَّابِعُ إِلَى الْهَرَبِ الْمُفْضِي لِلْهَلاَكِ. وَكَذَا لَوِ انْخَسَفَ بِهِ سَقْفٌ فِي هَرَبِهِ فِي الأَْصَحِّ (3) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا طَلَبَ إِنْسَانًا بِسَيْفٍ مَشْهُورٍ فَهَرَبَ مِنْهُ، فَتَلِفَ فِي هَرَبِهِ ضَمِنَهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنَ
__________
(1) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق 5 / 190، والقليوبي 4 / 410
(2) الخرشي 3 / 121، والمغني 10 / 554
(3) نهاية المحتاج 7 / 333

الشَّاهِقِ، أَمِ انْخَسَفَ بِهِ سَقْفٌ أَمْ خَرَّ فِي بِئْرٍ، أَمْ لَقِيَهُ سَبْعٌ، أَمْ غَرِقَ فِي مَاءٍ، أَمِ احْتَرَقَ بِنَارٍ. وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْمَطْلُوبُ صَغِيرًا أَمْ كَبِيرًا، أَعْمَى أَمْ بَصِيرًا، عَاقِلاً أَمْ مَجْنُونًا (1) .
وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَوْضُوعِ فَقَالُوا: مَنْ أَشَارَ إِلَى رَجُلٍ بِسَيْفٍ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ، فَتَمَادَى بِالإِْشَارَةِ إِلَيْهِ وَهُوَ يَهْرُبُ مِنْهُ، فَطَلَبَهُ حَتَّى مَاتَ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ بِدُونِ الْقَسَامَةِ إِذَا كَانَ الْمَوْتُ بِدُونِ السُّقُوطِ، وَإِذَا سَقَطَ وَمَاتَ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ مَعَ الْقَسَامَةِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ بِدُونِ عَدَاوَةٍ فَلاَ قِصَاصَ، وَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ (2)

ثَانِيًا: هُجُومُ الْوَاحِدِ عَلَى صَفِّ الْعَدُوِّ:
11 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ هُجُومِ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَحْدَهُ عَلَى جَيْشِ الْعَدُوِّ، مَعَ التَّيَقُّنِ بِأَنَّهُ سَيُقْتَل.
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ إِقْدَامِ الرَّجُل الْمُسْلِمِ عَلَى الْكَثِيرِ مِنَ الْكُفَّارِ، إِنْ كَانَ قَصْدُهُ إِعْلاَءَ كَلِمَةِ اللَّهِ، وَكَانَ فِيهِ قُوَّةٌ وَظَنَّ تَأْثِيرَهُ فِيهِمْ، وَلَوْ عَلِمَ ذَهَابَ نَفْسِهِ، فَلاَ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ انْتِحَارًا (3) .
وَقِيل: إِذَا طَلَبَ الشَّهَادَةَ، وَخَلَصَتِ النِّيَّةُ فَلْيَحْمِل؛ لأَِنَّ مَقْصُودَهُ وَاحِدٌ مِنَ الأَْعْدَاءِ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} (4)
__________
(1) المغني 9 / 577
(2) مواهب الجليل 6 / 241، جواهر الإكليل 2 / 257
(3) الشرح الكبير 2 / 183
(4) سورة البقرة / 207. وانظر أيضا تفسير القرطبي 2 / 363

وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يَكُونَ قَدْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنْ سَيَقْتُل مَنْ حَمَل عَلَيْهِ وَيَنْجُوَ، وَكَذَلِكَ لَوْ عَلِمَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يُقْتَل، لَكِنْ سَيَنْكِي نِكَايَةً أَوْ سَيُبْلِي أَوْ يُؤَثِّرُ أَثَرًا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ (1) .
وَلاَ يُعْتَبَرُ هَذَا إِلْقَاءَ النَّفْسِ إِلَى التَّهْلُكَةِ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (2) لأَِنَّ مَعْنَى التَّهْلُكَةِ - كَمَا فَسَّرَهَا أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ - هُوَ الإِْقَامَةُ فِي الأَْمْوَال وَإِصْلاَحُهَا وَتَرْكُ الْجِهَادِ. لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ حِكَايَةً عَنْ غَزْوِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ أَنَّهُ حَمَل رَجُلٌ مِنَ الْمُسْمَلِينَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَل فِيهِمْ، فَصَاحَ النَّاسُ، وَقَالُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ، يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ الأَْنْصَارِيُّ فَقَال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الآْيَةَ هَذَا التَّأْوِيل، وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ فِينَا مَعَاشِرَ الأَْنْصَارِ لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ الإِْسْلاَمَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَقَال بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرًّا دُونَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَزَّ الإِْسْلاَمَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا، فَأَنْزَل عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرُدُّ عَلَى مَا قُلْنَا {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} فَكَانَتِ التَّهْلُكَةُ الإِْقَامَةَ عَلَى الأَْمْوَال وَإِصْلاَحَهَا وَتَرْكَنَا الْغَزْوَ (3)
__________
(1) تفسير القرطبي 2 / 363
(2) سورة البقرة / 195
(3) الأثر عن أسلم أبي عمران أخرجه الترمذي (تحفة الأحوذي 8 / 311 - 312 ط السلفية) والحاكم (المستدرك 2 / 275 ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه، ووافقه الذهبي

وَنَقَل الرَّازِيُّ رِوَايَةً عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ الْجَنَّةَ، فَقَال لَهُ رَجُلٌ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيل اللَّهِ فَأَيْنَ أَنَا؟ قَال: فِي الْجَنَّةِ، فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ فِي يَدَيْهِ ثُمَّ قَاتَل حَتَّى قُتِل (1) .
كَذَلِكَ قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي جَوَازُهُ؛ لأَِنَّ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ:
الأَْوَّل: طَلَبُ الشَّهَادَةِ.
الثَّانِي: وُجُودُ النِّكَايَةِ.
الثَّالِثُ: تَجْرِئَةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ.
الرَّابِعُ: ضَعْفُ نُفُوسِ الأَْعْدَاءِ، لِيَرَوْا أَنَّ هَذَا صُنْعُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَمَا ظَنُّكَ بِالْجَمِيعِ (2) .
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ: إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ إِذَا حَارَبَ قُتِل، وَإِذَا لَمْ يُحَارِبْ أُسِرَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقِتَال، لَكِنَّهُ إِذَا قَاتَل حَتَّى قُتِل جَازَ بِشَرْطِ أَنْ يَنْكِيَ فِيهِمْ. أَمَّا إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لاَ يَنْكِي فِيهِمْ فَإِنَّهُ لاَ يَحِل لَهُ أَنْ يَحْمِل عَلَيْهِمْ، لأَِنَّهُ لاَ يَحْصُل بِحَمَلَتِهِ شَيْءٌ مِنْ إِعْزَازِ الدِّينِ (3)
كَمَا نُقِل عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَال: لَوْ حَمَل رَجُلٌ وَاحِدٌ عَلَى أَلْفِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ وَحْدَهُ، لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ، إِذَا كَانَ يَطْمَعُ فِي نَجَاةٍ أَوْ نِكَايَةٍ فِي الْعَدُوِّ (4) .
__________
(1) التفسير الكبير لفخر الدين الرازي 5 / 150، والقرطبي 2 / 363 وحديث: " أرأيت إن قتلت في سبيل الله. . . " أخرجه مسلم (3 / 1309 - ط الحلبي)
(2) أحكام القرآن لابن العربي 1 / 116
(3) ابن عابدين 3 / 222
(4) القرطبي 2 / 364، وربما يشبه هذه الحالة لبس الحزام الناسف وإلقاء نفسه أمام دبابات العدو للقضاء عليها مع علمه بأنه سيقتل

ثَالِثًا: الاِنْتِحَارُ لِخَوْفِ إِفْشَاءِ الأَْسْرَارِ:
12 - إِذَا خَافَ الْمُسْلِمُ الأَْسْرَ، وَعِنْدَهُ أَسْرَارٌ هَامَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَيَتَيَقَّنُ أَنَّ الْعَدُوَّ سَوْفَ يَطَّلِعُ عَلَى هَذِهِ الأَْسْرَارِ، وَيُحْدِثُ ضَرَرًا بَيِّنًا بِصُفُوفِ الْمُسْلِمِينَ وَبِالتَّالِي يُقْتَل، فَهَل لَهُ أَنْ يَقْتُل نَفْسَهُ وَيَنْتَحِرَ أَوْ يَسْتَسْلِمَ؟
لَمْ نَجِدْ فِي جَوَازِ الاِنْتِحَارِ خَوْفَ إِفْشَاءِ الأَْسْرَارِ، وَلاَ فِي عَدَمِ جَوَازِهِ نَصًّا صَرِيحًا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ.
إِلاَّ أَنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ أَجَازُوا قِتَال الْكُفَّارِ إِذَا تَتَرَّسُوا بِالْمُسْلِمِينَ وَلَوْ تَأَكَّدُوا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ سَيُقْتَلُونَ مَعَهُمْ، بِشَرْطِ أَنْ يَقْصِدَ بِالرَّمْيِ الْكُفَّارَ، وَيَتَوَقَّى الْمُسْلِمِينَ بِقَدْرِ الإِْمْكَانِ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِمَا إِذَا كَانَتِ الْحَرْبُ قَائِمَةً، وَعَلِمْنَا أَنَّنَا لَوْ كَفَفْنَا عَنْهُمْ ظَفِرُوا بِنَا أَوْ عَظُمَتْ نِكَايَتُهُمْ فِينَا، وَجَعَلُوا هَذَا مِنْ تَطْبِيقَاتِ قَاعِدَةِ: (يُتَحَمَّل الضَّرَرُ الْخَاصُّ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْعَامِّ) .
وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الْفُقَهَاءَ لَمْ يُجَوِّزُوا إِلْقَاءَ شَخْصٍ فِي الْبَحْرِ لِخِفَّةِ ثِقَل السَّفِينَةِ الْمُشْرِفَةِ لِلْغَرَقِ، لأَِجَل نَجَاةِ رُكَّابِهَا مَهْمَا كَثُرَ عَدَدُهُمْ، إِلاَّ مَا نَقَل الدُّسُوقِيُّ الْمَالِكِيُّ عَنِ اللَّخْمِيِّ مِنْ جَوَازِ ذَلِكَ بِالْقُرْعَةِ (1) .
__________
(1) ابن عابدين 5 / 173، وفتح القدير 4 / 287، والدسوقي 2 / 178، 4 / 27، ونهاية المحتاج 7 / 79، 8 / 62، والمغني مع الشرح الكبير 10 / 363، 505 فالذي يقتل نفسه خوفا من إفشاء الأسرار، وهو متأكد من أن الكفار سيحصلون على الأسرار ويظفرون بالمسلمين، أو يعظمون نكايتهم فيهم قد يشبه هذه الحالة في موازنة الضررين، مع أن فيه قتل المسلم نفسه، وفي التترس قتله بواسطة

أَمْرُ الشَّخْصِ لِغَيْرِهِ بِقَتْلِهِ:
إِذَا قَال الرَّجُل لآِخَرَ: اقْتُلْنِي، أَوْ قَال لِلْقَائِل إِنْ قَتَلْتَنِي أَبْرَأْتُكَ، أَوْ قَدْ وَهَبْتُ لَكَ دَمِي، فَقَتَلَهُ عَمْدًا، اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:

الأَْوَّل:
13 - أَنَّ الْقَتْل فِي هَذِهِ الْحَال لاَ يُعْتَبَرُ انْتِحَارًا، لَكِنْ لاَ يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَال الْقَاتِل.
هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - مَا عَدَا زُفَرَ - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَرَوَاهُ سَحْنُونٌ عَنْ مَالِكٍ، وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ أَظْهَرُ الأَْقْوَال؛ لأَِنَّ الإِْبَاحَةَ لاَ تَجْرِي فِي النُّفُوسِ، وَإِنَّمَا سَقَطَ الْقِصَاصُ لِلشُّبْهَةِ بِاعْتِبَارِ الإِْذْنِ، وَالشُّبْهَةُ لاَ تَمْنَعُ وُجُوبَ الْمَال، فَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَال الْقَاتِل لأَِنَّهُ عَمْدٌ، وَالْعَاقِلَةُ لاَ تَحْمِل دِيَةَ الْعَمْدِ (1) .
وَفَصَّل الْحَنَفِيَّةُ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ فَقَالُوا: إِنْ قَتَلَهُ بِالسَّيْفِ فَلاَ قِصَاصَ؛ لأَِنَّ الإِْبَاحَةَ لاَ تَجْرِي فِي النَّفْسِ، وَسَقَطَ الْقِصَاصُ لِشُبْهَةِ الإِْذْنِ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ، وَإِنْ قَتَلَهُ بِمُثْقَلٍ فَلاَ قِصَاصَ لَكِنَّهُ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ (2)
الثَّانِي:
14 - أَنَّ الْقَتْل فِي هَذِهِ الْحَال قَتْل عَمْدٍ، وَلاَ يَأْخُذُ شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِ الاِنْتِحَارِ، وَلِهَذَا يَجِبُ الْقِصَاصُ.
وَهَذَا قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ حَسَّنَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ زُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ الأَْمْرَ بِالْقَتْل لَمْ يَقْدَحْ فِي الْعِصْمَةِ؛ لأَِنَّ عِصْمَةَ
__________
(1) مواهب الجليل 6 / 235، 236، والزيلعي 5 / 190
(2) ابن عابدين 5 / 352

النُّفُوسِ مِمَّا لاَ تَحْتَمِل الإِْبَاحَةَ بِحَالٍ، وَإِذْنُهُ لاَ يُعْتَبَرُ؛ لأَِنَّ الْقِصَاصَ لِوَارِثِهِ لاَ لَهُ، وَلأَِنَّهُ أَسْقَطَ حَقًّا قَبْل وُجُوبِهِ (1) .

الثَّالِثُ:
15 - أَنَّ الْقَتْل فِي هَذِهِ الْحَال لَهُ حُكْمُ الاِنْتِحَارِ، فَلاَ قِصَاصَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ وَلاَ دِيَةَ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ، وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَصَحَّحَهُ الْقُدُورِيُّ، وَهُوَ رِوَايَةٌ مَرْجُوحَةٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ.
أَمَّا سُقُوطُ الْقِصَاصِ فَلِلإِْذْنِ لَهُ فِي الْقَتْل وَالْجِنَايَةِ، وَلأَِنَّ صِيغَةَ الأَْمْرِ تُورِثُ شُبْهَةً، وَالْقِصَاصُ عُقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ.
وَأَمَّا سُقُوطُ الدِّيَةِ فَلأَِنَّ ضَمَانَ نَفْسِهِ هُوَ حَقٌّ لَهُ فَصَارَ كَإِذْنِهِ بِإِتْلاَفِ مَالِهِ، كَمَا لَوْ قَال: اقْتُل دَابَّتِي فَفَعَل فَلاَ ضَمَانَ إِجْمَاعًا، فَصَحَّ الأَْمْرُ، وَلأَِنَّ الْمُورَثَ أَسْقَطَ الدِّيَةَ أَيْضًا فَلاَ تَجِبُ لِلْوَرَثَةِ.
وَإِذَا كَانَ الآْمِرُ أَوِ الآْذِنُ مَجْنُونًا أَوْ صَغِيرًا فَلاَ يُسْقِطُ إِذْنُهُ شَيْئًا مِنَ الْقِصَاصِ وَلاَ الدِّيَةِ، لأَِنَّهُ لاَ اعْتِبَارَ بِإِذْنِهِمَا (2) .
16 - لَوْ قَال: اقْطَعْ يَدِي، فَإِنْ كَانَ لِمَنْعِ السِّرَايَةِ كَمَا إِذَا وَقَعَتْ فِي يَدِهِ آكِلَةٌ فَلاَ بَأْسَ بِقَطْعِهِ اتِّفَاقًا.
وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلاَ يَحِل، وَلَوْ قَطَعَ بِإِذْنِهِ فَلَمْ يَمُتْ مِنَ الْقَطْعِ فَلاَ قِصَاصَ وَلاَ دِيَةَ عَلَى الْقَاطِعِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ لأَِنَّ الأَْطْرَافَ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكُ
__________
(1) ابن عابدين 5 / 352، والبدائع 7 / 236، والوجيز للغزالي 2 / 123، والشرح الصغير 4 / 336، والشرح الكبير للدردير 4 / 240
(2) شرح منتهى الإرادات 3 / 275، وكشاف القناع 5 / 518، والزيلعي 5 / 0 9 1، والبدائع 7 / 236، ونهاية المحتاج 7 / 248، 296، ومواهب الجليل 6 / 235، 236

الأَْمْوَال، فَكَانَتْ قَابِلَةً لِلسُّقُوطِ بِالإِْبَاحَةِ وَالإِْذْنِ، كَمَا لَوْ قَال لَهُ: أَتْلِفْ مَالِي فَأَتْلَفَهُ (1) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ قَال لَهُ: اقْطَعْ يَدِي وَلاَ شَيْءَ عَلَيْكَ، فَلَهُ الْقِصَاصُ إِنْ لَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَى الإِْبْرَاءِ بَعْدَ الْقَطْعِ، مَا لَمْ يَتَرَامَ بِهِ الْقَطْعُ حَتَّى مَاتَ مِنْهُ، فَلِوَلِيِّهِ الْقَسَامَةُ وَالْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ (2) .
17 - وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَشُجَّهُ فَشَجَّهُ عَمْدًا، وَمَاتَ مِنْهَا، فَلاَ قِصَاصَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) .
وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْجَارِحِ: فَقَال الْحَنَابِلَةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ رِوَايَةٌ مَرْجُوحَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَجِبُ عَلَى الْقَاتِل الدِّيَةُ، لأَِنَّ الْعَفْوَ عَنِ الشَّجَّةِ لاَ يَكُونُ عَفْوًا عَنِ الْقَتْل، فَكَذَا الأَْمْرُ بِالشَّجَّةِ لاَ يَكُونُ أَمْرًا بِالْقَتْل، وَكَانَ الْقِيَاسُ وُجُوبَ الْقِصَاصِ، إِلاَّ أَنَّهُ سَقَطَ لِوُجُودِ الشُّبْهَةِ، فَتَجِبُ الدِّيَةُ. وَلأَِنَّهُ لَمَّا مَاتَ تَبَيَّنَ أَنَّ الْفِعْل وَقَعَ قَتْلاً، وَالْمَأْمُورُ بِهِ هُوَ الْقَطْعُ لاَ الْقَتْل.
أَمَّا لَوْ عَفَا عَنِ الْجِنَايَةِ أَوْ عَنِ الْقَطْعِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ عَنِ النَّفْسِ (3) .
وَقَال الشَّافِعِيُّ فِي الرَّاجِحِ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنْ سَرَى الْقَطْعُ الْمَأْذُونُ بِهِ إِلَى النَّفْسِ فَهَدَرٌ؛ لأَِنَّ الْقَتْل الْحَاصِل مِنَ الْقَطْعِ وَالشَّجَّةِ الْمَأْذُونِ فِيهِمَا يُشْبِهُ الاِنْتِحَارَ، فَلاَ يَجِبُ فِيهِ
__________
(1) البدائع 7 / 236، وابن عابدين 5 / 352، 361، ونهاية المحتاج 7 / 296، ومواهب الجليل 6 / 236، وشرح منتهى الإرادات 3 / 275
(2) ابن عابدين 5 / 352، والشرح الكبير للدردير 4 / 240، ونهاية المحتاج 7 / 296، والمغني 9 / 496
(3) ابن عابدين 5 / 361، والشرح الكبير للدردير 4 / 240، ونهاية المحتاج 7 / 296، والمغني 9 / 469 - 470

قِصَاصٌ وَلاَ دِيَةٌ، وَلأَِنَّ الْعَفْوَ عَنِ الشَّجَّةِ يَكُونُ عَفْوًا عَنِ الْقَتْل، فَكَذَا الأَْمْرُ بِالشَّجَّةِ يَكُونُ أَمْرًا بِالْقَتْل. وَلأَِنَّ الأَْصَحَّ ثُبُوتُ الدِّيَةِ لِلْمُورِثِ ابْتِدَاءً، وَقَدْ أَسْقَطَهَا بِإِذْنِهِ (1) .
وَمَا تَقَدَّمَ عَنِ الْمَالِكِيَّةِ يُفِيدُ ثُبُوتَ الْقِصَاصِ فِي هَذِهِ الْحَال إِنْ لَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَى الإِْبْرَاءِ.

أَمْرُ الإِْنْسَانِ غَيْرَهُ بِأَنْ يَقْتُل نَفْسَهُ:
18 - إِذَا أَمَرَ الإِْنْسَانُ غَيْرَهُ - أَمْرًا لَمْ يَصِل إِلَى دَرَجَةِ الإِْكْرَاهِ - بِقَتْل نَفْسِهِ فَقَتَل نَفْسَهُ، فَهُوَ مُنْتَحِرٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ، وَلاَ شَيْءَ عَلَى الآْمِرِ؛ لأَِنَّ الْمَأْمُورَ قَتَل نَفْسَهُ بِاخْتِيَارِهِ، وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} (2) وَمُجَرَّدُ الأَْمْرِ لاَ يُؤَثِّرُ فِي الاِخْتِيَارِ وَلاَ فِي الرِّضَا، مَا لَمْ يَصِل إِلَى دَرَجَةِ الإِْكْرَاهِ التَّامِّ الَّذِي سَيَأْتِي بَيَانُهُ.

الإِْكْرَاهُ عَلَى الاِنْتِحَارِ:
19 - الإِْكْرَاهُ هُوَ: حَمْل الْمُكْرَهِ عَلَى أَمْرٍ يَكْرَهُهُ. وَهُوَ نَوْعَانِ: مُلْجِئٌ وَغَيْرُ مُلْجِئٍ.
فَالْمُلْجِئُ: هُوَ الإِْكْرَاهُ الْكَامِل، وَهُوَ أَنْ يُكْرَهَ بِمَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى تَلَفِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ. وَهَذَا النَّوْعُ يُعْدِمُ الرِّضَا، وَيُوجِبُ الإِْلْجَاءَ، وَيُفْسِدُ الاِخْتِيَارَ (3) .
وَغَيْرُ الْمُلْجِئِ: هُوَ أَنْ يُكْرِهَهُ بِمَا لاَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلاَ يُوجِبُ الإِْلْجَاءَ وَلاَ يُفْسِدُ الاِخْتِيَارَ. وَالْمُرَادُ هُنَا الإِْكْرَاهُ الْمُلْجِئُ الَّذِي يُعْدِمُ الرِّضَا
__________
(1) نهاية المحتاج 7 / 296، والبدائع 7 / 237
(2) سورة النساء / 29
(3) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق 5 / 181، والبدائع 7 / 175، وأسنى المطالب 3 / 282، ومواهب الجليل 4 / 45، والمغني لابن قدامة 8 / 260

وَيُفْسِدُ الاِخْتِيَارَ.
20 - إِذَا أَكْرَهَ إِنْسَانٌ غَيْرَهُ إِكْرَاهًا مُلْجِئًا لِيَقْتُل الْمُكْرَهَ، بِأَنْ قَال لَهُ: اقْتُلْنِي وَإِلاَّ قَتَلْتُكَ، فَقَتَلَهُ فَهُوَ فِي حُكْمِ الاِنْتِحَارِ، حَتَّى لاَ يَجِبَ عَلَى الْقَاتِل الْقِصَاصُ وَلاَ الدِّيَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ) لأَِنَّ الْمُكْرَهَ (بِفَتْحِ الرَّاءِ) كَالآْلَةِ بِيَدِ الْمُكْرِهِ فِي الإِْكْرَاهِ التَّامِّ (الْمُلْجِئِ) فَيُنْسَبُ الْفِعْل إِلَى الْمُكْرِهِ وَهُوَ الْمَقْتُول، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَتَل نَفْسَهُ، كَمَا اسْتَدَل بِهِ الْحَنَفِيَّةُ، وَلأَِنَّ إِذْنَ الْمُكَلَّفِ يُسْقِطُ الدِّيَةَ وَالْقِصَاصَ مَعًا كَمَا قَال الشَّافِعِيَّةُ، فَكَيْفَ إِذَا اشْتَدَّ الأَْمْرُ إِلَى دَرَجَةِ الإِْكْرَاهِ الْمُلْجِئِ؟
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْمُكْرَهِ؛ لأَِنَّ الْقَتْل لاَ يُبَاحُ بِالإِْذْنِ، إِلاَّ أَنَّهُ شُبْهَةٌ تُسْقِطُ الْقِصَاصَ (1) . وَلَمْ نَعْثُرْ لِلْمَالِكِيَّةِ عَلَى نَصٍّ فِي الْمَوْضُوعِ، وَقَدْ سَبَقَ رَأْيُهُمْ بِوُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْقَاتِل إِذَا أَمَرَهُ الْمَقْتُول بِالْقَتْل.
21 - إِذَا أَكْرَهَ شَخْصٌ غَيْرَهُ إِكْرَاهًا مُلْجِئًا لِيَقْتُل الْغَيْرُ نَفْسَهُ، بِأَنْ قَال لَهُ: اقْتُل نَفْسَكَ وَإِلاَّ قَتَلْتُكَ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُل نَفْسَهُ، وَإِلاَّ يُعَدُّ مُنْتَحِرًا وَآثِمًا؛ لأَِنَّ الْمُكْرَهَ عَلَيْهِ لاَ يَخْتَلِفُ عَنِ الْمُكْرَهِ بِهِ، فَكِلاَهُمَا قَتْلٌ، فَلأََنْ يَقْتُلَهُ الْمُكْرِهُ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَقْتُل هُوَ نَفْسَهُ. وَلأَِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَنْجُوَ مِنَ الْقَتْل بِتَرَاجُعِ الْمُكْرِهِ، أَوْ بِتَغَيُّرِ الْحَالَةِ بِأَسْبَابٍ أُخْرَى، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْتَحِرَ
__________
(1) الوجيز للغزالي 2 / 143، ونهاية المحتاج 7 / 248، 296، وشرح منتهى الإرادات 3 / 275، والبدائع 7 / 179

وَيَقْتُل نَفْسَهُ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ إِذَا قَتَل نَفْسَهُ فَلاَ قِصَاصَ عَلَى الْمُكْرِهِ فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، لاِنْتِفَاءِ كَوْنِهِ إِكْرَاهًا حَقِيقَةً، لاِتِّحَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَالْمُخَوَّفِ بِهِ، فَكَأَنَّهُ اخْتَارَ الْقَتْل كَمَا عَلَّلَهُ الشَّافِعِيَّةُ، لَكِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الآْمِرِ نِصْفُ الدِّيَةِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُكْرَهَ شَرِيكٌ، وَسَقَطَ عَنْهُ الْقِصَاصُ لِلشُّبْهَةِ بِسَبَبِ مُبَاشَرَةِ الْمُكْرَهِ قَتْل نَفْسِهِ (1) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرِهِ، إِذَا قَتَل الْمُكْرَهُ نَفْسَهُ، كَمَا لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى قَتْل غَيْرِهِ (2) .
وَلَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى قَتْل نَفْسِهِ بِمَا يَتَضَمَّنُ تَعْذِيبًا شَدِيدًا كَإِحْرَاقٍ أَوْ تَمْثِيلٍ إِنْ لَمْ يَقْتُل نَفْسَهُ، كَانَ إِكْرَاهًا كَمَا جَرَى عَلَيْهِ الْبَزَّارُ، وَمَال إِلَيْهِ الرَّافِعِيُّ مِنْ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ، وَإِنْ نَازَعَ فِيهِ الْبُلْقِينِيُّ (3) .
وَفَصَّل الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمَوْضُوعِ فَقَالُوا: لَوْ قَال لَتُلْقِيَنَّ نَفْسَكَ فِي النَّارِ أَوْ مِنْ رَأْسِ الْجَبَل أَوْ لأََقْتُلَنَّكَ بِالسَّيْفِ، فَأَلْقَى نَفْسَهُ مِنَ الْجَبَل، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْمُكْرِهِ، لأَِنَّهُ لَوْ بَاشَرَ بِنَفْسِهِ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ عِنْدَهُ، لأَِنَّهُ قُتِل بِالْمُثَقَّل، فَكَذَا إِذَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْمُكْرِهِ فِي مَالِهِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجِبُ الْقِصَاصُ، لأَِنَّهُ كَالْقَتْل بِالسَّيْفِ عِنْدَهُ. أَمَّا إِذَا أَلْقَى نَفْسَهُ فِي النَّارِ فَاحْتَرَقَ، فَيَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا (4) .
__________
(1) نهاية المحتاج7 / 247
(2) كشاف القناع 5 / 518، ونهاية المحتاج 7 / 247
(3) نهاية المحتاج7 / 247
(4) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي 5 / 190

هَذَا، وَلَمْ نَجِدْ فِي الْمَسْأَلَةِ نَصًّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَانْظُرْ (إِكْرَاه) .

اشْتِرَاكُ الْمُنْتَحِرِ مَعَ غَيْرِهِ:
22 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ جَرَحَ نَفْسَهُ، ثُمَّ جَرَحَهُ غَيْرُهُ فَمَاتَ مِنْهُمَا، فَهَل يُعْتَبَرُ انْتِحَارًا؟ وَهَل يَجِبُ عَلَى الْمُشَارِكِ لَهُ قِصَاصٌ أَوْ دِيَةٌ؟ يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ عِنْدَهُمْ بِحَسَبِ الصُّوَرِ:
أ - فَلَوْ جَرَحَ نَفْسَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، كَأَنْ أَرَادَ ضَرْبَ مَنِ اعْتَدَى عَلَيْهِ بِجُرْحٍ فَأَصَابَ نَفْسَهُ، أَوْ خَاطَ جُرْحَهُ فَصَادَفَ اللَّحْمَ الْحَيَّ، ثُمَّ جَرَحَهُ شَخْصٌ آخَرُ خَطَأً، فَمَاتَ مِنْهُمَا، فَلاَ قِصَاصَ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّهُ لاَ قِصَاصَ عَلَى الْمُخْطِئِ بِالإِْجْمَاعِ، وَيَلْزَمُ عَاقِلَةَ الشَّرِيكِ نِصْفُ الدِّيَةِ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ اثْنَانِ خَطَأً.
ب - أَمَّا لَوْ جَرَحَ نَفْسَهُ خَطَأً، وَجَرَحَهُ شَخْصٌ آخَرُ عَمْدًا، فَلاَ قِصَاصَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ) بِنَاءً عَلَى الْقَاعِدَةِ الَّتِي تَقُول: لاَ يُقْتَل شَرِيكُ مَنْ لاَ قِصَاصَ عَلَيْهِ كَالْمُخْطِئِ وَالصَّغِيرِ، وَعَلَى الْمُتَعَمِّدِ نِصْفُ دِيَةِ الْعَمْدِ فِي مَالِهِ، إِذْ لاَ يَدْرِي مِنْ أَيِّ الأَْمْرَيْنِ مَاتَ (1)
وَفِي وَجْهٍ آخَرَ لِلْحَنَابِلَةِ: يُقْتَصُّ مِنَ الشَّرِيكِ الْعَامِدِ، لأَِنَّهُ قَصَدَ الْقَتْل، وَخَطَأُ شَرِيكِهِ لاَ يُؤَثِّرُ فِي قَصْدِهِ (2) .
ج - وَإِذَا جَرَحَ نَفْسَهُ عَمْدًا، وَجَرَحَهُ آخَرُ
__________
(1) الفتاوى الهندية 6 / 4، وجواهر الإكليل 2 / 258، والشرح الصغير 4 / 347، ونهاية المحتاج 7 / 262، والمغني 9 / 380
(2) المغني 9 / 381

عَمْدًا، وَمَاتَ مِنْهُمَا، يُقْتَصُّ مِنَ الشَّرِيكِ الْعَامِدِ فِي وَجْهٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِشَرْطِ الْقَسَامَةِ، لأَِنَّهُ قَتْلٌ عَمْدٌ مُتَمَحِّضٌ، فَوَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الشَّرِيكِ فِيهِ كَشَرِيكِ الأَْبِ (1) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَمُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَوَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ قِصَاصَ عَلَى شَرِيكِ قَاتِل نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ جُرْحَاهُمَا عَمْدًا، لأَِنَّهُ أَخَفُّ مِنْ شَرِيكِ الْمُخْطِئِ، كَمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ، وَلأَِنَّهُ شَارَكَ مَنْ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْقِصَاصُ، كَشَرِيكِ الْمُخْطِئِ، وَلأَِنَّهُ قَتْلٌ تَرَكَّبَ مِنْ مُوجِبٍ وَغَيْرِ مُوجِبٍ، كَمَا اسْتَدَل بِهِ الْحَنَفِيَّةُ.
وَإِذَا لَمْ يَجِبِ الْقِصَاصُ فَعَلَى الْجَارِحِ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ الْقَسَامَةُ فِي وُجُوبِ نِصْفِ الدِّيَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، لَكِنَّهُمْ أَضَافُوا: أَنَّ الْجَارِحَ يُضْرَبُ مِائَةً وَيُحْبَسُ عَامًا كَذَلِكَ (2)
23 - وَالْمَعْلُومُ أَنَّ الدِّيَةَ تُقْسَمُ عَلَى مَنِ اشْتَرَكَ فِي الْقَتْل، وَعَلَى الأَْفْعَال الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى الْقَتْل، فَإِذَا حَصَل الْقَتْل بِفِعْل نَفْسِهِ وَبِفِعْل الشَّرِيكِ وَلَمْ نَقُل بِوُجُوبِ الْقِصَاصِ، يَجِبُ عَلَى الشَّرِيكِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَبِهَذَا صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ إِنْ مَاتَ شَخْصٌ بِفِعْل نَفْسِهِ وَفِعْل زَيْدٍ وَأَسَدٍ وَحَيَّةٍ ضَمِنَ زَيْدٌ ثُلُثَ الدِّيَةِ؛ لأَِنَّ فِعْل الأَْسَدِ وَالْحَيَّةِ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ
__________
(1) المغني 9 / 380، ونهاية المحتاج 7 / 262، والشرح الكبير للدردير 4 / 245
(2) المغني 9 / 380، والفتاوى الهندية 6 / 4، ونهاية المحتاج 7 / 262، والشرح الكبير للدردير 4 / 247، والخرشي 8 / 11

هَدَرٌ فِي الدَّارَيْنِ، وَفِعْل زَيْدٍ مُعْتَبَرٌ فِي الدَّارَيْنِ (1) ، وَفِعْل نَفْسِهِ هَدَرٌ فِي الدُّنْيَا لاَ الْعُقْبَى، حَتَّى يَأْثَمَ بِالإِْجْمَاعِ (2) .
24 - وَتَعَرَّضَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى لَهَا أَهَمِّيَّتُهَا فِي اشْتِرَاكِ الشَّخْصِ فِي قَتْل نَفْسِهِ، وَهِيَ مُدَاوَاةُ الْجُرْحِ بِالسُّمِّ الْمُهْلِكِ. فَإِنْ جَرَحَهُ إِنْسَانٌ فَتَدَاوَى بِسُمٍّ مُذَفَّفٍ يَقْتُل فِي الْحَال، فَقَدْ قَتَل نَفْسَهُ وَقَطَعَ سِرَايَةَ الْجُرْحِ، وَجَرَى مَجْرَى مَنْ ذَبَحَ نَفْسَهُ بَعْدَ أَنْ جُرِحَ، فَلاَ قِصَاصَ وَلاَ دِيَةَ عَلَى جَارِحِهِ فِي النَّفْسِ، وَيُنْظَرُ فِي الْجُرْحِ، فَإِنْ كَانَ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ فَلِوَلِيِّهِ اسْتِيفَاؤُهُ، وَإِلاَّ فَلِوَلِيِّهِ الأَْرْشُ وَإِنْ كَانَ السُّمُّ لاَ يَقْتُل فِي الْغَالِبِ، أَوْ لَمْ يُعْلَمْ حَالُهُ، أَوْ قَدْ يَقْتُل بِفِعْل الرَّجُل فِي نَفْسِهِ، فَالْقَتْل شَبَهُ عَمْدٍ، وَالْحُكْمُ فِي شَرِيكِهِ كَالْحُكْمِ فِي شَرِيكِ الْمُخْطِئِ. وَإِذَا لَمْ يَجِبِ الْقِصَاصُ عَلَى الْجَارِحِ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ.
وَإِنْ كَانَ السُّمُّ يَقْتُل غَالِبًا، وَعُلِمَ حَالُهُ، فَحُكْمُهُ كَشَرِيكِ جَارِحِ نَفْسِهِ، فَيَلْزَمُهُ الْقِصَاصُ، وَفِي الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - أَوْ هُوَ شَرِيكٌ مُخْطِئٌ فِي قَوْلٍ آخَرَ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ وَجْهٌ آخَرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، فَلاَ قَوَدَ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ الْقَتْل، وَإِنَّمَا قَصَدَ التَّدَاوِيَ (3)
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلاَ قِصَاصَ عِنْدَهُمْ عَلَى الْجَارِحِ بِحَالٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ التَّدَاوِي بِالسُّمِّ عَمْدًا أَمْ كَانَ خَطَأً؛ لأَِنَّ الأَْصْل عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لاَ يُقْتَل شَرِيكُ مَنْ لاَ
__________
(1) أي الدار الدنيا والدار الآخرة
(2) ابن عابدين 5 / 350
(3) المغني لابن قدامة 9 / 381، ونهاية المحتاج 7 / 263

قِصَاصَ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ (1) .
كَذَلِكَ لاَ قِصَاصَ عَلَى الْجَارِحِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلاً وَاحِدًا إِذَا تَدَاوَى الْمَقْتُول بِالسُّمِّ خَطَأً، بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ أَنَّهُ " لاَ يُقْتَل شَرِيكٌ مُخْطِئٌ " (2) وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِي شَرِيكِ جَارِحِ نَفْسِهِ عَمْدًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلَيْنِ (3)
الآْثَارُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الاِنْتِحَارِ:

أَوَّلاً: إِيمَانُ أَوْ كُفْرُ الْمُنْتَحِرِ:
25 - وَرَدَ فِي الأَْحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَدُل ظَاهِرُهُ عَلَى خُلُودِ قَاتِل نَفْسِهِ فِي النَّارِ وَحِرْمَانِهِ مِنَ الْجَنَّةِ. مِنْهَا مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَل نَفْسَهُ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَل نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا (4) وَمِنْهَا حَدِيثُ جُنْدَبٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: كَانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ فَقَتَل نَفْسَهُ، فَقَال اللَّهُ: بِدَرَنِي عَبْدِي نَفْسَهُ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ (5)
وَظَاهِرُ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الأَْحَادِيثِ يَدُل عَلَى كُفْرِ الْمُنْتَحِرِ؛ لأَِنَّ الْخُلُودَ فِي النَّارِ وَالْحِرْمَانَ مِنَ الْجَنَّةِ جَزَاءُ الْكُفَّارِ عِنْدَ أَهْل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.
لَكِنَّهُ لَمْ يَقُل بِكُفْرِ الْمُنْتَحِرِ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ؛ لأَِنَّ الْكُفْرَ هُوَ الإِْنْكَارُ وَالْخُرُوجُ عَنْ دِينِ
__________
(1) الفتاوى الهندية 6 / 4
(2) الشرح الصغير 4 / 347
(3) الخرشي 8 / 11
(4) حديث: " من تردى. . . . . " سبق تخريجه ف / 8.
(5) حديث: " كان برجل جراح. . . . " أخرجه البخاري (الفتح 6 / 496 - ط السلفية) .

الإِْسْلاَمِ، وَصَاحِبُ الْكَبِيرَةِ - غَيْرَ الشِّرْكِ - لاَ يَخْرُجُ عَنِ الإِْسْلاَمِ عِنْدَ أَهْل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَقَدْ صَحَّتِ الرِّوَايَاتُ أَنَّ الْعُصَاةَ مِنْ أَهْل التَّوْحِيدِ يُعَذَّبُونَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ. (1) بَل قَدْ صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ بِأَنَّ الْمُنْتَحِرَ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الإِْسْلاَمِ، وَلِهَذَا قَالُوا بِغُسْلِهِ وَالصَّلاَةِ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي، وَالْكَافِرُ لاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ إِجْمَاعًا. ذُكِرَ فِي الْفَتَاوَى الْخَانِيَّةِ: الْمُسْلِمُ إِذَا قَتَل نَفْسَهُ فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ يُغَسَّل وَيُصَلَّى عَلَيْهِ.
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ قَاتِل نَفْسِهِ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الإِْسْلاَمِ، كَمَا وَصَفَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَابْنُ عَابِدِينَ بِأَنَّهُ فَاسِقٌ كَسَائِرِ فُسَّاقِ الْمُسْلِمِينَ (2) كَذَلِكَ نُصُوصُ الشَّافِعِيَّةِ تَدُل عَلَى عَدَمِ كُفْرِ الْمُنْتَحِرِ. (3)
وَمَا جَاءَ فِي الأَْحَادِيثِ مِنْ خُلُودِ الْمُنْتَحِرِ فِي النَّارِ مَحْمُولٌ عَلَى مَنِ اسْتَعْجَل الْمَوْتَ بِالاِنْتِحَارِ، وَاسْتَحَلَّهُ، فَإِنَّهُ بِاسْتِحْلاَلِهِ يَصِيرُ كَافِرًا؛ لأَِنَّ مُسْتَحِل الْكَبِيرَةِ كَافِرٌ عِنْدَ أَهْل السُّنَّةِ، وَالْكَافِرُ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ بِلاَ رَيْبٍ، وَقِيل: وَرَدَ مَوْرِدَ الزَّجْرِ وَالتَّغْلِيظِ، وَحَقِيقَتُهُ غَيْرُ مُرَادَةٍ.
وَيَقُول ابْنُ عَابِدِينَ فِي قَبُول تَوْبَتِهِ: الْقَوْل بِأَنَّهُ لاَ تَوْبَةَ لَهُ مُشْكِلٌ عَلَى قَوَاعِدِ أَهْل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، لإِِطْلاَقِ النُّصُوصِ فِي قَبُول تَوْبَةِ الْعَاصِي، بَل التَّوْبَةُ مِنَ الْكَافِرِ مَقْبُولَةٌ قَطْعًا، وَهُوَ أَعْظَمُ وِزْرًا. وَلَعَل الْمُرَادَ مَا إِذَا تَابَ حَالَةَ الْيَأْسِ، كَمَا إِذَا فَعَل بِنَفْسِهِ مَا لاَ يَعِيشُ مَعَهُ عَادَةً، كَجُرْحٍ مُزْهِقٍ فِي سَاعَتِهِ،
__________
(1) ابن عابدين 1 / 184.
(2) الفتاوى الخانية بهامش الفتاوى الهندية 1 / 186، وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي 1 / 250، وابن عابدين 1 / 184.
(3) نهاية المحتاج 2 / 432.

وَإِلْقَائِهِ نَفْسَهُ فِي بَحْرٍ أَوْ نَارٍ فَتَابَ. أَمَّا لَوْ جَرَحَ نَفْسَهُ فَبَقِيَ حَيًّا أَيَّامًا مَثَلاً ثُمَّ تَابَ وَمَاتَ، فَيَنْبَغِي الْجَزْمُ بِقَبُول تَوْبَتِهِ. (1)
وَمِمَّا يَدُل عَلَى أَنَّ الْمُنْتَحِرَ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ، وَلَيْسَ مَقْطُوعًا بِخُلُودِهِ فِي النَّارِ - حَدِيثُ جَابِرٍ أَنَّهُ قَال لَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْل بْنُ عَمْرٍو، وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَمَرِضَ فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْل بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فَقَال لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ قَال: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَال: قِيل لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ، فَقَصَّهَا الطُّفَيْل عَلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ (2)
وَهَذَا كُلُّهُ يَدُل عَلَى أَنَّ الْمُنْتَحِرَ لاَ يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ مُسْلِمًا، لَكِنَّهُ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً فَيُسَمَّى فَاسِقًا.

ثَانِيًا: جَزَاءُ الْمُنْتَحِرِ:
26 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَمُتْ مَنْ حَاوَل الاِنْتِحَارَ عُوقِبَ عَلَى مُحَاوِلَتِهِ الاِنْتِحَارَ، لأَِنَّهُ أَقْدَمَ عَلَى قَتْل النَّفْسِ الَّذِي يُعْتَبَرُ مِنَ الْكَبَائِرِ.
__________
(1) ابن عابدين 1 / 184، وانظر أيضا القليوبي مع حاشية عميرة 1 / 348، 349، والشرح الصغير 1 / 574، والمغني مع الشرح الكبير 2 / 418.
(2) حديث جابر: " لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هاجر إليه. . . " أخرجه مسلم (1 / 109 - ط الحلبي) .

كَذَلِكَ لاَ دِيَةَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَكَانَ الاِنْتِحَارُ عَمْدًا أَمْ خَطَأً عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنِ الْحَنَابِلَةِ) لأَِنَّ الْعُقُوبَةَ تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ، وَلأَِنَّ عَامِرَ بْنَ الأَْكْوَعِ بَارَزَ مَرْحَبًا يَوْمَ خَيْبَرَ، فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَمَاتَ (1) وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِيهِ بِدِيَةٍ وَلاَ غَيْرِهَا، وَلَوْ وَجَبَتْ لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلأَِنَّهُ جَنَى عَلَى نَفْسِهِ فَلَمْ يَضْمَنْهُ غَيْرُهُ، وَلأَِنَّ وُجُوبَ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي الْخَطَأِ إِنَّمَا كَانَ مُوَاسَاةً لِلْجَانِي وَتَخْفِيفًا عَنْهُ، وَلَيْسَ عَلَى الْجَانِي هَاهُنَا شَيْءٌ يَحْتَاجُ إِلَى الإِْعَانَةِ وَالْمُوَاسَاةِ، فَلاَ وَجْهَ لإِِيجَابِهِ (2)
وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ عَلَى عَاقِلَةِ الْمُنْتَحِرِ خَطَأً دِيَتَهُ لِوَرَثَتِهِ، وَبِهِ قَال الأَْوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ، لأَِنَّهَا جِنَايَةُ خَطَأٍ، فَكَانَ عَقْلُهَا (دِيَتُهَا) عَلَى عَاقِلَتِهِ كَمَا لَوْ قَتَل غَيْرَهُ.
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِنْ كَانَتِ الْعَاقِلَةُ الْوَرَثَةَ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ، لأَِنَّهُ لاَ يَجِبُ لِلإِْنْسَانِ شَيْءٌ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ وَارِثًا سَقَطَ عَنْهُ مَا يُقَابِل نَصِيبَهُ، وَعَلَيْهِ مَا زَادَ عَلَى نَصِيبِهِ، وَلَهُ مَا بَقِيَ إِنْ كَانَ نَصِيبُهُ مِنَ الدَّيْنِ أَكْثَرَ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ (3)
27 - اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، فَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ - وَهُوَ رَأْيُ الْحَنَابِلَةِ فِي قَتْل الْخَطَأِ - تَلْزَمُ الْكَفَّارَةُ مِنْ سِوَى الْحَرْبِيِّ مُمَيِّزًا كَانَ أَمْ لاَ، بِقَتْل كُل آدَمِيٍّ مِنْ مُسْلِمٍ - وَلَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ - وَذِمِّيٍّ وَجَنِينٍ وَعَبْدٍ
__________
(1) الأثر: (أن عامر بن الأكوع بارز. . . . " أخرجه مسلم (3 / 1440 - ط الحلبي) .
(2) ابن عابدين 5 / 350، وجواهر الإكليل 2 / 272، ونهاية المحتاج 7 / 366، والمغني 9 / 509، والخرشي 8 / 50.
(3) المغني مع الشرح الكبير 9 / 509.

وَنَفْسِهِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً. (1)
هَكَذَا عَمَّمُوا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، وَتَخْرُجُ مِنْ تَرِكَةِ الْمُنْتَحِرِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ.
وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {وَمَنْ قَتَل مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} (2) وَلأَِنَّهُ آدَمِيٌّ مَقْتُولٌ خَطَأً، فَوَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ عَلَى قَاتِلِهِ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ. (3)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ كَفَّارَةَ عَلَى قَاتِل نَفْسِهِ خَطَأً أَوْ عَمْدًا. وَهَذَا هُوَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ فِي الْعَمْدِ، لِسُقُوطِ صَلاَحِيَّتِهِ لِلْخِطَابِ بِمَوْتِهِ، كَمَا تَسْقُطُ دِيَتُهُ عَنِ الْعَاقِلَةِ لِوَرَثَتِهِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: هَذَا أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِنَّ عَامِرَ بْنَ الأَْكْوَعِ قَتَل نَفْسَهُ خَطَأً وَلَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ بِكَفَّارَةٍ. وقَوْله تَعَالَى: {وَمَنْ قَتَل مُؤْمِنًا خَطَأً} إِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ إِذَا قَتَل غَيْرَهُ، بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: {وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} وَقَاتِل نَفْسِهِ لاَ تَجِبُ فِيهِ دِيَةٌ. كَذَلِكَ رَدَّ الْمَالِكِيَّةُ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ بِدَلِيل أَنَّ قَوْله تَعَالَى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} (4) مُخْرِجٌ قَاتِل نَفْسِهِ، لاِمْتِنَاعِ تَصَوُّرِ هَذَا الْجُزْءِ مِنَ الْكَفَّارَةِ، وَإِذَا بَطَل الْجُزْءُ بَطَل الْكُل. (5)

ثَالِثًا: غُسْل الْمُنْتَحِرِ:
28 - مَنْ قَتَل نَفْسَهُ خَطَأً، كَأَنْ صَوَّبَ سَيْفَهُ إِلَى
__________
(1) أسنى المطالب 4 / 95، ونهاية المحتاج 7 / 366، والمغني 5 / 39.
(2) سورة النساء / 92.
(3) أسنى المطالب 4 / 95، ونهاية المحتاج 7 / 366، والمغني 5 / 39.
(4) سورة النساء / 92.
(5) المغني 10 / 39، وجواهر الإكليل 2 / 72، ومواهب الجليل 6 / 268، وأيضا البدائع 7 / 252.

عَدُوِّهِ لِيَضْرِبَهُ بِهِ فَأَخْطَأَ وَأَصَابَ نَفْسَهُ وَمَاتَ، غُسِّل وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِلاَ خِلاَفٍ، كَمَا عَدَّهُ بَعْضُهُمْ مِنَ الشُّهَدَاءِ. (1)
وَكَذَلِكَ الْمُنْتَحِرُ عَمْدًا، لأَِنَّهُ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الإِْسْلاَمِ بِسَبَبِ قَتْلِهِ نَفْسَهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ كَمَا سَبَقَ، وَلِهَذَا صَرَّحُوا بِوُجُوبِ غُسْلِهِ كَغَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (2) وَادَّعَى الرَّمْلِيُّ الإِْجْمَاعَ عَلَيْهِ حَيْثُ قَال: وَغُسْلُهُ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلاَةُ عَلَيْهِ وَحَمْلُهُ وَدَفْنُهُ فُرُوضُ كِفَايَةٍ إِجْمَاعًا، لِلأَْمْرِ بِهِ فِي الأَْخْبَارِ الصَّحِيحَةِ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ قَاتِل نَفْسِهِ وَغَيْرُهُ. (3)

رَابِعًا: الصَّلاَةُ عَلَى الْمُنْتَحِرِ:
29 - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ) أَنَّ الْمُنْتَحِرَ يُصَلَّى عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الإِْسْلاَمِ بِسَبَبِ قَتْلِهِ نَفْسَهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: صَلُّوا عَلَى مَنْ قَال لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ (4) وَلأَِنَّ الْغُسْل وَالصَّلاَةَ مُتَلاَزِمَانِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، فَكُل مَنْ وَجَبَ غُسْلُهُ وَجَبَتِ الصَّلاَةُ عَلَيْهِ، وَكُل مَنْ لَمْ يَجِبْ غُسْلُهُ لاَ تَجِبُ الصَّلاَةُ عَلَيْهِ. (5)
وَقَال عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالأَْوْزَاعِيُّ - وَهُوَ رَأْيُ
__________
(1) الفتاوى الهندية 1 / 163، وابن عابدين 1 / 584
(2) ابن عابدين 1 / 584، والفتاوى البزازية على الهندية 1 / 186.
(3) نهاية المحتاج2 / 432.
(4) حديث: " صلوا على من قال لا إله إلا الله " أخرجه الطبراني من حديث ابن عمر، وفي إسناده من اتهم بالكذب. (فيض القدير للمناوي 4 / 203 - ط المكتبة التجارية) .
(5) القليوبي مع حاشية عميرة 1 / 348، 349، والفتاوى الهندية 1 / 163، وابن عابدين 1 / 584، وبلغة السالك على أقرب المسالك 1 / 543، وجواهر الإكليل 1 / 106.

أَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ - لاَ يُصَلَّى عَلَى قَاتِل نَفْسِهِ بِحَالٍ، لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ: أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ قَتَل نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ فَلَمْ يُصَل عَلَيْهِ (1) وَلِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّ رَجُلاً انْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ عَنْ رَجُلٍ قَدْ مَاتَ قَال: وَمَا يُدْرِيكَ؟ قَال: رَأَيْتُهُ يَنْحَرُ نَفْسَهُ، قَال: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ قَال: نَعَمْ. قَال. إِذَنْ لاَ أُصَلِّي عَلَيْهِ (2) .
وَعَلَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْمُنْتَحِرَ لاَ تَوْبَةَ لَهُ فَلاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ (3)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يُصَلِّي الإِْمَامُ عَلَى مَنْ قَتَل نَفْسَهُ عَمْدًا، وَيُصَلِّي عَلَيْهِ سَائِرُ النَّاسِ. أَمَّا عَدَمُ صَلاَةِ الإِْمَامِ عَلَى الْمُنْتَحِرِ فَلِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ السَّابِقِ ذِكْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَل عَلَى قَاتِل نَفْسِهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الإِْمَامَ، فَأُلْحِقَ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ الأَْئِمَّةِ (4)
وَأَمَّا صَلاَةُ سَائِرِ النَّاسِ عَلَيْهِ، فَلِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حِينَ امْتَنَعَ عَنِ الصَّلاَةِ عَلَى قَاتِل نَفْسِهِ لَمْ يَنْهَ عَنِ الصَّلاَةِ عَلَيْهِ. وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ صَلاَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْكُ صَلاَةِ غَيْرِهِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي بَدْءِ الإِْسْلاَمِ لاَ يُصَلِّي عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لاَ
__________
(1) حديث جابر بن سمرة: " أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه. . . . " أخرجه مسلم (2 / 672 - ط الحلبي) .
(2) حديث: " إذن لا أصلي عليه " أخرجه أبو داود (3 / 526 - ط عزت عبيد دعاس) وإسناده صحيح، وأخرجه مسلم مختصرا كما تقدم.
(3) المغني 2 / 418، وابن عابدين 1 / 584.
(4) المغني 2 / 418.

وَفَاءَ لَهُ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالصَّلاَةِ عَلَيْهِ. (1)
كَمَا يَدُل عَلَى هَذَا التَّخْصِيصِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: أَمَّا أَنَا فَلاَ أُصَلِّي عَلَيْهِ (2)
وَذُكِرَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ عَدَمَ صَلاَةِ الإِْمَامِ عَلَى الْمُنْتَحِرِ أَمْرٌ مُسْتَحْسَنٌ، لَكِنَّهُ لَوْ صَلَّى عَلَيْهِ فَلاَ بَأْسَ. فَقَدْ ذَكَرَ فِي الإِْقْنَاعِ: وَلاَ يُسَنُّ لِلإِْمَامِ الأَْعْظَمِ وَإِمَامِ كُل قَرْيَةٍ - وَهُوَ وَالِيهَا فِي الْقَضَاءِ - الصَّلاَةُ عَلَى قَاتِل نَفْسِهِ عَمْدًا، وَلَوْ صَلَّى عَلَيْهِ فَلاَ بَأْسَ. (3)

خَامِسًا: تَكْفِينُ الْمُنْتَحِرِ وَدَفْنُهُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ:
30 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ تَكْفِينِ الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ وَدَفْنِهِ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُمَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ كَالصَّلاَةِ عَلَيْهِ وَغُسْلِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْمُنْتَحِرُ؛ لأَِنَّ الْمُنْتَحِرَ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الإِْسْلاَمِ بِارْتِكَابِهِ قَتْل نَفْسِهِ كَمَا مَرَّ. (4)
__________
(1) المغني 2 / 418، 419، والإقناع 1 / 228. وحديث: " أمر بالصلاة على من عليه دين " أخرجه البخاري (4 / 467 - الفتح - ط السلفية) .
(2) حديث: " أما أنا فلا أصلي عليه " أخرجه النسائي (4 / 66 - ط المكتبة التجارية) وإسناده صحيح، وأخرج أصله مسلم في صحيحه كما تقدم.
(3) الإقناع 1 / 228.
(4) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي 1 / 238، والشرح الصغير 1 / 543، وكشاف القناع 2 / 85، ونهاية المحتاج 2 / 432.

انتحاء السنن واقتفاء السنن

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

انتحاء السَّنن، واقتفاء السُّنن
في شرح: (سنن أبي داود) .
يأتي في: السين.
المنتحل، في علم الجدل
للإمام، أبي حامد: محمد بن محمد الغزالي الطوسي.
المتوفى: سنة 505، خمس وخمسمائة.
نوع من القتل ويتحقق بوسائل مختلفة، ويتنوع بأنواع متعددة كالقتل، ويطلق الانتحار على قتل الإنسان نفسه بأي وسيلة كانت، ولهذا ذكر أحكامه باسم «قتل الشخص نفسه».
قال ابن فارس: «وانتحروا على الشيء» : تشاحوا عليه حرصا، كأن كل واحد منهم يريد نحر صاحبه.
«معجم مقاييس اللغة (نحر) 1016، والموسوعة الفقهية 15/ 281 عن: بدائع الصنائع 5/ 41، والشرح الصغير 2/ 154، والمغني لابن قدامة 11/ 42، ونهاية المحتاج 8/ 105، 111».

شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت