نتائج البحث عن (تِعارٌ) 50 نتيجة

(الِاسْتِعَارَة) (فِي علم الْبَيَان) اسْتِعْمَال كلمة بدل أُخْرَى لعلاقة المشابهة مَعَ الْقَرِينَة الدَّالَّة على هَذَا الِاسْتِعْمَال كاستعمال الْأسد فِي الشجاع والكلمة المستعملة على الْحَد السَّابِق وصك يطْلب بِهِ الْقَارئ كتابا من المكتبات الْعَامَّة يذيله بتوقيعه فَيكون سندا عَلَيْهِ (محدثة)
(تعار) فلَان أرق وتقلب فِي فرَاشه لَيْلًا مَعَ كَلَام وَصَوت
(تعاركوا) فِي الْقِتَال وَالْخِصَام ازدحموا
(اسْتعَار) الشَّيْء مِنْهُ طلب أَن يُعْطِيهِ إِيَّاه عَارِية وَيُقَال استعاره إِيَّاه
الاستعارة: ادعاء معنى الحقيقة في الشيء للمبالغة في التشبيه، مع طرح ذكر المشبه من البين، كقولك: لقيت أسدًا، وأنت تعني به الرجل الشجاع، ثم إذا ذكر المشبه به مع ذكر القرينة يسمى: استعارة تصريحية وتحقيقية، نحو: لقيت أسدًا في الحمام، وإذا قلنا: المنية، أي الموت، أنشبت، أي علقت أظفارها بفلان، فقد شبهنا المنية بالسبع في اغتيال النفوس، أي إهلاكها، من غير تفرقة بين نفاع وضرار، فأثبتنا لها الأظافر، التي لا يكمل ذلك الاغتيال فيه بدونها؛ تحقيقًا للمبالغة في التشبيه، فتشبيه المنية بالسبع استعارة بالكناية، وإثبات الأظافر لها استعارة تخييلية. والاستعارة في الفعل لا تكون إلا تبعية، كنطقت الحال.
الاستعارة التخييلية: أن يستعمل مصدر الفعل في معنى غير ذلك المصدر على سبيل التشبيه، ثم يتبع فعله له في النسبة إلى غيره. نحو: "كشف" فإن مصدره هو الكشف، فاستعير الكشف للإزالة، ثم استعار كشف لأزال تبعا لمصدره يعني أن كشف مشتق من الكشف، وأزال مشتق من الإزالة أصلية، فأرادوا لفظ الفعل منهما، وإنما سميتها استعارة تبعية؛ لأنه تابع لأصله.
الاستعارة التخييلية: هي إضافة لازم المشبه به إلى المشبه.
الاستعارة بالكناية: هي إطلاق لفظ المشبه وإرادة معناه المجازي، وهو لازم المشبه به.
الاستعارة الترشيحية: هي إثبات ملائم المشبه به للمشبه.
الاستعارة:[في الانكليزية] Metaphor [ في الفرنسية] Metaphore

في اللغة: هو أخذ الشيء بالعارية أو عند الفرس: هو إضافة المشبّه به إلى المشبّه، وهذا خلاف اصطلاح أهل العربية. وهو على نوعين:

أحدها: استعارة حقيقية، والثاني: مجازية.فالاستعارة الحقيقية هي أن يكون المستعار والمستعار منه ثابتين ومعلومين، وهما نوعان:ترشيح وتجريد. فالترشيح هو أن يكون المستعار والمستعار منه ثابتين ومعلومين، وأن تراعى فيها لوازم الجانبين. ومثاله:يا ملك البلغاء إن تجرّد سيف لسانك نلت وطرك وفتحت العالم فالسيف مستعار واللسان مستعار منه، وقد راعى اللوازم للسيف واللسان. وأمّا التجريد فهو أن يراعي جانبا واحدا من اللوازم وأن يكون أحد الموجودات من الأعيان والثاني من الأعراض. ومثاله: من ذلك السكّر الشفهي الذي هو غير مأكول، نأكل في كل لحظة سمّ الغصة.فالسكر مستعار والشفه مستعار منه. فهنا راعى جانب السكر، والغصة ليست من الأعيان فتؤكل ولم يراع الغصة.وأمّا المجاز فهو أن يكون كلّ من المشبّه والمشبّه به من الأعراض، يعني أن يكون محسوسا بأحد الحواسّ الظاهرة أو من المتصوّرة أي محسوسا بالحواس الباطنة. أو يكون أحدها عرضا والثاني متصوّرا. ومثاله: حيثما يوجد أحد في الدنيا سأقتله كي لا يرد كلام العشق على لسان أحد. فالكلام عرض والعشق هو من الأشياء التي تصوّر في الذهن. وكلاهما أي الكلام والعشق من المتصوّرات التي لا وجود مادي لها في الخارج.واعلم أنّ كلّ ما ذكرناه هاهنا عن الحقيقة والمجاز هو على اصطلاح الفرس، وقد أورده مولانا فخر الدين قواس في كتابه. وهذا أيضا مخالف لأهل العربية. كذا في جامع الصنائع. والاستعارة عند الفقهاء والأصوليين عبارة عن مطلق المجاز بمعنى المرادف له. وفي اصطلاح علماء البيان عبارة عن نوع من المجاز، كذا في كشف البزدوي وچلپي المطول. وذكر الخفاجي في حاشية البيضاوي في تفسير قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ الآية الاستعارة تستعمل بمعنى المجاز مطلقا، وبمعنى مجاز علاقته المشابهة، مفردا كان أو مركّبا، وقد تخصّ بالمفرد منه وتقابل بالتمثيل حينئذ كما في مواضع كثيرة من الكشاف. والتمثيل وإن كان مطلق التشبيه غلب على الاستعارة المركّبة، ولا مشاحّة في الاصطلاح انتهى كلامه. والقول بتخصّص الاستعارة بالمفرد قول الشيخ عبد القاهر وجار الله. وأمّا على مذهب السكّاكي فالاستعارة تشتمل التمثيل ويقال للتمثيل استعارة تمثيلية، كذا ذكر مولانا عصام الدين في حاشية البيضاوي. وسيأتي في لفظ المجاز ما يتعلّق بذلك.
قال أهل البيان: المجاز إن كانت العلاقة فيه غير المشابهة فمجاز مرسل وإلّا فاستعارة.فالاستعارة على هذا هو اللفظ المستعمل فيما شبّه بمعناه الأصلي أي الحقيقي، ولما سبق في تعريف الحقيقة اللغوية أن استعمال اللفظ لا يكون إلّا بإرادة المعنى منه، فإذا أطلق نحو المشفر على شفة الإنسان وأريد تشبيهها بمشفر الإبل في الغلظ فهو استعارة، وإن أريد أنّه إطلاق المقيّد على المطلق كإطلاق المرسن على الأنف من غير قصد إلى التشبيه فمجاز مرسل، فاللفظ الواحد بالنسبة إلى المعنى الواحد يجوز أن يكون استعارة وأن يكون مجازا مرسلا باعتبارين، ولا يخفى أنك إذا قلت: رأيت مشفر زيد، وقصدت الاستعارة، وليس مشفره غليظا، فهو حكم كاذب، بخلاف ما إذا كان مجازا مرسلا. وكثيرا ما يطلق الاستعارة على فعل المتكلّم أعني استعمال اسم المشبّه به في المشبّه. والمراد بالاسم ما يقابل المسمّى أعني اللفظ لا ما يقابل الفعل والحرف. فالاستعارة تكون بمعنى المصدر فيصحّ منه الاشتقاق، فالمتكلّم مستعير واللفظ المشبّه به مستعار، والمعنى المشبّه به مستعار منه، والمعنى المشبّه مستعار له، هكذا في الأطول وأكثر كتب هذا الفن.وزاد صاحب كشف البزدوي ما يقع به الاستعارة وهو الاتصال بين المحلّين لكن في الاتقان أركان الاستعارة ثلاثة: مستعار وهو اللفظ المشبّه به، ومستعار منه وهو اللفظ المشبّه، ومستعار له وهو المعنى الجامع. وفي بعض الرسائل المستعار منه في الاستعارة بالكناية هو المشبّه على مذهب السكاكي انتهى.ثم قال صاحب الاتقان بعد تعريف الاستعارة بما سبق، قال بعضهم: حقيقة الاستعارة أن تستعار الكلمة من شيء معروف بها إلى شيء لم يعرف بها، وحكمة ذلك إظهار الخفي وإيضاح الظاهر الذي ليس بجليّ، أو حصول المبالغة أو المجموع. مثال إظهار الخفي: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ فإنّ حقيقته وإنّه في أصل الكتاب فاستعير لفظ الأم للأصل لأن الأولاد تنشأ من الأم كما تنشأ الفروع من الأصول، وحكمة ذلك تمثيل ما ليس بمرئي حتى يصير مرئيا فينتقل السامع من حدّ السّماع إلى حدّ العيان، وذلك أبلغ في البيان. ومثال إيضاح ما ليس بجليّ ليصير جليّا: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِ فإن المراد منه أمر الولد بالذلّ لوالديه رحمة فاستعير للذّلّ أولا جانب ثم للجانب جناح، أي اخفض جانب الذلّ أي اخفض جانبك ذلّا؛ وحكمة الاستعارة في هذا جعل ما ليس بمرئي مرئيا لأجل حسن البيان.ولمّا كان المراد خفض جانب الولد للوالدين بحيث لا يبقى الولد من الذلّ لهما والاستكانة متمكنا، احتيج في الاستعارة إلى ما هو أبلغ من الأولى، فاستعير لفظ الجناح لما فيه من المعاني التي لا تحصل من خفض الجانب، لأن من يميل جانبه إلى جهة السّفل أدنى ميل صدق عليه أنّه خفض جانبه، والمراد خفض يلصق الجنب بالأرض ولا يحصل ذلك إلّا بذكر الجناح كالطائر. ومثال المبالغة: وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً أي فجّرنا عيون الأرض، ولو عبّر بذلك لم يكن فيه من المبالغة ما في الأول المشعر بأن الأرض كلها صارت عيونا. انتهى.
فائدة:اختلفوا في الاستعارة أهي مجاز لغوي أو عقلي، فالجمهور على أنها مجاز لغوي لكونها موضوعة للمشبّه به لا للمشبّه ولا لأعمّ منهما.وقيل إنها مجاز عقلي لا بمعنى إسناد الفعل أو معناه إلى ما هو له بتأوّل، بل بمعنى أنّ التصرّف فيها في أمر عقلي لا لغوي لأنها لم تطلق على المشبّه إلّا بعد ادّعاء دخوله في جنس المشبّه به فكان استعمالها فيما وضعت له، لأن مجرد نقل الاسم لو كان استعارة لكانت الأعلام المنقولة كيزيد ويشكر استعارة، وردّ بأن الادعاء لا يقتضي أن تكون مستعملة فيما وضعت له للعلم الضروري بأن الأسد مثلا موضوع للسبع المخصوص، وفي صورة الاستعارة مستعمل في الرجل الشجاع، وتحقيق ذلك أنّ ادعاء دخوله في جنس المشبّه به مبني على أنه جعل أفراد الأسد بطريق التأويل قسمين: أحدهما المتعارف وهو الذي له غاية الجرأة ونهاية القوّة في مثل تلك الجثة وتلك الأنياب والمخالب إلى غير ذلك. والثاني غير المتعارف وهو الذي له تلك الجرأة وتلك القوة، لكن لا في تلك الجثة والهيكل المخصوص، ولفظ الأسد إنما هو موضوع للمتعارف، فاستعماله في غير المتعارف استعمال في غير ما وضع له، كذا في المطول.
وقال صاحب الأطول: ويمكن أن يقال: إذا قلت: رأيت أسدا وحكمت برؤية رجل شجاع يمكن فيه طريقان: أحدهما أن يجعل الأسد مستعارا لمفهوم الرجل الشجاع، والثاني أن يستعمل فيما وضع له الأسد ويجعل مفهوم الأسد آلة لملاحظة الرجل الشجاع، ويعتبر تجوّزا عقليا في التركيب التقييدي الحاصل من جعل مفهوم الأسد عنوانا للرجل الشجاع، فيكون التركيب بين الرجل الشجاع ومفهوم الأسد مبنيا على التجوّز العقلي، فلا يكون هناك مجاز لغوي. ألا ترى أنه لا تجوّز لغة في قولنا: لي نهار صائم فقد حقّ القول بأنه مجاز عقلي ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
فائدة:الاستعارة تفارق الكذب بوجهين: بالبناء على التأويل، وبنصب القرينة على إرادة خلاف الظاهر.التقسيمللاستعارة تقسيمات باعتبارات: الأول باعتبار الطرفين أي المستعار منه والمستعار له إلى وفاقية وعنادية، لأن اجتماع الطرفين في شيء إمّا ممكن وتسمّى وفاقية لما بين الطرفين من الموافقة نحو أحييناه في قوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ أي ضالّا فهديناه، استعار الإحياء من معناه الحقيقي وهو جعل الشيء حيّا للهداية التي هي الدلالة على طريق يوصل إلى المطلوب؛ والإحياء والهداية مما يمكن اجتماعهما في شيء. وإمّا ممتنع وتسمّى عنادية لتعاند الطرفين كاستعارة الميّت في الآية للضالّ إذ لا يجتمع الموت مع الضلال. ومنها أي من العنادية التهكّمية والتمليحية، وهما الاستعارة التي استعملت في ضدّ معناها الحقيقي أو نقيضه تنزيلا للتضادّ والتناقض منزلة التناسب بواسطة تمليح أو تهكّم نحو: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ أي أنذرهم، استعيرت البشارة التي هي الإخبار بما يظهر سرورا في المخبر به للإنذار الذي هو ضدّها بإدخال الإنذار في جنس البشارة على سبيل التهكّم، وكذا قولك: رأيت أسدا وأنت تريد جبانا على سبيل التمليح والظرافة. والاستهزاء الثاني باعتبار الجامع إلى قسمين لأن الجامع إمّا غير داخل في مفهوم الطرفين كما في استعارة الأسد للرجل الشجاع، فإن الشجاعة خارجة عن مفهوم الطرفين، وإمّا داخل في مفهوم الطرفين نحو قوله عليه السلام:«خير الناس رجل يمسك بعنان فرسه كلّما سمع هيعة طار إليها، أو رجل في شعفة في غنيمة له يعبد الله حتى يأتيه الموت». الهيعة الصوت المهيب، والشّعفة رأس الجبل. والمعنى خير الناس رجل أخذ بعنان فرسه واستعدّ للجهاد، أو رجل اعتزل الناس وسكن في رأس جبل في غنم له قليل يرعاها ويكتفي بها في أمر معاشه ويعبد الله حتى يأتيه الموت. استعار الطّيران للعدو والجامع وهو قطع المسافة بسرعة داخل في مفهومهما. وأيضا باعتبار الجامع إمّا عامّية وهي المبتذلة لظهور الجامع فيها نحو: رأيت أسدا يرمي، أو خاصيّة وهي الغريبة أي البعيدة عن العامة. والغرابة قد تحصل في نفس الشّبه كما في قول يزيد بن مسلمة يصف فرسا بأنّه مؤدّب وأنّه إذا نزل عنه صاحبه وألقى عنانه في قربوس سرجه أي مقدّم سرجه وقف على مكانه حتى يعود إليه. قال الشاعر:واذا احتبى قربوسه بعنانه علك الشكيم إلى انصراف الزائر علك أي مضغ والشكيم اللّجام، وأراد بالزائر نفسه، فاستعار الاحتباء وهو أن يجمع الرجل ظهره وساقيه بثوب أو غيره لوقوع العنان في قربوس السّرج، فصارت الاستعارة غريبة لغرابة التشبيه. وقد تحصل الغرابة بتصرّف في العامّية نحو قوله:أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطيّ الأباطح والأباطح جمع أبطح وهو مسيل الماء فيه دقاق الحصى، أي أخذت المطايا في سرعة المضي. استعار سيلان السيول الواقعة في الأباطح لسير الإبل سيرا سريعا في غاية السرعة المشتملة على لين وسلاسة، والتشبيه فيها ظاهر عامي، وهو السرعة لكن قد تصرف فيه بما أفاده اللطف والغرابة، إذ أسند سالت إلى الأباطح دون المطيّ وأعناقها حتى أفاد أنه امتلأت الأباطح من الإبل، وأدخل الأعناق في السير حيث جعلت الأباطح سائلة مع الأعناق، فجعل الأعناق سائرة إشارة إلى أنّ سرعة سير الإبل وبطؤه إنما يظهران غالبا في الأعناق.الثالث باعتبار الثلاثة، أي المستعار منه والمستعار له والجامع إلى خمسة أقسام:الأول استعارة محسوس لمحسوس بوجه محسوس نحو: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً فالمستعار منه هو النار، والمستعار له هو الشيب، والوجه أي الجامع هو الانبساط الذي هو في النار أقوى، والجميع حسّي، والقرينة هو الاشتعال الذي هو من خواص النار، وهو أبلغ مما لو قيل: اشتعل شيب الرأس لإفادته عموم الشيب لجميع الرأس.والثاني استعارة محسوس لمحسوس بوجه عقلي، نحو: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فالمستعار منه السّلخ الذي هو كشط الجلد عن نحو الشاة، والمستعار له كشف الضوء عن مكان الليل وهما حسّيان، والجامع ما يعقل من ترتّب أمر على آخر، كترتّب ظهور اللحم على الكسط وترتّب ظهور الظلمة على كشف الضوء عن مكان الليل، والترتّب أمر عقلي؛ قال ابن أبي الإصبع: هي ألطف من الأولى.والثالث استعارة معقول لمعقول بوجه عقلي؛ قال ابن ابي الإصبع: هي ألطف الاستعارات نحو: مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا فإن المستعار منه الرقاد أي النوم والمستعار له الموت والجامع عدم ظهور الفعل، والكلّ عقلي.الرابع استعارة محسوس لمعقول بوجه عقلي نحو: مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ استعير المسّ وهو صفة في الأجسام وهو محسوس لمقاساة الشّدّة، والجامع اللحوق، وهما عقليان.الخامس استعارة معقول لمحسوس والجامع عقلي نحو: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ المستعار منه التكبّر وهو عقلي والمستعار له كثرة الماء وهو حسّي، والجامع الاستعلاء وهو عقلي أيضا. هذا هو الموافق لما ذكره السكاكي، وزاد الخطيب قسما سادسا وهو استعارة محسوس لمحسوس والجامع مختلف بعضه حسّي وبعضه عقلي، كقولك رأيت شمسا وأنت تريد إنسانا كالشمس في حسن الطلعة ونباهة الشأن، فحسن الطلعة حسّي ونباهة الشأن عقلية ومعنى الحسّي والعقلي قد مرّ في التشبيه الرابع باعتبار اللفظ إلى قسمين لأن اللفظ المستعار إن كان اسم جنس فاستعارة أصلية كأسد وقتل للشجاع والضرب الشديد، وإلّا فاستعارة تبعية كالفعل والمشتقّات وسائر الحروف.والمراد باسم الجنس ما دلّ على نفس الذّات الصالحة لأن تصدق على كثيرين من غير اعتبار وصف من الأوصاف، والمراد بالذات ما يستقلّ بالمفهومية. وقولنا من غير اعتبار وصف أي من غير اعتبار وصف متعلّق بهذا الذات فلا يتوهّم الإشكال بأنّ الفعل وصف وهو ملحوظ فدخل علم الجنس في حدّ اسم الجنس، وخرج العلم الشخصي والصفات وأسماء الزمان والمكان والآلة. ثم المراد باسم الجنس أعمّ من الحقيقي، والحكمي أي المتأوّل باسم الجنس نحو حاتم فإن الاستعارة فيه أصلية، وفيه نظر لأن الحاتم مأوّل بالمتناهي في الجود فيكون متأوّلا بصفة، وقد استعير من مفهوم المتناهي في الجود لمن له كمال جود فيكون ملحقا بالتبعية دون الأصلية. وأجيب بأنّ مفهوم الحاتم وإن تضمّن نوع وصفية لكنه لم يصر به كليّا بل اشتهر ذاته المشخصة بوصف من الأوصاف خارج عن مدلوله كاشتهار الأجناس بأوصافها الخارجة عن مفهوماتها بخلاف الأسماء المشتقّة فإن المعاني المصدرية المعتبرة فيها داخلة في مفهوماتها الأصلية فلذلك كانت الأعلام المشتهرة بنوع وصفية ملحقة بأسماء الأجناس دون الصفات.والحاصل أنّ اسم الجنس يدلّ على ذات صالحة للموصوفية مشتهرة بمعنى يصلح أن يكون وجه الشبه، وكذا العلم إذا اشتهر بمعنى، فالاستعارة فيهما أصلية والأفعال والحروف لا تصلح للموصوفية وكذا المشتقات.وإنما كانت استعارة الفعل وما يشتق منه والحرف تبعية لأنّ الفعل والمشتقات موضوعة بوضعين: وضع المادة والهيئة فإذا كان في استعاراتها لا تتغير معاني الهيئات فلا وجه لاستعارة الهيئة، فالاستعارة فيها إنما هي باعتبار موادّها، فيستعار مصدرها ليستعار موادّها تبعية استعارة المصدر، وكذا إذا استعير الفعل باعتبار الزمان كما يعبر عن المستقبل بالماضي تكون تبعية لتشبيه الضّرب في المستقبل مثلا بالضرب في الماضي في تحقق الوقوع، فيستعار له ضرب، فاستعارة الهيئة ليست بتبعية استعارة المصدر، بل اللفظ بتمامه مستعار بتبعية استعارة الجزء، وكذا الحروف، فإن الاستعارة فيها تجري أولا في متعلق معناها وهو هاهنا ما يعبّر عنها به عند تفسير معانيها، كقولنا: من معناه الابتداء وإلى معناه الانتهاء نحو: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً شبّه ترتّب العداوة والحزن على الالتقاط بترتّب علته الغائية عليه، ثم استعير في المشبه اللّام الموضوعة للمشبّه به فيكون الاستعارة في اللّام تبعا للاستعارة في المجرور.ثم اعلم أنّ الاستعارة في الفعل على قسمين: أحدهما أن يشبّه الضرب الشديد مثلا بالقتل ويستعار له اسمه ثم يشتق منه قتل بمعنى ضرب ضربا شديدا، والثاني أن يشبّه الضرب في المستقبل بالضرب في الماضي مثلا في تحقق الوقوع فيستعمل فيه ضرب فيكون المعنى المصدري أعني الضرب موجودا في كلّ من المشبّه والمشبّه به، لكنه قيّد في كل واحد منهما بقيد مغاير للآخر فصحّ التشبيه لذلك، كذا أفاده المحقق الشريف. لكن ذكر العلامة عضد الملة والدين في الفوائد الغياثية أنّ الفعل يدلّ على النسبة ويستدعي حدثا وزمانا، والاستعارة متصوّرة في كلّ واحد من الثلاثة، ففي النسبة كهزم الأمير الجند، وفي الزمان كنادى أصحاب الجنّة، وفي الحدث نحو فبشّرهم بعذاب أليم، انتهى؛ وذلك لأن الفعل قد يوضع للنسبة الإنشائية نحو اضرب وهي مشتهرة بصفات تصلح لأن يشبه بها كالوجوب، وقد يوضع للنسبة الإخبارية وهي مشتهرة بالمطابقة واللامطابقة، ويستعار الفعل من أحدهما للآخر كاستعارة رحمه الله لا رحمه، واستعارة فليتبوّأ في قوله عليه السلام «من تبوّأ عليّ الكذب فليتبوّأ مقعده على النار» للنسبة الاستقبالية الخبرية فإنه بمعنى يتبوّأ مقعده من النار، صرّح به في شرح الحديث، وردّه صاحب الأطول بأنّ النسبة جزء معنى الفعل فلا يستعار عنها، بخلاف المصدر فإنه لا يستعار من معناه الفعل بل يستعار من معناه نفس المصدر ويشتق منه الفعل، ولا يمكن مثله في النسبة، فالحقّ عدم جريانها في النسبة كما قاله السيد السّند.
فائدة:قال الفاضل الچلپي: القوم إنما تعرّضوا للاستعارة التبعية المصرّحة، والظاهر تحقق الاستعارة التبعية المكنيّة كما في قولك: أعجبني الضارب دم زيد، ولعلهم لم يتعرضوا لها لعدم وجدانهم إياها في كلام البلغاء.
فائدة:لم يقسموا المجاز المرسل إلى الأصلي والتبعي على قياس الاستعارة لكن ربما يشعر بذلك كلامهم. قال في المفتاح: ومن أمثلة المجاز قوله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ استعمل قرأت مكان أردت القراءة لكون القراءة مسبّبة من إرادتها استعمالا مجازيا، يعني استعمال المشتقّ بتبعية المشتقّ منه، كذا في شرح بعض رسائل الاستعارة.الخامس باعتبار المقارنة بما يلائم شيئا من الطرفين وعدمها إلى ثلاثة أقسام: أحدها المطلقة وهي ما لم يقترن بصفة ولا تفريع مما يلائم المستعار له أو المستعار منه، نحو عندي أسد، والمراد بالاقتران بما يلائم الاقتران بما يلائم مما سوى القرينة، وإلّا فالقرينة مما يلائم المستعار له، فلا يوجد استعارة مطلقة، والمراد بالصفة المعنويّة لا النعت النحوي، والمراد بالتفريع ما يكون إيراده فرع الاستعارة سواء ذكر على صورة التفريع وهو تصديره بالفاء أو لا، وثانيها المجرّدة وهي ما قرن بما يلائم المستعار له، وينبغي أن يقيّد ما يلائم المستعار له بأن لا يكون فيه تبعيد الكلام عن الاستعارة وتزييف لدعوى الاتحاد إذ ذكروا أنّ في التجريد كثرة المبالغة في التشبيه كقوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ فإنّ الإذاقة تجريد اللباس المستعار لشدائد الجوع والخوف بعلاقة العموم لجميع البدن عموم اللباس، ولذا اختاره على طعم الجوع الذي هو أنسب بالإذاقة. وإنما كانت الإذاقة من ملائمات المستعار له مع أنه ليس الجوع والخوف من المطعومات لأنه شاعت الإذاقة في البلايا والشدائد وجرت مجرى الحقيقة في إصابتها، فيقولون ذاق فلان البؤس والضرّ، وأذاقه العذاب، شبّه ما يدرك من أثر الضرّ والألم بما يدرك من طعم المرّ والبشع، واختار التجريد على الترشيح، ولم يقل فكساها الله لباس الجوع والخوف لأن الإدراك بالذوق يستلزم الإدراك باللمس من غير عكس، فكان في الإذاقة إشعار بشدة الإصابة ليست في الكسوة. وثالثها المرشّحة وتسمّى الترشيحية أيضا وهي ما قرن بما يلائم المستعار منه نحو:أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ فإنه استعار الاشتراء للاستبدال والاختيار، ثم فرّع عليها ما يلائم الاشتراء من فوت الرّبح واعتبار التجارة. ثم أنهم لم يلتفتوا إلى ما يقرن بما يلائم المستعار له في الاستعارة بالكناية مع أنه أيضا ترشيح لأنه ليس هناك لفظ يسمّى استعارة، بل تشبيه محض، وكلامهم في الاستعارة المرشّحة التي هي قسم من المجاز لا في ترشيح يشتمل ترشيح الاستعارة والتشبيه المضمر في النفس. وأما عدم التفات السكّاكي فيوهم ما ليس عنده وهو أنّ المرشّحة من أقسام الاستعارة المصرّحة، إذ التحقيق أنّ الاستعارة بالكناية إذا زيد فيها على المكنيّة ما يلائمها تصير مرشّحة عنده، كذا في الاطول.
فائدة:قال أبو القاسم: تقسيمهم الاستعارة المصرّحة إلى المجردة والمرشحة يشعر بأنّ الترشيح والتجريد إنما يجريان في الاستعارة المصرّح بها دون المكنيّ عنها، والصواب أنّ ما زاد في المكنية على قرينتها أعني إثبات لازم واحد يعدّ ترشيحا لها؛ ثم التجريد والترشيح إنما يكونا بعد تمام الاستعارة، فلا يعدّ قرينة المصرح بها تجريدا ولا قرينة المكني عنها ترشيحا، انتهى.
فائدة:قال صاحب الأطول: إذا اجتمع ملائمان للمستعار له فهل يتعيّن أحد للقرينة أو الاختيار إلى السامع يجعل أيهما شاء قرينة والآخر تجريدا؟ قال بعض الأفاضل: ما هو أقوى دلالة على الإرادة للقرينة والآخر للتجريد. ونحن نقول أيهما سبق في الدلالة على المراد قرينة والآخر تجريد، كيف لا والقرينة ما نصب للدّلالة على المراد، وقد سبق أحد الأمرين في الدلالة، فلا معنى لنصب اللاحق، والاوجه أنّ كلّا من الملائمين المجتمعين إن صلح قرينة فقرينة، ومع ذلك الاستعارة مجرّدة، ولا تقابل بين المجرّدة ومتعددة القرينة، بل كل متعددة القرينة مجرّدة.
فائدة:قد يجتمع التجريد والترشيح كقول زهير:لدى أسد شاكي السلاح مقذّف له لبد أظفاره لم تقلّم ووجه اجتماعهما صرف دعوى الاتحاد إلى المشبّه المقارن بالصفة والتفريع والمشبّه به حتى يستدعى الدعوى ثبوت الملائم للمشبه به أيضا.
فائدة:الترشيح أبلغ من التجريد والإطلاق ومن جمع الترشيح والتجريد لاشتماله على تحقيق المبالغة في ظهور العينية التي هي توجب كمال المبالغة في التشبيه، فيكون أكثر مبالغة وأتمّ مناسبة بالاستعارة، وكذا الإطلاق أبلغ من التجريد. ومبنى الترشيحية على أن المستعار له عين المستعار منه لا شيء شبيه به.
فائدة:في شرح بعض رسائل الاستعارة الترشيح يجوز أن يكون باقيا على حقيقته تابعا في الذّكر للتعبير عن الشيء بلفظ الاستعارة ولا يقصد به إلّا تقويتها، كأنّه نقل لفظ المشبه به مع رديفه إلى المشبّه، ويجوز أن يكون مستعارا من ملائم المستعار منه لملائم المستعار له، ويكون ترشيح الاستعارة بمجرد أنه عبّر عن ملائم المستعار له بلفظ موضوع لملائم المستعار منه. هذا ولا يخفى أنّ هذا لا يخصّ بكون لفظ ملائم المستعار منه مستعارا، بل يتحقّق الترشيح بذلك التعبير على وجه الاستعارة كان أو على وجه المجاز المرسل، إمّا للملائم المذكور أو للقدر المشترك بين المشبّه والمشبّه به، وأنّه يحتمل مثل ذلك في التجريد أيضا، ويحتمل تلك الوجوه قوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ حيث استعير الحبل للعهد في أن يكون وسيلة لربط شيء لشيء، وذكر الاعتصام وهو التمسك بالحبل ترشيحا إما باقيا على معناه للوثوق بالعهد أو مجازا مرسلا في الوثوق بالعهد، لعلاقة الإطلاق والتقييد فيكون مجازا مرسلا بمرتبتين، أو في الوثوق، كأنه قيل ثقوا بعهد الله، وحينئذ كلّ من الترشيح والاستعارة ترشيح للآخر.السادس باعتبار أمر آخر إلى أربعة أقسام:تصريحية ومكنية وتحقيقية وتخييلية. فالتصريحية وتسمّى بالمصرّحة أيضا هي التي ذكر فيها المشبّه به. والمكنية ما يقابلها وتسمّى الاستعارة بالكناية أيضا. اعلم أنه اتفقت كلمة القوم على أنه إذا لم يذكر من أركان تشبيه شيء بشيء سوى المشبّه وذكر معه ما يخصّ المشبّه به كان هناك استعارة بالكناية واستعارة تخييلية، كقولنا:أظفار المنيّة أي الموت نشبت بفلان، لكن اضطربت أقوالهم في تشخيص المعنيين اللذين يطلق عليهما هذان اللفظان. ومحصّل ذلك يرجع إلى ثلاثة أقوال: أحدها ما ذهب إليه القدماء وهو أنّ المستعار بالكناية لفظ المشبه به المستعار للمشبه في النفس المرموز إليه بذكر لازمه من غير تقدير في نظم الكلام، وذكر اللازم قرينة على قصده من غرض وإثبات ذلك اللازم للمشبّه استعارة تخييلية. ففي المثال المذكور الاستعارة بالكناية السبع المستعار للمنيّة الذي لم يذكر اعتمادا على أنّ إضافة الأظفار إلى المنيّة تدل على أن السبع مستعار لها.والاستعارة التخييلية إثبات الأظفار للمنية، فحينئذ وجه تسميتها بالمكنية وبالاستعارة بالكناية ظاهر لأنها استعارة بالمعنى المصطلح ومتلبسة بالكناية بالمعنى اللغوي، أي الخفاء، وكذا تسميتها بالتخييلية لاستلزامها استعارة لازم المشبه به للمشبّه، وتخييل أنّ المشبّه من جنس المشبّه به. وثانيها ما ذهب إليه السكّاكي صريحا حيث قال: الاستعارة بالكناية لفظ المشبّه المستعمل في المشبّه به ادعاء أي بادعاء أنه عينه بقرينة استعارة لفظ هو من لوازم المشبّه به بصورة متوهّمة متخيّلة شبيهة به أثبتت للمشبّه، فالمراد بالمنيّة عنده هو السبع بادعاء السبعية لها وإنكار أن تكون شيئا غير السبع بقرينة إضافة الأظفار التي من خواص السبع إليها. ولا خفاء في أن تسميتها بالاستعارة بالكناية أو المكنية غير ظاهر حينئذ، وفي جعله إياها قسما من الاستعارة التي هي قسم من المجاز، وجعل إضافة الأظفار قرينة الاستعارة نظرا لأنّ لفظ المشبه فيها هو المستعمل في ما وضع له تحقيقا، والاستعارة ليست كذلك. واختار السكّاكي ردّ التبعية إلى المكني عنها بجعل قرينتها استعارة بالكناية وجعلها أي التبعية قرينة لها، على عكس ما ذكره القوم في مثل نطقت الحال من أنّ نطقت استعارة لدلّت والحال قرينة لها. هذا ولكن في كون ذلك مختار السكاكي نظرا لأنه قال في آخر بحث الاستعارة التبعية:هذا ما أمكن من تلخيص كلام الأصحاب في هذا الفصل، ولو أنهم جعلوا قسم الاستعارة التبعية من قسم الاستعارة بالكناية بأن قلبوا، فجعلوا في قولهم نطقت الحال هكذا الحال التي ذكرها عندهم قرينة الاستعارة بالتصريح استعارة بالكناية عن المتكلّم بواسطة المبالغة في التشبيه على مقتضى المقام، وجعلوا نسبة النطق إليه قرينة الاستعارة، كما تراهم في قولهم: وإذا المنيّة انشبت أظفارها، يجعلون المنيّة استعارة بالكناية عن السبع ويجعلون إثبات الأظفار لها قرينة الاستعارة لكان أقرب إلى الضبط فتدبر، انتهى كلامه. وهو صريح في أنه ردّ التبعية إلى المكْنية على قاعدة القوم، فحينئذ لا حاجة له إلى استعارة قرينة المكنية لشيء حتى تبقى التبعية مع ذلك بحالها، ولا يتقلّل الأقسام بهذا أيضا.فإن قلت لم يجعل السلف المكنية المشبّه المستعمل في المشبّه به كما اعتبره في هذا الرّدّ، فكيف يتأتى لك توجيه كلامه بأنّ ردّه على قاعدة السلف من غير أن يكون مختارا له؟
قلت: لا شبهة فيما ذكرنا والعهدة عليه في قوله، كما تراهم في قولهم: وإذا المنية أنشبت أظفارها، يجعلون المنية استعارة بالكناية، ولا يضرّنا فيما ذكرنا من توجيه كلامه.وأما التخييلية عند السكاكي فما سيأتي.وثالثها ما ذهب إليه الخطيب وهي التشبيه المضمر في النفس الذي لم يذكر شيء من أركانه سوى المشبّه ودل عليه أي على ذلك التشبيه بأن يثبت للمشبه أمر مختصّ بالمشبه به من غير أن يكون هناك أمر متحقق حسّا وعقلا يجري عليه اسم ذلك الأمر، ويسمّى إثبات ذلك الأمر استعارة تخييلية، والمراد بالتشبيه التشبيه اللغوي لا الاصطلاحي، فلا يردّ أن ذكر المشبّه به واجب البتة في التشبيه، وإنما قيل: ودلّ عليه الخ ليشتمل زيدا في جواب من يشبه الأسد؛ وعلى هذا التسمية بالاستعارة غير ظاهر وإن كان كونها كناية غير مخفي. وبالجملة ففي المكنية ثلاثة أقوال، وفي التخييلية قولان: أحدهما قول السكاكي كما يجيء، والآخر قول غيره. وعلى هذا المذهب الثالث كلّ من لفظي الأظفار والمنيّة في المثال المذكور حقيقتان مستعملتان في المعنى الموضوع له، وليس في الكلام مجاز لغوي، وإنما المجاز هو إثبات شيء لشيء ليس هو له، وعلى هذا هو عقلي كإثبات الإنبات للربيع. والاستعارة بالكناية والتخييلية أمران معنويان، وهما فعلا المتكلم، ويتلازمان في الكلام لأن التخييلية يجب أن تكون قرينة للمكنية البتة، وهي يجب أن تكون قرينة للتخيلية البتة.
فائدة:قال صاحب الأطول: ومن غرائب السوانح وعجائب اللوائح أن الاستعارة بالكناية فيما بين الاستعارات معلومة مبنية على التشبيه المقلوب لكمال المبالغة في التشبيه، فهو أبلغ من المصرّحة، فكما أنّ قولنا السبع كالمنيّة تشبيه مقلوب يعود الغرض منه إلى المشبّه به، كذلك أنشبت المنية أظفارها استعارة مقلوبة استعير بعد تشبيه السبع بالمنية المنية للسبع الادعائي، وأريد بالمنية معناها بعد جعلها سبعا تنبيها على أنّ المنيّة بلغت في الاغتيال مرتبة ينبغي أن يستعار للسبع عنها اسمها دون العكس، فالمنية وضعت موضع السبع، لكن هذا على ما جرى عليه السكاكي.والتحقيقية هي ما يكون المشبّه متحققا حسّا أو عقلا نحو: رأيت أسدا يرمي، فإنّ الأسد مستعار للرجل الشجاع وهو أمر متحقق حسّا، ونحو: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ أي الدين الحقّ وهو أمر متحقق عقلا لا حسّا. أما التخييلية فعند غير السكّاكي ما مرّ، وأما عند السكّاكي فهي استعارة لا تحقّق لمعناها حسّا ولا عقلا، بل معناها صورة وهمية محضة.ولما كان عدم تحقّق المعنى لا حسّا ولا عقلا شاملا لما لم يتعلّق به توهّم أيضا أضرب عنه بقوله بل معناها إلخ، والمراد بالصورة ذو الصورة فإن الصورة جاءت بهذا المعنى أيضا.والمراد بالوهمية ما يخترعه المتخيلة بأعمال الوهم إياه فإن للإنسان قوة لها تركيب المتفرّقات وتفريق المركّبات إذا استعملها العقل تسمّى مفكرة وإذا استعملها الوهم تسمّى متخيّلة. ولما كان حصول هذا المعنى المستعار له بأعمال الوهم سمّيت استعارة تخييلية، ومن لم يعرفه قال المناسب حينئذ أن تسمّى توهمية، وعدّ التسمية بتخييلية من أمارات تعسّف السكّاكي وتفسيره، وإنما وصف الوهمية بقوله محضة أي لا يشوبها شيء من التحقق الحسّي والعقليّ للفرق بينه وبين اعتبار السلف، فإن أظفار المنية عندهم أمر متحقق شابه توهّم الثبوت للمنية، وهناك اختلاط توهّم وتحقق بخلاف ما اعتبره فإنه أمر وهميّ محض لا تحقّق له لا باعتبار ذاته ولا باعتبار ثبوته، فتعريفه هذا صادق على لفظ مستعمل في صورة وهمية محضة من غير أن تجعل قرينة الاستعارة، بخلاف تفسير السلف والخطيب فإنها لا تنفك عندهم عن الاستعارة بالكناية. وقد صرّح به حيث مثّل للتخييلية بأظفار المنية الشبيهة بالسبع أهلكت فلانا، والسلف والخطيب إمّا أن ينكروا المثال ويجعلوه مصنوعا أو يجعلوا الأظفار ترشيحا لتشبيه لا استعارة تخييلية. وردّ ما ذكره بأنه يقتضي أن يكون الترشيح استعارة تخييلية للزوم مثل ما ذكره فيه مع أنّ الترشيح ليس من المجاز والاستعارة، وأجيب بأن الأمر الذي هو من خواصّ المشبّه به لمّا قرن في التخييلية بالمشبّه كالمنيّة مثلا حملناه على المجاز وجعلناه عبارة عن أمر متوهّم يمكن إثباته للمشبّه، وفي الترشيح لمّا قرن بلفظ المشبّه به لم يحتج إلى ذلك لأنه جعل المشبّه به هو هذا المعنى مع لوازمه. فإذا قلنا: رأيت أسدا يفترس أقرانه ورأيت بحرا يتلاطم أمواجه، فالمشبه به هو الأسد الموصوف بالافتراس الحقيقي والبحر الموصوف بالتلاطم الحقيقي، بخلاف أظفار المنيّة فإنها مجاز عن الصورة الوهمية ليصحّ إضافتها إلى الوهمية ليصح إضافتها إلى المنيّة.ومحصّله أنّ حفظ ظاهر إثبات لوازم المشبه به للمشبه يدعو إلى جعل الدالّ على اللازم استعارة لما يصحّ إثباته للمشبّه ولا يحتاج إلى تجوّز في ذلك الإثبات، وليس هذا الداعي في الترشيح لأنه أثبت للمشبّه به فلا وجه لجعله مجازا، ولا يلزم عدم خروج الترشيح عن الاستعارة وعدم زيادته عليها لأنه فرّق بين المقيد والمجموع والمشبّه به هو الموصوف والصفة خارجة عنه لا المجموع المركب منهما، وأيضا معنى زيادته أن الاستعارة تامة بدونه.ويردّ على هذا أنّ الترشيح كما يكون في المصرّحة يكون في المكنية أيضا ففي المكنية لم يقرن المشبّه به فلا تفرقة هناك، ويمكن أن يفرّق بأن التخييلية لو حملت على حقيقتها لا يثبت الحكم المقصود في الكلام للمكني عنها كما عرفت بخلاف المصرّحة فإن قولنا جاءني أسد له لبد، لو أثبت فيه اللبد الحقيقي للأسد المستعمل في الرجل الشجاع مجازا لم يمنع عن إثبات المجيء للأسد، فإن مآله جاءني رجل شجاع لما شبّهه به لبد، لكنه لا يتم في قوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً فإنه لو أريد الأمر بالاعتصام الحقيقي لفات ما قصد بيانه للعهد، فلا بدّ من جعل الاعتصام استعارة لما يثبت العهد.
فائدة:التصريحية تعمّ التحقيقية والتخييلية، والكلّ مجاز لغوي ومتباين، هذا عند السكّاكي.والمكنية داخلة في التحقيقية عند السلف لأنّ اللفظ المستعار المضمر في النفس وهو محقق المعنى. والتصريحية عند الخطيب ترادف التحقيقية وتباين التخييلية لأنها عنده ليست لفظا، فلا تكون محقق المعنى، وكذا تباين المكنية لأنها عنده نفس التشبيه المضمر في النفس فلا تكون محقق المعنى.
فائدة:في تحقيق قرينة الاستعارة بالكناية ذهب السلف سوى صاحب الكشاف إلى أنّ الأمر الذي أثبت للمشبه من خواصّ المشبه به مستعمل في معناه الحقيقي، وإنما المجاز في الإثبات ويحكمون بعدم انفكاك المكني عنده عنها، وإليه ذهب الخطيب أيضا، وجوّز صاحب الكشاف كون قرينتها استعارة تحقيقية وكذا السكاكي، ووجه الفرق بين ما يجعل قرينة للمكنية ويجعل نفسه تخييلا أو استعارة تحقيقية أو إثباته تخييلا وبين ما يجعل زائدا عليها وترشيحا قوّة الاختصاص بالمشبه به، فأيّهما أقوى اختصاصا وتعلّقا به فهو القرينة وما سواه ترشيح، وكذا الحال بين القرينة والترشيح في الاستعارة المصرّحة، والأظهر أنّ ما يحضر السامع أولا فهو القرينة وما سواه ترشيح، ذلك أن تجعل الجميع قرينة في مقام شدة الاهتمام بالإيضاح، هكذا في شرح بعض رسائل الاستعارة.
فائدة:في الإتقان أنكر قوم الاستعارة بناء على إنكارهم المجاز، وقوم إطلاقها في القرآن لأن فيها إيهاما للحاجة، ولأنه لم يرد في ذلك إذن الشارع، وعليه القاضي عبد الوهاب المالكي، انتهى. خاتمةإذا جرى في الكلام لفظة ذات قرينة دالّة على تشبيه شيء بمعناه فهو على وجهين:أحدهما أن لا يكون المشبّه مذكورا ولا مقدّرا كقولك: لقيت في الحمام أسدا أي رجلا شجاعا، ولا خلاف في أنّ هذا استعارة لا تشبيه. وثانيهما أن يكون المشبّه مذكورا أو مقدّرا وحينئذ فاسم المشبّه به إن كان خبرا عن المشبّه أو في حكم الخبر كخبر باب كان وإنّ والمفعول الثاني لباب علمت والحال والنعت، فالأصح أنه يسمّى تشبيها لا استعارة، لأن اسم المشبّه به إذا وقع هذه المواقع كان الكلام مصوغا لإثبات معناه لما أجري عليه أو نفيه عنه، فإذا قلت زيد أسد فصوغ الكلام لاثبات الأسدية لزيد وهو ممتنع حقيقة، فيحمل على أنه لإثبات شبه من الأسد له، فيكون الإتيان بالأسد لإثبات التشبيه فيكون خليقا بأن يسمّى تشبيها لأن المشبه به إنما جيء به لإفادة التشبيه بخلاف نحو لقيت أسدا، فإنّ الإتيان بالمشبه به ليس لإثبات معناه لشيء بل صوغ الكلام لإثبات الفعل واقعا على الأسد، فلا يكون لإثبات التشبيه، فيكون قصد التشبيه مكنونا في الضمير لا يعرف إلّا بعد نظر وتأمّل.هذا خلاصة كلام الشيخ في أسرار البلاغة، وعليه جميع المحققين. ومن الناس من ذهب إلى أن الثاني أيضا أعني زيد أسد استعارة لإجرائه على المشبّه مع حذف كلمة التشبيه، والخلاف لفظي مبني على جعل الاستعارة اسما لذكر المشبّه به مع خلوّ الكلام عن المشبّه على وجه ينبئ عن التشبيه أو اسما لذكر المشبّه به لإجرائه على المشبّه مع حذف كلمة التشبيه.ثم إنه نقل عن أسرار البلاغة أنّ إطلاق الاستعارة في زيد الأسد لا يحسن لأنه يحسن دخول أدوات التشبيه من تغيير بصورة الكلام، فيقال: زيد كالأسد، بخلاف ما إذا كان المشبّه به نكرة نحو زيد أسد، فإنه لا يحسن زيد كأسد، وإلّا لكان من قبيل قياس حال زيد إلى المجهول وهو أسد ما؛ ولهذا يحسن كأنّ زيدا أسد لأن المراد بالخبر العموم فالتشبيه بالنوع لا بفرد، فليس كالتشبيه بالمجهول، وإنما يحسن دخول الكاف بتغيير صورته وجعله معرفة بأن يقال زيد كالأسد، فإطلاق اسم الاستعارة هاهنا لا يبعد، ويقرب الإطلاق مزيد قرب أن يكون النكرة موصوفة بصفة لا تلائم المشبه به نحو فلان بدر يسكن الأرض فإن تقدير أداة التشبيه فيه يحتاج إلى كثرة التغيير، كأن يقال هو كالبدر إلّا أنه يسكن الأرض، وقد يكون في الصلات والصفات التي تجيء في هذا القبيل ما يحول تقدير أداة التشبيه فيه فيشتد استحقاقه لاسم الاستعارة ويزيد قربه منها، كقوله أسد دم الأسد الهزبر خضابه، فإنه لا سبيل إلى أن يقال المعنى إنه كالأسد للتناقض لأن تشبيه بجنس السبع المعروف دليل على أنه دونه أو مثله، وجعل دم الهزبر الذي هو أقوى الجنس خضاب يده دليل على أنه فوقه فليس الكلام مصوغا لإثبات التشبيه بينهما، بل لإثبات تلك الصفة، فالكلام فيه مبني على أنّ كون الممدوح أسدا أمر تقرّر وثبت، وإنما العمل في إثبات الصفة الغريبة. فمحصول هذا النوع من الكلام أنك تدعي حدوث شيء هو من الجنس المذكور إلّا أنه اختص بصفة عجيبة لم يتوهّم جوازها، فلم يكن لتقدير التشبيه فيه معنى. ولقد ضعّف هذا الكلام صاحب الأطول والمطول وقالا الحقّ أن امثال زيد أسد تشبيه مطلقا، هذا إذا كان اسم المشبّه به خبرا عن اسم المشبّه أو في حكم الخبر وإن لم يكن كذلك نحو لقيت من زيد أسدا ولقيني منه أسد فلا يسمّى استعارة بالاتفاق، لأنه لم يجر اسم المشبه به على المشبه لا باستعماله فيه كما في لقيت أسدا ولا بإثبات معناه له كما في زيد أسد على اختلاف المذهبين، ولا يسمّى تشبيها أيضا لأن الإتيان باسم المشبّه به ليس لإثبات التشبيه إذ لم يقصد الدلالة على المشاركة، وإنما التشبيه مكنون في الضمير، لا يظهر إلّا بعد تأمّل خلافا للسكّاكي فإنه يسمّي مثل ذلك تشبيها، وهذا النزاع أيضا لفظي راجع إلى تفسير التشبيه؛ فمن أطلق الدلالة المذكورة في تعريف التشبيه عن كونها لا على وجه التجريد والاستعارة وعن كونها على وجه التصريح سمّاه تشبيها، ومن قيّده لا. قال صاحب الأطول ونحن نقول في لقيت من زيد أسدا تجريد أسد من زيد بجعل زيد أسدا وهذا الجعل يتضمّن تشبيه زيد بالأسد حتى صار أسدا بالغا غاية الجنس حتى تجرّد عنه أسد، لكن هذا التشبيه مكنون في الضمير خفيّ لأن دعوى أسديته مفروغ عنها منزلة منزلة أمر متقرّر لا يشوبه شائبة خفاء، ولا يجعل السكّاكي هذا من التشبيه المصطلح، وكذلك يتضمّن التشبيه تجريد الأسد الحقيقي عنه إذ لا يخفى أن المجرد عنه لا يكون إلّا شبه أسد، فينصرف الكلام إلى تجريد الشّبه فهو في إفادة التشبيه بحكم ردّ العقل إلى التشبيه بمنزلة حمل الأسد على المشبّه فهو الذي سمّاه السكّاكي تشبيها، ولا ينبغي أن ينازع فيه معه؛ وكيف لا وهو أيضا في تقدير المشبّه والأداة كأنه قيل لقيت من زيد رجلا كالأسد، ولا تفاوت في ذلك بينه وبين زيد أسد، انتهى. وهاهنا أبحاث تركناها خوفا من الإطناب.
التعارض:[في الانكليزية] Opposition ،contradiction [ في الفرنسية] Opposition ،contradiction ويسمّى أيضا بالمعارضة والتناقض عند الأصوليين هو كون الدليلين بحيث يقتضي أحدهما ثبوت أمر والآخر انتفاءه في محلّ واحد في زمان واحد بشرط تساويهما في القوة، أو زيادة أحدهما بوصف هو تابع. واحترز باتحاد المحلّ عمّا يقتضي حلّ المنكوحة وحرمة أمّها، وباتحاد الزمان عن مثل حلّ وطئ المنكوحة قبل الحيض وحرمته عند الحيض، وبالقيد الأخير عمّا إذا كان أحدهما أقوى بالذات كالنصّ والقياس إذ لا تعارض فيهما. وإن قلت إن أريد اقتضاء أحدهما عدم ما يقتضيه الآخر بعينه حتى يكون الإيجاب واردا على ما ورد عليه النفي فلا حاجة إلى اشتراط اتحاد المحلّ والزمان لتغاير حلّ المنكوحة وحلّ أمّها، وكذا الحلّ قبل الحيض وعنده. ولهذا قيل: المعارضة تقابل الحجتين المتساويتين على وجه لا يمكن الجمع بينهما وإلّا فلا بدّ من اشتراط أمور أخر مثل اتحاد المكان والشرط ونحو ذلك مما لا بدّ منه في تحقق التناقض. قلت اشتراط اتحاد المحلّ والزمان زيادة توضيح وتنصيص على ما هو ملاك الأمر في باب التناقض، فإنّه كثيرا ما يندفع باختلاف المحلّ والزمان. ثم التعارض لا يقع بين القطعيين لامتناع وقوع المتنافيين، ولا يتصوّر الترجيح لأنّه فرع التفاوت في احتمال النقيض، فلا يكون إلّا بين ظنيين. ثم الفرق بين التعارض والنقض الإجمالي أنّ النقض الإجمالي يوجب بطلان نفس الدليل بخلاف التعارض فإنّه يمنع الحكم من غير أن يتعرّض للدليل إلّا أنّ كلّ واحد منهما في النصوص مستلزم للآخر، فإنّ تخلف المدلول عن الدليل فيها لا يكون إلّا لمانع، فذلك المانع معارض للدليل فيما تخلّف عنه، وكذا إذا تعارض النّصّ يكون الحكم متخلفا عن كلّ واحد لا محالة فيتحقّق التناقض كذا في التلويح وغيره.
تِعَارُ:
بالكسر، ويروى بالغين المعجمة، والأول أصح: جبل في بلاد قيس قال لبيد:
إن يكن في الحياة خير، فقد أن ... ظرت لو كان ينفع الإنظار
عشت دهرا، ولا يعيش مع ال ... أيّام إلا يرمرم وتعار
والنجوم التي تتابع باللي ... ل، وفيها عن اليمين ازورار
قال عرّام بن الأصبع: في قبلي أبلى جبل يقال له برثم وجبل يقال له تعار، وهما جبلان عاليان لا ينبتان شيئا، فيهما النمران كثيرة، وليس قرب تعار ماء، وهو من أعمال المدينة قال القتال الكلابي:
تكاد باثقاب اليلنجوج جمرها ... تضيء، إذا ما سترها لم يحلّل
ومن دون حوث استوقدت هضب شابة ... وهضب تعار كلّ عنقاء عيطل
حوث: لغة في حيث.
التصوير بالاستعارةاقتصر الأقدمون عند ما تحدثوا عن الاستعارة في القرآن على ذكر أنواعها، من استعارة محسوس لمحسوس بجامع محسوس أو بجامع عقلى، ومن استعارة محسوس لمعقول، ومن استعارة معقول لمعقول أو لمحسوس، ومن استعارة تصريحية أو مكنية، ومن مرشحة أو مجردة، إلى غير ذلك من ألوان الاستعارة، وهم يذكرون هذه الألوان، ويحصون ما ورد في القرآن منها، ويقفون عند ذلك فحسب، وبعضهم يزيد فيجرىالاستعارة، ظانا أنه بذلك قد أدى ما عليه، من بيان الجمال الفنى في هذا اللون من التصوير، ولم أر إلا ما ندر من وقوف بعضهم يتأمل بعض هذه اللمحات الفنية المؤثرة، وليس مثل هذه الدراسة بمجد في تذوق الجمال وإدراك أسراره، ومن الخير أن نتبين الأسرار التى دعت إلى إيثار الاستعارة على الكلمة الحقيقة.وإذا أنت مضيت إلى الألفاظ المستعارة رأيتها من هذا النوع الموحى؛ لأنها أصدق أداة تجعل القارئ يحس بالمعنى أكمل إحساس وأوفاه، وتصور المنظر للعين، وتنقل الصوت للأذن، وتجعل الأمر المعنوى ملموسا محسّا، وحسبى أن أقف عند بعض هذه الألفاظ المستعارة الموحية، نتبين سر اختيارها:قال سبحانه: وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً (الكهف 99). فكلمة يَمُوجُ لا تقف عند حد استعارتها لمعنى «الاضطراب» بل إنها تصور للخيال هذا الجمع الحاشد من الناس، احتشادا ألا تدرك العين مداه، حتى صار هذا الحشد الزاخر كبحر، ترى العين منه ما تراه في البحر الزاخر من حركة وتموّج واضطراب، ولا تأتى كلمة يَمُوجُ إلا موحية بهذا المعنى، ودالة عليه. وقال سبحانه: قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً (مريم 4). وهنا لا تقف كلمة اشْتَعَلَ عند معنى انتشر فحسب، ولكنها تحمل معنى دبيب الشيب في الرأس في بطء وثبات، كما تدب النار في الفحم مبطئة، ولكن في دأب واستمرار، حتى إذا تمكنت من الوقود اشتعلت في قوة لا تبقى ولا تذر، كما يحرق الشيب ما يجاوره من شعر الشباب، حتى لا يذر شيئا إلا التهمه، وأتى عليه، وفي إسناد الاشتعال إلى الرأس ما يوحى بهذا الشمول الذى التهم كل شىء في الرأس. وقد تحدثنا فيما مضى عما توحى به كلمة تنفس، من إثارة معنى الحياة التى تغمر الكون عند مطلع الفجر.وقال تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (يس 37). فكلمة نَسْلَخُ تصور للعين انحسار الضوء عن الكون قليلا قليلا، ودبيب الظلام إلى هذا الكون في بطء، حتى إذا تراجع الضوء ظهر ما كان مختفيا من ظلمة الليل. وقال تعالى: وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (الذاريات 41، 42).ففي العقم ما يحمل إلى النفس معنى الإجداب الذى تحمله الريح معها.وكثر في القرآن أخذ الكلمات الموضوعة للأمور المحسوسة، يدل بها على معقول معنوى، يصير به كأنه ملموس مرئى، فضلا عن إيحاءات الكلمة إلى النفس، خذ مثلا قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (آل عمران 187). ألا ترى أن كلمة(نبذ)، فضلا عن أنها تدل على الترك، توحى إلى نفس القارئ معنى الإهمال والاحتقار، لأن الذى (ينبذ) وراء الظهر إنما هو الحقير المهمل. وقوله تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ (الأنبياء 18). فكلمة القذف توحى بهذه القوة التى يهبط بها الحق على الباطل، وكلمة فَيَدْمَغُهُ توحى بتلك المعركة التى تنشب بين الحق والباطل، حتى يصيب رأسه ويحطمه، فلا يلبث أن يموت وتأمل قوة التعبير بالظلمات والنور يراد بهما الكفر والإيمان، فى قوله تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ (إبراهيم 1). وجمع الظلمات يصور لك إلى أى مدى ينبهم الطريق أمام الضال، فلا يهتدى إلى الحق، وسط هذا الظلام المتراكم.ومن ذلك قوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ (البقرة 237). فإنك تشعر في كلمة العقدة بهذا الربط القلبى، الذى يربط بين قلبى الزوجين. ويطول بى القول إذا أنا وقفت عند كل استعارة، من هذا اللون وحسبى أن أشير إلى بعض نماذجه كقوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (الحجر 94). فكلمة الصدع بمعنى الجهر توحى بما سيكون من أثر هذه الدعوة الجديدة، من أنها ستشق طريقها إلى القلوب وتحدث في النفوس أثرا قويّا، وقوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا (آل عمران 103). فأى صلة متينة ذلك الدين الذى يربطك بالله، يثير هذا المعنى في نفسك هذا التعبير القوى المصور: حبل الله.وقوله تعالى: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (الشعراء 224، 225). وقوله تعالى: لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً (آل عمران 99). وقوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ (الأنعام 68). وتأمل جمال أَفْرِغْ فى قوله سبحانه: رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً (الأعراف 126). وما يثيره في نفسك من الطمأنينة التى يحس بها من هدأ جسمه بماء يلقى عليه، وهذه الراحة تشبهها تلك الراحة النفسية، ينالها من منح هبة الصبر الجميل، ومن الدقة القرآنية في استخدام الألفاظ المستعارة أنه استخدم أَفْرِغْ وهى توحى باللين والرفق وعند حديثه عن الصبر، وهو من رحمته، فإذا جاء إلى العذاب استخدم كلمة (صب) فقال: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (الفجر 13). وهى مؤذنة بالشدة والقوة معا.وتأمل كذلك قوة كلمة زُلْزِلُوا فى قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوامَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (البقرة 214). ولو أنك جهدت في أن تضع كلمة مكانها ما استطاعت أن تؤدى معنى هذا الاضطراب النفسى العنيف.وقد تحدثنا فيما مضى عن جمال التعبير في قوله تعالى: يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ (البقرة 27). وقوله سبحانه: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ (البقرة 7). وقد يستمر القرآن في رسم الصورة المحسوسة بما يزيدها قوة تمكّن لها في النفس، كما ترى ذلك في قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (البقرة 16). فقد أكمل صورة الشراء بالحديث عن ربح التجارة والاهتداء في تصريف شئونها.وقد يحتاج المرء إلى تريث يدرك به روعة التعبير، كما تجد ذلك في قوله تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (النحل 112). فقد يبدو أن المناسبة تقضى أن يقال: فألبسها الله لباس الجوع، ولكن إيثار الذوق هنا؛ لأن الجوع يشعر به ويذاق، وصح أن يكون للجوع لباس؛ لأن الجوع يكسو صاحبه بثياب الهزال والضنى والشحوب.وقد يشتد وضوح الأمر المعنوى في النفس، ويقوى لديها قوة تسمح بأن يكون أصلا يقاس عليه، كما ترى ذلك في قوله سبحانه: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (الحاقة 11). فهنا كان الطغيان المؤذن بالثورة والفوران أصلا يشبه به خروج الماء عن حده، لما فيه من فورة واضطراب، وعلى هذا النسق جاء قوله تعالى: وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (الحاقة 6). فهذه الريح المدمرة يشبه خروجها عن حدها العتوّ والجبروت.وقد يجسم القرآن المعنى، ويهب للجماد العقل والحياة، زيادة في تصوير المعنى وتمثيله للنفس، وذلك بعض ما يعبر عنه البلاغيون بالاستعارة المكنية، ومن أروع هذا التجسيم قوله سبحانه: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ (الأعراف 154). ألا تحس بالغضب هنا وكأنه إنسان يدفع موسى ويحثه على الانفعال والثورة، ثم سكت وكفّ عن دفع موسى وتحريضه، ومن تعقيل الجماد قوله سبحانه: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (فصلت 11). وفي ذلك التعبير ما يدل على خضوعهما واستسلامهما، وقوله سبحانه: فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ (الكهف 77). وكأنما الجدار لشدة وهنهوضعفه يؤثر الراحة لطول ما مر به من زمن. وقوله تعالى: وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (الملك 6 - 8). فهذا التميز من الغيظ يشعر بشدة ما جناه أولئك الكفرة، حتى لقد شعر به واغتاظ منه هذا الذى لا يحس.وعلى هذا النسق قوله سبحانه: كَلَّا إِنَّها لَظى نَزَّاعَةً لِلشَّوى تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (المعارج 15 - 17). ألا تحس في هذا التعبير كأن النار تعرف أصحابهابسيماهم، فتدعوهم إلى دخولها ومنه قوله تعالى: حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ (يونس 24). وفي ذلك ما يشعرك بالحياة التى تدب في الأرض، حين تأخذ زخرفها وتتزين.هذا وقد كثر الحديث عن قوله سبحانه: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ (الإسراء 24). ورووا ما يفهم منه أن أبا تمام قلد هذا التعبير فقال:لا تسقنى ماء الملام، فإننى...صبّ قد استعذبت ماء بكائىحتى إنه يروى أن أحدهم أرسل إليه زجاجة يطلب منه فيها شيئا من ماء الملام، فقال أبو تمام: حتى تعطينى ريشة من جناح الذل. قيل: فاستحسنوا منه ذلك. وعندى أن ليس الأمر على ما ذكروه، وأن هذا التعبير كناية عن الرفق في معاملة الوالدين، وأخذهما باللين والرقة، كما تقول: «واخفض لهما الجناح ذلا» ولكن لما كان ثمة صلة بين الجناح بمعنى جانب الإنسان وبين الذل، إذ إن هذا الجانب هو مظهر الغطرسة حين يشمخ المرء بأنفه، ومظهر التواضع حين يتطامن- أجازت هذه الصلة إضافة الجناح للذل لا على معنى الملكية، فلسنا بحاجة إلى تشبيه الذل بطائر نستعير جناحه، ولكنا بحاجة إلى استعارة الجناح للجانب، وجمال ذلك هنا في أن اختيار كلمة الجناح في هذا الموضع يوحى بما ينبغى أن يظلّ به الابن أباه من رعاية وحب، كما يظل الطائر صغار فراخه.وبما ذكرناه يبدو أن بيت أبى تمام لم يجر على نسق الآية الكريمة، فليس هناك صلة ما بين الماء والملام تجيز هذه الإضافة، ولا سيما أن إيحاء الكلمات فى الجملة لا تساعد أبا تمام على إيصال تجربته إلى قارئه، فليس في سقى الماء ما يثير ألما، ولو أنه قال: لا تجر عنى غصص الملام، لاستطاع بذلك أن يصور لنا شعوره تصويرا أدقّ وأوفى، لما تثيره هاتان اللفظتان في النفس من المشقة والألم.***
تِعارٌ، ككِتابٍ: جبلٌ ببِلادِ قَيْسٍ، ورِجالٌ.وتَعَرَ، كمَنَعَ: صاحَ.وجُرْحٌ تَعَّارٌ، ككَتَّانٍ: لا يَرْقَأُ.والتَّعَرُ، محرَّكةً: اشْتِعالُ الحَرْبِ.
الِاسْتِعَارَة: فِي اللُّغَة طلب الْعَارِية وَعند عُلَمَاء الْبَيَان هِيَ مجَاز يكون علاقَة اسْتِعْمَاله فِي غير مَا وضع لَهُ التَّشْبِيه بِأَن يقْصد اسْتِعْمَاله فِي ذَلِك الْغَيْر بِسَبَب مشابهته بِمَا وضع لَهُ فَإِذا أطلق المشفر الَّذِي وضع لشفة الْإِبِل على شفة الْإِنْسَان فَإِن قصد تشبيهها بمشفر الْإِبِل فِي الغلظ فَهِيَ اسْتِعَارَة وَإِن أُرِيد أَنه من قبيل إِطْلَاق الْمُقَيد على الْمُطلق كإطلاق المرسن على الْأنف من غير قصد إِلَى التَّشْبِيه فمجاز مُرْسل فَظهر أَن اللَّفْظ الْوَاحِد بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْنى الْوَاحِد قد يكون اسْتِعَارَة وَقد يكون مجَازًا مُرْسلا (المرسن) اسْم مَكَان أَي مَكَان الرسن وَالْأنف مَعَ قيد أَن يكون مرسونا يدل على اعْتِبَار هَذَا الْقَيْد اشتقاقه من الرسن (وَفِي الْقَامُوس) الرسن محركة الْحَبل وَمَا كَانَ من زِمَام على أنف ثمَّ إِنَّهُم اخْتلفُوا فِي أَن الِاسْتِعَارَة مجَاز لغَوِيّ أَو عَقْلِي (فالجمهور) على أَنه مجَاز لغَوِيّ بِمَعْنى أَنه لفظ اسْتعْمل فِي غير مَا وضع لَهُ لعلاقة المشابهة وَقيل إِنَّهَا مجَاز عَقْلِي لَا بِمَعْنى إِسْنَاد الْفِعْل أَو شبهه إِلَى غير من هُوَ لَهُ مثل أنبت الرّبيع البقل بل بِمَعْنى أَن التَّصَرُّف فِيهَا فِي أَمر عَقْلِي لَا لغَوِيّ لِأَنَّهَا لما لم يُطلق على الْمُشبه إِلَّا بعد ادِّعَاء دُخُول الْمُشبه فِي جنس الْمُشبه بِهِ بِأَن يَجْعَل الرجل الشجاع فَردا من أَفْرَاد الْأسد فَكَانَ اسْتِعْمَال الْأسد مثلا فِي الرجل الْمَذْكُور فِيمَا وضع لَهُ تَأْوِيلا وادعاء وَلِهَذَا قَالَ السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره الِاسْتِعَارَة ادِّعَاء معنى الْحَقِيقَة فِي الشَّيْء للْمُبَالَغَة فِي التَّشْبِيه كَقَوْلِك لقِيت أسدا وَأَنت تُرِيدُ الرجل الشجاع وَعرف السكاكي الِاسْتِعَارَة بِأَنَّهَا ذكر أحد طرفِي التَّشْبِيه أَعنِي الْمُشبه والمشبه بِهِ وتريد بالطرف الْمَذْكُور والطرف الْمَتْرُوك مُدعيًا دُخُول الْمُشبه فِي جنس الْمُشبه بِهِ كَمَا تَقول فِي الْحمام أَسد وَأَنت تُرِيدُ بِهِ الرجل الشجاع مُدعيًا أَنه من جنس الْأسد فَتثبت لَهُ شَيْئا من خَواص الْمُشبه بِهِ حَتَّى يكون قرينَة على الْمَعْنى الْمجَازِي وَأَنت تعلم أَن الْقَرِينَة الصارفة عَن الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ مِمَّا لَا بُد مِنْهَا فِي الْمجَازِي اللّغَوِيّ الَّذِي قسمه السكاكي إِلَى الِاسْتِعَارَة وَغَيرهَا وَكَثِيرًا مَا يُطلق الِاسْتِعَارَة على فعل الْمُتَكَلّم وَهُوَ اسْتِعْمَال اسْم الْمُشبه بِهِ فِي الْمُشبه وَحِينَئِذٍ تكون بِمَعْنى الْمصدر فَيصح مِنْهَا الِاشْتِقَاق فَيكون الْمُتَكَلّم مستعيرا وَلَفظ الْمُشبه بِهِ مستعارا وَالْمعْنَى الْمُشبه بِهِ مستعارا مِنْهُ وَالْمعْنَى الْمُشبه مستعارا لَهُ.

الِاسْتِعَارَة المصرحة

دستور العلماء للأحمد نكري

الِاسْتِعَارَة المصرحة: هِيَ أَن يذكر الْمُشبه ويحذف الْمُشبه بِهِ مَعَ ذكر الْقَرِينَة مثل رَأَيْت أسدا يَرْمِي وَأَنت تُرِيدُ الرجل الشجاع وَلَقِيت أسدا فِي الْحمام وَتسَمى اسْتِعَارَة تحقيقية أَيْضا لتحَقّق مَعْنَاهَا الْمجَازِي حسا أَو عقلا بِأَن يكون ذَلِك الْمَعْنى أمرا مَعْلُوما يُمكن أَن ينص عَلَيْهِ ويشار إِلَيْهِ إِشَارَة حسية أَو عقلية. الِاسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ: هِيَ أَن يذكر الْمُشبه وَيتْرك الْمُشبه بِهِ وَيثبت للمشبه أَمر مُخْتَصّ بالمشبه بِهِ من غير أَن يكون هُنَاكَ أَمر مُتَحَقق حسا أَو عقلا يُطلق عَلَيْهِ اسْم ذَلِك الْأَمر مثل رَأَيْت زيدا يصول بالمخاطب وَمثل قَول الْهُذلِيّ (وَإِذا الْمنية أنشبت أظفارها) فَإِنَّهُ شبه الْمنية أَي الْمَوْت بالأسد فِي الإهلاك وَذكرهَا دون الْأسد وَأثبت لَهَا الإنشاب والأظفار المختصين بالأسد وَقد تطلق الِاسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ على التَّشْبِيه الْمُضمر فِي النَّفس وتوضيحه أَنه قد يضمر التَّشْبِيه فِي النَّفس أَي فِي نفس اللَّفْظ أَو فِي نفس الْمُتَكَلّم فَلَا يُصَرح بِشَيْء من أَرْكَان التَّشْبِيه سوى الْمُشبه وَيدل على ذَلِك التَّشْبِيه الْمُضمر فِي النَّفس بِأَن يثبت للمشبه أَمر مُخْتَصّ بالمشبه بِهِ من غير أَن يكون فِي الْمُشبه أَمر مُتَحَقق حسا أَو عقلا يُطلق عَلَيْهِ اسْم ذَلِك الْأَمر فيسمى ذَلِك التَّشْبِيه الْمُضمر فِي النَّفس اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ واستعارة مكنية عَنْهَا. أما الْكِنَايَة فَلِأَنَّهُ لم يُصَرح بالمشبه بِهِ بل إِنَّمَا يدل عَلَيْهِ بِذكر خواصه ولوازمه وَأما الِاسْتِعَارَة فمجرد التَّسْمِيَة خَال عَن الْمُنَاسبَة.

الِاسْتِعَارَة التخييلية

دستور العلماء للأحمد نكري

الِاسْتِعَارَة التخييلية: إِثْبَات الْأَمر الْمُخْتَص بالمشبه للمشبه بِهِ عِنْد حذف الْمُشبه بِهِ أَي فِي الِاسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ وَإِنَّمَا سمي هَذَا الْإِثْبَات بالاستعارة التخييلية لِأَنَّهُ قد استعير للمشبه ذَلِك الْأَمر الْمُخْتَص بالمشبه بِهِ فَذَلِك الْإِثْبَات اسْتِعَارَة أَمر من الْمُشبه بِهِ للمشبه وَمُوجب لتخييل التَّشْبِيه الْمُضمر فِي النَّفس كإثبات إنشاب الْأَظْفَار للمنية فِي الْمِثَال الْمَذْكُور فتشبيه الْمنية بالسبع فِي الإهلاك بَغْتَة اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ وَإِثْبَات إنشاب الْأَظْفَار لَهَا اسْتِعَارَة تخييلية وَاعْلَم أَن الِاسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ والمصرحة والتخييلية أُمُور معنوية غير دَاخِلَة فِي الْمجَاز الَّذِي هُوَ من أَقسَام اللَّفْظ.

الِاسْتِعَارَة الْمُطلقَة

دستور العلماء للأحمد نكري

الِاسْتِعَارَة الْمُطلقَة: والاستعارة الْمُجَرَّدَة والاستعارة المرشحة أَقسَام ثَلَاثَة للاستعارة بِحَسب الاقتران بالملائم وَعدم الاقتران بِهِ لِأَنَّهَا إِمَّا لم تقترن بِشَيْء يلائم الْمُسْتَعَار لَهُ والمستعار مِنْهُ أَو قرنت بِمَا يلائم الْمُسْتَعَار لَهُ أَو قرنت بِمَا يلائم الْمُسْتَعَار مِنْهُ الأول الأول وَالثَّانِي الثَّانِي وَالثَّالِث الثَّالِث وَقد يجْتَمع التَّجْرِيد والترشيح والأمثلة فِي المطولات.

الِاسْتِعَارَة الْأَصْلِيَّة والاستعارة التّبعِيَّة

دستور العلماء للأحمد نكري

الِاسْتِعَارَة الْأَصْلِيَّة والاستعارة التّبعِيَّة: قِسْمَانِ للاستعارة بِاعْتِبَار اللَّفْظ الْمُسْتَعَار لِأَن اللَّفْظ الْمُسْتَعَار إِن كَانَ اسْم جنس حَقِيقَة أَو تَأْوِيلا فالاستعارة أَصْلِيَّة كأسد إِذا استعير للرجل الشجاع وَقتل إِذا استعير للضرب الشَّديد وكحاتم إِذا استعير للسخي فَإِنَّهُ اسْم جنس تَأْوِيلا لِأَنَّهُ متاول باسم جنس هُوَ السخي وَكَذَا كل علم يكون مَشْهُورا بِوَصْف كموسى وَفرْعَوْن فَإِنَّهُ اسْم جنس تَأْوِيلا وَإِن لم يكن اللَّفْظ الْمُسْتَعَار اسْم جنس فالاستعارة تَبَعِيَّة كالحرف وَالْفِعْل وكل مَا يشتق مِنْهُ كاسم الْفَاعِل وَالْمَفْعُول وَغير ذَلِك والاستعارة فِي هَذِه الْأُمُور لَا تكون إِلَّا تَبَعِيَّة لِأَن الِاسْتِعَارَة مَوْقُوفَة على التَّشْبِيه والتشبيه يَقْتَضِي أَن يكون الْمُشبه مَوْصُوفا بِوَجْه الشّبَه والموصوف لَا يكون إِلَّا أمرا مُسْتقِلّا بالمفهومية مقررا ثَابتا فِي نَفسه ومعاني الْأَفْعَال وَالصِّفَات المشتقة مِنْهَا لكَونهَا متجددة غير متقررة بِوَاسِطَة دُخُول الزَّمَان فِي مفهوماتها كَمَا فِي الْأَفْعَال أَو عروضه لَهَا كَمَا فِي الصِّفَات المشتقة مِنْهَا على مَا هُوَ الْمَشْهُور وَإِن كَانَت مُسْتَقلَّة بالمفهومية ومعاني الْحُرُوف غير مُسْتَقلَّة بالمفهومية كَمَا لَا يخفى فَلَا تصلح مَعَانِيهَا للموصوفية وَإِنَّمَا قُلْنَا على مَا هُوَ الْمَشْهُور لِأَن الْحق أَن الزَّمَان دَاخل فِي مَفْهُوم الصِّفَات المشتقة من الْأَفْعَال فمعانيها مقترنة بِأحد الْأَزْمِنَة الثَّلَاثَة لَكِن لَا فِي الْفَهم عَن تِلْكَ الصِّفَات كَمَا حققنا فِي جَامع الغموض. والمحقق التَّفْتَازَانِيّ رَحمَه الله قَالَ التَّشْبِيه يَقْتَضِي كَون الْمُشبه مَوْصُوفا بِوَجْه الشّبَه أَو بِكَوْنِهِ مشاركا للمشبه بِهِ فِي وَجه الشّبَه. قَالَ شيخ الْإِسْلَام قَوْله أَو بِكَوْنِهِ مشاركا إِلَى آخِره الظَّاهِر أَنه تَخْيِير فِي الْعبارَة بِاعْتِبَار المُرَاد والمودي وتنبيه على أَن الْمَقْصُود من كَونه مشاركا كَونه مَوْصُوفا انْتهى مثل نطقت الْحَال وَالْحَال ناطقة فَإِنَّهُ يقدر تَشْبِيه دلَالَة الْحَال بنطق النَّاطِق فِي إِيضَاح الْمعَانِي وإيصاله إِلَى الذِّهْن ثمَّ يدْخل الدّلَالَة فِي جنس النُّطْق بالتأويل الْمَذْكُور فيستعار لَهَا لفظ النُّطْق ثمَّ يشتق مِنْهُ الْفِعْل وَالصّفة فَتكون الِاسْتِعَارَة فِي الْمصدر أَصْلِيَّة وَفِي الْفِعْل وَالصّفة تَبَعِيَّة فالتشبيه الَّذِي هُوَ مدَار الِاسْتِعَارَة أَولا وبالأصالة يكون فِي معنى الْمصدر وَفِي الْأَفْعَال وَمَا يشتق مِنْهَا يكون ثَانِيًا وبالتبعية كَمَا عرفت فِي المثالين الْمَذْكُورين وَكَذَا التَّشْبِيه يكون أَولا وبالأصالة فِي متعلقات الْحُرُوف ثمَّ فِيهَا ثَانِيًا وبالتبعية كالظرفية فِي زيد فِي النِّعْمَة فَإِن الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ لكلمة فِي كَمَا أَنه غير مُسْتَقل بالمفهومية وَإِذا أُرِيد أَن يُفَسر عبر عَنهُ بالظرفية كَذَلِك مَعْنَاهَا الْمجَازِي غير مُسْتَقل بالمفهومية وَإِذا أُرِيد أَن يُفَسر عبر عَنهُ بالإحاطة مثلا فَلَا يتَصَوَّر تَشْبِيه أحد هذَيْن الْمَعْنيين إِلَّا تبعا وَذَلِكَ بِأَن يقدر تَشْبِيه إحاطة النِّعْمَة يزِيد بالظرفية فَيدْخل الْمُشبه فِي جنس الْمُشبه بِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ صَار الظَّرْفِيَّة مستعارا للإحاطة ثمَّ يشبه تِلْكَ الْإِحَاطَة الْمَخْصُوصَة بِتِلْكَ الظَّرْفِيَّة الْمَخْصُوصَة الَّتِي هِيَ معنى فِي تبعا فيستعار لَهَا كلمة فِي وَقس عَلَيْهِ سَائِر الْحُرُوف وَإِذا عرفت حَال التَّشْبِيه بِأَنَّهُ فِي أَي شَيْء بِالْأَصَالَةِ وَفِي أَي أَمر بالتبعية حصل لَك حَال الِاسْتِعَارَة بِحَسب الْأَصَالَة والتبعية بِالْقِيَاسِ على حَال التَّشْبِيه. هَذَا خُلَاصَة مَا ذكر عُلَمَاء الْبَيَان رَحِمهم الله فِي تبيان هَذَا المرام ينفعك لَدَى الْفَهم والإفهام وَعَلَيْك أَن لَا تنسى بِدُعَاء الْخَيْر لهَذَا المستهام.

القضايا المتعارفة

دستور العلماء للأحمد نكري

القضايا المتعارفة: هِيَ القضايا الَّتِي يكون الْحمل فِيهَا حملا متعارفا.
الاستعارة: ادعاء معنى الحقيقة في الشيء للمبالغة في التشبيه مع طرح ذكر المشبه من البين، نحو لقيت أسدا يعني رجلا شجاعا، ثم إن ذكر المشبه به مع قرينه سمي استعارة تصريحية وتحقيقية كلقيت أسدا في الحمام.
تعارف بـالجذر: ع ر ف

مثال: تَعَارَف محمد بأحمدالرأي: مرفوضةالسبب: لاستعمال «الباء» مع صيغة «تفاعل» الدالة على الاشتراك.

الصواب والرتبة: -تعارف محمد وأحمد [فصيحة]-تعارف محمد بأحمد [صحيحة] التعليق: الأفصح في استعمال صيغة «تفاعل» الدالة على الاشتراك أن يجاء بواو العطف، فمتى أسند الفعل إلى أحد الفاعلين عطف عليه الآخر بالواو، ويمكن تصحيح استعمال الباء؛ بناءً على أنها تفيد معنى المشاركة أحيانًا كالواو و «مع» كما ذكر مجمع اللغة المصري، وإن كان المجمع - بدون مسوِّغ- قد قصر استخدام الباء بهذا المعنى على صيغة «افتعل».
  • التعارض
التعارض: ويسمَّى بالمعارضة والتناقضُ وهو عند الأصوليين: كونُ الدليلين بحيث يقتضي أحدهما ثبوتَ أمر والآخرُ انتفاءه في محل واحد في زمان واحد بشرط تساويهما في القوة أو زيادة أحدهما بوصف هو تابع.
علم تشبيه القرآن، واستعاراته
ذكره المولى: أبو الخير، من فروع علم التفسير.
وقال: التشبيه نوع من أشرف أنواع البلاغة. انتهى.
فهو إذا من مباحث: علم البيان، كما لا يخفى.
تصاريف الدهر، في تعاريف الزجر
لتاج الدين: علي بن محمد، المعروف: بابن الدريهم الموصلي.
المتوفى: سنة 762، اثنتين وستين وسبعمائة.
التوقيف، على مهمات التعاريف
للشيخ، عبد الرؤوف: محمد المناوي، المصري.
المتوفى: سنة 1030، ثلاثين وألف تقريباً (1031).
الاستعارَةُ: جعل الشَّيْء أَو للشَّيْء على سَبِيل الْمُبَالغَة، وَقيل: هِيَ أَن يذكر أحد طرفِي التَّشْبِيه، وَيُرِيد بِهِ الآخر مُدعيًا دُخُول الْمُشبه فِي جنس الْمُشبه بِهِ.الِاسْتِعَارَة الْأَصْلِيَّة: أَن يكون الْمُسْتَعَار اسْم الْجِنْس.

الِاسْتِعَارَة التّبعِيَّة: أَن يكون الْمُسْتَعَار أفعالا، أَو صِفَات، أَو حروفا.

الِاسْتِعَارَة المطلَقة: مَا لم تقترن بِصفة، وَلَا تَفْرِيع.

الِاسْتِعَارَة المجردَة: مَا اقْترن بِمَا يلائم الْمُسْتَعَار لَهُ.

الِاسْتِعَارَة المرشحة: مَا اقْترن بِمَا يلائم الْمُسْتَعَار مِنْهُ.

الِاسْتِعَارَة المصرَّح بهَا: أَن يكون الْمَذْكُور هُوَ الْمُشبه بِهِ.

الِاسْتِعَارَة المكنِي عَنْهَا: أَن يكون الْمَذْكُور هُوَ الْمُشبه.

الِاسْتِعَارَة التخيلية: مَا لَا تحقق لمعناه حسا، وَلَا عقلا.

علم تشبيه القرآن واستعاراته

أبجد العلوم لصديق حسن خان

علم تشبيه القرآن واستعاراته
ذكره أبو الخير من فروع علم التفسير وقال: التشبيه نوع من أشرف أنواع البلاغة. انتهى
فهو إذا من مباحث علم البيان كما لا يخفى.علم التشريح
هو: علم باحث عن كيفية إجراء البدن وترتيبها من العروق والأعصاب والغضاريف والعظام واللحم وغير ذلك من أحوال كل عضو منه.
وموضوعه: أعضاء بدن الإنسان والغرض والمنفعة.
والفائدة ظاهرة وكتب التشريح أكثر من أن تحصى ولا أنفع من تصنيف ابن سينا والإمام الرازي ورسالة لابن الهمام ومختصر نافع في هذا الباب. انتهى ما ذكره في مدينة العلوم. ومثله ذكر أبو الخير وجعله من فروع علم الطبيعي والرسالة المذكورة ليست لابن الهمام وإنما هي لابن جماعة وقد قرأها ابن الهمام عليه.
وقال ابن صدر الدين: هو علم بتفاصيل أعضاء الحيوان وكيفية نضدها وما أودع فيها من عجائب الفطرة وآثار القدرة ولهذا قيل: من لم يعرف الهيئة والتشريح فهو عنين في معرفة الله تعالى. انتهى.
وأكثر كتب الطب متكفلة ببيان هذا العلم سوى ما فيه من التصانيف المستقلة المصورة.

علم معرفة تشبيه القرآن واستعاراته

أبجد العلوم لصديق حسن خان

علم معرفة تشبيه القرآن واستعاراته
وتفسيرهما وأقسامهما مذكورة في علم البيان وكلاهما واقعان في القرآن بحيث لا يرتاب فيه أحد وهما من مراتب البلاغة ولطائفها ولم يذكر في المدينة كتاب في هذا العلم.
التَّعْرِيفُ:
1 - الاِسْتِعَارَةُ هِيَ: طَلَبُ الإِْعَارَةِ، وَالإِْعَارَةُ تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ بِلاَ عِوَضٍ (1)
(صِفَتُهَا) حُكْمُهَا التَّكْلِيفِيُّ:
2 - الأَْصْل أَنَّ مَنْ أُبِيحَ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ أُبِيحَ لَهُ طَلَبُهُ،
وَمَنْ لاَ فَلاَ.
وَيَخْتَلِفُ حُكْمُهَا بِحَسَبِ الْحَالَةِ الَّتِي يَتِمُّ فِيهَا الطَّلَبُ.
فَقَدْ تَكُونُ الاِسْتِعَارَةُ وَاجِبَةً إِذَا تَوَقَّفَ عَلَيْهَا إِحْيَاءُ نَفْسٍ، أَوْ حِفْظُ عِرْضٍ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الأُْمُورِ الضَّرُورِيَّةِ، لأَِنَّ سَدَّ الضَّرُورَاتِ وَاجِبٌ لاَ يَجُوزُ التَّسَاهُل فِيهِ، وَمَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ (2) .
وَقَدْ تَكُونُ مَنْدُوبَةً لِيَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى الْخَيْرِ كَاسْتِعَارَةِ الْكُتُبِ النَّافِعَةِ.
وَتَكُونُ الاِسْتِعَارَةُ مَكْرُوهَةً، عِنْدَمَا يَكُونُ فِيهَا مِنَّةٌ، وَلِحَاجَةٍ لَهُ مَنْدُوحَةٌ عَنْهَا، وَقَدْ عَدَّ الْفُقَهَاءُ مِنْ ذَلِكَ اسْتِعَارَةُ الْفَرْعِ أَصْلَهُ لِخِدْمَتِهِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ ذُل الْخِدْمَةِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ يُنَزَّهَ عَنْهَا الآْبَاءُ. (3)
وَقَدْ تَكُونُ الاِسْتِعَارَةُ مُحَرَّمَةً، كَمَا لَوْ اسْتَعَارَ شَيْئًا لِيَتَعَاطَى بِهِ تَصَرُّفًا مُحَرَّمًا، كَاسْتِعَارَتِهِ سِلاَحًا لِيَقْتُل بِهِ بَرِيئًا، أَوْ آلَةَ لَهْوٍ لِيَجْمَعَ عَلَيْهَا الْفُسَّاقَ وَنَحْوَ ذَلِكَ. (4)
آدَابُ الاِسْتِعَارَةِ:
3 - مِنْ آدَابِهَا:
أ - أَلاَّ يُذِل نَفْسَهُ، بَل إِنِ اسْتَعَارَ اسْتَعَارَ بِعِزٍّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الاِسْتِعَارَةِ وَالاِسْتِجْدَاءِ: أَنَّ الاِسْتِجْدَاءَ
يَكُونُ مَعَ الذُّل، وَالاِسْتِعَارَةُ تَكُونُ مَعَ الْعِزِّ (5) ، وَلِذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ الاِسْتِعَارَةَ مِمَّنْ يَمُنُّ عَلَيْهِ طَالَمَا لَهُ مَنْدُوحَةٌ عَنْ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ.
ب - وَأَلاَّ يُلْحِفَ فِي طَلَبِ الإِْعَارَةِ، وَالإِْلْحَافُ هُوَ إِعَادَةُ السُّؤَال بَعْدَ الرَّدِّ، وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ الْمُلْحِفِينَ بِالسُّؤَال بِقَوْلِهِ تَعَالَى {{تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا}} (6) وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهُ لأَِنَّ هَذَا الإِْلْحَافَ قَدْ يُخْرِجُ الْمُعِيرَ عَنْ طَوْرِهِ، فَيَقَعُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَحْظُورَاتِ، كَالْكَلاَمِ الْبَذِيءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهُوَ أَذًى يُنْزِلُهُ الْمُسْتَعِيرُ بِالْمُعِيرِ، (7) قَال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: لاَ تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ (8) .
وَلَكِنْ يَجُوزُ التَّكْرَارُ لِبَيَانِ مَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَى الاِسْتِعَارَةِ. (9)
ج - وَأَنْ يُقَدِّمَ الاِسْتِعَارَةَ مِنَ الرَّجُل الصَّالِحِ عَلَى الاِسْتِعَارَةِ مِنْ غَيْرِهِ، لِمَا يَتَحَرَّاهُ الصَّالِحُونَ مِنَ الْمَال الْحَلاَل، وَلِمَا يَحْمِلُونَهُ مِنْ نُفُوسٍ طَيِّبَةٍ تَجُودُ بِالْخَيْرِ. قَال النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: إِنْ كُنْتَ سَائِلاً لاَ بُدَّ فَاسْأَل الصَّالِحِينَ. (10)
د - وَأَلاَّ يَسْأَل بِوَجْهِ اللَّهِ، وَلاَ بِحَقِّ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: أَسْأَلُكَ بِوَجْهِ اللَّهِ، أَوْ بِحَقِّ اللَّهِ أَنْ تُعِيرَنِي كَذَا، لِمَا فِيهِ مِنِ اتِّخَاذِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى آلَةً. (11) قَال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: لاَ يُسْأَل بِوَجْهِ اللَّهِ إِلاَّ الْجَنَّةُ (12) وَقَال: مَلْعُونٌ مَنْ سَأَل بِوَجْهِ اللَّهِ (13) .
وَلِلتَّفْصِيل يُرْجَعُ إِلَى (إِعَارَةٌ) .
__________
(1) الشبراملسي على النهاية 3 / 369.
(2) حديث " من استعاذكم بالله. . . " أخرجه أحمد بن حنبل وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم من حديث ابن عمر، وقال النووي في رياض الصالحين: حديث صحيح (فيض القدير 6 / 55 نشر المكتبة التجارية 1357 هـ) .
(3) الدر المختار مع رد المحتار 2 / 502 ط بولاق، وبلغة السالك على الشرح الصغير 2 / 205، ومغني المحتاج 3 / 263، وغاية المنتهى 2 / 227.
(4) المحلى 9 / 158 طبع المنيرية. والفتاوى البزازية 6 / 357 طبع بولاق الثانية بهامش الفتاوى الهندية، وانظر الحاجات الضرورية في تبيين الحقائق 1 / 306 طبع بولاق 1313، وحاشية ابن عابدين 2 / 69 طبع بولاق الأولى.
(5) حاشية الجمل على شرح المنهج 3 / 456 طبع دار إحياء التراث العربي.
(6) حاشية الجمل 3 / 455، ونهاية المحتاج 5 / 115 - 120، والمغني 2 / 692، ومنتهى الإرادات 2 / 211.
(7) شرح النووي لمسلم 7 / 127 طبع المطبعة المصرية.
(8) سورة البقرة 273.
(9) شرح النووي لمسلم 7 / 127، وعون المعبود 2 / 40، وتفسير القرطبي 3 / 346، وغاية المنتهى 1 / 316.
(10) أخرجه مسلم والنسائي من حديث معاوية (صحيح مسلم 2 / 718 ط عيسى الحلبي، وسنن النسائي 5 / 73 ط مصطفى الحلبي الطبعة الأولى 1383 هـ) .
(11) أحكام ابن العربي 1 / 240 طبع عيسى البابي الحلبي.
(12) حديث " إن كنت سائلا. . . " أخرجه أبو داود (عون المعبود 5 / 61 ط السلفية) والنسائي (سنن النسائي 5 / 95 ط المطبعة المصرية بالأزهر) من حديث مسلم بن مخشي عن ابن الفراسي (عن الفراسي) . قال عبد الحق: وابن الفراسي لا يعلم أنه روى عنه إلا بكر بن سوادة (فيض القدير 3 / 35) ورمز الألباني لضعفه (ضعيف الجامع الصغير وزيادته 2 / 6 نشر المكتب الإسلامي) .
التَّعْرِيفُ:
1 - التَّعَارُضُ فِي اللُّغَةِ: التَّقَابُل. أَصْلُهُ مِنَ الْعَرْضِ وَهُوَ الْمَنْعُ. يُقَال: لاَ تَعْتَرِضْ لَهُ، أَيْ: لاَ تَمْنَعْهُ بِاعْتِرَاضِكَ أَنْ يَبْلُغَ مُرَادَهُ. وَمِنْهُ: الاِعْتِرَاضَاتُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْقِيَاسِ وَغَيْرِهِ مِنَ الأَْدِلَّةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأَِنَّهَا تَمْنَعُ مِنَ التَّمَسُّكِ بِالدَّلِيل وَمِنْهُ: تَعَارُضُ الْبَيِّنَاتِ، لأَِنَّ كُل وَاحِدَةٍ تَعْتَرِضُ الأُْخْرَى وَتَمْنَعُ نُفُوذَهَا. وَمِنْهُ: تَعَارُضُ الأَْدِلَّةِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ، وَمَوْطِنُهُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
وَالتَّعَارُضُ اصْطِلاَحًا: التَّمَانُعُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ مُطْلَقًا، بِحَيْثُ يَقْتَضِي أَحَدُهُمَا غَيْرَ مَا يَقْتَضِي الآْخَرُ (1) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّنَاقُضُ:
2 - التَّنَاقُضُ: هُوَ التَّدَافُعُ يُقَال: تَنَاقَضَ الْكَلاَمَانِ، أَيْ: تَدَافَعَا، كَأَنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا
__________
(1) المصباح المنير مادة: " عرض "، وحاشية البناني 2 / 357.

يَنْقُضُ الآْخَرَ وَيَدْفَعَهُ، وَالْمُتَنَاقَضَانِ لاَ يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا وَلاَ يَرْتَفِعَانِ (1) .
أَمَّا الْمُتَعَارِضَانِ فَقَدْ يُمْكِنُ ارْتِفَاعُهُمَا.

ب - التَّنَازُعُ:
3 - التَّنَازُعُ الاِخْتِلاَفُ. يُقَال: تَنَازَعَ الْقَوْمُ، أَيِ: اخْتَلَفُوا (2) وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} (3) .
فَالتَّنَازُعُ أَعَمُّ، لأَِنَّهُ يَشْمَل الاِخْتِلاَفَ فِي الرَّأْيِ وَغَيْرِهِ.

حُكْمُ التَّعَارُضِ:
4 - إِِذَا تَعَارَضَتِ الْبَيِّنَتَانِ، وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا جُمِعَ، وَإِِذَا لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ يُصَارُ إِِلَى التَّرْجِيحِ (4) .
وَالتَّرْجِيحُ: تَقْدِيمُ دَلِيلٍ عَلَى دَلِيلٍ آخَرَ يُعَارِضُهُ، لاِقْتِرَانِ الأَْوَّل بِمَا يُقَوِّيهِ وَالتَّعَارُضُ وَالتَّرْجِيحُ يَرِدُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ.
فَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالأُْصُول فَيُنْظَرُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

وَأَمَّا اسْتِعْمَالُهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَمُعْظَمُهُ فِي شَأْنِ الْبَيِّنَاتِ، وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيل ذَلِكَ:
__________
(1) التعريفات للجرجاني.
(2) المصباح المنير مادة: " نزع ".
(3) سورة الأنفال / 4.
(4) التعريفات للجرجاني.

وُجُوهُ التَّرْجِيحِ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَاتِ:
5 - فِي كُل مَذْهَبٍ مِنَ الْمَذَاهِبِ الْفِقْهِيَّةِ وُجُوهٌ لِلتَّرْجِيحِ.
ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ - فِي بَابِ دَعْوَى الرَّجُلَيْنِ - وُجُوهًا لِتَرْجِيحِ إِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى الأُْخْرَى إِِذَا تَعَارَضَتَا وَتَسَاوَتَا فِي الْقُوَّةِ، فَقَالُوا: إِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ عَلَى بَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ فِي دَعْوَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ (الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ سَبَبُهُ) إِنْ وَقَّتَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ (أَيْ ذَكَرَ تَارِيخًا) وَقَال أَبُو يُوسُفَ: مَنْ وَقَّتَ أَحَقُّ بِالْعَيْنِ، فَإِِنْ أَرَّخَا وَاتَّحَدَ الْمُمَلَّكُ، فَالأَْسْبَقُ تَارِيخًا أَحَقُّ بِالْعَيْنِ لِقُوَّةِ بَيِّنَتِهِ، وَلَوِ اخْتَلَفَ الْمُمَلَّكُ اسْتَوَيَا.
وَإِِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ فِي يَدِ ثَالِثٍ، وَأَقَامَ خَارِجَانِ كُل بَيِّنَةٍ، وَتَسَاوَتَا، قُضِيَ لَهُمَا بِهَا مُنَاصَفَةً، وَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ.
وَإِِنْ كَانَ النِّزَاعُ عَلَى نِكَاحِ امْرَأَةٍ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ حَيَّةً أَوْ مَيِّتَةً، فَإِِنْ كَانَتْ حَيَّةً سَقَطَتِ الْبَيِّنَتَانِ لِعَدَمِ إِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا. وَإِِنْ كَانَتْ مَيِّتَةً وَرِثَاهَا مِيرَاثَ زَوْجٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ وَلَدَتْ يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْهُمَا.
وَإِِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ فِي أَيْدِيهِمَا مَعًا، وَاسْتَوَيَا فِي الْحُجَّةِ وَالتَّارِيخِ، فَالْعَيْنُ بَيْنَهُمَا. فَإِِنِ اخْتَلَفَا فِي التَّارِيخِ فَهِيَ لِلسَّابِقِ.
وَلاَ عِبْرَةَ عِنْدَهُمْ بِكَثْرَةِ الشُّهُودِ وَلاَ بِزِيَادَةِ

الْعَدَالَةِ (1) - وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَفْصِيلاَتٌ أُخْرَى تُنْظَرُ فِي كُتُبِهِمْ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ التَّرْجِيحُ يَحْصُل بِوُجُوهٍ:

6 - الأَْوَّل: بِزِيَادَةِ الْعَدَالَةِ فِي الْمَشْهُورِ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لاَ يُرَجَّحُ بِهَا، وَذَلِكَ مُوَافِقٌ لِمَا قَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ. وَعَلَى الْقَوْل بِالتَّرْجِيحِ بِزِيَادَةِ الْعَدَالَةِ فَلاَ بُدَّ أَنْ يَحْلِفَ مَنْ زَادَتْ عَدَالَتُهُ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: لاَ يَحْلِفُ، وَلاَ يُرَجَّحُ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا هُوَ رَأْيُ الْحَنَفِيَّةِ. وَرُوِيَ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ يُرَجَّحُ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ عِنْدَ تَكَافُؤِ الْبَيِّنَتَيْنِ فِي الْعَدَالَةِ، إِلاَّ أَنْ يَكْثُرُوا كَثْرَةً يُكْتَفَى بِهَا فِيمَا يُرَادُ مِنَ الاِسْتِظْهَارِ، وَالآْخَرُونَ كَثِيرُونَ جِدًّا، فَلاَ تُرَاعَى الْكَثْرَةُ حِينَئِذٍ، وَإِِنَّمَا يَقَعُ التَّرْجِيحُ بِمَزِيَّةِ الْعَدَالَةِ دُونَ مَزِيَّةِ الْعَدَدِ.
قَال ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: مَنْ رَجَّحَ بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ لَمْ يَقُل بِهِ كَيْفَمَا اتَّفَقَ، وَإِِنَّمَا اعْتَبَرَهُ مَعَ قَيْدِ الْعَدَالَةِ.

7 - الثَّانِي: يَكُونُ التَّرْجِيحُ أَيْضًا بِقُوَّةِ الْحُجَّةِ فَيُقَدَّمُ الشَّاهِدَانِ عَلَى الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ. وَعَلَى الشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، وَذَلِكَ إِِذَا اسْتَوَوْا فِي الْعَدَالَةِ، قَال ذَلِكَ أَشْهَبُ. وَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ: لاَ يُقَدَّمَانِ ثُمَّ رَجَعَ لِقَوْل أَشْهَبَ. قَال ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ كَانَ الشَّاهِدُ أَعْدَل مِنْ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكِمَ بِهِ مَعَ الْيَمِينِ، وَقُدِّمَ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ. وَقَال
__________
(1) ابن عابدين 4 / 437، دار الطباعة العامر ببولاق.

ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٌ: لاَ يُقَدَّمُ وَلَوْ كَانَ أَعْدَل أَهْل زَمَانِهِ، وَهُوَ أَقْيَسُ؛ لأَِنَّ بَعْضَ أَهْل الْمَذْهَبِ لاَ يَرَى الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ.

8 - الثَّالِثُ: اشْتِمَال إِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى زِيَادَةِ تَارِيخٍ مُتَقَدِّمٍ أَوْ سَبَبِ مِلْكٍ، وَهَذَا يَتَّفِقُ مَعَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ بِالأَْخْذِ بِتَارِيخِ السَّابِقِ.
وَذَكَرَ الْقَرَافِيُّ أَنَّهُ لاَ يُحْكَمُ بِأَعْدَل الْبَيِّنَتَيْنِ عِنْدَ مَنْ رَأَى ذَلِكَ إِلاَّ فِي الأَْمْوَال خَاصَّةً.
وَقَالُوا: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمِلْكِ عَلَى بَيِّنَةِ الْحَوْزِ، وَإِِنْ كَانَ تَارِيخُ الْحَوْزِ مُتَقَدِّمًا، لأَِنَّ الْمِلْكَ أَقْوَى مِنَ الْحَوْزِ. وَتُقَدَّمُ الْبَيِّنَةُ النَّاقِلَةُ عَلَى الْبَيِّنَةِ الْمُسْتَصْحَبَةِ. وَمِثَالُهَا: أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لِزَيْدٍ بَنَاهَا مُنْذُ مُدَّةٍ، وَلاَ نَعْلَمُ أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ مِلْكِهِ إِِلَى الآْنَ. وَتَشْهَدُ الْبَيِّنَةُ الأُْخْرَى: أَنَّ هَذَا اشْتَرَاهَا مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَالْبَيِّنَةُ النَّاقِلَةُ عُلِمَتْ، وَالْمُسْتَصْحَبَةُ لَمْ تُعْلَمْ، فَلاَ تَعَارُضَ بَيْنَ الشَّهَادَتَيْنِ.
وَإِِذَا لَمْ يُمْكِنِ التَّرْجِيحُ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ سَقَطَتَا، وَبَقِيَ الْمُتَنَازَعُ عَلَيْهِ بِيَدِ حَائِزِهِ مَعَ يَمِينِهِ. فَإِِنْ كَانَ بِيَدِ غَيْرِهِمَا، فَقِيل: يَبْقَى بِيَدِهِ. وَقِيل: يُقْسَمُ بَيْنَ مُقِيمِي الْبَيِّنَتَيْنِ، لاِتِّفَاقِ الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى سُقُوطِ مِلْكِ الْحَائِزِ. وَإِِقْرَارِ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ لأَِحَدِهِمَا يُنَزَّل مَنْزِلَةَ الْيَدِ لِلْمُقَرِّ لَهُ (1) .
9 - وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لَوْ تَنَازَعَ اثْنَانِ عَيْنًا، وَكَانَتْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا، وَأَقَامَ كُلٌّ بَيِّنَةً، وَتَسَاوَتَا
__________
(1) تبصرة الحكام بهامش فتح العلي المالك 1 / 309.

قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ. وَلاَ تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ إِلاَّ بَعْدَ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي.
وَإِِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ فِي يَدِ ثَالِثٍ، وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً سَقَطَتِ الْبَيِّنَتَانِ، وَيُصَارُ إِِلَى التَّحْلِيفِ، فَيَحْلِفُ صَاحِبُ الْيَدِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا يَمِينًا. وَقِيل: تُسْتَعْمَل الْبَيِّنَتَانِ وَتُنْزَعُ الْعَيْنُ مِمَّنْ هِيَ فِي يَدِهِ، وَتُقْسَمُ بَيْنَهُمَا مُنَاصَفَةً فِي قَوْلٍ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَيَأْخُذَهَا مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، وَفِي قَوْلٍ: يُوقَفُ الأَْمْرُ حَتَّى يُتَبَيَّنَ أَوْ يَصْطَلِحَا.
وَسَكَتَ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ تَرْجِيحٍ وَاحِدٍ مِنَ الأَْقْوَال الثَّلاَثَةِ. وَقَال الْقَلْيُوبِيُّ: قَضِيَّةُ كَلاَمِ جُمْهُورِ الشَّافِعِيَّةِ تَرْجِيحُ الثَّالِثِ؛ لأَِنَّهُ أَعْدَل.
وَإِِنْ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، بَقِيَتْ فِي أَيْدِيهِمَا، كَمَا كَانَتْ عَلَى قَوْل السُّقُوطِ. وَقِيل: تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَوْل الْقِسْمَةِ، وَلاَ يَجِيءُ الْوَقْفُ، وَفِي الْقُرْعَةِ قَوْلاَنِ.
وَلَوْ أُزِيلَتْ يَدُهُ بِبَيِّنَةٍ، ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةً بِمِلْكِهِ مُسْتَنِدًا إِِلَى مَا قَبْل إِزَالَةِ يَدِهِ، وَاعْتَذَرَ بِغَيْبَةِ شُهُودِهِ، سُمِعَتْ وَقُدِّمَتْ؛ لأَِنَّهَا إِنَّمَا أُزِيلَتْ لِعَدَمِ الْحُجَّةِ، وَقَدْ ظَهَرَتْ، فَيُنْقَضُ الْقَضَاءُ. وَقِيل: لاَ، وَالْقَضَاءُ عَلَى حَالِهِ. وَلَوْ قَال الْخَارِجُ: هُوَ مِلْكِي اشْتَرَيْته مِنْكَ. فَقَال: بَل مِلْكِي. وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ بِمَا قَالاَهُ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ، لِزِيَادَةِ عِلْمِ بَيِّنَتِهِ بِالاِنْتِقَال.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّ زِيَادَةَ عَدَدِ شُهُودِ أَحَدِهِمَا

لاَ تُرَجَّحُ، لِكَمَال الْحُجَّةِ فِي الطَّرَفَيْنِ، كَمَا قَال الْحَنَفِيَّةُ.
وَفِي قَوْلٍ مِنْ طَرِيقٍ تُرَجَّحُ؛ لأَِنَّ الْقَلْبَ إِِلَى الزَّائِدِ أَمْيَل. وَكَذَا لَوْ كَانَ لأَِحَدِهِمَا رَجُلاَنِ، لِلآْخَرِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، لاَ يُرَجَّحُ الرَّجُلاَنِ. وَفِي قَوْلٍ مِنْ طَرِيقٍ يُرَجَّحَانِ، لِزِيَادَةِ الْوُثُوقِ بِقَوْلِهِمَا.
فَإِِنْ كَانَ لِلآْخَرِ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ يُرَجَّحُ الشَّاهِدَانِ فِي الأَْظْهَرِ، لأَِنَّهُمَا حُجَّةٌ بِالإِِْجْمَاعِ. وَفِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ خِلاَفٌ. وَالْقَوْل الثَّانِي: يَتَعَادَلاَنِ؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا حُجَّةٌ كَافِيَةٌ.
وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ لأَِحَدِهِمَا بِمِلْكٍ مِنْ سَنَةٍ، وَبَيِّنَةٌ لِلآْخَرِ بِمِلْكٍ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ إِِلَى الآْنَ كَسَنَتَيْنِ، وَالْعَيْنُ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا، فَالأَْظْهَرُ تَرْجِيحُ الأَْكْثَرِ؛ لأَِنَّ الأُْخْرَى لاَ تُعَارِضُهَا فِيهِ. وَالرَّأْيُ الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لاَ تَرْجِيحَ بِهِ؛ لأَِنَّ مَنَاطَ الشَّهَادَةِ الْمِلْكُ فِي الْحَال، وَقَدِ اسْتَوَيَا فِيهِ، وَلِصَاحِبِ بَيِّنَةِ الأَْكْثَرِ - عَلَى الْقَوْل بِتَرْجِيحِهَا - الأُْجْرَةُ، وَالزِّيَادَةُ الْحَادِثَةُ مِنْ يَوْمِ الْحُكْمِ. وَعَلَى الْقَوْل الثَّانِي: تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا، أَوْ يُقْرَعُ، أَوْ يُوقَفُ حَتَّى يُبَيِّنَ أَوْ يَصْطَلِحَا حَسَبَ الأَْقْوَال الثَّلاَثَةِ.
وَلَوْ أُطْلِقَتْ بَيِّنَةٌ، وَأُرِّخَتْ بَيِّنَةٌ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ بِيَدِهِمَا أَوْ بِيَدِ غَيْرِهِمَا، أَوْ لاَ بِيَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَقِيل - كَمَا فِي أَصْل الرَّوْضَةِ - تُقَدَّمُ الْبَيِّنَةُ الْمُؤَرِّخَةُ؛ لأَِنَّهَا تَقْتَضِي الْمِلْكَ قَبْل الْحَال، بِخِلاَفِ الْمُطْلَقَةِ. وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا

بِالْحَقِّ، وَبَيِّنَةُ الآْخَرِ بِالإِِْبْرَاءِ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الإِِْبْرَاءِ. هَذَا وَمَحَل الاِسْتِوَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ - عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَلْيُوبِيُّ - مَا لَمْ يُوجَدْ مُرَجِّحٌ. فَإِِنْ وُجِدَ الْمُرَجِّحُ كَكَوْنِهِ بِيَدِ أَحَدِهِمَا، أَوْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ غَيْرَ شَاهِدٍ وَيَمِينٍ، أَوْ أُسْنِدَتْ بَيِّنَتُهُ لِسَبَبٍ: كَأَنْ شَهِدَتْ بِأَنَّهُ نَتَجَ فِي مِلْكِهِ، أَوْ ثَمَرَ فِيهِ، أَوْ حُمِل فِيهِ، أَوْ وَرِثَهُ مِنْ أَبِيهِ فَتُقَدَّمُ بَيِّنَتُهُ (1) .
10 - وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ مَنِ ادَّعَى شَيْئًا بِيَدِ غَيْرِهِ فَأَنْكَرَهُ، وَلِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِيمَا إِِذَا تَعَارَضَتَا: فَالْمَشْهُورُ عَنْهُ تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي، وَلاَ يُلْتَفَتُ إِِلَى بَيِّنَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِحَالٍ، وَهَذَا قَوْل إِسْحَاقَ، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (2) فَأُمِرْنَا بِسَمَاعِ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي وَيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهَا لَهُ، أَوْ قَالَتْ: وُلِدَتْ فِي مِلْكِهِ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: إِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِل (أَيْ صَاحِبِ الْيَدِ وَهُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) بِسَبَبِ الْمِلْكِ، وَقَالَتْ مَثَلاً: إِنَّ الدَّابَّةَ الْمُتَنَازَعَ عَلَيْهَا نَتَجَتْ فِي مِلْكِهِ أَوِ اشْتَرَاهَا، أَوْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ أَقْدَمَ تَارِيخًا قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ، وَإِِلاَّ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي، لأَِنَّ (بَيِّنَةَ الدَّاخِل) أَفَادَتْ بِذِكْرِ السَّبَبِ مَا لاَ تُفِيدُهُ
__________
(1) منهاج الطالبين والقليوبي وعميرة 4 / 343 - 345.
(2) حديث: " البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه " أخرجه الترمذي (3 / 617 ط مصطفى البابي) . والبيهقي (10 / 252 ط دار المعرفة) . وصحح إسناده البغوي في شرح السنة (10 / 101 ط المكتب الإسلامي) .

الْيَدُ. وَاسْتُدِل لِتَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِل: بِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتَصَمَ إِلَيْهِ رَجُلاَنِ فِي دَابَّةٍ أَوْ بَعِيرٍ، فَأَقَامَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ بِأَنَّهَا لَهُ نَتْجُهَا، فَقَضَى بِهَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ (1) .
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً ثَالِثَةً: أَنَّ بَيِّنَةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تُقَدَّمُ بِكُل حَالٍ، وَهُوَ قَوْل شُرَيْحٍ وَأَهْل الشَّامِ وَالشَّعْبِيِّ وَالْحَكَمِ وَأَبِي عُبَيْدٍ. وَقَال: هُوَ قَوْل أَهْل الْمَدِينَةِ، وَرُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ.
وَأَنْكَرَ الْقَاضِي كَوْنَ هَذَا رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، وَقَال: لاَ تُقْبَل بَيِّنَةُ الدَّاخِل إِِذَا لَمْ تُفِدْ إِلاَّ مَا أَفَادَتْهُ يَدُهُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِِلَى هَذَا الْقَوْل بِأَنَّ جِهَةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَقْوَى؛ لأَِنَّ الأَْصْل مَعَهُ، وَيَمِينُهُ تُقَدَّمُ عَلَى يَمِينِ الْمُدَّعِي. فَإِِذَا تَعَارَضَتِ الْبَيِّنَتَانِ: وَجَبَ إِبْقَاءُ يَدِهِ عَلَى مَا فِيهَا، وَتَقْدِيمُهُ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَحَدِيثُ جَابِرٍ يَدُل عَلَى هَذَا، فَإِِنَّهُ إِنَّمَا قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ لِيَدِهِ.
11 - وَاسْتَدَل لِتَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي بِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (2) فَجَعَل جِنْسَ الْبَيِّنَةِ فِي جِهَةِ الْمُدَّعِي، فَلاَ يَبْقَى فِي جِهَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ.
وَلأَِنَّ بَيِّنَةَ الْمُدَّعِي أَكْثَرُ فَائِدَةً فَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا
__________
(1) حديث جابر بن عبد الله: " فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. . . " أخرجه البيهقي (10 / 256 ط دار المعارف) . وضعفه ابن التركماني في الجوهر النقي (10 / 256 ط دار المعارف) .
(2) تقدم تخريجه (ف 10) .

كَتَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْجُرْحِ عَلَى بَيِّنَةِ التَّعْدِيل.
وَدَلِيل كَثْرَةِ فَائِدَتِهَا: أَنَّهَا تُثْبِتُ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ. وَبَيِّنَةُ الْمُنْكِرِ إِنَّمَا تُثْبِتُ ظَاهِرًا تَدُل الْيَدُ عَلَيْهِ، فَلَمْ تَكُنْ مُفِيدَةً؛ وَلأَِنَّ الشَّهَادَةَ بِالْمِلْكِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنِدُهَا رُؤْيَةَ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفَ، فَإِِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ، فَصَارَتِ الْبَيِّنَةُ بِمَنْزِل الْيَدِ الْمُجَرَّدَةِ، فَتُقَدَّمُ عَلَيْهَا بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي، كَمَا تٌقَدَّمُ عَلَى الْيَدِ، كَمَا أَنَّ شَاهِدَيِ الْفَرْعِ لَمَّا كَانَا مَبْنِيَّيْنِ عَلَى شَاهِدَيِ الأَْصْل، لَمْ تَكُنْ لَهُمَا مَزِيَّةٌ عَلَيْهِمَا.
وَإِِذَا كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ شَاةٌ، فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً. وَادَّعَى الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ أَنَّهَا فِي يَدِهِ مُنْذُ سِنِينَ، وَأَقَامَ لِذَلِكَ بَيِّنَةً، فَهِيَ لِلْمُدَّعِي بِغَيْرِ خِلاَفٍ، لأَِنَّ بَيِّنَتَهُ تَشْهَدُ لَهُ بِالْمِلْكِ، وَبَيِّنَةُ الدَّاخِل تَشْهَدُ لَهُ بِالْيَدِ خَاصَّةً، فَلاَ تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا، لإِِِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِأَنْ تَكُونَ الْيَدُ عَلَى غَيْرِ مِلْكٍ، فَكَانَتْ بَيِّنَةُ الْمِلْكِ أَوْلَى. فَإِِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهَا مِلْكُهُ مُنْذُ سَنَتَيْنِ، فَقَدْ تَعَارَضَ تَرْجِيحَانِ: فَقُدِّمَ التَّارِيخُ مِنْ جِهَةِ بَيِّنَةِ الدَّاخِل، وَكَوْنُ الأُْخْرَى بَيِّنَةَ الْخَارِجِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ، وَهُوَ قَوْل صَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَالثَّانِيَةُ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِل، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لأَِنَّهَا تَضَمَّنَتْ زِيَادَةً (1) .
__________
(1) المغني 9 / 275 - 281.

تَعَارُضُ الأَْدِلَّةِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى:
12 - الْمُقَرَّرُ شَرْعًا: أَنَّ الْحُدُودَ الَّتِي هِيَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى تَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ، فَإِِذَا أُقِيمَتْ بَيِّنَةٌ تَامَّةٌ عَلَى فِعْلٍ كَالزِّنَى مَثَلاً، وَعَارَضَتْهَا بَيِّنَةٌ وَلَوْ أَقَل مِنْهَا بِعَدَمِ الْفِعْل قُدِّمَتْ، وَذَلِكَ اسْتِنَادًا إِِلَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ مَا اسْتَطَعْتُمْ (1) بَل قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَادَّعَى شُبْهَةً مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ، سَقَطَ الْحَدُّ (2) .
وَلِلْمَالِكِيَّةِ تَفْصِيلٌ، قَالُوا: إِِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ زَنَى عَاقِلاً، وَشَهِدَتِ الأُْخْرَى بِأَنَّهُ كَانَ مَجْنُونًا: إِنْ كَانَ الْقِيَامُ عَلَيْهِ (أَيِ الاِدِّعَاءِ) وَهُوَ عَاقِلٌ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْعَقْل. وَإِِنْ كَانَ الْقِيَامُ عَلَيْهِ وَهُوَ مَجْنُونٌ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْجُنُونِ، فَاعْتَبَرُوا شَهَادَةَ الْحَال فِي التَّرْجِيحِ.
وَقَال ابْنُ اللَّبَّادِ: يُعْتَبَرُ وَقْتُ الرُّؤْيَةِ لاَ وَقْتُ الْقِيَامِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ ظَاهِرُ الْحَال. وَنُقِل عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إِثْبَاتُ الزِّيَادَةِ، فَإِِذَا شَهِدَتْ
إِحْدَاهُمَا: بِالْقَتْل أَوِ السَّرِقَةِ أَوِ الزِّنَى، وَشَهِدَتِ الأُْخْرَى: أَنَّهُ كَانَ فِي مَكَان بَعِيدٍ أَنَّهُ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ
__________
(1) حديث: " ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم " أخرجه أبو حنيفة في مسنده (149 ط الأصيل) . قال السخاوي - وعزاه إلى مسند أبي حنيفة وابن عدي - وقال: قال شيخنا: وفي سنده من لا يعرف. (المقاصد الحسنة رقم 46 ط دار الكتب العلمية) .
(2) ابن عابدين 5 / 150، وحاشية الشبراملسي على المنهاج 7 / 431، والمغني 8 / 807.

الْقَتْل وَنَحْوِهِ؛ لأَِنَّهَا مُثْبِتَةٌ زِيَادَةً، وَلاَ يُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ. قَال سَحْنُونٌ: إِلاَّ أَنْ يَشْهَدَ الْجَمْعُ الْعَظِيمُ - كَالْحَجِيجِ وَنَحْوِهِمْ - أَنَّهُ كَانَ مَعَهُمْ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، أَوْ صَلَّى بِهِمُ الْعِيدَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ؛ لأَِنَّ هَؤُلاَءِ لاَ يُشْتَبَهُ عَلَيْهِمْ أَمْرُهُ، بِخِلاَفِ الشَّاهِدَيْنِ (1) .

تَعَارُضُ تَعْدِيل الشُّهُودِ وَتَجْرِيحِهِمُ:
13 - اعْتِبَارُ الْعَدَالَةِ فِي الشَّاهِدِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا لَوْ رَضِيَ الْخَصْمُ بِأَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِقَوْل فَاسِقٍ لَمْ يَجُزِ الْحُكْمُ بِهِ. وَالْعَدَالَةُ أَوِ التَّجْرِيحُ لاَ يَثْبُتُ كُلٌّ مِنْهُمَا إِلاَّ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، خِلاَفًا لأَِبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، فَيَثْبُتُ كُلٌّ مِنَ التَّعْدِيل وَالتَّجْرِيحِ عِنْدَهُمَا بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ. وَسَبَبُ الْخِلاَفِ هَل هُمَا شَهَادَةٌ أَوْ إِخْبَارٌ؟ فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ: شَهَادَةٌ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ: إِخْبَارٌ، فَيَكْفِي الْوَاحِدُ فِي تَزْكِيَةِ السِّرِّ، وَنِصَابُ الشَّهَادَةِ فِي تَزْكِيَةِ الْعَلاَنِيَةِ.
فَلَوْ عَدَّل الشَّاهِدَ اثْنَانِ، وَجَرَّحَهُ اثْنَانِ، فَالْجَرْحُ أَوْلَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَاسْتَدَلُّوا: بِأَنَّ الْجَارِحَ مَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ خَفِيَتْ عَلَى الْمُعَدِّل، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ؛ لأَِنَّ التَّعْدِيل يَتَضَمَّنُ تَرْكَ الرِّيَبِ وَالْمَحَارِمِ، وَالْجَارِحُ مُثْبِتٌ لِوُجُودِ ذَلِكَ، وَالإِِْثْبَاتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّفْيِ؛ وَلأَِنَّ الْجَارِحَ
__________
(1) القرافي 4 / 62.

يَقُول: رَأَيْتُهُ يَفْعَل كَذَا، وَالْمُعَدِّل مُسْتَنَدُهُ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ يَفْعَل، وَيُمْكِنُ صِدْقُهُمَا، وَالْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلَيْهِمَا: بِأَنْ يَرَاهُ الْجَارِحُ يَفْعَل الْمَعْصِيَةَ، وَلاَ يَرَاهُ الْمُعَدِّل، فَيَكُونُ مَجْرُوحًا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ لاَ بُدَّ فِي الْجَرْحِ مِنْ ذِكْرِ السَّبَبِ، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا ذَلِكَ فِي التَّعْدِيل. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الْمُزَكِّيَ يَقُول فِي الشَّاهِدِ الْمَجْرُوحِ " وَاللَّهُ أَعْلَمُ " وَلاَ يَزِيدُ عَلَى هَذَا؛ لأَِنَّ فِي ذِكْرِ فِسْقِهِ هَتْكَ عِرْضِهِ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِالسَّتْرِ عَلَى الْمُسْلِمِ. وَهَذَا كُلُّهُ إِِذَا لَمْ يَعْلَمِ الْقَاضِي حَال الشُّهُودِ، إِذْ إِنَّهُ إِِذَا كَانَ يَعْلَمُ حَكَمَ بِمُقْتَضَى عِلْمِهِ (1) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لَوْ عَدَّلَهُ شَاهِدَانِ رَجُلاَنِ وَجَرَّحَهُ آخَرَانِ، فَفِي ذَلِكَ قَوْلاَنِ، قِيل: يُقْضَى بِأَعْدَلِهِمَا، لاِسْتِحَالَةِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَقِيل: يُقْضَى بِشَهَادَةِ الْجَرْحِ، لأَِنَّ شُهُودَ الْجَرْحِ زَادُوا عَلَى شُهُودِ التَّعْدِيل، إِذِ الْجَرْحُ يَبْطُنُ، فَلاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ كُل النَّاسِ، بِخِلاَفِ الْعَدَالَةِ.
وَلِلَّخْمِيِّ تَفْصِيلٌ، قَال: إِنْ كَانَ اخْتِلاَفُ الْبَيِّنَتَيْنِ فِي فِعْل شَيْءٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، كَدَعْوَى إِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ: أَنَّهُ فَعَل كَذَا، فِي وَقْتِ كَذَا، وَقَالَتِ الْبَيِّنَةُ الأُْخْرَى: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، فَإِِنَّهُ يُقْضَى بِأَعْدَلِهِمَا. وَإِِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسَيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ قُضِيَ بِشَهَادَةِ الْجَرْحِ؛ لأَِنَّهَا زَادَتْ عِلْمًا فِي الْبَاطِنِ.
__________
(1) معين الحكام 105، وقليوبي وعميرة 4 / 307، والمغني 9 / 67.

وَإِِنْ تَبَاعَدَ مَا بَيْنَ الْمَجْلِسَيْنِ قُضِيَ بِآخِرِهِمَا تَارِيخًا، وَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَدْلاً فَفَسَقَ، أَوْ فَاسِقًا فَتَزَكَّى، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتِ تَقْيِيدِ الْجَرْحِ ظَاهِرُ الْعَدَالَةِ، فَبَيِّنَةُ الْجَرْحِ مُقَدَّمَةٌ؛ لأَِنَّهَا زَادَتْ (1) .

تَعَارُضُ احْتِمَال بَقَاءِ الإِِْسْلاَمِ وَحُدُوثِ الرِّدَّةِ:
14 - فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ لَمْ يُجْمِعُوا عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ. وَأَكْثَرُ الْمَذَاهِبِ تَوَسُّعًا فِيهِ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: إِذْ قَالُوا: لاَ يُخْرِجُ الرَّجُل مِنَ الإِِْيمَانِ إِلاَّ جُحُودُ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ، ثُمَّ مَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ رِدَّةٌ يُحْكَمُ بِهَا، وَمَا يُشَكُّ أَنَّهُ رِدَّةٌ لاَ يُحْكَمُ بِهَا، إِذِ الإِِْسْلاَمُ الثَّابِتُ لاَ يَزُول بِالشَّكِّ، وَالإِِْسْلاَمُ يَعْلُو. وَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ إِِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ هَذَا أَلاَّ يُبَادِرَ بِتَكْفِيرِ أَهْل الإِِْسْلاَمِ، مَعَ أَنَّهُ يَتَسَاهَل فِي إِثْبَاتِ الإِِْسْلاَمِ، فَيُقْضَى بِصِحَّةِ إِسْلاَمِ الْمُكْرَهِ. وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ صَاحِبِ الْفَتَاوَى الصُّغْرَى قَوْلَهُ: الْكُفْرُ شَيْءٌ عَظِيمٌ، فَلاَ أَجْعَل الْمُؤْمِنَ كَافِرًا مَتَى وُجِدَتْ رِوَايَةٌ أَنَّهُ لاَ يَكْفُرُ. وَفِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ: إِِذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ وُجُوهٌ تُوجِبُ التَّكْفِيرَ، وَوَجْهٌ وَاحِدٌ يَمْنَعُهُ، فَعَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَمِيل إِِلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَمْنَعُ التَّكْفِيرَ، تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ، إِلاَّ إِِذَا صَرَّحَ بِإِِرَادَةِ مُوجِبِ الْكُفْرِ، فَلاَ يَنْفَعُهُ التَّأْوِيل. وَلاَ يَكْفُرُ بِالْمُحْتَمَل؛ لأَِنَّ عُقُوبَةَ الْكُفْرِ نِهَايَةٌ فِي الْعُقُوبَةِ، تَسْتَدْعِي
__________
(1) تبصرة الحكام 1 / 233.

نِهَايَةً فِي الْجِنَايَةِ، وَمَعَ الاِحْتِمَال لاَ نِهَايَةَ فِي الْجِنَايَةِ، وَالَّذِي تَقَرَّرَ: أَنَّهُ لاَ يُفْتَى بِكُفْرِ مُسْلِمٍ أَمْكَنَ حَمْل كَلاَمِهِ عَلَى مَحْمَلٍ حَسَنٍ، أَوْ كَانَ فِي كُفْرِهِ اخْتِلاَفٌ، وَلَوْ رِوَايَةً ضَعِيفَةً (1) .
15 - وَفُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى يَقُولُونَ أَيْضًا: إِِذَا قَامَ دَلِيلٌ أَوْ قَرِينَةٌ تَقْتَضِي عَدَمَ الْقَتْل قُدِّمَتْ. قَالُوا: وَلَوْ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ عَنْ قُرْبٍ، وَقَال: أَسْلَمْتُ عَنْ ضِيقٍ أَوْ خَوْفٍ أَوْ غُرْمٍ، وَظَهَرَ عُذْرُهُ، فَفِي قَبُول عُذْرِهِ قَوْلاَنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.

هَذَا، وَقَدْ أَوْرَدَ الْفُقَهَاءُ قَوَاعِدَ عَامَّةً فِي التَّعَارُضِ، وَهِيَ إِنْ كَانَتْ أَقْرَب إِِلَى الأُْصُول مِنْهَا إِِلَى الْفِقْهِ، إِلاَّ أَنَّهُ رُتِّبَتْ عَلَيْهَا مَسَائِل فِقْهِيَّةٌ يَسُوغُ ذِكْرُهَا هُنَا (2) .

تَعَارُضُ الأَْحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ فِي الْفِعْل الْوَاحِدِ:
16 - مِنَ الْقَوَاعِدِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الزَّرْكَشِيُّ: أَنَّهُ لَوْ تَعَارَضَ الْحَظْرُ وَالإِِْبَاحَةُ فِي فِعْلٍ وَاحِدٍ يُقَدَّمُ الْحَظْرُ.
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ تَوَلَّدَ الْحَيَوَانُ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ، حَرُمَ أَكْلُهُ، وَإِِذَا ذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ وَجَبَ الْجَزَاءُ تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ.
وَمِنْهَا: لَوْ تَعَارَضَ الْوَاجِبُ وَالْمَحْظُورُ، يُقَدَّمُ الْوَاجِبُ، كَمَا إِِذَا اخْتَلَطَ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتَى
__________
(1) ابن عابدين 3 / 285.
(2) تبصرة الحكام 2 / 250، وقليوبي وعميرة 4 / 176، وشرح منتهى الإرادات 3 / 392.

الْكُفَّارِ، وَجَبَ غَسْل الْجَمِيعِ، وَالصَّلاَةُ عَلَيْهِمْ. وَكَذَلِكَ اخْتِلاَطُ الشُّهَدَاءِ بِغَيْرِهِمْ. وَإِِنْ كَانَ الشَّهِيدُ لاَ يُغَسَّل، وَلاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ، إِلاَّ أَنَّهُ يُنْوَى الصَّلاَةُ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ شَهِيدًا. وَلَوْ أَسْلَمَتِ الْمَرْأَةُ وَجَبَ عَلَيْهَا الْهِجْرَةُ إِِلَى دَارِ الإِِْسْلاَمِ، وَلَوْ سَافَرَتْ وَحْدَهَا، وَإِِنْ كَانَ سَفَرُهَا وَحْدَهَا فِي الأَْصْل حَرَامًا. وَيُعْذَرُ الْمُصَلِّي فِي التَّنَحْنُحِ إِِذَا تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ الْوَاجِبَةُ.
17 - وَمِنَ الْقَوَاعِدِ: مَا لَوْ تَعَارَضَ وَاجِبَانِ، قُدِّمَ آكَدُهُمَا، فَيُقَدَّمُ فَرْضُ الْعَيْنِ عَلَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ. فَالطَّائِفُ حَوْل الْكَعْبَةِ لاَ يَقْطَعُ الطَّوَافَ لِصَلاَةِ الْجِنَازَةِ. وَلَوِ اجْتَمَعَتْ جِنَازَةٌ وَجُمُعَةٌ وَضَاقَ الْوَقْتُ، قُدِّمَتِ الْجُمُعَةُ. وَمِنْ هَذَا لَيْسَ لِلْوَالِدَيْنِ مَنْعُ الْوَلَدِ مِنْ حَجَّةِ الإِِْسْلاَمِ عَلَى الصَّحِيحِ، بِخِلاَفِ الْجِهَادِ، فَإِِنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِلاَّ بِرِضَاهُمَا، لأَِنَّ بِرَّهُمَا فَرْضُ عَيْنٍ، وَالْجِهَادُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَفَرْضُ الْعَيْنِ مُقَدَّمٌ.
18 - وَلَوْ تَعَارَضَتْ فَضِيلَتَانِ، يُقَدَّمُ أَفْضَلُهُمَا، فَلَوْ تَعَارَضَ الْبُكُورُ إِِلَى الْجُمُعَةِ بِلاَ غُسْلٍ وَتَأْخِيرُهُ مَعَ الْغُسْل، فَالظَّاهِرُ: أَنَّ تَحْصِيل الْغُسْل أَوْلَى لِلْخِلاَفِ فِي وُجُوبِهِ. وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ (1) .
19 - وَمِنْ فُرُوعِ قَاعِدَةِ تَعَارُضِ الْحَظْرِ وَالإِِْبَاحَةِ: مَا إِِذَا تَعَارَضَ دَلِيلاَنِ أَحَدُهُمَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ،
__________
(1) المنثور في القواعد للزركشي 1 / 337 - 345، وانظر تفسير القرطبي 6 / 320.

وَالآْخَرُ الإِِْبَاحَةَ، قُدِّمَ التَّحْرِيمُ. وَعَلَّلَهُ الأُْصُولِيُّونَ بِتَقْدِيمِ النَّسْخِ؛ لأَِنَّهُ لَوْ قُدِّمَ الْمُبِيحُ لَلَزِمَ تَكْرَارُ النَّسْخِ، لأَِنَّ الأَْصْل فِي الأَْشْيَاءِ الإِِْبَاحَةُ، فَلَوْ جُعِل الْمُبِيحُ مُتَأَخِّرًا كَانَ الْمُحَرَّمُ نَاسِخًا لِلإِِْبَاحَةِ الأَْصْلِيَّةِ، ثُمَّ يَصِيرُ مَنْسُوخًا بِالْمُبِيحِ، وَلَوْ جُعِل الْمُحَرَّمُ مُتَأَخِّرًا كَانَ نَاسِخًا لِلْمُبِيحِ، وَهُوَ لَمْ يَنْسَخْ شَيْئًا لِكَوْنِهِ عَلَى وَفْقِ الأَْصْل، وَلِذَلِكَ قَال عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا سُئِل عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ الأُْخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ - أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ، وَالتَّحْرِيمُ أَحَبُّ إِلَيْنَا. قَالُوا: وَإِِنَّمَا كَانَ التَّحْرِيمُ أَحَبَّ لأَِنَّ فِيهِ تَرْكَ مُبَاحٍ، لاَ اجْتِنَابَ مُحَرَّمٍ، وَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ (1) .
20 - وَمِنْ أَقْسَامِ التَّعَارُضِ: أَنْ يَتَعَارَضَ أَصْلاَنِ، فَإِِذَا وَقَعَ ذَلِكَ يُعْمَل بِالأَْرْجَحِ مِنْهُمَا، لاِعْتِضَادِهِ بِمَا يُرَجِّحُهُ.
وَمِنْ صُوَرِهِ: مَا إِِذَا جَاءَ بَعْضُ الْعَسْكَرِ بِمُشْرِكٍ، فَادَّعَى الْمُشْرِكُ: أَنَّ الْمُسْلِمَ أَمَّنَهُ، وَأَنْكَرَ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: الْقَوْل قَوْل الْمُسْلِمِ فِي إِنْكَارِ الأَْمَانِ، لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ الأَْمَانِ.
وَالثَّانِيَةُ: الْقَوْل قَوْل الْمُشْرِكِ، لأَِنَّ الأَْصْل فِي الدِّمَاءِ الْحَظْرُ إِلاَّ بِيَقِينِ الإِِْبَاحَةِ، وَقَدْ وَقَعَ الشَّكُّ هُنَا فِيهَا. وَفِيهِ رِوَايَةٌ
ثَالِثَةٌ: أَنَّ الْقَوْل قَوْل مَنْ يَدُل الْحَال عَلَى صِدْقِهِ مِنْهُمَا، تَرْجِيحًا
__________
(1) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 110.

لأَِحَدِ الأَْصْلَيْنِ بِالظَّاهِرِ الْمُوَافِقِ لَهُ (1) . وَلَوْ تَعَارَضَ الْحِنْثُ وَالْبِرُّ فِي يَمِينٍ، قُدِّمَ الْحِنْثُ عَلَى الْبِرِّ، فَمَنْ حَلَفَ عَلَى الإِِْقْدَامِ عَلَى فِعْل شَيْءٍ أَوْ وُجُودِهِ فَهُوَ عَلَى حِنْثٍ، حَتَّى يَقَعَ الْفِعْل فَيَبَرُّ. وَالْحِنْثُ يَدْخُل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِأَقَل الْوُجُوهِ، وَالْبِرُّ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِأَكْمَل الْوُجُوهِ، فَمَنْ حَلَفَ أَنْ يَأْكُل رَغِيفًا لَمْ يَبَرَّ إِلاَّ بِأَكْل الرَّغِيفِ كُلِّهِ، وَإِِنْ حَلَفَ أَلاَّ يَأْكُلَهُ حَنِثَ بِأَكْل بَعْضِهِ (2) .
قَال الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى: وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ: إِِلَى أَنَّ الْخَاصَّ وَالْعَامَّ يَتَعَارَضَانِ وَيَتَدَافَعَانِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَاصُّ سَابِقًا، وَقَدْ وَرَدَ الْعَامُّ بَعْدَهُ لإِِِرَادَةِ الْعُمُومِ، فَنُسِخَ الْخَاصُّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامُّ سَابِقًا وَقَدْ أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ، ثُمَّ نُسِخَ بِاللَّفْظِ الْخَاصِّ بَعْدَهُ. فَعُمُومُ الرَّقَبَةِ مَثَلاً يَقْتَضِي إِجْزَاءَ الْكَافِرَةِ مَهْمَا أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْمُؤْمِنَةِ يَقْتَضِي مَنْعَ إِجْزَاءِ الْكَافِرَةِ، فَهُمَا مُتَعَارِضَانِ. وَإِِذَا أَمْكَنَ النَّسْخُ وَالْبَيَانُ جَمِيعًا فَلَمْ يَتَحَكَّمْ بِحَمْلِهِ عَلَى الْبَيَانِ دُونَ النَّسْخِ؟ وَلَمْ يُقْطَعْ بِالْحُكْمِ عَلَى الْعَامِّ بِالْخَاصِّ؟ وَلَعَل الْعَامَّ هُوَ الْمُتَأَخِّرُ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ، وَيُنْسَخُ بِهِ الْخَاصُّ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالأَْصَحُّ عِنْدَنَا: تَقْدِيمُ الْخَاصِّ وَإِِنْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ
__________
(1) القواعد لابن رجب 335 - 338.
(2) القوانين الفقهية ص 159 نشر دار الكتاب العربي - بيروت.

الْقَاضِي مُمْكِنًا، وَلَكِنَّ تَقْدِيرَ النَّسْخِ مُحْتَاجٌ إِِلَى الْحُكْمِ بِدُخُول الْكَافِرَةِ تَحْتَ اللَّفْظِ، ثُمَّ خُرُوجُهُ عَنْهُ، فَهُوَ إِثْبَاتُ وَضْعٍ، وَرَفْعٌ بِالتَّوَهُّمِ، وَإِِرَادَةُ الْخَاصِّ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ غَالِبٌ مُعْتَادٌ، بَل هُوَ الأَْكْثَرُ، وَالنَّسْخُ كَالنَّادِرِ، فَلاَ سَبِيل إِِلَى تَقْدِيرِهِ بِالتَّوَهُّمِ، وَيَكَادُ يَشْهَدُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ سِيَرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَثِيرٌ، فَإِِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ إِِلَى الْحُكْمِ بِالْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَمَا اشْتَغَلُوا بِطَلَبِ التَّارِيخِ وَالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ (1) .
وَقِيل عَلَى الشُّذُوذِ: إِنَّهُ يُخَصَّصُ مِنْ طَرِيقِ الْمَفْهُومِ، فَإِِنَّ الرِّجَال يَقْتَضِي مَفْهُومُهُ قَتْل غَيْرِهِمْ، فَإِِذَا لَمْ يَتَنَافَيَا، وَكَانَ لأَِحَدِهِمَا مُنَاسَبَةٌ تَخُصُّهُ فِي مُتَعَلَّقَهِ - كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} (2) وقَوْله تَعَالَى: {لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} (3) - فَيُضْطَرُّ الْمُحْرِمُ إِِلَى أَكْل الْمَيْتَةِ أَوِ الصَّيْدِ، فَعِنْدَ مَالِكٍ: يَأْكُل الْمَيْتَةَ وَيَتْرُكُ الصَّيْدَ؛ لأَِنَّ كِلَيْهِمَا - وَإِِنْ كَانَ مُحَرَّمًا - إِلاَّ أَنَّ تَحْرِيمَ الصَّيْدِ لَهُ مُنَاسَبَةٌ بِالإِِْحْرَامِ، وَمَفْسَدَتُهُ الَّتِي اعْتَمَدَهَا النَّهْيُ إِنَّمَا هِيَ فِي الإِِْحْرَامِ، وَأَمَّا مَفْسَدَةُ أَكْل الْمَيْتَةِ فَذَلِكَ أَمْرٌ عَامٌّ، لاَ تَعَلُّقَ لَهُ بِخُصُوصِ الإِِْحْرَامِ، وَالْمُنَاسِبُ إِِذَا كَانَ لأَِمْرٍ عَامٍّ - وَهُوَ كَوْنُهَا مَيْتَةً - لاَ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خُصُوصِ الإِِْحْرَامِ
__________
(1) المستصفى 2 / 103 - 105 ط دار صادر بيروت.
(2) سورة المائدة / 3.
(3) سورة المائدة / 95.

مُنَافَاةٌ وَلاَ تَعَلُّقٌ، وَالْمُنَافِي الأَْخَصُّ أَوْلَى بِالاِجْتِنَابِ.
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل: إِِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُصَلِّي ثَوْبًا يَسْتُرُهُ إِلاَّ حَرِيرًا أَوْ نَجِسًا فَإِِنَّهُ يُصَلِّي فِي الْحَرِيرِ وَيَتْرُكَ النَّجِسَ؛ لأَِنَّ مَفْسَدَةَ النَّجَاسَةِ خَاصَّةٌ بِالصَّلاَةِ، بِخِلاَفِ مَفْسَدَةِ الْحَرِيرِ لاَ تَعَلُّقَ لَهَا بِخُصُوصِ الصَّلاَةِ، وَلاَ مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا.
وَهُنَاكَ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ أُخْرَى تَتَرَتَّبُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي الأُْصُول وَأَبْوَابِ الْفِقْهِ.

تَعَارُضُ الأَْصْل وَالظَّاهِرِ:
21 - الْمُرَادُ بِالأَْصْل: بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، وَالظَّاهِرُ: مَا يَتَرَجَّحُ وُقُوعُهُ.
فَالأَْصْل بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَلِذَا لَمْ يُقْبَل فِي شَغْلِهَا شَاهِدٌ وَاحِدٌ، وَلِذَا كَانَ الْقَوْل قَوْل الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِمُوَافَقَتِهِ الأَْصْل، وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، لِدَعْوَاهُ مَا خَالَفَ الأَْصْل، فَإِِذَا اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْمُتْلَفِ وَالْمَغْصُوبِ - فَالْقَوْل قَوْل الْغَارِمِ، لأَِنَّ الأَْصْل الْبَرَاءَةُ عَمَّا زَادَ عَنْ قَوْلِهِ، وَلَوْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ أَوْ حَقٍّ قَبْل تَفْسِيرِهِ بِمَا لَهُ قِيمَةٌ، فَالْقَوْل لِلْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ. وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ. وَالْحُكْمُ كَذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (1) . وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: الْحُكْمُ عِنْدَهُمْ كَذَلِكَ فِي تَقْدِيمِ الظَّاهِرِ الثَّابِتِ بِالْبَيِّنَةِ.
__________
(1) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 23، والقوانين الفقهية لابن جزي ص 198، والأشباه والنظائر للسيوطي 64، والقواعد 339.

وَلِلشَّافِعِيَّةِ تَفْصِيلٌ فِي غَيْرِ الثَّابِتِ بِالْبَيِّنَةِ، إِذْ قَالُوا: إِنَّ الأَْصْل يُرَجَّحُ جَزْمًا. وَضَابِطُهُ: أَنْ يُعَارِضَهُ احْتِمَالٌ مُجَرَّدٌ. وَمَا يُرَجَّحُ فِيهِ الظَّاهِرُ جَزْمًا، وَضَابِطُهُ: أَنْ يَسْتَنِدَ إِِلَى سَبَبٍ مَنْصُوبٍ شَرْعًا، كَالشَّهَادَةِ تُعَارِضُ الأَْصْل، وَالرِّوَايَةَ، وَالْيَدَ فِي الدَّعْوَى. وَإِِخْبَارُ الثِّقَةِ بِدُخُول الْوَقْتِ. وَمَا يُرَجَّحُ فِيهِ الأَْصْل عَلَى الظَّاهِرِ فِي الأَْصَحِّ، وَضَابِطُهُ: أَنْ يَسْتَنِدَ الاِحْتِمَال إِِلَى سَبَبٍ ضَعِيفٍ، وَمِثْلُهُ الشَّيْءُ الَّذِي لاَ يُتَيَقَّنُ بِنَجَاسَتِهِ، وَلَكِنَّ الْغَالِبَ فِيهِ النَّجَاسَةُ كَثِيَابِ مُدْمِنِ الْخَمْرِ، وَالْقَصَّابِينَ، وَالْكُفَّارِ، وَأَوَانِيهِمْ. وَمَا يُتَرَجَّحُ فِيهِ الظَّاهِرُ عَلَى الأَْصْل، بِأَنْ كَانَ سَبَبًا قَوِيًّا مُنْضَبِطًا، كَمَنْ شَكَّ بَعْدَ الصَّلاَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ فِي تَرْكِ رُكْنٍ غَيْرِ النِّيَّةِ فَالْمَشْهُورُ لاَ يُؤَثِّرُ.
وَالْحَنَابِلَةُ يُقَدِّمُونَ كَغَيْرِهِمُ الظَّاهِرَ، الَّذِي هُوَ حُجَّةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا شَرْعًا، كَالشَّهَادَةِ عَلَى الأَْصْل، وَإِِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، بِأَنْ كَانَ مُسْتَنِدًا إِِلَى الْعُرْفِ أَوِ الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ أَوِ الْقَرَائِنِ أَوْ غَلَبَةِ الظَّنِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَتَارَةً يُعْمَل بِالأَْصْل وَلاَ يُلْتَفَتُ إِِلَى الظَّاهِرِ، وَتَارَةً يُعْمَل بِالظَّاهِرِ وَلاَ يُلْتَفَتُ إِِلَى الأَْصْل، وَتَارَةً يَخْرُجُ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلاَفٌ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ:
(1) مَا تُرِكَ فِيهِ الْعَمَل بِالأَْصْل لِلْحُجَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهِيَ قَوْل مَنْ يَجِبُ الْعَمَل بِقَوْلِهِ، كَشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ بِشَغْل ذِمَّةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهَذِهِ

مَحَل إِجْمَاعٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(2) مَا عُمِل فِيهِ بِالأَْصْل، وَلَمْ يُلْتَفَتْ إِِلَى الْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ وَنَحْوِهَا. وَذَلِكَ كَمَا إِِذَا ادَّعَتْ زَوْجَةٌ بَعْدَ طُول مُقَامِهَا مَعَ الزَّوْجِ: أَنَّهَا لَمْ تَصِلْهَا مِنْهُ النَّفَقَةُ الْوَاجِبَةُ، فَإِِنَّ الْقَوْل قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا عِنْدَ الأَْصْحَابِ، لأَِنَّ الأَْصْل مَعَهَا، مَعَ أَنَّ الْعَادَةَ تُبْعِدُ ذَلِكَ جِدًّا، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ الرُّجُوعَ إِِلَى الْعَادَةِ، وَخَرَّجَهُ وَجْهًا مِنَ الْمَسَائِل الْمُخْتَلَفِ فِيهَا.
(3) مَا عُمِل فِيهِ بِالظَّاهِرِ وَلَمْ يُلْتَفَتْ إِِلَى الأَْصْل، كَمَا إِِذَا شَكَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلاَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ فِي تَرْكِ رُكْنٍ مِنْهَا، فَإِِنَّهُ لاَ يُلْتَفَتُ إِِلَى الشَّكِّ، وَإِِنْ كَانَ الأَْصْل عَدَمَ الإِِْتْيَانِ بِهِ وَعَدَمَ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ فِعْل الْمُكَلَّفِينَ لِلْعِبَادَاتِ: أَنْ تَقَعَ عَلَى وَجْهِ الْكَمَال، فَيُرَجَّحُ هَذَا الظَّاهِرُ عَلَى الأَْصْل، وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَغَيْرِهِ فِي الْمَنْصُوصِ عَنِ الإِِْمَامِ أَحْمَدَ.
(4) مَا خَرَجَ فِيهِ خِلاَفٌ فِي تَرْجِيحِ الظَّاهِرِ عَلَى الأَْصْل وَبِالْعَكْسِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ غَالِبًا عِنْدَ تَقَادُمِ الظَّاهِرِ وَالأَْصْل وَتَسَاوِيهِمَا، وَمِنْ صُوَرِهِ: طَهَارَةُ طِينِ الشَّوَارِعِ، نَصَّ عَلَيْهِ الإِِْمَامُ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ، تَرْجِيحًا لِلأَْصْل، وَهُوَ الطَّهَارَةُ فِي الأَْعْيَانِ كُلِّهَا. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ ثَانِيَةٍ: أَنَّهُ نَجِسٌ

تَرْجِيحًا لِلظَّاهِرِ، وَجَعَلَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ الْمَذْهَبَ (1) .

تَعَارُضُ الْعِبَارَةِ (اللَّفْظِ) وَالإِِْشَارَةِ الْحِسِّيَّةِ:
22 - قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الْعِبَارَةَ تُقَدَّمُ عَلَى الإِِْشَارَةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا أَوْرَدَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الْجَبْهَةِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ. . . إِلَخْ (2) . وَأَحَال شَرْحَ الْحَدِيثِ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَمَرَّهَا عَلَى أَنْفِهِ، وَقَال: هَذَا وَاحِدٌ فَهَذِهِ رِوَايَةٌ مُفَسِّرَةٌ. قَال الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا يَدُل عَلَى أَنَّ الْجَبْهَةَ الأَْصْل، وَالسُّجُودَ عَلَى الأَْنْفِ تَبَعٌ.
وَقَال ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: قِيل: مَعْنَاهُ أَنَّهُمَا جُعِلاَ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ، وَإِِلاَّ لَكَانَتِ الأَْعْضَاءُ ثَمَانِيَةً. قَال: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يُكْتَفَى بِالسُّجُودِ عَلَى الأَْنْفِ. قَال: وَالْحَقُّ أَنَّ مِثْل هَذَا لاَ يُعَارِضُ التَّصْرِيحَ بِذِكْرِ الْجَبْهَةِ، وَإِِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّهُمَا كَعُضْوٍ وَاحِدٍ فَذَاكَ فِي التَّسْمِيَةِ وَالْعِبَارَةِ، لاَ فِي الْحُكْمِ الَّذِي عَلَيْهِ الأَْمْرُ بِالسُّجُودِ.
__________
(1) الأشباه للسيوطي ص 64، والقواعد الفقهية لابن رجب القاعدة (159) ص 339 - 343.
(2) حديث: " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، وأشار بيده على أنفه. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 297 ط السلفية) .

وَأَيْضًا فَإِِنَّ الإِِْشَارَةَ قَدْ لاَ تُعَيِّنُ الْمُشَارَ إِلَيْهِ، فَإِِنَّهَا إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْجَبْهَةِ لأَِجْل الْعِبَارَةِ، فَإِِذَا تَقَارَبَ مَا فِي الْجَبْهَةِ أَمْكَنَ أَنْ لاَ يُعَيَّنَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ تَعْيِينًا. وَأَمَّا الْعِبَارَةُ: فَإِِنَّهَا مُعَيَّنَةٌ لِمَا وُصِفَتْ لَهُ، فَتَقْدِيمُهُ أَوْلَى. وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ الاِقْتِصَارِ عَلَى بَعْضِ الْجَبْهَةِ قَال بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، ثُمَّ قَال: وَنَقَل ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ: عَلَى أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُ السُّجُودُ عَلَى الأَْنْفِ وَحْدَهُ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِِلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ عَلَى الْجَبْهَةِ وَحْدَهَا.
وَعَنِ الأَْوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِِسْحَاقَ وَابْنِ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ: يَجِبُ أَنْ يَجْمَعَهُمَا، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ أَيْضًا.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِِذَا اجْتَمَعَتِ الإِِْشَارَةُ إِِلَى شَيْءٍ، وَالْعِبَارَةُ عَنْهُ فِي الْمَهْرِ - فَالأَْصْل أَنَّ الْمُسَمَّى إِِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِالْمُشَارِ إِلَيْهِ؛ لأَِنَّ الْمُسَمَّى مَوْجُودٌ فِي الْمُشَارِ إِلَيْهِ ذَاتًا، وَالْوَصْفُ يَتْبَعُهُ، وَإِِنْ كَانَ مِنْ خِلاَفِ جِنْسِهِ يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِالْمُسَمَّى؛ لأَِنَّ الْمُسَمَّى مِثْل الْمُشَارِ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ بِتَابِعٍ لَهُ. وَالتَّسْمِيَةُ أَبْلَغُ فِي التَّعْرِيفِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا تُعَرِّفُ الْمَاهِيَّةَ، وَالإِِْشَارَةُ تُعَرِّفُ الذَّاتَ. فَمَنِ اشْتَرَى فَصًّا عَلَى أَنَّهُ يَاقُوتٌ، فَإِِذَا هُوَ زُجَاجٌ لاَ يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ، لاِخْتِلاَفِ الْجِنْسِ. وَلَوِ اشْتَرَى عَلَى أَنَّهُ يَاقُوتٌ أَحْمَرُ فَإِِذَا هُوَ أَخْضَرُ، انْعَقَدَ الْعَقْدُ لاِتِّحَادِ الْجِنْسِ.

وَقَال الشَّارِحُونَ: إِنَّ هَذَا الأَْصْل مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي النِّكَاحِ، وَالْبَيْعِ، وَالإِِْجَارَةِ، وَسَائِرِ الْعُقُودِ، وَلَكِنَّ الإِِْمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ جَعَل الْخَل وَالْخَمْرَ جِنْسًا، فَتَعَلَّقَ بِالْمُشَارِ إِلَيْهِ، فَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْل، فِيمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى هَذَا الدَّنِّ مِنَ الْخَل، وَأَشَارَ إِِلَى خَمْرٍ. وَلَوْ سَمَّى حَرَامًا، وَأَشَارَ إِِلَى حَلاَلٍ فَلَهَا الْحَلاَل فِي الأَْصَحِّ.
وَأَمَّا فِي النِّكَاحِ فَقَال فِي الْخَانِيَّةِ: رَجُلٌ لَهُ بِنْتٌ وَاحِدَةٌ اسْمُهَا عَائِشَةُ: فَقَال الأَْبُ وَقْتَ الْعَقْدِ: زَوَّجْتُ مِنْكَ بِنْتِي فَاطِمَةَ، لاَ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ. وَلَوْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ حَاضِرَةً فَقَال الأَْبُ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي فَاطِمَةَ هَذِهِ، وَأَشَارَ إِِلَى عَائِشَةَ وَغَلِطَ فِي اسْمِهَا، فَقَال الزَّوْجُ: قَبِلْتُ، جَازَ (1) .
23 - وَمِمَّا سَبَقَ تَبَيَّنَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَحْدَهُمْ هُمُ الَّذِينَ قَالُوا بِإِِجْزَاءِ السُّجُودِ عَلَى الأَْنْفِ وَحْدَهُ، تَقْدِيمًا لِلإِِْشَارَةِ عَلَى الْعِبَارَةِ، وَأَنَّ الْجُمْهُورَ يُجْزِئُ عِنْدَهُمُ السُّجُودُ عَلَى الْجَبْهَةِ دُونَ الأَْنْفِ، وَأَنَّ الْعِبَارَةَ عِنْدَهُمْ تُقَدَّمُ عَلَى الإِِْشَارَةِ لأَِنَّهَا تُعَيِّنُ الْمُرَادَ، وَالإِِْشَارَةُ قَدْ لاَ تُعَيِّنُهُ (2) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِِذَا اجْتَمَعَتِ الإِِْشَارَةُ وَالْعِبَارَةُ، وَاخْتَلَفَ مُوجِبُهُمَا، غُلِّبَتِ الإِِْشَارَةُ. فَلَوْ قَال: أُصَلِّي خَلْفَ زَيْدٍ هَذَا، أَوْ قَال: أُصَلِّي عَلَى زَيْدٍ هَذَا، فَبَانَ عَمْرًا فَالأَْصَحُّ الصِّحَّةُ. وَلَوْ قَال: زَوَّجْتُكَ فُلاَنَةَ هَذِهِ، وَسَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا
__________
(1) الأشباه والنظائر لابن نجيم 138.
(2) فتح الباري 2 / 296 ط السلفية.

صَحَّ قَطْعًا، وَحُكِيَ فِيهِ وَجْهٌ. وَلَوْ قَال: زَوَّجْتُكِ هَذَا الْغُلاَمَ، وَأَشَارَ إِِلَى بِنْتِهِ، نَقَل الرُّويَانِيُّ عَنِ الأَْصْحَابِ صِحَّةَ النِّكَاحِ. تَعْوِيلاً عَلَى الإِِْشَارَةِ. وَهَذَا يَتَّفِقُ وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ.
وَلَوْ قَال: زَوَّجْتُكَ هَذِهِ الْعَرَبِيَّةَ، فَكَانَتْ أَعْجَمِيَّةً. أَوْ: هَذِهِ الْعَجُوزَ، فَكَانَتْ شَابَّةً. أَوْ: هَذِهِ الْبَيْضَاءَ، فَكَانَتْ سَوْدَاءَ أَوْ عَكْسُهُ - وَكَذَا الْمُخَالَفَةُ فِي جَمِيعِ وُجُوهِ النَّسَبِ وَالصِّفَاتِ وَالْعُلُوِّ وَالنُّزُول - فَفِي صِحَّةِ النِّكَاحِ قَوْلاَنِ، وَالأَْصَحُّ: الصِّحَّةُ.
وَلَوْ قَال: بِعْتُكَ دَارِي هَذِهِ وَحَدَّدَهَا وَغَلِطَ فِي حُدُودِهَا، صَحَّ الْبَيْعُ. بِخِلاَفِ مَا لَوْ قَال: بِعْتُك الدَّارَ الَّتِي فِي الْمَحَلَّةِ الْفُلاَنِيَّةِ وَحَدَّدَهَا وَغَلِطَ؛ لأَِنَّ التَّعْوِيل هُنَاكَ عَلَى الإِِْشَارَةِ.
وَلَوْ قَال: بِعْتُكَ هَذَا الْفَرَسَ فَكَانَ بَغْلاً أَوْ عَكْسُهُ، فَوَجْهَانِ، وَالأَْصَحُّ هُنَا الْبُطْلاَنُ. وَإِِنَّمَا صُحِّحَ الْبُطْلاَنُ هُنَا تَغْلِيبًا لاِخْتِلاَفِ غَرَضِ الْمَالِيَّةِ. وَصَحَّحَ الصِّحَّةَ فِي الْبَاقِي تَغْلِيبًا لِلإِِْشَارَةِ. وَحِينَئِذٍ يُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ مِنَ الْقَاعِدَةِ.
وَيُضَمُّ إِِلَى هَذِهِ الصُّورَةِ صُوَرٌ، مِنْهَا: مَا لَوْ حَلَفَ لاَ يُكَلِّمُ هَذَا الصَّبِيَّ فَكَلَّمَهُ شَيْخًا، أَوْ لاَ يَأْكُل هَذَا الرُّطَبَ فَأَكَلَهُ تَمْرًا، أَوْ لاَ يَدْخُل هَذِهِ الدَّارَ فَدَخَلَهَا عَرْصَةً، فَالأَْصَحُّ: أَنَّهُ لاَ يَحْنَثُ. وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى هَذَا الثَّوْبِ الْكَتَّانِ فَبَانَ قُطْنًا،

أَوْ عَكْسُهُ، فَالأَْصَحُّ فَسَادُ الْخُلْعِ، وَيُرْجَعُ بِمَهْرِ الْمِثْل.
وَهُنَاكَ صُوَرٌ كَثِيرَةٌ تَتَرَتَّبُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ (1) .
هَذِهِ جُمْلَةُ قَوَاعِدَ أُصُولِيَّةٍ فِي التَّعَارُضِ، ذُكِرَتْ مَعَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ أَحْكَامٍ.
وَأَمَّا التَّعَارُضُ بَيْنَ الأَْدِلَّةِ فَيُنْظَرُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
__________
(1) الأشباه والنظائر للسيوطي 314، 315.

أي أن يُروَى الحديث على وجهين يكون في أحدهما مرفوعاً وفي الآخر موقوفاً ؛ وطريقة أهل التحقيق في هذا العلم الشريف أنهم يرجحون رواية الأحفظ وما تدل القرائن على أنه كان أحسن ضبطاً في رواية ذلك الحديث ممن خالفه فيه ، وأما تقديم الرفع مطلقاً فخطأ وتساهل واسترواح ؛ وانظر (تعارض الوصل والإرسال) و(زيادة الثقة).
قال الشيخ حمزة المليباري في (علوم الحديث في ضوء تطبيقات المحدثين النقاد) (ص161) تحت هذه الترجمة (تعارض الوصل والإرسال ، وتعارض الوقف والرفع) ما نصه(1):
(تعني هذه المسألة أن يروي جماعةٌ حديثاً واحداً مع اتحاد مخرجه ، فيرويه بعضهم متصلاً ويرويه الآخرون مرسلاً ، أو يرويه بعضهم مرفوعاً ، ويرويه الآخرون موقوفاً(2).
ترد كثيراً مسألة تعارض الوصل والإرسال ، وتعارض الوقف والرفع ، في كتب العلل، كنماذج واقعية لأخطاء الرواة الثقات ، أو الضعفاء غير المتروكين ، وقد أشار إلى ذلك ابن الصلاح رحمه الله تعالى بقوله في مبحث العلة: "وكثيراً ما يعللون الموصول بالمرسل"(3).
كما أن هذه المسألة قائمة على زيادة الثقة بقدر كبير ؛ ذلك أنه إذا كان الثقة هو الذي وصل الإسناد المرسَل ، فإن وصله يعدّ زيادة في السند حيث رواه غيره مرسلاً ، وكذلك إذا روى الحديث الموقوف مرفوعاً فيكون رفعة زيادة في السند إذ رواه غيره موقوفاً على الصحابي.
أما حكم الوصل فيما هو مرسل ، أو الرفع فيما هو موقوف فيكون وفق ما تدل عليه القرائن ، وليس فيه حكم مطرد.
يقول ابن دقيق العيد: " من حكى عن أهل الحديث أو أكثرهم أنهم إذا تعارض رواية مسند ومرسل ، أو رافع وواقف ، أو ناقص وزائد ، ان الحكم للزائد لم يصب في هذا الإطلاق؛ فإن ذلك ليس قانوناً مطرداً ، و[بـ]ـالمراجعة لأحكامهم الجزئية تعرف صواب ما نقول"(4).
(5) نقله الصنعاني في (توضيح الأفكار) (1/343 - 344) ؛ وانظر بقية ما ذكره الدكتور حمزة في هذا الهامش.
__________
(1) والهوامش له أيضاً.
(2) مثال التعارض بين الوصل والإرسال حديث " لا نكاح إلا بولي " رواه إسرائيل بن يونس وغيره عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ ؛ وخالفهم سفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي ﷺ مرسلاً. (مسند الإمام أحمد 4/349، مسند البزار 8/111) ؛ وجاء بين الروايتين تعارض بين الوصل والإرسال.
مثال التعارض بين الوقف والرفع حديث رواه عبثر وجرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: "من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغيب الشمس ..." الحديث ، موقوفاً على أبي هريرة عن النبي ﷺ هذا الحديث. وقال أبو حاتم: الصحيح عندي موقوف. (العلل 1/139).…
(3) مقدمة ابن الصلاح (ص90).
19 - الاستعارة
لغة: مأخوذة من "العارية" أى نقل منفعة شئ ما من شخص إلى آخر يقال: تعاوروا الشىء واعتوروه: تداولوه، كما فى اللسان (1) ولا ينفك هذا المعنى اللغوى عن المعنى الاصطلاحى.
واصطلاحا: لها عدة تعريفات وضوابط ومن أدقها وأوجزها:
1 - تعريف الخطيب القزوينى، وهو: "الاستعارة هى ما كانته علاقته تشبه معناه بما وضع له".
2 - وقد عرفها البلاغيون المتاخرون (2) تعريفا جامعا مانعا فقالوا: الاستعارة هى استعمال اللفظ فى غير ما وضع له لعلاقة المشابهة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الوضعى (3)، وهذا التعريف هو ما عليه جميع أهل الذكر الآن.
3 - وبعض أهل العلم يختصرون تعريفها فيقولون: "الاستعارة تشبيه حذف أحد طرفيه" غير أن فيه قصورا لأنه لم يشر إلى العلامة والقرينة المانعة ويشترط لتحقق الاستعارة أن يتوفرفيها ثلاثة أركان هى:
1 - النقل: أى نقل اللفظ من معناه الوضعى إلى المعنى المجازى المراد من الاستعارة.
2 - العلاقة المسوغة للنقل، وهى تشبيه المستعار له بالمستعار.
3 - القرينة التى تمنع إرادة المعنى اللغوى (الوضعى) مع إرادة المعنى المجازى.
ومن أمثلتها قول المتنبى يمدح سيف الدولة الحمدانى وقد انتصر على الروم فى وقعة الأحيدب وهو جبل دارت عليه المعركة:
نثرتهم فوق الأحيدب نثرة * كما نثرت فوق العروس الدراهم
شبه تفريق الأعداء (موتى) بنثر الدراهم، وحذف المشبه (التفريق) وذكر المشبه به (النثر) والعلاقة شدة البطش وأما القرينة المانعة من إرادة المعنى اللغوى فلأن النثر يكون للأجسام الصغيرة دون الكبيرة (4).
أ. د/عبد العظيم ابراهيم المطعنى
__________
الهامش:
1 - لسان العرب، ابن منظور، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الأولى 4/ 3168 مادة (عور).
2 - نعنى بذلك علماء البلاغة المعاصرين ومن أساتذة الجامعات فى مصر والعالم الإسلامى.
3 - هذا تعريفهم عندهم بالمعنى المصدرى، ولها تعريف آخر بالمعنى الأسمى، يبدأونها بقولهم "اللفط المستعمل ... ".
4 - أسرار البلاغة، عبد القاهر الجرجانى، تحقيق وتعليق محمود أحمد شاكر، مطبعة المدنى، القاهرة طبعة 1991م، ص57.
مراجعة الاستزادة:
1 - الإيضاح للخطيب القزوينى.
2 - ديوان المتنبى
38 - التعارض
لغة: تفاعل من العرض، وهو المنع، والمقابلة، والمساواة كما فى المصباح (1).

واصطلاحاً: تقابل الأمرين على وجه يمنع كل واحد منهما مقتضى صاحبه (2). وذلك كأن يكون هناك دليلان أحدهما يدل على الجواز، والآخر يدل على المنع، فدليل الجواز يمنع التحريم، ودليل التحريم يمنع الجواز، فكل منهما مقابل للآخر ومعارض له ومانع (3).

ويشترط لتحقيقه شروط منها: اتحاد محل الحُكْمين، واتحاد الوقت، وتضاد الحُكْمين، وتساوى الدليلين المتعارضين فى القوة، وعدم إمكان الجمع بينهما، وعدم كونهما قَطْعّيين.

وقد اختلف فى وقوع التعارض" بين الأدلة الشرعية على مذاهب،

أحدها: لا يجوز وقوعه بينها فى الواقع ونفس الأمر، ويجوز فى ظاهر النظر وعليه الجمهور. ثانيها: يجوز مطلقاً، وعليه ابن السبكى وجماعة،

ثالثها: يجوز بين الأمارات ولا يجوز بين الأدلة القاطعة، وعليه البيضاوى والآمدى وغيرهما، والراجح منها مذهب الجمهور.

والتعارض المظنون يدفع بطرق منها: الجمع بين الأدلة، والترجيح بينها عند عدم إمكان الجمع، ودعوى النسخ (4). مثال للتعارض المتوهم بين الأدلة: ما ورد من نهى النبى - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة بعد الصبح والعصر، وظن تعارضه مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: "
من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" (5) وقد جمع بينهما الإمام أحمد بأن جعل المجيز مخصصاً للمانع، والله أعلم.

أ. د/ على جمعة محمد
1 - المصباح المنير، للفيومى 1/ 478طبعة مصطفى الحلبى القاهرة
2 - نهاية السول للإسنوى مع البدخشى2/ 207 مكتبة ومطبعة محمد على صبيح بمصر.
3 - شرح الكوكب المنير لابن النجار الحنبلى 4/ 605.
4 - السابق 4/ 605وما بعدها
5 - روى البخارى، ومسلم وأحمد عن أبى سعيد - رضي الله عنه - أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال:"
لا صلاة بعد صلاة العصر حتى غروب الشمس ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس وروى البخارى ومسلم عن عمر - رضي الله عنه - أن النبى - صلى الله عليه وسلم - " نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب " وروى مثل ذلك أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجة (انظر: صحيح البخارى مع حاشية السندى 1/ 76 صحيح مسلم بشرح النووى 6/ 110 مسند أحمد 1/ 18، 3/ 7 سنن أبى داود 2/ 294 - جامع الترمذى مع تحفة الأحوذى 1/ 540 - سنن النسائى 1/ 222/- سنن ابن ماجة 1/ 395.
__________
المرجع
1 - نشر البنود على مراقى السعود، للشنقيطى2/ 273، طبعة المملكة المغربية.
2 - تيسير الأصول، لحافظ ثناء الله الزاهدى ص 1 31 وما بعدها، دار ابن حزم- بيروت ط 2 سنة 1418هـ/997 1 م

بحث التعارض في الآيتين

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

بحث التعارض في الآيتين
(إنا لننصر رسلنا - ويقتلون النبيين) .
جرى ذلك بين: علماء مصر، ويعقوب الأصفر القرماني.
وله: فيه رسالة.
تدل على فضله وتبحره.

علم تشبيه القرآن واستعاراته

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

علم تشبيه القرآن، واستعاراته
ذكره المولى: أبو الخير، من فروع علم التفسير.
وقال: التشبيه نوع من أشرف أنواع البلاغة. انتهى.
فهو إذا من مباحث: علم البيان، كما لا يخفى.

تصاريف الدهر في تعاريف الزجر

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

تصاريف الدهر، في تعاريف الزجر
لتاج الدين: علي بن محمد، المعروف: بابن الدريهم الموصلي.
المتوفى: سنة 762، اثنتين وستين وسبعمائة.
تعاريض جرير وفرزدق
لمحمد بن حبيب النحوي.
المتوفى: سنة 245، خمس وأربعين ومائتين.

التوقيف على مهمات التعاريف

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

التوقيف، على مهمات التعاريف
للشيخ، عبد الرؤوف: محمد المناوي، المصري.
المتوفى: سنة 1030، ثلاثين وألف تقريباً (1031) .
درء التعارض
مجلدات.
للشيخ، تقي الدين: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحنبلي.

دفع التعارض عما يوهم التناقض

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

دفع التعارض، عما يوهم التناقض
في: الكتاب والسنة.
لنجم الدين: سليمان بن عبد القوي الطوفي، الحنبلي، القدسي.
المتوفى: سنة 710، عشر وسبعمائة.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت