نتائج البحث عن (وثل) 50 نتيجة

وثل: وَثَّل الشيءَ: أَصَّله ومكَّنه، لغة في أَثَّله، وبه سمي الرجل وَثَّالاً. ووَثَّل مالاً: جمعه، لغة في أَثَّل. والوَثِيلُ: الضعيف. والوَثِيلُ: كل خَلَق من الشجر. والوَثْلُ: اللِّيفُ نفسه. والوَثِيل: الخَلَق من حِبال اللِّيف. والوَثِيل: اللِّيف. والوَثيل: الحبل منه، وقيل: الوَثَلُ، بالتحريك، والوَثِيلُ جميعاً الحبل من اللِّيف، وقيل الوَثِيل الحبل من القِنَّب. ابن الأَعرابي: الوَثَل: وسَخ الأَديم الذي يلقى منه، وهو الحَمُّ والتِّحْلِئ. وواثِلةُ: من الأَسماء مأْخوذ من الوَثِيل. ووَثْل ووثالَة ووثَّال: أَسماء. وواثلة والوَثِيل: موضعان، وسُحَيم بن وَثِيل.
[وث ل] وَثًّلَ الشَّيْءَ أَصَّلَه ومَكَّنَه لُغَةٌ في أَثَّلَه وبه سُمِّي الرًّجُلُ وَثّالاً ووَثَّلَ مالاً جَمَعَه لُغةٌ في أَثَّلَ والوَثِيلُ كُلُّ خَلَقٍ من الشَّجَرِ والوَثِيلُ الخَلَقُ من جِبالِ اللِّيفِ والوَثِيلُ اللِّيفُ والوَثَلُ الحَبْلُ منه وقِيلَ الوَثَلُ والوَثِيلُ جَمِيعًا الحَبْلُ من اللِّيفِ وقيل الوَثِيلُ الحَبْلُ من القِنَّبِووَثِيلٌ ووَثَالَةُ ووثَالٌ أسماءٌ وواثِلَةُ والوَثِيلُ مَوْضِعانِ
وثل

(} الوَثَلُ، مُحَرَّكَةً: الحَبْلُ مِنَ اللِّيْفِ، و) {{الوَثِيْلُ، (كَأَمِيْرٍ: اللِّيْفُ) ، كَمَا فِي الصِّحَاحِ، (و) أَيْضًا (الرِّشاءُ الضَّعِيْفُ) ، كَمَا فِي العُباب. (و) قِيْلَ: (كُلُّ حَبْلٍ مِنَ الشَّجَرِ) }} وَثِيْلٌ إِذَا كَانَ خَلَقًا.
(و) الوَثِيْلُ أَيْضًا (مِنْ حِبَالِ اللِّيْفِ) {{كالوَثَلِ، (و) قِيْلَ: الوَثِيْلُ: (الحَبْلُ مِنَ القِنَّبِ، (و) الوَثِيْلُ أَيْضًا: (الضَّعِيْفُ) .
(و) الوَثِيْلُ: (ع م) مَعْرُوف، عَنْ أَبِي عُبَيْد.
(و) وَثِيْلٌ: (وَالِدُ سُحَيْمٍ) الشَّاعِر. (}} والمَوْثُولُ: المَوْصُولُ)
، وَقَدْ {{وَثَلَهُ، أَي: وَصَلَه. (}} وَوَثَّلَهُ {{تَوْثِيْلاً: أَصَّلَهُ وَمَكَّنَهُ) ، لُغَة فِي أَثَّلَهُ.
(و) }}
وَثَّلَ (مَالاً) {{تَوْثِيْلاً: (جَمْعَهُ) ، لُغَة فِي أَثَّلَهُ. (وَذُو}} وَثْلَةَ: قَيلٌ) مِنَ الأَقْيَالِ، وَهُوَ ابْنُ ذِي الذِّفْرَيْنِ أَبِي شَمِرِ بنِ سَلاَمَة.( {{وَوَثَلَةُ، مُحَرّكةً: ة) ، وَفِي العُباب:}} وَاثِلَةُ، وَمِثْلُهُ فِي اللِّسانِ، وَمَا لِلْمُصَنِّف خَطَأٌ.
(و) {{وَثّالٌ، (كَشَدّادٍ: اسْمُ) رَجُلٍ، عَن أَبِي عُبَيْد. (}} وَوَاثِلَةُ) بنُ عَبْدِ اللهِ بنُ عُمَيْرٍ الكِنانِيُّ (اللَّيْثِيُّ الَّذِي قَالَ: رَأَيْتُ الحَجَرَ الأَسْوَدَ أَبْيَضَ) ، رَوَاهُ أَبُو مُوْسَى، وَقَالَ: هذَا حَدِيْثٌ عَجِيْبٌ عَجِيب، (وَابْنُهُ أَبُو الطُّفَيْلِ عامِرٌ) وُلِدَ عَامَ أُحُدٍ، وَلَهُ رُؤْيَةٌ، وَكَانَ شَاعِرًا مُحْسِنًا فَصِيحًا رَوَى عَنْ أَبِيْهِ الحَدِيْثَ المَذْكُورَ، وَعَنْهُ أَبُو الزُّبَيْرِ المَكِّيّ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ، صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (وَواثِلَةُ بنُ الأَسْقَعِ) بْنِ عَبْدِ العُزَّى الكِنَانِيُّ اللَّيْثِيُّ، مِنْ أَصْحابِ الصُّفَّةِ.
(و) {{وَاثِلَةُ (بنُ الخَطَّابِ) العَدَوِيُّ، مِنْ رَهْطِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَسَكَن دِمَشْقَ، لَهُ حَدِيْثٌ تَفَرَّدَ بِهِ، عَنْهُ مُجاهِدُ بنُ فَرْقَد، شَيْخٌ لِلْفِرْيَابِيّ. (وَأَبُو وَاثِلَةَ الهُذَلِيُّ) لَهُ ذِكْرٌ فِي حَدِيْثِ شَهْرِ بنِ حَوْشَب عَنْ زَوْجِ أُمِّهِ فِي طَاعُون عِمْواس وَمَوْتِ الكِبار: (صَحابِيُّون) رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم. [] وَمِمّا يُسْتَدْرَكُ عَلَيْهِ: قَالَ ابْنُ الأَعْرابِيّ: الوَثَلُ، مُحَرَّكَةً، وَسَخُ الأَدِيْم الَّذِي يُلْقَى مِنْهُ، وَهُوَ التِّحْلِيءُ.}} وَوَثْلٌ {{وَوَثالَةُ: اسْمان. وَقَالَ الزُّبَيْرُ بنُ بَكّارٍ: لَيْسَ فِي قُرَيشٍ}} وَاثِلَة، بِالمُثَلَّثَة، إِنَّما هُوَ بِاليَاءِ. وَأَبُو المُؤْمَّنِ! - الواثِلِيُّ: تَابِعِيٌّ سَمِعَ عَلِيًّا، وَعَنْهُ سُوَيْدُ بنُ عُبَيْد. وَإِسْماعِيلُ بنُ نُصير، وَعَلِيُّابنُ مُحَمَّد بنِ عُمَر، وَإِبْراهِيمُ بنُ إِسْماعِيلَ، {الواثِلِيُّون: مُحَدِّثُون. وَحُمْرانُ بنُ المُنْذِرِ الواثِلِيُّ تابِعِيٌّ، عَن أَبِي هُرَيْرَة، ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ.
[وثل]الوَثَلُ، بالتحريك: الحبلُ من الليف. والوثيل: الليف. وسحيم بن وثيل. وواثلة: اسم رجل.(*)
و ث ل

شدّه بالوثيل وهو الحبل من الليف، وفتل للكرم وثائل. ووثّل الكرم توثيلاً.
(وثل) الشَّيْء أَصله ومكنه (لُغَة فِي أثله) وَالْمَال جمعه (لُغَة فِي أثله)
(الكوثل) مُؤخر السَّفِينَة وَفِيه يكون الملاحون ومتاعهم
(الوثل) الليف

(الوثل) الْحَبل من الليف ووسخ الْأَدِيم الَّذِي يلقى مِنْهُ
وثل: واثِلَةُ: اسْمُ رَجُلٍ.والوَثِيْلُ: الضَّعِيْفُ.ووَثّالٌ: اسْمٌ أيضاً.والوَثِيْلُ: اللّيْفُ نَفْسُه.والوَثِيْلُ: ما خَلُقَ من الأَرْشِيَةِ فيُؤْخَذُ خَلَقٌ آخَرُ فيُوْصَلُ به، وجَمْعُه وُثُلٌ. وقيل: هو الحَبْلُ من الشَّرِيْطِ.ووَثَّلْتُ الشَّيْءَ تَوْثِيْلاً: أي أَصَّلْته.والمُوَثَّلُ والمَوْثُوْلُ: المَوْصُوْلُ.
كوثل: كوثل=فوفل (المستعيني، انظر فوفل في ابن البيطار 267:2 مخطوطة AB) .
وثلةطول حلق وقا أَبُو عبيد: فِي حَدِيث النَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلَام: لَا حِمًى إِلَّا فِي ثَلَاث: ثلّة الْبِئْر وطوَل الْفرس وحلقة الْقَوْم. قَوْله: ثلّة الْبِئْر يَعْنِي أَن يحتفر الرجل بِئْرا فِي مَوضِع لَيْسَ بِملك لأحد فَيكون لَهُ من حوالي الْبِئْر من الأَرْض مَا يكون ملقى لثلة الْبِئْر. وَهُوَ مَا يخرج من ترابها لَا يدْخل فِيهِ أحد عَلَيْهِ حريما للبئر والثَّلة فِي غير هَذَا [أَيْضا -] جمَاعَة الْغنم وأصوافها وَكَذَلِكَ الْوَبر أَيْضا: ثلة.وَمِنْه حَدِيث الْحسن فِي الْيَتِيم: إِذا كَانَت لَهُ مَاشِيَة أَن للْوَصِيّ أَن يُصِيب من ثلتها ورسلها. [قَالَ -] فالثلة: الصُّوف. والرِسل: اللَّبن. والثلة فِي غير هَذَا: الْجَمَاعَة من النَّاس قَالَ اللَّه [تبَارك و -] تَعَالَى {{ثُلَةٌ مِنَ الْأَوَّلين وَقَلِيل مِّنَ الآخِرْيِنَ}} . وَأما قَوْله: فِي طول الْفرس فَإِنَّهُ أَن يكون الرجل فِي الْعَسْكَر فيربط فرسه فَلهُ من ذَلِك الْمَكَان مستدار لفرسه فِي طوله لَا يمْنَع من ذَلِك وَله أَن يحميه من النَّاس. وَقَوله: حَلْقة الْقَوْم يَعْنِي أَن يجلس الرجل فِي وسط الْحلقَة فَلهم أَن يحموها [أَن -] لَا يجلس فِي وَسطهَا أحد. وَمِنْه حَدِيث حُذَيْفَة: الْجَالِس فِي وسط الْحلقَة مَلْعُون. قَالَ وَيُقَال: هُوَ تخطي الْحلقَة.
وَثْلة
من (و ث ل) المرة من الوثل بمعنى وصل الشيء.
أَوْثَل
من (و ث ل) الأكثر وثلا أي وصلا لغيره.
الكَوْثَلُ: مُؤَخَّرُ السفينةِ، أو سُكَّانُها، وقد تُشَدَّدُ، ورجُلٌ يُنْسَبُ إليه سِباعٌ الشاعرُ.والكَثْلُ: الجمعُ، والصُّبْرَةُ من الطعامِ.وأكْثالٌ: ع.والكَواثِلُ: أرضٌ، وليس بتصحيفِ الكَواتِلِ.
الوَثَلُ، مُحرَّكةً: الحَبْلُ من الليفِ. وكأميرٍ: الليفُ، والرِشاءُ الضَّعيفُ، وكُلُّ حَبْلٍ من الشَّجَرِ، ومن حِبالِ الليفِ، والحَبْلُ من القِنَّبِ، والضَّعيفُ،وع م، ووالِدُ سُحَيْمٍ.والمَوْثُولُ: الموصولُ.ووَثَّلَهُ تَوْثِيلاً: أصَّلَهُ ومكَّنَهُ،وـ مالاً: جَمَعَهُ.وذو وَثْلَةَ: قَيْلٌ.وَوَثَلَةُ، محرَّكةً. وكشَدَّادٍ: اسْمٌ.وواثِلَةُ اللَّيْثِيُّ: الذي قال رأيتُ الحَجَرَ الأسْودَ أبيضَ، وابنُهُ أبو الطُّفَيْلِ عامِرٌ،وواثِلَةُ بنُ الأسْقَعِ، وابنُ الخطَّابِ،وأبو واثِلَةَ الهُذَلِيُّ: صَحابِيونَ.
وثل
وَثَلَ
وَثَّلَa. Secured.
b. Hoarded.

وَثَلa. Rope of palm-fibres.

وَثِيْلa. Palm-fibres.
b. Hempen cord.
c. Weak.
السَّبعة وثلاثونالجذر: س ب ع

مثال: نَجَحَ السَّبعة وثلاثون طالبًا الَّذين تقدّموا للامتحانالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لتعريف الجزء الأول فقط من العدد المعطوف، وهذا مخالف للقاعدة.

الصواب والرتبة: -نجح السبعة والثلاثون طالبًا الذين تقدّموا للامتحان [فصيحة] التعليق: إذا كان العدد معطوفًا، فالقاعدة دخول «أل» على المعطوف والمعطوف عليه لتعريفهما معًا.
مِئَتَين وثلاثة شابًّاالجذر: ش ب ب

مثال: وَزَّعت الأوراق على مئتين وثلاثة شابًّاالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لمجيء التمييز مفردًا بعد العدد «ثلاثة».

الصواب والرتبة: -وزَّعت الأوراق على ثلاثة ومئتي شابّ [فصيحة]-وزَّعت الأوراق على مئتين وثلاثة شبان [فصيحة] التعليق: تمييز الأعداد من (3 - 10) يكون جمعًا مجرورًا على الإضافة، فالصواب في المثال: «شُبَّان» إذا أردنا تمييز الثلاثة، و «شاب» إذا أردنا تمييز المئة.
(وَثَلَ)الْوَاوُ وَالثَّاءُ وَاللَّامُ كَلِمَةٌ. يَقُولُونَ: الْوَثِيلُ: اللِّيفُ أَوِْ رِشَاءٌ يُتَّخَذُ مِنْهُ.

أبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري سكن المدينة ومات سنة أربع وثلاثين

معجم الصحابة للبغوي

أبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري
سكن المدينة ومات سنة أربع وثلاثين وصلى عليه عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو ابن سبعين سنة.
حدثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه نا ابن أبي أويس قال: ثني أبي في حديثه عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة اسم أبي طلحة: زيد بن سهل بن الأسود.
قال ابن زنجويه: وسمعت بكر بن بكار يقول: أبو طلحة زيد بن سهل.
حدثني هارون بن موسى الفروي نا ابن فليح عن موسى بن عقبة عن الزهري ح.
حدثني سعيد بن يحيى الأموي نا أبي نا ابن إسحاق قالا فيمن شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو طلحة زيد بن سهل.
زاد ابن إسحاق: ابن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي

صهيب بن سنان أبو يحيى مات سنة ثمان وثلاثين وكان يسكن المدينة

معجم الصحابة للبغوي

صهيب بن سنان أبو يحيى
مات سنة ثمان وثلاثين وكان يسكن المدينة وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث.
حدثني عمي علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد: صهيب بن سنان بن مالك من بني أوس بن مناة من اليمن كان أصله سبي بالروم ووافوا به الموسم واشتراه عبد الله بن جدعان القرشي فأعتقه.
وأم صهيب سلمى بنت قعيد من بني عمرو بن تميم وقد كان استعمل أباه سنان بن مالك على [الأبلة].
قال أبو القاسم: ورأيت في " كتاب محمد بن عمر ": صهيب رجل

وعبد الله بن قيس بن خلدة زاد ابن إسحاق: ابن الحارث بن سواد بن غنم. وعبد الله بن كعب بن عمرو بن مبذول قال ابن إسحاق: بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار. وفي كتاب محمد بن سعد: عبد الله بن كعب بن عاصم من بني مازن ابن النجار وكان على خمس النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر ويكنى أبا الحارث ومات بالمدينة سنة ثلاث وثلاثين

معجم الصحابة للبغوي

وعبد الله بن قيس بن خلدة
زاد ابن إسحاق: ابن الحارث بن سواد بن غنم.
وعبد الله بن كعب بن عمرو بن مبذول
قال ابن إسحاق: بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار.
وفي كتاب محمد بن سعد:
عبد الله بن كعب بن عاصم
من بني مازن ابن النجار وكان على خمس النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر ويكنى أبا الحارث ومات بالمدينة سنة ثلاث وثلاثين وصلى عليه عثمان.
قال:

‏<br> عبد الرحمن بن عبيد الله بن عثمان القرشي التيمي، أخو طلحة بن عبيد الله له صحبة. قتل يوم الجمل، وذلك في جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، وفيها قتل طلحة أخوه رضي الله تعالى عنهما.

الاستيعاب في معرفة الأصحاب

مطر وثلج لم يعهد مثله أهلك الزرع والحرث بدمشق.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

مطر وثلج لم يعهد مثله أهلك الزرع والحرث بدمشق.
745 رمضان - 1345 م
كثر سقوط الثلج بدمشق حتى خرج عن العادة، وأنفقوا على إزالته من الأسطحة ما ينيف على ثمانين ألف درهم، فإنه أقام يسقط أسبوعين، وفي هذه السنة تواتر سقوط البرد بأرض مصر، مع ريح سوداء، وشعث عظيم، وبرق ورعد سهول، ثم أعقب ذلك عام شديد الحر، بحيث تطاير منها شرر أحرق رءوس الأشجار، وزريعة الباذنجان وبعض الكتان، حتى اشتد خوف الناس، وضجوا إلى الله تعالى، وجاء مطر غزير، ثم برد فيه يبس لم يعهد مثله، فكانت أراضي النواحي تصبح بيضاء من كثرة الجليد، وهلك من شدة البرد جماعة من بلاد الصعيد وغيرها، وأمطرت السماء خمسة أيام متوالية حتى ارتفع الماء في مزارع القصب قدر ذراع، وعم ذلك أرض مصر قبليها وبحريها، ففسدت بالريح والمطر مواضع كثيرة، وقلت أسماك بحيرة نستراوة وبحيرة دمياط، والخلجان وبركة الفيل وغيرها، لموتها من البرد، فتلفت في هذه السنة بعامة أرض مصر وجميع بلاد الشام بالأمطار والثلوج والبرد، وهبوب السمائم وشدة البرد، من الزروع والأشجار، والبائهم والأنعام والدور، ما لا يدخل تحت حصر، مع ما ابتلي به أهل الشام من تجريد عساكرها وتسخير أهل الضياع وتسلط العربان والعشير، وقلة حرمة السلطنة مصراً وشاماً، وقطع الأرزاق وظلم الرعية.

-ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-ثُمَّ دخلت سَنَة إحدى وَثلاثِين
قَالَ أَبُو عبد الله الحاكم: أجمع مشايخنا على أنّ نيْسابُور فُتِحَتْ صُلْحًا، وكان فتْحُها في سنة إحدى وثلاثين، ثمّ روى بإسناده إلى مُصْعَب بن أبي الزهراء أن كنار صاحب نيْسَابور كتب إلى سعيد بْن العاص والي الكوفة، وإلى عبد الله بْن عامر والي البصرة، يدعوهما إلى خُراسان ويُخْبرهما أنّ مَرْو قد قتل أهلَهَا يَزْدَجِرْد، فندب سعيد بْن العاص الحَسَن بْن عليّ وعبد الله بْن الزُّبَيْر لها، فأتى ابن عامر دهقان، فَقَالَ: مَا تجعل لي إنْ سبقتُ بك؟ قَالَ: لك خراجُك وخراج أهل بيتك إلى يوم القيامة، فأخذ به على قُومِس، وأسرع إلى أنْ نزل على نيْسابور، فقاتل أهلها سبعة أشهرٍ ثمّ فتحها، فاستعمله عثمان عليها أيضًا، وكان ابنَ خالةِ عثمان، ويقال: تفل النّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في فيه وهو صغير.
وفيها قَالَ خليفة: أحرم عبد الله بْن عامر من نَيْسابور، واستخلف قيس بْن الهيثم وغيره على خُرَاسان، وقيل: إنّ ذلك كان في السنّة الماضية.
وفيها غزوة الأساود، فغزا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ من مصر في البحر، وسار فيه إلى ناحية مَصِّيصَة.
-سَنَة ثَلَاث وَثَلَاثيِن
فيها كانت غزوة قُبْرس - قاله ابن إسحاق وغيرُه - وغزوة إفريقية، وأمير النّاس عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ. قاله اللَّيْث.
وفيها قَالَ خليفة: جمع قارن جمعًا عظيمًا بباذَغِيس وهُرَاة، وأقبل في أربعين ألفًا فترك قيسُ بْن الهَيْثم البلاد وهرب، فقام بأمر المسلمين عبد الله بن خازم السُّلَميّ، وجمع أربعة آلاف مقاتل، والتقى هو وقارن، ونصره الله وقُتِل وسَبَى، وكتب إلى ابن عامر بالفتح، فاستعمله ابن عامر على خراسان، ثمّ وجَّه ابن عامر عبد الرحمن بْن سَمُرَة على سجستان، فصالحه صاحب زَرَنْج وبقي بها حتّى حُوصِر عثمان.
قَالَ خليفة: وفيها غزا معاوية ملطية وحصن المرأة من أرض الرُّوم.
قَالَ: وفيها غزا عبدُ الله بْن أبي سَرْح الحَبَشَة، فأصيبت فيها عينُ معاوية بنُ حُدَيْج.
-سَنَة أربَعٍ وَثلَاثِين
فيها وثب أهل الكوفة على أميرهم سعيد بْن العاص فأخرجوه، ورضوا بأبي موسى الأشعريّ، وكتبوا فيه إلى عثمان فولّاه عليهم، ثمّ إنّه بعد قليل ردّ إليهم على الإمْرة سعيد بْن العاص، فخرجوا ومنعوه.
وفيها كانت غزوة ذات الصَّواري في البحر من ناحية الإسكندرية، وأميرُها ابن أبي سَرح.
-سَنَة خَمسْ وَثَلَاثيْن
فيها غزوة ذي خُشُب وأمير المُسْلِمين عليها معاوية.
وفيها حجّ بالنّاس وأقام الموسمَ عبدُ الله بْن عباس.
-سَنَة ثَمانٍ وَثَلَاثِين.
فيها وجَّه مُعَاوِيَة من الشام عبد الله بن الحَضْرميّ فِي جيشٍ إِلَى البصرة ليأخذها، وبها زياد ابن أَبِيهِ من جهة عليّ، فنزل ابن الْحَضْرَمِيّ فِي بني تميم، وتحول زياد إِلَى الأزد، فنزل على صَبِرة بْن شَيْمان الحُدَّانيّ، وكتب إِلَى عليّ فوجّه عليّ أَعْيَنَ بْن ضُبَيْعَة المُجَاشِعِيّ، فقتل أعْين غِيلةً على فراشه. فندب عليّ جارية بْن قُدامة السَّعْدِيّ، فحاصر ابن الْحَضْرَمِيّ فِي الدّار التي هُوَ فيها، ثُمَّ حرق عليه.
-سَنَة تِسْعٍ وَثلَاثيْن.
فيها كَانَتْ وقعة الخوارج بحروراء بالنخيلة، قاتلهم علي - رضي الله عنه - فكسرهم، وقُتِل رؤوسهم وسجد شكرًا لله تعالى لمّا أُتي بالمخدَّج إليه مقتولًا، وكان رؤوس الخوارج زَيْدُ بْن حصن الطائي، وشُرَيْح بْن أوْفَى العبسيّ، وكانا على المُجَنَّبَتَيْن، وكان رأسهم عبد الله بن وهب السبئي، وكان على رَجَّالتهم حُرْقُوص بْن زهير.
وفيها بعث مُعَاوِيَة يزيد بْن شجرة الرَّهاوِيّ ليقيم الحجّ، فنازَعَهُ قُثَمُ بْن الْعَبَّاس ومَانَعه، وكان من جهة عليّ، فتوسّط بينهما أَبُو سَعِيد الخدري وغيره، فاصطلحا، على أن يقيم الموسم شَيْبَة بْن عُثْمَان العَبْدَرِيّ حاجب الكَعبة.
وقيل تُوُفيّ فيها أمُّ المؤمنين، ميمونة، وحسان بْن ثابت الْأَنْصَارِيّ، وسيأتيان.
وكان عليّ قد تجهّز يريد مُعَاوِيَة، فردّ من عانات، واشتغل بحرب الخوارج الحَرُوريّة، وهمّ العُبّاد والقُرّاء من أصحاب عليّ الذين مَرَقُوا من الْإِسْلَام، وأوقعهم الغُلُوّ فِي الدين إِلَى تكفير العُصاة بالذُّنوب، وإلى قُتِلَ النساء والرجال، إلّا من اعترف لهم بالكفر وجدد إسلامه.
ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن أبي الموالي، عَنْ عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد بْن عُقَيْل، سمع مُحَمَّد ابن الحنَفية يقول: كان أبي يريد الشام، فجعل يعقد لواءه، ثُمَّ يحلف لَا يحلّه حَتَّى يسير، فيأبَى عليه النّاس، وينتشر عليه رأيهُم، ويَجْبُنون فيحله ويكفّر عن يمينه، فعل ذلك أربع مرّات، وكنت أرى حالهم فأرى ما لا يسرني. فكلمت المسور بن مخرمة يومئذ، وَقُلْتُ: ألا تكلمه أَيْنَ يسير بقوم لَا والله مَا أرى عندهم طائلًا. قَالَ: يا أَبَا القاسم يسير الأمر قد حُمّ، قد كلَّمْتُهُ فرأيته يأبى إلّا المسير. قَالَ ابن الحَنَفّية: فلمّا رَأَى منهم مَا رَأَى قَالَ: اللهم إني قد مللتهم وملوني، وأبغضتهم وأبغضوني، فأبدلني خيرا منهم، وأبدلهم بي شرا مني.

-سنة اثنتين وثلاثين ومائة.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاثِينَ وَمِائَةٍ.
تُوُفِّيَ فِيهَا خَلْقٌ، مِنْهُمْ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أُمَيَّةُ بْنُ يَزِيدَ، أَعْيَنُ بْنُ لَيْثٍ جَدُّ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، خَالِدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ، رَبَاحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيُّ، زِيَادُ بن سلم بن زياد ابن أَبِيهِ، سَالِمٌ الأَفْطَسُ بْنُ عَجْلانَ، سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، سُلَيْمَانُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ الْمَدَنِيُّ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ الْيَمَانِيُّ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خَثْيَمٍ الْمَكِّيُّ، عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الْمِصْرِيُّ، عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ الْكَلاعِيُّ، عَطَاءُ بْنُ قُرَّةَ السَّلُولِيُّ، عَطَاءُ السُّلَيْمِيُّ الْعَابِدُ، عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الزُّهْرِيُّ، قُحْطُبَةُ بْنُ شَبِيبٍ الأَمِيرُ، مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حزم، مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأُمَوِيُّ الْخَلِيفَةُ، مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ عَالِمُ الْكُوفَةِ، يَزِيدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ الأَمِيرُ، يَزِيدُ بْنُ الْقَعْقَاعِ أَبُو جَعْفَرٍ في قول، يونس بن ميسرة بن حلبس.
وَفِيهَا زَالَتْ دَوْلَةُ بَنِي أُمَيَّةَ، فَفِي الْمُحَرَّمِ بَلَغَ ابْنَ هُبَيْرَةَ أَنَّ قُحْطُبَةَ تَوَجَّهَ نَحْوَ الْمَوْصِلِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَا بَالُ الْقَوْمِ تَنَكَّبُونَا؟! قَالُوا: يُرِيدُونَ الْكُوفَةَ، فَتَرَحَّلَ ابْنُ هُبَيْرَةَ نَحْوَ الْكُوفَةِ وَكَذَلِكَ فعَلَ قُحْطُبَةُ، فَعَبَرَ الْفُرَاتَ فِي سبع مائة فَارِسٍ، وَتَتَامَّ إِلَى ابْنِ هُبَيْرَةَ نَحْوَ ذَلِكَ، فَتَوَاقَعُوا فَجَاءَتْ قُحْطُبَةَ طَعْنَةٌ، فَوَقَعَ فِي الْفُرَاتِ فَهَلَكَ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ قَوْمُهُ، وَانْهَزَمَ أَيْضًا أَصْحَابُ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَغَرِقَ خَلْقٌ مِنْهُمْ فِي المخائض وذهبت أثقالهم، فقال بيهس بن حبيب: تجمع النَّاسَ بَعْدَ أَنْ جَاوَزْنَا الْفُرَاتَ، فَنَادَى مُنَادٍ: مَنْ أَرَادَ الشَّامَ فَهَلُمَّ، فَذَهَبَ مَعَهُ عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ، وَنَادَى آخَرُ: مَنْ أَرَادَ الْجَزِيرَةَ، فَتَبِعَهُ خَلْقٌ، وَنَادَى آخَرُ: مَنْ أَرَادَ الْكُوفَةَ، فَذَهَبَ كُلُّ جُنْدٍ إِلَى نَاحِيَةٍ، فَقُلْتُ: مَنْ أَرَادَ وَاسِطَ فَهَلُمَّ، فَأَصْبَحْنَا مَعَ ابْنِ هُبَيْرَةَ بقناطر المسيب ودخلنا واسطاً يَوْمَ عَاشُورَاءِ، وَأَصْبَحَ الْمُسَوِّدَةُ قَدْ فَقَدُوا قَائِدَهُمْ قُحْطُبَةُ، ثُمَّ اسْتَخْرَجُوهُ مِنَ الْمَاءِ فَدَفَنُوهُ، وَأَمَّرُوا عَلَيْهِمُ ابْنُهُ الْحَسَنُ فَقَصَدَ بِهِمُ الْكُوفَةَ، فَدَخَلُوهَا يَوْمَ عَاشُورَاءَ أَيْضًا وَهَرَبَ مُتَوَلِّيهَا زِيَادُ بْنُ صَالِحٍ إِلَى وَاسِطَ. -[586]-
وَقُتِلَ لَيْلَةَ الْفُرَاتِ صَاحِبُ شُرْطَةِ ابْنِ هُبَيْرَةَ زِيَادُ بْنُ سُوَيْدٍ الْمُرِّيُّ، وَكَاتِبُهُ عَاصِمٌ مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ.
وَأَمَّا ابْنُ قُحْطُبَةَ فَاسْتَعْمَلَ عَلَى الكوفة أبا سلمة الخلال، ثم قصد واسطا فَنَازَلَهَا وَخَنْدَقَ عَلَى جَيْشِهِ فَعَبَّأَ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَسَاكِرَهُ فَالْتَقَوْا فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، وَتَحَصَّنُوا بِوَاسِطَ، وَقُتِلَ فِي الْوَقْعَةِ يَزِيدُ أَخُو الْحَسَنِ بْنِ قُحْطُبَةَ، وَحَكِيمُ بْنُ الْمُسَيَّبِ الْجَدَلِيُّ.
وَفِي الْمُحَرَّمِ، وَثَبَ أَبُو مُسْلِمٍ صَاحِبُ الدَّعْوَةِ عَلَى ابْنِ الْكَرْمَانِيِّ، فَقَتَلَهُ بِنَيْسَابُورَ وَجَلَسَ فِي دَسْتِ الْمَلِكِ، وَبُويِعَ وَصَلَّى وَخَطَبَ لِلسَّفَّاحِ، وَصَفَتْ لَهُ خُرَاسَانَ.

-بَيْعَةُ السَّفَّاحِ
فِي ثَالِثِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، بُويِعَ أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ السَّفَّاحُ أَوَّلُ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ بِالْكُوفَةِ فِي دَارِ مَوْلاهُمُ الْوَلِيدِ بْنِ سَعْدٍ.
وَأَمَّا مَرْوَانُ الْحِمَارُ خَلِيفَةُ الْوَقْتِ فَسَارَ فِي مِائَةِ أَلْفٍ حَتَّى نَزَلَ الزَّابِينَ دُونَ الْمَوْصِلِ، فَجَهَّزَ السَّفَّاحُ عَمَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ فِي جَيْشٍ فَالْتَقَى الْجَمْعَانِ عَلَى كُشَافٍ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ، فَانْكَسَرَ مَرْوَانُ وَتَقَهْقَرَ إِلَى الْجَزِيرَةِ وَقَطَعَ وَرَاءَهُ الْجِسْرَ وَقَصَدَ الشَّامَ لِيَتَقَوَّى وَيَلْتَقِي، وَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الْجَزِيرَةَ فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مُوسَى بْنُ كَعْبٍ التَّمِيمِيُّ، ثُمَّ طَلَبَ الشَّامَ مُجِدًّا، وَأَمَدَّهُ السَّفَّاحُ بِصَالِحِ بْنِ عَلِيٍّ، وَهُوَ عَمُّهُ الآخَرُ، فَسَارَ عَبْدُ اللَّهِ حَتَّى نَازَلَ دِمَشْقَ وَفَرَّ مَرْوَانُ إِلَى غَزَّةَ، فَحُوصِرَتْ دِمَشْقُ مُدَّةً وَأُخِذَتْ فِي رَمَضَانَ وَقُتِلَ بِهَا خَلْقٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَمِنْ جُنْدِهِمْ، فَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، فَلَمَّا بَلَغَ مَرْوَانَ ذَلِكَ هَرَبَ إِلَى مِصْرَ، ثُمَّ قُتِلَ فِي آخِرِ السَّنَةِ، وَهَرَبَ ابْنَاهُ عَبْدُ الله وعبيد الله حتى دخلا أَرْضَ النُّوبَةِ، وَكَانَ مَرْوَانُ قَدِ اسْتَعْمَلَ عَلَى مِصْرَ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ بْنِ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ اللَّخْمِيَّ، مَوْلاهُمْ، فَأَحْسَنَ السِّيرَةَ، وَسَارَ عَمُّ السَّفَّاحِ صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ، فَافْتَتَحَ مِصْرَ، وَظَفَرَ بِعَبْدِ الْمَلِكِ وَبِأَخِيه مُعَاوِيَةَ، فَعَفَا عَنْهُمَا، وَقَتَلَ الأَمِيرُ حَوْثَرَةُ بْنُ سُهَيْلٍ، فَيُقَالُ: طَبَخُوهُ طَبْخًا، وَكَانَ قَدْ وَلِيَ مِصْرَ مُدَّةً، -[587]- وَقُتِلَ حَسَّانُ بْنُ عَتَاهِيَةَ وَصُلِبَ سَنَةً.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: كَانَ بَدْءُ أَمْرِ بَنِي الْعَبَّاسِ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ أَعْلَمَ الْعَبَّاسَ عمه أن الخلافة تؤول إِلَى وَلَدِهِ، فَلَمْ يَزَلْ وَلَدُهُ يَتَوَقَّعُونَ ذَلِكَ.
وَعَنْ رِشْدِينَ بْنِ كُرَيْبٍ أَنَّ أَبَا هَاشِمٍ عبد الله بن محمد ابن الْحَنَفِيَّةِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، فَلَقِيَ مُحَمَّدَ بْنَ عبد الله بن عباس، فقال: يا ابن عَمِّ، إِنَّ عِنْدِي عِلْمًا أُرِيدُ أَنْ أَنْبُذَهُ إِلَيْكَ فَلا تُطْلِعَنَّ عَلَيْهِ أَحَدًا، إِنَّ هَذَا الأَمْرَ الَّذِي يَرْتَجِيهِ النَّاسُ فِيكُمْ، قَالَ: قَدْ عَلِمْتُهُ فَلا يَسْمَعَنَّهُ مِنْكَ أَحَدٌ.
وَرَوَى الْمَدَائِنِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ أَنَّ الإِمَامَ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللّهِ قَالَ: لَنَا ثَلاثَةُ أَوْقَاتٍ: مَوْتُ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوُيَةَ، وَرَأْسُ الْمِائَةِ، وَفَتْقٌ بِأَفْرِيقِيَّةَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَدْعُو لَنَا دُعَاةٌ، ثُمَّ تقبل أَنْصَارُنَا مِنَ الْمَشْرِقِ حَتَّى تَرِدَ خُيُولُهُمُ الْمَغْرِبَ، فَلَمَّا قُتِلَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ بِأَفْرِيقِيَّةَ وَنَقَضَتِ الْبَرْبَرُ بَعَثَ مُحَمَّدٌ الإِمَامُ رَجُلا إِلَى خُرَاسَانَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى الرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلا يُسَمِّي أَحَدًا، ثُمَّ وَجَّهَ أَبَا مُسْلِمٍ وَغَيْرَهُ، وَكَتَبَ إِلَى النُّقَبَاءِ فَقَبِلُوا كُتُبَهُ، ثُمَّ وَقَعَ فِي يَدِ مَرْوَانَ الْحِمَارِ كِتَابٌ مِنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الإِمَامِ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ جَوَابُ كِتَابٍ يَأْمُرُهُ بِقَتْلِ كُلِّ مَنْ تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ بِخُرَاسَانَ، فَقَبَضَ مَرْوَانُ عَلى إِبْرَاهِيمَ، وَقَدْ كَانَ مَرْوَانُ وُصِفَ لَهُ صِفَةُ السَّفَّاحِ الَّتِي كَانَ يَجِدَهَا فِي الْكُتُبِ، فَلَمَّا جِيءَ بِإِبْرَاهِيمَ قَالَ: لَيْسَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ الَّتِي وَجَدْتَ، ثُمَّ رَدَّهُمْ فِي طَلَبِ الْمَوْصُوفِ لَهُ فَإِذَا بِالسَّفَّاحِ وَاخْوَتِهِ وَعُمُومَتِهِ قَدْ هَرَبُوا إِلَى الْعِرَاقِ وَأَخْفَتْهُمْ شِيعَتُهُمْ، فَيُقَالُ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ قَدْ نَعَى إِلَيْهِمْ نَفْسَهُ وَأَمَرَهُمْ بِالْهَرَبِ، وَكَانُوا بِالْحُمَيِّمَةِ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ، فَلَمَّا قَدِمُوا الْكُوفَةِ أَنْزَلَهُمْ أَبُو سَلَمَةَ الْخَلالُ دار -[588]- الْوَلِيدِ بْنِ سَعْدٍ فَبَلَغَ الْخَبَرُ أَبَا الْجَهْمِ فَاجْتَمَعَ بِمُوسَى بْنِ كَعْبٍ، وَعَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ رِبْعِيٍّ، وَسَلَمَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ سَلَمَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ الطَّائِيِّ، وَإِسْحَاقَ بْن إِبْرَاهِيمَ، وَشَرَاحِيلَ، وَابْنَ بَسَّامٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ كِبَارِ شِيعَتِهِمْ فَدَخَلُوا عَلَى آلِ الْعَبَّاسِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بن محمد ابن الْحَارِثِيَّةِ؟ فَأَشَارُوا إِلَى السَّفَّاحِ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ بِالْخِلافَةِ، ثم خرج السفاح يوم الجمعة عَلَى بِرْذَوْنٍ أَبْلَقَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ بِالْكُوفَةِ فَذُكِرَ أَنَّهُ لَمَّا صَعِدَ الْمِنْبَرِ وَبُويِعَ قَامَ عَمُّهُ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ دُونَهُ.
فَقَالَ السَّفَّاحُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اصْطَفَى الإِسْلامَ لِنَفْسِهِ فَكَرَّمَهُ وَشَرَّفَهُ وَعَظَّمَهُ وَاخْتَارَهُ لَنَا، وَأَيَّدَهُ بِنَا وَجَعَلَنَا أَهْلَهُ وَكَهْفَهُ وَحِصْنَهُ وَالْقُوَّامَ بِهِ وَالذَّابِيِّنَ عَنْهُ، ثُمَّ ذَكَرَ قَرَابَتَهُمْ فِي آيَاتِ الْقُرْآنِ إِلَى أَنْ قَالَ: فَلَمَّا قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ قَامَ بِالأَمْرِ أَصْحَابَهُ إِلَى أَنْ وَثَبَتْ بَنُو حَرْبٍ وَمَرْوَانُ، فَجَارُوا وَاسْتَأْثَرُوا فَأَمْلَى اللَّهُ لَهُمْ حِينًا حَتَّى آسَفُوهُ فَانْتَقَمَ مِنْهُمْ بِأَيْدِينَا وَرَدَّ عَلَيْنَا حَقَّنَا لِيُمِنَّ بِنَا عَلَى الَّذِينَ استُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَخَتَمَ بِنَا كَمَا افْتَتَحَ بِنَا وَمَا تَوْفِيقُنَا أَهْلِ الْبَيْتِ إِلا بِاللَّهِ، يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، أنتم محل محبتنا ومنزل مودتنا لم تفتروا عن ذلك ولم يثنكم عَنْهُ تَحَامُلُ أَهْلِ الْجَوْرِ فَأَنْتُمْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِنَا وَأَكْرَمَهُمْ عَلَيْنَا وَقَدْ زِدْتُ فِي أَعْطِيَاتِكُمْ مائة مائة، فاستعدوا فأنا السفاح المبيح وَالثَّائِرُ الْمُبِيرُ، وَكَانَ مَوْعُوكًا فَجَلَسَ.
وَخَطَبَ دَاوُدُ فَأَبْلَغَ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَصَرَهُ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا إِنَّمَا عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ بَعْدَ الصَّلاةِ؛ لِأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَخْلِطَ بِكَلامِ الْجُمُعَةِ غَيْرُهُ وَإِنَّمَا قَطَعَهُ عَنِ اسْتِتْمَامِ الْكَلامِ شِدَّةُ الْوَعْكِ فَادْعُوا لَهُ بِالْعَافِيَةِ، فَقَدْ أَبْدَلَكُمُ اللَّهُ بِمَرْوَانَ عَدُوِّ الرَّحْمَنِ وَخَلِيفَةِ الشَّيْطَانِ الْمُتَّبِعِ لِسَلَفِهِ الْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ الشَّابَّ الْمُكْتَهِلَ، فَعَجَّ النَّاسُ لَهُ بِالدُّعَاءِ.
وَكَانَ عِيسَى بْنُ مُوسَى إِذَا ذُكِرَ خُرُوجُهُمْ مِنَ الْحُمَيِّمَةَ يُرِيدُونَ الْكُوفَةَ، قَالَ: إِنَّ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلا خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ يَطْلُبُونَ مَا طَلَبْنَا لَعَظِيمَةٌ هِمَّتُهُمْ شَدِيدَةٌ قُلُوبُهُمْ.
وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ فَإِنَّ مَرْوَانَ قَتَلَهُ غِيلَةً، وَقِيلَ: بَلْ مَاتَ بِالسِّجْنِ بِحَرَّانَ مِنْ طَاعُونٍ، وَكَانَ قَدْ وَقَعَ بِحَرَّانَ وَبَاءٌ عَظِيمٌ، وَهَلَكَ فِي السِّجْنِ -[589]- أَيْضًا: الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عبد الْمَلِكِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِيمَا قِيلَ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَفِيهَا تَوَجَّهَ أَبُو عَوْنٍ الأَزْدِيُّ إِلَى شَهْرِزَوْرَ لِقِتَالِ عَسْكَرِ مَرْوَانَ فَالْتَقَوْا، وَقُتِلَ أَمِيرُ الْمَرْوَانِيَّةِ عُثْمَانُ بْنُ سُفْيَانَ، وَاسْتَوْلَى أَبُو عَوْنٍ عَلَى نَاحِيَةِ الْمَوْصِلِ قَبْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ، فَلَمَّا جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ جَهَّزَ خَمْسَةَ آلافٍ عَلَيْهِمْ عُيَيْنَةُ بْنُ مُوسَى، فَخَاضُوا الِزَابَ وَحَارَبُوا الْمَرْوَانِيَّةَ حَتَّى حَجَزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ، ثُمَّ جَهَّزَ عَبْدُ اللَّهِ مِنَ الْغَدِ أَرْبَعَةَ آلافٍ عَلَيْهِمْ مُخَارِقُ بْنُ عَفَّارٍ فَالْتَقَوْا، فَقُتِلَ مُخَارِقٌ، وَقِيلَ: أُسِرَ، فَبَادَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ وَعَبَّأَ جَيْشَهُ، وَكَانَ يَوْمَئِذٍ عَلَى مَيْمَنَتِهِ أَبُو عَوْنٍ الأَزْدِيُّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ الْوَلِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، فَالْتَقَاهُ مَرْوَانُ وَاشْتَدَّ الْحَرْبُ، ثُمَّ تَخَاذَلَ عَسْكَرُ مَرْوَانَ وَانْهَزَمُوا، فَانْهَزَمَ مَرْوَانُ وَقَطَعَ وَرَاءَهُ الْجِسْرَ، فَكَانَ مَنْ غَرِقَ يَوْمَئِذٍ أَكْثَرُ مِمَّنْ قُتِلَ، فَغَرِقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ الْمَخْلُوعُ، وَاسْتَوْلَى عَبْدُ اللَّهِ عَلَى أَثْقَالِهِمْ وَمَا حَوَتْ، فَوَصَلَ مَرْوَانُ إِلَى حَرَّانَ، فَأَقَامَ بِهَا عِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ دَهَمَتْهُ الْمُسَوِّدَةُ فَانْهَزَمَ، وَخَلَفَ بِحَرَّانَ ابْنَ أُخْتِهِ أَبَانَ بْنَ يَزِيدَ، فَلَمَّا أَظَلَّهُ عَبْدُ اللَّهِ خَرَجَ أَبَانُ مُسَوِّدًا مُبَايِعًا لِعَبْدِ اللَّهِ فَأَمَّنَهُ، فَلَمَّا مَرَّ مَرْوَانُ بِحِمْصَ اعْتَرَضَهُ أَهْلَهَا فَحَارَبُوهُ، وَكَانَ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْهُ فَكَسَرَهُمْ، ثُمَّ مَرَّ بِدِمَشْقَ وَبِهَا مُتَوَلِّيهَا زَوْجُ بِنْتِهِ الْوَلِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فَانْهَزَمَ وَخَلَفَ بِدِمَشْقَ زَوْجُ بِنْتِهِ لِيَحْفَظَهَا، فَنَازَلَهَا عَبْدُ اللَّهِ وَافْتَتَحَهَا عَنْوَةً بِالسَّيْفِ وَهَدَمَ سُورَهَا وَقُتِلَ أَمِيرَهَا فِيمَنْ قُتِلَ، وَتَبِعَ عَسْكَرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ مَرْوَانَ بْنَ مُحَمَّدٍ إِلَى أَنْ بَيَّتُوهُ بِقَرْيَةِ بُوصَيْرَ مِنْ عَمَلِ مِصْرَ، فَقُتِلَ وَهَرَبَ وَلَدَاهُ، وَحَلَّ بِالْمَرْوَانِيَّةِ مِنَ الْبَلاءِ مَا لا يُوصَفُ.
وَيُقَالُ: كَانَ جَيْشُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ لَمَّا الْتَقَى مَرْوَانَ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَقِيلَ: اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَافْتَتَحَ دِمَشْقَ فِي عَاشِرِ رَمَضَانَ، صَعِدَ الْمُسَوِّدَةُ سُورَهَا وَدَامَ الْقَتْلُ بِهَا ثَلاثَ سَاعَاتٍ، فَيُقَالُ: قُتِلَ بِهَا خَمْسُونَ أَلْفًا.
وَذَكَر ابْنُ عَسَاكِرٍ فِي تَرْجَمَةِ الطُّفَيْلِ بْنِ حَارِثَةِ الْكَلْبِيِّ أَحَدِ الأَشْرَافِ: أَنَّهُ شَهِدَ حِصَارَ دِمَشْقَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ فَحَاصَرَهَا شَهْرَيْنِ وَبِهَا يَوْمَئِذٍ الْوَلِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي خَمْسِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ فَوَقَعَ الْخَلَفُ بَيْنَهُمْ، -[590]- ثُمَّ إِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْكُوفِيِّينَ تَسَوَّرُوا بُرْجًا وَافْتَتَحُوهَا عَنْوَةً فَأَبَاحَهَا عَبْدُ اللَّهِ ثَلاثَ سَاعَاتٍ لا يَرْفَعُ عَنْهُمُ السَّيْفَ، وَقِيلَ: إِنَّ الْوَلِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ قَتَلَهُ أَصْحَابُهُ لَمَّا اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمَّنَ عَبْدُ اللَّهِ النَّاسَ كُلَّهُمْ وَأَمَرَ بِقَلْعِ حِجَارَةِ السُّورِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْمَدَائِنِيِّ.
وقال محمد بن الفيض الغساني: حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، قال: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ: لَمَّا نَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ وَحَصَرَ دِمَشْقَ اسْتَغَاثَ النَّاسُ بِيَحْيَى بْنِ يَحْيَى الْغَسَّانِيِّ، فَسَأَلَهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَنْ يَخْرُجَ وَيَطْلُبَ الأَمَانَ، فَخَرَجَ فَأُجِيبَ فَاضْطَرَبَ بِذَلِكَ الصَّوْتِ حَتَّى دَخَلَ الْبَلَدَ، وَقَالَ النَّاسُ: الأَمَانَ الأَمَانَ فَخَرَجَ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْبَلَدِ خَلْقٌ وَأَصْعَدُوا إِلَيْهِمُ الْمُسَوِّدَةَ، فَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ: اكْتُبْ لَنَا بِالأَمَانِ كِتَابًا، فَدَعَا بِدَوَاةٍ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا السُّورُ قَدْ رَكِبَتْهُ الْمُسَوِّدَةُ، فَقَالَ: نَحِّ الْقِرْطَاسَ، فَقَدْ دَخَلْنَا قَسْرًا، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: لا وَاللَّهِ وَلَكِنْ غَدْرًا لِأَنَّكَ أَمَّنْتَنَا فَإِنْ كَانَ كَمَا تَقُولُ فَارْدُدْ رِجَالَكَ عَنَّا وَرُدَّنَا إِلَى بَلَدِنَا، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْلا مَا أَعْرِفُ مِنْ مَوَدَّتِكَ إِيَّانَا أَهْلَ الْبَيْتِ، وَهَدَّدَهُ، وَقَالَ: أَتَسْتَقْبِلُنِي بِهَذَا؟! فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَكَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ الرَّحْمَةِ وَالْحَقِّ، وَأَخَذَ يُلاطِفُهُ، فَقَالَ: تَنَحَّ عَنِّي، ثُمَّ نَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ وَقَالَ: يَا غُلامُ اذْهَبْ بِهِ إِلَى حُجَرِي تَخَوُّفًا عَلَيْهِ لِمَكَانِ ثِيَابِهِ الْبِيضِ، وَقَدْ سَوَّدَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، ثُمَّ حَمَى لَهُ دَارَهُ فَسَلِمَ فِيهَا خَلْقٌ، وَقُتِلَ بِالْبَلَدِ خَلْقٌ لَكِنْ غَالِبَهُمْ مِنْ جُنْدِ الأُمَوِيِّينَ وَأَتْبَاعِهِمْ.
ثُمَّ سَارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى فِلَسْطِينَ، وَجَهَّزَ أَخَاهُ صَالِحًا لِيَفْتَتِحَ مِصْرَ، وَسَيَّرَ مَعَهُ أَبَا عَوْنٍ الأَزْدِيَّ، وَعَامِرَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْحَارِثِيَّ، وَابْنَ قَنَانٍ، فَسَارُوا عَلَى السَّاحِلِ، فَافْتَتَحُوا الإِقْلِيمَ، وَوَلِيَ إِمْرَةَ مِصْرَ أَبُو عَوْنٍ.
وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ فَإِنَّهُ نَزَلَ عَلَى نَهْرِ أَبِي فُطْرُسٍ وَقَتَلَ هُنَاكَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ خَاصَّةً اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ نَفْسًا صَبْرًا، وَلَمَّا رَأَى النَّاسُ جُورَ الْمُسَوِّدَةِ وَجَبَرُوتَهُمْ كَرِهُوهُمْ فَثَارَ الأَمِيرُ أَبُو الْوَرْدِ مَجْزَأَةُ بْنُ كَوْثَرٍ الْكِلابِيُّ أَحَدُ الأَبْطَالِ بِقَنَّسْرِينَ وَبَيَّضَ، وَبَيَّضَ مَعَهُ أَهْلُ قِنَّسْرِينَ كُلُّهُمْ، وَاشْتَغَلَ عَنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ بِحَرْبِ حَبِيبِ بْنِ مُرَّةَ الْمُرِّيُّ بِالْبَلْقَاءِ وَالثَنِيَّةِ وَتَمَّ لَهُ مَعَهُ -[591]- وَقَعَاتٌ، ثُمَّ هَادَنَهُ عَبْدُ اللَّهِ وَتَوَجَّهَ نَحْوَ قنسرين وَخَلَفَ بِدِمَشْقَ أَبَا غَانِمٍ عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ رِبْعِيٍّ الطَّائِيَّ فِي أَرْبَعَةِ آلافِ فَارِسٍ، وَسَارَ فَمَا بَلَغَ حِمْصَ حَتَّى انْتَقَضَ عَلَيْهِ أَهْلُ دِمَشْقَ وَبَيَّضُوا وَنَبَذُوا السَّوَادَ، وَكَانَ رَأْسُهُمُ الأَمِيرُ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى بْنِ سُرَاقَةَ الأَزْدِيُّ، فَهَزَمُوا أَبَا غَانِمٍ وَأَثْخَنُوا فِي أَصْحَابِهِ، وَأَقْبَلَتْ جُمُوعُ الْحَلَبِيِّينَ وَانْضَمَّ إِلَيْهِمُ الْحِمْصِيُّونَ وَأَهْلُ تَدْمُرَ، وَعَلَيْهِمْ كُلُّهُمْ أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ السُّفْيَانِيُّ، وَصَارَ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَأَبُو الْوَرْدِ كَالْوَزِيرِ لَهُ، فَجَهَّزَ عَبْدُ اللَّهِ لِحَرْبِهِمْ أَخَاهُ عَبْدَ الصَّمَدِ بْنَ عَلِيٍّ فِي عَشَرَةِ آلافٍ، فَالْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاسْتَمَرَّ الْقَتْلُ بِالْفَرِيقَيْنِ، وَانْكَشَفَ عَبْدُ الصَّمَدِ، وَذَهَبَ تَحْتَ السَّيْفِ مِنْ جَيْشِهِ أُلُوفٌ، وَانْتَصَرَ السُّفْيَانِيُّ، فَقَصَدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَعَهُ حُمَيْدُ بْنُ قُحْطُبَةَ فَالْتَقَوْا، وَعَظُمَ الْخَطْبُ وَاسْتَظْهَرَ عَبْدُ اللَّهِ فَثَبَتَ أبو الورد في خمس مائة، فَرَاحُوا تَحْتَ السَّيْفِ كُلُّهُمْ، وَهَرَبَ السُّفْيَانِيُّ إِلَى تَدْمُرَ، وَرَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى دِمَشْقَ وَقَدْ عَظُمَتْ هَيْبَتُهُ، فَتَفَرَّقَتْ كَلِمَةُ أَهْلِهَا وَهَرَبُوا فَآمَّنَهُمْ وَعَفَا عَنْهُمْ، وَهَرَبَ السُّفْيَانِيُّ إِلَى الْحِجَازِ وَأَضْمَرَتْهُ الْبِلادُ إِلَى أَنْ قُتِلَ فِي دَوْلَةِ الْمَنْصُورِ، بَعَثَ إِلَيْهِ مُتَوَلِّي الْمَدِينَةِ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيُّ خَيْلا فَظَفِرُوا بِهِ وَقَتَلُوهُ وَأَسَرُوا وَلَدَيْهِ فَعَفَا عَنْهُمَا الْمَنْصُورُ وَخَلاهُمَا.
وَلَمَّا بَلَغَ أَهْلَ الْجَزِيرَةِ هَيْجُ أَهْلِ الشَّامِ خَلَعُوا السَّفَّاحَ أيضاً وبيضوا وبيض أهل قرقيسياء، فَسَارَ لِحَرْبِهِمْ أَبُو جَعْفَرٍ أَخُو السَّفَّاحِ فَجَرَتْ لَهُمْ وَقَعَاتٌ، ثُمَّ انْتَصَرَ أَبُو جَعْفَرٍ وَحَكَمَ عَلَى الْجَزِيرَةِ وَأَذْرَبِيجَانَ وَأَرْمِينِيَّةَ، وَضَبَطَ تِلْكَ النَّاحِيَةَ إلى أن انتهت إليه الخلافة، ثم شخص أَبُو جَعْفَرٍ لَمَّا مَهَّدَ ذَلِكَ الْقُطْرَ إِلَى خُرَاسَانَ إِلَى صَاحِبِ الدَّوْلَةِ أَبِي مُسْلِمٍ لِيَأْخُذَ رَأْيَهُ فِي قَتْلِ وَزِيرِ دَوْلَتِهِمْ أَبِي سَلَمَةَ حَفْصِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْخَلالِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا نزل عنده آل العباس بالكوفة وحدثته نَفْسُهُ فِيمَا قِيلَ أَنْ يُبَايِعَ رَجُلا مِنْ آلِ عَلِيٍّ ويَذَرَ آلَ الْعَبَّاسِ، وَشَرَعَ يُخْفِي أَمْرَهُمْ عَلَى الْقُوَّادِ، فَبَادَرُوا وَبَايَعُوا السَّفَّاحَ كَمَا ذَكَرْنَا فَبَايَعَهُ أَبُو سَلَمَةَ الْخَلالُ وَبَقِيَ مُتَّهَمًا عِنْدَهُمْ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: انْتَدَبَنِي أَخِي السَّفَّاحُ للذهاب إلى أبي مسلم، فسرت وجلاً فَأَتَيْتُ الرَّيَّ وَمِنْهَا إِلَى مَرْوٍ، فَلَمَّا كُنْتُ عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْهَا تَلَقَّانِي أَبُو -[592]- مُسْلِمٍ فِي النَّاسِ، فَلَمَّا دَنَا مِنِّي تَرَجَّلَ وَمَشَى وَقَبَّلَ يَدِي، فَنَزَلْتُ وَأَقَمْتُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ لا يَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ، ثُمَّ سَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ قَالَ: فَعَلَهَا أَبُو سَلَمَةَ أَنَا أَكْفِيكُمُوهُ، فَدَعَا مَرَّارَ بْنَ أَنَسٍ الضَّبِّيَّ، فَقَالَ: انْطَلِقْ إِلَى الْكُوفَةِ فَاقْتُلْ أَبَا سَلَمَةَ حَيْثُ لَقِيتُهُ، فَأَتَى الْكُوفَةَ فَقَتَلَهُ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: وَزِيرُ آلِ مُحَمَّدٍ، وَلَمَّا رَأَى أَبُو جَعْفَرٍ عَظَمَةِ أَبِي مُسْلِمٍ بِخُرَاسَانَ وَسَفْكِهِ لِلدِّمَاءِ وَرَجَعَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ لِأَخِيهِ أَبِي الْعَبَّاسِ: لَسْتَ بِخَلِيفَةٍ إِنْ تَرَكْتَ أَبَا مُسْلِمٍ حَيًّا، قَالَ: كيف؟ قال: وَاللَّهِ مَا يَصْنَعُ إِلا مَا يُرِيدُ، قَالَ: فَاسْكُتْ وَاكْتُمْهَا.
وَأَمَّا الْحَسَنُ بْنُ قُحْطُبَةَ فَإِنَّهُ اسْتَمَرَّ عَلَى حِصَارِ يَزِيدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ بِوَاسِطَ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ يَطُولُ شَرْحُهَا، وَدَامَ الْقِتَالُ وَالْحَصْرُ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ قَتْلُ مَرْوَانَ الْحِمَارِ ضَعُفُوا وَطَلَبُوا الصُّلْحَ، وَتَفَرَّغَ أَبُو جَعْفَرٍ فَجَاءَ فِي جَيْشٍ نَجْدَةً لابْنِ قُحْطُبَةَ وَجَرَتِ السُّفَرَاءُ بَيْنَ أَبِي جَعْفَرٍ وَبَيْنَ ابْنِ هُبَيْرَةَ حَتَّى كَتَبَ لَهُ أَمَانًا، مَكَثَ ابْنُ هُبَيْرَةَ، وَهُوَ يُشَاوِرُ فِيهِ الْعُلَمَاءَ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا حَتَّى رَضِيَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَأَمْضَاهُ السَّفَّاحُ، وَكَانَ رَأْيُ أَبِي جَعْفَرٍ الْوَفَاءَ بِهِ، وَكَانَ السَّفَّاحُ لا يَقْطَعُ أَمْرًا ذَا بَالٍ دون أبي مسلم ومشاروته، وَكَانَ أَبُو الْجَهْمِ عَيْنًا لِأَبِي مُسْلِمٍ بِحَضْرَةِ السَّفَّاحِ، فَكَتَبَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَيْهِ: إِنَّ الطَّرِيقَ السَّهْلَ إِذَا أَلْقَيْتَ فِيهِ الْحِجَارَةَ فَسَدَ، وَلا وَاللَّهِ لا يَصْلُحُ طَرِيقٌ فِيهِ ابْنُ هُبَيْرَةَ، وَخَرَجَ ابْنُ هُبَيْرَةَ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ وَفِي خدمته من خواصه ألف وثلاث مائة، وَهَمَّ أَنْ يَدْخُلَ الْحُجْرَةَ عَلَى فَرَسِهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ الْحَاجِبُ سَلامٌ وَقَالَ: مَرْحبًا أَبَا خَالِدٍ انْزِلْ، وَقَدْ أَطَافَ بِالْحُجْرَةِ مِنَ الْخُرَاسَانِيَّةِ عَشَرَةُ آلافٍ فَأَدْخَلَهُ الْحَاجِبُ وَحْدَهُ، فَحَدَّثَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَامَ، فَلَمْ يَزَلْ يُنقِصُ مِنْ كَثْرَةِ الْحَشَمِ حَتَّى بَقِيَ فِي ثَلاثَةٍ، وَأَلَحَّ السَّفَّاحُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ يَأْمُرُهُ بِقَتْلِهِ وَهُوَ يُرَاجِعُهُ، فَلَمَّا زَادَ عَلَيْهِ أَزْمَعَ عَلَى قَتْلِهِ، وَجَاءَ خَازِمُ بْنُ خُزَيْمَةَ وَالْهَيْثَمُ بْنُ شُعْبَةَ فَخَتَمَا بُيُوتَ الأَمْوَالِ الَّتِي بِوَاسِطَ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى وُجُوهِ مَنْ مَعَ ابْنِ هُبَيْرَةَ فَأَقْبَلُوا، وَهُمْ: مُحَمَّدُ بْن نُبَاتَةَ، وَحَوْثَرَةُ بْنُ سُهَيْلٍ، وَطَارِقُ بْنُ قَدَّامَةَ، وَزِيَادُ بْنُ سُوَيْدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ كَعْبٍ، وَالْحَكَمُ بْنُ بِشْرٍ، فِي اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ رَجُلا مِنْ وُجُوهِ الْقَيْسِيَّةِ، فَخَرَجَ سَلامٌ -[593]- الْحَاجِبُ، فَقَالَ: أَيْنَ الْحَوْثَرَةَ وَابْنُ نُبَاتَةَ؟ فَقَامَا فَأُدْخِلا، وَقَدْ أَقْعَدَ لَهُمْ فِي الدِّهْلِيزِ مِائَةً فَنُزِعَتْ سُيُوفُهُمَا وَكُتِّفَا، ثُمَّ طُلِبَ الْبَاقُونَ كَذَلِكَ فَأُمْسِكُوا، ثُمَّ ذُبِحُوا صَبْرًا، وَبَادَرَ خَازِمٌ، وَالْهَيْثَمُ فِي مِائَةٍ فَدَخَلُوا عَلَى ابْنِ هُبَيْرَةَ وَمَعَهُ ابْنُهُ دَاوُدَ وَكَاتِبُهُ عَمْرُو بْنُ أَيُّوبَ وَحَاجِبُهُ وَعِدَّةٌ مِنْ مَمَالِيكِهِ وَبُنَيٌّ لَهُ فِي حِجْرِهِ، فَأَنْكَرَ نَظَرَهُمْ وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ فِي وُجُوهِهِمُ الشَّرَّ، فَقَصَدُوهُ، فَقَامَ صَاحِبُهُ فِي وُجُوهِهِمْ وَقَالَ: تَأَخَّرُوا، فَضَرَبَهُ الْهَيْثَمُ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ فَصَرَعَهُ، وَقَاتَلَهُمْ دَاوُدُ فَقُتِلَ، وَقُتِلَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمَمَالِيكِ فَنَحَّى الصَّغِيرُ مِنْ حِجْرِهِ، ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا لِلَّهِ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ قَتَلُوا خَالِدَ بْنَ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ وَأَبَا عَلاقَةَ الْفَزَارِيَّ صَبْرًا، وَوَجَّهَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ أَشْعَثَ عَلَى إِمْرَةِ فَارِسٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَضْرِبَ أَعْنَاقَ نُوَّابِ أَبِي سَلَمَةَ الْخَلالِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ.
وَفِيهَا وَجَّهَ السَّفَّاحُ عَمَّهُ عِيسَى بْنَ عَلِيٍّ عَلَى فَارِسَ، فَغَضِبَ مُحَمَّدُ بْنُ أَشْعَثَ وَهَمَّ بِقَتْلِهِ، وَقَالَ: أَمَرَنِي أَبُو مُسْلِمٍ أَنْ لا يَقْدِمَ عَلَيَّ أحد يدعي الولاية من غيره إِلا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، ثُمَّ إِنَّهُ فَكَّرَ وَخَافَ مِنْ غَائِلَةِ ذَلِكَ الْمَقَالِ وَاسْتَحْلَفَ عِيسَى بْنَ عَلِيٍّ عَلَى أَنْ لا يَعْلُو مِنْبَرًا وَلا يَتَقَلَّدَ سَيْفًا إِلا وَقْتَ جِهَادٍ، فَلَمْ يَلِ عِيسَى بَعْدَ ذَلِكَ عَمَلا، ثُمَّ وَجَّهَ السَّفَّاحُ عَمَّهُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى فَارِسَ وَغَضِبَ من أبي مسلم ولكنه كان يعجر عَنْهُ، وَبَعَثَ عَلَى الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ دَاوُدَ بْنَ عَلِيٍّ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْكُوفَةِ ابْنُ عَمِّهِ عِيسَى بْنُ مُوسَى وَتَوَطَّدَتْ لِلسَّفَّاحِ الْمَمَالِكُ.

-سنة ثلاث وثلاثين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ ثَلاثٍ وَثَلاثِينَ وَمِائَةٍ
-ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّي فِيهَا مِنَ الأَعْيَانِ:
أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى الأُمَوِيُّ الْمَكِّيُّ الْفَقِيهُ، وَالْحَسَنُ بْنُ الْحُرِّ الْكُوفِيُّ بِدِمَشْقَ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الأَمِيرُ عَمُّ السَّفَّاحِ، وَسَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ فِي قَوْلِ أَبِي عُبَيْدٍ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلالٍ بِمِصْرَ، وَقِيلَ: سنة خمس وثلاثين، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ بِالْمَدِينَةِ فِي آخِرِ الْعَامِ، وَعَمَّارُ الدُّهْنِيُّ أَبُو مُعَاوِيَةَ بِالْكُوفَةِ، وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِيهَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَعَيَّاشُ بْنُ عَبَّاسٍ الْقِتْبَانِيُّ بِمِصْرَ، وَمُغِيرَةُ بْنُ مِقْسَمٍ الضَّبِّيُّ فِيهَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَمُطَرِّفُ بْنُ طريف -[594]- الكوفي، ويحيى بن العلاء أبو هارون الغنوي، ويحيى بن يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ فِي قَوْلٍ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ فِي قَوْلٍ.
وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ السَّفَّاحُ عَلَى الْبَصْرَةِ عَمَّهُ سُلَيْمَانَ بْنَ عَلِيٍّ، وَلَمَّا قَدِمَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ مَكَّةَ أَخَذَ مَنْ كَانَ بِالْحِجَازِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَقَتَلَهُمْ صَبْرًا، فَلَمْ يُمَتَّعْ، وَهَلَكَ وَاسْتَخْلَفَ حِينَ احْتَضَرَ عَلَى عَمَلِهِ وَلَدُهُ مُوسَى فَاسْتَعْمَلَ السَّفَّاحُ عَلَى مَكَّةَ خَالَهُ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى الْيَمَنِ ابْنَ خَالِهِ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، فَوَجَّهَ زِيَادُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الأَمِيرُ أَبَا حَمَّادٍ الأَبْرَصَ إِلَى الْمُثَنَّى بْنِ يَزِيدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ، وَهُوَ بِالْيَمَامَةِ فَأَخَذَهُ وَقَتَلَهُ وَقَتَلَ أَصْحَابَهُ.
وَفِيهَا وَجَّهَ السَّفَّاحُ عَلَى أَفْرِيقِيَّةَ مُحَمَّدَ بْنَ الأَشْعَثِ، وَكَانَ أَهْلُهَا قَدْ عَصَوْا فَحَارَبَهُمْ حَرْبًا شَدِيدًا حَتَّى اسْتَوْلَى عَلَيْهَا.
وَفِيهَا خَرَجَ بِبُخَارَى شَرِيكُ بْنُ شَيْخِ الْمَهْرِيِّ، وَكَانَ قَدْ نَقِمَ عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ تَجَبُّرَهُ وَعَسْفَهُ، وَقَالَ: مَا عَلَى هَذَا تَبِعْنَا آلَ مُحَمَّدٍ، فَالْتَفَّ عَلَيْه نَحْوٌ مِنْ ثَلاثِينَ أَلْفًا فَجَهَّزَ أَبُو مُسْلِمٍ لِحَرْبِهِ زِيَادُ بْنُ صَالِحٍ الْخُزَاعِيُّ فَظَفِرَ زِيَادٌ بِهِ فَقَتَلَهُ.
وَفِيهَا تَوَجَّهَ أَبُو دَاوُدَ خَالِدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ إِلَى الْخُتَّلِ فَدَخَلَهَا وَهَرَبَ صَاحِبَهَا فِي طَائِفَةٍ حَتَّى انْتَهَى إِلَى أَرْضِ فَرْغَانَةَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى أَنْ دَخَلَ الصِّينَ.
وَفِيهَا قُتِلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بِنِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ.
وَفِيهَا خَرَجَ طَاغِيَةُ الرُّومِ قُسْطَنْطِينُ - لَعَنَهُ اللَّهُ - فِي جُيُوشِهِ، فَنَازَل مَلَطْيَةَ وَأَلَحَّ عَلَيْهِمْ بِالْقِتَالِ حَتَّى أَخَذَهَا بِالأَمَانِ، وَهَدَمَ السُّورَ وَالْجَامِعَ وَبَعَثَ مَنْ يَخْفِرُ أَهْلَهَا إِلَى مَأْمَنِهِمْ.
وَفِيهَا قَتَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ خَلْقًا مِنْ قُوَّادِ بَنِي أُمَيَّةَ مِنْهُمْ ثَعْلَبَةَ، وَعَبْدَ الْجَبَّارِ ابْنَا أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

-سنة أربع وثلاثين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلاثِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّيَ أُسَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِالرَّمْلَةِ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ فِيمَا قِيلَ، وَجَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ الْمِصْرِيُّ، قَالَهُ خَلِيفَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وعبد العزيز بن حكيم الحضرمي، وأبو هارون الْعَبْدِيُّ عُمَارَةُ بْنُ جُوَيْنٍ، وَمَنْصُورُ بْنُ جَمْهُورٍ بِالْهِنْدِ، وَيَزِيدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ فِي قَوْلٍ.
وَفِيهَا خَلَعَ الطَّاعَةَ بَسَّامُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الخراساني خرج مَعَهُ طَائِفَةٌ فَسَاقُوا إِلَى الْمَدَائِنِ، فَوَجَّهَ السَّفَّاحُ لِحَرْبِهِمْ خَازِمُ بْنُ خُزَيْمَةَ، فَالْتَقَوْا فَانْهَزَمَ بَسَّامُ وَقُتِلَ أبَطْالُهُ، ثُمَّ مَرَّ خَازِمٌ بِثَلاثِينَ مِنَ الحارثيين خؤولة السَّفَّاحِ فَكَلَّمَهُمْ فِي أَمْرٍ فَاسْتَخَفُّوا بِهِ فَضَرَبَ أَعْنَاقَ الْكُلِّ، فَأَعْظَمَ ذَلِكَ الْيَمَانِيَّةُ، وَدَخَلَ وُجُوهُهُمْ عَلَى السَّفَّاحِ وَصَاحُوا، فَهَمّ السَّفَّاحُ بِقَتْلِ خَازِمِ بْنِ خُزَيْمَةَ، فَأُشِيرَ عَلَيْهِ بِالْعَفْوِ فَإِنَّ لَهُ سَابِقَةً وَطَاعَةً، وَإِنْ أَرَادَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَتْلَهُ فَلْيَعْرِضْهُ لِلْغَزْوِ فَإِنْ ظَفِرَ فَظَفْرُهُ لَكَ وَإِلا اسْتَرَحْتَ مِنْهُ، وَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِأَنْ يَبْعَثَهُ إِلَى عمان، وبها خلق من الخوارح عَلَيْهِمُ ابْنُ الْجُلَنْدَيِّ وَشَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ اليشكري، فجهز معه سبع مائة فَارِسٍ وَكَتَبَ مَعَهُ إِلَى أَمِيرِ الْبَصْرَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ لَيَحْمِلَهُمْ مِنَ الْبَصْرَةِ فِي السُّفُنِ إلى جزيرة ابن كاوان وإلى عمان، ففعل، فأنكى خازم بن خزيمة فِي الْخَوَارِجِ وَجَرَتْ لَهُ حُرُوبٌ مَعَ شَيْبَانَ، ثُمَّ ظَفِرَ بِهِ وَقَتَلَهُ حَتَّى بَلَغَ عِدَّةُ قَتْلَى الْخَوَارِجِ عَشْرَةَ آلافٍ فَقَتَلَ ابْنُ الْجَلَنْدِيُّ وبعث خازم بالرؤوس إِلَى الْبَصْرَةِ.
وَفِيهَا قَالَ يَعْقُوبُ الْفَسَوِيُّ: كَانَ لِصَاحِبِ الصِّينِ حَرَكَةٌ، وَكَانَ زِيَادُ -[596]- ابْنُ صَالِحٍ بِسَمَرْقَنْدَ فَبَلَغَهُ ذَلِكَ وَأَنَّ صَاحِبَ الصِّينِ قَدْ أَقْبَلَ فِي مِائَةِ أَلْفٍ سِوَى مَنْ يَتْبَعَهُ مِنَ التُّرْكِ، فَعَسْكَرَ زِيَادُ بْنُ صَالِحٍ وَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ بِالأَمْرِ، فَعَسْكَرَ أَبُو مُسْلِمٍ عَلَى مَرْوٍ وَجَمَعَ جُيُوشَهُ، وَسَارَ إِلَيْهِ خالد بن إبراهيم من طخارستان، وَسَارَ جَيْشُ خُرَاسَانَ إِلَى سَمَرْقَنْدَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلاثِينَ وَأَنْجَدَ زِيَادُ بْنُ صَالِحٍ بِعَشَرَةِ آلافٍ، فَسَارَ زِيَادُ بِجُيُوشِهِ حَتَّى عَبَرَ نَهْرَ الشَّاشِ، وَأَقْبَلَ جَيْشُ الصِّينَ، فَحَاصَرُوا سَعْدَ بْنَ حُمَيْدٍ، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ دُنُوُّ زِيَادٍ تَرَحَّلُوا، ثُمَّ نَزَلَ صَاحِبُ جِبَالِ الصِّينِ مَدِينَةَ طَلْخٍ، فَقَصَدَهُ زِيَادٌ، ثُمَّ الْتَقَوْا مِنَ الْغَدِ، فَقَدَّمَ زِيَادٌ الرُّمَاةَ صَفًّا أَمَامَ الْجَيْشِ وَخَلْفَهُمْ أَصْحَابُ الرِّمَاحِ، ثُمَّ الْخَيَّالَةُ، ثُمَّ الْحُسْرُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَعَدَّ خَيْلا كَمِينًا، فَالْتَقَى الْجَمْعَانِ وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ يَوْمَهُمْ إِلَى اللَّيْلِ، فَلَمَّا غَرُبَتِ الشَّمْسُ أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِ الصِّينِ الرُّعْبَ وَنَزَلَ النَّصْرُ فَانْهَزَمَ الْكُفَّارُ.
وَفِيهَا وَثَبَ الأَمِيرُ خَالِدُ بْنُ إبراهيم على أهل مدينة كش وَقَتَلَ الأَخْرِيدَ مَلِكَهَا، وَهُوَ سَامِعٌ مُطِيعٌ قَدْ قَدِمَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ بَلْخَ، ثُمَّ إِنَّهُ تلقاه بقرب كش فَقَتَلَهُ وَاسْتَوْلَى عَلَى خَزَائِنِهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِذَلِكَ أَجْمَعَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ، وَقَتَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ قواد كش، ثم عهد إلى أخي صاحب كش فَمَلَّكَهُ وَرَجَعَ إِلَى بَلْخٍ.
وَفِيهَا وَجَّهَ السَّفَّاحُ مُوسَى بْنَ كَعْبٍ إِلَى السِّنْدِ لِقِتَالِ مَنْصُورِ بْنِ جَمْهُورٍ فِي أَرْبَعَةِ آلافٍ، فَسَارَ وَاسْتَخْلَفَ مَكَانَهُ عَلَى شُرْطَةِ السَّفَّاحِ الْمُسَيَّبَ بْنَ زُهَيْرٍ، فَالْتَقَى هُوَ وَمَنْصُورٌ، فَانْكَسَرَ جَيْشُ مَنْصُورٌ وَهَرَبَ فَمَاتَ فِي الرِّمَالِ عَطَشًا، وَقِيلَ: مَاتَ بِالإِسْهَالِ.
وَفِيهَا مَاتَ أَمِيرُ الْيَمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْحَارِثِيُّ، فَوُلِّيَ مَكَانَهُ عَلِيُّ بْنُ الرَّبِيعَ الْحَارِثِيُّ.
وَفِيهَا تَحَوَّلَ السَّفَّاحُ مِنَ الْحِيرَةِ، فَنَزَلَ الأَنْبَارَ وَسَكَنَهَا.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ عِيسَى بْنُ مُوسَى.
وَكَانَ فِيهَا عَلَى الْبُلْدَانِ مَنْ ذُكِرَ، وَعَلَى مِصْرَ أَبُو عَوْنٍ، وَعَلَى الشَّامِ -[597]- عَبْدُ اللَّهِ عَمُّ السَّفَّاحِ، وَعَلَى الْجَزِيرَةِ وَأَذْرَبِيجَانَ أَخُو السَّفَّاحِ، وَعَلَى دِيوَانِ الأَمْوَالِ خَالِدُ بْنُ بَرْمَكٍ.
وَفِيهَا جَهَّزَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ جَيْشًا عَلَيْهِمُ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُرْشِيُّ لِلْغَزْوِ، فَخَرَجَتِ الرُّومُ عَلَيْهِمْ كَوْشَانُ الْبَطْرِيقُ، فَالْتَقَاهُمْ مَخْلَدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، فَانْهَزَمَ وَأُصِيبَ الْمُسْلِمُونَ.

-سنة خمس وثلاثين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلاثِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّي بُرْدُ بْنُ سِنَانٍ أَبُو الْعَلاءِ بِالْبَصْرَةِ، وَدَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ بِالْمَدِينَةِ، وَأَبُو عُقَيْلٍ زَهْرَةُ بْنُ مَعْبدٍ بِالثَّغْرِ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلالٍ فِي قَوْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ ثَلاثِينَ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ، وَعُرْوَةُ بْنُ رُوَيْمٍ فِي قَوْل ابْنِ مُثَنَّى، وَيَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ الرُّهَاوِيُّ بِهَا، وَيَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ أَخُو السَّفَّاحِ مَاتَ عَلَى إِمْرَةِ فَارِسٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ مُخْتَصَرًا.
وَفِيهَا خَلَعَ زِيَادُ بْنُ صَالِحٍ الطَّاعَةَ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ فَتَهَيَّأَ لِحَرْبِهِ أَبُو مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ، وَبَعَثَ نَصْرُ بْنُ صَالِحٍ إِلَى تِرْمِذَ لِيُحْصِنُهَا فَقَتَلَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَسَارَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَى آمُلَ وَمَعَهُ سِبَاعُ بْنُ النُّعْمَانِ الأَزْدِيُّ الَّذِي قَدِمَ بِعَهْدِ زِيَادِ بْنِ صَالِحٍ مِنْ جِهَةِ السَّفَّاحِ، وَأَمَرَهُ السَّفَّاحُ إِنْ قَدِرَ عَلَى اغْتِيَالِ أَبِي مُسْلِمٍ فَلْيَفْعَلْ، فَفَهِمَ ذَلِكَ أَبُو مُسْلِمٍ فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَسَجَنَهُ بِآمُلَ وَعَبَرَ إِلَى بُخَارَى، فَأَتَاهُ أَبُو شَاكِرٍ وَأَبُو سَعْدٍ وَقَدْ فَارَقَا زِيَادَ بْنَ صَالِحٍ فَسَأَلَهُمَا عَنْ شَأْنِ زِيَادٍ وَمَنْ أَفْسَدَهُ، فَقَالا: سِبَاعٌ، فَكَتَبَ إِلَى وَالِي آمُلَ فَقَتَلَ سِبَاعًا، وَلَمَّا تَفَلَّلَ عَنْ زِيَادٍ أَعْوَانُهُ وَلَحِقُوا بِأَبِي مُسْلِمٍ لَحِقَ بِدَهْقَانَ بَازِلْتُ فَضَرَبَ الدِّهْقَانُ عُنُقَهُ وَتَقَرَّبَ بِرَأْسِهِ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ.
وَفِيهَا، أو في التي قبلها، أغزى السَّفَّاحُ عَمَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى الصَّائِفَةِ فَحَزِرَهَا النَّاسُ بِمِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، قَالَهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ.

-سنة ست وثلاثين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ سِتٍّ وَثَلاثِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّيَ أَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ الْكُوفِيُّ، وَجَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ الْمِصْرِيُّ عَلَى الأَصَحِّ، وَحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلْمِيُّ، وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقِيهُ الْمَدِينَةِ ذو الرأي، وزيد بْنُ أَسْلَمَ فِي آخِرِ السَّنَةِ فِي قَوْلٍ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ السَّفَّاحُ، وَزَيْدُ بْنُ رَفِيعٍ فِي قَوْلٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُمْهَانَ بِالْبَصْرَةِ، وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ فِي قَوْلٍ، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْحَارِثِ الْمِصْرِيُّ الْعَابِدُ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، وَعَلِيُّ بن بذيمة الحراني، والعلاء بن الحارث الْحَضْرَمِيُّ، وَمُغِيرَةُ بْنُ مِقْسَمٍ فِي قَوْلٍ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاق بِالْبَصْرَةِ.
وَفِيهَا كَتَبَ أَبُو مُسْلِمٍ صَاحِبُ الدَّوْلَةِ إِلَى السَّفَّاحِ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْقُدُومِ، فَأَذِنَ لَهُ فَاسْتَخْلَفَ عَلَى خُرَاسَانَ خَالِدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فَقَدِمَ فِي جَمْعٍ وَحِشْمَةٍ عَظِيمَةٍ، وَتَلَقَّاهُ الأُمَرَاءُ وَبَالَغَ الْخَلِيفَةُ فِي إِكْرَامِهِ فَاسْتَأْذَنَ فِي الْحَجِّ، فَقَالَ: لَوْلا أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ يَحُجُّ لَوَلَّيْتُكَ الْمَوْسِمَ، وَكَانَ أَبُو جَعْفَرٍ إِذْ ذَاكَ بِالْحَضْرَةِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَطِعْنِي وَاقْتُلْ أَبَا مُسْلِمٍ، فَوَاللَّهِ إِنَّ فِي رَأْسِه لَغَدْرَةٌ، فَقَالَ: يَا أَخِي، قَدْ عَرَفْتَ بَلاءَهُ وَمَا كَانَ مِنْهُ، فَرَاجَعَهُ، فَقَالَ: كَيْفَ نَقْتُلُهُ؟ فَقَالَ: إِذَا دَخَلَ عَلَيْكَ وَحَادَثْتُهُ دَخَلْتُ أَنَا وَتَغَفَّلْتُهُ وَضَرَبْتُ عُنُقَهُ مِنْ خَلْفِهِ، فَقَالَ: كَيْفَ بِأَصْحَابِهِ الَّذِينَ يُؤْثِرُونَهُ عَلَى دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ؟ قَالَ: يؤول ذَلِكَ إِلَى كُلِّ مَا تُرِيدُ، وَلَوْ عَلِمُوا بِقَتْلِهِ تَفَرَّقُوا، وَأَخَافُ إِنْ لَمْ تَتَغَدَّ بِهِ يَتَعَشَّاكَ، قَالَ: فَدُونَكَ، فَخَرَجَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ السَّفَّاحُ: لا تَفْعَلْ.
ثُمَّ حَجَّ فِيهَا أَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو مُسْلِمٍ، فَلَمَّا انْقَضَى الْمَوْسِمُ وَقَفَلا وَرَدَ الْخَبَرُ بِذَاتِ عِرْقٍ بِمَوْتِ السَّفَّاحِ، وَكَانَ قَبْلَ مَوْتِهِ بمُدَيْدَةَ قَدْ عَقَدَ لِأَبِي جَعْفَرٍ بِالأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ، وَقَامَ بِأَمْرِ الْبَيْعَةِ يَوْمَ مَوْتِ السَّفَّاحِ عِيسَى بْنُ مُوسَى ابْنُ عَمِّهِ، وَبَعَثُوا أَبَا غَسَّانَ بِبَيْعَةِ أَبِي جَعْفَرٍ إِلَى عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ، وَكَانَ رَاجِعًا فِي الطَّرِيقِ مِنْ عِنْدِ السَّفَّاحِ فَبَايَعَ عَسْكَرَهُ وَقُوَّادَهُ لِنَفْسِهِ، وَزَعَمَ أَنَّ السَّفَّاحَ جَعَلَ لَهُ الأَمْرُ، ثُمَّ دَخَلَ حَرَّانَ وَغَلَبَ عَلَى الشَّامِ، وَقَدِمَ أَبُو جَعْفَرٌ الْمَنْصُورُ مِنَ الْحَجِّ، فَدَخَل الْكُوفَةَ بِأَهْلِهَا الْجُمُعَةَ.

-سنة سبع وثلاثين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلاثِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّيَ: أَسَدُ بْن وَدَاعَةَ الْكِنْدِيُّ، وَحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي قَوْلِ خَلِيفَةَ، وَخَصِيفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي قَوْلٍ، وَخَيْرُ بْنُ نُعَيْمٍ قَاضِي مِصْرَ، وَأَبُو مُسْلِمٍ صَاحِبُ الدَّعْوَةِ مَقْتُولا، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ فِي قَوْلٍ، وَعَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ فِي قَوْلِ خَلِيفَةَ وَغَيْرِهِ، وَمَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَشَلُّ، وَوَاهِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَعَافِرِيُّ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ فِي قَوْلٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ الْمَدَنِيُّ، وَابْنُ الْمُقَفَّعِ قَتَلَهُ وَالِي الْبَصْرَةِ.
وَفِيهَا فِي أَوَّلِهَا بَلَغَ أَهْلَ الشَّامِ مَوْتُ السَّفَّاحِ فَبَايَعَ أَهْلُ دِمَشْقَ هَاشِمَ بن يزيد بن خالد بن يزيد بن مُعَاوِيَةَ، قَامَ بِأَمْرِهِ، فِيمَا قِيلَ، عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى بْنِ سُرَاقَةَ الأَزْدِيُّ، فَلَمَّا أَظَلَّهُمَا صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ بِالْجُيُوشِ هَرَبَا، وَكَانَ عُثْمَانُ قَدِ اسْتَعْمَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ عَلَى أَهْلِ دِمَشْقَ، فَخَرَجَ وَسَبَّ بَنِي الْعَبَّاسِ عَلَى مِنْبَرِ دِمَشْقَ، ثُمَّ إِنَّهُ قُتِلَ.
وَدَخَلَ الْمَنْصُورُ دَارَ الإِمْرَةِ بِالأَنْبَارِ فَوَجَدَ عِيسَى بْنَ مُوسَى ابْنَ عَمِّهِ قَدْ بَذَرَ الْخَزَائِنَ فَجَدَّدَ النَّاسُ لَهُ الْبَيْعَةَ وَمِنْ بَعْدِهِ لِعِيسَى، وَأَمَّا عَمُّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ فَإِنَّهُ أَبْدَى أَنّ السَّفَّاحَ قَالَ: مَنِ انْتُدِبَ لِمَرْوَانَ الْحِمَارِ فَهُوَ وَلِيُّ عَهْدِي مِنْ بَعْدِي وَعَلَى هَذَا خَرَجْتُ، فَقَامَ عُدَّةٌ مِنَ الْقُوَّادِ الْخُرَاسَانِيَّةِ فَشَهِدُوا بِذَلِكَ، وَبَايَعَهُ حُمَيْدُ بْنُ قُحْطُبَةَ، وَمُخَارِقُ بْنُ الْغِفَارِ، وَأَبُو غَانِمٍ الطَّائِيُّ، وَالْقُوَّادُ، فَقَالَ الْمَنْصُورُ لِأَبِي مُسْلِمٌ الْخُرَاسَانِيُّ: إِنَّمَا هُوَ أَنَا وَأَنْتَ فَسِرْ نَحْوَ عَبْدِ اللَّهِ، فَسَارَ بِسَائِرِ الْجَيْشِ مِنَ الأَنْبَارِ وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ مَالِكُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْخُزَاعِيُّ وَمَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ قُحْطُبَةَ، وَأَخُوهُ حُمَيْدٌ كَانَ فَارَقَ عَبْدَ اللَّهِ لَمَّا تَنَكَّرَ لَهُ، وَخَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ الْخُرَاسَانِيَّةَ الَّذِينَ مَعَهُ لا تَنْصَحُ فَقَتَلَ مِنْهُمْ بِضْعَةَ عَشَرَ أَلْفًا، أمَرَ صَاحِبَ شُرْطَتِهِ فَقَتَلَهُمْ بِخَدِيعَةٍ، ثُمَّ نَزَلَ نَصِيبِينَ وَخَنْدَقَ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَقْبَلَ أَبُو مُسْلِمٍ فَنَزَلَ بِقُرْبٍ مِنْهُ، ثُمَّ نَفَذَ إِلَيْهِ: إِنِّي لَمْ أؤمر بقتالك -[600]- وَلَكِنْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَلانِي الشَّامَ وَأَنَا أُرِيدُهَا، فَقَالَ الشَّامِيُّونَ لِعَبْدِ اللَّهِ: كَيْفَ نُقِيمُ مَعَكَ وَهَذَا يَأْتِي بِلادَنَا وَيَقْتُلُ وَيَسْبِي وَلَكِنْ نَسِيرُ إِلَى بِلادِنَا وَنَمْنَعُهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ مَا يُرِيدُ الشَّامَ وَلَئِنْ أَقَمْتُمْ لَيَقْصِدَنَّكُمْ، ثُمَّ كَانَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ نَحْوًا مِنْ خَمْسَةِ أَشْهُرٍ، وَأَهْلُ الشَّامِ أكثر فرساناً وأكمل عدة، وكان على مَيْمَنَتُهُمْ بَكَّارَ بْنَ مُسْلِمٍ الْعُقَيْلِيَّ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ خَازِمُ بْنُ خُزَيْمَةَ، وَاسْتَظْهَرَ الشَّامِيُّونَ غَيْرَ مَرَّةً، وكاد عَسْكَرُ أَبِي مُسْلِمٍ أَنْ يَنْهَزِمُوا وَهُوَ يُثَبِّتُهُمْ وَيَرْتَجِزُ:
مَنْ كَانَ يَنْوِي أَهْلَهُ فَلا رَجَعْ ... فَرَّ مِنَ الْمَوْتِ وَفِي الْمَوْتِ وَقْعٌ
ثُمَّ أَرْدَفَ الْقَلْبُ بِمَيْمَنَتِهِ وَحَمَلُوا عَلَى مَيْسَرَةِ عَبْدِ اللَّهِ فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لابْنِ سُرَاقَةَ الأَزْدِيِّ: مَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ نَصْبِرَ وَنُقَاتِلَ فَإِنَّ الْفِرَارَ قَبِيحٌ بِمِثْلِكَ وَقَدْ عِبْتَهُ عَلَى مَرْوَانَ، قَالَ: إِنِّي أَقْصِدُ الْعِرَاقَ، قال: فأنا معك، فانهزموا وخلوا عسكرهم فاحتوى عَلَيهِ أَبُو مُسْلِمٍ بِمَا فِيهِ وَكَتَبَ بِالنَّصْرِ إِلَى الْمَنْصُورِ فَبَعَثَ مَوْلًى لَهُ يُحْصِي مَا حَوَاهُ أَبُو مُسْلِمٍ، فَغَضِبَ عِنْدَهَا أَبُو مُسْلِمٍ وَتَنَمَّرَ وَهَمَّ بِقَتْلِ الْمَوْلَى، وَقَالَ: إِنَّمَا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ هَذَا الْخُمْسُ، وَمَضَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ وَأَخُوهُ عَبْدُ الصَّمَدِ، فَأَمَّا عَبْدُ الصَّمَدِ فَقَصَدَ الْكُوفَةَ فَاسْتَأْمَنَ لَهُ عِيسَى بْنُ مُوسَى فَأَمَّنَهُ الْمَنْصُورُ، وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَأَتَى أَخَاهُ سُلَيْمَانَ مُتَوَلِّي الْبَصْرَةَ فَاخْتَفَى عِنْدَهُ وَأَمَّا الْمَنْصُورُ فَخَافَ مِنْ غَيْظِ أَبِي مُسْلِمٍ وَأَنْ يَذْهَبَ إِلَى خُرَاسَانَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِوِلايَةِ الشَّامِ وَمِصْرَ، فَأَقَامَ بِالشَّامِ وَاسْتَعْمَلَ عَلَى مِصْرَ، فَلَمَّا أَتَاهُ الْكِتَابُ أَظْهَرَ الْغَضَبَ وَقَالَ: يُوَلِّينِي مِصْرَ وَالشَّامَ وَأَنَا لِي خُرَاسَانُ! وَعَزَمَ عَلَى الشَّرِّ، وَقِيلَ: بَلْ شَتَمَ الْمَنْصُورَ لَمَّا جَاءَهُ مَنْ يُحْصِي عَلَيْهِ الْغَنَائِمَ، وَأَجْمَعَ عَلَى الْخِلافِ، ثُمَّ طَلَبَ خُرَاسَانَ، وَخَرَجَ الْمَنْصُورُ إِلَى الْمَدَائِنِ، وَكَانَ مِنْ دُهَاةِ الْعَالَمِ لَوْلا شُحُّهُ، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ لِيُقْدِمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَدُوٌّ، وَقَدْ كُنَّا نَرْوِي عَنْ مُلُوكِ آلِ سَاسَانَ أَنَّ أَخْوَفَ ما يكون الوزراء إذا سكنت الدَّهْمَاءُ، فَنَحْنُ نَافِرُونَ مِنْ قُرْبِكَ حَرِيصُونَ عَلَى الْوَفَاءِ بِعَهْدِكَ مَا وَفَّيْتَ، فَإِنْ أَرْضَاكَ ذَاكَ فَأَنَا كَأَحْسَنِ عَبِيدِكَ، وَإِنْ أَبَيْتَ نَقَضْتُ مَا أَبْرَمْتُ مِنْ عَهْدِكَ ضَنًّا بِنَفْسِي، فَرَدَّ عَلَيْهِ الْمَنْصُورُ الْجَوَابَ يُطَمْئِنُهُ مَعَ جَرِيرِ بْنِ يَزِيدَ الْبَجَلِيِّ، وَكَانَ وَاحِدَ وَقْتِهِ فَخَدَعَهُ وَرَدَّهُ. -[601]-
وَأَمَّا أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ فَذَكَرَ عَنْ جَمَاعَةٍ قَالُوا: كَتَبَ أَبُو مُسْلِمٍ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي اتَّخَذْتُ رَجُلا إِمَامًا وَدَلِيلا عَلَى مَا افْتَرَضَهُ اللَّهُ وَكَانَ فِي مَحِلَّةِ الْعِلْمِ نَازِلا فَاسْتَجْهَلَنِي بِالْقُرْآنِ، فَحَرَّفَهُ عَنْ مَوَاضِعِهِ، طَمَعًا فِي قَلِيلٍ قَدْ نَعَاهُ اللَّهُ إِلَى خَلْقِهِ وَكَانَ كَالَّذِي دَلَّى بِغُرُورٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُجَرِّدَ السَّيْفَ وَأَرْفَعَ الرَّحْمَةَ، فَفَعَلْتُ تَوْطِئَةً لِسُلْطَانِكُمْ، ثُمَّ اسْتَنْقَذَنِي اللَّهُ بِالتَّوْبَةِ، فَإِنْ يَعْفُ عَنِّي فَقِدْمًا عُرِفَ بِهِ وَنُسِبَ إِلَيْهِ، وَإِنْ يُعَاقِبْنِي فَبِمَا قَدَّمَتْ يَدَايَ.
ثُمَّ سَارَ يُرِيدُ خُرَاسَانَ مُشَاقًّا مُرَاغِمًا، فَأَمَرَ الْمَنْصُورُ لِمَنْ بِالْحَضْرَةِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ أَنْ يَكْتُبُوا إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ يُعْظِمُونَ الأَمْرَ وَيَأْمُرُونَهُ بِلُزُومِ الطَّاعَةِ وَأَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَوْلاهُ، وَقَالَ الْمَنْصُورُ لِرَسُولِهِ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ، وَهُوَ أَبُو حُمَيْدٍ الْمَرْوَرُوذِيُّ: كَلِّمْهُ بِاللِّينِ مَا يُمْكِنُ ومَنِّهْ وَعَرِّفْهُ بِحُسْنِ نِيَّتِي وَتَلَطَّفَ، فَإِنْ يَئِسْتَ مِنْهُ فَقُلْ لَهُ: قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ خُضْتَ البَحرَ لَخَاضَهُ وَرَاءَكَ، وَلَوِ اقْتَحَمْتَ النَّارَ لاقْتَحَمْتُهَا حَتَّى أَقْتُلَكَ، فَقَدِمَ الرَّسُولُ عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ وَلَحِقَهُ بِحُلْوَانَ، فَاسْتَشَارَ أَبُو مُسْلِمٍ خَاصَّتَهُ، فَقَالُوا: احْذَرْهُ، فَلَمَّا طَلَبَ الرَّسُولُ الْجَوَابَ قَالَ: ارْجِعْ إِلَى صَاحِبَكَ فَلَسْتُ آتِيهِ وَقَدْ عَزَمْتُ عَلَى خِلافِهِ، قَالَ: لا تَفْعَلْ، لا تَفْعَلْ، فَلَمَّا آيَسَهُ بَلَّغَهُ قَوْلُ الْمَنْصُورِ، فَوَجَمَ لَهَا وَأَطْرَقَ مُنْكِرًا، ثُمَّ قَالَ: قُمْ، وَانْكَسَرَ لِذَلِكَ الْقَوْلِ وَارْتَاعَ.
وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدْ كَتَبَ إِلَى نَائِبِ أَبِي مُسْلِمٍ عَلَى خُرَاسَانَ فَاسْتَمَالَهُ، وَقَالَ: لَكَ إِمْرَةَ خُرَاسَانَ، فَكَتَبَ نَائِبُ خُرَاسَانَ أَبُو دَاوُدَ خَالِدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ يَقُولُ: إِنَّا لَمْ نَقُمْ لِمَعْصِيَةِ خُلَفَاءِ اللَّهِ وَأَهْلِ الْبَيْتِ فَلا تُخَالِفَنَّ إِمَامَكَ، فَوَافَاهُ كِتَابُهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَزَادَهُ رُعْبًا وَهَمًّا، ثُمَّ أَرْسَلَ مَنْ يَثِقْ بِهِ مِنْ أُمَرَائِهِ إِلَى الْمَنْصُورِ، فَلَمَّا قَدِمَ تَلَقَّاهُ بَنُو هَاشِمٍ بِكُلِّ مَا يَسُرُّ، وَاحْتَرَمَهُ الْمَنْصُورُ، وَقَالَ: اصْرِفْهُ عَنْ وَجْهِهِ وَلَكَ إِمْرَةَ خُرَاسَانَ، فَرَجَعَ وَقَالَ لِأَبِي مُسْلِمٍ: طَيِّبْ قَلْبَكَ لَمْ أَرَ مَكْرُوهًا إِنِّي رَأَيْتُهُمْ مُعْظِمِينَ لحقك، فارجع -[602]- وَاعْتَذِرْ، فَأَجْمَعَ عَلَى الرُّجُوعِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو إِسْحَاقَ أَحَدُ قُوَّادِهِ مُتَمَثِّلا:
مَا لِلرِّجَالِ مَعَ الْقَضَاءِ مَحَالَةٌ ... ذَهَبَ الْقَضَاءُ بِحِيلَةِ الأَقْوَامِ
خَارَ اللَّهُ لَكَ، احْفَظْ عَنِّي وَاحِدَةً: إِذَا دَخَلْتَ إِلَى الْمَنْصُورِ فَاقْتُلْهُ ثُمَّ بَايِعْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّ النَّاسَ لا يُخَالِفُونَكَ.
وَرَوَى بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمَنْصُورَ كَتَبَ إِلَى مُوسَى بْنِ كَعْبٍ بِوِلايَةِ خُرَاسَانَ، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ: هَذَا ابْنُ كعب من دونك بمن معه من شعيتنا وَأَنَا مُوَجِّهٌ لِلِقَائِكَ أَقْرَانِكَ فَاجْمَعْ كَيْدَكَ غَيْرَ مُوَفَّقٍ وَحَسْبُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهَ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَشَاوَرَ أَبُو مُسْلِمٍ أَبَا إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَقَالَ: مَا الرَّأْيُ؟ فَهَذَا مُوسَى بْنُ كَعْبٍ مِنْ هُنَا، وَهَذِهِ سُيُوفُ أَبِي جَعْفَرٍ مِنْ خَلْفِنَا، وَقَدْ أَنْكَرْتُ مَنْ كُنْتُ أَثِقُ بِهِ مِنْ قُوَّادِي، فَقَالَ: هَذَا رَجُلٌ يَضْطَغِنُ عَلَيْكَ أُمُورًا قَدِيمَةً فَلَوْ كُنْتَ وَالَيْتَ رَجُلا مِنْ آلِ عَلِيٍّ كَانَ أَقْرَبُ، وَلَوْ أَنَّكَ قَبِلْتَ إِمْرَةَ خُرَاسَانَ مِنْهُ كُنْتَ فِي فَسْحَةٍ مِنْ أَمْرِكَ وَكُنْتَ اخْتَلَسْتَ رَجُلا مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ فَنَصَّبْتَهُ إِمَامًا فَاسْتَمَلْتَ بِهِ الْخُرَاسَانِيَّةَ وَأَهْلَ الْعِرَاقِ وَرَمَيْتَ أَبَا جَعْفَرٍ بِنَظِيرِهِ لَكُنْتَ عَلَى طَرِيق التَّدْبِيرِ، أَتَطْمَعُ أَنْ تُحَارِبَ أَبَا جَعْفَرٍ وَأَنْتَ بِحُلْوَانَ وَجَيْشُهُ بِالْمَدَائِنِ، وَهُوَ خَلِيفَةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، لَيْسَ مَا ظَنَنْتَ لَكِنْ مَا بَقِيَ لَكَ إِلا أَنْ تَكْتُبَ إِلَى قُوَّادِكَ وَتَفْعَلَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: هَذَا رَأْيٌ إِنْ وَافَقَنَا عَلَيْهِ قُوَّادُنَا، قَالَ: فَمَا دَعَاكَ إِلَى أَنْ تَخْلَعَ أَبَا جَعْفَرٍ وَأَنْتَ عَلَى غَيْرِ ثِقَةٍ مِنْ قَوَّادِكَ! أَنَا أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ مِنْ قَتِيلٍ، أَرَى أَنْ تُوَجِّهَ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ تَسْأَلُهُ الأَمَانَ فَإِمَّا صَفْحٌ وَإِمَّا قَتْلٌ عَلَى عِزٍّ قَبْلَ أَنْ تَرَى الْمَذَلَّةَ مِنْ عَسْكَرِكَ، إِمَّا قَتَلُوكَ وَإِمَّا أَسْلَمُوكَ.
قَالَ: فَسَفَرَتِ السُّفَرَاءُ بَيْنَهُمَا، وَأَعْطَاهُ أَبُو جَعْفَر أَمَانًا مُؤَكَّدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو مُسْلِمٍ لِحِينِهِ، ثُمَّ بَعَثَ الْمَنْصُورُ أَمِيرًا إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ لِيَتَلَقَّاهُ وَلا يُظْهِرُ أَنَّهُ مِنْ جِهَةِ الْمَنْصُورِ لِيُطَمْئِنَهُ وَيَذْكُرُ حُسْنَ نِيَّةِ الْخَلِيفَةِ لَهُ، فَلَمَّا أَتَاهُ وَحَدَّثَهُ فَرِحَ الْمَغْرُورُ وَانْخَدَعَ، فَلَمَّا وَصَلَ الْمَدَائِنَ أَمَرَ الْمَنْصُورُ الأَعْيَانَ فَتَلَقَّوْهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ سَلَّمَ قَائِمًا، فَقَالَ الْمَنْصُورُ: انْصَرِفْ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَاسْتَرِحْ وَادْخُلِ الْحَمَّامَ، ثُمَّ اغْدُ عَلَيَّ، فَانْصَرَفَ، وَكَانَ مِنْ نِيَّةِ الْمَنْصُورِ أَنْ يَقْتُلَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَمَنَعَهُ وَزِيرُهُ أَبُو أَيُّوبَ، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَدَخَلْتُ بَعْدَ خُرُوجِهِ وَقَالَ لِيَ الْمَنْصُورُ: أَقْدِرُ عَلَى هَذَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ قَائِمًا عَلَى رِجْلَيْهِ وَلا أَدْرِي ما -[603]- يَحْدُثُ فِي لَيْلَتِي، وَكَلَّمَنِي فِي الْفَتْكِ بِهِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ فَكَّرْتُ، فَقَالَ: يَا ابن اللَّخْنَاءِ لا مَرْحَبًا بِكَ أَنْتَ مَنَعْتَنِي مِنْهُ أَمْسَ وَاللَّهِ مَا غَمَضْتُ الْبَارِحَةَ، ادْعُ لِي عُثْمَانَ بْنَ نَهِيكٍ، فَدَعَوْتُهُ، فَقَالَ: يَا عُثْمَانُ كيف بلاء أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَكَ؟ قَالَ: إِنَّمَا أَنَا عَبْدُكَ وَلَوْ أَمَرْتَنِي أَنْ أَتَّكِئَ عَلَى سَيْفِي حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ ظَهْرِي لَفَعَلْتُ، قَالَ: كَيْفَ أَنْتَ إِذَا أَمَرْتُكَ بِقَتْلِ أَبِي مُسْلِمٍ؟ فَوَجَمَ لَهَا سَاعَةً لا يَتَكَلَّمُ، فَقُلْتُ: مَا لَكَ لا تَتَكَلَّمُ! فَقَالَ قَوْلةً ضَعِيفَةً: أَقْتُلُهُ، فَقَالَ: انْطَلِقِ اذْهَبْ فَجِئْ بِأَرْبَعَةً مِنْ وُجُوهِ الْحَرَسِ وَشُجْعَانِهِمْ، فَذَهَبَ فَأَحْضَرَ شَبِيبُ بْنُ وَاجٍ وَثَلاثَةٌ فَكَلَّمَهُمْ، فَقَالُوا: نَقْتُلُهُ، فَقَالَ: كُونُوا خَلْفَ الرِّوَاقِ فَإِذَا صَفَّقْتُ فَدُونُكُمُوهُ، ثُمَّ طَلَبَ أَبَا مُسْلِمٍ فَأَتَاهُ، وَخَرَجْتُ لِأَنْظُرَ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَتَلَقَّانِي أَبُو مُسْلِمٍ دَاخِلا، فَتَبَسَّمَ وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَدَخَلَ فَرَجَعْتُ فَإِذَا بِهِ مَقْتُولٌ، قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ أَبُو الْجَهْمِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلا أَرُدَّ النَّاسَ؟ قَالَ: بَلَى، فَأَمَرَ بِمَتَاعٍ يُحَوَّلُ إِلَى رِوَاقٍ آخَرَ وَفُرُشٍ، وَقَالَ أَبُو الْجَهْمِ لِلنَّاسِ: انْصَرِفُوا فَإِنَّ الأَمِيرَ أَبَا مُسْلِمٍ يُرِيدُ أَنْ يُقِيلَ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَرَأَوُا الْمَتَاعَ يُنْقَلُ فَظَنُّوهُ صَادِقًا فَانْصَرَفُوا، وَأَمَرَ الْمَنْصُورُ لِلأُمَرَاءِ بِجَوَائِزِهِمْ، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَقَالَ لِيَ الْمَنْصُورُ: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو مُسْلِمٍ فَعَاتَبْتُهُ، ثُمَّ شَتَمْتُهُ فَضَرَبَهُ عُثْمَانُ بْنُ نَهِيكٍ فَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا وَخَرَجَ شَبِيبُ بْنُ وَاجٍ وَأَصْحَابَهُ فَضَرَبُوهُ فَسَقَطَ، فَقَالَ وهم يضربونه: العفو، فقلت: يا ابن اللَّخْنَاءِ الْعَفْوَ وَالسُّيُوفُ قَدِ اعْتَوَرَتْكَ، ثُمَّ قُلْتَ: اذْبَحُوهُ، فَذَبَحُوهُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ أُلْقِيَ فِي دِجْلَةَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: خَلُّوهُ، فَقَالَ الْمَنْصُورُ: أَخْبِرْنِي عَنْ سَيْفَيْنِ أَصَبْتَهُمَا فِي مَتَاعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ، فَقَالَ: هَذَا أَحَدُهُمَا، قَالَ: أَرِنِيهِ فَانْتَضَاهُ فَنَاوَلَهُ، فَهَزَّهُ الْمَنْصُورُ، ثُمَّ وَضَعَهُ تَحْتَ فِرَاشِهِ وَأَقْبَلَ يُعَاتِبُهُ، وَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ كِتَابِكَ إِلَى أَخِي أَبِي الْعَبَّاسِ تنهاه عن الموات أَرَدْتَ أَنْ تُعَلِّمَنَا الدِّينَ؟ قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّ أَخْذَهُ لا يَحِلُّ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ تَقَدُّمِكَ إِيَّايَ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ، قَالَ: كَرِهْتُ اجْتِمَاعَنَا عَلَى الْمَاءِ فَيَضُرُّ ذَلِكَ بِالنَّاسِ، قَالَ: فَجَارِيةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ أَرَدْتَ أَنْ تَتَّخِذَهَا؟ قَالَ: لا، وَلَكِنْ خِفْتُ أَنْ تَضِيعَ فَحَمَلْتُهَا فِي قُبَّةٍ، وَوَكَّلْتُ بِهَا مَنْ يَحْفَظُهَا، قَالَ: فَمُرَاغَمَتِكَ وَخُرُوجِكَ إِلَى خُرَاسَانَ؟ قَالَ: خِفْتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ دَخَلَكَ مِنِّي شَيْءٌ، فَقُلْت: أَذْهَبُ إليها وأكتب إليك -[604]- بعذري، والآن قد ذهب مَا فِي نَفْسِكَ عَلَيَّ، قَالَ: تَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ قَطُّ وَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى يَدِهِ فَخَرَجُوا عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ قَالَ لَهُ: ألَسْتَ الْكَاتِبُ إِلَيَّ تَبْدَأُ بِنَفْسِكَ، وَالْكَاتِبُ إِلَيَّ تَخْطُبُ عمتي أمينة وتزعم أنك ابن سُلَيْطِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَمَا الَّذِي دَعَاكَ إِلَى قَتْلِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ مَعَ أَثَرِهِ فِي دَعْوَتِنَا، وَهُوَ أَحَدُ نُقَبَائِنَا! فَقَالَ: عَصَانِي وَأَرَادَ الْخِلافَ عَلَيَّ فَقَتَلْتُهُ، فَقَالَ: فَأَنْتَ تُخَالِفُ عَلَيَّ! قَتَلَنِي اللَّهُ إِنْ لَمْ أَقْتُلْكَ، وَضَرَبَهُ بِعَمُودٍ، ثُمَّ وَثَبُوا عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لِخَمْسٍ بَقَيْنَ مِنْ شَعْبَانَ.
قَالَ: وَكَانَ أَبُو مُسْلِمٍ قَدْ قَتَلَ فِي دَوْلَتِهِ وَفِي حُرُوبِهِ ست مائة أَلْفٍ صَبْرًا، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا سَبَّهُ الْمَنْصُورُ انْكَبَّ عَلَى يَدِهِ يُقَبِّلُهَا وَيَعْتَذِرُ، وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَهُ عُثْمَانُ، فَمَا صَنَعَ أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهُ قَطَعَ حَمَائِلَ سَيْفِهِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمَؤْمِنِينَ اسْتَبْقِنِي لِعَدُوِّكَ، قَالَ: إِذًا لا أَبْقَانِي اللَّهُ، وَأَيُّ عَدُوٍّ أَعْدَى لِي مِنْكَ، ثُمَّ هَمَّ الْمَنْصُورُ بِقَتْلِ أَبِي إِسْحَاقَ صَاحِبِ حَرَسِ أَبِي مُسْلِمٍ وَبِقَتْلِ نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ، فَكَلَّمَهُ فِيهِمَا أَبُو الْجَهْمِ وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ جُنْدُهُ جُنْدُكَ، أَمَرْتَهُمْ بِطَاعَتِهِ فَأَطَاعُوهُ، ثُمَّ أَجَازَهُمَا وَأجَازَ جَمَاعَةً مِنْ كِبَارِ قُوَّادِهِ بِالْجَوَائِزِ السَّنِيَّةَ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ كَتَبَ بِعَهْدِ خَالِدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَى خُرَاسَانَ وَمَا وَرَاءَهَا.
قَالَ خَلِيفَةُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنُ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: قَتَلَهُ الْمَنْصُورُ، وَهُوَ فِي سُرَادِقٍ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى عِيسَى بْنِ مُوسَى فَجَاءَ فَأَعْلَمَهُ فَأَعْطَاهُ الرَّأْسَ وَالْمَالَ، فَخَرَجَ بِهِ وَنَثَرَ الْمَالَ عَلَى الْخُرَاسَانِيَّةَ فَتَشَاغَلُوا بِالذَّهَبِ.
وَفِيهَا خَرَجَ سِنْبَاذُ بِخُرَاسَانَ لِلطَّلَبِ بِثَأْرِ أَبِي مُسْلِمٍ، وَكَانَ سِنْبَاذٌ مَجُوسِيًّا تَغَلَّبَ عَلَى نَيْسَابُورَ وَالرَّيِّ، وَأَخَذَ خَزَائِنَ أَبِي مُسْلِمٍ وَتَقَوَّى بِهَا، فَجَهَّزَ الْمَنْصُورُ لِحَرْبِهِ جَهْوَرَ بْنَ مَرَّارٍ الْعِجْلِيَّ فِي عَشَرَةِ آلافٍ فَكَانَتِ الْوَقْعَةُ بَيْنَ الرَّيِّ وَهَمَذَانَ، وَكَانَتْ مَلْحَمَةً مُهَوِّلَةً فَهُزِمَ سِنْبَاذٌ وقُتِلَ مِنْ جَيْشِهِ نَحْوٌ مِنْ سِتِّينَ أَلْفًا، وَكَانَ غَالِبُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجِبَالِ، وَسُبِيَتْ ذَرَارِيهِمْ، ثُمَّ قُتِلَ سِنْبَاذٌ بِقُرْبِ طَبَرِسْتَانَ. -[605]-
وَفِيهَا خَرَجَ مُلَبَّدُ بْنُ حَرْمَلَةَ الشَّيْبَانِيُّ مُحَكِّمًا بِنَاحِيَةِ الْجِزِيرَةِ، فَانْتَدَبَ لِقِتَالِهِ أَلْفَ فَارِسٍ مِنْ عَسْكَرِ النَّاحِيَةِ فَهَزَمَهُمْ مُلَبَّدٌ، ثُمَّ الْتَقَاهُ عَسْكَرُ الْمَوْصِلِ فَهَزَمَهُمْ، ثُمَّ سَارَ لِحَرْبِهِ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ الْمُهَلَّبِيُّ، فَهَزَمَهُ مُلَبَّدٌ وَاسْتَفْحَلَ شَرُّهُ، ثُمَّ جَهَّزَ الْمَنْصُورُ لِحَرْبِهِ مُهَلْهَلَ بْنَ صَفْوَانَ فِي أَلْفَيْنِ نَقَاوَةً فَهَزَمَهُمْ مُلَبَّدٌ وَاسْتَوْلَى عَلَى عَسْكَرِهِمْ، ثُمَّ وَجَّهَ إِلَيْهِ جَيْشًا آخَرَ فَهَزَمَهُمْ، وَعَظُمَتْ هَيْبَتُهُ وَبَعُدَ صِيتُهُ، فَسَارَ لِحَرْبِهِ جَيْشٌ لَجِبٌ، وَعِدَّةُ قُوَّادٍ فَهَزَمَهُمْ، وَتَحَصَّنَ مِنْهُ حُمَيْدُ بْنُ قُحْطُبَةَ وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ لِيَكُفَّ عَنْهُ.
وَأَمَّا الْوَاقِدِيُّ، فَذَكَر أَنَّ خُرُوجَ مُلَبَّدٍ كَانَ فِي الْعَامِ الآتِي.
وَمَاتَ أَمِيرُ مَكَّةَ الْعَبَّاسُ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِعبَدِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ زِيَادُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيُّ، وَوَلِيَ إِمْرَةَ مِصْرَ الأَمِيرُ صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَبَّاسِيُّ.

-سنة ثمان وثلاثين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلاثِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّيَ زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ الْقُرَشِيُّ بِدِمَشْقَ، وَسُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ فِي قَوْلٍ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ فَيْرُوزَ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ فِي قَوْلٍ، وَالْعَلاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَدَنِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيُّ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ أَبِي عَلْقَمَةَ فِي قَوْلٍ، وَعَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ فِي قَوْلٍ، وَلَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ فِي قَوْلِ مُطَيَّنٍ، وَالْمِسْوَرُ بْنُ رِفَاعَةَ الْقَرَظِيُّ الْمَدِينِيُّ.
وَفِيهَا أَهَمّ الْمَنْصُورَ شَأْنُ مُلَبَّدٍ الشَّيْبَانِيِّ، فَنَدَبَ لِقِتَالِهِ خَازِمُ بْنُ خُزَيْمَةَ، فسار في ثمانية آلاف فارس، فالتقوا فَقَتَلَ اللَّهُ تَعَالَى مُلَبَّدًا بَعْدَ حُرُوبٍ يَطُولُ شَرْحُهَا.
وَفِيهَا غَزَا الأَمِيرُ صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ، فنزل دابق فأقبل طاغية الروم قسطنطين بن أَلْيُونَ فِي مِائَةِ أَلْفٍ، فَالْتَقَاهُ صَالِحُ فَانْتَصَرَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَسَلِمَ وَغَنِمَ، وَكَانَ هَذَا اللَّعِينُ قَدْ أَخَذَ مَلَطْيَةَ مِنْ قَرِيبٍ وَهَدَمَ سُورَهَا كما ذكرنا. -[606]-
وَفِيهَا ظَهَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ، وَبَعَثَ بِالْبَيْعَةِ مَعَ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَأَمَّا جَهْوَرُ بْنُ مَرَّارٍ الْعِجْلِيُّ، فَإِنَّهُ هَزَمَ سِنْبَاذَ كَمَا مَضَى، وَحَوَى مَا فِي عَسْكَرِهِ مِنَ الأَمْوَالِ وَالذَّخَائِرِ الَّتِي أَخَذَهَا سِنْبَاذُ مِنْ خَزَائِنِ أَبِي مُسْلِمٍ، فَلَمْ يَبْعَثْ بِهَا إِلَى الْمَنْصُورِ، ثُمَّ خَافَ فَخَلَعَ الْمَنْصُورَ، فَجَهَّزَ الْمَنْصُورُ لِحَرْبِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الأَشْعَثِ الْخُزَاعِيُّ فِي جَيْشٍ عَظِيمٍ، فَالْتَقَوْا وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ انْكَسَرَ جَهْوَرُ فَهَرَبَ إِلَى أَذْرَبَيْجَانَ، ثُمَّ قُتِلَ.
وَفِيهَا دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الدَّاخِلُ الأُمَوِيُّ إِلَى الأَنْدَلُسِ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَامْتَدَّتْ أَيَّامُهُ وَبَقِيَتِ الأَنْدَلُسُ فِي يَدِ أوْلادِهِ إِلَى بعد الأربع مائة، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

-سنة تسع وثلاثين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلاثِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّيَ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ الأُمَوِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ، وَخَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْمِصْرِيُّ الْفَقِيهُ، وَسَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ أَبُو بِشْرٍ بِالْبَصْرَةِ، وَعَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ مُهَاجِرٍ الدِّمَشْقِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ مولى ابن أبي أحمد، وَمُحَمَّدُ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ، وَيُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ بِالْبَصْرَةِ.
وَفِيهَا خَرَجَ جَعْفَرُ بْنُ حَنْظَلَةَ الْبَهْرَانِيُّ، فَأَتَى مَدِينَةَ مَلَطْيَةَ وَهِيَ خَرَابٌ فَعَسْكَرَ بِهَا، وَأَقْبَلَ الأَمِيرُ عَبْدُ الْوَاحِدِ فَنَزَلَ عَلَى مَلَطْيَةَ فَزَرَعَ أَرْضَهَا وَطَبَخَ كِلْسًا لِبِنَاءِ سُورِهَا، ثُمَّ قَفَلَ، فَوَجَّهَ طَاغِيَةُ الرُّومِ مِنْ حَرْقِ الزَّرْعِ.
وَفِيهَا غَزَا الأمير صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ وَالأَمِيرُ الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فوغلا في أرض الروم، وغزا مَعَهُمَا أُمُّ عِيسَى وَلُبَابَةُ أُخْتَا الأَمِيرِ صَالِحٍ، وَكَانَتَا نَذَرَتَا إِنْ زَالَ مُلْكَ بَنِي أُمَيَّةَ أَنْ تُجَاهِدَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ صَائِفَةٌ -[607]- وَلا غَزْوٌ إِلَى أَنْ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ؛ لاشْتِغَالِ الْمَنْصُورِ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ بِخُرُوجِ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ عَلَيْهِ.
وَفِيهَا عَزَلَ الْمَنْصُورُ عَمَّهُ سُلَيْمَانَ عَنِ الْبَصْرَةِ، وَوَلِيَ سُفْيَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَاخْتَفَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ وَآلِهِ خَوْفًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَبَعَثَ الْمَنْصُورُ إِلَى سُلَيْمَانَ وَعِيسَى فَعَزَمَ عَلَيْهِمَا فِي إِشْخَاصِ أَخِيهِمَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ وَأَعْطَاهُمَا لَهُ الأَمَانُ، وَكَتَبَ إِلَى سُفْيَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ لِيَحُثَّهُمَا عَلَى ذَلِكَ، فَأَقْدَمُوا عَبْدَ اللَّهِ عَلَى الْمَنْصُورِ فَسَجَنَهُ، وَسَجَنَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ، وَقَتَلَ بَعْضَهُمْ، وَبَعَثَ بِطَائِفَةٍ مِنْهُمْ إِلَى خُرَاسَانَ لِيَقْتُلَهُمْ خَالِدٌ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخُو الْمَنْصُورِ.

-سنة إحدى وثلاثين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة إحدى وثلاثين ومائتين
فيها تُوُفّي أحمد بْن نصر الخُزَاعِيّ شهيدًا، وإبراهيم بْن محمد بْن عَرْعَرَة، وَأُمَيَّة بْن بِسْطَام، وأَبو تَمَّام حبيب بْن أَوْس الطّائِيّ الشّاعر، وخالد بْن مرداس السراج، وسليمان بن داود الخُتُّليّ، وسُليمان بْن داود المباركيّ، وسهل بْن زَنْجلة الرّازيّ، وعبد اللَّه بْن محمد بن أسماء، وعبد الرحمن بْن سلّام الْجُمَحِيّ، وعبد الله بن يزيد المقرئ الدمشقي، وعلي بن حكيم الأودي، وكامل بْن طلحة الجحدريّ، ومحمد بْن زياد الأعرابيّ اللُّغَويّ، ومحمد بْن سلام الْجُمَحِيّ أخو عبد الرحمن، ومحمد بْن المِنْهَال التَّميميّ الضرير، ومحمد بْن المِنْهَال العطّار أخو حَجَّاج، ومحمد بْن يحيى بْن حمزة قاضي دمشق، ومُحرز بْن عَوْن، ومِنْجَاب بْن الحارث، وهارون بْن معروف، ويحيى بْن عبد اللَّه بْن بُكَيْر، وأبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي.
وفيها ورد كتاب الواثق إلى أمير البصرة يأمره أن يَمتحن الأئمّة والمؤذّنين بخلْق القرآن، وكان قد تبع أباهُ المعتصم في امتحان الناس بالقرآن، فلمّا استخلف المتوكّل بعده رفع المحنة، ونشر السنة.
وفيها كان الفداء، فاستفكّ من طاغية الروم أربعة آلاف وستمائة نفس. فتفضّل أحمد بْن أبي دؤاد فقال: من قال من الأسارى: القرآن مخلوق، خلِّصُوه وأعطوهُ دينارين، ومن امتنعَ دعوه في الأسر. ولَم يقع فداء بين المسلمين والروم منذ سبع وثلاثين سنة.
وفيها نقل أبو مروان بن حيان في " تاريخ الأندلس " واقعة غريبة فقال: وَرَدَ مجوس يُقال لَهم الأردمانيّون إلى ساحل الأندلس الغربيّ، في أيام الأمير عبد الرحمن، فوصلوا إشْبيلية وهي بغير سورْ، ولا بِهَا عسكر، فقاتلهم أهلها ثم انهزموا. فدخلوا، يعني المجوس إشبيلية، وسَبَوْا الذُّرِّيَة ونهبوا. فأرسلَ -[744]- عبد الرحمن عسكرا، فكسروهم واستنقذوا الأموال والذُّرِّيّة، وأسروا منهم أربعة آلاف، وأخذوا لَهم ثلاثين مركبًا.

-سنة اثنتين وثلاثين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة اثنتين وثلاثين ومائتين
فيها توفي إبراهيم بن الحجاج النيلي لا السامي، والحكم بن موسى القنطري الزاهد، وحوثرة بن أشرس، وعبد الله بن عون الخراز، وعبد الوهاب بْن عَبْدَةَ الحَوْطِيّ، وعليّ بْن المغيرة الأثرم اللُّغَويّ وعَمْرو بْن محمد النّاقد، وعيسى بْن سالِم الشّاشيّ، وهارونَ الواثق بالله، ويوسف بن عدي الكُوفيُّ.
وفيها كانت وقعة كبيرة بين بُغا الكبير وبين بني نُمَيْر، وكانوا قد أفسدوا الحجاز وتِهامة بالغارات، وحشدوا في ثلاثة آلاف راكب، فهزموا أصحاب بُغَا، وجعل يناشدهم الرجوع إلى الطّاعة، وبات بحذائهم ثُمَّ أصبحوا فالتقوا، فانهزمَ أصحابُ بُغَا، فأيقنَ بالهلاكِ. وكان قد بعث مائتي فارس إلى جبل لبني نُمَيْر. فبينما هو في الإشراف على التَّلَف، إذا بِهم قد رجعوا يضربون الكوسات، فحملوا على بني نُمَير فهزموهم، وركِبوا أقفِيَتَهم قَتْلًا وأسْرًا، فأسَروا منهم ثمانمائة رجل. فعاد بُغَا وقدِم سامرّاء، وبين يديه الأسرى.
وفيها مات خلْق كثير من العطش بأرض الحجاز.
وفيها كانت الزلازل كثيرة بالشّام، وسقطت بعض الدُّور بدمشق، ومات جماعة تحت الرَّدْم.

-سنة ثلاث وثلاثين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة ثلاث وثلاثين ومائتين
فيها تُوُفِيّ أحمد بْن عبد اللَّه بْن أبي شُعَيب الحرّانيّ، وإبراهيم بْن الْحَجّاج السَّامِيّ، وإسحاق بْن سعيد بْن الأَرْكُون الدِّمشقيّ، وحبّان بْن موسى المَرْوَزِيّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ بِنْتَ شُرَحْبِيلَ، وداهر بْن نوح الأهوازيّ، ورَوْح بْن صلاح المِصْريُّ، وسهل بْن عثمان العسكريّ، وعبد الجبّار بْن عاصم النَّسَائِيّ، وعُقْبة بْن مُكْرَم الضَّبّيّ، ومحمد بْن سماعة القاضي، ومحمد بْن عائذ الكاتب، والوزير محمد بْن عبد الملك ابن الزَّيّات، ويحيى بْن أيّوب المَقَابِرِيّ، ويَحْيَى بْن معين، ويزيد بن موهب الرملي.
وفيها جاءت زلزلة مهولة بدمشق، سقطت منها شرفات الجامع، وانصدع حائط المحراب، وسقطت منارته، وهلك خلْق تحت الرَّدْم. وهرب النّاس إلى الْمُصَلّى باكين مُتَضرِّعين، وبقيت ثلاث ساعات، وسكنت.
وقال أحمد بْن كامل القاضي في " تاريخه ": إن بعض أهل دير مُرَّان رأى دمشق تنخفضُ وترتفعُ مِرارًا، فمات تحت الْهَدم مُعْظم أهلها. كذا قال، والله حسيبه، قال: وانكفأت قرية بالغوطة، فلم ينج منه إلَّا رجلٌ واحد، وكانت الحِيطان تنفصلُ حجارتها، مع كون الحائط عرضه سبعة أذرع. وامتدّت إلى أنطاكية، فهدمتها، وإلى الجزيرة فأخربتها، وإلى المَوْصِل، فيُقالُ: هَلَكَ من أهلها خمسون ألفا، ومن أهل أنطاكية عشرون ألفا.
وفيها أصاب أحمد بن أبي داؤد فالج صيَّره حجرًا مُلْقَى.

-سنة أربع وثلاثين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة أربعٍ وثلاثين ومائتين
تُوُفِيّ فيها أحمد بْن حرب النَّيْسَابُوريّ الزّاهد، ورَوْح بْن عبد المؤمن القارئ، وأبو خَيْثَمة زُهير بْن حرب، وسليمان بْن داود الشَّاذكُونيّ، وأبو الربيع سليمان بْن داود الزّهرانيّ، وعبد الله بن عمر ابن الرّمّاح قاضي نَيْسَابور، وأبو -[746]- جعفر عبد اللَّه بْن محمد النُّفَيْلِيّ، وعليّ بن بحر القطان، وعلي ابن المَدِينيّ، ومحمد بْن عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر، ومحمد بْن أبي بكر المُقَدَّمِيّ، والْمُعَافَى بْن سليمان الرَّسْعَنِيّ، ويحيى بْن يحيى اللَّيْثيّ الفقيه.
وفيها هبت ريح بالعراق - فيما قيل - شديدة السموم، لم يعهد مثلها، أحرقت زرع الكوفه، والبصرة، وبغداد، وقتلت المسافرين. ودامت خمسين يومًا، واتصلت بهمذان، فأحرقت الزرع والمواشي، واتصلت بالموصل وسنجار، ومنعت الناس من المعاش في الأسواق، ومن المشي في الطرق، وأهلكت خلْقًا عظيمًا، والله أعلم بصحة ذلك.
وحجّ بالناس من العراق محمد بْن داود بْن عيسى العبّاسيّ، وهو كان أمير الحاجّ في هذه الأعوام.
وفيها أظهر السنة المتوكّلُ في مجلسه، وتحدَّث بها، ورفع المحْنة ونَهى عن القول بِخلق القرآن، وكتب بذلك إلى الآفاق، واستقدمَ المحدِّثينَ إلى سامرّاء، وأجزلَ عطاياهم وأكرمهم، وأمرهم أن يُحدِّثوا بأحاديث الصِّفَات والرؤية، وجلس أبو بكر بْن أبي شَيْبة في جامع الرّصافة، فاجتمعَ له نَحوٌ من ثلاثين ألف نفس، وجلس أخوهُ عثمان بْن أبي شَيْبَة على منبر في مدينة المنصور، فاجتمعَ إليه أيضًا نحوٌ من ثلاثين ألفًا، وجلس مُصْعَب الزُّبَيْرِيّ وحدَّث، وتوفّر دعاء الخلْق للمتوكّل، وبالغوا في الثّناء عليه والتّعظيم له، ونسوا ذنوبه، حتّى قال قائلهم: الخلفاء ثلاثة: أبو بكر الصديق يوم الردة، وعمر بْن عبد العزيز في ردّ المظالِم، والمتوكّل في إحياء السنة وإماتة التجهم.
وفيها خرج عن الطاعة محمد بن البُعَيْث أمير آذَرْبَيْجَان وأرمينية، وتَحَصَّن بقلعة مَرَنْد، فسار لقتاله بُغَا الشَّرابيّ في أربعة آلاف، فنازله وطال الحصار، وقُتِلَ طائفة كبيرة من عسكر بُغَا. ثُمَّ نزل بالأمان. وقيل: بل تدلّى ليهرب فأسروه. والله أعلم.

-سنة خمس وثلاثين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة خمسٍ وثلاثين ومائتين
فيها تُوُفِيّ أحمد بْن عمر الوَكِيعيّ، وإبراهيم بْن العلاء زِبْريق الحمصيّ، وإسحاق الْمَوْصِليّ النّديم، وسُرَيْج بْن يونس العابد، وإسحاق بْن إبراهيم بْن مُصْعَب أمير بغداد، وشُجاع بْن مَخْلَد، وشَيْبَان بْن فَرُّوخ، وأبو بكر بْن أبي شَيْبَة، وعُبَيْد اللَّه بْن عمر القواريريّ، ومحمد بْن عبّاد المكيّ، ومحمد بْن حاتِم السّمين، وَمُعَلَّى بْن مهديّ الْمَوْصِليّ، ومنصور بْن أبي مزاحم، وأبو الهُذَيْل العلّاف شيخ المعتزلة، وهُرَيْم بْن عبد الأعلى الْبَصْرِيُّ، وعمرو بن عباس.
وفيها ألزم المتوكّل النصارى بلبس العَسَليّ
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت