|
بعم
(البَعِيمُ، كَأَمِيرٍ) أهملهُ الجوهريُّ وصاحبُ اللِّسان، وَقَالَ الخارْزَنْجِيُّ: هُوَ اسْم (صَنَم) ،قَالَ: (و) أَيْضا: (التِّمثالُ من الخَشَبِ) ، قَالَ: (و) أَيْضا (الدُّمْيَةُ من الصِّبْغ) كَذَا فِي النُّسخ، والصّواب من الصَّمْغ، قَالَ: (و) أَيْضا: (المُفْحَمُ الَّذِي لَا يَقُولُ الشِّعْر) ، كَمَا فِي العُباب. [] وَمِمّا يُسْتَدْرك عَلَيْهِ: البِعْمُ بِالْكَسْرِ: لَقَبُ جَدِّ والدِ الفَقِيهِ نَجْم الدِّين عَمْرو بن مُحَمَّد بن عليّ أَحَد شُيُوخِ البُرْهانِ العَلَوِيِّ الزَّبيديِّ. |
|
بعم
أهمَله الخَليل. وحَكى الخارْزَنْجيُّ: البَعِيْمُ: اسْمُ صَنَمٍ. والتِّمثالُ من الخَشَب. والدُّمْيةُ من الصِّبْغ. والمُفْحَمُ الذي لا يقولُ الشَّعْرَ. |
موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب
موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب
معجم الصحابة للبغوي
لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)
|
هذه من الألفاظ الدالة على كون الراوي متروكاً ، فهي مثل (غير معتمد).
|
لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)
|
انظر (ليس بمعتمد).
|
تاريخ دولة آل سلجوق
|
البلد بسياسته، وتمت الحماية بحميته. وورد في آخر شهر ربيع الأول الوزير أبو العلاء محمد بن الحسين، وعليه خلع سلطانية، وكان قد نبه السلطان إلى خدمة الخليفة لتقوية ما توهمه من الأسباب الضعيفة. وخصه بالحب والحباء، ولقبه بوزير الوزراء، وأقطعه النصف من إقطاع الوزير فخر الدولة ابن جهير.
فلما وصل تقدم الخليفة بأن لا يستقبل، ولا يحتفل به إذا أقبل ولا يقبل، فلما انتهى إلى باب النوبي، نزل وقبل الأرض وانصرف. ولم يرض للقبول وما تصرف. وأقام ببغداد أياما ثم رحل، وحل بالحلة المزيدية مستزيدا، وصرف أخوه أبو المعاني عن الحجية، فعاد بعد أن كان حاجبا قريبا محجوبا بعيدا. وفي صفر من هذه السنة توجه عميد الدولة أبو منصور ابن الوزير بخلع أمامية إلى ألب أرسلان بنيسابور، ووكل في تزويج المقتدي ببنت ألب أرسلان المنعوتة بخاتون السفرية. فسفر وجه وجاهته بهذه السفرة الصفرية. فلما وصل تلقى بالعظماء واستقبل وتقدم بإنزاله في المرتبة الكبيرة، وترتيب الأنزال الكثيرة، وعقد العقد للمقتدي على بنت السلطان في أسعد ساعة، وأحسن عادة. وكان يوما مشهودا أزهر، قد نثر فيه الملوك الجوهر. ولما عاد عميد الدولة جعل على أصفهان العبور، فلقى من ملكشاه ولد السلطان الحب والحباء والحبور. وأفاض عليه الخلع الإمامية فلبسها، وأحكم عنده قواعد الأمور في العواقب وأسسها. وكان ملكشاه قد عاد من شيراز وهو سائر إلى والده، وورد المملكة منه ظمآن إلى وارده. وعاد عميد الدولة إلى بغداد في ثامن عشر ذي الحجة، بادي الحجة، هادي المحجة. ذكر وفاة ألب أرسلان في سنة خمس وستين وأربعمائة قال: في أول هذه السنة توجه السلطان ألب أرسلان لقصد بلاد الترك، وقد كملت له أسباب الملك، في أكثر من مائتي ألف فارس، ومد على جيحون 1جسرا، كما خط الكاتب على الطرس سطرا، وكانت مدة عبور العسكر عليه شهرا. وكان قد قصده شمس الملك تكين بن طفقاج، والإقبال قد بلغ الكمال وأوضح المنهاج. وأنه في سادس شهر ربيع الأول، بكر وهو في الصدر الأرحب والباع الأطول والكمال __________ جيحون: اسم نهر. |
تاريخ الخلفاء للسيوطي
|
الأحاديث الواردة في فضله مقرونا بعمر
أخرج الشيخان [ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول بينا راع في غنمه عدا عليه الذئب فأخذ منها شاة فطلبه الراعي فالتفت إليه الذئب فقال : من لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري ؟ و بينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها فالتفت إليه فكلمته فقالت : إني لم أخلق لهذا و لكن خلقت للحرث قال الناس : سبحان الله بقرة تتكلم ؟ قال النبي صلى الله عليه و سلم : فإني أومن بذلك و أبو بكر و عمر و ما ثم أبو بكر و عمر ] أي لم يكونا في المجلس شهد لهما بالإيمان بذلك لعلمه بكمال إيمانهما و أخرج الترمذي [ عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ما من نبي إلا و له وزيران من أهل السماء و وزيران من أهل الأرض فأما وزيراي من أهل السماء فجبريل و ميكائيل و أما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر و عمر ] و أخرج أصحاب السنن و غيرهم [ عن سعيد بن زيد قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول أبو بكر في الجنة و عمر في الجنة و عثمان في الجنة و علي في الجنة ] و ذكر تمام العشرة و أخرج الترمذي [ عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون النجم الطالع في أفق السماء و إن أبا بكر و عمر منهم ] و أخرجه الطبراني من حديث جابر بن سمرة و أبي هريرة و أخرج الترمذي [ عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يخرج على أصحابه من المهاجرين و الأنصار و هم جلوس فيهم أبو بكر و عمر فلا يرفع إليه أحد منهم بصره إلا أبو بكر و عمر فإنهما كانا ينظران إليه و ينظر إليهما و يتبسمان إليه و يبتسم إليهما ] و أخرج الترمذي و الحاكم [ عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم خرج ذات يوم فدخل المسجد و أبو بكر و عمر أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله و هو آخذ بأيديهما و قال : هكذا نبعث يوم القيامة ] و أخرجه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة و أخرج الترمذي و الحاكم [ عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أنا أول من تنشق عنه الأرض ثم أبو بكر ثم عمر ] و أخرج الترمذي و الحاكم و صححه [ عن عبد الله بن حنطب أن النبي صلى الله عليه و سلم رأى أبا بكر و عمر فقال هذان السمع و البصر ] و أخرجه الطبراني من حديث ابن عمر و ابن عمرو و أخرج البزار و الحاكم [ عن أبي أروى الدوسي قال : كنت عند النبي صلى الله عليه و سلم فأقبل أبو بكر و عمر فقال : الحمد لله الذي أيدني بكما ] و ورد أيضا من حديث البراء بن عازب أخرجه الطبراني في الأوسط و أخرج أبو يعلى [ عن عمار بن ياسر قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أتاني جبريل آنفا فقلت : يا جبريل حدثني بفضائل عمر بن الخطاب فقال : لو حدثتك بفضائل عمر منذ ما لبث نوح في قومه ما نفدت فضائل عمر و إن عمر حسنة من حسنات أبي بكر ] و أخرج أحمد [ عن عبد الرحمن بن غنم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لأبي بكر و عمر : لو اجتمعنا في مشورة ما خالفتكما ] و أخرجه الطبراني من حديث البراء بن عازب و أخرج ابن سعد عن ابن عمر أنه سئل : من كان يفتي في زمن رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ فقال : أبو بكر و عمر و لا أعلم غيرهما و أخرج عن القاسم بن محمد قال : كان أبو بكر و عمر و عثمان و علي يفتون في عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم و أخرج الطبراني [ عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : إن لكل نبي خاصة من أمته و إن خاصتي من أصحابي أبو بكر و عمر ] و أخرج ابن عساكر [ عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : رحم الله أبا بكر ! زوجني ابنته و حملني إلى دار الهجرة و أعتنق بلالا رحم الله عمر ! يقول الحق و إن كان مرا تركه الحق و ما له من صديق رحم الله عثمان ! تستحيه الملائكة رحم الله عليا ! اللهم أدر الحق معه حيث دار ] و أخرج الطبراني [ عن سهل رضي الله عنه قال : لما قدم النبي صلى الله عليه و سلم من حجة الوداع صعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه ثم قال : أيها الناس إن أبا بكر لم يسؤني قط فاعرفوا له ذلك أيها الناس إني راض عنه و عن عمر و عثمان و علي و طلحة و الزبير و سعد و عبد الرحمن بن عوف و المهاجرين الأولين فاعرفوا ذلك لهم ] و أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن ابن أبي حازم قال : جاء رجل إلى علي ابن الحسين فقال : ما كان منزلة أبي بكر و عمر من رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ قال : كمنزلتهما منه الساعة و أخرجه ابن سعد [ عن بسطام بن مسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لأبي بكر و عمر لا يتأمر عليكما أحد بعدي ] و أخرج ابن عساكر عن أنس مرفوعا [ حب أبي بكر إيمان و بغضهما كفر ] و أخرج عن ابن مسعود قال : حب أبي بكر و عمر و معرفتهما من السنة و أخرج عن أنس مرفوعا [ إني لأرجو لأمتي في حبهم لأبي بكر و عمر ما أرجو لهم في قول : لا إله إلا الله ] |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
أمر المهدي بعمل المصانع وبناء القصور في طريق مكة وقصر المنابر إلى قدر منبر الرسول صلى الله عليه وسلم.
161 - 777 م أمر المهدي ببناء القصور في طريق مكة وأمر بتوسيع القصور التي كان بناها السفاح كما قام بتجديد الأميال والبرك ومصانع المياه وحفر الركايا كل ذلك تسهيلا للمسافرين في طرقهم، كما أمر أن تقصر كل المنابر إلى قدر منبر الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يزاد على ذلك. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
ظفر المأمون بعمه إبراهيم بن المهدي.
210 ربيع الثاني - 825 م كان إبراهيم المهدي قد خرج على المأمون وبايعه أهل بغداد إلا أن الأمر لم يدم في يده طويلا حتى انفض عنه الناس وتركوه فاختفى مدة ست سنين وشهور ثم ظفر به المأمون, فاستعطفه إبراهيم فعفى عنه وتركه. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
ما جرى بعمان بعد موت أبي القاسم بن مكرم.
431 - 1039 م لما توفي أبو القاسم بن مكرم خلف أربعة بنين وهم أبو الجيش، والمهذب، وأبو محمد، وآخر صغير، فولي بعده ابنه أبو الجيش، وأقر علي بن هطال المنوجاني، صاحب جيش أبيه، وكان المهذب، يطعن على ابن هطال، وبلغه ذلك، فأضمر له سوءاً، فجهز له مكيدة وجعله يكتب بخطه ما أظهره ابن هطال عند أبي الجيش، وقال له: إن أخاك كان قد أفسد كثيراً من أصحابك عليك، وتحدث معي، واستمالني فلم أوافقه، فلهذا كان يذمني، ويقع في، وهذا خطه بما استقر يعني من أنه سيمنحه الوزارة وغيرها إن مكنه من الأمر فلما رأى خط أخيه أمره بالقبض عليه، ففعل ذلك واعتقله، ثم وضع عليه من خنقه وألقى جثته إلى منخفض من الأرض، وأظهر أنه سقط فمات ثم توفي أبو الجيش بعد ذلك بيسير، وأراد ابن هطال أن يأخذ أخاه أبا محمد فيوليه عمان ثم يقتله، فلم تخرجه إليه والدته، وقالت له: أنت تتولى الأمور، وهذا صغير لا يصلح لها. ففعل ذلك، وأساء السيرة، وصادر التجار، وأخذ الأموال، وبلغ ما كان منه مع بني مكرم إلى الملك أبي كاليجار، والعادل أبي منصور ابن مافنة، فأعظما الأمر واستكبراه، وشد العادل في الأمر، وكاتب نائباً كان لأبي القاسم بن مكرم بجبال عمان يقال له المرتضى، وأمره بقصد ابن هطال، وجهز العساكر من البصرة لتسير إلى مساعدة المرتضى، فجمع المرتضى الخلق، وتسارعوا إليه وخرجوا عن طاعة ابن هطال، وضعف أمره، واستولى المرتضى على أكثر البلاد، ثم وضعوا خادماً كان لابن مكرم، وقد التحق بابن هطال، على قتله، وساعده على ذلك فراش كان له، فما سمع العادل بقتله سير إلى عمان من أخرج أبا محمد بن مكرم، ورتبه في الإمارة، وكان قد استقر أن الأمر لأبي محمد في هذه السنة. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
قيام جبهة الإنقاذ الوطني الليبي المعارضة بعملية باب العزيزية &.
1404 شعبان - 1984 م اقتحمت مجموعة من مقاتلي الإنقاذ (الجناح العسكري للجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا) معسكر باب العزيزية في طرابلس، وقد اشتبكت هذه المجموعة مع قوات ليبية وأجنبية تحرس المعسكر لفترة تراوحت بين خمس وسبع ساعات استخدمت فيها كافة الأسلحة، وقد قتل جميع الذين اشتركوا في العملية من المقاتلين وعددهم ثمانية، ولم يتمكن بعض المتواجدين في المعسكر من الفرار عبر أحد المخابئ السرية، إلا بعد ما تدخلت قوات مدرعة وحرس أجنبي وعلى الأخص الألمان الشرقيين، وسقط في هذه المعركة من الجانب الآخر عدد يتراوح بين 100 و120 شخصًا ما بين قتيل وجريح، وقد انضم عدد من الجنود الليبيين إلى جانب المقاتلين. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
وفاة عبدالله الطيب المجذوب، المعروف بعميد الأدب السوداني.
1424 ربيع الثاني - 2003 م ولد عبدالله الطيب المجذوب بقرية التميراب غرب الدامر في 25 رمضان 1339هـ / الموافق 2 يونيو 1921م، تعلم بمدارس كسلا والدامر وبربر وكلية غردون التذكارية بالخرطوم والمدارس العليا ومعهد التربية ببخت الرضا وجامعة لندن بكلية التربية ومعهد الدراسات الشرقية والإفريقية. نال الدكتوراه من جامعة لندن ( SOAS) سنة 1950م. وعمل بالتدريس بأمدرمان الأهلية وكلية غردون وبخت الرضا وكلية الخرطوم الجامعية وجامعة الخرطوم، وغيرها. تولى عمادة كلية الآداب بجامعة الخرطوم (1961 - 1974م) وكان مديراً لجامعة الخرطوم (1974 - 1975) وعُيّن أول مدير لجامعة جوبا (1975 - 1976م)، وأسس كلية بايرو بكانو "نيجيريا". توفي في 19 ربيع الثاني 1424. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة أربعمائة.
نقص فِي ربيع الآخر نهر دِجْلة نُقْصانًا لم يُعْهد مثله، وامتنع سَيْر السُّفُن من أوانا والراشدية من أعالي دجلة، وأكريت لأجل جزائر ظهرت، ولا يُعْلَم أنّ كَرْيَ دِجلةَ وقع قبل ذَلِكَ. وفيها عمل أَبُو مُحَمَّد الْحَسَن بْن الفضل بْن سهلان عَلَى مشهد عليّ سُورًا منيعًا من ماله، لكثرة من يطرقه من الْأعراب، وتحصّن المشهد. وفي رمضان أُرْجِف بالقادر باللَّه بموته، فجلس للنّاس يوم الجمعة وعليه البُرْدَة، وبيده القضيب، وقبّل الشَّيْخ أَبُو حامد الإِسْفِرَايِينِيّ الأرض، فسأل أبو الحسن بن حاجب النعمان مسألة الخليفة أن يقرأ آيات من القرآن يسمعها النّاس، فقرأ عند ذَلِكَ بصوتٍ عالٍ {{لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ}} ... الآيات. وفيها ورد الخبر إلى العراق بأن الحاكم أنفذ إلى دار جَعْفَر الصّادق بالمدينة من فتحها وأخذ ما فيها، ولم يتعرّض لهذه الدّار أحد، وكان الحاكم قد أنفذ رجلا ومعه صلات للعلويين وزادُهم، وأمره أن يجمعهم ويُعْلِمَهم إيثاره لفتح هذه الدّار، والنّظر إلى ما فيها من آثار جَعْفَر بْن مُحَمَّد، وَحُمِلَ ذَلِكَ إِلَيْهِ ليراه ويردّه، ووعدهم عَلَى ذَلِكَ بالإكرام، فأجابوه، ففُتِحَت، فوُجِد فيها مصحفٌ وقعب من خشب مطوَّق بحديد، ودرقة خَيْزران وحربة وسرير، فحُمِل ذَلِكَ، ومضى معه جماعة من الحسينيّين، ولما وصلوا إلى مصر أعطاهم مبلغًا، وردّ عليهم السّرير وأخذ الباقي، وقَالَ: أَنَا أحقُ بِهِ. وأمر بعمارة دار العلم، وأحضر فيها الفقهاء والمحدثين. وعمّر أيضًا الجامع الحاكمي بالقاهرة، واتّصل الدعاء له، فبقي كذلك ثلاث سنين، ثم -[695]- أخذ يقتل أهل العلم، وأغلق دار العلم، ومنع من كل ما يفعل من الخير، إلى أن قُتِل سرًّا. وحجّ بالنّاس من العراق أَبُو الحارث مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن عُمَر العَلَوي الكُوفي. وفيها غزا محمود بْن سُبُكْتِكين الهند، فكانت وقعة نارين، ونصر اللَّه الْإسلام، فله الحمد، وغنم المسلمون ما لا يُحدُّ ولا يوصف، وطلب صاحب الهند الهدنة، وبعث بتُحَفٍ وتقادُم مَعَ أقاربه. قَالَ أَبُو النّصر مُحَمَّد بْن عَبْد الجبّار فِي سيرة السلطان محمود: نشط السلطان في سنة أربعمائة لغزو الهند تقرُّبًا إلى اللَّه، فنهض يحثّ الخيول، ويخترق الحزون والسّهول، إلى أن توسّط ديار الهند فاستباحها، ونكّس أصنامها، وأوقع بعظيم العُلُوج وقعةً أفاء اللَّه عَلَيْهِ بها أمواله، وأغنمهم خيوله وأفياله، وحكَّم فيها سيوفَ أوليائه، يحرسونهم ما بين كل سبسب وفَدْفَد، ويجزرونهم عند كلّ مهبط ومصعد، وردّ إلى غَزْنَة بالغنائم، فلما رَأَى ملك الهند ما صبّ اللَّه عَلَيْهِ وعلى أهل مملكته من سَوْط العذاب بوقائع السلطان، أيقن أَنَّهُ لا قِبَل لَهُ بثقل وطْأته، فأرسل إِلَيْهِ أعيان أقاربه ضارعًا إليه في هدنة يقف فيها عند أمره، ويسمح بماله ووفره، على أن يقود إليه بادئ الأمر خمسين فيلا، ويحمل معها مالا عظيم الخطر، بما يضاهيه من مبار تلك الديار، ومتاع تِلْكَ البقاع، وعلى أن يناوب كلّ عام من أفناء عسكره فِي خدمة باب السلطان بألفي رجل، إلى إتاوة معلومة يلتزمها كل سنة، سنة يتمسك بها من يرث مكانه ويقوم في كفالة الملك مقامه. فأوجب السلطان إجابته ببذل طاعته، وإعطائه الجزية عن يده، وبعث إِلَيْهِ من طالبه بتصحيح المال، وقود الأفيال، فنفذ ما وعد، وانعقدت الهدنة، وتتابعت القوافل من خُرَاسان والهند، ولله الحمد. وبقيت جبال الغَوْر فِي وسط ممالك السلطان محمود، وبها قوم من الضُّلال الخالين عَنْ سِمَة الْإسلام يخِيفون السّبيل، ويتمنّعون بتلك الجبال -[696]- الشواهق، فأَهمَّ السلطانَ شأنُهم، وصمّم عَلَى تدويخ ديارهم وانتزاع بعرة الاستطالة من رؤوسهم، فأجْلَب عليهم بخيله ورِجْله، وقدّم أمامه والي هَرَاة التونتاش، ووالي طُوس أرسلان، فسارا مقتحمين مضايق تِلْكَ المسالك، إلى مضيقٍ قد غصّ بالكماة، فتناوشوا الحربَ تناوشًا بطلت فِيهِ العوامل إلا الصّوارم فِي الجماجم والخناجر فِي الحناجر، وتصابر الفريقان، حتى سالت نفوس، وطارت رؤوس، فلحِقَهم السلطان فِي خواصّ أبطاله، وجعل يُلْجئُهم إلى ما وراءهم شيئًا فشيئًا، إلى أن فرّقهم فِي عَطَفات الجبال، واستفتح المجال إلى عظيم الكَفَرَة المعروف بابن سُورَى، فغزاه فِي عقر داره، وأحاط ببلده، وتقيد عَلَيْهِ، فبرز الرجل فِي عشرة آلاف كأنما خُلِقُوا من حديد، وكأنّ أكبادهم الجلاميد، يستأنسون بأهل الوقائع استئناس الظُّمَّأ بماء الشَّرَائع، ودام القتال إلى نصف النّهار، فأمر السلطان بتوليتهم الظهور استدراجا، فاغتروا وانقضوا عن مواقفهم، واغتنموا الفرصة، فكرّت عليهم الخيول بضربات غنيت بذواتها عَنْ أدواتها، فلم ترتفع منها واحدة إلا عَنْ دماغ منثور، ونِياط مبتور، وصُرع فِي المعركة رجالٌ كَهَشِيم المُحْتَضِر، أو أعجازِ نخْلٍ مُنْقَعِر، وأُسِر ابن سُورَى وسائر حاشيته، وأفاء اللَّه عَلَى السلطان ما اشتمل عَلَيْهِ حصنه من ذخائره التي اقتناها كابرا عن كابر، وورثها كافرا عَنْ كافر، وأمر السلطان بإقامة شعار الْإسلام فيما افتتحه من تلك القلاع، فأصفحت بالدّين المنابر، واشترك فِي عزّ دعوته البادي والحاضر، ولِعظَم ما ورد عَلَى ابن سُورَى، مصّ فصّ خاتمٍ مسموم، فاتلف نفسه، وخسر الدُّنيا والآخرة. وأما الْأندلس فتمّ فيها فِتَنٌ هائلة، وانقضت أيام الْأمَوِيّين، وتفرقت الكلمة. وفي ربيع الأول دخل البربر والنَّصَارَى قُرْطُبَة، فقتلوا من أهلها أَزْيَدَ من ثلاثين ألفًا، وتملّكها سُلَيْمَان الْأمويّ المستعين، واستقرّ بها سبعة أشهر، ثم بلغه أنّ المهديّ الْأمويّ، وهو ابن عمّه، قد استنجد بالنَّصَارَى لأخذ الثأر منه، فتأهَّب، ثمّ وقع بينهم مصافُّ، فانهزم البربر والمستعين، وذلك فِي رابع شوّال، ودخل المهديّ قُرْطُبَة بدولته الثانية، فصادرهم، وفعل الأفاعيل، وخرج يتتبع البربر، فكرُّوا عَلَيْهِ فهزموه، واستُبِيحَ عسكرُهُ، وقُتِل نحو العشرين ألفًا من أهل قُرْطُبَة، فإنا لله وإنا إِلَيْهِ راجعون. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة إحدى وأربعمائة
فيها ورد الخبر أنّ أبا المَنِيع قرواش بْن مُقَلّد جمع أهل المَوْصِل وأظهر عندهم طاعة الحاكم، وعرفهم بما عزم عليه مِن إقامة الدّعوة لَهُ، ودعاهم إلى ذَلِكَ، فأجابوه في الظّاهر، وذلك في المحرَّم، فأعطى الخطيبَ نسخة ما خطب بِهِ، فكانت: " الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، وله الحمد الّذي انجلت بنوره غَمَرات الغضب، وانقهرت بقُدرته أركان النَّصْب، وأطلع بنوره شمس الحقّ من الغرب، الّذي محا بعدله جور الظَّلمة، وقصم بقُوته ظهر الفِتْنة، فعاد الأمر إلى نصابه، والحقّ إلى أربابه، البائن بذاته المتفرد بصفاته، الظاهر بآياته، المتوحد بدلالاته، لم تفنه الأوقات فتسبقه الأزمنة، ولم يشْبه الصُّور فتحويه الأمكنة، ولم تره العيون فتصفه الألسنة " إلى أن قَالَ: بعد الصّلاة عَلَى الرّسول، " وعلى أمير المؤمنين وسيّد الوصيّين، أساسُ الفضل والرحمة، وعماد العِلْم والحكمة، وأصل الشجرة الكرام البررة النابتة في الأرومة المقدسة المطهرة، وعلى أغصانه البواسق من تِلْكَ الشجرة ". وقال في الخطبة الثانية بعد الصلاة على محمد: " اللهم صل على ولّيك الأكبر عليّ بن أَبِي طَالِب أَبِي الأئمّة الرّاشدين المَهْديين، اللّهم صلّ عَلَى السَّبْطَيْن الطَّاهرين الحسن والحسين، اللّهم صلّ عَلَى الإمام المهديّ بك والّذي بلّغ بأمرك وأظهر حُجتَّك، ونهض بالعدل في بلادك هاديا لعبادك، اللهم صلّ عَلَى القائم بأمرك، والمنصور بنصرك اللذين بذلا نفوسهما في رضاك وجاهدا أعداءك، وصلّ عَلَى المُعِزّ لدينك، المجاهد في سبيلك، المُظْهِر لآياتك الحقية، والحجة الجلية، اللهم وصل على العزيز بك، الذي تهذبت به البلاد، اللهم اجعل نوامي صلواتك على سيّدنا ومولانا إمام الزّمان وحصن الإيمان، وصاحب الدّعوة العلّوية والمِلّة النَّبويّة، عبدك وولّيك المنصور أبي علي -[8]- الحاكم بأمر الله، أمير المؤمنين، كما صلّيت على آبائه الراشدين، اللهم أعنه على ما ولّيته، واحفظ له ما اسْتَرْعَيْتَهُ، وانصر جيوشه وأعلامه ". وكان السّبب أنّ رُسُل الحاكم وكتبه تكررت إلى قرواش، فاستمالته وأفسدت نيّته. ثم انحدر إلى الأنبار، فأمر الخطيب بهذه الخطبة، فهرب الخطيب، فسار قرواش إلى الكوفة، فأقام بها الدّعوة في ثاني ربيع الأوّل، وأقيمت بالمدائن، وأبدى قرواش صفحة الخلاف، وعاث، فأنزعج القادُر بالله، وكاتبَ بهاء الدّولة، وأرسل في الرّسْليّة أبا بَكْر محمد بْن الطّيّب الباقلّانيّ، وحمّله قولًا طويلًا، فقال: إنّ عندنا أكثر ممّا عند أمَير المؤمنين، وقد كاتبنا أبا عليّ - يعني عميد الجيوش - وأمرنا بإطلاق مائة ألف دينار يستعين بها عَلَى نفقة العسكر، وإن دَعَت الحاجة إلى مسيرنا سِرنْا. ثمّ نفذ إلى قرواش في ذَلِكَ، فأعتذر ووثّق مِن نفسه في إزالة ذَلِكَ، وأعاد الخطبة للقادر، وكان الحاكم قد وجّه إلى قرواش هدايا بثلاثين ألف دينار، فسار الرَّسُول فتلقّاه قَطع الخطبة في الرَّقة فردَّ. وفي ربيع الأول منها عُزِل عَنْ إمرة دمشق منير بالقائد مظفر، فولي أشهرا، وعُزِل بالقائد بدر العطار، ثم عُزِل بدر في أواخر العام أيضًا، وولي القائد منتجب الدّولة لؤلؤ، وكلّهم من جهة الحاكم العُبَيْديّ. ثمّ قِدم دمشقَ أبو المطاع بْن حمدان متوليا عليها من مصر يوم النَّحْر. وفي صفر أنقضّ وقت العصر كوكب مِن الجانب الغربيّ إلى سَمْتِ دار الخلافة، لم يُرَ أعظم منه. وفي رمضان بلغت زيادة دِجْلة إحدى وعشرين ذراعًا وثُلثا، ودخل الماء إلى أكثر الدُّور الشّاطئية وباب التِّبْن وباب الشعير وغرقت القُرى. وفيها خرج أبو الفتح الحَسَن بْن جعفر العلوي، ودعا إلى نفسه، وتلقَّب بالراشد بالله. وكان حاكمًا عَلَى مكّة والحجاز وكثير من الشّام، فإنّ الحاكم بعث أمير الأمراء يازوخ نائبا إلى الشّام، فسار بأمواله وحُرمه، فلقِيَهم في غزَّة مفرّج بْن جرّاح، فحاز جميع ما معهم وقتل يازوخ، وسار مفرّج إلى الرملة -[9]- فنهبها، وأقام بها الدّعوة للراشد بالله، وضرب السّكّة لَهُ، واستحوذت العربُ عَلَى الشّام من الفَرَما إلى طبرية، وحاصروا الحصون، ولم يحج ركْب من العراق. وفيها تُوُفّي عميد الجيوش أبو عليّ الحُسين بن أبي جعفر عَنْ إحدى وخمسين سنة، وكان أَبُوهُ من حُجاب الملك عضُد الدّولة، فجعل أبا عليّ برسم خدمة ابنه صمصام الدّولة، فخَدمه وخدَم بعده بهاء الدولة، ثمّ ولّاه بهاء الدّولة تدبير العراق، فقدِم في سنة اثنتين وتسعين، والفِتَن شديدة واللّصوص قد انتشروا ففتك بهم، ثمّ غّرق طائفة، وأبطل ما تعمله الشّيعة يوم عاشوراء وقيل: إنّه أعطي غلامًا له دنانير في صينية، وقال: خُذْها عَلَى يدك وقال: سر من النَّجمي إلى الماصر الأعلى، فإن عرض لك معترض فدعْه يأخذها، وأعرف الموضع. فجاء نصف الّليل فقال: قد مشيتُ البلدَ كلّه، فلم يلْقني أحد. ودخل مرة عليه الرُّخَّجي، وأحضر مالًا كثيرًا، وقال: مات نصرانيّ مصري ولا وارث له. فقال: يترك هذا المال، فإنْ حضر وارث وإلا أُخِذ. فقال الرُّخَّجي: فيحمل إلى خزانة مولانا إلى أن يتيقن الحال، فقال: لا يجوز ذَلِكَ. ثمّ جاء أخو الميّت فأخذ التّركة. وكان مَعَ هيبته الشّديدة عادلا، ولي العراق ثماني سِنين وسبعة أشهر. وتولّي الشريف الرضيّ أمره ودفنه بمقابر قُرَيْش. وولي بعده العراق فخر الملك. وفيه يَقُولُ الببّغاء الشاعر: سألتُ زماني: بمن أستغيث؟ ... فقال: استغِثْ بعميد الجيوشِ فناديتُ: ما لي من حِرْفة فجاوب ... حُوشِيت من ذا وحوشي رجاؤك إيُّاه يُدْنيك منه ... ولو كنتَ بالصّين أو بالعريشِ نَبَتْ بي داري وفرَّ العبيد ... وأودت ثيابي وبعت فروشي -[10]- وكنتُ أُلَقَّبُ بالببغاء قديما ... وقد مزق الدهرُ ريشي وكان غذائي نقي الأرز ... فها أنا مقتنعٌ بالحشيش وفيها كان القحط الشديد بخراسان لا سيما بَنْيسابور، فهلكَ بنَيْسابور وضواحيها مائة ألف أو يزيدون، وعجزوا عَنْ غسل الأموات وتكفينهم، وأُكِلَتْ الجيف والأرواث ولحوم الآدميّين أكْلا ذريعًا، وقُبِض عَلَى أقوام بلا عدد كانوا يغتالون بني آدم ويأكلونهم، وفي ذلك يقول أبو نصر الراهبي: قد أصبح الناسُ في بلا ... ء وفي غلاء تداولوه من يلزم البيت مات جوعًا ... أو يشهد النّاسَ يأكلوه وقد أنفق محمود بْن سُبُكْتكين في هذا القَحْط أموالًا لا تُحصَى حتّى أحيا النّاس، وجاء الغيث. وفيها وقبلها جرت بالأندلس فتنة عظيمة، وبُذِلَ السّيف بقُرْطُبة، وقُتل خلقٌ كثير وتَمَّ ما لا يعبرَّ عَنْهُ، سُقناه في تراجم الأمراء. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة اثنتين وأربعمائة
أذِنَ فخرُ المُلْك أبو غالب بْن حامد الوزير الّذي قُلِّد العراق عام أول في عمل عاشوراء والنَّوْح. وفي ربيع الآخر كُتِبَ مِن الّديوان محضر في معنى الخلفاء الّذين بمصر والقَدْح في أنسابهم وعقائدهم، وقُرِئت النسخةُ ببغداد، وأُخِذَت فيها خطوط القُضاة والأئمة والأشراف بما عندهم من العِلْم والمعرفة بنسَب الدَيْصَانية، وهم منسوبون إلى دَيْصَان بْن سَعِيد الخُرّميّ، إخوانُ الكافرين، ونُطَف الشّياطين، شهادةً يُتقرَّبُ بها إلى الله، ومعتقد ما أوجب الله عَلَى العلماء أن يبيّنوه للنّاس، شهدوا جميعًا: أنّ الناجم بمصر وهو منصور بْن نزار المُلَقَّب بالحاكم - حكم الله عَليْهِ بالبوار والخزْي والنّكال - ابن مَعَد بْن إسماعيل بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن سَعِيد - لا أسعده الله - فإنّه لما صار سَعِيد إلى الغرب تَسَمّى بُعبَيْد الله وتلقَّب بالمهديّ، وهو ومَن تقَّدم من سلفه الأرجاس الأنجاس - عَليْهِ وعليهم اللّعنة - أدعياء خوارج لا نسبَ لهم في ولد عليّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وأنّ ذَلِكَ باطل وزُور، وأنتم لا تعلمون أنّ أحدًا من الطّالبييّن توقَّف عَنْ إطلاق القول في هَؤلَاءِ الخوارج أنّهم أدعياء. وقد كَانَ هذا الإنكار شائعًا بالحَرَمَيْن، وفي أوّل -[11]- أمرهم بالغرب، منتشرا انتشارا يمنع من أن يُدلَّس عَلَى أحدٍ كَذِبُهُم، أو يذهب وهْمٌ إلى تصديقهم، وأنّ هذا النّاجم بمصر هو وسبيله كُفارٍ وفُساق فُجار زنادقة، ولمذهب الثّنَويّة والمَجُوسية معتقدون، قد عطّلوا الحدود، وأباحوا الفروجَ، وسفكوا الدماء، وسَبّوا الأنبياءَ ولعنوا السّلف، وادعَّوا الربوبيّة، وكتب في ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعمائة. وكتبَ خلقٌ كثير في المحضر منهم الشّريف الرضي، والمرتضى أخوه، وابن الأزرق الموسويّ، ومحمد بْن محمد بْن عُمَر بْن أَبِي يَعْلَى العلويّون، والقاضي أبو محمد عبيد الله ابن الأكفانيّ، والقاضي أبو القاسم الجزري، والإمام أبو حامد الإسفراييني، والفقيه أبو محمد الكُشفليّ، والفقيه أبو الحسين القدوريّ الحنفيّ، والفقيه أبو عليّ بْن حَمَكَان، وأبو القاسم بْن المحسّن التَّنُوخيّ، والقاضي أبو عبد الله الصَيْمُريّ. وفيها فرق فخر المُلْك الوزير أموالًا عظيمة في وجوه البِرّ، وبالغ في ذَلِكَ حتى كثر الدّعاء لَهُ ببغداد، وأقام دارا هائلة أنفق عليها أموالا طائلة. وفيها ورد كتاب يمين الدّولة أَبِي القاسم محمود بْن سُبكْتكين إلى القادر بالله بأنّه غزا قومًا من الكُفار، وقطع إليهم مَفَازَة، وأصابه عطش كادوا يهلكون، ثمّ تفضَّل الله عليهم بمطرٍ عظيم رواهم، ووصلوا إلى الكُفْار، وهم خلقٌ ومعهم ستّمائة فيل، فنصر عليهم وغنم وعاد. -[12]- وفي آخر السنّة وردَ كتاب أمير الحاجّ محمد بْن محمد بْن عُمَر العلويّ بأنّ ريحًا سوداء هاجت عليهم بُزبالة، وفقدوا الماء، فهلك خلْق، وبلغت مزادة الماء مائة درهم، وتخفر جماعة ببني خَفَاجة وردّوا إلى الكوفة. وعُمل الغدير، ويوم الغدير معروف عند الشّيعة، ويوم الغار لجهلةِ السُّنّة في شهر ذي الحجّة بعد الغدير بثمانية أيّام اتّخذته العامّة عنادًا للرافضة. فَعُمِل الغدير في هذه السّنة والغار في ذي الحجّة، لكن بِطُمَأنينة وسُكُون، وأظهرت القَيْنات من التعليق شيئًا كثيرًا، واستعان السُّنّة بالأتراك، فأعاروهم القماش المفتخر والحلي والسلاح المذهبة. وفي هذه الحدود هربَ مِن الدّيار المصريّة ناظر ديوان الزّمام بها، وهو الوزير أبو القاسم الحسن بْن عليّ المغربيّ حين قَتَلَ الحاكم أَبَاهُ وعمّه، وبقيَ إِلْبا عَلَى الحاكم يسعى في زوال دولته بما استطاع. فحصل عند المفرّج بْن جّراح الطّائيّ أمير عرب الشام، وحسّن لَهُ الخروج عَلَى الحاكم، وقتل صاحب جيشه، فقتله كما ذكرناه سنة إحدى وأربعمائة. ثمّ قَالَ أبو القاسم لحسّان ولد المفرّج بْن الجرّاح: إنّ الحَسَن بْن جعفر العلويّ صاحب مكّة لا مَطْعَن في نسبه، والصّواب أن تنصّبه إمامًا، فأجابه، ومضي أبو القاسم إلى مكّة، واجتمع بأميرها وأطمعَه في الإمامة، وسهل عليه الأمور وبايعه، وجوز أخذ مال الكْعبة وضربِهِ دراهم، وأخذَ أموالًا من رَجُل يُعرف بالمطّوعيّ، عنده ودائع كثيرة للنّاس، واتّفق موت المطّوعيّ، فاستولى عَلَى الأموال وتلقَّب بالراشد بالله، واستخلف نائبًا عَلَى مكّة، وسار إلى الشّام، فتلقّاه المفرّج وابنهُ وأمراء العرب، وسلّموا عَليْهِ بإمرة المؤمنين، وكان متقلّدًا سيفًا زعم أَنَّهُ ذو الفِقار، وكان في يده قضيب ذكر أَنَّهُ قضيب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحوله جماعة من العلوييّن، وفي خدمته ألف عَبْد. فنزل الرّملة، وأقام العدل، واستفحل أمره، فراسلَ الحاكمُ ابن جرّاح، وبعث إِليْهِ أموالًا استماله بها، وأحسَّ الراشد بالله بذلك، فقال لابن المغربي: غَرَرْتني وأَوْقعتني في أيدي العرب، وأنا راضٍ من الغنيمة بالإياب والأمان. ورَكب إلى المفرّج بْن جرّاح وقال: قد فارقتُ نعمتي، وكشفتُ القناع في عداوة الحاكم سُكونا إلى ذِمامك، وثقه بقولك، واعتمادًا عَلَى عهودك، وأرى ولدكَ حسّانًا قد أصلح أمره مَعَ الحاكم وأريدُ العَوْد إلى مأمني. فسيَّره المفرَج إلى وادي القُرى، وسيرَّ أبا القاسم ابن المغربي إلى العراق. فقصدَ أبو القاسم -[13]- فخر الملك أبا عليّ، فتوهَموا فيه أنّه يفسد الدّولة العبّاسيّة، فتسحّب إلى الموْصِل ونفقَ على قرواش، ثم عاد إلى بغداد. وفي جُمَادى الأولى عُزل أبو المطاع بْن حمدان عَنْ إمرة دمشق، وأُعيد إليها بدر العطار. ثم صُرِف بعد أيام بالقائد ابن بزال، فولِيَها نحوًا من أربعة أعوام. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ثلاث وأربعمائة.
فيها قُلد الشريف الرضي أبو الحسن الموسَوِيّ نقابة الطَالبييّن في سائر الممالك، وخُلِعَتْ عَليْهِ خلعة سوداء، وهو أول طالبي خُلِعَ عليه السواد. وفيها عَمر رُستاقَ العراق فخرُ الملك الوزير، فجاء الارتفاع لحقّ السّلطان بضعة عشر ألف كُر. وفيها، في أوّلها بل في صَفرَ، وقْعة القرعاء، جاء الخبر بأن فُلَيْتَة الخَفَاجيّ سبق الحاجّ إلى واقصة في ستّمائة من بني خَفَاجة، فغّور الماء وطرحَ في الآبار الحنظل، وقعد ينتظر الرَّكْب. فلمّا وردوا العَقبَة حَبسهم ومنعهم العبور، وطالبهم بخمسين ألف دينار. فخافوا وضعُفُوا، وأجهدهم العطش، فهجم عَليْهم، فلم يكن عندهم مَنَعَة، فاحتوى عَلَى الجِمال والأحمال وهلك الخلق، فقيل: إنّه هلك خمسة عشر ألف إنسان، ولم يُفلت إلا العدد اليسير، وأفلتَ أميرهم محمد بْن محمد بن عُمَر العلويّ في نفرٍ من الكِبار في أسوأ حال بآخر رَمقَ. فورد عَلَى فخر المُلْك الوزير من هذا أعظم ما يكون وكتبَ إلى عامل الكوفة بأن يُحسن إِلَى من توصّل ويُعينهم. وكاتب عليّ بْن مَزْيد وأمره أن يطلب العرب، وأن يُوقِع بهم، فسارَ ابن مَزْيد، فلِحقهم بالبّريّة وقد قاربوا البصرة، فأوقع بِهِم وقتل كثيرًا منهم وأسَر القوي والد فُلَيتَةَ والأشتر وأربعة عشر رجلًا من الوجوه، ووجدَ الأموال والأحمال قد تمزَّقت وتفّرقت، فانتزع ما أمكنه وعاد إلى الكوفة، وبعث الأسرى إلى بغداد، فشُهّروا وسجِنوا، وجُوع بعضهم، ثم أطعموا المالح، وتُرِكوا على دجلة يرون الماء حَتَّى ماتوا عطشا. -[14]- وفي رمضان انقضّ كوكبٌ من المشرق ببغداد، فغلبَ ضوؤه عَلَى ضوء القمر وتقطّع قِطعا. وفي شوال أخرجت جنازة بنت أبي نوح الطبيب امرَأَة ابن إسرائيل كاتب النّاصح أَبِي الهيجاء ومع الجنازة النّوائح والطُّبولُ والزُّمور والرُّهْبان والصّلْبان والشُّموع. فأنكر هاشميٌ ذَلِكَ ورجَمَ الجنازة، فوثب بعض غلمان النّاصح فضربَ الهاشميّ بدبّوس فشجّه، وهربوا بالجنازة إلى بَيْعة هناك، فتبِعَتْهم العامّة، ونهبوا البيعة وما جاورَها مِن دُور النَّصارَى. وعاد ابن إسرائيل إلى داره، فهجموا عَليْهِ، فهربَ واستجار بمخدومِه، وثارت الفتنة بين العامّة وبين غلمان النّاصح وزادت ورُفِعَتْ المصاحف في الأسواق، وغُلقت الجوامع، وقصد الناسُ دار الخليفة، فركب ذو السَّعادتين إلى دار النَاصح، وتردّدت رسالة الخليفة بإنكار ذَلِكَ وطُلِبَ ابن إسرائيل، فامتنع الناصح من تسليمه، فغضب الخليفة وأمر بإصلاح الطّيّار للخروج من البلد، وجمع الهاشمييّن في داره، واجتمعت العامّة يومَ الجمعة، وقصدوا دار النّاصح، ودفعهم غلمانه عَنْهَا، فقُتل رَجُل قِيلَ إنّه علويّ، فزادت الشّناعة، وامتنع الناس من صلاة الجمعة، فظفرت العامّة بقومٍ من النّصارى فقتلوهم. ثمّ بعث الناصحُ ابن إسرائيل إلى دار الخلافة فسكن العامّة، وأُلزِمت النّصارى بالغيار، ثمّ أُطلِقَ ابن إسرائيل. وفيها ألزمَ الحاكم صاحب مصرَ النَّصارى بحمل صلْبان خَشب ذراع في ذراع في أعناقهم، وزن الصّليب خمسة أرطال، وفي رقاب اليهود أكَر خشب بهذا الوزن، فأسلم بسبب هذا الذُّلّ طائفة، ونهى الأمراء عَنْ تقبيل الأرض وبَوْس اليد، ورسَم أن يقتصروا عَلَى: السّلام عليكم ورحمة الله. ولَبس الصّوف عَلَى جسده ورأسه، واقتصر عَلَى ركوب الحمار بغير حُجّاب ولا طرّادين. وفيها بعث محمود بْن سُبُكْتكين كتابًا إلى القادر بالله، قد وردَ إِليْهِ من الحاكم صاحب مصر، يدعوه فيه إلى الطّاعة والدّخول في بيعته، وقد خرقه وبصق عليه. -[15]- وفيها قرئ عهد أبي نصر بن مروان الكُردي عَلَى آمد وديار بَكْر، وطُوق وسُور، ولُقب " نصر الدولة ". ولم يحجّ أحدٌ من العراق، ورَدّ حاجُّ خُراسان. وفيها مات إيلك خان صاحب ما وراء النّهر الّذي أخذها من آل سامان بعد التسعين وثلاثمائة، وكان ملكًا شجاعًا، حازمًا، ظالمًا شديد الوطأة. وكان قد وقع بينه وبين أخيه الخان الكبير طُغان ملك التُرْك، فورث مملكته أخوه طغان، فمالأ السلطان محمود بن سُبكْتكين ووالاه وهادنه، وتردد له، فجاشت من جانب الصين جيوش لقصد طغان وبلاد الإسلام من ديار التُّرك وما وراء النّهر يزيدون عَلَى مائة ألف خِركاه، لم يعهد الإسلام مثلها في صعيدٍ واحد، فجمع طغان جمعًا لم يُسمع بِمِثِلِه ونصره الله تعالى. ومات السلطان بهاء الدولة أحمد ابن عَضد الدّولة، وكان مصافيا للسلطان محمود بْن سُبُكْتكين مداريا له، مُؤثِرا لِمصافاته لحكم الجوار، والله أعلم. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة أربع وأربعمائة
في ربيع الأول انحدر فخر المُلك إلى دار الخلافة، فلما صعِد مِن الزَّبْزَب تلقّاه أبو الحَسَن عليّ بن عبد العزيز ابن حاجب النُّعمان، وقبًّل الأرض بين يديه، وفعَل الحُجاب كذلك ودخلَ الدّار والحُجّاب بين يديهُ، وأُجلس في الرّواق، وجلس الخليفة في القُبَّة، ودعا فخر الملك، ثمّ كثر النّاس وازدحموا، وكثر البَوسَ واللَّغَط، وعجز الحُجّابُ عَنِ الأبواب، فقال الخَليفة: يا فخر الملك، امنع من هذا الاختلاط، فرد بالدّبّوس الناسَ، ووكَل النُقباء بباب القبُة. وقرأ ابن حاجب النُعمان عهد سلطان الدّولة بالتّقليد والألقاب، وكتب القادر بالله علامته عليه، وأحضرت الخِلَع والتاج والطَّوْق والسواران واللواءان، وتولّي عقْدهما الخليفةُ بيده، ثمّ أعطاه سيفًا وقال للخادم: اذهب قلّده بِهِ، فهو فخرٌ له ولعَقبه يفتح به شرق الأرض وغَربها، وبعث ذَلِكَ إلى شِيراز مَعَ جماعة. -[16]- وفيها أبطل الحاكم المنجمين من بلاده، وشددَّ في ذَلِكَ، وأعتقَ أكثر مماليكه وأحسن إليهم، وجعلَ وليّ عهده ابن عمّه عَبْد الرحيم بن إلياس، وخطب له بذلك، وأمر بحبس النساء في البيوت فاستمر ذلك خمسة أعوام وصلحت سيرته. وحج بالناس أبو الحسن محمد بن الحسن ابن الأقساسي وكذلك في سنة ست. وفي هذه السّنة كانت الملحمة الهائلة بين ملك التُّرْك طُغان رحمه الله وبين جيش الصّين فقتل فيها من الكفار نحو مائة ألف، ودامت الحرب أيّامًا ثم نزل النصر، ولله الحمد. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة خمس وأربعمائة
فيها ورد الخبر بأن الحاكم صاحب مصر حظَر عَلَى النّساء الخروج من بيوتهنّ والإطلاع من الأسطحة ودخول الحَمّامات، ومنعَ الأساكفة من عمل الخِفاف، وقتل عدّةِ نِسوة خالفنَ أمره، وكان قد لهج بالركوب في الليل يطوف بالأسواق، ورتَّب في كلّ درب أصحاب أخبار يطالعونه بما يتمّ، ورتّبوا عجائز يدخلن الدُّور ويكشفن ما يتمّ للنّساء، وأنّ فلانة تحبّ فلانًا ونحو هذا، فُيْنفذ من يُمسك تِلْكَ المرأة، فإذا اجتمع عنده جماعة منهن أمر بتغريقهن، فافتضح النّاس وضجّوا في ذَلِكَ، ثم أمر بالنّداء: أيّما امرأةٍ خرجت من بيتها أباحت دمها. فرأى بعد النّداء عجائز فغرقهن. قَالَ: فإذا ماتت امرَأَة جاء ولُيها إلى قاضي القضاة يلتمس غاسلة، فيكتب إلى صاحب المعونة، فيُرسل غاسلةٍ مَعَ اثنين من عنده ثمّ تُعاد إلى منزلها. وكان قد هَمَّ بتغيير هذه السُنة فاتّفق أنْ مَر قاضي القضاة مالك بْن سَعِيد الفارقيّ، فنادته امرَأَة من رَوُزَنة: أقسمتُ عليك بالحاكم وآبائه أن تقف لي. فوقفَ، فبكت بكاءٍ شديدًا وقالت: لي أخ يموت، فبالله إلا ما حملتني إليه لأشاهده قبل الموت. فرق لها وأرسلها مع رجلين، فأتت بابًا فدخلته، وكانت الدّار لرجل يهواها وتهواه، وأتى زوجها فسأل الجيران فأخبروه بالحال، فذهبَ إلى القاضي وصاح، وقال: أَنَا زوج المرأة، وما لها أخ، وما أفارقك حتّى تردّها إليَّ. فعظُم ذَلِكَ عَلَى قاضي القُضاة، وخاف سطوة الحاكم، فطلع بالرجل إلى -[17]- الحاكم مرعوبًا وقال: العفو يا أميَر المؤمنين. ثمّ شرح لَهُ القصّة. فأمره أن يركب مَعَ ذَيْنك الرجلين، فوجدوا المرأة والرجل في إزار واحدٍ نائمين على سُكر، فَحُملا إلى الحاكم، فسألها، فأحالت عَلَى الرجل وما حسَّنه لها. وسأل الرجل، فقال: هِيَ هجمت عليّ وزعمت أنّها خلْو من بعْلٍ، وإنّي إنّ لم أتزوّجها سَعَتْ بي إليك لتقتلني. فأمر الحاكم بالمرأة فلُفت في باريّة وأُحْرِقت، وضُرب الرجل ألف سوط. ثم عاد فشدد على النساء إلى أن قُتَلِ. وفيها قلد قاضي القضاة بالحضرة أحمد بْن محمد بْن أَبِي الشّوارب بعد وفاة ابن الأكفاني. وفيها قلّد عليّ بْن مَزْيد أعمال بني دُبَيْس بالجزيرة الأسدية. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ستّ وأربعمائة
فيها جرت فتنة بين السُنة والرافضة ببغداد في أوّل السنة، ومنعهم فخر المُلك مِن عمل عاشوراء. وفيها وقع وباء عظيم بالبصرة. وقُلد الشريف المرتضى أبو القاسم الحجّ والمظالم ونقابة العلويين، وجميع ما كَانَ إلى أخيه، وحضر فخر المُلك والأشراف والقُضاة قراءة عهده، وهو: " هذا ما عهد عبدُ الله أبو العّباس أحمد القادر بالله أمير المؤمنين إلى عليّ بْن موسى العلويّ حين قّربته إِليْهِ الأنساب الزّكيّة، وقدمته لديه الأسباب القوية ... "، وذكر العهد. وفي آخر صفر وردَ الخبر إلى بغداد بعد تأخّره، بهلاك الكثير من الحاجّ، وكانوا عشرين ألفا، فَسلم منهم ستة آلاف وأن الأمر اشتد بهم والعطش حتى شربوا أبوال الجمال، ولم يحجّ أحد في هذه السنة. وفيها وردَ الخبر أنّ محمود بْن سُبُكْتكين غزا الهند فَغَرَّهُ أَدِلاؤهُ وأضلّوه الطّريق، فحصل في مائّية فاضت من البحر، فغرق كثير ممّن كَانَ معه، وخاض الماء بنفسه أيّامًا ثم تخلص وعاد إلى خراسان. -[18]- وفيها ولي إمرة دمشق سَهْم الدّولة ساتكين الحاكميّ، فولِيها سنتين وثلاثة أشهر. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة سْبع وأربعمائة
فيها احترق مشهد الحسين رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بكربلاء من شمعتين سقطتا في جوف اللّيل على التأزير. وفيها احترقت دار القطن ونهر طابق. وفيها وقعت القُبة الكبيرة الّتي عَلَى الصّخْرة ببيت المقدس. وفيها هاجت الفتنة بين الشيعة والسُّنة بواسط، ونُهبت دور الشيعة والزيدية وأُحرِقَت، وهرب وجوه الشّيعة والعلوييّن، فقصدوا علي بن مَزْيَد واستنصروا به. وفيها خُلع علي أَبِي الحسن بْن الفضل الرّامَهُرْمُزِي خِلَعُ الوزارة من قِبل سلطان الدّولة، وهو الّذي بنى سور الحائرِ بمشهد الحسين. وفيها كانت وقعة بين سلطان الدّولة أَبِي شجاع وبين أخيه أبي الفوارس بعد أن دخل شيراز وملكها. وفيها افتتح محمود بْن سُبُكْتكين خوارزم، ونقل أهلها إلى الهند. ولم يخرج رَكْب من العراق. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ثمان وأربعمائة
وقعت الفتنةُ بين السُّنّة والشّيعة وتفاقمت، وعمل أهل نهر القلائين بابًا عَلَى موضعهم، وعمل أهلُ الكَرْخ بابًا عَلَى الدّقّاقين، وقُتل طائفة عَلَى هذين البابين، فركب المقدام أبو مقاتل، وكان عَلَى الشرطة، ليدخل الكَرْخ، فمنعه أهلها وقاتلوه، فأحرق الدّكاكين وأطراف نهر الدّجاج، وما تهيّأ لَهُ دخولٌ. قَالَ هبة الله اللالكائيّ في كتاب " السُّنة " أو في غيره: فيها استتاب القادر بالله فُقهاء المعتزلة، فأظهروا الرجوع وتبرؤوا مِن الاعتزال والرّفْض والمقالات المخالفة للإسلام، وأخذ خطوطهم بذلك، وأنهم متى خالفوه عاقبهم. وضعفت دولة بني بُويه الدَّيْلَم، وقدِم بغدادَ سلطانُ الدّولة، فكانت النَّوبة تُضْرَب لَهُ في أوقات الصّلوات الخَمْس، وما تمّ ذَلِكَ لجدّه عَضُد الدولة. -[19]- وامتثل يمين الدّولة محمود بْن سُبُكتكين أمرَ القادر بالله وبَثَّ سُنَّته في أعماله بُخراسان وغيرها في قتلِ المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة والْجَهْميّة والمُشَبَّهة، وصَلَبهم وحَبَسهم ونفاهم وأمرَ بلعنهم على المنابر، وشردهم عن ديارهم، وصار ذلك سُنة في الإسلام. وفيها تزوَّج سلطان الدّولة ببنت قرواش بْن المقلد على خمسين ألف دينار. وفيها بويع بإمرة الأندلس القاسم بن حمود الإدريسي، فبقي ست سنين، وخُلع. وفيها قتل الدوري الملحد لكونه ادّعى ربوبيّة الحاكم، فقُتِل وقُطّع. وفيها ولي إمرة دمشق سديد الدّولة أبو منصور ثم عُزِل بعد أشهر. وغزا السلطان محمود الهند، فافتتح بلادًا كثيرة من الهند ودانت لَهُ الملوك. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة تسعٍ وأربعمائة
في المحرَّم قُرئ بدار الخلافة كتاب بمذاهب السُنة وفيه: " مَن قَالَ القرآن مخلوق فهو كافر حلال الدّم " إلى غير ذَلِكَ من أصول السنة. وفيها زاد ماء البحر إِلَى أن وصل إلى الأُبُلة، ودخل إلى البصرة. وفيها ورد سلطان الدولة إلى بغداد. وفيها غزا السلطان محمود الهند، وافتتح مدينتي مهرة وقنوج، وكان فتحًا عزيزًا، وبين ذلك وبين غَزْنَة مسيرة ثلاثة أشهر. قَالَ أبو النّصر في تاريخه: عدل السلطان بعد أخذ خوارزم إلى بُسْت -[20]- ثمّ إلى غزْنة، فأتفقَ أن حشد إليه مِن أدني ما وراء النّهر زُهاء عشرين ألفًا من المطّوّعة، فحرّك من السّلطان محمود نفيرهم، وردّ من نفوس المسلمين تكبيرهم، واقتضى رأيه أن يزحف بهم إلى قنوج، وهي التي أعيت الملوك غير كشتاسب عَلَى ما زعمته المجوس، وهو ملك الملوك في زمانه، فزحف السّلطان بهم وبجنوده وعبرَ مياه سَيْحون وتلك الأودية التّي تجلّ أعماقها عَنِ الوصْف، ولم يطأ مملكةً من تِلْكَ الممالك إلا أتاه الرَّسُول واضعًا خدّ الطّاعة، عارضا في الخدمة كنه الاستطاعة إلى أن جاء جنكي بن سمهي صاحب درب قشمير عالمًا بأنه بعثُ الله الّذي لا يرضيه إلا الإسلام أو الحسام، فضمن إرشاد الطرّيق، وسار أمامه هاديا. فما زال يفتتح الصياصي والقلاع حتى مر بقلعة هردب، فلمّا رأى ملكُها الأرض تموج بأنصار الله ومن حولها الملائكة، زُلْزِلت قدَمُه، وأشفق أن يُراقَ دمه، ورأى أن يتّقي بالإسلام بأس الله، وقد شُهِرت حدوده ونُشِرت بعذبات العذاب بنوده، فنزل في عشرة آلاف منادين بدعوة الإسلام. ثمّ سار بجيوشه إلى قلعة كلجند، وهو من رؤوس الشياطين، فكانت له ملحمة عظيمة، هلكَ فيها من الكُفار خمسون ألفًا، من بين قتيل وحريق وغريق. فعمد كلجند إلى زوجته فقتلها، ثمّ ألحقَ بها نفسه، وغنم السلطان مائة وخمسة وثمانين فيلًا. -[21]- ثم عطف إلى البلد الذي يسمى المتعبد وهو مهرة الهند يطالع ابنيتها الّتي تزعم أهلها أنها من بناء الجن، فرأى ما يخالف العادات، وتفتقر روايتها إلى الشّهادات، وهى مشتملة عَلَى بيوت أصنام بنقوشٍ مبدعة، وتزاويق تخطف البصر. قَالَ: وكان فيما كتب بِهِ السّلطان: أنّه لو أراد مُريد أن يبني ما يعادل تِلْكَ الأبنية لعجز عنها بإنفاق مائة ألف ألف درهم في مدة مائتي سنة عَلَى أيدي عَمَلَة كَمَلَة ومَهَرة سَحرة. وفي جملة الأصنام خمسة من الذَّهب معمولة طول خمسة أذرُع، عينا واحدٍ منها ياقوتتان قيمتهما خمسون ألف دينار بل أزْيَد، وعلى آخر ياقوتة زرقاء وزنها أربعمائة وخمسون مثقالًا، فكان جملة الذّهبيّات الموجودة عَلَى أحد الأصنام المذكورة ثمانية وتسعين ألف مثقال. ثم أمر السلطان بسائر الأصنام فَضُربَت بالنِّفْط، وحاز من السبايا والنهاب ما تعجز عَنْهُ أناملُ الحُساب. ثمّ سار قُدُما يروم قنوج وخلّف معظم العسكر، فوصل إليها في شعبان سنة تسع، وقد فارقها الملك راجيبال منهزما، فتتبع السلطان قلاعها، وكانت سبعا عَلَى البحر، وفيها قريبٌ من عشرة آلاف بيت من الأصنام، يزعم المشركون أنها متوارثة منذ مائتي ألف سنة إلى ثلاثمائة ألف سنة كذبًا وزورًا، ففتحها كلَّها في يوم واحد، ثمّ أباحها لجيشه فانتهبوها. ثمّ ركض منها إلى قلعة البراهمة وتعرف بمنج فافتتحها وقتل بها خلقًا كثيرًا. ثمّ افتتح قلعة جنداري، وهي ممن يُضرب المثل بحصانتها. وذكر أبو النّصر ذَلِكَ مطولًا مفصّلًا بعبارته الرائقة، فأسهب وأطنب. فلقد أقَّر عين السّامع، وسر المسلم بهذا الفتح العظيم الجامع، فلله الحمد عَلَى إعلاء كلمة -[22]- الإسلام، وله الشُّكر عَلَى إقامة هذا السّلطان الهُمام. وبعد الأربعمائة كَانَ قد غلب عَلَى بلاد ما وراء النّهر أيلك خان أخو صاحب التُرك طُغَان الكبير، وهما مهادنان للسّلطان يمين الدّولة محمود بن سُبُكْتكين، فقويت نفوسهما عليه، ومكرا وراوغا، وبقي كل منهما يُحيل عَلَى الآخر، فبعثوا رُسُلهم، فأكرم الرُّسُلَ، وأظهر الزّينة، وعرضَ جيشه. قَالَ أَبُو النَّصر مُحَمَّد بْن عَبْد الجبّار: فأمر بتعبئة جيوشه وتغشية خيوله. ورتَّب العسكر سِماطين في هيئة لو رآها قارون قَالَ: يا ليت لي مثل ما أوتي محمود. فصفّ نحو ألفي غلام تُرك في ألوان الثياب، ونحو خمسمائة غلام بقُربه بمناطق الذَّهب المرصّعة بالجواهر، وبين أيديهم أربعون فيلًا من عظام الأفيلة بغواشي الديباج، ووراء السماطين سبعمائة فيل في تجافيف مشهرة الألوان، وعامّة الجيش في سرابيل قد كدت القيون وردت العيون، وأمامهم الرجال بالعُدد، وقام في القلب كالبدر في ظُلمة الدّيجور، وأذِن للرُسُل حينئذٍ، ثمّ عُدل بهم إلى الموائد في دارٍ مفروشة بما لم يُحك عَنْ غير الجنّة، ففي كلّ مجلس دُسُوت من الذَّهب من جِفان وأطباق فيها الأواني الفائقة والآلات الرائقة. وهّيأ لخاصّ مجلسه طارم قد جُمِعَتْ ألواحه وعضاداته بضباب الذَّهب وصفائحه، وفُرِش بأنواع الدّيباج المذهَّب، وفيه كُوات مضلَّعة تشتمل عَلَى أنواع الجواهر الّتي أَعْيَت أمثالها أكاسرة العجم وقياصرة الروم وملوك الهند وأقيال العرب. وحوالي المجلس أطباق ثخان من الذَّهب مملوءة من المِسْك والعنبر والعود، وأواني لم يُسمع بمثلها. ثمّ جهّز الرُّسُل. ووقع بين الأخوين وتنافرا مدّة لسعادة الإسلام وسلطانه يمين الدّولة، وكان عَلَى مملكة خوارزم الملك مأمون بْن مأمون قد وليها بعد أخيه عليّ. فزوّجه السّلطان محمود بأخته ثمّ طلب منه أن يذكر اسمه في الخطبة معه، فأجابَ، وامتنع من الإجابة نائبه وكُبراء دولته، ولاموه، ثمّ إنّهم قتلوه غيلةً فغضب السلطان وسار بجيوشه لحربهم فالتقاهم بظاهر خوارزم فظفر بهم، فسمر جماعةً من الأمراء، واستناب على خوارزم حاجبه الكبير ألتونتاش -[23]- وصفَت لَهُ مملكة خُراسان وسجِسْتان وغَزنة وخوارزم والغور، وافتتح نصف إقليم الهند في عدّة غزوات. وكانت سلطنته بضْعا وثلاثين سنة كما سيأتي في ترجمته. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة عشر وأربعمائة
وردَ من يمين الدولة محمود كتابٌ بما افتتحه مِن الهند وبما وصل إليه مِن أموالهم وغنائمهم فيه: " إنّ كتابَ العبد صَدَر من غزْنة لنصف المحرَّم سنة عشر، والدينُ مخصوصٌ بمزيد الإظهار، والشِّرْك مقهورٌ بجميع الأطراف والأقطار، وانتدب العبدُ لتنفيذ الأوامر، وتابعَ الوقائع عَلَى كُفار السّنْد والهند، فرتّب بنواحي غَزنة العبد محمدًا مَعَ خمسة عشر ألف فارس وعشرة آلاف راجل، وانهض العبد مسعودًا مع عشرة آلاف فارس وعشرة آلاف راجل، وشحن بلخ وطخارستان بأرسلان الحاجب مَعَ اثنتي عشر ألف فارس، وعشرة آلاف راجل، وضبط ولاية خوارزم بالتّونْتاش الحاجب مَعَ عشرين ألف فارس وعشرين ألف راجل. وانتخب ثلاثين ألف فارس وعشرة آلاف راجل لصُحبة راية الإسلام، وانضم إليه جماهير المطّوّعة. وخرج العبدُ من غَزْنة في جُمادى الأولى سنة تسعٍ بقلبٍ منشرح لطلب السّعادة، ونفس مشتاقة إلى درك الشهّادة، ففتح قلاعًا وحصونًا، وأسلم زُهاء عشرين ألفًا من عُباد الوثن، وسلّموا قدر ألف ألف من الوَرِق، ووقع الاحتواء عَلَى ثلاثين فيلًا، وبلغ عدد الهالكين منهم خمسين ألفًا. ووافي العبدُ مدينةً لهم عاين فيها زهاء ألف قصر مَشِيد، وألف بيت للأصنام، ومبلغ ما فِي الصّنم ثمانية وتسعون ألف مثقال. وقلعَ مِن الأصنام الفضّة زيادةً عَلَى ألف صنم. ولهم صنم معظم يؤرخون مدته بجهالتهم بثلاثمائة ألف عام. وقد بنوا حول تِلْكَ الأصنام المنصوبة زُهاء عشرة ألاف بيت. فعُني العبد بتخريب تلك المدينة اعتناء تاما، وعمها المجاهدون بالإحراق. فلم يبقَ منها إلا الرسوم. وحين وجدَ الفراغ لاستيفاء الغنائم، حصّل منها عشرين ألف ألف درهم، وأفرد خُمس الرقيق، فبلغ ثلاثًا وخمسين ألفا، واستعرض ثلاثمائة وستة وخمسين فيلا ". وفيها جلس القادر فَقُرِئ عهد الملك قوام الدّولة أَبِي الفوارس، وحُملت إليه خِلَع السلطنة بولاية كَرْمان. -[24]- وفيها مات الأُصَيْفر المنتفقيّ الذي كَانَ يأخذ الخفارة من الحجاج. وقد ولي نيابة دمشق عدّةُ أمراء للحاكم في هذه السّنين، وكان النّاس يتعجّبون من كثرة ذَلِكَ. ثم وليها وليُّ العهد عَبْد الرحيم بْن الياس بْن أحمد بْن العزيز العُبَيدي، وكان يوم دخوله يومًا مشهودًا موصوفًا، ثم عُزِل أقبح عزلْ بعد أشهُر، وأُخِذَ إلى مصر مُقَيدًا، بعد أن قُتل وقت القبضِ عليه جماعة من أعوانه. وفيها مات صاحبُ حرّان وثّاب بْن سابق، وتملك ابنه شبيب. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-ذكر سنة إحدى وأربعمائة ومن توفي فيها
|
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة إحدى عشرة وأربعمائة
في شوال منها فُقِد الحاكم صاحب مصر، وكان يواصل الركوب وتتصدَّى لَهُ العامَّة فيقف عليهم ويسمع منهم. وكان الخلْق في ضَنْكٍ من العَيْش معه. وكانوا يدسُّون إليه الرُقاع المختومة بالدُّعاء عَليْهِ والسّبّ لَهُ ولأسْلافه، حتى أنهم عملوا تمثال امرَأَة مِن كاغِدٍ بِخُفّ وإزار ثمّ نصبوها لَهُ، وفي يدها قصّة. فأمر بأخْذها مِن يدها، ففتحها فرأى فيها العظائم، فقال: أنظروا من هذه؟ فإذا هي تمثالٌ مصنوع. فتقدَّم بطلب الأمراء والعُرفاء فحضروا، فأمرهم بالمصير إلى مصر وضرْبها بالنّار ونَهْبها وقتْل أهلها. فتوجّهوا لذلك فقاتل المصريّون عَنْ أنفسهم بحسب ما أمكنهم. ولحق النَّهْبُ والحريق الأطراف والنّواحي الّتي لم يكن لأهلها قوّة على امتناع ولا قُدرة عَلَى دفاع، واستمرَّت الحرب بين العبيد والرّعيّة ثلاثة أيام، وهو يركب ويشاهد النّار، ويسمع الصّياح. فيسأل عَنْ ذَلِكَ، فيقال لَهُ: العبيد يحرقون مصر. فيتوجَّعُ ويقول: مِن أمرهم بهذا؟ لعنهُم الله. قلتُ: بل لعنةُ الله عَلَى الآمر. فلمّا كَانَ في اليوم الثّالث اجتمع الأشراف والشّيوخ إلى الجامع ورفعوا المصاحف، وعجّ الخَلْقُ بالبكاء والاستغاثة بالله. فرحمهم الأتراك وانحازوا إليهم وقاتلوا معهم، وأرسلوا إلى الحاكم يقولون لَهُ: نَحْنُ عبيدك ومماليكك، وهذه النّارُ في بلدك وفيه حُرمنا وأولادنا، وما عِلمْنا أنّ أهله جَنَوْا جنايةً تقتضي هذا. فإنْ كَانَ باطنٌ لا نعرفه عرّفْنا بِهِ، وانتظر حتّى نُخرج عيالنا وأموالنا، وإن كَانَ ما عَليْهِ هَؤلَاءِ العبيد مخالفًا لرايك أَطْلِقْنا في معاملتهم بما نُعامل بِهِ -[176]- المفسدين، فأجابهم: إنّي ما أردتُ ذَلِكَ ولا أذِنْت فيه، وقد أذِنْت لكم في الإيقاع بهم، وراسل العبيد سرّا بأن كونوا عَلَى أمركم، وقوّاهم بالسّلاح. فاقتتلوا، وعاودوا الرّسالة: إنّا قد عرفنا غرضك، وإنّه إهلاكُ البلد، ولوّحوا بأنّهم يقصدون القاهرة. فلمّا رآهم مستظهرين، ركب حِمارهُ ووقفَ بين الفريقين، وأومأ إلى العبيد بالانصراف، وسكنت الفتنة. وكان قدْر ما أُحرق مِن مصر ثُلثها، ونُهب نصفُها. وتَتَبَّع المصريون مِن أسر الزَّوجات والبنات، فاشتروهنَّ مِن العبيد بعد أن زَنَوْا بهنَّ، حتّى قَتَل جماعةٌ أنفسهنَّ مِن العار. ثمّ زاد ظُلم الحاكم، وعَنَّ لَهُ أن يَدَّعي الرُّبوبيّة، كما فعل فرعون، فصار قومٌ مِن الجُهال إذا رأوه يقولون: يا واحد يا أحد، يا مُحيي يا مُميت. وكان قد أسلم جماعةٌ مِن اليهود، فكانوا يقولون: إنّا نريد أن نعاود ديننا، فيأذَن لهم. وأوحش أختَه بمراسلاتٍ قبيحة، وأنّها ترتكب الزّنا. فراسلت ابن دوّاس الأمير، وكان متخوفًا مِن الحاكم. ثمّ جاءت إِليْهِ فقّبل الأرض بين يديها، فقالت: قد جئتك في أمرٍ أحرسُ نفسي ونفسك. قَالَ: أَنَا خادمك. فقالت: أنت ونحن عَلَى خطرٍ عظيم مِن هذا. وقد انضاف إلى ذلك ما يظاهر بِهِ، وهتك الناموس الّذي أقامه آباؤنا، وزاد به جنونه وحمل نفسه على ما لا يصبر المسلمون عَلَى مثله، وأنا خائفة أن يثور النّاس علينا فيقتلوه ويقتلونا، فتنقضي هذه الدولة أقبح انقضاء. قال: صدقتِ، فما الرأي؟ قالت: تحلف لي وأحلف لك عَلَى الكتْمان. فتحالفا عَلَى قتله وإقامة ولده مكانه، وتكون أنت مدبر دولته. قَالَتْ: فاختْر لي عَبْدين تثق بهما عَلَى سَرَّك وتعتمد عليهما. فأحضر عبدين موصوفين بالأمانه والشهامة. فحلَّفَتْهما ووهبتهما ألف دينار، ووقَّعت لهما بإقطاع، وقالت: اصعدا إلى الجبل فاكمنا لَهُ، فإنّ غدا يصعد الحاكم إليه وليس معه إلا الرّكابيّ وصبيّ، وينفردُ بنفسه. فإذا جاء فاقتلاه مَعَ الصّبّيّ، وأعطتهما سكّينتين مغربيّتين. وكان الحاكم ينظر في النّجوم. فنظر مولده، وكان قد حُكم عَليْهِ بَقَطْعٍ في هذا الوقت، وأنه متى تجاوزه عاش نّيفًا وثمانين سنة. فأحضر أُمَّهَ وقال: -[177]- عليّ في هذه الليلة قطعٌ. وكأنّي بكِ قد هتِكت وهلكتِ مَعَ أختي، فتسلّمي هذا المفتاح، فلي في هذه الخزانة صناديق تشتمل على ثلاثمائة ألف دينار، فحوليها إلى قصرك لتكون ذخيرةً لك. فبكت وقالت: إذا كنتَ تتصوَّر هذا فَدَعْ ركوبك اللّيلة. فقال: أفعلُ، وكان في رَسْمه أنّه يطوف كلّ ليلةٍ حول القصر في ألف رَجُل، ففعل ذَلِكَ ثمّ نام. فانتبه الثُلث الأخير وقال: إنّ لم أركب فأتفرج خرجت نفسي. فركب وصعِد الجبَل ومعه صبيّ. فخرج العبدان فصرَعاه وقطعا يديه وشقّا جوفَه وحملاه في كِسائه إلى ابن دَوّاس، وقتلا الصَّبيّ. فحمله ابن دَوّاس إلى أخته فدفنته في مجلسٍ لها سرّا، وأحضرت الوزير واستكتمته واستحلفتْه عَلَى الطّاعة، وأن يكاتب وليَّ العهد عَبْد الرّحيم بْن إلياس العُبيدي، ليُبادر، وكان بدمشق، وأنفذت إلى أمير يقيم في الطريق فإذا وصل وليّ العهد قبض عَليْهِ وعدلَ بِهِ إلى تِنيس. وكتبت إلى عامل تِنّيس عَنْ الحاكم أن يحمل إِليْهِ ما قد تحصّل عنده، وكان ألف ألف دينار وألفي ألف دِرهم. وفُقِد الحاكم، فماجوا في اليوم الثّالث وقصدوا الجبل، فلم يقفوا لَهُ عَلَى أثرٍ، فعادوا إلى أخته فسألوها عَنْهُ فقالت: قد كَانَ راسلني قبل ركوبه، وأعلمني أنّه يغيب سبعة أيام. فانصرفوا مطمئنين، ورتّبت رِكابية يمضون ويعودون كأنهم يقصدون موضعه، ويقولون لكّل مِن سألهم: فارقناه في الموضع الفُلاني، وهو عائذٌ في يوم كذا. ولم تزل الأخت في هذه الأيّام تدعو وجوه القُواد وتستحلفهم وتُعطيهم. ثم ألبست أبا الحسن علي ابن الحاكم أفخر الثّياب وأحضرت ابن دوّاس وقالت: المعوَّل في القيام بهذه الدّولة عليك، وهذا ولدك، فقبّل الأرض. وأخرجت الصّبيّ ولقّبته بالظّاهر لإعزاز دين الله، وألبسته تاج المُعز، جدّها، وأقامت المأتم عَلَى الحاكم ثلاثة أيام. وهذَّبت الأمور، وخلعت عَلَى ابن دوّاس خِلعا كثيرة، وبالغت في رفْع منزلته، وجلس معظَّمًا. فلمّا ارتفع النهار خرج تسنيم صاحبُ السّرّ والسيفُ مَعه ومعه مائة رَجُل كانوا يختصّون بركاب السّلطان ويحفظونه، يعنى سِلحدارية، فسُلموا إلى ابن دوّاس يكونون بحكمه، وتقدَّمت إلى تسنيم أن يضبط أبواب القصر، ففعل، وقالت لَهُ: أخرج بين يدي ابن دوَّاس فقُل: يا عبيدُ، مولانا الظاهرُ أمير -[178]- المؤمنين يَقُولُ لكم: هذا قاتلُ مولانا الحاكم، واعلُهْ بالسَّيف. ففعل ذَلِكَ. ثمّ قتلت جماعةً ممّن أطّلع عَلَى سرّها فعظُمت هيبتها. وقيل: إنّ اسمها: ستّ المُلك. توفيت سنة أربع عشرة. وفيها انحدر سلطان الدّولة إلى واسط، وخَلَع عَلَى أَبِي محمد بْن سهلان الوزير، وأمره أن يضرب الطَّبْل في أوقات الصّلوات. ثمّ قبض عليه وسمله. وفيها كَانَ الغلاء بالعراق، واشتدّت المجاعة وأُكِلت الكلاب والبغال، وعظم الخطب. وفيها كَانَ هلاك عَبْد الرّحيم وليّ عهد الحاكم. ذكرت أخباره في ترجمته. وقد عمل شاعرٌ في مصادرته لأهل دمشق هذه القصيدة: تقضّي أوانُ الحرب والطعنِ والضربِ ... وجاء أوانُ الوَزْن والصَّفْع والضَّرْب وأضحت دمشقُ في مُصاب وأهلُها ... لهم خبرٌ قد سار في الشَّرق والغَربْ حريقٌ وجوعٌ دائمٌ ومَذَلَّة ... وخوفٌ فقد حُق البُكاء مَعَ النَّدْبِ وأضْحَتْ تِلالا قد تمحّت رسُومها ... كبعض ديار الكُفر بالخسف والقلبِ في أبيات. قَالَ أبو يَعْلَى حمزة في " تاريخه ": عاد عَبْد الرّحيم وليّ العهد إلى دمشق في رجب، وتعجب النّاس من اختلاف أراء الحاكم، فلم يلبث أن وصل ابن داود المغربي على نجيب مُسرع ومعه جماعة، يوم عَرَفة مِن سنة إحدى عشرة بِسِجِلّ إلى وليّ العهد المذكور، ودخلوا عَليْهِ القصر، وجرى بينهم كلامٌ طويل، ثمّ إنهم أخرجوه وضربوه. وأصبح الناسُ يوم الأضحي لم يصلُّوا صلاة العيد لا في المُصلى ولا في الجامع، وسار به أولئك إلى مصر. ثمّ وصل عَلَى إمرة دمشق ثانيا أبو المطاع بْن حمدان، وكان سائسًا أديبًا شاعرًا، فولي مدة شهرين. ثمّ عُزِلَ بشهاب الدّولة سُختكين، فَوَلي عامين، وأعيد ابن حمدان. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة اثنتي عشرة وأربعمائة
لم يحجّ العراقّيون في العامين الماضيَيْن، وقصد طائفة يمين الدولة محمود ابن سُبُكْتكين وقالوا: أنت سلطان الإسلام، وأعظم ملوك الأرض، وفي كل سنة تفتتح مِن بلاد الكُفر ناحيةً، والثّواب في فتح طريق الحجّ أعظم، وقد كان بدر بْن حَسْنَوَيْه، وما في أمرائك إلا مِن هُوَ أكبر منه، يسير الحاجّ بماله وتدبيره عشرين سنة، فانظر لله واهتمّ بهذا الأمر. فتقدَّم إلى قاضيه أَبِي محمد النّاصحيّ بالتّأهُّب للحجّ، ونادى في أعمال خُراسان بالتأهب للحج، وأطلق للعرب في البادية ثلاثين ألف دينار سلّمها إلى النّاصحيّ، غير مال الصّدقات. فحجّ بالنّاس أبو الحَسَن الأقساسيّ، فلمّا بلغوا فَيْد حاصرتهم العرب، فبذل لهم النّاصحيّ خمسة آلاف دينار، فلم يقنعوا وصمّموا عَلَى أخذ الرَّكْب، وكان رأسهم جمّاز بْن عُدي قد انضم إِليْهِ ألف رجلٍ مِن بني نَبهان، وكان جبّارًا، فركب فرسه وعليه درع وبيده رُمح، وجال جولة يُرهبُ بها. وكان في السَّمَرْقَنْديّين غلام يُعرف بابن عفّان، فرماه بنَبْلة وقعت في قلبه فسقط ميتًا، وهرب جَمْعُه وعاد الرَّكْبُ سالمين. وفيها قُلد الوزارة أبو الحَسَن الرُّخجي ولُقب مؤيد المُلك. وقبض قِرْواش بْن المُقَلّد عَلَى أَبِي القاسم ابن المغربي الوزير. وفيها توثَّب يحيى بْن عليّ الإدريسي بالأندلس عَلَى عمّه المأمون، فهرب منه، ثمّ جمع الجيوش وأقبل. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ثلاث عشرة وأربعمائة
فيها عمد بعض المصرييّن إلى الحجر الأسود فضَربه بدبّوس كسر منه قِطَعًا. فقتله الحُجاج، وثار أهلُ مكّة بالمصرييّن فنهبوهم وقتلوا منهم جماعة. -[180]- ثمّ ركب أبو الفتوح الحَسَن بْن جعفر، صاحب مكّة فأطفأ الفتنة، وردّهم عَنْ المصرييّن. قَالَ هلال بْن المحسَّن: قِيلَ إنّ الضّارب بالدّبّوس ممّن استغواهم الحاكم وأفسد أديانهم. وقيل: كان ذلك في سنة أربع عشرة. وقال: أبي النرسي: أخبرنا أبو عَبْد الله محمد بْن علي بْن عَبْد الرَّحْمَن العَلَويّ، قَالَ: في سنة ثلاث عشرة لما صُليت الجمعة يوم النَّفْر الأوّل، ولم يكن رجع الحاجُّ بعدُ مِن مِنَى قام رجلٌ فقصد الحجَر فضربه ثلاث ضربات بدبّوس، وقال: إلى مَتَى يُعبد الحجر، ولا محمد ولا عليّ فيمنعني محمد ممّا أفعله، فإنيّ أهدم اليوم هذا البيت. فاتّقاه أكثر الحاضرين وكاد يُفلت. وكان أحمر أشقر تامّ القامة جسيمًا؛ وكان عَلَى باب المسجد عشرةٌ مِن الفُرسان عَلَى أن ينصروه، فاحتسب رجلٌ فَوَجَأه بخِنْجر وتكاثر عَليْهِ النّاس فقُتل وأُحرق، وقُتل جماعة ممّن أُّتهم بمعاونته ومُصاحبته، وأُحرقوا بالنّار. وبانت الفتنة، فكان الظّاهر من القتلى أكثر مِن عشرين رجلًا غير ما أُخفي، وألَحُّوا في ذَلِكَ اليوم عَلَى المصرييّن بالنَّهْب والسَّلْب، وفي ثاني يوم ماج النّاس واضطّربوا. وقيل: إنّه أُخذ مِن أصحاب الخبيث أربعةٌ اعترفوا بأنّهم مائة بايعوا عَلَى ذَلِكَ، فضُربت أعناق الأربعة. وتخشّن وجه الحجر مِن تِلْكَ الَّضربات، وتساقطت منه شظايا مثل الأظفار، وتشقّق وخرج مكسَّره أسمر يضرب إلى صُفرة محببًّا مثل الخَشْخاش. فأقام الحجرُ عَلَى ذَلِكَ يومين، ثمّ إنّ بني شَيْبة جمعوا الفُتات وعجنوه بالمِسْك واللّكّ وحَشَوا الشقُوق وطَلَوْها بطلاءٍ مِن ذَلِكَ. فهو يتبين لمن تأمله، وهو على حاله إلى اليوم. وفيها زحف المأمون قاسم بْن محمود الإدريسي في الجيوش، وحارب ابن أخيه يحيى بْن عليّ، فهُزم يحيى واستولى المأمون عَلَى قُرطبة. ثمّ اضطّرب أمره بعد شهور، وجَرَت للمأمون أمور ذُكرت في ترجمته سنة إحدى وثلاثين. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة أربع عشرة وأربعمائة
سار السّلطان مشرّف الدّولة مُصعدا إلى بغداد مِن ناحية واسط، ورُوسل القادر بالله في البروز لِتَلَقّيه، فتلقّاه مِن الزّلاقة، ولم يكن تَلَقَّى أحدًا مِن الملوك قبله. فركب في الطّيّار، وعن جانبه الأيْمَن الأمير أبو جعفر، وعن يَساره الأمير أبو القاسم، وبين يديه أَبُو الْحَسَن علي بْن عَبْد الْعَزِيز، وحوالي القُبة الشريف أَبُو القاسم المرتضي، وأبو الحَسَن الزَّيْنبيّ، وقاضي القُضاة ابن أبي الشّوارب، وفي الزّبازب المُسودة مِن العبّاسييّن، والقُضاة، والقُرَّاء، والعلماء، ونزل مشرّف الدّولة في زَبْزَبه بخَوَاصه وصعد إلى الطّيّار، فقبَّل الأرض، وأجلس عَلَى كُرسي، وسأله الخليفة عَنْ خبره وكيف حاله، والعسكر واقفٌ بأسره عَلَى شاطئ دِجلة، والعامّة في الجانبين. ثم قام شرف الدولة فنزل إلى زبزبه، وأصعد الطيار. وفيها ورد كتابُ يمين الدولة محمود بن سُبُكتكين إلى القادر يذكر أنّه أوغل في بلاد الهند حتّى جاء إلى قلعةٍ فيها ستّمائة صنم، وقال: أتيتُ قلعةً لَيْسَ لها في الدّنيا نظير، وما الظّنُّ بقلعة تَسَعُ خمسمائة فيْل، وعشرين ألف دابّة، وتقوم لهؤلاء بالعُلُوفة. وأعان الله حتّى طلبوا الأمان، فأمّنتُ مِلكَهم وأقْررتُه عَلَى ولايته بخراج ضُرب عَليْهِ، وأنفذ هدايا كثيرة وفيَلَة، ومن ذَلِكَ طائر عَلَى شكْل القُمري إذا حضر عَلَى الخِوان وكان فيه شيءٌ مسموم دمعتْ عينُهُ وجرى منها ماء وتحجّر، ويُحك فيُطْلَى بما تحلّل مِن دمعه المتحجر الجراحات الكبار فيلحمها، فقُبلت هديته، وانقلب العبدُ بنعمةٍ مِن الله وفضل. قلتُ: وهذه وقعة باردين، وهي مِن الملاحم الكِبار، بلغت راية الإسلام في الهند إلى مكان لم تبلغْه قطّ، ووُجد في بيت بذّ عظيم حجر منقوش، دلّت كتابته عَلَى أنّه مَبْنيُّ من أربعين ألف سنة. فقضى السّلطان والناسُ من جهلِ القوم عَجَبا، إذ كَانَ بعضُ أهل الشّريعة يقولون: إنّ مدَّة الدّنيا سبعة آلاف سنة، وعاد السلطان بتلك الغنائم حتى كان عدد الأرقّاء يزيد عَلَى عدد -[182]- الدَّهْماء، ونزلت قَيمُهُم حتّى اقتناهم أرباب المِهَن الخاملة. وفيها استوزر مؤيَّد المُلْك أبا القاسم المغربيّ الوزير. وحجّ بالعراقييّن أبو الحَسَن محمد بْن الحَسَن الأقساسيّ، وعاد عَلَى درْب الشّام لفساد الدّرْب العراقيّ، فأكرمهم والى الرملة، ونفَّذ لهم الظّاهر مِن مصر ذَهَبًا وخِلَعًا، فقبِل ذَلِكَ أميرُ الرّكْب، وساروا إلى بغداد، فتألّم القادر وهَمَّ بالأقساسيّ، وسبّ صاحب مصر وطعن في نَسَبهم، وقال: إنما أصلهم يهود. ثمّ أُحرِقت الخِلَع بباب النوبي. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة خمس عشرة وأربعمائة
فيها حجّ بالعراقييّن أبو الحسن الأقساسيّ، ومعه خشك صاحب محمود بْن سُبُكْتكين، فنفّذ إِليْهِ الظاهر صاحب مصر خِلعًا وصلةً فقبِلَها، ثمّ خاف ولم يدخل بغداد. فكاتب الخليفةُ محمودًا بما فعل خشك، فنفذ مَعَ رسوله الخِلَع المصريّة، فأُحرِقت عَلَى باب النوبي. وفيها ولى وزارة مصر للظّاهر نجيبُ الدّين علي بن أحمد ابن الجرجرائي. وماتت ستُّ المُلْك أخت الحاكم الّتي قتلت الحاكم. وفيها تُوُفّي سلطان الدّولة أبو شجاع ابن عَضْد الدّولة بْن بُوَيْه بشيراز، وكانت مدّة ولايته اثني عشر عامًا وأشْهُرًا؛ وولى صبيّا ومات عن ثلاث وعشرين سنة. وفيها هلك عدد كثير بعَقَبة واقصَة مِن الحُجّاج العراقيّين، عطّلت عليهم الأعْراب المياه والقُلُب ليأخذوا الرَّكْب، وتُسمّى " سنة القرعاءُ "؛ فروى أبو عليّ البرداني الحافظ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: عاد الرَّكب وليس لهم ماء، فهلكوا جميعًا بعَقَبَة واقصة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ست عشرة وأربعمائة
فيها انتشرت العيّارون ببغداد، وخرقوا الهَيْبَة، وواصلوا العملات والقتل. وفي ربيع الأوّل تُوُفّي مشرّف الدّولة السّلطان، ونهبت خزائنه، وهو مشرف الدولة ابن بهاء الدولة ابن عضد الدولة بن بويه الديلمي، واستقرّ الأمر عَلَى تولية جلال الدّولة أَبِي طاهر، فخُطب لَهُ عَلَى المنابر، وهو بالبصرة. فخلع عَلَى شرف المُلْك أَبِي سعْد بْن ماكولا وزيره، ولقّبه " عَلَم الدّين، سعْد الدّولة، أمين المِلَّة، شرف المُلْك ". وهو أوّل مِن لُقَّب بالألقاب الكثيرة. قلتُ: ولعلّه أول مِن لقب باسم مضاف إلى الدين. ثمّ إنّ الْجُنْد عدلوا إلى المُلْك أَبِي كاليجار ونوهوا باسمه، وكان ولي عهد أَبِيهِ سلطان الدّولة الّذي استخلفه بهاء الدّولة عليهم فخُطب لهذا ببغداد، وكُوتب جلال الدّولة بذلك، فأصعد من واسط. وكان قد نفّذ صاحبُ مصر إلى محمود بْن سُبُكْتكين حاجبه مَعَ أَبِي العبّاس أحمد بْن محمد الرّشيديّ الملقّب بزيْن القُضاة، فجلس القادر بالله بعد أن أحضر القُضاة والأعيان، وحضر أبو العبّاس الرّشيديّ وأحضر ما كَانَ حمله صاحب مصر، وأديّ رسالة محمود بْن سُبُكْتكين بأنّه الخادم المخلص الّذي يرى الطّاعة فَرْضًا، ويبرأ مِن كلّ مِن يخالف الدعوة العبّاسية. فلمّا كَانَ بعد اليوم أُحرقت تِلْكَ الخِلَع الّتي مِن صاحب مصر كما ذكرنا، وسُبِك مركب فضّة أهداه، فكان أربعة آلاف وخمسمائة وستين درهمًا، فتصّدق بِهِ عَلَى ضُعَفاء الهاشميّين. وتفاقم أمر العيارين، وأخذوا الناس نهارا جَهَارًا، وفي اللّيل بالمشاعل والشّمْع، كانوا يدخلون عَلَى الرّجل فيطالبونه بذخائره ويعذّبونه، وزاد البلاء، وأحرقت دار الشريف المرتضى، وغلت الأسعار. ولم يحج أحد من العراق. وكانت الأندلس كثيرة الحروب والفِتَن عَلَى المُلْك في هذا الزّمان، وهُم فِرق. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة سبع عشرة وأربعمائة
فيها ورد الإسْفَهْسِلاريّة إلى بغداد، فراسلوا العيّارين بالانصراف عن البلد، فما فكروا فيهم، وخرجوا إلى خِيَم الإسْفَهْسِلاريّة وصاحوا وشتموهم وتحاربوا، ولبس الجند من الحنق السّلاح، وضربوا الدّبادب، وهجموا عَلَى أهل الكَرْخ، وأحرقوا من الدهاقين إلى النّحّاسين، ونُهب الكَرْخ، وأخِذ شيءٌ كثير مِن القطيعة ودرب أَبِي خَلَف، وأشرف النّاس على خطة صعبة. وكان ما نهبته الغَوْغَاء أكثر ممّا نهبته الأتراك. ومضى المرتضى إلى دار الخلافة، فجاء الإسْفَهْسِلاريّة وسألوا التَّقدُّم إليه بالرجوع، فخلع عَليْهِ وتقدّم إليه بالعَوْد. ثمّ حُفظت المَحَالّ واشتدّت المصادرات، وقُرّر عَلَى أهل الكرخ مائة ألف دينار. وفيها شهِد الحسين بْن عليّ الصَّيْمريّ عند قاضي القُضاة ابن أَبِي الشّوارب، بعد أن استتابه مما ذكر عنه من الاعتزال. وجاء برد شديد، وجلدت أطراف دجلة، وأمّا السّواقي والمجاري فكانت تجمد كلها. وانقضّ كوكب عظيم الضوء، كَانَ لَهُ دَوِيّ كدوي الرعد. واعتقل جلالُ الدّولة وزيره أبا سعْد بْن ماكولا، واستوزر ابن عمه أبا علي ابن ماكولا. ولم يحج ركب العراق. وتوفي قاضي القُضاة ابن أَبِي الشّوارب. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ثمان عشرة وأربعمائة
في ربيع الأوّل جاء بردٌ بقُطربل والنُّعْمانّية قتل كثيرًا مِن الغَنَم والوحْش. قِيلَ: كَانَ في البَرَدة رِطْلان وأكثر، وجاء بعده بأيّام بَرَد ببغداد كقدر البَيْض وأكبر، وجاء كتابٌ من واسط بأنه وقع بردٌ في الواحدة منه أرطال، فهلكت الغلات، وأمحلت البلاد. وفيها قصد الإسْفَهْسِلاريّة والغلْمان دار القادر بالله بأنك مالك الأمور -[185]- وقد كنّا عند وفاة المُلْك مشرّف الدّولة اخترنا جلال الدّولة ظنًا منّا أنّه ينظر في الأمور، فأغفلَنَا، فَعَدلْنا إلى المُلْك أَبِي كاليجار ظنا منه أنه يحقق ما يعدنا بِهِ، فكنّا عَلَى أقبح مِن الحالة الأولى، ولا بُد مِن تدبير أمورنا. فخرج الجواب: بأنّكم أبناء دولتنا، وأوّل ما نأمركم أن تكون كلمتكم واحدة. وقد وَقَع عقد لأبي كاليجار لا يحسُن حلّة، ولبني بُويه في رِقابنا عُهود لا نعدل عَنْهَا. فَدَعُونا حتّى نكاتب أبا كاليجار ونعرف ما عنده، وكتب إِليْهِ: إنّك إنّ لم تدارك الأمر خرج عَنْ اليد. ثمّ أل الأمر إلى أن عاودوا وسألوا إقامة الأمر لجلال الدّولة أَبِي الطاهر، فأُعيدت الخطبة له. وكتب محمود بْن سُبكتكين إلى الخليفة كتابًا فيه ما فتحه مِن بلاد الهند وكسره للصنم المشهور بسومنات، وإنّ أصناف الهند افتتنوا بهذا الصَّنم، وكانوا يأتونه مِن كلّ فَجً عميقٍ، فيتقربون إليه بالأموال، ورتُب له ألف رجل للخدمة وثلاثمائة يحلقون رؤوس حجيجه، وثلاثمائة يغنّون عَلَى باب الصَّنم، ولقد كَانَ العبْد يتمنى قلْعَ هذا الصّنم، ويتعرّف الأحوال، فتوصف لَهُ المفاوز إليه وقلّة الماء وكثرة الرّمال. فاستخار العبدُ الله في الانتداب لهذا الواجب طلبًا للأجر، ونهض في شَعْبان سنة ستّ عشرة في ثلاثين ألف فارس سوى المطّوّعة، ففرّق في المطّوّعة خمسين ألف دينار معونةً، وقَضَى الله بالوصول إلى بلد الصّنم، وأعان حتى ملك البلد، وقُلِع الوثن، وأوقدت عَليْهِ النّار حتّى تقطّع، وقُتل خمسون ألفًا من أهل البلد. وفي رمضان قِدم السّلطان جلال الدّولة بعد أن خرج القادر بالله لِتَلَقيه، واجتمعا في دِجلة. ثمّ نزل في دار السّلطنة، وأمر أن يُضرب لَهُ الطَّبْل في أوقات الصّلوات الثلاث، وعلى ذَلِكَ جرت الحال في أيّام عضُد الدّولة وصمصامها وشرفها وبهائها. فثُقل هذا الفِعْل عَلَى القادر بالله وأرسل إِليْهِ يكلّمه. فاحتجّ جلالُ الدّولة بما فعله سلطان الدّولة، فقيل: كَانَ ذَلِكَ عَلَى غير أصل ولا إذْنٍ، ولم تجر العادة بمماثلة الخليفة في هذا الأمر، وتردّد الأمرُ إلى أن قطع الملك ضرب الطبل بالواحدة، فأذن الخليفة في ضرب الطبلِ في أوقات الصّلوات الخمس. وكان في هذه السنة بردٌ وجليد شديد بالعراق حتى جمد الخلُّ وأبوال الدواب. -[186]- ولم يحجّ أحدٌ مِن بغداد. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة تسع عشرة وأربعمائة
في المحَّرم اجتمع الغلمان وأكابر الإسْفَهْسِلاريّة وتحالفوا عَلَى اتفّاق الكلمة، وبرَّزوا الخِيم، ثمّ أنفذوا إلى الخليفة يقولون: نَحْنُ عُبَيْد أمير المؤمنين، وهذا المِلك متوفرٌ عَلَى لَذّاته لا يقوم بأمورنا، ونريد أن تأمره أن يصير إلى البصرة ويُنفذ ولده نائبًا لَهُ. فأجيبوا. فأنفذ إلى السّلطان أبا الحَسَن الزَّيْنبيّ، وأبا القاسم المرتضى برسالةٍ، فاعتذر، فقالوا: تُعجل ما وعدنا بِهِ. فأخرج مِن المصاغ والفضّة أكثر مِن مائة ألف درهم، فلم تُرضهم. ثمّ بكّروا فنهبوا دار الوزير أَبِي عليّ بْن ماكولا، وعظُمت الفتنة وزالت الهيبة، ونهبوا بعض العوامّ، ووكلوا جماعةً منهم بدار السّلطنة ومنعوا مِن دخول الطّعام والماء. فضاق الأمرُ عَلَى مِن فيها حتّى أكلوا ما في البُستان وشربوا ما في الآبار. فخرج جلال الدّولة، ودعا الموكَّلين بالأبواب، فلم يجيبوه، فكتب ورقة: إنّي راجعٌ عَنْ كلّ ما أنكرتموه. فقالوا: لو أعطيتنا مال بغداد لم تصلُح لنا. فقال: أكَرِهْتُموني، فمكّنِوني مِن الانحدار. فابتيع لَهُ زَبْزَب شِعث، فقال: يكون نزولي بالليل. قَالُوا: لا، بل السّاعة، والغلمان يَرَوْنَه فلا يسلّمون عَليْهِ. ثمّ حَمَل قوم مِن الغلمان إلى السُرادق، فظنّ أنّهم يريدون الحُرم، فخرج من الدار وفي يده طِبر، فقال: قد بلغ الأمر إِلَى الحُرم؟ فقال بعضهم: ارجْع إلى دارك فأنت مَلِكُنا، وصاحوا: " جلال الدّولة يا مَنْصُور "، وترجّلوا فقبّلوا الأرض، فأخرج المصاغ والفَرْش والآلات الكثيرة فأبيعت، ولم تفِ بمقصودهم. فاجتمعوا إلى الوزير ابن ماكولا، وهموا بقتله، فقال: لا ذنب لي. ومات فيها ملك إقليم كَرْمان قوام الدّولة ابن بهاء الدولة ابن عضُد الدّولة، فأخذ كَرْمان بعده ابن أخيه أبو كاليجار. -[187]- وعُدم الرُطب ببغداد إلى أن أبيع ثلاثة أرطال بدينار جلالي. ولم يحج أحدٌ من العراق. وفيها ولى دمشق للعُبيديين أمير الجيوش الدّزْبَريّ، وكان شجاعًا شهمًا سائسًا منصِفا، واسمه أبو منصور أنُوشتكين التّركيّ، لَهُ ترجمة طويلة في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة عشرين وأربعمائة
فيها وقع بَرَدٌ كبار بالنُّعْمانية، في البَرَدَة أرطال. وجاءت ريح عظيمة قلعت الأصول والزّيتون العاتية، وكثيرًا مِن النّخْل. ووُجدت بَرَدَة عظيمة يزيد وزنها على مائة رطل، وقد نزلت في الأرض نحوا من ذراع. وفيها ورد كتاب محمود بْن سُبُكْتكين، وهو: " سلامٌ عَلَى سيّدنا ومولانا الإمام القادر بالله أمير المؤمنين، إنّ كتاب العبد صَدَر عَنْ معسكره بظاهر الرَّيّ غُرة جُمادى الآخرة، وقد أزال الله عَنْ هذه البقعة أيدي الظّلَمة، وطهَّرها مِن أيدي الباطنيّة الكَفَرة، وقد تناهَتْ إلى الحضرة حقيقة الحال فيما قصَر العبدُ عَليْهِ سعْيَه واجتهاده غزْو أهل الكُفْر والضّلال، وقمع مِن نبغ بخُراسان مِن الفئة الباطنيّة، وكانت الرّيّ مخصوصة بالتجائهم إليها، وإعلانهم بالدّعاء إلى كُفْرهم فيها، يختلطون بالمعتزلة والرّافضة، ويتجاهرون بشتم الصّحابة، ويُسرون الكُفْرَ ومذهبَ الإباحة، وكان زعيمهم رستم بْن عليّ الدَّيْلَميّ. فعطف العبدُ بالعساكر فطلع بجُرجان، وتوقّف بها إلى انصراف الشّتاء. ثمّ سار إلى دامغان، ووجّه غالبَ الحاجب في مقدّمة العسكر، فبرز رستم عَلَى حُكم الاستسلام والاضطرار، فقبض عليه وعلى رؤوس الباطنيّة مِن قُواده، وخرج الدَّيالمة معترفين بذنوبهم، شاهدين بالكُفر والرَّفْض عَلَى نفوسهم، فرُجع إلى الفقهاء في تعرُّف أحوالهم، فأفْتوا بأنّهم خارجون عَنْ الطّاعة، داخلون في أهل الفساد، يجب عَليْهِم القتل والقطْع والنَّفْي عَلَى مراتب جناياتهم إن لم يكونوا مِن أهل الإلحاد. فكيف واعتقادُهم لا يخلو مِن التَّشَيُّع والرَّفْض والباطن، وذكر هَؤلَاءِ الفقهاء أن أكثر هَؤلَاءِ القوم لا يُصلّون ولا يُزّكون، ولا يعترفون بشرائط الدّين، ويُجاهرون بالقذْف وشتْم الصّحابة، والأمثَلُ منهم معتقدٌ مذهب -[188]- الاعتزال، والباطنيّة منهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وحكموا - يعني الفقهاء - بأنّ رستم بن علي في حياله خمسون امرَأَة مِن الحرائر، وَلَدْنَ لَهُ ثلاثةً وثلاثين نفْسًا، وحوّل رَأَيْته إلى خُراسان، فانضم إليه أعيان المعتزلة والرّافضة. ثمّ نظر فيما احتجنه رستم، فعثر مِن الجواهر عَلَى ما قيمته خمسمائة ألف دينار. ثمّ ذكر أشياء مِن الذَّهب والسُّتُور والفَرْش، إلى أن قَالَ: فَخَلَت هذه البُقْعة مِن دُعاة الباطنّية وأعيان الرّوافض، وانتصرت السُنة، فطالع العبدُ بحقيقة ما يسّره الله تعالى لنصر الدولة القاهرة. وفي رجب انقض كوكب عظيم أضاءت منه الأرض، وكان له دوي كدوي الرعد. وفي شَعبان اضّطرب أمرُ بغداد وكثُرت العَمْلات، وكبس العيارون المحال. وأيضًا غارَ الماء في الفُرات غَوْرًا شديدًا، وبلغ طحن الكارة الدقيق دينارا. وفيه جُمع العلماء والقُضاة في دار الخلافة، وقُرِئ عليهم كتابٌ طويل عمله القادر بالله يتضمَّن الوعظ وتفضيل مذهب السُنة، والطّعن على المعتزلة. وفيه أخبار كثيرة في ذلك. وفي رمضان جُمعوا أيضًا وقرأ عليهم أبو الحسن بْن حاجب النُعمان كتابًا طويلًا عمله القادر بالله، فيه أخبار ووفاة النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفيه ردٌ عَلَى مِن يَقُولُ بخلْق القرآن، وحكاية ما جرى بين عَبْد العزيز وبِشْر المَرِيسيّ، ثمّ ختمه بالوعظ والأمر بالمعروف والنَّهي عَنْ المنُكْر. وفي ذي القعدة جُمعوا لكتابٍ ثالث في فضل أبي بكر، وعمر، وسب مِن يَقُولُ بخلْق القرآن، وأُعيد فيه ما جرى بين عَبْد العزيز وبِشْر المَرِيسيّ، وأقام النّاس إلى بعد العَتْمة حتّى فرغ، ثمّ أخذ خطوطهم بحضورهم وسماع ما سمعوه. وكان يخطب بجامع براثا شيعيَّ فيُظهر شِعارهم، فتقَّدم إلى أَبِي منصور بْن تمّام الخطيب ليخطب ببراثا ويُظهر السُّنَّة. فخطب وقصَّر عمّا كَانَ يفعله مِن قَبْله في ذِكْر عليّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَرَموه بالآجُر، فنزل ووقف المشايخ دونه -[189]- حَتَّى أسرع فِي الصلاة. فتألم الخليفة وغاظه ذلك، وطلب الشريف المرتضى، وأبا الحَسَن الزَّيْنبيّ وأمر بمكاتبة السلطان والوزير أَبِي عليّ بْن ماكولا، وكان فيما كتب: " إذا بلغ الأمير أطال الله بقاءه صاحب الجيش إلى الجرأة عَلَى الدّين وسياسة الدّولة والمملكة، ثَّبتها الله، مِن الرُّعاع والأَوْباش فلا صبر دون المبالغة بما توجبه الحِمية، وقد بلغه ما جرى في يوم الجمعة الماضية في مسجد براثا الّذي يجمع الكفرة والزّنادقة، ومن قد تبرّأ الله منه فصار أشبه شيء بمسجد الضرار، وذلك أن خطيبا كان فيه يجري إلى ما لا يخرج بِهِ عند الزَّنْدقة والدّعوى لعليّ بْن أَبِي طَالِب عَليْهِ السلام بما لو كَانَ حيا لقد قابله، وقد فعل ذَلِكَ في الغُواة أمثال هؤلاء الغُثاء الذين يدعون لله ما تكاد السماوات يتفطرْن منه. فإنه كَانَ في بعض ما يورده هذا الخطيب - قبحه الله - يَقُولُ بعد الصّلاة عَلَى الرَّسُول: وعلى أخيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، مكلم الجمجمة، ومُحيي الأموات، البشريّ الإلهيّ، مكلَّم أصحاب الكهف، إلى غير ذَلِكَ مِن الغُلو، فأنفذ الخطيب أبو تمّام، فأقام الخطبة، فجاءه الآجُرُّ كالمطر، فخُلع كتفه، وكسر كنفه، وأدمي وجهه، وأشيط بدمه، لولا أربعة مِن الأتراك فاجتهدوا وحموه وإلا كَانَ هلك، وهذه هَجْمة عَلَى دين الله وفْتك في شريعة رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والضرورة ماسّه إلى الانتقام. ونزل عَلَى الخطيب ثلاثون بالمشاعل، فانتهبوا داره وأغروا حريمه، فخاف الوزير والأمراء مِن فتنةٍ تتولّد، فلم يخطب أحد ببراثا في الجمعة الآتية. وكثُرت العَمْلات والكَبْسات، وزاد الأمر، وفُتحت الدّكاكين، وعم البلاء. وفي ذي الحجّة قُلد قضاء القُضاة أبو عبد الله الحسين بن ماكولا. ثمّ أُقيمت الجمعة في جامع براثا بعد أشهُر، واعتذر رؤساء الشّيعة عَنْ سُفهائهم إلى الخليفة، وعُملت للخطيب نسخة يعتمدها، وأعفاهم الخطيب مِن دقّ المنبر بعقِب سيفه، فإنّ الشّيعة تنكر ذلك، وهو منكر. وفي ذي الحجّة ورد أبو يَعْلَى المَوْصِليّ وجماعة مِن العَيّارين كانوا بأوانًا وعُكبرا، فقتلوا خمسة مِن الرّجّالة وأصحاب المصالح، وظهروا مِن الغد بالكَرْخ في أيديهم السّيوف، وأظهروا أنّ كمال الدّولة أبا سنان بعثهم لحفِظ -[190]- البلد وخدمة السلطان، فثار بهم أهل الكرخ وظفروا بهم وصُلبوا. وفيها جهّز صاحب مصر جيشًا لقتال صالح بْن مرداس صاحب حلب، وكان مقدَّم الجيش نوشتكين الدزْبَرِيّ، وكانت الوقعة عَلَى نهر الأُرْدنّ، فقُتل صالح وابنه، وحُمل رأساهما إلى مصر، وأقام نصر بن صالح بحلب، والله أعلم. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي