|
[حدة]فيه: فدفنته في قبر على "حدة" أي منفرداً وحده، وهو معتل كزنة وعدة، وذكر هنا لظاهره. وفيه: لا بأس بقتل "الحدو" والأفعو للمحرم، هي لغة في الوقف على ما أخره ألف بقلب الألف واواً، والحدو: الحدأ بالكسر جمع حدأة وهي الطائر المعروف، سكن الهمزة للوقف فصارت ألفاً فقلبت واواً، ومنهم من يقلبها ياء، وتخفف وتشدد. ومنه ح لقمان: أن أر مطمعي "فحدو" تلمع، أي تختطف الشيء في انقضاضها، وقد أجرى الوصل مجرى الوقف فقلب وشدد، وقيل: الحدو بالتشديد لغة أهل مكة في الحداء. ط: الحديا مصغر حدأة بوزن عنبة. ك ومنه: فمرت به "حدياة" بضم حاء وفتح دال وشدة تحتية به، أي بالوشاح، وقد مر. نه وفيه: كنت "أتحدى" القراء فأقرأ، أي أتعمدهم وأقصدهم للقراءة عليهم. وفي ح الدعاء: "تحدوني" عليها خلة واحدة، أي تبعثني وتسوقني عليها خصلة واحدة، وهو من حدو الإبل فإنه من أكبر الأشياء على سوقها وبعثها. غ: كنت "أتحدى" القراء فأقرأ، هم من جديا الناس، أي يتعمدهم وينازعهم الغلبة.
|
المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
|
(الْوحدَة) المربعة (فِي الرياضة والهندسة) مربع طول أحد أضلاعه وحدة من وحدات الْقيَاس الطولي كالذراع المربعة وَهِي مربع كل ضلع من أضلاعه ذِرَاع وَاحِدَة (مج)و (فِي النظام السياسي) اتِّحَاد أمتين أَو أَكثر فِي الرياسة والسياسة والجيش والاقتصاد بموجبها يكن أمة وَاحِدَة (مو)و (وحدة النَّقْد) (فِي الاقتصاد السياسي) وزن ثَابت من مَعْدن معِين الْعيار والمشرع هُوَ الَّذِي يحدده (مج)
|
كتاب التعريفات للشريف الجرجاني
|
اجتماع الساكنين على حدة: وهو جائز، وهو ما كان الأول حرف مد، أو لا يكون الثاني مدغمًا فيه. كدابة، وخويصة، وفي تصغير خاصة.
|
كتاب التعريفات للشريف الجرجاني
|
اجتماع الساكنين على غير حدة: وهو غير جائز، وهو ما كان على خلاف الساكنين على حدة، وهو إما ألا يكون الأول حرف مد، أو لا يكون الثاني مدغمًا فيه.
|
|
الوحدة:[في الانكليزية] Unity ،unit ،union [ في الفرنسية] Unite ،unicite بالفتح هي ضد الكثرة وهما من المعاني الواضحة كما في تهذيب الكلام. وأطلقها الصوفية على مرتبة التعيّن الأول كما عرفت قبيل هذا. ويقول في لطائف اللغات: الوحدة عند الصوفية عبارة عن الأول الذي هو الحقيقة المحمدية، ومرتبة قابليات الصّرف وذلك ما يقال له أيضا البرزخ الأكبر. والواحدية والأحدية طرفاها. الأحدية بانتفاء النّسب والاعتبارات والواحدية باعتبار ثبوت النّسب والاعتبارات والإضافات. قال صاحب المواقف وصاحب الطوالع ما حاصله إنّهم عرّفوا الوحدة بكون الشيء بحيث لا ينقسم إلى أمور متشاركة في الماهية، سواء لم ينقسم أصلا كالواجب والنقطة وتسمّى وحدة حقيقية، أو انقسم إلى أمور مخالفة في الحقيقة كزيد المنقسم إلى أعضائه وتسمّى وحدة إضافية. وعرّفوا الكثرة بكون الشيء بحيث ينقسم إلى أمور مشاركة في الماهية كفرد أو فردين من نوع، ولا يخفى أنّ الكثرة المجتمعة من الأمور المختلفة الحقائق كإنسان وفرس وحمار داخلة في حدّ الوحدة وخارجة عن حدّ الكثرة. فالأولى أن يقال الوحدة كون الشيء بحيث لا ينقسم والكثرة كونه بحيث ينقسم، وإنّما قلنا فالأولى لأنّه يجوز أن يكون ذلك تعريفا بالأخصّ أو للأخصّ أو للأخصّ وهو الوحدة والكثرة باعتبار الأفراد.واعلم أنّ ما ذكر تعريفات لفظية لا حقيقية لأنّ تصوّر الوحدة والكثرة بديهي كما عرفت، وإلّا يدور لأنّا إذا قلنا الوحدة كون الشيء بحيث لا ينقسم إلى أمور متشاركة في الماهية فقد قلنا إنّ الوحدة كون الشيء بحيث لا يتكثّر ضرورة، فقد أخذنا الكثرة في تعريف الوحدة والكثرة لا يمكن تعريفها إلّا بالوحدة لأنّ الوحدة مبدأ الكثرة. ومنها وجودها وماهيتها ولذا أي تعريف يعرّف به الكثرة يستعمل فيه الوحدة مثل الكثرة المجتمع فيه الوحدات والكثرة ما يعد بالواحد وغير ذلك. وظنّ البعض أنّ الوحدة نفس الوجود فتكون الوحدة الشخصية نفس الوجود الشخصي الثابت لكلّ موجود معيّن. والحقّ أنّ الوحدة والكثرة مغايرتان للوجود إذ الوجود بجامع الوحدة والكثرة. نعم الوحدة تساوق الوجود وتساويه فكلّ ما له وحدة فهو موجود في الجملة، وكلّ موجود له وحدة ما، حتى الكثير فإنّ العشرة مثلا واحدة من العشرات.وأيضا ليستا نفس الماهية لأنّ الماهية من حيث هي قابلة لهما فهما زائدتان عليها.فائدة:اختلف في وجودهما فأثبته الحكماء وأنكره المتكلّمون. اعلم أنّ مقابلة الوحدة والكثرة ليست ذاتية لأنّهما لا يعرضان لمعروض واحد بالشخص، واتحاد الموضوع معتبر في التقابل، بل بينهما مقابلة بالعرض وذلك لإضافة عرضت لهما وهي المكيالية والمكيلية، فإنّ الوحدة مكيال للعدد وعاد له، والعدد مكيل بالوحدة ومعدود بها، والشيء من حيث إنّه مكيال لا يكون مكيلا أو بالعكس، ولذا لم يجز كون الشيء واحدا وكثيرا معا من جهة واحدة. التقسيم:الواحد إمّا أن لا ينقسم إلى جزئيات بأن يكون تصوّره مانعا من وقوع الشركة فيه وهو الواحد بالشخص ووحدته هي الوحدة الشخصية، أو ينقسم إلى جزئيات وهو الواحد لا بالشخص وأنّه كثير له جهة وحدة فهو واحد من وجه أيّ من حيث هو هو، أي من حيث المفهوم وكثير من جهة الانطباق على الأفراد، ووحدته هي الوحدة لا بالشخص. واعلم أنّ المفهوم من هذا هو أنّ الانقسام إلى الجزئيات وحدة لا بالشخص ولا يخفى أنّه معنى الكثرة بالشخص لا معنى الوحدة بالشخص. والحقّ أنّ الوحدة لا بالشخص وحده مبهمة ثابتة للماهية من حيث هي والكثرة بالشخص كثرة متعيّنة ثابتة لها من حيث الكلّية، والوحدة بالشخص وحدة متعيّنة ثابتة لها من حيث الشخص، فالوحدة لا بالشخص هي عدم الانقسام في مرتبة الماهية من حيث هي والكثرة بالشخص هي الانقسام في مرتبة الكلّية والوحدة بالشخص هي عدم الانقسام في مرتبة الشخص. ثم الواحد بالشخص إن لم يقبل القسمة إلى الأجزاء أصلا أي لا بحسب الأجزاء المقداريّة ولا بحسب غيرها محمولة كانت أو غيرها فهو الواحد الحقيقي، وهو ثلاثة أقسام لأنّه إن لم يكن له مفهوم سوى مفهوم عدم الانقسام حقيقة فالوحدة الشخصيّة أي المشخّصة فإنّ الوحدة مطلقا ليس لها مفهوم سوى مفهوم عدم الانقسام. فالوحدة مطلقا ليست وحدة بالشخص، وإنّما قلنا حقيقة إذ لو لم يقيد عدم الانقسام بها فالتغاير بين العارض والمعروض ولو بالاعتبار ضروري. وإن كان له مفهوم سوى ذلك أي عدم الانقسام فيكون عارضا لماهية فهو النقطة المشخّصة إن كان ذا وضع أي قابل للإشارة الحسّية، هذا عند نفاة الجزء. وإن أريد أعمّ من الجوهرية والعرضية يصحّ على رأي مثبتيه أيضا والمفارق المشخّص إن لم يكن ذا وضع سواء كان المفارق واجبا أو ممكنا. أمّا عدم قبول الأقسام الثلاثة للقسمة إلى الأجزاء الخارجيّة فظاهر.وأمّا عدمه إلى الأجزاء الذهنية فلأنّ الوحدة والنقطة غير داخلتين في مقولة من المقولات التسعة فلا يكون لها جنس ولا فصل، وكذا لم يثبت جنسية الجوهر فلا يكون للمفارق جنس.وإن قبل الواحد بالشخص القسمة فإمّا أن ينقسم إلى أجزاء مقداريّة متشابهة في الحقيقة وهو الواحد بالاتصال، فإن كان قبوله القسمة إلى تلك الأجزاء لذاته فهو المقدار الشخصي القابل للقسمة الوهميّة على رأي من يثبت المقادير، وإن كان قبوله لا لذاته فهو الجسم البسيط كالماء البسيط كالماء الواحد بالشّخص المتصل على وجه لا يكون فيه مفصّل إمّا حقيقة على رأي نفاة الجزء وإمّا حسّا على رأي مثبتيه، بل نقول ليس ما يكون قبوله لا لذاته مختصّا بالجسم بل أعمّ منه فإنّه هو ما يحل فيه المقدار كالصورة الجسمية والهيولى، أو ما يحلّ في المقدار أو في محل المقدار حلولا سريانيا عند من أثبت هذه الأمور. وأمّا أن ينقسم إلى أجزاء مقدارية مختلفة بالحقائق وهو الواحد بالاجتماع كالشجر الواحد المشخّص فإنّه مركّب من أجزاء مقدارية متخالفة في الحقيقة، فالمجموع المركّب من زيد وعمرو واحد بالشخص وخارج عن هذا القسم إن كان الاجتماع والاتصال الحسّي شرطا فيه. وكذا العشرة المركّبة من الوحدات وإلا فداخل فيه والواحد بالاتصال بعد القسمة الانفكاكية واحد بالنوع لأنّ أجزاءه لمّا كانت متفقة في الحقيقة كان كلا منها بعد القسمة فردا له وواحد بالموضوع أيضا عند من يقول بالمادة، فإنّ تلك الأجزاء الحاصلة بالقسمة من شأنها أن يتصل بعضها ببعض ويحلّ في مادة واحدة بخلاف أشخاص الناس إذ ليس من شأنها الاتصال. وأمّا عند مثبتي الجزء فالواحد بالاتصال بعد القسمة واحد بالنوع دون الموضوع والتحقيق ان الواحد بالاتصال الحقيقي انما يتصور على القول بنفي الجزء فإنّ الأجزاء الموجودة بالفعل إذا اجتمعت واتصل بعضها ببعض حتى يحصل منها مركّب كان ذلك المركّب واحدا بالاجتماع حقيقة، سواء كانت تلك الأجزاء متشابهة أو متخالفة. ثم إنّه قد يقال الواحد بالاتصال لمقدارين متلاقيين عند حدّ مشترك كالخطين المحيطين بزاوية، وقد يقال لمقدارين يتلازم طرفاهما بحيث يلزم من حركة أحدهما حركة الآخر، وهو على أنواع: وأولاها بالاتصال ما كان الالتحام فيه طبيعيا أي خلقيا كالمفاصل، وهذا القسم شبيه جدا بالوحدة الاجتماعية. اعلم أنّ ما ينقسم إلى أجزاء غير مقدارية إمّا محمولة أو غير محمولة كالجسم المركّب من الهيولى، والصورة ليس له اسم معيّن في الاصطلاح. وأيضا الواحد بالشخص إن حصل له جميع ما يمكن له من الأجزاء فهو الواحد التام كالدائرة والكرة، وإن لم يحصل له جميع ما يمكن له فهو الواحد الغير التام كالخط المستقيم فإنّ الزيادة عليه ممكن أبدا، والتام إمّا طبيعي أي خلقي كزيد وإمّا وضعي أي متعلّق بالوضع والاصطلاح كدرهم، وإمّا صناعي أي متعلّق بالصناعة كالبيت. وأمّا الواحد لا بالشخص فجهة الوحدة فيه إمّا ذاتيّة للكثرة أي غير خارجة عنها فيشتمل تمام الماهية وحينئذ فإمّا تمام ماهياتها وهو الواحد بالنوع كالإنسان بالنسبة إلى أفراده فيقال الإنسان واحد نوعي وأفراده واحدة بالنوع أو جزئها فإن كان ذلك الجزء تمام المشترك فهو الواحد بالجنس، قريبا كان أو بعيدا، وإلّا فالواحد بالفصل، وإمّا عارضة أي يكون جهة الوحدة أمرا عارضا للكثرة أي محمولا عليها خارجا عن ماهياتها وهو الواحد بالعرض، وذلك إمّا واحد بالموضوع إن كانت جهة الوحدة موضوعة بالطبع لتلك الكثرة كما يقال الكاتب والضاحك واحد في الإنسان فإنّ الإنسان عارض لهما أي محمول عليهما خارج عن ماهيتهما وهو موضوع لهما بالطبع لكونه موصوفا بهما أو واحد بالمحمول إن كانت جهة الوحدة محمولة بالطبع على تلك الكثرة كما يقال القطن والثلج واحد في البياض فإنّ الأبيض محمول عليهما طبعا وخارج عنهما، أولا يكون جهة الوحدة ذاتية للكثرة ولا أمرا عارضا لها، وذلك بأن لا يكون محمولا عليها أصلا وهو الواحد بالنسبة كما يقال نسبة النفس إلى البدن نسبة الملك إلى المدينة، فإنّ للنفس تعلّقا خاصا بالبدن بحسبه يتمكّن من تدبيره دون غيره من الأبدان وكذا للملك تعلّق خاص بالمدينة بحسبه يتمكّن من تدبيرها دون غيرها من المدائن، فهذان التعلّقان سببان متحدان في التدبير الذي ليس مقوما ولا عارضا لشيء منهما، بل عارض للنفس والملك فإنّ المدبّر إنّما يطلق حقيقة عليهما.فائدة:قول الواحد على هذه الأقسام إنّما هو بالتشكيك فتكون الوحدات مختلفة بالحقيقة فلا يجب حينئذ اشتراكها أي اشتراك الوحدات في الحكم. فمنها ما هو وجودي كالوحدة الاتصاليّة والاجتماعيّة. ومنها ما هو اعتباري محض.ومنها ما هو زائد على ماهية الوحدة كوحدة الإنسانية مثلا. ومنها ما هو نفس الماهية كوحدة الوحدة. ومنها ما هو جزء، وزيادة التوضيح في شرح المواقف وحواشيه.
|
|
الملاحدة:[في الانكليزية] Atheists [ في الفرنسية] Athees بالحاء المهملة فرقة من الكفار يسمّون بالدهرية وقد سبق بيانها.
|
|
(حِدَةٌ)- فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ودَفْن أبِيه «فجَعَلْتُه فِي قَبرٍ عَلَى حدَةٍ» أَيْ مُنْفَرِداً وحْدَه.وأصلُها مِنَ الْوَاوِ فحُذِفَت مِنْ أَوَّلِهَا وعُوِّض مِنْهَا الْهَاءُ فِي آخِرِهَا، كعِدَةٍ وزِنَة مِنَ الْوَعْدِ والوزن، وإنما ذكرناها هنا لِأَجْلِ لَفْظِهَا.وَمِنْهُ حَدِيثُهُ الْآخَرُ «اجْعَلْ كلَّ نَوْعٍ مِنْ تَمْرِك عَلَى حِدَةٍ» .
|
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
الحَدَّةُ:
بالفتح ثم التشديد: حصن باليمن من أعمال الحبّيّة، وهي من أعمال حبّ. وحدّة أيضا: منزل بين جدّة ومكة من أرض تهامة في وسط الطريق، وهو واد فيه حصن ونخل وماء جار من عين، وهو موضع نزه طيب، والقدماء يسمونه حدّاء، بالمد، وقد ذكر. |
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
وَحِدة
من (و ح د) المنفردة بنفسها، والتي لا يعرف نسبها ولا أصلها. |
|
وَحْدَة
من (و ح د) الإنفراد، والإتحاد. |
موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب
موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب
|
مُحِدَّة
من (ح د د) مؤنث مُحِدّ. |
موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب
القاموس المحيط للفيروزآبادي
|
القَحَدَةُ، محرَّكةً: أصْلُ السَّنامِ،كالمَقْحَدَةِ، أو السَّنامُ، أو ما بينَ المَأْنَتَيْنِ منه، ج: قِحادٌ وأقْحُدٌ.وقَحَدَ، كمَنَعَ: صارَ له قَحَدَةٌ، أو عَظُمَتْ قَحَدَتُهُ.وناقَةٌ قَحْدَةٌ، بالفتح،ومِقْحادٌ: كَبيرَتُها، ج: مقاحيدُ.وواحِدٌ قاحِدٌ: إِتْباعٌ.وبنو قُحادَةَ، كثُمامَةٍ: قبيلَةٌ، منهم: أُمُّ يَزيدَ القُحادِيَّةُ، أحَدِ فُرْسانِ بني يَرْبوعٍ.وككَتَّانٍ: الفَرْدُ الذي لا أخَ له ولا ولَدَ.والقَمَحْدُوَةُ: رُباعِيَّةٌ.
|
|
حِدة: مصدر على زنة زنة وعدة تصريفها وحد يحد حِدة كوعد يعد عدَّة وَوزن يزن زنة والعوام بل بعض الْخَواص يقرؤون على حِدة بِالنّصب وَهُوَ غلط فَاحش لِأَن كلمة على حرف جر كَمَا أَن الْعَجز بِفَتْح الْعين وَالْمَشْهُور كَسره فافتح الْعين.
|
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الْوحدَة: وَكَذَا الْكَثْرَة بديهيتان بِمثل مَا قَالُوا فِي الْوُجُود فَإِن تصور الْوحدَة جُزْء من تصور وَحْدَتي المتصورة بِالضَّرُورَةِ. وَأَيْضًا يعلم كل وَاحِد أَنه وَاحِد بِلَا كسب مِنْهُ. وَقس عَلَيْهَا الْكَثْرَة وَلَكنهُمْ عرفوها توضيحا بِأَنَّهَا كَون الشَّيْء بِحَيْثُ لَا يَنْقَسِم من حَيْثُ إِنَّه وَاحِد وَالْكَثْرَة بِأَنَّهَا كَون الشَّيْء بِحَيْثُ يَنْقَسِم من حَيْثُ إِنَّه كثير.ثمَّ إِن الْوحدَة فِي الْوَصْف العرضي والذاتي تتغاير أسماؤها بتغاير الْمُضَاف إِلَيْهِ - فَإِن الْوحدَة فِي النَّوْع تسمى مماثلة وَفِي الْجِنْس مجانسة وَفِي الكيف مُسَاوَاة - وَفِي الْوَضع موازاة - وَفِي الْإِضَافَة مُنَاسبَة - وَفِي الْأَطْرَاف مُطَابقَة - وَعَلَيْك أَن تعلم أَن الْوحدَة وَكَذَا الْكَثْرَة من الْأُمُور المتكررة الْأَنْوَاع كَمَا مر فِي متكرر النَّوْع.
|
دستور العلماء للأحمد نكري
|
وحدة الْوُجُود: فِي الْوُجُود.
|
|
الوحدة: الانفراد، والواحد الذي لا ينقسم بوجه لا فرضا ولا وهما ولا فعلا، ولا بينه وبين غيره نسبة بوجه. والواحد في الحقيقة الذي لا جزء له البتة البتة ثم يطلق على كل شيء موجود حتى إنه ما من عدد إلا ويصح وصفه به، فيقال: عشرة واحدة، ومئة واحدة، فالواحد لفظ مشترك يشتمل على ستة أوجه، الأول: ما كان واحدا في الجنس كالإنسان والفرس، أو النوع كزيد وعمرو. الثاني: ما كان واحدا بالاتصال إما في الخلقة كقولك شخص واحد، وإما من حيث الصناعة كقولك حرفة واحدة. الثالث: ما كان واحدا لعدم نظيره في الخلقة كقولك الشهر واحد، أو في دعوى الفضيلة كفلان واحد دهره. الرابع: ما كان واحدا لامتناع التجزؤ فيه لصغره كالهباء أو لصلابته كالماس. الخامس: للمبدأ إما لمبدأ العدد كواحد اثنين أو لمبدأ الخط كالنقطة الواحدة والوحدة، في كلها عارضة، وإذا وصف تعالى بالواحد فمعناه الذي لا يصح عليه التجزؤ والتكثر، ولصعوبة هذه الوحدة قال: {{وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ}} الآية.
|
|
وِحْدَةالجذر: و ح د
مثال: وِحْدَة الرأي مهمةالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لأنها لم ترد في المعاجم بكسر الواو. الصواب والرتبة: -وَحْدَة الرأي مهمة [فصيحة] التعليق: الكلمة هنا اسم مرة من الاتحاد؛ فتضبط بفتح الواو على وزن فَعْلة، ولا يصح كسر الواو لأنها تحول الكلمة إلى اسم الهيئة، والسياق لا يلائم ذلك. |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
إِسْنَاد صيغة «افتعل» إلى جهة واحدةالأمثلة: 1 - اتَّصَلت بصديقي بالهاتف 2 - دَفَع بدل الاشْتِرَاك في الجريدةالرأي: مرفوضةالسبب: لإسناد صيغة «افتعل» إلى جهة واحدة.
الصواب والرتبة:1 - اتَّصلت بصديقي بالهاتف [فصيحة]2 - دفع بدل الاشتراك في الجريدة [فصيحة] التعليق: لا تدل صيغة «افتعل» دائمًا على التفاعل الدال على الاشتراك، فقد وردت كذلك دالة على الفعل من طرف واحد، كما في هذين المثالين. وقد أجاز مجمع اللغة المصري فيما يدل على الاشتراك أن يسند إلى جهة واحدة. |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
اسْتِعْمَال «افتعل» للدلالة على وقوع الفعل من جهة واحدة
مثال: اتَّصَلت بصديقي بالهاتفالرأي: مرفوضةالسبب: لإسناد صيغة «افتعل» إلى جهة واحدة. الصواب والرتبة: -اتَّصلت بصديقي بالهاتف [فصيحة] التعليق: (انظر: إسناد صيغة «افتعل» إلى جهة واحدة). |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
الخَلْط بين «لا» النافية للجنس، و «لا» النافية للوحدة
مثال: لا رَجُلَ في الدار بل رجلانالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لأن «لا» هنا تنفي الجنس. الصواب والرتبة: -لا رَجُلَ في الدار بل امرأة [فصيحة]-لا رَجُلٌ في الدار بل رجلان [فصيحة] التعليق: «لا» في الجملة الثانية نافية للجنس، فلا يجوز أن يعقب بعدها بإثبات شيء من جنس ما نُفي. أما في الجملة الأولى فهي النافية للوحدة فيجوز أن يكتب بعدها شيء من جنس ما نفي. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
أخبار الملحدة
رسالة. للحسين بن علي الفارسي. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
أنيس الوحدة، وجليس الخلوة
في المحاضرات. لمحمود بن محمود الحسن الكلستاني. مجلد. في: عشرين بابا. أوله: (الحمد لله على نعمائه... الخ). |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
الأنيس في الوحدة
للإمام، أبي حامد: محمد بن محمد الغزالي. المتوفى: سنة خمس وخمسمائة. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
باب الباء الموحدة
|
معجم مقاليد العلوم للسيوطي
|
الوحْدةُ: مَا بهَا يُقَال: لكل مَوْجُود وَاحِد.
|
معجم مقاليد العلوم للسيوطي
|
الحِدَّةُ والثِّقَلُ: كيفيتان مسموعتان تعرضان لبَعض الْأَصْوَات بِالْقِيَاسِ إِلَى آخر.
|
أبجد العلوم لصديق حسن خان
|
علم وحدة الوجود
قيل: إن بعض كلماتها خارجة عن طور العقل وظاهرها مخالف لتبادر النقل فصارت سببا بين الناسللفتنة خصوصا هذه المسئلة وبسببها يكفر بعض الناس بعضا وأمرها يورث بين الطوائف عداوة وبغضا بعض يقبلها ويرد مقابلها وبعض ينكرها ويكفر قائلها لكن الكثيرون في فهمها على ظن وتخمين وبمعزل عن تحقيق ما أرادوا منها على اليقين فلا يكون الرد والقبول مقبولا ولا لها غير التباغض والتحاسد محصولا وفيها تأليفات وتحريرات منها. رسالة المولوي الجامي ورسالة بدرا لدين زاده انتهى ما في كشف الظنون. وأقول: الحق في الباب ترك الخوض في هذه المسئلة وأمثالها مما لم تخض فيه الصحابة والتابعون ولم يدخل فيه سلف الأمة وأئمتها الصالحون ولم ينطق به الكتاب العزيز لا دلالة ولا إشارة ولم ترد به السنة المطهرة لا صراحة ولا كناية ولم يلهج به المحققون من أهل العلم المتقدمين والمتأخرين ولم يتمسك بذيله إلا أفراد من المتصوفين الذين ليسوا من أهل الدراسة ولا من مزاولة العلوم النبوية في شيء. فرحم الله امرأ اتبع ظاهر القرآن والحديث ولم يمل عن الصراط السوي وصان نفسه عن الوقوع في الألغاز والأحاجي ومن الغرق في بحار الضلالة والمناهي. وأحسن ما تكلم به أهل العلم من إقليم الهند في هذه المسئلة كلام الشيخ أحمد السهرندي المعروف بمجدد الألف الثاني رحمه الله ثم كلام الشاه ولي الله المحدث الدهلوي ثم كلام اتباع هؤلاء من العلماء الكملاء فإنه صفة الصفة وفيه صيانة الإيمان والاعتقاد عن طغيان الهوى والفساد وبالله التوفيق. |
المخصص
|
أَبُو عبيد ضَرَبَه ضَرْبَةً فَخَفأه صَرَعه أَبُو زيد جَفَأه وَخَفأه خَفْأ بِالْخَاءِ وَالْجِيم أَبُو عبيد جَحَلَه وجَعَفَه جَعْفاً فانْجَعَفَ وتَجَعَّفَ صَاحب الْعين ضَرَبَه فَقَحْطَبه كَذَلِك ابْن السّكيت ذَلِك كلُّه أَن يَطْعَنَه فيَقْلَعَهُ من الأَصْل وَكَذَلِكَ قَعَرَه أَبُو عبيد ضَرَبَه ضَرْبَةً فَجَأفَه وكَوَّرَه وجَفَلَه وجَعْفَلَه وقَحْزَنَه وجَحْدَلَهُ كلُّه صَرَعَه ابْن دُرَيْد الجَحْمَلَمَة كالجَحْدَلَة وَأنْشد
(وغَادَرُوا مُلُوكَهم مُجَحْلَمَة ... ) أَبُو عبيد جَزَّرَه صَرَعه وَقد تجوَّر مِنْهَا وتصوَّرَ سقَط والآيِهاطُ أَن يَصْرَعَهُ صَرْعة لَا يقوم مِنْهَا وَقَالَ ضَرَبَه فَوَقَطَه صَرَعَه أَبُو زيد رجُل مَوْقُوط وَوَقِيط وَكَذَلِكَ الأْنَثَى بِغَيْر هَاء وَالْجمع وَقْطَى وَوَقَاطَى صَاحب الْعين وَقَطْتَهُ إِذا قَلَبته على رأسِه ورفَعْت رجلَيْه مجمُوعَتَين وضَرَبْتَهُما بغهْرٍ سَبْعَ مَرَّات وَذَلِكَ مِمَّا يُتَدَاوى بِهِ ابْن دُرَيْد ضَرَبَه فَاقَطَه ووَقَذَه غُشِيَ عَلَيْهِ أَبُو عبيد قَرْطَبَه صَرَعَه ابْن دُرَيْد القَرْطَبَة أَن يَزْلَق الرجُلُ فيَقَع على فَقَار ظَهْرِه أَبُو عبيد قَطَّره أَلْقاه على أحدِ قُطْريْه ابْن دُرَيْد تَقَطَّر هُوَ رَمَى بنفْسه من عُلُو أَبُو عبيد أَتْكَأَه ألْقاه على هَيْئَة المتَّكِىء قَالَ سِيبَوَيْهٍ أَتْكَأَه ألْقاه على جَنْبه الأيْسَر التَّاء مُبْدَلَة من الْوَاو أَبُو عبيد نَكَتَه ألْقاه على رأسِهِ ووقَع مُنْتَكِئاً وَقَالَ سَنّه ألْقاه على وَجْهه صَاحب الْعين الكَيْت صَرْع الشَّيْء على وَجْهه كَبَتَهم الله فانْكَبَتُوا وَقَالَ بَطَحه يَبْطَحه بَسَطَه ابْن السّكيت طَعَنه فَبَطَحَهُ إِذا وقَعَ لوَجْهِه أَبُو عبيد فَإِن امَتدَّ قَالَ طَحَا مِنْهَا وَأنْشد (من الأَنس الطَّاحي عليكَ العَرَمْرَم ... ) وَمِنْه قيل طَحَابَه قَلْبُه أَي ذَهَبَ بِهِ فِي كلَّ شيءِ الأصمعين يَطْحَى طَحْياً وَطحْواً ابْن دُرَيْد ضربه حَتَّى طَحَّى أَي انْبَسَط والطَّحُّ البَسْط طَحَّه يَطُحُّه طَحَّا وانْطَحَّ صَاحب الْعين الطَّحُّ أَن تَضَعَ عَقِبَكَ على شيءٍ فَتَسْحَجَه غَيره ضربه حَتَّى افْعَنْصَرأي تَقَاصَر إِلَى الأَرْض وَقَالَ ضَرَبه فَهَدَر سَحْره أَي أَسْقَطَه ابْن دُرَيْد تَلَلْته أَتُلُّه تَلاَّ صَرَعْتُه وقومُ تَلَّى وكلَّ شَيْء ألْقَيْتَه على الأَرْض مِمَّا لَهُ جُهَّة فقد تَلَلْته أَبُو عبيد أَسْبَطَ امتَدَّ وانْبَسَطَ من الضَّرْب ابْن دُرَيْد ضَرَبْتُه حَتَّى أَنْهَج وانْسَدَح وانْسَدَخ أَي انْبَسَطَ وألْقَى نَفْسَه أَبُو عبيد تَدَرْدَى تَدَهْدَى ابْن السّكيت طَعَنَهُ فأذْراه عَن ظَهْرِ فَرَسِه وأَرْماه أَي ألْقَاه ابْن دُرَيْد طَعَنه فأنَثَره ألْقاه على نَثْرته وطَعَنَه فَعَفَّره أَي ألْقاه على عَفَر الأَرْض وَعَفْرها وَهُوَ ظاهِرُ تُرَابِها وَقَالَ كَوَّسته على رأسِه قَلَبْتُه وكاسَ هُوَ وَيُقَال ضربَه حَتَّى بَلْطَحَ أَي ضربَ بنَفْسِه الأرضَ وَقَالَ ضَربه فَسَقْلبه اي صَرَعه ابْن الْأَعرَابِي كَرْدَحَه وكَرْتَحَه كَذَلِك ابْن دُرَيْد ضرَبهُ فتَرَهْوك وَتَسَهْوَكَ أيتَدَحَرَجَ ويه السَّهْوَكَة والرَّهْوَكة ابْن السّكيت طعنه فَسَلَقه اي ألْقاه على ظَهره السيرافي سَلْقاه كَذَلِك وَقد اسْلَنْقَى هُوَ وضرَبهُ فَقَعره أَي صَرَعَه أَبُو عبيد ضربه فَقَعره أَي صَرَعه أَبُو عبيد ضربه فَجَعَبه صَرَعَه السيرافي يَجْعَبه جَعْباً وجَعَّبَهُ وجَعْبَاه وَتَجَعَّبَ وتَجَعْبَى وَبِهَذَا حَكَمَ سِيبَوَيْهٍ أَن الْيَاء فِي جَعْبيته زَائِدَة صَاحب الْعين سَطَحه يَسْطَحُه سَطْحاً أضجعه فبسطه على الأَرْض ورجُل مَسْطُوح وسَطِيح قَتِيل ابْن دُرَيْد ضَرَبه فاجْلَخَبَّ سَقَط أَبُو عبيد أخذْتُه فَحَضَجْتُ بِهِ الأرضَ أَي ضَرَبْتُ وَقد انْحَضَجَ هُوَ كَذَلِك لَطَخْتُ بِهِ ألْطَح وَحَلأَت وَقد تقدم ذَلِك فِي الضَّرْب بالسَّوْط وَقَالَ ضَفَنْت بِهِ الأرضَ ووَأَصْت ومَحَصْت وَوَجَنْت ومَرَّنت ضَرَبْتُها بِهِ أَبُو زيد مَرَئْت بِهِ الأَرْض كَذَلِك ابْن دُرَيْد أخَذَه فَفَرْدَسَه ضَرَب بِهِ الأرضَ وَقَالَ جَفَأْت بِهِ الأَرْض كَذَلِك صَاحب الْعين أجْفَأْت بِهِ الأرضَ إِذا دَفَعْته وطَرَحْته وأجْفَأْته احتَمَلْته وضربتُ بِهِ الأرضَ أَبُو زيد لَحَب بِهِ الأرضَ أَي صَرَعه وحَطَأها بِهِ حَطْأ كَذَلِك الْكسَائي لَهَطْت بِهِ الأرضَ ضَرَبْتُها بِهِ وَوَهَصَه ضَرَب بِهِ الأرضَ وَفِي الحَدِيث أَن آدَمَ عَليه السَّلَام حِينَ أُهْبِطَ من الجَنَّةِ وَهَصَه اللَّهُ إِلَى الأرضِ أَبُو عبيد حَدَست بالناقةِ أَحْدِسُها حَدْساً أنَخْتها صَاحب الْعين جَلَدت بِهِ الأرضَ ضَرَبْتُها بِهِ وَقَالَ لَبَط بِهِ الأرضَ يَلْبِط لَبْطاً صَرَعه صَرْعاَ عَنِيفاً |
الإصابة في تمييز الصحابة
الإصابة في تمييز الصحابة
الإصابة في تمييز الصحابة
الإصابة في تمييز الصحابة
الإصابة في تمييز الصحابة
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الوحدة اليهودية
Jewish Unity «الوحدة اليهودية» عبارة تفترض أن ثمة وحدة تربط بين أعضاء الجماعات اليهودية كافة في كل زمان ومكان، وأن هذه الوحدة تتمثل في وحدة الهوية والشخصية والسلوك، وفي أشكال مختلفة من التضامن، وفي نهاية الأمر في القومية اليهودية وفي الشعب اليهودي الواحد ذي الهوية الواحدة المستمرة وكذلك في التاريخ اليهودي الواحد. ويذهب البعض إلى القول بوجود عرْق يهودي واحد. وينتهي هذا الافتراض إلى أن اليهود حافظوا على هذه الوحدة منذ خروجهم من مصر الفرعونية حتى يومنا هذا. وقد فُسِّر مصدر هذه الوحدة تفسيرات عدة، فالصهاينة الدينيون يرون أن مصدر الوحدة هو حلول الروح الإلهية أو الشخيناه وكمونها في الشعب اليهودي، فهي تَقطُن وسطهم، وهي التي تُحوِّلهم إلى شعب من الكهنة والقديسين، بينما يرى الصهاينة اللادينيون أن مصدر وحدة اليهود هو الجوهر اليهودي الكامن في كل اليهود، أو هو نزعة معاداة اليهود في مجتمعات الأغيار، أو تَميُّز اليهود وظيفياً واضطرارهم إلى الاضطلاع بدور الجماعة الوظيفية الوسيطة وبالأعمال التجارية والربوية. ويميل الخطاب الصهيوني في الوقت الحاضر إلى تأكيد أن هذه الوحدة هي تعبير عن تَطلُّع قومي في حالة اللادينيين، وعن تَطلُّع قومي ديني في حالة الدينيين. ولكن النموذج الصهيوني الاختزالي يختلف عن بنية الواقع التاريخي المُركَّب المتعيِّن لأعضاء الجماعات اليهودية، وهو واقع لا يتسم بالوحدة. فمن الناحية الدينية، تأخذ اليهودية شكل تكوين جيولوجي تراكمي غير متجانس تتعايش فيه العناصر المختلفة جنباً إلى جنب أحياناًً وتتفجر أحياناًً أخرى. وقد حدثت تَفجُّرات وانقسامات كثيرة من البداية، من أهمها ما كان يحدث داخل المملكتين العبرانيتين (المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية) من صراع بين عبادة يهوه وعبادة بعل، وصراع بين عبادة مملكة الشمال وعبادة مملكة الجنوب. وعند عودة بعض اليهود من بابل إلى فلسطين، حدث انقسام حاد بينهم وبين اليهود المقيمين الذين جاء منهم فريق السامريين. وقد انقسم اليهود دينياً بعد ذلك إلى صدوقيين وفريسيين وأسينيين، ثم ظهر الاحتجاج القرّائي على اليهودية الحاخامية، كما ظهرت الحركات المشيحانية المختلفة (وآخرها الحركة الحسيدية) ، وهي حركات احتجاج ضد المؤسسة الحاخامية تنفي مفهوم الوحدة تماماًً. كما انفصلت بعض الجماعات اليهودية مثل الفلاشاه ويهود الهند عن اليهودية الحاخامية، وأصبح لها صيغ يهودية مختلفة جوهرياً عن الصيغة الحاخامية. وفي العصر الحديث، انقسمت اليهودية إلى فرق: اليهودية الإصلاحية، واليهودية المحافظة، واليهودية التجديدية، واليهودية الأرثوذكسية، واليهودية الأرثوذكسية الجديدة. وهناك، بطبيعة الحال، الانقسام بين الإشكناز والسفارد على المستوى الديني. وكثير من هذه الفرق قد تُكفِّر بعضها البعض وقد تجد أن الانقسام من الحدة بحيث تُقاطع الواحدة منها الأخرى، وهو ما يجعل الحديث عن الوحدة اليهودية أمراً صعباً. ومما زاد من تعميق هذا التفتت، غياب سلطة مركزية يهودية جماعية، دينية أو دنيوية، تُحدِّد المعايير لأعضاء الجماعات اليهودية. والخاصية الجيولوجية التراكمية نفسها تسم أعضاء الجماعات اليهودية وهوياتهم المختلفة. فحتى قبل دخول العبرانيين إلى مصر، يُحدِّثنا العهد القديم عن الخلاف بين يوسف وأعضاء أسرته. كما أن القبائل العبرانية تشترك جميعها في الثورة ضد الفلستيين وأعداء العبرانيين الآخرين إبَّان حكم القضاة. وقد اندلعت الثورات الأهلية داخل مملكة داود وسليمان، ووصل التوتر إلى درجة عالية داخل المملكة المتحدة، فانحلت بعد موت سليمان وانقسمت إلى مملكتين تتصارعان معاً. واستعانت المملكة الجنوبية بآشور ضد المملكة الشمالية، الأمر الذي أدَّى إلى تَدخُّل هذه القوة العظمى، فقامت بتدمير المملكة الشمالية تماماًً وتهجير نخبتها الحاكمة. وقد حقق اليهود قدراً من الوحدة والاستقرار حينما سيطرت الدولة الفارسية على الشرق الأدنى القديم، حيث كانت كل التجمعات اليهودية تحت هيمنتها. وقد انتهت هذه الوحدة المؤقتة بانحسار نفوذ هذه الإمبراطورية بعد غزو الإسكندر لكلٍّ من مصر وسوريا وفلسطين وغيرها من المناطق. وقد كانت الخصومات بين بعض قطاعات اليهود تتطور إلى حروب أهلية طاحنة يقتتل فيها اليهود ويتعرضون للإبادة الجسدية على أيدي بعضهم البعض كما حدث في العام الرابع الميلادي في عهد أرخيلاوس ابن هيرود الذي أباد ثلاثة آلاف يهودي، أو كما حدث في تَمرُّد عام 70م حين قتل المتطرفون من اليهود اثنى عشر ألف يهودي من الأثرياء. وقد كان هناك، إلى جانب تيتوس، جيش يهودي تحت قيادة أجريبا الثاني يحارب ضد المتمردين اليهود. وفي العصور الوسطى، كان لسكان أي جيتو في أوربا حق تحريم استيطان اليهود الآخرين فيه (حيرىم هايشوف) ، وهو حق كانت تمارسه كل الجيتوات. وكان الصراع بين أعضاء الجماعات اليهودية واضحاً في أوربا في القرن السابع عشر. أما في الدولة العثمانية، فكان لكل مجموعة يهودية معبدها اليهودي وحاخامها الخاص، وكانت كل مجموعة يهودية تستعدي السلطة على المجموعة الأخرى. وعندما هاجر يهود اليديشية إلى الولايات المتحدة، ناصبهم اليهود ذوو الأصل الألماني العداء. وكان هؤلاء قد لاقوا رفضاً من جانب اليهود السفارد الذين سبقوهم. غير أن الولايات المتحدة قامت بصهرهم ضمن من صهرتهم من مهاجرين، فحققوا شيئاً من الوحدة والتماسك لا بوصفهم يهوداً بشكل عام وإنما بوصفهم يهوداً أمريكيين تحولوا بالتدريج إلى أمريكيين يهود. وقد تكررت الظاهرة في أمريكا اللاتينية. ولكن نظراً لأن الحضارة الكاثوليكية هناك لم تقم بصهر أعضاء الجماعات اليهودية الذين هاجروا إلىها، فقد احتفظوا بخاصية عدم التجانس، وقامت كل جماعة يهودية تنتمي إلى هذا البلد أو ذاك بتنظيم نفسها بشكل مستقل. فنجد أن المكسيك تضم عشرات التنظيمات اليهودية، من بينها تنظيمان ليهود سوريا: واحد للدمشقيين والآخر للحلبيين. والمعركة الدائرة بين اليهود الأرثوذكس واليهود غير الأرثوذكس حول تعريف اليهودي، داخل وخارج إسرائيل، أصبحت معركة أساسية تفوق في أهميتها الصراع بين الإشكناز والسفارد. ويمكننا أن نقول إن أعضاء الجماعات اليهودية لم يحققوا وحدة عامة شاملة إلا حينما كانوا جماعة عرْقية أو إثنية دينية متماسكة (عبرانيين) . ولكنهم، حتى في تلك الآونة، كانت تُمزِّقهم الخلافات السياسية، وأحياناًً الثقافية والدينية. ومع انتشار الجماعات اليهودية، لم تَعُد الخلافات مجرد خلافات سياسية، وإنما أصبحت خلافات حضارية قومية عميقة. وقد حققت بعض الجماعات اليهودية وحدة «قومية» داخل التشكيلات الحضارية المختلفة، كما حدث ليهود شرق أوربا من يهود اليديشية، ويهود الولايات المتحدة. ولكن أية وحدة بين هؤلاء هي وحدة يتمتعون بها داخل التشكيل القومي الذي ينتمون إلىه، ومن خلاله وبسببه، لا من خارجه ورغماً عنه. كما أنها، من ناحية أخرى، لا ترقى ألبتة إلى مستوى الوحدة اليهودية العالمية الشاملة. وقد تمتع أعضاء الجماعات اليهودية في الحضارة الغربية، منذ العصور الوسطى، بشكل من أشكال الوحدة، وذلك من خلال علاقاتهم كجماعات وظيفية وسيطة تشكل ما يشبه النظام الائتماني العالمي ومن مصلحتهم الحفاظ على هذه العلاقات. ورغم أنها بدت كما لو كانت وحدة قومية، فقد كانت علاقات مالية فحسب، إذ أن كل جماعة وظيفية يهودية كانت مرتبطة، في نهاية الأمر، بالمجتمع الذي تنتمي إلىه وتتفاعل معه وتستمد هويتها منه. ولكن الصهاينة يؤكدون، مع هذا، أن هناك وحدة أزلية لليهود، ويَخلُصون من هذا إلى أن الدولة الصهيونية في فلسطين أمر منطقي بل وحتمي. الاستقلال اليهودي Jewish Independence «الاستقلال اليهودي» عبارة تفترض أن لليهود شخصيتهم اليهودية المستقلة وتاريخهم اليهودي المستقل عن تواريخ الأغيار. وتشير الأدبيات الصهيونية إلى مؤسسات الإدارة الذاتية، مثل القهال ومجلس البلاد الأربعة، باعتبارها مؤسسات الحكم الذاتي، كما تشير إلى اللهجات التي يتحدث بها أعضاء الجماعات اليهودية باعتبارها لغات اليهود. وتستند كل من العقيدة الصهيونية ونزعة معاداة اليهود إلى المفهوم الواحد نفسه، فيتحدث أعداء اليهود عن حب اليهود للعزلة ورفضهم الاندماج وتفضيلهم الجيتو على الحياة مع الأغيار، بل ويتحدثون عن سمات جوهرية داخل الطبيعة البشرية اليهودية تجعلهم مستقلين عن باقي البشر ومختلفين عنهم. ومن المفارقات أن القبَّالاه اللوريانية تذهب إلى درجة من التطرف حيث تطرح تصوراً لليهود باعتبارهم قد خُلقوا من عجينة مغايرة لتلك التي خُلق منها الأغيار، وهذا يتناقض مع قصة الخلق في العهد القديم. وغني عن القول أنه لا يوجد استقلال يهودي، إذ تدل القرائن التاريخية على أن أعضاء الجماعات اليهودية اندمجوا وانصهروا في مجتمعاتهم، وأن ما يتمتع به أعضاء الجماعات اليهودية من استقلال أو انفصال نسبي عن مجتمع الأغلبية لا يختلف بأية حال عما يتمتع به أعضاء أية أقلية دينية أو إثنية في أي مجتمع، وخصوصاً في المجتمعات التقليدية. ويعود شيوع مفهوم مثل مفهوم استقلال اليهود إلى اضطلاع أعضاء الجماعات اليهودية في كثير من المجتمعات، خصوصاً في العالم الغربي، بوظيفة الجماعة الوظيفية التي يعيش أعضاؤها في عزلة عن بقية أعضاء المجتمع. ونحن نرى أن استخدام مصطلح كمصطلح «اليهود» يؤكد مثل هذا الاستقلال، وقد يشي بدرجة من الوحدة والتجانس لم يتمتع بهما اليهود قط. ولذا، فإننا نؤثر استخدام مصطلح مثل «الجماعات اليهودية» لأنه يؤكد التنوع وعدم التجانس والانفصال ولا ينفي في الوقت نفسه ذلك القدر من الوحدة والتجانس. الوعي اليهودي Jewish Consciousness «الوعي اليهودي» عبارة تفترض أن ثمة هوية يهودية محدَّدة وشخصية يهودية لها خصوصية يهودية وتاريخاً وتراثاً مستقلين عن تاريخ وتراث الشعوب، بل وتفترض أن ثمة جوهراً يهودياً وطبيعة يهودية. ويرى المعادون لأعضاء الجماعات اليهودية أن اليهود يتمتعون بوعي عميق لخصائصهم اليهودية هذه، وأن هذا الوعي يتبدى في دفاعهم عن مصالحهم اليهودية، وفي انعزالهم داخل الجيتو، وفي نهاية الأمر في المؤامرة اليهودية الكبرى (وهي المؤامرة التي يقول البعض إن اليهود يحيكونها ضد الأغيار في كل زمان ومكان) . ومثل هذه النظرة تتجاهل عدم تجانس الجماعات اليهودية، وخاصيتها الأساسية كتركيبة جيولوجية، وانفصالها الواحدة عن الأخرى عبر التاريخ. كما تتجاهل الصراعات الحادة التي نشبت بين هذه الجماعات، لا بسبب اختلاف المصالح وحسب وإنما بسبب اختلاف الهوية والرؤية. وفي الحقيقة، فإن الصراع بين السفارد والإشكناز، ذلك الصراع الممتد منذ القرن السابع عشر حتى الوقت الحاضر، هو تعبير عن هذا الاختلاف الذي يجعل من مقولة الوعي اليهودي الواحد أمراً محالاً. لكن الصهيونية تؤمن بأن اليهود شعب واحد، ومن ثم فلابد أن يُقوَّى الوعي اليهودي للمحافظة على وحدة هذا الشعب وعلى هويته. ومن المفارقات أنه، بعد إنشاء الدولة الصهيونية، اتضح تهافت ما يُسمَّى «الهوية اليهودية» وانقسامها إلى عشرات الهويات، كما اتضح أن أبناء المستوطنين الصهاينة من جيل الصابرا لهم هوية جديدة مختلفة عن هوية أعضاء الجماعات الموجودين في العالم، بل ويُكِّن الكثير منهم الاحتقار ليهود المنفى، أي معظم يهود العالم. ومن ثم، فقد أُدخلت مادة الوعي اليهودي في مقررات الدراسة في المدارس الإسرائيلية. ويؤكد المقرر الجوانب الإيجابية لوجود اليهود على هيئة جماعات منتشرة في العالم، ويمجِّد إنجازاتهم الحضارية، وهو ما يعطي صورة إيجابية لحياتهم في المنفى، أي في أنحاء العالم خارج فلسطين. ولكن هذا التمجيد يتنافى مع العقيدة الصهيونية التي تصدر عن الإيمان بأن حياة اليهود خارج فلسطين إن هي إلا انحراف عما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» . ومن ثم، فإن مثل هذه الرؤية لا تزيد ألبتة من الوعي اليهودي الأحادي. ولكن، إن تم التركيز على الجوانب السلبية وحدها، وُصوِّر تاريخ الجماعات على أنه تاريخ هجمات ومذابح، كما تفعل بعض كتب التاريخ الصهيونية (وهو ما سميناه «التأريخ من خلال الكوارث» ) ، فإن هذا سيقلل من احترام الأجيال الصاعدة ليهود العالم، وبالتالي سيقوض دعائم الوعي اليهودي. ولذا، فإن هناك اتجاهاً الآن للتأكيد على عنصر المقاومة بين يهود المنفى. واليهود، حسب هذه الرؤية، كانوا دائماً معرضين للاندماج، ولكنهم تصدوا له فأبدعوا وأبقوا على جوهرهم اليهودي. وعندما تعرضوا للمذابح، ثاروا ضد من قاموا بذبحهم، ومن هنا التأكيد على أهمية التمرد الحشموني والأحداث المماثلة في التاريخ اليهودي مثل: التمرد اليهودي الأول، والتمرد اليهودي الثاني ضد الرومان، وتمرد جيتو وارسو. بل ويصبح تاريخ الصهيونية هو تاريخ هذا الوعي اليهودي وتاريخ تلك المقاومة المستمرة. ويشكو اليهود السفارد والشرقيون من أن مادة الوعي اليهودي تركز على إسهامات اليهود الإشكناز وحدهم ولا تؤكد على إسهاماتهم الحضارية. عدم الانتماء اليهودي Jewish Rootlessness «عدم الانتماء اليهودي» عبارة تفترض وجود انتماء يهودي مستقل للجماعة اليهودية يتبدَّى في شكل ولاء كامل للشعب اليهودي وعدم انتماء للشعوب أو الأوطان الأخرى. ونحن نرى أنه إن كان ثمة انتماء يهودي فهو انتماء إلى العقيدة أو العقائد اليهودية، إذ لا يوجد تراث أو ماضٍ يهودي مشترك، فماضي أو تاريخ كل جماعة يهودية هو ماض أو تاريخ المجتمع الذي توجد فيه. ومن الإشكاليات الأساسية التي تُثار في الأدبيات الغربية (اليهودية وغير اليهودية) إشكالية الانتماء اليهودي. وقد طُرح السؤال منذ البداية كما يلي: هل ينتمي اليهودي إلى الجنس البشري ككل أم إلى الشعب اليهودي المختار أو (المقدَّس) ؟ وهل الخالق هو إله اليهود وحدهم (كما يتصور بعض اليهود) أم إله العالمين؟ والإجابة القاطعة عن هذا السؤال داخل النسق الديني اليهودي غير ممكنة؛ فهناك من القرائن ما يؤيد النزعة العالمية والانتماء إلى الجنس البشري، وهناك من القرائن ما يساند الرأي المناقض. ففي تراث القبَّالاه، أصبح التمييز بين الشعب اليهودي والأغيار حاداً إلى أقصى درجة، حتى أن القبَّاليين ذهبوا إلى أن اليهود قد خُلقوا من طينة مختلفة عن تلك التي خُلق منها بقية البشر وإلى أن الأغيار خُلقوا على شكل الإنسان حتى يمكنهم القيام بخدمة اليهود. وفي فكر الاستنارة، وفي اليهودية الإصلاحية، بل وفي التلمود ذاته، ما يناقض هذا الموقف، وذلك بالتأكيد على الانتماء الإنساني العالمي لليهود. ولكن الانتماء اليهودي قضية ترتبط بالدور الذي لعبته الجماعات اليهودية في كثير من المجتمعات، خصوصاً المجتمعات الغربية، كجماعة وظيفية وسيطة. بيد أن أية جماعة وظيفية وسيطة داخل أي مجتمع لا تنتمي إليه، وإنما تنتمي عاطفياً إلى الوطن الأصلي (الوهمي أو الفعلي) ، كما تنتمي فعلياً إلى الطبقة الحاكمة فهي أداتها وسوط العذاب في يدها. وقد نَجَم عن ذلك الوضع ابتعاد الجماعة اليهودية عن الجماهير الشعبية وهامشيتها بالنسبة إلى الحركات الجماهيرية الكبرى. ويرى ماكس فيبر، على سبيل المثال، أن الرأسمالية اليهودية رأسمالية منبوذة لم تساهم في نمو الرأسمالية الرشيدة، كما أن الفكر الاشتراكي الغربي كان يرى أن انتماء اليهودي هو انتماء إلى رأسماله وحسب. وقد عبَّرنا عن هذه الإشكالية بمصطلح «الشعب العضوي المنبوذ» . والواقع أن قضية الانتماء طُرحت بحدة مع ظهور الدولة القومية المركزية التي حاولت توحيد السوق وتوحيد الأمة حسب نموذج ثقافي أحادي موحَّد يستبعد الجيوب القومية الإثنية الأخرى، ويتطلب انتماءً كاملاً من المواطن. وقد نجح كثير من أعضاء الجماعات اليهودية في تحديد انتمائهم القومي بالاندماج في محيطهم الثقافي. ويرى الدارسون أن تَصاعُد معدلات العلمنة في العالم الغربي سيؤدي إلى ضعف الانتماء الديني للجماعات اليهودية، وهو أمر تساهم الصهيونية في خلقه طارحةً نفسها كعقيدة علمانية تحل محل العقيدة الدينية. وقد أكد الصهاينة والنازيون عدم انتماء أعضاء الجماعات اليهودية إلى التشكيلات الحضارية أو القومية التي يتواجدون فيها مفترضين أن ثمة انتماءً يهودياً خالصاً. وأكد البرنامج السياسي الصهيوني وجود مثل هذا الانتماء. ولكن السلوك الفعلي ليهود أمريكا، على سبيل المثال، يبين أنهم ينتمون إلى وطنهم الأمريكي، ومن ثم لا يهاجر منهم إلى إسرائيل إلا نسبة ضئيلة جداً. وكذلك، فإن انتماء يهود الاتحاد السوفيتي (سابقاً) كان انتماءً إلى مصالحهم الاقتصادية أو السياسية. ولذلك، فإنهم يحاولون الهجرة إلى الولايات المتحدة ولا يتوجهون إلى إسرائيل إلا عند الاضطرار. كما أن تَفجُّر قضية الهوية داخل إسرائيل يبين أن لليهود انتماءات مختلفة وليس انتماءً يهودياً واحداً. وترتبط قضية ازدواج الولاء بقضية الانتماء اليهودي، إذ أن من يؤمن بأن اليهود لا انتماء لهم لابد أن ينظر إلى اليهود بعين الشك ويرى أن ولاءهم لأوطانهم أمر مستحيل، أو يرى على الأقل حتمية ازدواج هذا الولاء، باعتبار أن ولاءهم اليهودي شيء راسخ متأصل. ويحاول الصهاينة في الوقت الحاضر أن يُعرِّفوا انتماء اليهود تعريفاً جديداً يتفق مع واقعهم كجماعات تعيش خارج فلسطين وترفض الهجرة. ومن ثم، أصبح الانتماء السياسي والاقتصادي لليهودي إلى وطنه الفعلي، أما انتماؤه الديني والثقافي فلوطنه المثالي أو الوهمي، أي الدولة الصهيونية. وبهذا، لا تصبح الترجمة العملية للبرنامج الصهيوني الهجرة إلى فلسطين المحتلة وإنما تعميق الأبعاد اليهودية الإثنية للهوية، وهو ما يُسمَّى «صهيونية الدياسبورا» أو «الصهيونية الإثنية» . الولاء اليهودي المزدوج Jewish Double Loyality «الولاء اليهودي المزدوج» مصطلح يستخدمه المعادون لليهود والصهاينة الذين ينطلقون من الإيمان بأن اليهود لا يدينون بالولاء إلا لوطنهم القومي ومصالحهم اليهودية، لأنهم لا جذور لهم في مجتمعاتهم ولا ينتمون إليها انتماءً حقيقياً، فاليهود شعب عضوي مرتبط بأرضه. لذلك فهم دائماً موزعو الولاء، يمارسون إحساساً عميقاً بازدواج الولاء. وقد أكد الزعماء والمفكرون النازيون أثناء محاكمات نورمبرج، الواحد تلو الآخر، أنهم تَعرَّفوا إلى اليهود واليهودية والمسألة اليهودية من خلال الكتابات الصهيونية التي تتحدث عن عدم انتماء اليهود إلى أوطانهم الواقعية وعدم ولائهم لها. وتنطلق التشريعات النازية من هذا الفهم، ومن تَصوُّر أن اليهود لا ينتمون إلى الوطن القومي الألماني، إذ أن لكل شعب عضوي وطنه! وفي الوقت الحاضر، يشير أعداء اليهود إلى قرائن عدة تدل على عدم انتماء اليهود مثل كمية الأموال التي تُرسل إلى إسرائيل من أعضاء الجماعات اليهودية في العالم وتحديد هذه الجماعات اليهودية لمواقفها السياسية بطريقة تتفق ومصالح إسرائيل، ووقوف كثير من المفكرين اليهود الليبراليين والثوريين ضد حرب فرنسا في الجزائر وحرب الولايات المتحدة في فيتنام في الوقت الذي يؤيدون فيه إسرائيل في حروبها العدوانية ضد العرب. ولا يمكن الحديث عن ولاء يهودي محدد ومطلق، فولاء أعضاء الجماعات اليهودية يتحدد بحسب مركب تاريخي طبقي إنساني أخلاقي، كما لا يمكن تحديد كيفية تصرف أعضاء الجماعات اليهودية مسبقاً، وكأنهم كائنات بسيطة تعيش بمعزل عن التاريخ الإنساني. وتدل تواريخ أعضاء الجماعات اليهودية على أن ازدواج الولاء ليس سمة أساسية أو لصيقة بهم، وعلى أنهم في كثير من الأحيان أخلصوا لأوطانهم (التي يعيشون في كنفها) وانتموا إليها انتماءً كاملاً واندمجوا فيها، وتمثلوا قيمها واستبطنوها تماماً. ومنذ أيام التهجير البابلي، حيث ظهرت أول جماعة يهودية خارج فلسطين، طوَّرت الشريعة اليهودية مفهوم «شريعة الدولة هي الشريعة» ، الأمر الذي يحدد ولاء أعضاء الجماعة بشكل صارم باعتبارهم جماعة بشرية لا تدين بالولاء إلا لقوانين الدولة التي يعيشون في كنفها. وقد التزم معظم أعضاء الجماعات اليهودية بهذا المفهوم عبر التاريخ الإنساني، شأنهم في هذا شأن كثير من البشر من أعضاء الأقليات والأغلبية. وعلى كل حال، لم يكن هناك احتمال لازدواج الولاء لعدم وجود حكومة أو دولة يهودية يدين لها اليهودي بالولاء. وبتحول أعضاء الجماعات اليهودية إلى جماعة وظيفية وسيطة داخل التشكيل الحضاري الغربي، منذ العصور الوسطى وحتى الثورة الفرنسية، توجه ولاء اليهودي إلى جماعته أساساً، ثم إلى الطبقة الحاكمة التي تحمي هذه الجماعة وتضمن بقاءها. وهذه سمة أساسية تسم مثل هذه الجماعات وليست مقصورة على الجماعات الوظيفية اليهودية، فنجد أن الصينيين في الفلبين، والعرب في بعض البلاد الأفريقية وإندونيسيا، يندرجون تحت هذا النمط. وعلى كلٍّ، لم تكن مفاهيم الوطن (والولاء القومي له) واضحة أو متبلورة حتى نهايات القرن الثامن عشر وظهور الفكر القومي. وقد طُرحت قضية الولاء في عصر التنوير في أوربا، حينما وُصف اليهود بأنهم «دولة داخل دولة» بسبب خصوصيتهم وانعزاليتهم الحقيقية أو الوهمية، وقد طُلب إلى أعضاء الجماعات اليهودية، وكذلك إلى الأقليات الإثنية والدينية كافة، أن يدينوا بالولاء للدولة القومية وحدها وأن يرفضوا أية ولاءات أخرى. وبالفعل، كان اليهود من أكثر العناصر ترحيباً بهذه الدعوة، فاندمجوا في مجتمعاتهم بنسبة عالية كلما سنحت لهم الفرصة. ولم يُعرْقل هذه العملية سوى تَعثُّر التحديث سواء في روسيا أو في ألمانيا، وهي المجتمعات التي طرحت تصوراً عضوياً لفكرة الولاء. وفي العصر الحديث، يشعر يهود الولايات المتحدة بالولاء العميق لبلدهم أمريكا، فهم ينتمون إليه انتماءً كاملاً ويحاربون ويموتون دفاعاً عنه، ومصيرهم مرتبط بمصيره. وحينما يشكك الدعاة الصهاينة في هذا الولاء، فإن أعضاء الجماعات اليهودية يثورون. ويتضح ولاؤهم أيضاً في رفضهم الهجرة إلى إسرائيل وفي اندماجهم في مجتمعاتهم. أما يهود جنوب أفريقيا، فهم لا يشعرون بالولاء تجاه وطنهم لأن وضعهم في بلادهم مقلقل، وبالتالي فقد يكون ولاؤهم غير راسخ، ولذا فهم يفكرون في الهجرة منها. ولكن عدم ولائهم لا ينبع من مصالحهم اليهودية أو من جوهرهم أو طبيعتهم أو شخصيتهم، وإنما ينبع من أن المستوطن الأبيض في جنوب أفريقيا قد بدأ يتعرض لضغوط حقيقية من السكان الأصليين تهدد وجوده. وحينما يهاجر اليهود الروس من روسيا، فهم لا يفعلون ذلك من باب الولاء اليهودي، وإنما من باب الولاء الدنيوي للمستوى المعيشي المرتفع، ومن ثم يتجهون إلى الولايات المتحدة بدلاً من إسرائيل. وقد اتخذت الولايات المتحدة من التشريعات ما يكفل إغلاق باب الهجرة لتحويلهم عنوة إلى الدولة الصهيونية. وفي هذا، لا يختلف المهاجرون اليهود المرتزقة من روسيا أو أوكرانيا كثيراً عن معظم أعضاء المجتمعات العلمانية في الغرب. فماركس يتحدث عن ولاء الرأسمالي، وهو ولاء يتجاوز الولاء القومي، كما يتحدث بنتام (فيلسوف النفعية) عن المنفعة الشخصية، وهي منفعة تتجاوز الصالح القومي. ويَصدُر الصهاينة عن فكرة ازدواج الولاء، شأنهم في هذا شأن النازيين والمعادين لليهود، وينطلق برنامجهم السياسي منها. فيتحدث المفكرون الصهاينة، كلاتزكين وجولدمان وبن جوريون، عما يسمُّونه «الولاء القومي اليهودي» . وبالتالي، فإن اليهودي الذي يعيش في بلد غير الدولة اليهودية لن يشعر تجاهه بأي ولاء، أو سيكون ولاؤه له ضعيفاً إذ سيكون موزعاً بين وطنه الفعلي الذي يقيم فيه ووطنه القومي الصهيوني، وهو ما يُطلق عليه «ازدواج الولاء» . وقد كان هرتزل يتفاوض مع السلطات الإمبريالية المختلفة في إطار تصور أنه قادر، حسب قوله، على تحويل كل يهود العالم إلى عملاء يدينون بالولاء لا لأوطانهم وإنما لأية دولة تساند الفكرة الصهيونية. والعميل إما شخص عديم الولاء أو شخص ذو ولاء مزدوج. وتنطلق الدولة الصهيونية من الإيمان بازدواج الولاء لدى أعضاء الجماعات اليهودية في العالم. ولذلك، فهي تحاول دائماً تجنيدهم لخدمة مصالحها ومآربها، بل إن بن جوريون قد صرح بأن السفير الإسرائيلي في كل عاصمة هو الممثل الحقيقي للجماعة اليهودية فيها. وثمة قوانين في الكيان الصهيوني لتكريس هذا الاتجاه، مثل قانون العودة وقانون الجنسية. وقد عُدِّل هذا القانون الأخير بحيث تستطيع الدولة الصهيونية أن تمنح أي مواطن يهودي جنسيتها وهو لا يزال بعد في وطنه الأصلي، دون أن يتنازل عن جنسيته الأصلية، ويكفي أن تكون لديه النية للهجرة. والصهيونية، بوصفها حركة سياسية ودولة استيطانية، تحاول ترجمة فكرة الولاء اليهودي، أي ازدواج الولاء، إلى واقع عملي. ومما له دلالته أن بيان إعلان قيام الدولة الصهيونية عام 1948 قد تم عن طريق مجلس قومي يتحدث باسم كل «الشعب اليهودي» ، سواء في فلسطين أو خارجها. وقد اكتشفت الدولة الصهيونية (بعد إعلانها) أنها لن تستطيع الوصول بسهولة ويُسر إلى جميع أعضاء الشعب اليهودي، نظراً لضآلة سلطتها خارج حدودها. ولذا، حوَّلت المنظمة الصهيونية نفسها إلى أداة موظفة في يد الدولة الصهيونية، تصل عن طريقها إلى أعضاء الجماعات اليهودية. وقد كانت حادثة بولارد ترجمة عملية لنظرة الصهاينة لأعضاء الجماعات اليهودية. فقد قامت المخابرات الإسرائيلية بتجنيده باعتبار أنه مزدوج الولاء، ولكن أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة رفضوا هذا التعريف وأكدوا أن ولاءهم للولايات المتحدة أولاً وأخيراً، واحتجوا على سلوك إسرائيل. ولكن حادثة بولارد ليست سوى جزء من نمط عام، إذ قامت الحركة الصهيوينة من قبل بتجنيد بعض يهود البلاد العربية للتجسس ضمن قسم خاص أسِّس لهم في الوكالة اليهودية قبل عام 1948، كما أن حادثة لافون تُبيِّن أن المخابرات الإسرائيلية قامت بتجنيد بعض يهود مصر للتجسس لصالح الدولة الصهيونية. ولا شك في أن هذا الوضع يخلق كثيراً من المشكلات لليهود في العالم. وقد تنبَّه سير إدوين مونتاجو، العضو اليهودي الوحيد في الوزارة البريطانية التي أصدرت وعد بلفور، إلى هذا البعد حيث احتج على إصدار هذا الوعد لأن الاتهام بازدواج الولاء، بحسب رأيه، اكتسب لأول مرة أساساً موضوعياً. وتحاول الصهيونية التوطينية التغلب على هذا الوضع الذي يسبب الحرج لأعضاء الجماعات اليهودية، بأن تعود إلى الصيغة الصهيونية الإثنية التي ترى أن اليهود ينتمون سياسياً إلى الوطن الذي يعيشون فيه، مع أنهم، من ناحية القيم الدينية والثقافية والروحية، ينتمون إلى مركزهم الروحي (أو الإثني) في إسرائيل. ويحاول الصهاينة في الولايات المتحدة أن يُذيبوا ازدواج الولاء داخل النمط الأمريكي العام بحيث تصبح علاقة الأمريكي اليهودي بإسرائيل مثل علاقة الأمريكي الإيطالي بإيطاليا، وبالتالي يصبح لليهودي وطنان قوميان: الأول هو مسقط الرأس الذي هاجر منه، والثاني هو البلد الذي هاجر إليه. المصالح اليهودية Jewish Interests «المصالح اليهودية» عبارة تفترض أن ثمة مصالح يهودية محددة متفقاً علىها بين «اليهود» (أعضاء الجماعات اليهودية) ، وأنهم يدافعون عنها علناً أو سراً متى وأينما سنحت لهم الفرصة، وهو افتراض شائع في الكتابات الصهيونية والمعادية لليهود. وتذهب الكتابات التي تتبني مثل هذا النموذج التفسيري إلى أن اليهود لا يدينون بالولاء إلا لما يُسمَّى «المصالح اليهودية» ، وبالتالي فهم لا يعملون إلا من أجلها. ولكن من الثابت تاريخياً أنه لم تكن هناك مصالح يهودية واحدة، بل إن الصراعات بين الجماعات اليهودية المختلفة حقيقة تاريخية. وكثيراً ما كانت تستعدي جماعة ما السلطات على جماعة أخرى وتطالب بطردها. ويظهر الصراع في حق حظر الاستيطان (حيريم هايشوف) ، أي حق أية جماعة يهودية في أن ترفض إيواء أي يهودي من جماعة أخرى، وهو حق كانت تسعى الجماعات اليهودية في أوربا في العصور الوسطى للحصول عليه. ولعل أهم الصراعات عبر التاريخ هو الصراع بين الإشكناز والسفارد في العالم الغربي، والذي لا يزال له أصداؤه في إسرائيل حتى الآن. وكذلك، فإن مصالح الدولة الصهيونية تتعارض في كثير من الأحيان مع مصالح الجماعات اليهودية كما اتضح في حادثة بولارد على سبيل المثال، أو في تَورُّط الإسرائيليين في تجارة المخدرات في كولومبيا. وقد فجرت الانتفاضة قضية التعارض بين مصالح الجماعات اليهودية ومصالح إسرائيل، إذ أن منظر الجنود الإسرائيليين (ممثلي الدولة اليهودية) وهم يكسرون أذرع الشباب الفلسطيني، لم يُحِّسن الصورة الإعلامية ليهود العالم، ولم يخدم مصالحهم، مع أنه يخدم مصلحة الدولة التي يُقال إنها «يهودية» ! ونحن نرى أن أعضاء الجماعات اليهودية لهم مصالح مختلفة باختلاف الزمان والمكان، ولتفسير سلوكهم لابد من العودة إلى سياقهم الحضاري والتاريخي والإنساني العريض، لأن النموذج التفسيري الذي يُركِّز على المصالح اليهودية والمرجعية اليهودية سيعجز عن تفسير كثير من جوانب هذا السلوك. وفي مجموعة المداخل التي تلي هذا المدخل سنتناول سيَر بعض مشاهير اليهود ممن شغلوا مواقع مهمة تجعلهم في موضع التأثير في صنع القرار (ابتداءً من بيرنيكي عشيقة الإمبراطور تيتوس وانتهاءً بكيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة) . وسنحاول أن نُبيِّن أن سلوكهم السياسي وغير السياسي (في معظم الأحيان) لم تكن تحكمه المصالح اليهودية وإنما مجموعة من العناصر الأخرى المرتبطة عادةً بمصالح الدولة التي ينتمي لها عضو الجماعة اليهودية. بيرنيكي (32م-؟) Berenice «بيرنيكي» اسم يوناني معناه «حاملة النصر» ، وتُنطَق «بيرنيس» في اللغات الأوربية الحديثة. وهي حفيدة أخت هيرود الأعظم «ملك اليهود» وابنة أجريبا الأول. وُلدت عام 33 ميلادية، وكانت مشهورة بجمالها وبتعدد أزواجها وعشاقها. تزوَّجت وهى بعد في الثالثة عشرة من ماركوس، ابن ألكسندر ليسيماخوس كبير موظفي (ألبارخ) الإسكندرية. وبعد موته، تزوَّجت عمها شقيق أبيها هيرود حاكم كالخيس. وبعد موت هذا الأخير، عاشت مع أخيها أجريبا الثاني. وقد انتشرت الشائعات بين الرومان أنها كانت على علاقة آثمة بأخيها هذا. ويُلاحَظ أن الجماع بالمحارم في فترة انحلال الإمبراطورية الرومانية لم يكن أمراً غريباً بين أعضاء الأرستقراطية التي كانت تنتمي إليها بيرنيكي وأخوها. وربما لإسكات الشائعات، ونظراً لغيرتها من أختها دروسيلا التي تزوجت من ملك، أقنعت بيرنيكي بوليمون الثاني ملك كليكيه بأن يتهود ويتختن ويتزوجها فتزوجها في عام 69م. ولكن بيرنيكي لم تكن على مستوى عال من الأخلاق أو الوفاء الزوجي الأمر الذي أثار اشمئزاز بوليمون منها ومن عقيدتها فطلَّقها. وعادت بيرنيكي لتعيش مع أخيها، ووقفت إلى جواره في محاولته تهدئة الجماهير اليهودية الحانقة مع بدايات التمرد اليهودي الأول (66 ـ 70م) ، ولكن الجماهير أضرمت النار في قصرها. ومع سقوط القدس في يد المتمردين، فرَّت بيرنيكي إلى الإسكندرية عند أقاربها (تايبريوس يوليوس ألكسندر ابن عم فيلون السكندري، وغيره) . وهناك، قابلت الجنرال تيتوس ابن الإمبراطور فسبسيان الذي كان يُعدُّ حملته لقمع التمرد اليهودي الأول وأصبحت عشيقته، وأعلن هو عن حبه لها وكان عمرها (حينذاك) تسعة وثلاثين عاماً. وقد صاحبته هي وأخوها أجريبا الثاني (الذي كان يقود جيشاً يهودياً صغيراً) أثناء حملته التي انتهت بسقوط القدس وتحطيم الهيكل. وحين عاد تيتوس إلى روما، انضمت إليه هناك عام 75م، واستمرا في علاقتهما، بل وكان يشار إليها باعتبارها «زوجة تيتوس» . ويبدو أنه كان على وشك الزواج منها بالفعل، ولكن الأرستقراطية الرومانية عارضت ذلك. وحينما عادت بيرنيكي إلى روما مرة أخرى عام 79م، بعد أن أصبح تيتوس إمبراطوراً، وبعد أن بلغت هي الخمسين، تجاهلها عشيقها السابق، فعادت أدراجها إلى فلسطين حيث لم يُسمع عنها شيء بعد ذلك التاريخ. ووجود بيرنيكي اليهودية (وجيش أخيها) إلى جوار تيتوس أثناء حملته على القدس لهدم الهيكل لم يُغيِّر شيئاً في خطته العسكرية التي كانت تمليها الاعتبارات الإستراتيجية الكبرى للإمبراطورية الرومانية. ربما لو كان تيتوس قد عدل عن تحطيم الهيكل في آخر لحظة (لاعتبارات خاصة بمصالح الإمبراطورية الرومانية) لانقض على هذه الواقعة أصحاب النماذج الاختزالية وتحدثوا عن نفوذ المرأة اليهودية، وكيف أن اليهود يستخدمون الجنس في تنفيذ مخططاتهم. بل ولأضافوا أن بيرنيكي، صاحبة الاسم اليوناني والسلوك الوثني والرؤية المنحلة، ظلت مع هذا يهودية تخدم المصالح اليهودية، وهو ما يدل (حسب رأيهم) على أن وظيفة اليهود ثابتة عبر الزمان والمكان. ولا تتحدث المراجع الصهيونية عن عبقرية بيرنيكي اليهودية في اصطياد الرجال بخاصة من فئة الملوك وقواد الجيوش. ولم تكن بيرنيكي المرأة اليهودية الوحيدة التي لعبت دوراً في دهاليز النخبة الحاكمة. فقد تزوجت اختها دروسيلا من ملك يُدعَى عزيز في إميسيا (حمص) . ويبدو أن إيزاط ملك حدياب في بابل (36 ـ 60م) تَهوَّد بسبب علاقته بامرأة يهودية. ديفيد باسيفيكو (1784-1854 ( David Pacifico تاجر ودبلوماسي بريطاني يهودي وُلد في جبل طارق وأخذته أعماله التجارية إلى البرتغال حيث استقر عام 1812. ورغم أنه ظل من رعايا بريطانيا، إلا أنه نشط في السياسة المحلية البرتغالية وعُيِّن قنصلاً عاماً للبرتغال لدى المغرب في الفترة بين عامي 1835 و1837 ثم لدى اليونان في الفترة بين عامي 1837 و1842، ولكنه أُقيل من منصبه نتيجة خلافات مع الحكومة البرتغالية. كل هذا يدل على أن المارانو، حتى منتصف القرن التاسع عشر، وحتى بعد ذلك التاريخ، كانوا لا يزالون يضطلعون بدورهم كممثلين للبلد الذي طردهم والذي ينتمون إليه لغوياً وحضارياً. وقد ظل باسيفيكو في اليونان أعوام 1843 ـ 1847 مشتغلاً بالتجارة، ولكنه دخل عام 1847 في مواجهة خطيرة مع الحكومة اليونانية أسفرت عن مجئ الأسطول البريطاني إلى شواطئ اليونان وهو ما أثار ضجة كبيرة في أنحاء أوربا وداخل بريطانيا. ففي هذا العام منعت الحكومة اليونانية الجماهير المسيحية من إجراء الطقوس التقليدية لعيد الفصح، وهو إحراق تمثال خشبي يرمز إلى يهوذا، وذلك احتراماً لوجود أحد أفراد عائلة روتشيلد المالية اليهودية في أثينا لإجراء مفاوضات مع الحكومة اليونانية بشأن قرض. وقد استثار ذلك غضب الجماهير التي تظاهرت وهاجمت منزل باسيفيكو ودمرته وأحرقت أوراقه. وقد طالب باسيفيكو الحكومة اليونانية بتعويض قدره أكثر من 800 ألف دراخمة وأيده في ذلك ممثل إنجلترا لدى اليونان باعتبار أن باسيفيكو من رعايا بريطانيا. وقد رفضت الحكومة اليونانية طلبه بل قامت بمصادرة أملاكه. وإزاء ذلك، أمر بالمرستون، وزير الخارجية البريطاني آنذاك، الأسطول البريطاني بفرض حصار على ميناء بيريوس اليوناني Piraeus كما استولى البريطانيون على 200 سفينة يونانية. واستمر هذا الحصار من يناير 1850 حتى أبريل من العام نفسه عندما رضخت الحكومة اليونانية ودفعت لباسيفيكو تعويضاً قدره 150 ألف دراخمة. وقد أثارت هذه الحادثة، التي تضمنت تحريك الأسطول البريطاني لمعاقبة حكومة مسيحية لصالح يهودي، ضجة كبيرة في أنحاء أوربا وداخل بريطانيا، فأعربت كلٌّ من روسيا وفرنسا وبروسيا عن غضبها البالغ وتشكلت في إنجلترا جبهة معارضة لبالمرستون حاولت إقصاءه من منصبه. وكان من بين أفراد هذه الجبهة السياسي البريطاني دزرائيلي (اليهودي الأصل) . وقد دافع بالمرستون عن نفسه قائلاً: «إن أي إنسان من رعايا بريطانيا يجب أن يتأكد أينما وُجد أن ذراع إنجلترا الطويلة ستحميه من أية إساءة أو ظلم. وهذا الموقف يجب أن يسري على جميع الرعايا وضمن ذلك من يعتنق اليهودية منهم» . ورغم حديثه الليبرالي المعسول كانت لبالمرستون دوافع أخرى جعلته يُحرِّك الأسطول البريطاني ضد اليونان، فقد كان يسعى لتأديب وإذلال الأسرة المالكة البافارية التي كان أفرادها يحكمون اليونان، على حين مثلت قضية باسيفيكو ذريعة مواتية لتبرير هذا الإجراء. والواقع أن يهودية باسيفيكو أو عدم يهوديته لم تمثل أي اعتبار حقيقي في هذه الحادثة التي خضعت أولاً وأخيراً، سواء بالنسبة إلى الحادثة نفسها أو بالنسبة إلى الاعتراضات التي أثيرت بشأنها، لاعتبارات سياسية دولية أو لاعتبارات السياسة الداخلية البريطانية وصراعاتها. وقد تحرك الأسطول البريطاني دفاعاً عن باسيفيكو، لا بسبب قوة اللوبي اليهودي (فلم يكن هناك مثل هذا اللوبي) وإنما دفاعاً عن المصالح البريطانية. بنيامين دزرائيلي (1804-1881) Benjamin Disraeli سياسي ورجل دولة بريطاني شهير. لعب، بوصفه رئيساً لوزراء بريطانيا، دوراً مهماً في رسم سياستها الخارجية والاستعمارية وترسيخ مصالحها في الشرق الأوسط، وهو الدور الذي تحدَّد على أساسه فيما بعد مصير مصر وفلسطين، وقد حظيت مهارته بمكانة بارزة في تاريخ السياسة البريطانية الاستعمارية. ومما له دلالته أن هذا الإمبريالي القح الذي وسَّع نطاق الإمبريالية الإنجليزية في الخارج، قام في الوقت نفسه بتوسيع نطاق الديموقراطية والعدالة الاجتماعية في الداخل. وُلد دزرائيلي لعائلة بريطانية يهودية ذات أصول إيطالية سفاردية (مارانية) . وكان اليهود السفارد في أوربا مختلفين عن الإشكناز، فرغم أن كليهما كان جزءاً من جماعة وظيفية، إلا أن السفارد كانوا يشكلون جزءاً من أرستقراطية مالية متقدمة مندمجة إلى حد ما في المجتمع، على عكس الإشكناز الذين كانوا جماعة وظيفية تضطلع بالوظائف الاقتصادية الوضيعة (الربا والتجارة الصغيرة) وتقف على هامش المجتمع. لكن اندماج السفارد أضعف هويتهم تماماً. ورغم أن اندماجهم في المجتمع لم يكن كاملاً (فالمجتمعات الغربية كانت لا تزال تدور في إطار مسيحي) ، إلا أن عملية الاندماج، التي أدَّت في نهاية الأمر إلى الانصهار في حالة السفارد، كانت قد قطعت أشواطاً كبيرة. ويظهر ضعف الهوية في حادثة خروج والد دزرائيلي على اليهودية. فقد اختلف مع مجلس الماهاماد، الذي كان يتولى قيادة الجماعة اليهودية السفاردية في لندن، حول مقدار الضرائب المقررة عليه، فاستقال منه واعتنق المسيحية. وكان بنيامين في الثالثة عشرة من عمره، فعُمِّد ونُشِّئ تنشئة مسيحية. وقد دخل دزرائيلي مجال السياسة وانتُخب عضواً في البرلمان عن حزب المحافظين عام 1837، كما تزعَّم حركة إنجلترا الشابة، وهي حركة رومانسية تستند إلى الإيمان بضرورة بناء قاعدة شعبية لحزب المحافظين الأرستقراطي واستقطاب الطبقات العاملة من خلال الإصلاحات الاجتماعية والسياسية. ومن الجدير بالذكر أن وضع دزرائيلي الاجتماعي والاقتصادي تَدعَّم بعد زواجه من أرملة مسيحية ثرية تكبره بنحو اثنى عشر عاماً وأصبح من ملاك الأراضي الأثرياء. وفي عام 1852، أصبح دزرائيلي رئيساً لمجلس العموم. وفي عام 1868، أصبح رئيساً للوزراء، وهو منصب تقلده مرة أخرى في الفترة ما بين عامي 1874 و1880. وقد صدرت قرارات تشريعية عديدة في عهده ذات طابع ليبرالي مثل تنظيف الأحياء الشعبية والاعتناء بمؤسسات الصحة العامة وتحسين أحوال العمل في المصانع. وقد حقق دزرائيلي أهم إنجازاته في مجال السياسة الخارجية، فقد كان وراء الصفقة التي اشترت بريطانيا بمقتضاها نصيب مصر من أسهم قناة السويس في عام 1875، وذلك بمساعدة مالية من عائلة روتشيلد (اليهودية) . وتُعتبَر هذه الصفقة من أهم خدماته للإمبراطورية البريطانية حيث حققت لها السيطرة الإستراتيجية على أهم الممرات المؤدية إلى الشرق. كما أعطت هذه الصفقة أهمية خاصة لمصر بالنسبة لبريطانيا والتي احتلتها في آخر الأمر. وقد أعقب كل هذا موافقة البرلمان الإنجليزي على منح الملكة لقب «إمبراطورة الهند» . كما مُنح دزرائيلي لقب «إيرل أوف بيكونزفيلد» تقديراً لخدماته. وقد تَبنَّى دزرائيلي سياسة تهدف إلى الحفاظ على الدولة العثمانية وإلى تأييدها في صراعها مع روسيا. وجاءت سياسته هذه في الواقع تعبيراً عن صراع القوى الأوربية الكبرى في تلك الفترة، ومن بينها بريطانيا وروسيا، للحصول على أكبر نصيب ممكن من تركة الإمبراطورية العثمانية. وبالتالي، جاء دعم بريطانيا لتركيا بهدف صد التوسع الروسي باتجاه الجنوب والذي كان يشكل تهديداً للممرات الحيوية المؤدية إلى الهند. وقد نجح دزرائىلي في مؤتمر برلين (عام 1878) في عدم المساس بوضع الدولة العثمانية، كما حصل لبريطانيا على قبرص التي كانت تُعتبَر البوابة لآسيا الصغرى. كما حصل للجماعات اليهودية في دول البلقان على بعض الحقوق والامتيازات. وقد اعتبر دزرائيلي هذا المؤتمر تتويجاً لحياته السياسية. وقيل إنه قدَّم، في هذا المؤتمر، مذكرة غير موقعة حول المسألة اليهودية تدعو إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين. وتبيَّن، فيما بعد، أن من قدمها شخص آخر. لم تكن مسألة توطين اليهود في فلسطين غائبة عن ذهن دزرائيلي كما لم تكن غائبة عن أذهان الساسة البريطانيين المعاصرين له، وقد كانت أهمية فلسطين لبريطانيا تزداد مع تزايد مصالحها الإمبريالية وأطماعها في ثروات الشرق، ففلسطين كانت تشكل حلقة وصل برية بين الشرق والغرب، وبين آسيا وأفريقيا. وقد زاد ذلك من الأطماع البريطانية فيها، ومن ثم التوجه الصهيوني للسياسة البريطانية الخارجية، حتى قبل ظهور الحركة الصهيونية بين أعضاء الجماعة اليهودية. كتب دزرائيلي عدة روايات ومؤلفات ليست لها أهمية أدبية كبيرة، ولا يتعرض معظمها للموضوع اليهودي مثل رواية سيبيل أو الأمّتان (1845) التي تصف الهوة الساحقة التي تفصل بين الفقراء والأغنياء في عصره ويُبيِّن أوضاع العمل غير الإنسانية في المصانع في ذلك الوقت. ومن بين رواياته التي تتعرض للموضوع اليهودي قصة داود الرائي المدهشة (1833) وهي عن ذلك الماشيَّح الدجال، ورواية كونينجسبي أو الجيل الجديد (1844) ويشرح فيها دزرائيلي أفكاره السياسية ويصف وضع اليهود (بشكل هامشي) . أما رواية تانكريد أو الحرب الصليبية الجديدة (1847) فهي تدور حول حياة أرستقراطي بريطاني يسافر إلى القدس ليبحث عن شفاء لروحه من المادية الغربية. وفي السيرة التي كتبها دزرائيلي عن لورد جورج بنتتيك (1852) شرح نظريته الخاصة بتفوق العنصر السامي وروحانية اليهود التي تتبدَّى كلها في الكنيسة المسيحية! ولدزرائيلي روايات أخرى مثل إندميون. ويمكننا الآن أن نتناول قضية هوية دزرائيلي اليهودية. ومن المعروف أن بعض معاصريه وجهوا له بعض الانتقادات حول سياسته الخاصة بمصير الدولة العثمانية إذ اتهموه بأنه يحدد هذه السياسة (وسياسة بريطانيا الخارجية بشكل عام) في ضوء موقفها من الجماعات اليهودية. وقد ساعد دزرائيلي بنفسه على ترسيخ صورته اليهودية، فقد كان يتباهى بأصله اليهودي العرْقي، كما أن دفاعه عن قضية إعتاق اليهود أمام البرلمان البريطاني كان ينبع من اعتقاده بأن اليهود يمثلون جنساً أكثر سمواً بين سائر الأجناس الأخرى في كثير من الصفات. ومن جهة أخرى تتخلل كتابات دزرائيلي فكرة صهيونية مبهمة تدور حول «الارتباط الأزلي لليهود بأرض فلسطين» . وقد اتهمه الروائي الروسي دوستويفسكي بأنه يُدبر مؤامرة يهودية لهزيمة روسيا ونصرة الدولة العثمانية. ومع هذا، يمكن أن نشير إلى ما يلي: 1 ـ كان دزرائيلي مبتعداً تماماً عن العقيدة اليهودية وشعائرها ورموزها، كما هو الحال مع بقية أعضاء الجماعة اليهودية في إنجلترا، خصوصاً السفارد منهم. وقد خرج أبوه على الجماعة لسبب واه ـ كما تَقدَّم ـ وعَمَّد ابنه. ويُلاحَظ أن دزرائيلي يُعرِّف اليهود تعريفاً عرْقياً لا دينياً لا علاقة له بالدين اليهودي. 2 ـ وكان دزرائيلي يرى اليهود شعباً عضوياً متماسكاً، له شخصيته المستقلة وتفوقه (التجاري في العادة) وارتباطه الأزلي بفلسطين، وهذا الخطاب الصهيوني لم يكن خاصاً بدزرائيلي وإنما كان جزءاً لا يتجزأ من الخطاب الغربي بشأن اليهود. 3 ـ ولم تكن سياسة دزرائيلي تجاه الدولة العثمانية سوى تعبير عن المصالح الإمبريالية ودفاع ذكي عنها. وبالتالي، فإن هوية من قام بتنفيذ هذه السياسة ليس أمراً مهماً على الإطلاق. لكل هذا، ورغم اتهام أعدائه له بتحيزه اليهودي (بل واتهامه بأنه «يهودي متخفي» ) ورغم إدعاءاته هو عن نفسه، إلا أن سلوك دزرائيلي لا يمكن تفسيره على أساس يهوديته وإنما على أساس انتمائه للتشكيل الاستعماري الغربي. ولعل أدق وصف لدزرائيلي هو وصفه لنفسه بأنه يشبه الصفحة البيضاء التي تفصل العهد القديم عن العهد الجديد، أي أنه فَقَد هويته اليهودية ولم يكتسب الهوية المسيحية رغم تَنصُّره. وهو في هذا لا يختلف عن كثير من يهود المارانو (السفارد) الذين فقدوا هويتهم الدينية وتحولوا إلى عنصر أساسي نافع في التشكيل الرأسمالي الغربي والتشكيل الاستعماري الغربي (بشقّيه العسكري والاستيطاني) . ومما له دلالته أن الموسوعة البريطانية (ماكروبيديا) أفردت مدخلاً كاملاً طويلاً لتناول حياة دزرائيلي الخاصة والعامة، ولم يُشر إلا بشكل عابر في بداية المدخل لأصوله اليهودية، ثم أهملتها تماماً بعد ذلك، لأنها ليست ذات قيمة تفسيرية تُذكَر. إسحق كرمييه (1796-1880 ( Isaac Cremieux رجل دولة فرنسي. تلقَّى تعليماً فرنسياً علمانياً في مدارس الليسيه الإمبراطورية حيث كان من أوائل الطلبة اليهود الدارسين بها، ثم درس القانون بعد ذلك، وأصبح خلال فترة دراسته من أشد المعجبين بنابليون. اشتغل عام 1817 بالمحاماة واكتسب سمعة طيبة في هذا المجال بفضل مهارته القانونية، وكان من أشد المؤيدين لقضايا الليبرالية حيث ترافع في عديد من المحاكمات السياسية أثناء فترة عودة الملكية. وبعد قيام ثورة عام 1830، انتقل إلى باريس حيث تعاون مع العناصر الليبرالية في نشاطها المعادي لحكم الملك لويس فيليب وطالب بحرية الصحافة. وفي الفترة بين عامي 1842 و1846 انتُخب نائباً في البرلمان الفرنسي حيث كان من قادة المعارضة. واشترك كريمييه في ثورة 1848، وتولى منصب وزير العدل في الحكومة الجديدة لعدة أشهر حيث عمل على إدخال عدة إصلاحات من أهمها إلغاء نظام الرق في المستعمرات الفرنسية وإلغاء عقوبة الإعدام في القضايا السياسية. ودخل البرلمان مرة أخرى خلال الجمهورية الثانية وظل نائباً حتى عام 1852، ثم ابتعد عن الحياة السياسية في فرنسا منذ ذلك العام نظراً لخلافه مع إدارة لويس نابليون، وبقي كذلك حتى عام 1869 حينما دخل البرلمان مرة أخرى. وقد تولى كريمييه منصب وزير العدل مرة أخرى عام 1870 في الحكومة الانتقالية التي حلت محل حكم لويس نابليون بعد هزيمته العسكرية في العام نفسه. كما انتُخب كريمييه عام 1871 نائباً ممثلاً للجزائر، ثم انتُخب عام 1875 عضواً لمجلس الشيوخ مدى الحياة. وظل كريمييه مهتماً بالقضايا الخاصة بالجماعات اليهودية سواء في فرنسا أو خارجها، فعمل منذ عام 1827 على إلغاء القَسَم اليهودي في فرنسا (الذي ألغي بالفعل عام 1846) ، وتعاون مع موسى مونتيفيوري عام 1840 بشأن حادثة دمشق، واشترك عام 1866 في الدفاع عن بعض اليهود المتهمين في قضية قتل في روسيا، كما اهتم بالقضايا الخاصة بحقوق يهود رومانيا، وعمل من خلال مؤتمر برلين عام 1878 على دعم قضية إعتاق يهود دول البلقان. وقد اختير كريمييه عام 1863 رئيساً للأليانس إسرائيليت يونيفرسل، وعمل بها حتى عام 1866، ثم مرة أخرى من عام 1868 وحتى وفاته. كما أصدر كريمييه عام 1870، عندما كان وزيراً للعدل، قانون كريمييه الذي منح الجنسية الفرنسية لأعضاء الجماعة اليهودية في الجزائر. ورغم اهتمام كريمييه بالقضايا اليهودية، إلا أن هذا الاهتمام كان مرتبطاً في المقام الأول بمصالح الدولة الفرنسية. والواقع أن منحه الجنسية الفرنسية ليهود الجزائر، والذي اعتُبر من نجاحاته الكبرى في مجال القضايا اليهودية، كان إجراءً يهدف إلى تحويل يهود الجزائر إلى جماعة وظيفية استيطانية تزيد الكثافة السكانية الفرنسية، ومن ثم تخدم مصالح الاستعمار الفرنسي في الجزائر. كما أن نشاط الأليانس إسرائيليت، التي تولى رئاستها، كان يهدف أيضاً إلى صبغ أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الإسلامي بصفة عامة، ودول المغرب العربي بصفة خاصة، بالثقافة الفرنسية وتحويلهم إلى جماعات وظيفية وسيطة تعمل في مؤسسات الاحتلال الفرنسي وتدين له بالولاء وتخدم مصالحه في المنطقة. ومن الجدير بالذكر أن كريمييه اضطر عام 1845 إلى التخلي عن منصبه كرئيس للمجلس الكَنْسي المركزي اليهودي في باريس بعد أن تبيَّن أنه سمح لزوجته بتنصير أبنائهما. وكان كريمييه نشطاً في الحركة الماسونية في فرنسا وكان من أبرز قياداتها. ديفيد يولي (1810-1886 ( David Yulee سياسي أمريكي وأول عضو يهودي في مجلس الشيوخ الأمريكي. وُلد في جزيرة سانت توماس ببحر الكاريبي. وفي عام 1818، انتقل إلى الولايات المتحدة مع والده الذي كان من أوائل من استوطنوا ولاية فلوريدا الأمريكية. وقد أدار يولي إحدى مزارع والده ثم درس القانون وأصبح محامياً عام 1832، ثم انخرط في السياسة وانتُخب عام 1837 عضواً بالهيئة التشريعية الإقليمية. وفي عام 1838 اشترك يولي في المؤتمر الذي وضع دستور فلوريدا. وشارك بحماس في الحملة المطالبة بانضمام فلوريدا إلى اتحاد الولايات الأمريكية. وبعد انضمامها عام 1845، انتُخب يولي ليكون أول عضو في مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية فلوريدا، كما أصبح أول عضو يهودي به، وظل عضواً بالمجلس حتى عام 1851 وأعيد انتخابه مرة أخرى عام 1855 وحتى عام 1861. وقد أيد يولي نظام العبودية في الولايات المتحدة بشدة ورفض إلغاءه، كما رفض إلغاء عقوبة الجلد في البحرية الأمريكية، وكان من أشد من دافعوا عن حق البيض في الاستيطان (وخصوصاً خلال حروب السيمينول، وهي الحروب التي دارت بشكل متقطع بين عامي 1817 و1858 والتي شنها الجيش الأمريكي ضد قبائل السيمينول من الهنود الحمر لإرغامهم على التخلي عن أراضيهم وإفساح المجال أمام استيطان الرجل الأبيض) . وقد أيَّد يولي انفصال فلوريدا عن الاتحاد عام 1861، واشترك في كونجرس اتحاد ولايات الجنوب أثناء الحرب الأهلية الأمريكية. وبعد هزيمة الجنوب، سُجن لمدة عام خرج بعدها ليعتزل السياسة ويتفرغ لأعمال إعادة بناء خطوط السكك الحديدية في فلوريدا، وهي عملية حقق من خلالها مكاسب كثيرة. وقد تزوج يولي عام 1846 من ابنة حاكم سابق لولاية كنتاكي، وبعد زواجه مباشرةً أضاف اسم يولي إلى اسمه الذي كان حتى ذلك الحين ديفيد ليفي فقط. وبرغم أنه لم يعتنق المسيحية بشكل رسمي، إلا أنه كان يذهب إلى الكنيسة كما قام بتنشئة أبنائه على العقيدة المسيحية. ولا يمكن الحديث عن ديفيد يولي في إطار المصالح اليهودية الخاصة. فسيرته السياسية لا تختلف عن سيرة كثيرين غيره من رجال السياسة الأمريكيين الذين راهنوا على الجانب الخاطئ في الحرب الأهلية الأمريكية. جوليوس فوجل (1835-1899) Julius Vogel رئيس وزراء نيوزيلندا. وُلد في إنجلترا لأسرة يهودية، واشتغل في تجارة جدِّه الثري، ثم انتقل إلى أستراليا عام 1852 بعد اكتشاف الذهب هناك. ولكنه لم ينجح في مجال التنقيب عن الذهب واتجهت اهتماماته بعد ذلك نحو السياسة والصحافة، فهاجر عام 1861 إلى نيوزيلندا حيث قام بتحرير أول جريدة يومية في المستعمرة. وفي عام 1863 انتُخب عضواً في مجلس مقاطعة أوتاجو، كما انتُخب في العام نفسه عضواً في مجلس النواب ليصبح أول عضو يهودي به. وقد عارض خلال عضويته في المجلس تعليم الدين في المدارس. كما ظهرت كفاءته في الشئون المالية، الأمر الذي أدَّى إلى تعيينه وزيراً للمالية بالمستعمرة عام 1869. وقد اكتسب مكانة واحتراماً كبيراً بفضل مفاوضاته الناجحة مع الحكومة البريطانية للحصول على القروض اللازمة لفتح البلاد للاستيطان وتمويل مشاريع بناء الطرق والسكك الحديدية. وفي عام 1873 أصبح رئيساً للوزراء حتى عام 1875. وفي الفترة ما بين عامي 1876 و1881 أصبح وكيلاً عاماً لنيوزيلندا في إنجلترا، ثم عاد إلى نيوزيلندا عام 1884 ليتولى وزارة المالية مرة أخرى، ولكن سياسته تعرضت لانتقادات حادة الأمر الذي دفعه إلى الاستقالة عام 1887. وكان قد سبق أن تعرض للهجوم عام 1880 (أثناء وجوده في إنجلترا) بسبب تَورُّطه في فضيحة خاصة بشركة نيوزيلندا الزراعية التي كانت تقوم ببيع الأراضي للراغبين في الهجرة. وفي عام 1888 انتقل فوجل إلى إنجلترا حيث استقر بصفة دائمة حتى وفاته. ويُعدُّ فوجل من أبرز رجال السياسة والدولة في نيوزيلندا، حيث نجح في تطويرها اقتصادياً وفي توسيع رقعة الاستيطان بها، وقد مُنح فوجل لقب «سير» عام 1875. وهو نموذج جيد لليهودي الغربي الذي يفقد ما يُميِّزه كيهودي أو يُهمِّشه ليصبح جزءاً لا يتجزأ من التشكيل الحضاري الاستعماري الغربي، خصوصاً الأنجلو ساكسوني. أيزاك أيزاكس (1855-1948 ( Isaac Isaacs رجل دولة أسترالي يهودي، عمل حاكماً عاماً لأستراليا. وُلد في ملبورن لأبوين من أصل بولندي هاجرا إلى أستراليا بعد اكتشاف الذهب بها. ودرس القانون في جامعة ملبورن وتَخرَّج ليشتغل بالمحاماة واكتسب سمعة طيبة بفضل كفاءته القانونية. وفي عام 1892 انخرط في العمل السياسي حيث انتُخب عضواً في البرلمان وظل عضواً به حتى عام 1901. وفي عام 1894 عُيِّن نائباً عاماً. وقد اشترك أيزاكس في المداولات التي مهدت لتشكيل الحكومة الفدرالية في أستراليا، وكان عضواً في اللجنة التي وضعت الدستور. كما انتُخب عام 1901 عضواً في أول برلمان فيدرالي وساهم في تنظيم النظام القضائي الفيدرالي. وفي عام 1906 عُيِّن قاضياً في المحكمة الفيدرالية العليا حيث خدم حتى عام 1930 حينما عُيِّن في منصب كبير القضاة في أستراليا. وفي عام 1931 عُيِّن أيزاكس حاكماً عاماً لأستراليا ليصبح أول شخص أسترالي المولد يتولى هذا المنصب الذي احتفظ به حتى عام 1936. وحصل أيزاكس على لقب «سير» عام 1928. وقد عارض أيزاكس الصهيونية بشدة واعتبر اليهودية عقيدة دينية رافضاً أي مضمون قومي أو سياسي لها، ونشر عام 1943 سلسلة من المقالات في جريدة يهودية أدان فيها الصهيونية السياسية وأكد أن اليهود مواطنون عاديون يتجه ولاؤهم إلى أستراليا أو إلى غيرها من الدول التي ينتمون إليها واعتبر كل من يخالف هذا الرأي خائناً. وقد أيَّد أيزاكس سياسة الحكومة البريطانية في فلسطين واعتبر الاعتراضات التي أثيرت عام 1941 حول سياسة الكتاب الأبيض البريطانية في فلسطين عملاً يتنافى مع الانتماء لأستراليا. والبُعد اليهودي في تفكير أيزاكس وسلوكه كان قد تقلص تماماً واختفى، إذ أن ما كان يحركه هو انتماؤه لكلٍّ من إنجلترا والتشكيل الاستعماري الاستيطاني الأنجلو ساكسوني في أستراليا. عمانويل قاراصو (1862-1934 ( Emmanuel Carasso محام وسياسي تركي من يهود الدونمه، من أعضاء حركة تركيا الفتاة وأحد قادة الحركة الماسونية. وُلد في سالونيكا، وحاضر في جامعتها، وانضم في عهد السلطان عبد الحميد إلى حركة تركيا الفتاة حيث كان واحداً من أبرز أعضائها، وبعد استيلاء الحركة على السلطة عام 1908 انتُخب نائباً في البرلمان التركي كما ترأس اللجنة الرباعية التي تولت مهمة إبلاغ السلطان عبد الحميد بقرار خلعه. وفي عام 1912 كان عضواً في اللجنة البرلمانية التي تولت إجراء مفاوضات السلام مع إيطاليا. وخلال الحرب العالمية الأولى، لعب قاراصو دوراً سياسياً مهماً في إستنبول، ومُنح مقابل خدماته حق تصدير السلع التركية إلى ألمانيا، الأمر الذي مكَّنه من جمع ثروة ضخمة. ومع وصول كمال أتاتورك إلى الحكم عام 1923، فقد قاراصو مكانته، ويُقال إنه لعب دوراً مهماً في مساعدة الاحتلال الإيطالي نظير مبلغ من المال دفعته إليه إيطاليا واضطُر نتيجة خيانته للدولة التركية إلى أن يهرب إلى إيطاليا ويحصل على حق المواطنة الإيطالية حيث عاش في فقر وعزلة حتى وفاته. ويمكن ملاحظة ما يلي: 1 ـ أن قاراصو لم يكن يهودياً حاخامياً، وإنما كان من يهود الدونمه وهم جماعة خارجة على اليهودية، ولا يعتبرها الحاخاميون يهوداً، كما أن معظم أعضاء الجماعة اليهودية الذين لعبوا دوراً نشطاً في حركة كمال أتاتورك كانوا من يهود الدونمه. 2 ـ أن قاراصو فقد حظوته لدى كمال أتاتورك، ثم مات فقيراً، وهذا ما يُهمَل ذكره في كثير من الدراسات، حتى يبدو أعضاء الجماعات اليهودية كما لو كانوا المحركين لكل شيء والمسئولين عن سقوط الخلافة العثمانية، مع أن أسباب سقوطها كانت أسباباً تاريخية مركبة. ومما لا شك فيه أن ثورة الأقليات والجماعات العرْقية والدينية والإثنية على الدولة العثمانية كانت ضمن مركب الأسباب الذي أدَّى إلى سقوطها. ولكن الجماعة اليهودية لم تكن سوى أقلية واحدة ضمن أقليات أخرى أكثر عدداً وفعالية. كما أن موقف أعضاء الجماعات اليهودية من الدولة العثمانية لم يكن موحَّداً، وإنما انقسموا بين مؤيد ومعارض، تماماً مثل بقية أعضاء المجتمع العثماني وطبقاته. هربرت صمويل (1870-1963 ( Herbert Samuel سياسي بريطاني يهودي، وأول مندوب سام بريطاني في فلسطين. وُلد لعائلة يهودية أرثوذكسية تعمل بتجارة الذهب والأعمال المالية (كان أبوه شريكاً في شركة صمويل ومونتاجو) . وقد تلقَّى تعليمه في جامعة أكسفورد، وانضم إلى الحزب الليبرالي ورشح نفسه للانتخابات ونجح (عام 1902) . وتدرج صمويل في عدد من الوظائف إلى أن أصبح وزيراً في الوزارة البريطانية، وكان بذلك أول إنجليزي يهودي يشغل مثل هذا المنصب. بدأ صمويل اهتمامه بالأمور اليهودية حين عيَّنته الحكومة البريطانية في بعثة خاصة لتقصي أحوال يهود اليديشية الذين كانوا يتوافدون على إنجلترا بأعداد متزايدة. كما دخل في نقاش على صفحات الجرائد مع السفير الروسي في إنجلترا بشأن تهمة الدم التي وُجِّهت لليهودي الروسي منديل بليس. وقد اهتم صمويل بالشئون الاجتماعية وكان مسئولاً عن إصدار قانون تعويض العمال، كما كان مسئولاً عن إصدار ميثاق للأطفال. كان صمويل، باعتباره يهودياً مندمجاً، يرى أن الحل الصهيوني حل غير عملي وضد مصالح اليهود، ولذا كان مشهوراً بعدائه للصهيونية. ولكن، مع ظهور تلك البوادر التي دلت على أن الدولة العثمانية ستُهزَم، اكتشف صمويل، شأنه شأن جميع الصهاينة اليهود غير اليهود، إمكانية حل المسألة اليهودية عن طريق توطين اليهود في إطار الدولة الوظيفية التابعة للغرب، وهو تَغيُّر في موقف صمويل لم يتوقعه أو يلحظه وايزمان. ولذا، حين اقترح لويد جورج على وايزمان (بعد عودته من سويسرا مع اندلاع الحرب العالمية الأولى) أن يجتمع بصمويل، رفض وايزمان ذلك ظناً منه أن صمويل لا يزال معادياً للصهيونية، ولكنه اضطر إلى أن يقبل على مضض ليفاجأ بأن صمويل يؤيد المشروع الصهيوني. بل والأدهى من ذلك أنه حينما تَقدَّم إليه وايزمان بالمطالب الصهيونية، أخبره صمويل بأنها مطالب متواضعة للغاية وأن عليه أن يفكر بشكل أكبر، وذُهل الزعيم الصهيوني (من شرق أوربا) وقال إنه لو كان مؤمناً بالعقيدة اليهودية لظن أن تَحوُّل صمويل هو إحدى علامات مَقْدم الماشيَّح. وقد كتب صمويل مذكرة (عام 1915) مررها على أعضاء الوزارة البريطانية تنطلق من افتراض أن تركيا ستُهزَم، واقترح فيها إنشاء محمية إنجليزية في فلسطين بعد الحرب وتشجيع الاستيطان اليهودي فيها، وإعطاء الأولوية للهجرة اليهودية ولبناء مؤسسات استيطانية تساعد في نهاية الأمر على توطين جماعة يهودية يبلغ عددها ثلاثة ملايين تصبح مكتفية ذاتياً إلى أن تشكل دولة ذات سيادة تكون مركزاً لحضارة جديدة وتنظر في الوقت ذاته بعين الاعتبار للمصالح البريطانية في المنطقة. وقد جذبت المذكرة اهتمام لويد جورج، لكن رئيس الوزراء إسكويث لم يكن متحمساً بقدر كاف. وحين تولَّى لويد جورج رئاسة الوزارة (التي كانت تضم بلفور) ، قرر تَبنِّي هذا المشروع الذي سُمِّي «وعد بلفور» . وبسبب اهتماماته الاستعمارية، عُيِّن صمويل أول مندوب سام بريطاني في فلسطين عام 1920 (أي بعد وضعها تحت الانتداب) . وفي أغسطس من العام نفسه، استصدر قانون الهجرة الذي سمح لـ 16.500 يهودي بدخول فلسطين. ولكن، بسبب رد الفعل العربي الرافض، عدلت بريطانيا عن سياستها قليلاً وبدأت تتحرك في إطار مفهوم القوة الاستيعابية للبلد. ولكن، ومع هذا، زاد عدد السكان اليهود في الفترة 1918 ـ 1925 من 105 آلاف إلى 118 ألفاً. وقد ساعد صمويل النشاط الاستيطاني الصهيوني على مستويات أخرى عديدة من بينها الاعتراف بالمؤسسات السياسية الصهيونية في فلسطين والاعتراف باللغة العبرية كإحدى اللغات المحلية في فلسطين. وقد زاد عدد المستوطنات الصهيونية في عهده من 44 إلى 100 مستوطنة. وقد استمر اهتمامه بالمُستوطَن الصهيوني بعد تركه منصبه، فكان رئيساً لشركة فلسطين للكهرباء، ورئيساً للجامعة العبرية. وقد هاجم صمويل الكتاب الأبيض لعام 1939، كما هاجم سياسة بيفين المعادية للصهيونية. وكان هربرت صمويل زعيماً للحزب الليبرالي في مجلس اللوردات بين عامي 1924 و1955، وله مؤلفات عديدة في الفلسفة الليبرالية. وصمويل نموذج جيد للصهيوني اليهودي غير اليهودي الذي لا تختلف رؤيته لليهود عن رؤية أي منتم للحضارة الغربية، فهو لا يهتم بالإثنية اليهودية ولا بالمصالح اليهودية ولا بالتاريخ اليهودي ولا بالعقيدة اليهودية: إنه يهودي مندمج تماماً يود الحفاظ على وضعه. ولكنه، شأنه شأن أي سياسي غربي، كان ينظر إلى اليهود من الخارج ويراهم كمادة بشرية نافعة يمكن أن تُوظَّف لصالح الحضارة الغربية. ويبدو أن قطاعات من أعضاء الجماعات اليهودية في فلسطين وخارجها صنفت صمويل باعتباره أول حاكم يهودي لفلسطين منذ سقوط الهيكل. وهذا التصنيف لا يأخذ في اعتباره التكوين الثقافي أو السياسي لدى صمويل ولا الإطار الذي تم فيه تقليده منصبه. فقد كان صمويل، في واقع الأمر، مندوب الإمبراطورية البريطانية لدى اليهود، وليس مندوب اليهود لدى الإمبراطورية البريطانية. ليون بلوم (1872-1950) Leon Blum رجل دولة وكاتب فرنسي، كان أول يهودي واشتراكي فرنسي يتولى رئاسة وزراء فرنسا. وُلد لعائلة يهودية تجارية ثرية في باريس، ودرس القانون في جامعة السوربون ونجح في تحقيق مكانة مرموقة كرجل قانون حيث عُيِّن في مجلس الدولة عام 1895 ووصل إلى أعلى المناصب فيه. كما كان يُعَدُّ، وهو مازال في الثانية والعشرين من عمره، من الكتاب والأدباء الفرنسيين اللامعين في تلك الفترة. وقد كتب عدة مؤلفات من بينها كتابه في الزواج (1907) الذي أثار ضجة واسعة بسبب آرائه الجريئة حول الزواج وحقوق المرأة. وقد تأثر بلوم بقضية دريفوس واشترك عام 1896 في الحملة من أجل إطلاق سراحه. وكانت هذه القضية من العوامل التي دفعته إلى العمل السياسي حيث انضم عام 1898 إلى الحزب الاشتراكي وساهم في جريدته لومانيتيه ككاتب وناقد أدبي. وقد أصبح بلوم بعد الحرب العالمية الأولى من الزعماء البارزين للحزب، وانتُخب في البرلمان الفرنسي عام 1919. وعمل بلوم على إعادة بناء الحزب بعد انشقاق العناصر الشيوعية عنه في عام 1920، ويُعتبَر بذلك أحد المؤسسين الرئيسيين للحزب الاشتراكي الفرنسي الحديث. وقد أعيد انتخابه في البرلمان عامي 1924 و1929. ونجح عام 1936 في أن يصبح رئيساً لوزراء فرنسا بعد أن نجحت جبهة واسعة من الأحزاب اليسارية في الانتخابات. وقد أدخلت حكومته بعض الإصلاحات الاجتماعية الواسعة واتخذت إجراءات تأميمية في قطاعي المال والتجارة. وقد اتُهم بلوم من جانب قوى اليسار الفرنسي بمهادنة دول المحور بسبب تَبنِّيه سياسة عدم التدخل في الحرب الأهلية الإسبانية، كما واجه معارضة شديدة من رجال الصناعة بسبب إصلاحاته الاجتماعية والعمالية. وقد اضطُر بلوم عام 1937 إلى الاستقالة من منصبه وعمل نائباً لرئيس الوزراء في حكومة الجبهة الشعبية ثم رئيساً للوزراء مرة أخرى عام 1938. وقد أُلقي القبض عليه بعد سقوط فرنسا في أيدي الألمان عام 1940، وظل في معسكر اعتقال ألماني حتى عام 1945. ولكنه عاد إلى فرنسا في العام نفسه، وشَكَّل عام 1946 حكومة انتقالية اشتراكية ظلت في الحكم شهراً واحداً فقط. وابتعد بلوم بعد ذلك عن الحياة العامة فيما عدا فترة قصيرة (عام 1948) عمل خلالها نائباً لرئيس الوزراء. ويُعتبَر بلوم من أبرز الشخصيات في الحركة العمالية الفرنسية ومن مؤسسي الدولية الاشتراكية خلال الفترة بين الحربين العالميتين. وقد كان بلوم من مؤسِّسي اللجنة الاشتراكية من أجل فلسطين عام 1928، وقَبل دعوة وايزمان للانضمام إلى الوكالة اليهودية كممثل ليهود فرنسا، ولعب بلوم دوراً مهماً في التأثير على تصويت الحكومة الفرنسية في الأمم المتحدة والمؤيد لقرار تقسيم فلسطين. ولا يمكن تفسير سلوك بلوم في إطار المصالح اليهودية الخالصة أو النفوذ اليهودي، فباستثناء بعض التفاصيل اليهودية الهامشية في حياته، نجد أن حياته السياسية وتوجهاته الفكرية لا تختلف عن حياة وتوجهات أي سياسي اشتراكي فرنسي آخر. بيير منديس فرانس (1907-1982) Pierre Mendes-France رجل دولة فرنسي وُلد في باريس لعائلة يهودية من المارانو، وتلقى تعليماً فرنسياً علمانياً. فدرس القانون في جامعة السوربون حيث كتب رسالته الجامعية عام 1928، ووجَّه فيها انتقادات حادة للسياسات المالية للحكومة آنذاك، وطالب باقتصاد أكثر عدلاً وبدور أكبر للدولة. وحظيت الدراسة باهتمام واسع بين رجال القانون والاقتصاد والسياسة في فرنسا كما نالت إعجاب الأحزاب اليسارية الفرنسية، وأصبح منديس فرانس من المستشارين الماليين للحزب الراديكالي. واتسم فكره بالعقلانية الشديدة وبابتعاده عن أية تصورات مثالية، كما تأثر بالفكر الاقتصادي لكينز. وقد انتُخب منديس فرانس عام 1932 ليكون أصغر نائب في البرلمان الفرنسي، وأُعيد انتخابه مرة أخرى في عام 1936. وعمل فرانس في حكومة الجبهة الوطنية تحت رئاسة ليون بلوم عام 1938 نائباً لوزير الخزانة حيث عمل على تطبيق سياساته الاقتصادية. وبعد سقوط فرنسا في أيدي الألمان عام 1940، رحل منديس فرانس إلى المغرب حيث حاول تنظيم المعارضة ضد حكومة فيشي، ولكن تم إلقاء القبض عليه وترحيله إلى فرنسا حيث نجح في الفرار عام 1941 إلى إنجلترا، وانضم إلى حركة الفرنسيين الأحرار تحت قيادة ديجول الذي عينه فيما بعد في منصب المندوب المالي للجزائر. وقد تولى منديس فرانس منصب وزير الشئون الاقتصادية في الحكومة المؤقتة بين عامي 1944 و1945، إلا أنه استقال بسبب الخلافات حول السياسات الاقتصادية. وعُيِّن عام 1946 في منصب المدير الفرنسي للبنك الدولي للإنشاء والتعمير. وفي عام 1954، نجح منديس فرانس في الوصول إلى رئاسة الوزراء وعمل من خلال هذا المنصب على إنهاء الوجود الفرنسي في الهند الصينية بعد هزيمة قوات الاستعمار الفرنسي أمام قوى التحرر الوطني في المنطقة. ثم قدَّم استقالته عام 1955 إثر فشل سياسته الخاصة بمنح الاستقلال للمغرب وتونس. وعاد منديس فرانس مرة أخرى وزيراً بلا وزارة في حكومة الجبهة الجمهورية عام 1956، إلا أنه استقال بعد عدة أشهر بسبب خلافه مع رئيس الوزراء حول السياسة الفرنسية بشأن الجزائر إذ كان يرى ضرورة الاستمرار في ضم الجزائر إلى فرنسا. وقد ظل منديس فرانس شخصية مهمة في السياسة الفرنسية، كما كان من المؤيدين للصهيونية وإسرائيل. وقد أيَّد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، ولكن موقفه هذا كان ينبع في المقام الأول من كونه سياسياً فرنسياً حريصاً على حماية المصالح الفرنسية والغربية في فترة اتسمت بانحسار الاستعمار ونمو قوى التحرر الوطني في بلاد آسيا وأفريقيا والعالم العربي. وقد كان منديس فرانس من المؤيدين لفتح الحوار بين العرب وإسرائيل في الفترة 1968 - 1973. برونو كرايسكي (1911-1990) Bruno Kreisky رجل دولة نمساوي وأول يهودي يتولى منصب مستشار النمسا. وُلد في فيينا وكان والده تاجر منسوجات ثرياً. انضم كرايسكي في سن مبكرة إلى الحزب الاشتراكي. وعندما مُنع الحزب من مزاولة نشاطه عام 1934، اشترك كرايسكي في نشاطه السري وتم إلقاء القبض عليه عام 1935 وحُكم عليه بالسجن ستة عشر شهراً. وفي عام 1938، تَخرَّج في جامعة فيينا. وبعد أن قامت ألمانيا النازية بضم النمسا إليها، طُرد كرايسكي واستقر في السويد حيث عمل كمراسل أجنبي. ومع نهاية الحرب، التحق بالسلك الدبلوماسي النمساوي واشتغل في سفارة بلاده في السويد. وفي عام 1951، عاد إلى النمسا حيث عُيِّن مساعداً للرئيس النمساوي الاشتراكي، ثم أصبح عام 1953 وكيل وزارة الخارجية ولعب دوراً أساسياً في المفاوضات التي جرت مع الاتحاد السوفيتي والتي أُبرمَت بمقتضاها معاهدة النمسا عام 1955 والتي أعطت النمسا استقلالها مقابل تعهدها بالحياد الدائم. ومنذ عام 1959، وحتى عام 1966، أصبح كرايسكي وزيراً للخارجية. وفي عام 1967، اختير رئيساً للحزب الاشتراكي وزعيماً للمعارضة، فقاد حزبه للحكم عام 1970 وتولى منصب مستشار النمسا. وقد حققت النمسا في ظل حكمه قدراً كبيراً من الرخاء الاقتصادي، كما لعب دوراً متميِّزاً في السياسة الدولية، خصوصاً في علاقة الشرق بالغرب والشمال بالجنوب. كتب كرايسكي كتابه النمسا بين الشرق والغرب (1968) ، الذي اتهم فيه إسرائيل باحتكار تعاطف الأحزاب الاشتراكية وتأييدها بسبب عقدة الذنب تجاه اليهود بعد الإبادة النازية، وبيَّن أن الوقت قد حان لتتخلص هذه الأحزاب من هذا الاحتكار الإسرائيلي وهذا الإحساس بالذنب. كما حثّ كرايسكي أوربا على ضرورة القيام باتصالات مع العالم العربي لتحقيق حل سلمي للشرق الأوسط. ورفض كرايسكي مفهوم الأمة اليهودية الواحدة، فاليهودية بالنسبة له عقيدة وليست انتماءً عرْقياً. وقد لعب كرايسكي أيضاً دوراً بارزاً في قضايا الشرق الأوسط يتسم بقدر من التوازن، وهو ما جعله هدفاً لانتقادات حادة من جانب إسرائيل. ففي عام 1973 قَبل كرايسكي مطالب مجموعة من الفدائيين الفلسطينيين الذين استولوا على قطار نمساوي يحمل عدداً من اليهود السوفييت المهاجرين إلى إسرائيل وطالبوا بوقف الهجرة اليهودية المارة عبر فيينا إلى إسرائيل. وقد أثار ذلك غضب إسرائيل ووصفت جولدا مائير كرايسكي بأنه يهودي كاره لنفسه. وفي عام 1980، كان كرايسكي أول زعيم غربي يلتقي بياسر عرفات ويمنح منظمة التحرير الفلسطينية اعترافاً دبلوماسياً على أرض الواقع (دي فاكتو) . كما عمل على تخفيف موقف الدولية الاشتراكية (المتحيِّز) لإسرائيل وعلى تبنيها موقفاً أكثر حياداً. وفي الوقت نفسه، حثّ منظمة التحرير الفلسطينية على الاعتراف بوجود إسرائيل نظير اعتراف إسرائيل بحق الفلسطينيين في دولة مستقلة، أي أن الحل الذي اقترحه هو الاعتراف المُتبادَل بين الدولتين على أساس قرار 242. كما ساهم كرايسكي عدة مرات في بعض المفاوضات التي جرت من وراء الكواليس للإفراج عن الرهائن والأسرى الإسرائيليين لدى بعض المجموعات الفدائية الفلسطينية. وقد استقال كرايسكي من منصب المستشارية ثم من رئاسة الحزب الاشتراكي عام 1983 بعد أن فشل حزبه في الحصول على أغلبية مطلقة في الانتخابات. هنري كيسنجر (1923 ( Henry Kissinger عالم سياسة أمريكي، وأول أمريكي يهودي يتولى منصب وزير الخارجية الأمريكية، وكذلك أول أمريكي غير أمريكي المولد يتولى هذا المنصب. وُلد في مقاطعة بافاريا في ألمانيا، وقضى صباه في ظل الحكم النازي حيث طُرد مع أخيه من المدارس الحكومية، كما طُرد والده من وظيفته كمعلم. وفي عام 1938، رحل كيسنجر مع أسرته إلى الولايات المتحدة حيث استقروا في نيويورك. وجُنِّد في الجيش الأمريكي عام 1943 ثم عمل في المخابرات حتى عام 1946، وخدم في ألمانيا كمترجم وكمدرس في المدرسة الأوربية لقيادة المخابرات. وبعد الحرب، درس في هارفارد ثم انضم إلى هيئة التدريس وتدرَّج في السلم الأكاديمي حتى حصل على درجة الأستاذية عام 1962. واكتسب كيسنجر مكانة مهمة كمفكر مختص في شئون الدفاع والأمن القومي وكتب عدة كتب مهمة في هذا المجال. وعمل كيسنجر مستشاراً لعدة رؤساء أمريكيين (أيزنهاور، وكنيدي، وجونسون) . وفي عام 1968، عمل بصفة دائمة في شئون الرئاسة الأمريكية. وحين عمل مستشاراً للرئيس نيكسون للأمن القومي، اتسمت علاقتهما بقدر كبير من التفاهم وأتاح نيكسون لكيسنجر مساحة كبيرة من حرية العمل. وقد اكتسب كيسنجر سمعة عالمية من خلال تمهيده للزيارتين التاريخيتين التي قام بهما الرئيس الأمريكي نيكسون إلى الصين والاتحاد السوفيتي عام 1972، وتدشينه سياسة الوفاق الدولي مع الاتحاد السوفيتي وتَوصُّله لمعاهدة الحد من الأسلحة الإستراتيجية الأولى (سولت) عام 1972. ومع انتهاء حرب فيتنام، وجَّه كيسنجر اهتمامه نحو الشرق الأوسط حيث كانت الإدارة الأمريكية تسعى إلى الحد من النفوذ السوفيتي في المنطقة وتقليصه في نهاية الأمر من خلال خلق وجود أمريكي متزايد في العالم العربي وضمان استمرار تدفق النفط العربي إلى الغرب. وبالفعل، لعب كيسنجر دوراً بارزاً في ترتيب وقف إطلاق النار في أثناء حرب 1973، ثم في عقد مفاوضات بين الجانبين العربي والإسرائيلي، وأخيراً في إعادة العلاقات الدبلوماسية مع مصر، الأمر الذي مهَّد بالفعل لتزايد الوجود الأمريكي بالمنطقة وتزايد دور أمريكا في قضية الشرق الأوسط وما انتهى إليه من معاهدة صلح بين مصر وإسرائيل. وقد مُنح كيسنجر عام 1973 جائزة نوبل للسلام، كما عُيِّن في العام نفسه وزيراً للخارجية الأمريكية. ومع مجئ الرئيس كارتر إلى الحكم، انتهى عمله بهذا المنصب. وقد تولى كيسنجر بعد ذلك، مواقع مرموقة في المؤسسات الأكاديمية والمالية والتجارية الأمريكية، فعمل أستاذاً في جامعة جورج تاون، وعُيِّن نائباً لرئيس اللجنة الاستشارية الدولية لبنك تشيز مانهاتن، كما عمل مستشاراً للشئون العالمية لشركة إن. بي. سي. NBC وفي مؤسسة جولدمان ساخس للمال والسمسرة لتقديم المشورة حول تأثير التطورات السياسية الدولية على الشئون الاقتصادية والمالية للشركة وعملائها. وفي عام 1983 اختاره الرئيس الأمريكي ريجان لرئاسة اللجنة الخاصة بشئون أمريكا اللاتينية المنوط بها مهمة تقييم السياسة الخارجية الأمريكية في هذه المنطقة. ويتمحور فكر كيسنجر الإستراتيجي حول مفهوم النظام الدولي الشرعي والمستقر. فالاستقرار يصنع السلام (وليس العكس) وهو لا يتحقق إلا بوجود شرعية دولية تقبلها الأطراف الأساسية في النظام الدولي. والشرعية والاستقرار لا يتحققان إلا من خلال أداتين لا انفصال بينهما هما الدبلوماسية والقوة المسلحة. وهذا النظام لا ينفي الصراع تماماً بل يخفضه إلى نوع من التنافس والتوتر المحكوم بإطار مقبول من الترتيبات والقواعد حول السلوك والأهداف والوسائل المسموح بها. والمعضلة الأساسية بالنسبة لكيسنجر هي كيفية الحفاظ على النظام الشرعي المستقر في ظل عصر الأسلحة النووية وفي مواجهة النظم الثورية التي ترفض الإطار القائم وتشكل مصدراً للصراعات التي تعيق (في نظره) التطور، ومن هنا كان اقتراحه القائل بتَبنِّي إستراتيجية تعتمد على التزاوج بين الدبلوماسية والمفاوضات من جهة، والحرب المحدودة من جهة أخرى. وقد كانت القضية الأساسية التي شغلت كيسنجر وحدَّدت مواقفه من القضايا الدولية كافة هي قضية العلاقة بين القوتين الأعظم والتوازن الدقيق بينهما. فأية مشكلة تمس هذا الميزان، وتهدد المصالح الأمريكية والغربية، كانت تثير اهتمامه وتَحرُّكه السريع، مثل مشكلة الأمن الأوربي وحرب فيتنام وأزمة الشرق الأوسط بخاصة بعد حرب 1973، في حين نجد أن اهتمامه يتراجع بمشاكل أخرى لا تمس هذا التوازن مثل غزو تركيا لقبرص عسكرياً عام 1974 وتحديها لليونان، رغم أن كلتا الدولتين عضو في حلف ناتو، وكذلك إهماله التام لأفريقيا وعدم اهتمامه بقضاياها إلا بعد دخول الاتحاد السوفيتي طرفاً في حرب تحرير أنجولا، فعندئذ جاء تَحرُّكه السريع لغلق الباب الأفريقي أمام السوفييت. وإلى جانب تَحدِّي الكتلة الشرقية وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي كان كيسنجر يرى أن حركات التحرر الوطني والنظم الثورية الوطنية في العالم الثالث تشكل تحدياً آخر للولايات المتحدة والمعسكر الغربي؛ فهي تنزع نحو فرض نظام عالمي جديد يتسم بقدر أكبر من المساواة، وترى القوة الأمريكية المالية نوعاً من الاستعمار الجديد ومن ثم كان اقترابها أكثر من الاتحاد السوفيتي وتأثير ذلك على العلاقات والتوازن بين القوتين الأعظم. وهو يرى إمكانية احتواء هذه النظم الثورية "بالغواية والتخويف وكذلك ضربها بالحروب المحدودة حتى بغير اشتراك الولايات المتحدة. وعلى الولايات المتحدة أن تتأكد أنه يوجد لها في كل منطقة من العالم الثالث سوط مستعد في كل لحظة لأن يهوي على أي ظهر يحاول أن يرفع رأسه بعد حد معيَّن". ومحاولة اكتشاف البُعد اليهودي في تفكير كيسنجر أمر لا طائل من ورائه، فطريقة تفكيره وأولوياته وإدراكه لمصالح العالم الغربي وإدارته للأزمات الدولية (سواء في الشرق الأوسط أو غيرها من المناطق) هي جزء لا يتجزأ من التفكير الإستراتيجي العام في الغرب بمنطلقاته الصراعية الداروينية والتي تعود إلى عصر النهضة، وفلسفة الدولة. وهو تفكير يسعى إلى حماية أمن الغرب والدفاع عن مصالحه من خلال استخدام كل أشكال القوة (من ضغط سياسي إلى نشاط استخباري إلى انقلابات عسكرية مُدبَّرة إلى استخدام القوة العسكرية بشكل مباشر) . وفي داخل هذا الإطار يرى كيسنجر أن الولايات المتحدة هي زعيمة العالم الغربي ويرى أن لمصالحها أسبقية على مصالح الدول الأخرى وضمن ذلك الدول الغربية واليابان. ومن هنا اهتمامه بالبترول العربي فهو أداة ضغط أساسية على الدول "الحليفة" التي تعتمد على البترول المستورد. وما يُحدِّد موقف كيسنجر من إسرائيل ليس يهوديته أو رغبته في الدفاع عن المصالح اليهودية أو زيادة النفوذ اليهودي أو حماية الدولة اليهودية، وإنما حرصه على أن تكون إسرائيل حليفاً إستراتيجياً للولايات المتحدة وسوطاً رادعاً في يدها. ومن ثم لا يمكن تفسير مواقف كيسنجر السياسية على أساس يهوديته، كما يفعل بعض المحللين العرب. المال اليهودي Jewish Money «المال اليهودي» عبارة تتواتر في الأدبيات المُتداوَلة عن أعضاء الجماعات اليهودية، وهي عبارة تفترض وجود ثروة (ضخمة) يمتلكها اليهود ويوظفونها بالطريقة التي تروق لهم. ولعل أساس العبارة هو دور اليهود كجماعة وظيفية تجارية تمتلك رأسمال توظفه في التجارة البدائية والربا ويدر عليها ربحاً (كان النبيل الإقطاعي يستولي على معظمه) . ونظراً لوجود هذا الرأسمال خارج العملية الإنتاجية الزراعية، فقد بدا كما لو كان مستقلاً. أما في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، فقد تَركَّز أعضاء الجماعات اليهودية في قطاعات اقتصادية بعينها، فكان يبدو كما لو كان اليهود عنصراً مستقلاً. ويذهب البعض إلى أن هذا المال اليهودي هو سر قوة اليهود، فهم يوظفونه في شراء النفوذ وفي ممارسة السلطة وفي تخريب الضمائر وإفساد العباد. وهذه أيضاً تهمة لها جذورها، فأعضاء الجماعات اليهودية كانوا يشترون المواثيق والحماية والمزايا من الملك أو الأمير، كما أنهم تركزوا في كثير من القطاعات المشينة في المجتمعات الحديثة (البغاء - المجلات الإباحية) . وكما هو واضح، فإن ثمة أساساً موضوعياً أو مادياً لكل التهم، ومع ذلك يظل الواقع أكثر تركيباً من التهم الاختزالية البسيطة ومن الواقع المادي المباشر. فالمال اليهودي في المجتمع الإقطاعي كان بالفعل في قبضة أعضاء الجماعات اليهودية، ولكنهم هم أنفسهم كانوا في قبضة الأمير الإقطاعي، وكانت المواثيق الممنوحة لهم تتحدث عن تبعيتهم للأمير تبعية المملوك للمالك. وكانت بعض المواثيق تشير إلى هذا بشكل مجازي، بينما كان البعض الآخر يشير إليه بشكل حرفي. والمال اليهودي في العصر الحديث لا يختلف كثيراً عن المال اليهودي في العصور الوسطى في الغرب. فرأس المال اليهودي يتحرك حسب حركة رأس المال المحلي الذي يتحرك بدوره حسب حركة رأس المال العالمي. ولعله بعد عمليات التدويل المختلفة التي خاضها العالم، وظهور النظام العالمي الجديد والشركات متعددة الجنسيات، زادت تبعية المال اليهودي وتناقصت مقدرة الرأسمالي من أعضاء الجماعات اليهودية على التحكم في رأس ماله. وكل هذا لا ينفي ما يلي: 1 ـ أن هناك رقعة من الحرية للرأسمال اليهودي يتحرك فيها، خصوصاً إذا تماثلت الظروف. 2 ـ أن كثيراً من القرارات السياسية التي اتخذها غير اليهود كانت تَصدُر عن الإيمان بوجود هذا المال اليهودي، ومن ثم أخذه صانع القرار في الحسبان وهو يتخذ قراره، أي أن المال اليهودي (في هذه الحالة) عنصر مؤثر تأثيراً لا يتناسب بتاتاً مع قوته الفعلية. العجز اليهودي (بسبب انعدام السيادة وعدم المشاركة في السلطة ( Jewish Powerlessness «العجز بسبب انعدام السيادة وعدم المشاركة في السلطة» عبارة ظهرت مؤخراً في الأدبيات الصهيونية وغيرها، وهي عبارة تحاول أن تفسر المسألة اليهودية على أنها تتلخص في افتقار اليهود إلى السيادة القومية وعدم مشاركتهم في صنع القرار. وتعود هذه الحالة (حسب التصور الصهيوني) إلى عام 70م عندما قام تيتوس بهدم الهيكل رمز السيادة القومية وأصبح اليهود جماعات مشتتة ليست لها سيادة قومية مستقلة، يوجد أعضاؤها خارج نطاق مؤسسات صنع القرار بعيداً عن أية سلطة، وبالتالي أصبحوا غير متحكمين في مصيرهم. ويستند هذا النموذج التفسيري إلى عدة افتراضات اختزالية من بينها تَصوُّر أن العبرانيين القدامى والعبرانيين اليهود، أي اليهود حتى عام 70م، كانوا يمارسون سيادة قومية كاملة. وهذا أمر مشكوك فيه. فلقد كان العبرانيون ـ حسب ما وصلنا من معلومات - أقناناً أو عبيداً أو قبائل رحلاً. وبعد التسلل العبراني في كنعان، ظل العبرانيون جيوباً متفرقة لا تمتلك كثيراً من السيادة القومية. والاستثناء الوحيد من هذه الصورة العامة هو حكم كلٍّ من داود وسليمان (المملكة العبرانية المتحدة) الذي لم يدم أكثر من أربعين عاماً بسبب الغياب المؤقت للقوى العظمى في الشرق الأدنى القديم. ثم ظهرت الدويلتان العبرانيتان اللتان كانتا تتبعان في سياستهما إما آشور وبابل أو مصر أو آرام دمشق. وقد دام حكم الحشمونيين فترة قصيرة لا تزيد على مائة عام، بدأت بتوقيع معاهدة مع روما (القوة العظمى الصاعدة) وانتهت بتَدخُّل بومبي في تعيين الملك الحشموني. ويفترض هذا النموذج التفسيري أيضاً وحدة المصير اليهودي ووحدة أعضاء الجماعات. وهذا أمر يتناقض تماماً مع الحقائق التاريخية، فقد كان مصير كل جماعة يهودية يتحدد بآليات وحركيات التشكيل الحضاري والسياسي الذي تواجدت داخله. ويُنكر هذا النموذج التفسيري أن أعضاء الجماعات اليهودية كانوا في كثير من الفترات، شأنهم شأن أعضاء الجماعات الدينية والإثنية الأخرى، يشاركون في السلطة من خلال المؤسسات التقليدية للحكم. فالمجتمعات التقليدية كان لها نظامها الخاص في تقسيم السلطة بحيث تسيطر السلطة الحاكمة على الجيش والسياسة الدولية. أما الشئون الأخرى، وضمنها الأمن الداخلي، فكان تسييرها يتم عن طريق مؤسسات الإدارة الذاتية. ثم يفترض هذا النموذج التفسيري وجود إدارة وسيادة يهودية مستقلة، وهو افتراض خاطئ تماماً. ففي العصر الحديث، يشارك أعضاء الجماعات، منفردين أو مجتمعين، في السلطة وفي صنع القرار من خلال مؤسسات الدولة الحديثة (البرلمانات والأحزاب السياسية) . فعلى سبيل المثال، يُعدُّ تعيين هنري كيسنجر وزيراً للخارجية الأمريكية، وهو من أهم المناصب السياسية في العصر الحديث، تعبيراً عن هذا الشكل من أشكال المشاركة في السلطة. وبالمثل فإن اللوبي الصهيوني شكل آخر لهذه المشاركة؛ حيث يشكل بعض أعضاء الجماعة اليهودية قوة ضغط داخل الكونجرس الأمريكي تقوم بممارسة الضغط لصالح الدولة الصهيونية. وهذه هي إحدى الآليات الأساسية للنظام السياسي الديموقراطي في الغرب. وسيجد الدارس المدقق لهذا النموذج التفسيري أن المفكرين الصهاينة، ومعظمهم من أصول إشكنازية شرق أوربية، حين يتحدثون عن العجز بسبب انعدام السيادة وعدم المشاركة في السلطة، إنما يفكرون في تجربة أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا ابتداءً من العصور الوسطى حتى بداية القرن الحالي. ولذا، فإن المقولة تحمل شيئاً من الصحة إن تَحدَّد مجالها الدلالي على هذا النحو. ومن المعروف أن أعضاء الجماعات اليهودية في العصور الوسطى في الغرب، كانوا تجاراً ومرابين وأقنان بلاط وأرندا ويهود بلاط، وكلها أشكال مختلفة من أنماط الجماعة الوظيفية، وكانوا كذلك قريبين دائماً من الحاكم ملتصقين به، كما كانوا يشكلون أدواته الطيعة في عملية الاستغلال وامتصاص فائض القيمة من الجماهير. ولكنهم، مع هذا، لم يشاركوا في صنع القرار، فقد كانوا منبتي الصلة بالجماهير وتعوزهم القوة العسكرية، وهذا ما جعلهم في حالة عجز واعتماد كامل على الحاكم الذي كانت ثقته بهم تتزايد لأنهم لا يشكلون أية خطورة عليه بسبب عجزهم عن الاستيلاء على السلطة أو لعدم وجود أساس من القوة يؤهلهم للمطالبة بنصيب فيها. وقد طرحت الصهيونية نفسها على أنها الحركة التي ستحل هذه الإشكالية وتضع نهاية لعجز اليهود وعدم مشاركتهم في السلطة عن طريق تأسيس دولة يهودية مستقلة ذات سيادة. وذلك على اعتبار أنه، مهما تكن مشاركة أعضاء الجماعات في صنع القرار، فإن هذا القرار يظل في النهاية غير يهودي، ويظل اليهودي بالتالي مهدداً في أية لحظة بسحب البساط من تحت قدميه. وفي هذا المقام، يُشار دائماً إلى ألمانيا النازية حيث كان كثير من يهود ألمانيا يشغلون، حتى ظهور النازية (عام 1933) ، مناصب حكومية وسياسية قيادية. وينسى الصهاينة أن النظام السياسي الألماني لم يَحرم أعضاء الجماعات اليهودية وحدهم من المشاركة في السلطة، فقد حَرَم قطاعات كبيرة من الشعب الألماني والشعوب الأخرى التي سيطرت عليها القوات الألمانية من أية سلطة أو إرادة مستقلة. والأهم من ذلك كله أن الاستعمار الصهيوني كان استعماراً عميلاً منذ بداية الاستيطان، كما أن شرعيته لم تكن تستند إلى قوة اليهود أو إلى حركة جماهيرية وإنما استندت إلى وعد أصدرته القوة الإمبراطورية الصاعدة في الشرق وإلى الضمانات العسكرية التي قدَّمتها، أي أن النمط الذي ساد أوربا حتى القرن التاسع عشر، داخل التشكيل السياسي الغربي، عاد وأكد نفسه بحيث أصبح المستوطنون الصهاينة عنصراً قريباً من القوة الإمبريالية الحاكمة لصيقاً بها، ولكن القرار الخاص بالسياسة الاستعمارية الدولية ظل من اختصاص الحاكم الإمبريالي، أي أن الصهاينة أسسوا في نهاية الأمر دولة وظيفية ليست لها إرادة مستقلة؛ بل وعاجزة عن البقاء والحركة بدون الدعم الإمبريالي. لكن الدولة، بعد إنشائها، تمتعت بشيء من الاستقلال النسبي نتيجة تَصارُع القوى الإمبريالية فيما بينها على مناطق النفوذ في الشرق الأوسط. ومع صعود قوة الولايات المتحدة وتزايد اعتماد المستوطن الصهيوني على الدعم الأمريكي، تناقص الاستقلال اليهودي وتضاءل تحكم الإسرائيليين في مصيرهم، وأصبحت المؤسسة الحاكمة الإسرائيلية تتخذ قراراتها وعيونها على الممول الموجود في واشنطن. ومن المتوقع أن يزداد هذا الاتجاه مع تزايد الرفض العربي للمُستوطَن الصهيوني. وقد وجدت إشكالية العجز طريقها إلى التفكير الديني اليهودي، فيذهب ريتشارد روبنشتاين إلى أن اليهودية الحاخامية قد ولَّدت لدى اليهود استعداداً كامناً للاستسلام والخنوع والخضوع والعجز. ولا يمكن تفسير تعاون المجالس اليهودية في أوربا مع القوات النازية واشتراكها في تسليم اليهود إلى النازي إلا بالتراث الحاخامي الذي يجعل من العجز والسلبية فضيلة. أما إرفنج جرينبرج، فقد ساهم في تطوير ما يُسمَّى «لاهوت البقاء» الذي يجعل الحصول على السيادة هدف التاريخ اليهودي الزمني والمقدَّس، ويجعل دستور إسرائيل كتاب إسرائيل المقدَّس، ويجعل دولة إسرائيل التجسد الحقيقي لهدف التاريخ اليهودي (تيلوس) . وتجدر ملاحظة أن مصطلح «عجز اليهود» يُستخدَم في الكتابات الدينية، وخصوصاً الأرثوذكسية، للإشارة إلى أن اليهود شعب مختار ذو صلة خاصة بالإله، وأن هذه العلاقة الخاصة تجعله يقف خارج التاريخ ليشهد على الأمم، ولذا فإنه لابد أن يظل خارج نطاق السلطة والسيادة. والمصطلح، في هذا السياق، لا يحمل أية تضمينات قدحية، بل العكس هو الصحيح إذ أن العجز هنا يصبح علامة من علامات الاختيار. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الرأسمالية اليهودية
Jewish Capitalism «الرأسمالية اليهودية» مصطلح يفترض وجود تشكيل رأسمالي يهودي مستقل، وهو أمر مناف للواقع، ولذا فإننا نفضل استخدام مصطلح «الرأسماليون الأمريكيون اليهود» أو «الرأسماليون الأمريكيون من اليهود» أو «الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة» . البورجوازية اليهودية Jewish Bourgeoisie «البورجوازية» كلمة مأخوذة بالنسب إلى كلمة «بورج» أي «المدينة» ، وهي كلمة موجودة في عدة لغات أوربية. وعبارة «البورجوازية اليهودية» تفترض وجود طبقة بورجوازية مستقلة عن البورجوازيات المختلفة وهو ما يعني أيضاً وجود «تاريخ يهودي مستقل» . وحيث إن أعضاء الجماعات اليهودية في العالم لا يلعبون دوراً مستقلاًّ عن المجتمعات التي يوجدون فيها، فلا يمكن الحديث عن بورجوازية يهودية بشكل عام، وإنما يمكن الحديث عن «اليهود من أعضاء البورجوازية الإنجليزية» أو «اليهود من أعضاء البورجوازية الأمريكية» وهكذا. ومع هذا، فقد لعب أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب دوراً متميِّزاً نوعاً ما في نشوء الرأسمالية، وهي قضية ناقشها كل من ماركس وفيبر وسومبارت. الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية Jewish Capitalists من المصطلحات الشائعة في الخطاب السياسي العربي والغربي مصطلح «الرأسمالية اليهودية» و «البورجوازية اليهودية» و «رأس المال اليهودي» . وهي مصطلحات، شأنها شأن مصطلحات مثل «الشخصية اليهودية» و «القومية اليهودية» ، تفترض أن ثمة وجوداً اقتصادياً يهودياً مستقلاًّ عن التشكيلات الاقتصادية المختلفة وتطوُّراً اقتصادياً يهودياً مستقلاً عن التطورات الاقتصادية العامة في المجتمعات التي عاش أعضاء الجماعات اليهودية في كنفها. وهذا افتراض غير دقيق ومقدرته التفسيرية والتصنيفية ضعيفة، ويؤدي في النهاية إلى عدم فهم حركيات التطور والتغيير بين أعضاء تلك الجماعات. ولذا، فإننا نفضل استخدام مصطلح «الرأسماليون الأمريكيون اليهود» أو «الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية» أو أي مصطلح مماثل يفيد عدم وجود رأسمالية يهودية مستقلة. فالرأسمالية الأمريكية، على سبيل المثال، تضم رأسماليين أمريكيين لهم انتماءات إثنية مختلفة، فالانتماء الإثني الخاص هو الفرع والجزء، والرأسمالية الأمريكية هي الأصل والكل. ومما لا شك فيه أن أعضاء الجماعات اليهودية لعبوا دوراً فعالاً في نشوء وتطوُّر الرأسمالية في العالم الغربي، ولكن لا يمكن اعتبارهم مسئولين عن ظهورها. فتطوُّر الرأسمالية في الغرب مرتبط بظواهر لم يكن لليهود أي دور فيها، مثل: حركات الاكتشاف والقرصنة، ثم الاستعمار التجاري الاستيطاني في القرن السادس عشر، والإصلاح الديني، والترشيد والعلمنة. وقد تناول كلٌّ من ماركس وفيبر وسومبارت هذه القضية. أما من ناحية تطوُّر اليهود كرأسماليين في إطار الحضارة الغربية، فهذا مرتبط بوضعهم كجماعة وظيفية تضطلع بوظائف مالية محددة، فقد كان منهم من اشتغل بالتجارة والربا، وكان منهم من اشتغل بالأعمال المالية الأخرى، مثل يهود الأرندا ويهود البلاط، ثم كان منهم أخيراً الرأسماليون المحدثون. وكان أعضاء الجماعة في وظائفهم المختلفة، حتى الانقلاب التجاري، تابعين للحاكم أو الطبقة الحاكمة وليس لهم أي استقلال اقتصادي عن النظم التي وجدوا فيها، فكانوا تابعين لها يعيشون على أطرافها وفي خدمتها. ومما لا شك فيه أن أعضاء الجماعات اليهودية استفادوا من العلاقات الدولية التي نشأت بينهم، فكان يهود البلاط يستوردون الحبوب من يهود الأرندا ويوفرون لبعضهم البعض نظاماً ائتمانياً يسهل عملية انتقال البضائع والأرباح، ولكنهم مع هذا ظلوا أساساً جزءاً من كل. ويمكن تقسيم دور بعض أعضاء الجماعات اليهودية كرأسماليين داخل التشكيل الحضاري الغربي، إلى ثلاثة أقسام: 1 ـ الرأسماليون من يهود اليديشية في شرق أوربا، خصوصاً روسيا. وبلغ بعضهم درجات عالية من الثراء وتخصَّصوا في بعض الصناعات والسلع مثل السكك الحديدية والغلال، كما حدث مع أسرة جونزبرج. ولكنهم كانوا قلة نادرة تعيش خارج منطقة الاستيطان بعيداً عن أية جماهير يهودية وكانت حريصة على الاندماج في المجتمع الروسي. أما داخل منطقة الاستيطان ذاتها، فكان يوجد صغار الرأسماليين الذين امتلكوا نحو نصف الصناعات داخل المنطقة. ولم يكن هؤلاء قوة سياسية حقيقية، فقد كانوا يعانون ـ شأنهم شأن بقية قطاعات المجتمع الروسي ـ من التناقض الأساسي في روسيا القيصرية بين الشكل السياسي المتكلس والوضع الاقتصادي المتطور. وكانوا يستأجرون عمالاً من أعضاء الجماعات اليهودية، ولكن كثيراً ما كانت تنشأ الصراعات الطبقية بين هؤلاء وأولئك فينظم العمال ضدهم الإضرابات، ويحاولون هم استئجار عمال غير يهود. وقد قامت الثورة البلشفية بالقضاء على الرأسمالية الروسية بما في ذلك الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية. ومع هذا، استمر بعض التجار اليهود في ممارسة نشاطهم، بل ازدهروا في فترة النظام الاقتصادي الجديد (نيب) ، بل كانت هناك نسبة من اليهود بين تجار السوق السوداء في الستينيات. ولكننا في هذه الحالة لا نتحدث عن رأسماليين يمتلكون وسائل الإنتاج وإنما نتحدث عن صغار الانتهازيين وتجار العملة وما شابه ذلك. وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وظهور الاقتصاد الحر في روسيا وأوكرانيا وغيرهما من الجمهوريات التي تُوجَد بها جماعات يهودية كبيرة نسبية، نتوقع أن تشتغل أعداد كبيرة منهم في القطاع التجاري والصناعي الاستهلاكي (وهذا هو النمط السائد في الغرب) . 2 ـ في وسط أوربا، خصوصاً ألمانيا، برز كثير من أعضاء الجماعات اليهودية الرأسماليين، وهؤلاء هم ورثة يهود البلاط ولعبوا دوراً مهماً في تطوُّر الرأسمالية والصناعة الألمانية. وقد تم القضاء على هؤلاء مع استيلاء هتلر على الحكم، فهاجرت أعداد كبيرة منهم إلى الولايات المتحدة وفلسطين بما تبقَّى من رؤوس أموالهم وصُودرت أموال الباقين. 3 ـ أما الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في بلاد غرب أوربا والولايات المتحدة، فلهم مكانة مختلفة إذ يُلاحَظ أن النُخَب الحاكمة في هذه البلاد، بعد أن ظهرت فيها ثورة تجارية، وبعد أن ظهرت فيها طبقة بورجوازية محلية، وجدت أن استيطان الجماعات اليهودية فيها سيساعدها على تحقيق كثير من طموحاتها وسيزودها بكثير من الخدمات. ومن هذا المنظور، تم توطين اليهود في هولندا وإنجلترا في القرن السابع عشر ثم في العالم الجديد. وقد ازدهر الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في هذه البلاد، ولكن نسبتهم ظلت صغيرة كما ظل رأس المال الذي يمتلكونه والصناعات التي يديرونها تتضاءل في الأهمية قياساً إلى المصانع ورؤوس الأموال الضخمة في هذه البلدان. وقد لاحظ كارل ماركس في المسألة اليهودية أن أصغر رأسمالي أمريكي يجعل روتشيلد يشعر وكأنه شحاذ. ولعبت عائلة روتشيلد في إنجلترا وفرنسا، وعائلات مونتيفيوري وساسون ومونتاجو في إنجلترا، دوراً مهماً في القطاع المالي والمصرفي في بلدهم حيث ساهموا في تمويل الحكومات والحروب وفي تطوير الرأسمالية في أوربا وفي تمويل المشاريع الرأسمالية الإمبريالية خلال القرن التاسع عشر. كما تخصَّص الرأسماليون اليهود في إنجلترا مثل إسرائيل سيف وسيمون ماركس في القطاع التجاري، وبخاصة في مجال المتاجر المتكاملة متعددة الأقسام. وفي فرنسا، برز خلال القرن العشرين بعض رجال الصناعة المهمين من اليهود مثل مارسل داسو وأندريه سيتروين. ولكن رغم أهمية دورهم وحيويتهم فلم يكن لهم دور يهودي مستقل. أما الرأسماليون من يهود الولايات المتحدة، فإن تجربتهم مختلفة إلى حدٍّ ما، فقد استقروا في مجتمع استيطاني يتسم بدرجات عالية من العلمنة والحركية، وقد استفاد المهاجرون اليهود من هذا الوضع وراكموا الثروات (انظر الأبواب المعنونة «فرنسا» ـ «إنجلترا» ـ «رأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة» ) . أما بالنسبة لدور أعضاء الجماعات اليهودي في تطوُّر الرأسمالية في العالم العربي، فلا تمكن دراسته إلا في سياق الغزو الاستعماري الغربي للمنطقة وتحويل أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي إلى مادة استيطانية تدور في فلك المنظومة الإمبريالية الغربية. وستتناول مداخل هذا الباب بعض الرأسماليين من أعضاء الجماعات اليهودية في العالم، نبدؤها بعائلة روتشيلد التي كان لها فروع مختلفة في أوربا ثم نتناول بعض الرأسماليين من أعضاء الجماعة اليهودية في فرنسا ثم إنجلترا وألمانيا وروسيا وجنوب أفريقيا وكندا. ثم ننتقل بعد ذلك إلى الشرق الأقصى، ونركز على الرأسماليين من أعضاء الجماعة اليهودية في مصر كدراسة حالة مُمثِّلة، وأخيراً بقية العالم العربي. عائلة روتشيلد The Rothschilds عائلة من رجال المال ويهود البلاط الذين تحوَّلوا بالتدريج إلى رأسماليين من أعضاء الجماعات اليهودية، ويعود أصل العائلة إلى فرانكفورت في القرن السادس عشر. والاسم «روتشيلد» منقول من عبارة ألمانية تعني «الدرع الأحمر» وتشير كلمة «درع» هنا إلى ذلك الدرع الذي كان على واجهة منزل مؤسِّس العائلة إسحق أكانان. وقد حققت عائلة روتشيلد مكانة بارزة في عالم المال والبنوك في أوربا بدءاً من القرن الثامن عشر وحتى القرن العشرين. وتاريخ تطوُّر العائلة هو أيضاً تاريخ يهود البلاط واختفائهم وتحوُّلهم إلى مجرد أعضاء في الرأسمالية الغربية الرشيدة ثم التشكيل الإمبريالي الغربي (الذي كان يُخطِّط لاقتسام الدولة العثمانية والاستيلاء على ثروات الشرق) . ودعم الأسرة للمشروع الصهيوني في فلسطين، ليس تعبيراً عن وجود مصالح يهودية مستقلة وإنما تعبير عن معدلات الاندماج في الحضارة الغربية في تشكيلها القومي والإمبريالي. وكان ماجيراشيل روتشيلد (1743 ـ 1812) تاجر العملات القديمة هو الذي وسَّع نطاق العائلة في مجال المال والبنوك، بعد أن حقق ثروة طائلة أثناء حروب الثورة الفرنسية من خلال عمله في بلاط الأمير الألماني وليام التاسع. وقد تفرَّق أبناؤه الخمسة وتوطنوا وأسسوا أفرعاً لبيت روتشيلد في خمسة بلاد أوربية هي: إنجلترا وفرنسا والنمسا وإيطاليا بالإضافة إلى ألمانيا. وبالتالي، فقد أقاموا شبكة من المؤسسات المالية المرتبطة ببعضها البعض. أسس الابن الأكبر نيثان ماير روتشيلد (1777ـ 1836) فرع بيت روتشيلد في إنجلترا، وتزوج أخت زوجة موسى مونتفيوري الثري والمالي اليهودي وزعيم الجماعة اليهودية في إنجلترا. وأتاحت له هذه الزيجة دخول أوساط المجتمع اليهودي السفاردي في إنجلترا سريعاً. واكتسب نيثان ماير روتشيلد مكانة مرموقة في عالم المال أثناء الحروب النابليونية حيث ساهم في تمويل إنفاق الحكومة الإنجليزية على جيشها في أوربا، واستعان في ذلك بأخيه جيمس روتشيلد المقيم في فرنسا، كما ساهم في تمويل التحويلات البريطانية إلى حلفائها في أوربا. وقد استطاعت عائلة روتشيلد، خلال تلك الفترة، تدبير ما يقرب من 100 مليون جنيه إسترليني للحكومات الأوربية. وبعد الحرب، كانت هذه العائلة هي الأداة الرئيسية في تحويل التعويضات الفرنسية إلى الحلفاء وفي تمويل القروض والسندات الحكومية المخصصة لعمليات إعادة البناء. واكسبته هذه المعاملات المالية مكانة متميِّزة في جميع أنحاء أوربا ودعمت مركز مؤسسته كواحدة من أبرز المؤسسات المالية الأوربية في تلك الفترة. وكان نيثان روتشيلد يتسم بالدهاء المالي والتجاري. فخلال فترة الحروب النابليونية، نجح هو وإخوته، من خلال عمليات تهريب السلع من إنجلترا إلى أوربا، في تحقيق مكاسب ضخمة. كما استغل إمكانياته في الحصول على المعلومات والأخبار بشكل سريع نسبياً، بفضل شبكة الاتصالات التي أسستها العائلة فيما بينها، لتحقيق أرباح طائلة لمؤسسته. وكان نيثان من أوائل من علموا بانتصار إنجلترا على قوات نابليون في معركة ووترلو. وكان ذلك يعني ارتفاع أسعار سندات الحكومة الإنجليزية. إلا أن نيثان أسرع ببيع حجم كبير من سنداته حتى يوهم الجميع بأن إنجلترا خسرت الحرب، وهو ما دفع الكثيرين إلى التخلص من السندات التي في حوزتهم، الأمر الذي أدَّى بدوره إلى انخفاض أسعار هذه السندات بشكل حاد. وهنا قام بشراء هذه السندات بثمن بخس مُحقِّقاً من وراء ذلك أرباحاً طائلة حيث قفزت أسعار السندات إلى أعلى، عقب إعلان خبر انتصار إنجلترا وهزيمة نابليون. وظل نيثان يستغل قدرته على الحصول على المعلومات والأخبار سواء الخاصة بالتطورات السياسية أو الخاصة بالأمور المالية في التلاعب من خلال عمليات البيع والشراء الواسعة النطاق في أسعار الأسهم والسندات مُحقِّقاً لنفسه ولمؤسسته مكاسب ضخمة. وبعد وفاة نيثان ماير، تولَّى أكبر أبنائه ليونيل نيثان روتشيلد (1806ـ 1879) إدارة مصالح بيت روتشيلد في لندن. وكان ليونيل أول عضو يهودي في البرلمان الإنجليزي. وقد اشترك في عمليات مالية مهمة، من بينها تدبير قرض قيمته 16 مليون جنيه لتمويل حرب القرم. كما قدم ليونيل التمويل اللازم لدزرائيلي رئيس وزراء بريطانيا، الذي كانت تربطه به صداقة وثيقة، لشراء نصيب مصر في أسهم قناة السويس عام 1875، وهي عملية تمت في كتمان وسرية تامة بعيداً عن الخزانة البريطانية، ولم يُبلَّغ البرلمان البريطاني بها إلا بعد إتمامها. ولا شك في أن مساهمة بيت روتشيلد في تقديم القروض للخديوي إسماعيل ولأعيان مصر، وما تبع ذلك من تَضخُّم المديونية المالية لمصر ثم ما جر ذلك وراءه من امتيازات أجنبية ثم تَدخُّل بريطاني في آخر الأمر بحجة الثورة العرابية، كل ذلك تم في إطار المصالح الإمبريالية الرأسمالية التي كانت تسعى لفصل أهم أجزاء الإمبراطورية العثمانية عنها تمهيداً لتحطيمها وتقسيمها. وقد اشترك ليونيل روتشيلد أيضاً في إقامة السكك الحديدية في فرنسا والنمسا بالتعاون مع فروع بيت روتشيلد في البلدين. وقد بادر روتشيلد بإقامة هذه المشاريع بعد أن تبيَّن له مدى نجاح وأهمية السكك الحديدية في إنجلترا التي كانت أول دولة تطوِّرها، وهو ما يعكس تبادل فروع بيت روتشيلد للخبرات والتجارب فيما بينها. كما قامت مؤسسته بتمويل جهود الاستعماري سيسل رودس لإقامة إمبراطورية ضخمة لصناعة وتجارة الماس في جنوب أفريقيا. ويُلاحَظ أن الزواج من داخل العائلة ظل النمط الغالب بين أعضائها، وهو تقليد كان يهدف إلى الحفاظ على الثروة داخل العائلة وتدعيم العلاقات فيما بينها. وقد تمسكت العائلة بقاعدة صارمة في زواج الأبناء. ففي حين كان يُسمَح لبنات روتشيلد بالزواج من غير اليهود، لم يُسمَح بذلك للذكور الذين كان يئول لهم النصيب الأكبر من ثروة العائلة وإدارة أعمالها. ومن الواضح أن المعيار المُستخدَم هنا معيار غير يهودي، وقد كان آل روتشيلد يحاولون بذلك الحفاظ على الثروة لا على الانتماء اليهودي. وقد كان اليهودي، حسب الشريعة، هو من يولد لأم يهودية، ولذا فإن زواج بنات روتشيلد من غير اليهود كان يعني أن أولادهم (اليهود الحقيقيين) سينشأون في بيوت غير يهودية وأن آباءهم من الأغيار. وتزوج ليونيل روتشيلد من ابنة عمه كارل روتشيلد (الذي كان قد استقر في نابولي) . واهتمت الزوجة بالمشاريع الخيرية للعائلة، وبخاصة بناء المدارس اليهودية الحرة. ونالت هذه المدارس اهتماماً خاصاً من العائلة، وكانت هذه المدارس قد أقيمت أساساً لخدمة أبناء المهاجرين اليهود الأوائل من شرق أوربا الذين جاءوا بثقافتهم اليديشية وتقاليدهم الدينية، وهو ما كان يثير قلقاً بين أعضاء الجماعة اليهودية المندمجين في إنجلترا؛ لما قد يمثله ذلك من تهديد لمواقعهم الطبقية ومكانتهم الاجتماعية. وهذه المدارس بالتالي، كانت تهدف إلى استيعابهم ودمجهم وصبغهم بالثقافة الإنجليزية. وقد أصبح دعم عائلة روتشيلد للصهيونية (فيما بعد) أداة لإبعاد هذه الهجرة برمتها عن بلادهم بعد أن تزايد حجمها في نهاية القرن التاسع عشر، أي أنه كان دعماً صهيونياً توطينياً. وقد تولَّى ناثانيل ماير روتشيلد (1840 ـ 1915) إدارة بيت روتشيلد بعد وفاة والده، وأصبح أول فرد في عائلة روتشيلد يحصل على لقب لورد. كما ورث البارونية من عمه سير أنتوني دي روتشيلد (1810 ـ 1876) . وقد كانت له علاقات صداقة مع ولي العهد البريطاني الذي أصبح فيما بعد الملك إدوارد السابع، ومع كلٍّ من بلفور ولويد جورج رئيس وزراء بريطانيا آنذاك. وقد اهتم ناثانيل روتشيلد بأوضاع الجماعات اليهودية في شرق أوربا التي تدهورت بسبب تعثُّر عملية التحديث وتعرُّض جميع الأقليات للاضطهاد. فرفض تدبير القروض للحكومة القيصرية احتجاجاً على ذلك رغم أن والده ظل يمثل الحكومة الروسية في المجالات المالية لمدة 20 عاماً. ورغم عدم تعاطفه مع الصهيونية، إلا أنه رحب بمشاريع هرتزل لتوطين اليهود. أما ابنه الأكبر ليونيل والتر روتشيلد (1868 ـ 1937) ، فقد ترك عالم المال والبنوك وتخصَّص في علوم الأحياء والطبيعة. وتعود أهمية ليونيل والتر إلى أنه كان يمتلك حديقة حيوانات خاصة، كما أن وعد بلفور أخذ شكل خطاب موجه إليه. وقد أيد ليونيل منذ عام 1917 الجهود الدبلوماسية لكلٍّ من حاييم وايزمان (الذي أصبح أول رئيس لإسرائيل) وناحوم سوكولوف الرامية إلى إصدار تعهُّد بريطاني بشأن تأسيس «وطن قومي» لليهود. وكان ليونيل روتشيلد يرى أن الوجود الصهيوني في فلسطين لابد أن يأخذ شكل دولة لا شكل وطن قومي وحسب، وأن هذا يخدم مصالح الإمبراطورية البريطانية، ومن ثم مصالح عائلة روتشيلد. وعند إصدار وعد بلفور، كان روتشيلد رئيساً شرفياً للاتحاد الصهيوني لبريطانيا وأيرلندا. كما كان أثناء الحرب العالمية الأولى من مؤيدي إنشاء الفيلق اليهودي الذي دخل فلسطين مع الجيش البريطاني. ومن الجدير بالذكر أن عائلة روتشيلد، مثلها مثل غيرها من عائلات أثرياء اليهود المندمجين في المجتمع البريطاني، كانت في البداية رافضة لصهيونية هرتزل السياسية بسبب تَخوُّفهم مما قد تثيره من ازدواج في الولاء، وهو ما يشكل تهديداً لمكانتهم ووضعهم الاجتماعي. وقد ساهمت العائلة في تأسيس «عصبة يهود بريطانيا League of British Jews» المناهضة للصهيونية. لكن هذا الموقف تبدَّل فيما بعد حيث تبيَّن أن وجود كيان صهيوني استيطاني في المشرق العربي يخدم مصالح الإمبراطورية البريطانية، وذلك إلى جانب أن الصهيونية كان يتم تقديمها في ذلك الوقت كحل عملي لتحويل هجرة يهود شرق أوربا إلى فلسطين بعيداً عن إنجلترا وغرب أوربا. كما استقر في بريطانيا جيمس أرماند دي روتشيلد (1878 ـ 1957) ابن إدموند دي روتشيلد، والذي حصل على الجنسية البريطانية، وأصبح عضواً في البرلمان البريطاني وخدم في الجيش البريطاني في كلٍّ من فرنسا وفلسطين أثناء الحرب العالمية الأولى. وكان من بين مهامه تجنيد المتطوعين من بين المستوطنين اليهود في فلسطين للالتحاق بالفيلق اليهودي. كما أُلحق ضابطاً بمشاريع عديدة في فلسطين، وترأَّس هيئة الاستيطان اليهودي في فلسطين التي كانت تدير المستوطنات التي أسسها والده في فلسطين. وخصَّص في وصيته عند وفاته مبالغ كبيرة لإقامة مشاريع من أهمها إنشاء مبنى الكنيست في القدس. وفي فرنسا، أسس جيمس ماير دي روتشيلد (1792 ـ 1868) فرع بيت روتشيلد في باريس عام 1812. وأصبح شخصية مالية احتفظت بنفوذها الواسع في عالم المال رغم تغيُّر الحكومات، فعمل على تدبير القروض لملوك البوربون، وكان مقرباً للملك لويس فيليب حيث تولى إدارة استثماراته المالية الخاصة، كما قدَّم قروضاً عديدة للدولة. كما شارك لفترة طويلة من عمره في رسم السياسة الخارجية الفرنسية. وفي أعقاب ثورة 1848، استمر بيت روتشيلد في تقديم خدماته المالية وقام بتدبير القروض لنابليون الثالث. وشهدت هذه الفترة منافسة شديدة بين بيت روتشيلد وبين المؤسسة المالية المملوكة للأخوين اليهوديين إسحق وإميل بيريير داخل فرنسا وخارجها. كما حصل جيمس ماير على امتياز بناء سكك حديد الشمال الفرنسية التي ظلت ملكاً لعائلة روتشيلد حتى عام 1940. وقد ورثه خمسة أبناء من بينهم ماير ألفونس جيمس دي روتشيلد (1827 ـ 1905) والذي تولَّى من بعده إدارة بيت روتشيلد عام 1854، وترأَّس سكك حديد الشمال، كما أصبح أيضاً عضواً في مجلس إدارة بنك فرنسا. وبعد هزيمة فرنسا عام 1870 ـ 1871 في الحرب الفرنسية البروسية، أدار ماير ألفونس روتشيلد المفاوضات الخاصة بالتعويضات والديون الفرنسية الواجب سدادها للجانب البروسي. ومن بين الأبناء الخمسة أيضاً، إدموند روتشيلد (1845 ـ 1934) الذي تعود أهميته إلى دعمه للنشاط الاستيطاني اليهودي في فلسطين (انظر: «إدموند روتشيلد» ) . وترأَّس حفيده إدموند (1926 ـ) رئاسة لجنة التضامن مع إسرائيل في عام 1967 التي ترأَّسها من قبله جي دي روتشيلد (1909 ـ) وهو حفيد ماير ألفونس. وقام إدموند خلال الخمسينيات والستينيات باستثمارات عديدة في إسرائيل، بخاصة في قطاعي السياحة والعقارات. كما ترأَّس جي النداء اليهودي الموحَّد. وعند وقوع فرنسا تحت الاحتلال الألماني عام 1940، تم الاستيلاء على ممتلكات العائلة وفرَّ أفرادها إلى إنجلترا والولايات المتحدة حيث ظلوا طوال فترة الحرب. واستعادت العائلة الجزء الأكبر من ممتلكاتها وثرواتها عقب انتهاء الحرب. وفي النمسا، أسس سولومون ماير دي روتشيلد (1774 ـ 1855) آخر يهودي بلاط في أوربا فرع الأسرة في فيينا. وكان صديقاً لمترنيخ زعيم الرجعية الأوربية الذي ساعده في التغلب على أزمات مالية عديدة، وصدر قرار إمبراطوري بمنح سولومون وإخوته الأربعة البارونية وذلك عام 1822 بعد بضعة أيام من حصول حكومة مترنيخ على قرض ضخم من بيت روتشيلد. كما أن علاقة سولومون روتشيلد بأفراد أسرته المنتشرين في أرجاء أوربا أتاحت له أن يكون مصدر معلومات مهماً لمترنيخ حول التطورات السياسية الجارية على الساحة الأوربية. ويُقال إنه ساعد مترنيخ على الهرب أثناء ثورة 1848 وأخفاه في منزله. ومن أهم إنجازات سولومون روتشيلد بناء أول خط سكك حديدية في النمسا وتأسيس بنك كريديتا نستالت النمساوي الذي أصبح فيما بعد بنك الدولة النمساوية. وخلفه ابنه سولومون روتشيلد (1803 ـ 1872) الذي عُيِّن في البرلمان النمساوي. وشهدت الأسرة تدهوراً حاداً في وضعها في ظل الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي شهدتها أوربا بعد الحرب العالمية الأولى والتي انتهت باستيلاء النظام النازي على مؤسستهم عام 1938 بعد ضم النمسا إلى ألمانيا النازية. وتمت تصفية فرع بيت روتشيلد في النمسا بعد رحيل لويس دي روتشيلد (1882 ـ 1955) إلى الولايات المتحدة. وفى ألمانيا، واصل أمشل ماير فون روتشيلد (1773 ـ 1855) أعمال الأسرة في فرانكفورت، وقدَّم قروضاً كبيرة لعديد من الحكام الألمان. وكان أمشل أكبر مموِّلي الحركة اليهودية الأرثوذكسية. وخلفه ماير كارل (1820 ـ 1886) من نابلي، وكان رجعياً في آرائه ومؤيداً لبروسيا وبسمارك. وقد انقرض فرع الأسرة في فرانكفورت بموت وليام كارل (1828 ـ 1901) . وقد أسس كارل ماير روتشيلد (1788 ـ 1855) فرع نابلي، وقدم خدمات مالية عديدة للدويلات الإيطالية، وخصوصاً الدولة البابوية، إلا أن هذا الفرع كان أقل الفروع أهمية، وقد أُغلق بعد عام 1861. ويتضح مما سبق أن عائلة روتشيلد، كغيرها من العائلات اليهودية المالية الكبيرة في أوربا، كانت في البداية من يهود البلاط ثم أصبحت تشكل جزءاً من نسيج الرأسمالية الرشيدة الذي كان آخذاً في التشكُّل خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وهي فترة اتسمت بتحولات عميقة داخل المجتمعات الأوربية وبتزايُد حدة الاضطرابات السياسية والصراعات العسكرية وبتنامي الأطماع الاستعمارية. فشارك بيت روتشيلد في تمويل الجيوش والحروب، وفي تسوية التعويضات والديون، وفي تمويل مشاريع إعادة بناء ما دمرته الحروب وفي تقديم القروض للعديد من الملوك والزعماء، وفي تمويل المشاريع والمخططات الاستعمارية والتي كان المشروع الصهيوني في فلسطين في نهاية الأمر يشكل جزءاً منها. وقد تضاءلت أهمية عائلة روتشيلد مع نمو النظام المصرفي الرأسمالي الحديث القائم على العلاقات بين المؤسسات المالية المختلفة والذي حل محل نظام التجارة والربا القديمين. كما أن نمو حجم التعاملات المالية في العالم قلَّص حجم رأس المال المتوافر في يد الرأسماليين اليهود (من عائلة روتشيلد وغيرهم) قياساً إلى حجم رؤوس الأموال المُتداوَلة داخل النظام الرأسمالي العالمي، وذلك رغم ازدياده من الناحية المطلقة. ويُعَدُّ اسم روتشيلد، في الأدبيات اليهودية والصهيونية، رمزاً للثري اليهودي الخيِّر الذي يجزل العطاء لإخوانه في الدين ولا ينساهم البتة. أما في أدبيات العداء لليهود، فهو مثل للجشع والطمع وامتصاص الدماء والتآمر العالمي من جانب الصيارفة اليهود. إميل (1800-1875) وإسحق (1806-1880) بريير Emile and Isaac Pereire أخوان فرنسيان يهوديان من رجال المال والاقتصاد والصحافة، ولدا في فرنسا لعائلة سفاردية من أصل برتغالي، وتأثرا بفكر سان سيمون الاشتراكي النزعة وانضما إلى دائرته، وكتبا عديداً من المقالات السياسية والاقتصادية في الصحف الفرنسية لاقت اهتماماً واسعاً. وفي عام 1832، قام إميل بريير بتحرير جريدة جلوب السان سيمونية ثم جريدة لي ناسيونال الصادرة عن الحزب الجمهوري في الفترة ما بين عامي 1832 و1835. وكان لاهتمام إميل بريير بالمشاريع الصناعية الحديثة، وخصوصاً السكك الحديدية، أن فتح باب التعاون في هذا المجال بين الأخوين بريير من جهة وبين عائلة روتشيلد من جهة أخرى، فاشتركا معاً في بناء خطوط السكك الحديدية المهمة في فرنسا. ولكن هذا التعاون لم يدم طويلاً إذ انتقل الأخوان بريير للتعاون مع واحد من أكبر منافسي عائلة روتشيلد وهو المالي اليهودي الثري آشيل فولد الذي عيَّنه نابليون الثالث (لويس بونابرت) وزيراً للمالية عام 1849 واشترك الطرفان معاً عام 1852 في تأسيس مصرف كريدي موبيليه وهو أول مصرف استثماري حديث في فرنسا نجح في جذب إيداعات آلاف المستثمرين الصغار. وأصبح هذا المصرف الذراع المالي للإمبراطورية الفرنسية، وساهم في إدخال تغييرات جذرية في سوق المال الفرنسي، كما نجح في الحصول على امتيازات بناء السكك الحديدية في فرنسا والنمسا وإسبانيا وروسيا. وقد شكَّل الأخوان بريير، ومصرفهما الجديد، تهديداً مباشراً لنفوذ عائلة روتشيلد وقوتها المالية في أوربا، الأمر الذي دفعها لتعبئة جميع مواردها لمواجهة هذه المنافسة الخطيرة. وانتهى هذا الصراع الضاري، الذي امتدت أحداثه بين أوربا وأمريكا اللاتينية، بانهيار مصرف كريدي موبيليه عام 1867 وضياع أموال آلاف المودعين، الأمر الذي أفقد الأخوين بريير الكثير من مصداقيتهما ومكانتهما. وقد كان الأخوان بريير عضوين في البرلمان الفرنسي خلال حقبة الستينيات من القرن التاسع عشر. كما أصدر إسحق، في الفترة ما بين عامي 1876 1880، جريدة لا ليبرتيه (الحرية) والتي سجَّل فيها آراءه الخاصة حول القضايا السياسية والاقتصادية والصناعية. ولعل الصراع الضاري الذي دار بين الأخوين بريير من جهة وعائلة روتشيلد من جهة أخرى يبين أن الحديث عن " رأسمالية يهودية مستقلة ذات مصالح مستقلة " لا أساس له من الصحة، وأنه تصوُّر صهيوني معاد لليهود في آن واحد. ومع هذا، فحينما اضطر إدموند درومون للاستقالة من جريدة لا ليبرتيه اتهم إسحق بريير بالعنصرية وكتب كتابه فرنسا اليهودية الذي يبين فيه مؤامرة الرأسمالية اليهودية ضد فرنسا وفقرائها. أندريه سيتروين (1878-1935 ( Andre Citroen من رجال الصناعة الفرنسيين. نجح بعد الحرب العالمية الأولى في تصميم وإنتاج سيارة السيتروين الصغيرة التي نالت إقبالاً شعبياً كبيراً. أما خلال الحرب العالمية الأولى، فقد لعب دوراً مهماً في مجال صناعة الذخيرة الفرنسية إذ أسس مصنعاً أنتج ملايين القنابل. وبعد الحرب، حوَّل سيتروين مصنعه إلى مصنع سيارات لإنتاج سيارات صغيرة، وقد نجح نجاحاً ساحقاً (وسُمِّي «هنري فورد الفرنسي» ) . وعند وفاته عام 1935، كان ثُلُث السيارات في فرنسا يحمل شعار «ماركة سيتروين» . ومن أهم إسهاماته، مسابقة السيارات سيتروين عبر أفريقيا. وهي مسابقة أثبتت ثلاثة أشياء: 1 ـ أنه يمكن إقامة خط اتصال دائم وسريع بين الجزائر وغرب أفريقيا. 2 ـ أدَّى السباق إلى إنشاء محطات على الطريق الذي يربط المستعمرات الفرنسية. 3 ـ فتح السباق المجال أمام استخدام السيارات في حركة الاكتشافات. ولعل هذا هو إسهام سيتروين الأساسي في خدمة التشكيل الاستعماري الغربي الفرنسي. ومن إسهاماته الأخرى أنه أول من وضع نظام إشارات مرور ضوئية في باريس، واستخدم برج إيفل في الإعلانات الضوئية. وكان أول من استخدم الأضواء الكاشفة المسلطة على قوس النصر في ميدان الكونكورد. ورغم جهوده لتوسيع نشاط مؤسسته داخل وخارج فرنسا، إلا أنه اضطر إلى تصفية أعماله عام 1934 إثر مشاكل مالية مترتبة عن أزمة الكساد العالمي. وقد تم إعادة تنظيم المؤسسة بعد أن انتقلت ملكيتها لشركة ميشلن الفرنسية. مارسل داسو (1892-1986 ( Marcel Dassault مهندس فرنسي ومصمم ومنتج الطائرات. تنصَّر بعد عامين من إطلاق سراحه من معسكرات الاعتقال النازية، وعمل بالسياسة، وانتُخب في البرلمان الفرنسي. وصمَّم أول طائرة نقل تعمل بأربعة محركات، وطائرات المستير والميراج المقاتلة التي استخدمتها قوات الطيران الإسرائيلية. وقد صمَّمت الصناعات العسكرية الإسرائيلية طائرة الكفير بعد أن سربت تصميمات طائرات الميراج من شركة داسو. عائلة جولدسميد The Goldsmid Family عائلة مالية بريطانية من يهود الإشكناز تعود جذورها إلى هارون جولدسميد، الذي تُوفي عام 1782، وكان قد استقر في لندن في منتصف القرن الثامن عشر قادماً من أمستردام. وأسَّس في لندن مع ابنه الأكبر جورج جولدسميد (1743 ـ 1812) مؤسسة تجارية باسم هارون جولدسميد وابنه والتي أصبحت فيما بعد تحمل اسم جولدسميد وإلياسون. أما ابنه الثاني أشر جولدسميد (1750 ـ 1822) ، فأسس مع يعقوب موكاتا مؤسسة موكاتا وجولدسميد للسمسرة في مجال بيع وشراء سبائك الذهب والفضة. وأصبح أخواه بنيامين جولدسميد (1755 ـ 1808) وأبراهام جولدسميد (1756 ـ 1810) من رجال المال المرموقين في لندن، وبخاصة خلال حروب الثورة الفرنسية، حيث أسسا معاً عام 1777 مؤسسة للسمسرة في الأوراق المالية، ونجحا خلال فترة الحرب في كسر احتكار المؤسسات المصرفية الكبيرة على القروض العامة وهو ما أتاح للحكومة شروطاً أفضل في هذا المجال. وقد كان الأخوان من المقربين إلى العائلة المالكة البريطانية. وكان لهذه العلاقة أثر في التمهيد لانعتاق اليهود في بريطانيا فيما بعد. وقد أسَّس بنيامين أول مؤسسة إشكنازية خيرية كبيرة في بريطانيا وأدَّى النشاط المالي المهم للعائلة وعلاقتها بصفوة المجتمع البريطاني إلى تآكُل هيمنة الأرستقراطية السفاردية على الجماعة اليهودية في لندن. وقد انتحر بنيامين أثر أزمة نفسية، كما انتحر شقيقه أبراهام من بعده نتيجة أزمة مالية حادة تعرضت لها مؤسسة العائلة. ومن أبرز أفراد العائلة: ـ سير إسحق ليون جولدسميد (1778 ـ 1859) ابن أشر جولدسميد. وهو أول من حمل من بين أعضاء الجماعة اليهودية في بريطانيا لقب «البارونية» . وكان جولدسميد شريكاً في مؤسسة موكاتا وجولدسميد وحقَّق ثروة كبيرة من خلال تمويل عمليات بناء السكك الحديدية. وتركَّز نشاطه في البرتغال وتركيا والبرازيل ومنحه ملك البرتغال عام 1846 لقب بارون بالميرا تقديراً لجهوده في حل الخلافات المالية بين البرتغال والبرازيل. وكان جولدسميد ممن دافعوا بقوة عن قضية إعتاق اليهود في إنجلترا، كما كان من مؤسسي كلية يونفيرستي كوليج في لندن والتي تُعَدُّ من أوليات مؤسسات التعليم العالي غير الطائفية في إنجلترا. وقد لعب جولدسميد دوراً بارزاً أيضاً في تأسيس المعبد الإصلاحي في إنجلترا. ـ سير فرانسيس هنري جولدسميد (1808 ـ 1878) ابن إسحق ليون جولدسميد، والذي دافع مع والده عن قضية إعتاق يهود إنجلترا إلى أن تحقَّق ذلك بالفعل عام 1859. دخل البرلمان عام 1860 وظل عضواً به حتى وفاته، ودخل البرلمان معه أيضاً أخوه فريدريك ديفيد (1816 ـ 1866) . وقد كان جولدسميد أول يهودي يُسمَح له بالانضمام إلى سلك المحاماة البريطاني عام 1833. وقد اهتم جولدسميد بقضايا يهود شرق أوربا، وعُيِّن نائباً لرئيس الجمعية الأنجلو يهودية عام 1871. ـ سير جوليان جولدسميد (1838 ـ 1896) ابن فريدريك ديفيد. وقد كان أيضاً عضواً في البرلمان، كما قاد الجمعية الإنجليزية اليهودية (ترأَّسها في الفترة 1886 ـ 1895) في مساعيها من أجل الدفاع عن حقوق الجماعات اليهودية خارج بريطانيا، كما ترأَّس اللجنة الروسية اليهودية (منذ تأسيسها عام 1882 وحتى عام 1894) التي أثارت قضية أوضاع الجماعات اليهودية في روسيا القيصرية. وكان ألبرت إدوارد وليامسون جولدسميد من أبرز أفراد العائلة المؤيدين للصهيونية. وُلد في بومباي بالهند حيث كان والده هنري إدوارد جولدسميد (1812 ـ 1855) ، الذي كان ينتمي إلى فرع العائلة المتنصِّر، يشغل عدة مناصب مهمة في إدارة الاحتلال البريطاني للهند. وتخرَّج ألبرت من الكلية العسكرية الملكية عام 1866 واشترك في حرب البوير (1899 ـ 1902) في جنوب أفريقيا. وعاد ألبرت إلى العقيدة اليهودية واهتم بالشئون اليهودية، فساهم في مشاريع البارون دي هيرش لإعادة توطين يهود شرق أوربا في دول أمريكا اللاتينية، وسافر إلى الأرجنتين عام 1892 حيث مكث لمدة عام ساعد خلاله في توزيع الأراضي على المُستوطنين اليهود. وكان ألبرت من المتحمسين لهرتزل، وساعد عام 1898 في تأسيس الاتحاد الصهيوني الإنجليزي، كما اشترك عام 1903 في لجنة العريش التي شُكلَت لبحث إمكان توطين اليهود في شبه جزيرة سيناء. عائلة ساسون The Sassoon Family عائلة يهودية سفاردية من التجار ورجال الصناعة والمال حقَّقت ثراءً كبيراً ومكانة مرموقة في بلاد الشرق، وهو ما دعا إلى وصفها بـ «روتشيلد الشرق» . كما ساهمت من خلال شبكاتها التجارية والمالية الواسعة في خدمة مصالح الرأسمالية والإمبريالية البريطانية وأطماعها المتنامية في تلك الفترة، وبخاصة في الهند والصين. وتعود جذور العائلة إلى العراق حيث كان مؤسس العائلة الشيخ ساسون بن صالح (1749 ـ 1829) يعمل كبيراً للصيارفة لدى والي بغداد، كما ظل رئيساً للجماعة اليهودية في بغداد لمدة أربعين عاماً. وقد انتقل ابنه ديفيد ساسون (1793 ـ 1864) إلى الهند عام 1833 حيث استقر في بومباي التي كانت تُعتبَر آنذاك بوابة التجارة للهند والشرق الأقصى. واتسعت تجارته لتشمل العراق وإيران والصين ووسط آسيا واليابان وإنجلترا. واحتكر تجارة الغزل الهندي والمنسوجات الإنجليزية والأفيون (وهي ثلاث سلع ارتبطت بآليات الاستعمار البريطاني في الشرق) . واكتسب ساسون الجنسية البريطانية عام 1853 ووصل حجم ثروته عند وفاته إلى خمسة ملايين من الجنيهات. وقد ورثه ثمانية أبناء، تولَّى أكبرهم عبد الله (ألبرت فيما بعد) ساسون (1817 ـ 1897) إدارة تجارة أبيه ومد نشاطها إلى قطاع الصناعة حيث افتتح أول مصنع كبير للنسيج في بومباي، كما أنشأ أول مرفأ بحري على ساحل الهند الغربي، الأمر الذي مهَّد لتحوُّل بومباي إلى ميناء حديث. وكانت بومباي، مثلها مثل غيرها من مدن الشرق، تشهد تحولاً اقتصادياً كبيراً في تلك الفترة نتيجة افتتاح قناة السويس عام 1869. كما اتسع نشاط شركة ساسون إلى مجال التأمين والبنوك والزراعة أيضاً. وانتقل عبد الله (ألبرت) إلى إنجلترا في أواسط السبعينيات من القرن التاسع عشر حيث أصبحت لندن المركز الرئيسي لشركة ساسون. وكان أول من انتقل من الإخوة إلى إنجلترا، عام 1858، هو ساسون ديفيد ساسون (1832 ـ 1867) حيث بدأت الدوائر التجارية في لندن التعرف من خلال نشاطه على قوة وإمكانيات بيت ساسون. ونجح ساسون في دفع مصالح الشركة في إنجلترا إلى الأمام من خلال نشاطه في سوق القطن أثناء الحرب الأهلية الأمريكية. وحصل ألبرت (عبد الله) على البارونية عام 1890 تقديراً لجهوده ونشاطه في الهند. كما كانت له ولأخويه رءوبين (1853 ـ 1905) وآرثر (1840 ـ 1912) علاقة صداقة وطيدة مع ولي العهد البريطاني الذي أصبح فيما بعد الملك إدوارد السابع. وبانتقال مركز نشاط العائلة من الهند إلى إنجلترا، شهدت الأسرة تحولاً سريعاً من أسرة يهودية شرقية شديدة التدين إلى أسرة يهودية بريطانية زاد اندماج أعضائها في المجتمع الإنجليزي الغربي وزاد ارتباطهم بالطبقة البورجوازية الصناعية البريطانية التي كانت تشهد ازدهاراً وتدعيماً لثرائها وقوتها في تلك الفترة. وارتبطت عائلة ساسون بعائلة روتشيلد المالية الثرية، حينما تزوج إدوارد ساسون بن ألبرت ساسون (1856 ـ 1912) ابنة جوستاف روتشيلد في باريس عام 1887. وقد كان إدوارد أول فرد في عائلة ساسون يعمل في السياسة، حيث كان عضواً في البرلمان، وعمل من خلال هذا المنصب على تحسين الاتصالات التلغرافية بين الهند وإنجلترا. واستمر سولومون ساسون (1841 ـ 1894) في متابعة أعمال الأسرة في الشرق، وكان والده قد أرسله في سن مبكرة إلى شنغهاي وهونج كونج لمتابعة تجارة الأسرة، فأصبح رئيس الجماعة اليهودية هناك. ثم عاد إلى الهند عام 1877 حيث تولَّى إدارة الشركة حتى تاريخ وفاته. كما ترأَّس بنك بومباي وغرفة التجارة. ومن بين الإخوة الثمانية، انفصل إلياس ساسون (1820 ـ 1880) عن الشركة الأم، وأسس هو وابنه يعقوب (1844 ـ 1916) شركة خاصة بهما ومنافسة للشركة الأم. واتسعت أعمالها لتشمل بلاد الشرق وأوربا وأفريقيا وأمريكا وحققت نجاحاً فاق نجاح الشركة الأم. وتولَّى يعقوب إدارة الشركة بعد وفاة أبيه، ووسع أعمالها في الهند، وأسَّس مصنعاً ضخماً للنسيج وأول مصنع للصباغة في بومباي. كما أسَّس البنك الشرقي المحدود (إيسترن بانك ليمتد) ومقره الرئيسي لندن. وكان آخر كبار رجال المال والأعمال في عائلة ساسون هو فيكتور ساسون (1881 ـ 1961) ابن إدوارد إلياس ساسون والأخ الأصغر ليعقوب ساسون حيث ساهم في القطاع الصناعي في الهند وكان عضواً في البرلمان ورئيساً للجماعة اليهودية البريطانية في الهند. إلا أن التحولات التي كانت جارية في الهند في تلك الفترة، وكذلك تنامي حركة التحرر الوطني، أدَّتا إلى انكماش أعماله فيها. فاتجه إلى تأسيس مؤسسة مصرفية في هونج كونج عام 1930 ونقل أعماله من الهند إلى الصين حيث عُرف بأنه «الرجل الذي شيَّد شنغهاي الحديثة» . إلا أنه مع احتلال اليابان لشنغهاي خلال الحرب العالمية الثانية، ثم تولِّي الحكومة الشيوعية الحكم في الصين واستيلائها على مصالح الشركة، نقل فيكتور أعماله إلى جزر الباهاما عام 1948 ولم يترك ابناً يرثه بعد وفاته. ويتضح، مما سبق، أن ثروة عائلة ساسون ونشاطها المالي والتجاري ارتبطا إلى حدٍّ كبير بمصالح الإمبراطورية البريطانية حيث نما مع نمو الاستعمار البريطاني ومصالحه الرأسمالية في الشرق، وأخذ يخبو مع أفول نجم الإمبراطورية البريطانية وتنامي حركات التحرر الوطني في الهند والصين وغيرهما من بلاد الشرق. عائلة مونتاجو The MontaguFamily عائلة يهودية إنجليزية من رجال المال والسياسة، من أصل سفاردي. وفي عام 1853، أسَّس صمويل مونتاجو (1832 ـ1911) البنك التجاري: صمويل مونتاجو وشركاه، الذي ساهم من خلال نشاطه في مجال المبادلات المالية في تحويل لندن إلى المركز الرئيسي للمقاصة في سوق المال العالمي. وظلت الخزانة تستشيره في العديد من الشئون المالية. وحصل صمويل عام 1907 على لقب «بارون» ، كما أصبح عضواً في البرلمان. واهتم مونتاجو بالشئون اليهودية، فسافر إلى فلسطين وروسيا والولايات المتحدة، إلا أنه ظل معارضاً بشدة للصهيونية. وكان ولداه الاثنان لويس صمويل مونتاجو (1869 ـ 1927) وإدوين صمويل مونتاجو (1879 ـ 1924) من معارضي الصهيونية أيضاً. حيث عارض إدوين، الذي احتل عدة مناصب سياسية مهمة، وعد بلفور. وساهمت ضغوطه على الوزارة البريطانية في تعديل النص الأصلي بحيث لا تصبح الدولة اليهودية المزمع إنشاؤها دولة كل يهود العالم وإنما دولة من يرغبون في الهجرة إليها. وقد أعرب عن أسفه لأن حكومته اتجهت إلى الاعتراف بشعب لا وجود له. كما أعرب أخوه عن أنه لا يعتبر اليهودية سوى ديانة. ويُعتبَر موقف عائلة مونتاجو من الحركة الصهيونية تعبيراً عن بعض الاتجاهات بين أعضاء الجماعات اليهودية المندمجين التي رفضت الصهيونية واعتبرتها تعبيراً عن عقلية الجيتو في خلطها بين الدين والقومية، كما رأت أن اليهود لا يشكلون سوى أقليات دينية يعتنق أعضاؤها الديانة اليهودية وينتمون مثلهم مثل غيرهم من المواطنين إلى دولتهم القومية التي هي مصدر ثقافتهم ومركز ولائهم. وقد رأى هؤلاء أن الصهيونية تشكل عقبة في طريق الاندماج السوي. سامسون جدعون (1699-1762 ( Samson Gideon من رجال المال الإنجليز. حقق ثروة كبيرة من خلال المضاربات، وكان من العناصر البارزة في تدبير القروض للحكومة البريطانية في منتصف القرن الثامن عشر. وساهمت استشارته المالية للحكومة البريطانية في الحفاظ على الاستقرار المالي للبلاد في فترات الحروب والقلاقل السياسية. وقد تزوج من امرأة غير يهودية، وتنصَّر أبناؤه. هنري دي ورمز (1840-1903 ( Henry Deworms تاجر ورجل دولة بريطاني يهودي. وُلد لعائلة يهودية تجارية ثرية ذات أصول ألمانية. درس القانون ثم التحق بتجارة والده. وفي عام 1880، دخل البرلمان عن حزب المحافظين واختير عام 1885 سكرتيراً برلمانياً لدى المجلس التجاري للحكومة البريطانية. وفي عام 1888، أصبح عضواً في المجلس الملكي الخاص (بالإنجليزية: بريفي كاونسيل Privy Council) ، وعُيِّن في العام نفسه وحتى عام 1892 وكيلاً لوزير الخارجية لشئون المستعمرات. وفي عام 1895، رُفع إلى مرتبة النبلاء. وكان لورمز اهتمام بالشئون والقضايا اليهودية لا يختلف كثيراً عن اهتمامات الساسة الإنجليز من غير اليهود. فقد ناصر قضية يهود رومانيا داخل البرلمان البريطاني، واحتل منصب أمين صندوق ونائب رئيس المعبد الموحَّد، كما ترأَّس الجمعية الإنجليزية اليهودية في الفترة بين عامي 1872، 1886 إلا أنه أُرغم على الاستقالة بعد زاوج ابنته من مسيحي. إرنست كاسل (1852-1921) Ernest Cassel مالي بريطاني وُلد في مدينة كولونيا بألمانيا ابناً لمصرفيّ ألماني يهودي. انتقل إلى إنجلترا وهو في السادسة عشرة، وعمل كاتباً لدى تاجر حبوب، ثم انضم فيما بعد إلى مؤسسة مصرفية مملوكة لعائلة يهودية، ونجح في تسوية بعض مشاكل المؤسسة في السويد وتركيا وأمريكا اللاتينية. وبعد أن حقَّق كاسل قدراً كبيراً من النجاح في هذه المؤسسة، اتجه إلى تأسيس مؤسسة مالية خاصة به وأصبح من الشخصيات المالية العالمية. إذ شملت عملياته المالية تمويل الحكومات الأجنبية، مثل حكومات الصين والمغرب، وحكومات أمريكا اللاتينية. كما ساهم في تمويل عملية تأسيس البنك الأهلي المصري وبناء خزان أسوان. ومُنح كاسل لقب «سير» تقديراً لخدماته للإمبراطورية البريطانية في مصر. وكان من المقربين للملك إدوارد السابع سواء باعتباره صديقاً أو باعتباره مستشاراً مالياً. وتحوَّل كاسل عن دينه واعتنق المسيحية الكاثوليكية، كما تزوجت حفيدته ووريثته إدوينا كاسل (1901 ـ 1960) من الإيرل ماونتباتن، عم ملكة بريطانيا. سيمون ماركس (1888-1964) Simon Marks من رجال التجارة والصناعة في إنجلترا، وكذلك من مؤيدي الحركة الصهيونية، وهو صاحب مجموعة متاجر ماركس وسبنسر المتكاملة (متعددة الأقسام) . هاجر والده إلى إنجلترا قادماً من روسيا عام 1882، وبدأ عمله كبائع متجول وتدرَّج في تجارته حتى فتح العديد من المتاجر الصغيرة التي نمت وتطورت إلى أن أصبحت مجموعة ضخمة من المتاجر المتكاملة المعروفة باسم «ماركس وسبنسر» . وكان النمو الصناعي، الذي تزايدت وتيرته منذ منتصف القرن التاسع عشر، قد أفرز طبقة وسطى متنامية وفي حاجة إلى مثل هذه المتاجر. وكانت خبرات أعضاء الجماعات اليهودية، وكذلك تراثهم التجاري، تؤهلهم لاقتحام هذه المجالات التي كانت لا تزال في بدايتها، وبالتالي تتسم بقدر كبير من المخاطرة. وقد تولَّى سيمون إدارة الشركة بعد وفاة أبيه، فحققت في ظل قيادته نجاحاً تجارياً ومالياً ضخماً. وقد شاركه في أعماله إسرائيل موسى سييف، زميل الدراسة وصهره (تزوج كلٌّ منهما أخت الآخر) . وقد كان ماركس وسييف من مؤيدي الصهيونية، وقد ساعدا حاييم وايزمان في مجهوداته للحصول على وعد بلفور. كما شارك ماركس في المفاوضات السياسية بين القيادات الصهيونية والحكومات البريطانية حتى قيام دولة إسرائيل. كما اشترك في البعثة الصهيونية لمؤتمر باريس للسلام. ساهم هو وسييف في تأسيس معهد دانيال سييف للبحوث عام 1934 في فلسطين، والذي تطوَّر عنه معهد حاييم وايزمان للعلوم عام 1949 بعد قيام دولة إسرائيل. وساهم ماركس في دعم التطور الاقتصادي لإسرائيل كما قدَّم ملايين الجنيهات كتبرعات لها. وجاء تأييد ماركس للحركة الصهيونية، مثله مثل غيره من أثرياء اليهود المندمجين، باعتبارها حلاً لمشكلة يهود شرق أوربا الذين كانت هجرتهم إلى الغرب تهدد أوضاع ومكانة اليهود المندمجين. وكانت الحركة الصهيونية تعكس ارتباط مصالحه ومصالح غيره من أثرياء اليهود بمصالح الرأسمالية الإمبريالية البريطانية التي كانت تسعى إلى إقامة قاعدة لها في المشرق العربي. وقد حصل ماركس على لقب «سير» عام 1944 تقديراً لخدماته خلال الحرب العالمية الثانية. كما حصل على لقب «بارون» عام 1961. إسرائيل سييف (1889-1972 ( Israel Sief من رجال التجارة والصناعة البريطانيين، وكذلك من مؤيدي الصهيونية. وُلد في إنجلترا لعائلة من أصل ليتواني هاجرت إلى إنجلترا حيث أسَّس والده تجارة ناجحة لاستيراد المنسوجات. والتحق سييف بتجارة أبيه ثم التحق عام 1915 بمؤسسة ماركس وسبنسر المملوكة لصديقه وصهره سيمون ماركس. ونجحا سوياً، خلال 50 عاماً من العمل المشترك، من تطوير الشركة وتحديث تجارة التجزئة. وقد تولَّى سييف رئاسة الشركة بعد وفاة سيمون ماركس عام 1964. وكان سييف ومعه ماركس وصهره هاري ساخر من مؤيدي الصهيونية. وقد كان سييف سكرتيراً للجنة الصهيونية التي ذهبت إلى فلسطين عام 1918 برئاسة وايزمان. أسس سييف عام 1934 معهد ديفيد سييف للبحوث في فلسطين والذي تطوَّر عنه معهد وايزمان للعلوم عام 1949 بعد قيام إسرائيل. وترأَّس سييف بعض المنظمات الصهيونية في بريطانيا، كما ساهمت زوجته ربيكا في تأسيس التنظيم النسائي للمنظمة الصهيونية العالمية. وحماس سييف للحركة الصهيونية، مثله مثل غيره من أثرياء اليهود المندمجين في الغرب، يعود إلى أنها تشكِّل حلاًّ لمشكلة يهود شرق أوربا الذين هددت هجرتهم إلى الدول الغربية مكانة ومصالح اليهود المندمجين فيها. كما كانت مصالح أثرياء اليهود في بريطانيا مرتبطة بمصالح الرأسمالية والإمبريالية البريطانية التي كانت تسعى إلى إقامة قاعدة لها في المشرق العربي. وقد حصل سييف على لقب «بارون» عام 1966. فيكتور جولانز (1893-1967 ( Victor Gollancz ناشر إنجليزي ومؤلف، وُلد لعائلة يهودية أرثوذكسية مرموقة وتلقَّى دراسته في جامعة أكسفورد. وقد تمرَّد جولانز على أرثوذكسية أسرته وعلى القيم المحافظة للطبقات الوسطى بصفة عامة ومال إلى الاشتراكية وإلى الفكر السلمي فيما بعد، إلا أنه ظل شديد الشغف بالدين إلى درجة شبه صوفية. وتأثر أثناء دراسته باليهودية الليبرالية، إلا أنه اتجه أكثر نحو المسيحية. واعتبر أن رسالة النبي عيسى ليست إلا تتويجاً للتراث اليهودي، ولكنه مع هذا لم يعتنق المسيحية. ودخل جولانز مجال النشر في العشرينيات. وفي عام 1927، أسَّس دار نشر خاصة به. ومع وصول النازية إلى السلطة في ألمانيا، وجه جولانز نشاطه نحو النشر السياسي، وأسَّس بالتعاون مع جون ستارشي وهارولد لاسكي نادي كُتَّاب اليسار الذي عمل على توفير الكتب السياسية بأسعار ضئيلة. وتحوَّل هذا النادي إلى حركة اجتماعية وسياسية واسعة النطاق، وضم في فترة الذروة 60.000 عضواً، إلا أن المعاهدة الألمانية السوفيتية لعام 1939 والتي اعتبرها جولانز خيانة لا تُغتفَر عجَّلت بنهاية النادي. وخلال الحرب العالمية الثانية وبعدها، نشط جولانز في مجال القضايا الإنسانية والسلمية، فساعد على غوث وإنقاذ ضحايا النازية، كما ساعد ضحايا الحرب من الألمان، ودعا إلى المصالحة مع ألمانيا وإلى إعادة بنائها، كما اشترك في أنشطة الجمعيات والمنظمات البريطانية العاملة لإلغاء عقوبة الإعدام. كما كان جولانز من أوائل من نادوا بنزع السلاح النووي وبتوحيد أوربا. أما بشأن فلسطين، فقد أيد جولانز الوجود الصهيوني على أرضها، وحارب منذ عام 1945 سياسة الحكومة البريطانية تجاه الاستيطان اليهودي بها، وعمل على تأمين دخول اللاجئين من اليهود إلى فلسطين، وأيَّد إقامة دولة إسرائيل. إلا أنه أثار الجدل في الأوساط الصهيونية والإسرائيلية بسبب دعوته إلى ضرورة قيام اليهود بمساعدة وغوث الفلسطينيين بعد حرب 1948 (وفيما بعد في قطاع غزة) . وقد ظل جولانز ينادي بالمصالحة بين اليهود والألمان وبين اليهود والعرب، وعارض محاكمة أيخمان في إسرائيل كما عارض عقوبة الإعدام الصادرة ضده، وأصدر عام 1961 كتاباً بعنوان قضية أدولف أيخمان ليعبِّر عن موقفه هذا. وكان عضواً في مجلس إدارة الجامعة العبرية في الفترة ما بين عامي 1952 و1964. وحصل على وسام الشرف من ألمانيا عام 1953، وهو أول شخص غير ألماني يحصل على مثل هذا الوسام، وحصل على لقب سير عام 1965. سيجموند ووربورج (1902-1982 ( Sigmund Warburg مالي بريطاني يهودي وُلد في ألمانيا لعائلة واربورج المالية الثرية، وتلقَّى تعليمه في المدارس الألمانية. وكان أول طالب يهودي يلتحق بواحدة من المدارس الألمانية البروتستانتية العريقة. تلقَّى تدريبه المالي والمصرفي في مؤسسة العائلة في هامبورج ثم في المؤسسة المالية لآل روتشيلد في لندن ثم في عدد من المؤسسات المالية الأمريكية من بينها مؤسسة كون لويب وشركاه التي كان اثنان من أفراد فرع عائلة ووربورج بالولايات المتحدة شريكين بها. وفي عام 1930، عاد إلى ألمانيا حيث أصبح شريكاً في مؤسسة ووربورج وأسَّس أول فرع لها في برلين. ومع مجئ النازي إلى الحكم، انتقل سيجموند ووربورج إلى إنجلترا (عام 1933) . وفي عام 1934، اشترك مع ماكس ووربورج ومجموعة من المصارف في إقامة مؤسسة مالية صغيرة في أمستردام هي دوتش انترناشيونال كوربوريشن مهمتها مساعدة يهود ألمانيا على إخراج أموالهم خارج البلاد وتحويلها إلى إنجلترا والولايات المتحدة وفلسطين. وفي إنجلترا، أقام ووربورج عام 1938 مؤسسته المالية الخاصة والتي أصبحت تعرف منذ عام 1946 باسم «إس. جي. ووربورج S.G. Warburg» . وقد اكتسب ووربورج المواطنة البريطانية عام 1939 وعمل مع المخابرات البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية. وقد نمت مؤسسة ووربورج سريعاً وتحولت إلى واحدة من أهم المصارف الاستثمارية البريطانية وكان لها دور ريادي في تحديث هذا القطاع المصرفي في إنجلترا. وحقق ووربورج مكانة مرموقة في الدوائر المصرفية الدولية ومُنح لقب «سير» عام 1966. ورغم أن ووربورج كان في البداية رافضاً للصهيونية إلا أنه ساهم في توطين المهاجرين اليهود في فلسطين خلال الثلاثينيات. وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، توسَّط لديه حاييم وايزمان وديفيد بن جوريون ليضغط على الحكومة البريطانية حتى تفتح باب الهجرة أمام اليهود إلى فلسطين وحتى تُسرع بإقامة الدولة اليهودية على أرض فلسطين. وقدَّم ووربورج مساهمات مالية عديدة لإسرائيل، بخاصة لمعهد وايزمان للعلوم، وشارك في دفع عملية التقارب بين مصر وإسرائيل في أعقاب مبادرة الرئيس المصري أنور السادات عام 1977، وهو ما مهَّد الطريق أمام توقيع معاهدة السلام بين البلدين. كما طرح خطة اقتصادية شاملة أطلق عليها اسم «الاستثمار من أجل السلام» تهدف إلى تحقيق التنمية الاقتصادية في الشرق الأوسط من خلال فتح المنطقة أمام الاستثمارات الأوربية والأمريكية، وهو الإطار الذي تدور فيه ما تُسمَّى محادثات السلام العربية الإسرائيلية. جوزيف مندلسون (1770-1848 ( Joseph Mendelssohn مالي يهودي ألماني، والابن الأكبر لموسى مندلسون (1729 ـ 1786) رائد حركة الاستنارة اليهودية. وأسَّس عام 1795 مؤسسة مصرفية أصبحت من أكبر المؤسسات المالية، وساهمت في تحويل برلين إلى مركز مالي دولي. وشاركت مؤسسته في تحويل التعويضات الفرنسية بعد هزيمة نابليون، كما نشطت في مجال تمويل بناء السكك الحديدية في ألمانيا وخارجها، وفي تدبير القروض لروسيا على وجه الخصوص. وكان مندلسون وأخوه أبراهام مندلسون (1776 - 1835) ، الذي شاركه في أعماله المالية لفترة من الوقت، من اليهود المندمجين والمرتبطين بدوائر اليهود المؤمنين بفكر الاستنارة. وقد تنصَّر أحد أبناء جوزيف مندلسون كما تنصَّر أبراهام وزوجته وأبناؤه. وتم ضم بنك مندلسون عام 1939 إلى بنك ألماني آخر بعد مجيء النازي للسلطة في ألمانيا. إميل راتناو (1838-1915 ( Emil Rathenau مهندس، ومن رجال الصناعة الألمان. وكان أول من أدخل نظام الهاتف في الخدمة البريدية في برلين. كما اهتم باختراعات أديسون في مجال الكهرباء، فأسَّس شركة للبحث والتطوير في هذا المجال وهي شركة ايه. إي. جي. AEG التي أصبحت، في ظل إدارته وإدارة ابنه وولتر من بعده، من أكبر المؤسسات الصناعية في أوربا، ومن أهمها في مجال المعدات الكهربائية. وولتر راتناو (1867-1922 ( Walther Rathenau رجل دولة وصناعة، ومفكر ألماني. ابن رجل الصناعة الألماني إميل راتناو (1838 - 1915) مؤسس شركة الكهرباء الألمانية العملاقة آيه. إي. جي. AEG وقد ترأَّس راتناو هذه الشركة بعد وفاة أبيه وعمل على توسيع وتنويع نشاطها بحيث أصبحت من أكبر المؤسسات الألمانية والأوربية. وقد عمل بالسياسة، فالتحق خلال الحرب العالمية الأولى بوزارة الحربية الألمانية حيث أسَّس قسم المواد الخام، واستطاع من خلال هذا المنصب تطبيق نظرياته حول الاقتصاد الموجَّه والتخطيط المركزي. وبالفعل، يعود إليه الفضل، من خلال البرنامج الذي وضعه لتعبئة موارد البلاد، في أن تواصل ألمانيا الحرب لمدة أربعة أعوام برغم مصاعبها الاقتصادية الحادة. واشترك بعد الحرب في المفاوضات الخاصة بتعويضات الحرب، وعُيِّن عام 1922 وزيراً لخارجية ألمانيا (جمهورية وايمار) ووقَّع من خلال هذا المنصب اتفاقية رابالو مع الاتحاد السوفيتي. وتعرَّض راتناو لانتقادات حادة من المنظمات والتيارات اليمينية بسبب سياساته المتعلقة بدفع التعويضات للحلفاء والتصالح مع روسيا البلشفية. وساهمت العناصر المعادية لليهود في زيادة حدة هذه الاتهامات إلى أن اغتيل راتناو عام 1922 على أيدي عناصر يمينية متطرفة. وظل موقف راتناو من عقيدته وهويته اليهودية مُبهماً، فأول عمل نشره هو مقال أشار فيه إلى اليهود باعتبارهم «شعب الخوف» (بالألمانية: فورخت فولك Furcht Volk) الذين طوروا ملكاتهم الفكرية للدفاع عن أنفسهم. وقد تراسل مع فيلهلم شواز (1863 ـ 1941) وهو من دعاة فكرة الفولك الألمانية وأحد المعادين لليهودية. واعتبره راتناو من أعز أصدقائه. وكتب راتناو عام 1909 في مجلة نيو فراي برس مقالاً يحتوي هذه العبارة: «يوجد ثلاثمائة شخص يعرف كل واحد منهم الآخر، هم الذين يتحكمون في المصير الاقتصادي لأوربا ويختارون حلفاءهم من هذه الحلقة» . وقد فُسِّرت هذه الجملة بأنها دليل على مدى صدق بروتوكولات حكماء صهيون. وكان راتناو من اليهود المندمجين شديدي الاعتزاز بألمانيتهم. ومن ثم، عارض الصهيونية وظل يدعو إلى ضرورة اندماج أعضاء الجماعة اليهودية في المجتمع الألماني بل إلى انصهارهم، حتى اتُهم بأنه يهودي كاره لنفسه، خصوصاً أنه وجه انتقاداً عميقاً لما يُسمَّى «الشخصية اليهودية» . ومع هذا، انتقد راتناو وبشدة اتجاه اليهود نحو التنصُّر حيث اعتبر ذلك شكلاً من أشكال الانتهازية التي لا تهدف إلا لتحقيق مكاسب اجتماعية واقتصادية. وتأثر في مرحلة لاحقة من حياته بالأفكار الصوفية، وبدأ يُظهر تقديراً لما اعتبره مساهمات اليهود الفكرية والأخلاقية والاقتصادية للإنسانية. وانعكست هذه الاتجاهات في كتاباته وفي فلسفته الخاصة التي جمعت بين مسحة صوفية وبين رؤية واقعية للحياة. فأدان راتناو الإيمان المطلق بالتكنولوجيا وبكلٍّ من العقلانية والمادية، ودعا إلى العودة إلى القيم الروحية. ومن ناحية أخرى، دعا إلى إقامة مجتمع تعاوني واقتصاد قائم على الميكنة والتخطيط المركزي تقوده صفوة مثقفة. وأيَّد في الوقت نفسه الليبرالية السياسية والفردية الأخلاقية. عائلة جونزبورج The Guenzburg Family عائلة روسية يهودية شهيرة تخصَّص أعضاؤها في أعمال الصيرفة، وكانوا قادة الجماعة اليهودية في روسيا لمدة ثلاثة أجيال، كما كانوا بمثابة الوسطاء (شتدلان) بين يهود روسيا والسلطات القيصرية. وقد بدأ ازدهار هذه الأسرة في العقود الأولى من القرن التاسع عشر حينما حصلوا على امتيازات مصانع لتقطير الخمور وعملوا كمتعهدين عسكريين. وزاد نطاق استثمارهم من خلال مصرف جونزبرج الذي أُسِّس في بطرسبرج عام 1859. واستثمروا أموالهم في السكك الحديدية ومناجم الذهب وحققوا مكاسب كثيرة. وكانت أسرة جونزبرج تمثل دوق هس ـ دارمستادت في روسيا، ومنحهم الدوق لقب بارون عام 1871 كما منحهم حق توارثه. وكان أعضاء أسرة جونزبرج من المدافعين عن مُثُل حركة التنوير والمحاولات الرامية إلى دمج اليهود، وكانوا من معارضي النشاطات الصهيونية. ومؤسس العائلة هو البارون جوزيف يوزيل (1812 ـ 1868) الذي ساهم في تأسيس جماعة نشر الثقافة بين يهود روسيا (1863) وتبرَّع من أجل تطوير التعليم اليهودي وكذلك لتشجيع اليهود على الاشتغال بالزراعة. وكان ابنه الثاني البارون هوراس (نفتالي هرز) (1833 ـ 1909) شريكاً في المصرف الذي كانت تمتلكه الأسرة ومستشاراً في الدولة وقنصلاً لدوق هس. عائلة بولياكوف The Poliakoff Family عائلة يهودية روسية من رجال المال والصناعة كان لها دور مهم بقيادة الإخوة الثلاثة يعقوب وصمويل وإليعازر في تأسيس البنوك وبناء السكك الحديدية في روسيا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. اشترك يعقوب بولياكوف (1872 ـ 1909) في تأسيس العديد من البنوك الروسية، كما احتل منصب نائب رئيس هيئة الاستيطان اليهودية في روسيا. أما أخوه صمويل بولياكوف (1837 ـ 1888) ، فكان من أهم من ساهموا في بناء السكك الحديدية في روسيا والتي كانت ذات أهمية كبيرة في صادرات روسيا من الحبوب، كما ساهم في بناء السكك الحديدية الإستراتيجية في رومانيا خلال الحرب الروسية - التركية (1877ـ 1878) . واهتم صمويل بمجال التعدين، وأسس بعض البنوك العقارية المهمة في روسيا. كما اهتم بالتعليم المهني، فأسَّس مدرسة فنية لتعليم بناء السكك الحديدية وأخرى للتعدين، وبادر بتأسيس منظمة إعادة التأهيل والتدريب (أورت) التي كانت تهدف إلى إعادة تأهيل اليهود تأهيلاً مهنياً وإلى تعليمهم الحرف المختلفة، وهو ما قد يساعد على تحويلهم إلى عنصر اقتصادي منتج. أما أليعازر بولياكوف (1842 ـ 1914) ، فقد اشترك في بناء السكك الحديدية مع أخيه. وكان من أبرز رجال البنوك في موسكو، فأسَّس بنك بولياكوف عام 1877. كما ساهم في تطوير الصناعات في روسيا وإيران. وحصل كلٌّ من الإخوة الثلاثة على لقب «نبيل» . وكان الإخوة بولياكوف يشكلون جزءاً من البورجوازية الروسية التي بدأ يدخلها مموِّلون من أعضاء الجماعة اليهودية في روسيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مع بداية عملية التنمية والتحديث. وكانت هذه البورجوازية تشكل شريحة صغيرة من أعضاء الجماعات اليهودية في روسيا وتتجه بحكم ارتباط مصالحها بالدولة الروسية نحو الاندماج في المجتمع الروسي والانفصال عن الجماهير اليهودية. ونظراً لأن المسألة اليهودية في روسيا كانت تُشكِّل خطراً بالنسبة لهذه الشريحة، فإننا نجد أن مساهمات الإخوة بولياكوف، مثلهم مثل غيرهم من أثرياء اليهود المُتروِّسين، كانت تأخذ اتجاهين: 1 ـ إعادة تأهيل أعضاء الجماعة اليهودية لكي يشكلوا عنصراً اقتصادياً منتجاً يسهل لهم عملية الاندماج في المجتمع الروسي، وهو ما كانت تسعى إليه أيضاً الدولة القيصرية. 2 ـ إعادة توطين الفائض البشري من أعضاء الجماعة اليهودية خارج روسيا من خلال نشاط هيئة الاستيطان اليهودية. وهذه أيضاً هي أهداف ما نسميه «الصهيونية التوطينية» ، أي صهيونية يهود العالم الغربي المندمجين الذين يحاولون مساعدة البلاد التي يعيشون في كنفها على التخلص من الفائض البشري اليهودي. بارنت بارناتو (1852-1897 ( Barnett Barnato من رجال المال والتعدين. وُلد في إنجلترا، ثم هاجر إلى جنوب أفريقيا عام 1873 حيث التحق بشقيقه الذي كان يعمل في تجارة الماس. وقد بدءا معاً، هو وشقيقه، في شراء حقوق التنقيب عن الماس، ثم استطاعا في عام 1881 تأسيس شركة بارناتو للتعدين التي أصبحت المنافس الأكثر خطورة لشركة دي بيرز للتعدين المملوكة لسيسل رودس والتي كانت تهدف إلى السيطرة على صناعة الماس في جنوب أفريقيا. وانتهى التنافس بين الشركتين بفوز سيسل رودس ودمج الشركتين عام 1888 لتكونا معاً «مناجم دي بيرز الموحَّدة» التي أصبحت الشركة الرئيسية المسيطرة على سوق الماس العالمي حتى اليوم، وقد احتفظ بارناتو في هذه الشركة بمنصب المدير مدى الحياة. واتجه بارناتو، بعد ذلك، إلى تطوير مناجم الذهب التي كانت قد اكتُشفت حديثاً، وأصبحت مجموعة شركات بارناتو من كبريات الشركات المنتجة للذهب. وتُوفي بارناتو منتحراً عام 1897 حيث ألقى بنفسه من السفينة التي كانت تقله إلى إنجلترا. ليونيل فيلبس (1855-1936) Lionel Philips من رجال المال والتعدين في جنوب أفريقيا. وُلد في لندن ثم هاجر إلى جنوب أفريقيا بعد اكتشاف مناجم الماس هناك. ولعب دوراً مهماً في تنظيم صناعة الماس في جنوب أفريقيا وفي التنظيم المالي والتطوير الفني لمناجم الذهب، وترأَّس بعض الشركات التعدينية المهمة، كما كان رئيساً لغرفة المناجم. وحُكم عليه بالغرامة والنفي بعد تورُّطه في مؤامرة سياسية كانت تهدف إلى الإطاحة بالحكومة، إلا أنه عاد للبلاد بعد حرب البويرBoer (1899 ـ 1902) وأصبح عضواً في البرلمان ومُنح البارونية عام 1912. سولومون جول (1865-1931 ( Sololmon Joel من رجال المال والتعدين في جنوب أفريقيا. وقد كان هو وأخواه أولاد أخى بارنيت بارناتو رجل المال والتعدين اليهودي الثري وورثته. وتعاون جول وشقيقاه مع عمهم في تطوير مناجم الذهب في جنوب أفريقيا. وبعد انتحار عمه ومقتل أحد أخويه، أصبح جول مدير إمبراطورية عمه المالية والتعدينية التي كانت تشمل نصيباً في شركة دي بيرز للماس وهي الشركة المسيطرة على سوق الماس العالمي حتى اليوم. وقد تميَّز جول بإنفاقه الباذخ والاستعراضي، وهو ما كان يميِّز الجيل الجديد من أثرياء ومليونيرات جنوب أفريقيا في بدايات القرن العشرين. إرنست أوبنهايمر (1880-1957 ( Ernest Oppenheimer من رجال الصناعة والمال في جنوب أفريقيا. وُلد في ألمانيا والتحق في سن مبكرة بشركة لتجارة الماس في لندن وقد أرسلته عام 1902 إلى جنوب أفريقيا حيث حقق نجاحاً كبيراً في مجال تجارة الماس. وأسَّس عام 1917 المؤسسة الأنجلو ـ أمريكية التي أصبحت تسيطر على شبكة واسعة من المصالح الصناعية والمالية والتعدينية. وفي عام 1929، ترأَّس أوبنهايمر مجلس إدارة شركة دي بيرز العملاقة للماس، وبالتالي أصبح على رأس صناعة الماس في جنوب أفريقيا. وأصبحت هذه الشركة، في ظل إدارته، الشركة المسيطرة على تجارة الماس في العالم. كما كانت له مساهمات مهمة في اكتشاف وتطوير مناجم الذهب بعد الحرب العالمية الثانية. وحصل أوبنهايمر على لقب «سير» عام 1921، وكان عضواً في البرلمان لمدة 14 عاماً. ورغم إنفاقه، هو وزوجته الأولى، بسخاء على المصالح والأعمال الخيرية اليهودية، إلا أنه تنصَّر عند زواجه الثاني من كاثوليكية، كما تنصَّر ابنه هاري فردريك (1908) الذي تولَّى إدارة إمبراطورية أبيه التعدينية والمالية والصناعية، كما ساهم في تطوير صناعة الماس في إسرائيل. صمويل برونفمان (1891-1971 ( Samuel Bronfman من رجال الصناعة الكنديين. التحق في سن مبكرة بتجارة أبيه في مجال الفندقة، ثم دخل مجال تجارة الخمور. ونجح، بعد فترة، في امتلاك أكبر معمل لتقطير الخمور في كندا والعالم. وأصبح برونفمان من أبرز الشخصيات العاملة في مجال تقطير الخمور في العالم. ترأَّس برونفمان الفرع الكندي للمؤتمر اليهودي، كما احتل منصب نائب رئيس المؤتمر اليهودي العالمي، وشارك بشكل بارز في مجهودات المنظمات اليهودية للضغط على الأمم المتحدة عند تأسيسها عام 1945 لبحث وضع فلسطين وتأمين الوجود الصهيوني بها. وقد اتسع إنفاقه الخيري، وبخاصة في المجالات الاجتماعية والثقافية الخاصة بالجماعة اليهودية والخاصة بالنشاطات الصهيونية. ويُعتبَر موقف برونفمان من الصهيونية مثل موقف غيره من اليهود المندمجين في المجتمعات الرأسمالية والذين يعتبرونها مصدراً للهوية الحضارية في ظل مجتمعات تآكلت فيها القيم الحضارية والأخلاقية، وتشكل هذه الهوية بالنسبة إليهم انتماءً حضارياً دينياً وليس انتماءً سياسياً قومياً. كما أن تأييدهم لإسرائيل ينبع من كونها مركزاً وقاعدة للحضارة والمصالح الغربية في الشرق. دور الجماعات اليهودية الاقتصادي في مصر في العصر الحديث Economic Role of the Jewish Communities in Egypt in Modern Times ابتداءً من أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، كان لعدد من العائلات والشخصيات اليهودية المصرية شأن كبير في أحوال مصر الاقتصادية وفي شئونها المالية والتجارية والصناعية. وكانت أغلب هذه العائلات من اليهود السفارد الذين وفدوا إلى مصر خلال القرن التاسع عشر وانضووا تحت الرعويات الأجنبية حتى يستفيدوا من الامتيازات القانونية والاقتصادية الممنوحة للأقليات الأجنبية في مصر خلال تلك الفترة، والتي أتاحت لهذه الأقليات، في ظل الوجود الاستعماري البريطاني، احتلال مكانة داخل الاقتصاد المصري لا تناسب حجمها الحقيقي. وقد قامت هذه العائلات اليهودية بتمثيل المصالح الأوربية المختلفة داخل مصر، سواء كانت فرنسية أو بريطانية أو إيطالية أو غيرها، وقامت بدور الوسيط لرأس المال الأوربي الباحث عن فرص الاستثمار داخل البلاد، أي أنها لعبت دور الجماعة الوظيفية المرتبطة بالاستعمار الغربي (ومما يجدر ملاحظته أن هذا الدور نفسه قامت به بعض الجماعات الأوربية وشبه الأوربية الأخرى، خصوصاً اليونانيين الذين حققوا قوة اقتصادية ومكانة اجتماعية مماثلة تقريباً لما حققته طبقة كبار الأثرياء من اليهود) . وتركَّز نشاط هذه العائلات اليهودية في الأنشطة المالية الربوية والائتمانية والتجارية، واندمجت بيوتات المال اليهودية في علاقات ووساطة مع البنوك الأوربية وارتبط نشاطها بالدرجة الأولى باقتصاديات زراعة وتجارة القطن وخدمة المصالح الاقتصادية الاستعمارية البريطانية التي كانت تخطِّط لتحويل مصر إلى مزرعة للأقطان. ولعبت مجموعة عائلات قطاوي وسوارس ورولو ومنَسَّى وموصيري الدور الأكبر في هذا المجال وفي الاقتصاد المصري بشكل عام. لقد ساهمت الجماعات المصرفية اليهودية في عملية التوسع الزراعي في مصر، واشتركت في عملية تصفية الدائرة السنية عام 1880 وبيعها لكبار الملاك الجدد ثم في تأسيس البنك العقاري المصري في العام نفسه بالتعاون مع رأس المال الفرنسي، للقيام بعمليات إقراض القطاع الزراعي الخاص الجديد وتمويل أعمال الزارعة وشراء الأقطان. وفي عام 1897، قامت هذه الجماعات المصرفية، بالتعاون مع رأس المال البريطاني، بتأسيس البنك الأهلي المصري بهدف تمويل المشروعات الخاصة بالتوسع الاقتصادي والاستعماري البريطاني في مصر مثل مشروع بناء خزان أسوان وقناطر أسيوط أو تنظيم شبكة الري في حوض النيل إلى جانب تمويل عمليات شراء ما تبقَّى من أراضي الدائرة السنية من قبل كبار الملاك. واشتركت العائلات اليهودية أيضاً في تأسيس الشركات العقارية العديدة التي أقيمت في إطار مبيعات أراضي الدائرة السنية ثم في إطار الحجوزات العقارية بعد تَراكُم الديون على كبار وصغار الملاك المصريين نتيجة انخفاض الطلب على القطن المصري. وقد تأسَّس أكثر هذه الشركات في الفترة ما بين عامي 1880 و1905، وقامت بامتلاك الأراضي واستغلالها وبإقامة المشروعات العقارية والصناعية عليها وكذلك المضاربة فيها لتحقيق تَراكُم سريع لرأس المال. ومن أهم هذه الشركات شركة أراضي الشيخ فضل، وشركة وادي كوم أمبو. ومن أهم المشاريع الصناعية الزراعية التي أقامها اليهود على أراضي الدائرة السنية شركة عموم مصانع السكر والتكرير المصرية التي أُقيمت عام 1897 بالتعاون مع رأس المال الفرنسي واحتكرت لفترة طويلة إنتاج السكر في مصر. وساهم أعضاء الجماعات اليهودية أيضاً في إقامة الهياكل الأساسية اللازمة للتوسع الزراعي، وخصوصاً اللازمة لنقل وتجارة القطن وغيرها من المحاصيل الزراعية، فاهتموا بإنشاء خطوط النقل الحديدية مثل شركة سكك حديد قنا ـ أسوان (1895) ، وشركة سكك حديد الدلتا المصرية المحدودة وهما أهم شركتين لنقل الأقطان والسكر من الأراضي ومعامل التكرير. كما ساهموا في تأسيس شركة ترام الإسكندرية (عام 1896) التي كانت تقوم بنقل الأقطان إلى البورصة، واشتركوا أيضاً في إدارة بعض الشركات الملاحية مثل شركة الملاحة الفرعونية التي سُجلت عام 1937 وكانت تحتكر تقريباً نقل البضائع المصرية بحرياً. وإلى جانب مساهمتهم في تأسيس كثير من شركات النقل البري والبحري، ساهم أعضاء الجماعات اليهودية في مصر في عملية التوسع العمراني التي صاحبت التوسع الزراعي. فساهموا، على سبيل المثال، في تأسيس حي سموحة بالإسكندرية وحي المعادي بالقاهرة، وفي إدارة العديد من شركات تقسيم وبيع الأراضي وشركات صناعة البناء. كما لعب المموِّلون اليهود من أعضاء الجماعات اليهودية دوراً أساسياً في مجال تصدير القطن والمحاصيل الزراعية، وكان أكثر من 50%من الشركات المصدرة للقطن في الإسكندرية (قبل التأميم) مملوكة لهم. وكان أعضاء الجماعات اليهودية يحتلون مواقع إدارية مهمة في الشركات الأخرى، كما تركزوا في القطاعات الخاصة وفي تصدير بعض المحاصيل الزراعية المهمة مثل البصل والأرز. ونشطوا في عمليات استيراد السلع والوكالة التجارية للشركات الأجنبية، وبخاصة مع بداية العشرينيات، لاستغلال وفرة الأموال في أيدي أغنياء الحرب والرواج الذي جاء في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الأولى. وقد قامت المحلات التجارية الكبيرة المملوكة للعائلات اليهودية، مثل محلات شيكوريل وشملا وبنزيون وعدس وغيرها، بتسويق هذه الواردات السلعية، خصوصاً المنسوجات البريطانية. وقد ارتبطت العائلات اليهودية، سواء من خلال المؤسسات المالية والائتمانية أو من خلال المؤسسات التجارية التي كانت تمتلكها والتي كان أفرادها يحتلون فيها مواقع إدارية مهمة، بشبكة من علاقات العمل المتداخلة تدعمها علاقات المصاهرة. ويمكن تقدير مدى مساهمة أعضاء الجماعات اليهودية في مصر في الشركات والقطاعات الاقتصادية المختلفة من خلال عضويتهم في مجالس إدارة الشركات المساهمة التي سيطرت على أهم قطاعات الأعمال في مصر منذ أواخر القرن التاسع عشر. وتشير بعض الإحصاءات إلى أن اليهود احتلوا 15,4% من المناصب الرئاسية و16% من المناصب الإدارية عام 1943، وانخفضت هذه النسبة إلى 12,7% و12,6% عامي 1947 و1948، وإلى 8,9% و9,6% عام 1951. وتشير إحصاءات أخرى إلى أن نسبة اليهود في مجالس إدارة الشركات المساهمة كانت 18% عام 1951. والواقع أن هذه نسب مرتفعة إذا ما قورنت بنسبتهم لإجمالي السكان والتي بلغت عام 1950 نحو 0,4% فقط. وكان معظم رأس المال اليهودي متمركزاً عام 1956، وقبل قرارات التأميم، في الشركات العقارية يليه قطاع حلج وغزل ونسج القطن ثم التأمين والبنوك. وكانت هذه القطاعات هي أكثر القطاعات ربحية في الاقتصاد المصري، وبخاصة خلال الفترة التي أعقبت انتهاء الحرب العالمية الأولى وحتى بداية الخمسينيات. وفي شأن دور أعضاء الجماعات اليهودية في اقتصاد مصر، منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى عمليات التأميم عام 1956، يمكننا أن نلاحظ ما يلي: 1 ـ لعب أعضاء الجماعات اليهودية دوراً مهماً لا باعتبارهم يهوداً وإنما باعتبارهم أعضاء في التشكيل الاستعماري الغربي الذي أتوا معه (وقد جاءت معهم أيضاً الأقليات الغربية الأخرى مثل اليونانيين والإيطاليين والإنجليز ... إلخ) واستقروا ضمن إطار الامتيازات الأجنبية وأسسوا علاقات مع المجتمع هي في جوهرها علاقات استعمارية. ولذا، يُلاحَظ بشكل ملموس غياب يهود مصر المحليين، خصوصاً القرّائين، عن هذا القطاع الاقتصادي النشيط، فلم يكن عندهم رأس المال ولا الكفاءات ولا الاتصالات للاضطلاع بمثل هذا الدور. 2 ـ يُلاحَظ أن كبار المموِّلين من أعضاء الجماعات اليهودية لعبوا دور الجماعة الوظيفية الوسيطة بين الاقتصاد العالمي الغربي والاقتصاد المحلي. وقام أعضاء الجماعات اليهودية بدور ريادي نشيط في عدد من الصناعات والقطاعات الاقتصادية الجديدة التي يتطلب ارتيادها كفاءة غير عادية وجسارة، وهو الدور الذي يلعبه أعضاء الجماعات الوظيفية، وقد اشترك فيه معهم المموِّلون من أعضاء الجاليات الأجنبية الأخرى. 3 ـ تركَّز هؤلاء المموّلون في صناعات وقطاعات مالية قريبة من المستهلك (حلج القطن ـ المصارف ـ تسويق السلع ـ العقارات ... إلخ) وهي قطاعات بعيدة عن الصناعات الثقيلة. ويعزى نشاط أعضاء الجماعات اليهودية في قطاع الزراعة إلى نظام ملكية الأراضي في مصر الذي فتح الباب على مصراعيه للأجانب (اليهود وغيرهم (. 4 ـ ومع تزايُد فاعلية القوى الوطنية ونشاطها في القطاع الاقتصادي، بدأ نشاط الطوائف الأجنبية يتراجع بما في ذلك نشاط المموِّلين من أعضاء الجماعات اليهودية. 5 ـ وحينما تم التأميم عام 1956، كان ذلك تتويجاً لتصاعُد هذه الحركة واختزالاً لبقية المرحلة. وقد كان قرار التأميم موجَّهاً ضد المموِّلين الأجانب والمصريين ممن كان الحكم المصري يرى أن نشاطهم يربط الاقتصاد الوطني بعجلة الاستعمار الغربي ويعوق عمليات التنمية من خلال الدولة والتي تبناها هذا النظام الوطني. ولذا، فقد هاجر كثير من هؤلاء المموِّلين وغيرهم من المموِّلين الأجانب والمصريين. لكل ما تقدَّم، يكون من الصعب جداً الحديث عن «رأسمالية يهودية في مصر» أو «مخطَّط يهودي للهيمنة والسيطرة على الاقتصاد الوطني في مصر» . فقدوم أعضاء الجماعات اليهودية إلى مصر ونشاطهم الاقتصادي فيها وخروجهم منها تم داخل إطار الاستعمار الغربي، ولم يكن هناك بُعد يهودي يعطي خصوصية يهودية لنشاط الجماعة اليهودية في مصر. وإذا كان هناك 10% من المناصب الإدارية الرئاسية في أيد يهودية، فإن نحو 90% من هذه المناصب تظل في أيد غير يهودية، ونسبة كبيرة منها في أيدي اليونانيين والإيطاليين وغيرهم. وإذا كان ثمة تعاطُف مع الحركة الصهيونية، فإنه لم يأخذ شكل ظاهرة عامة أو نمط متكرر وإنما كان اتجاهاً فردياً يمكن تفسيره هو الآخر في إطار انتماء المموِّلين من أعضاء الجماعات اليهودية إلى التشكيل الاستعماري الغربي. وتجب الإشارة إلى أن تأييد بعض الأثرياء اليهود للنشاط الصهيوني يمكن أن نضعه في إطار ما يُسمَّى «الصهيونية التوطينية» ، فقد شهدت مصر خلال أواخر القرن التاسع عشر هجرة أعداد من يهود شرق أوربا (الإشكناز) إليها، كان أغلبهم من الشباب الفقير وكانوا يختلفون ثقافياً وعقائدياً وطبقياً عن الأرستقراطية السفاردية المصرية. كما تورَّط كثير منهم في الأنشطة المشبوهة، خصوصاً الدعارة، وهو ما دفع السفارد لإطلاق لقب «شلخت» ، أي الأشرار، عليهم. وكان وجودهم يهدد بخلق أعباء مادية ومشاكل اجتماعية محرجة لأثرياء اليهود. ولذلك، فقد كان دعم بعض أعضاء الأرستقراطية السفاردية للأنشطة الصهيونية في مصر يهدف إلى تحويل هذه الهجرة إلى فلسطين بعيداً عن مصر. كما سعى بعضهم لدى السلطات المصرية لوقف الهجرة اليهودية القادمة إلى مصر كليةً. هذا، ويمكن القول بأن وضع يهود مصر والدور الذي اضطلعوا به هو نمط متكرر بين أعضاء الجماعات اليهودية وأعضاء الجماعات الوظيفية الغربية الأخرى في العالم العربي ابتداءً من أواخر القرن التاسع عشر. عائلة رولو The RoloFamily «رولو» اسم عائلة يهودية سفاردية جاءت إلى مصر خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر واحتفظت بالجنسية البريطانية. وقد امتلك روبين رولو مؤسسة تجارية تخصَّصت أساساً في استيراد النيلة (صبغة) . وفي عام 1870، أسس ولداه جياكومو (يعقوب) (1847 ـ 1917) وسيمون، مع بعض الشركاء، مؤسسة مالية وتجارية باسم «روبين رولو وأولاده وشركاهم» . وتعاونت عائلة رولو من خلال هذه المؤسسة مع عائلتي قطاوي وسوارس في العديد من المشاريع التي أقاموها بالتعاون مع المالي البريطاني سير إرنست كاسل ـ خصوصاً مشاريع الدائرة السنية وإقامة سكك حديد حلوان وتأسيس البنك العقاري المصري والبنك الأهلي المصري. وخلال الأزمة الاقتصادية التي حدثت عام 1907، صفَّى جياكومو المؤسسة ثم أقام مع أبنائه الثلاثة مؤسسة رولو وشركاه والتي جمعت بين الأنشطة المصرفية والمالية وتجارة الجملة في القطن والسكر والأرز والفحم والبن، كما امتلكت حصصاً كبيرة في بعض الشركات العقارية الكبرى (مثل: شركة وادي كوم أمبو وشركة أراضي الشيخ فضل) وشركة مصانع السكر. وعند وفاته، ترك جياكومو رولو ثروة من العقارات تُقدَّر بنحو 70 ألف جنيه. أما ابنه الأكبر روبير جياكومو رولو (1876 ـ؟) ، فقد درس في بريطانيا، وانتُخب رئيساً للطائفة اليهودية في الإسكندرية في الفترة 1934 ـ 1948. وكان روبير جياكومو مناهضاً للصهيونية، واستقال من رئاسة الطائفة عام 1948 قبل اندلاع حرب فلسطين مباشرة بسبب خلافه مع حاخام الإسكندرية المؤيد للصهيونية. أما روبير رولو (1869 ـ؟) ، فحقق مكانة مهمة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية في مصر، ودرس القانون في باريس ثم تولَّى رئاسة عدد من مجالس إدارة الشركات التي ساعد أباه في تأسيسها. وكان مستشاراً قانونياً للملك فؤاد الأول ومقرباً له فقام بدور الوسيط بين القصر ودار المندوب السامي البريطاني، وعملت زوجته وصيفة للملكة نازلي. وحصل هو على لقب «سير» عام 1938. وكان روبير جياكومو من كبار أعضاء الجماعة اليهودية في مصر، ولكنه لم يشارك في شئونها. عائلة سوارس The Suares Family «سوارس» اسم عائلة سفاردية من أصل إسباني استقرت في مصر منذ أوائل القرن التاسع عشر، وحصلت على الجنسية الفرنسية. وقد أسَّس الإخوة الثلاثة، روفائيل (1846 ـ 1902) ويوسف (1837 ـ 1900) وفيلكس (1844 ـ 1906) ، مؤسسة سوارس عام 1875. وفي عام 1880، قام روفائيل سوارس، بالتعاون مع رأس المال الفرنسي ومع شركات رولو وقطاوي، بتأسيس البنك العقاري المصري، كما قام بالتعاون مع رأس المال البريطاني الذي مثَّله المالي البريطاني اليهودي سير إرنست كاسل بتأسيس البنك الأهلي المصري عام 1898 وتمويل بناء خزان أسوان. كما اشترك سوارس مع كاسل وعائلة قطاوي في شراء 300 لف فدان من أراضي الدائرة السنية وإعادة بيعها إلى كبار الملاك والشركات العقارية. كذلك اشترك سوارس مع رأس المال الفرنسي في تأسيس شركة عموم مصانع السكر والتكرير المصرية عام 1897 والتي ضمتها عام 1905 شركة وادي كوم أمبو المساهمة، وكانت من أكبر المشاريع المشتركة بين شركات قطاوي وسوارس ورولو ومنَسَّى، وكانت واحدة من أكبر الشركات الزراعية في مصر. وفي مجال النقل البري، أسست العائلة شركة «سوارس لعربات نقل الركاب» ، وتعاونت مع عائلة قطاوي في إقامة السكك الحديدية. كما امتلكت العائلة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وأراضي البناء في وسط القاهرة حيث سُمِّي أحد الميادين باسم «ميدان سوارس» (مصطفى كامل الآن) . وامتلكت عائلة سوارس حصصاً وأسهما في العديد من الشركات، واحتل كثير من أفرادها مواقع رئاسية وإدارية في كثير منها. فتولى ليون سوارس (ابن فليكس سوارس) إدارة شركة أراضي الشيخ فضل وإدارة شركة وادي كوم أمبو. وعند وفاة أبيه، ترك ليون مؤسسة سوارس ليخلف أباه في إدارة البنك الأهلي والبنك العقاري المصري. ولم تلعب عائلة سوارس دوراً كبيراً في شئون الجماعة اليهودية باستثناء إدجار سوارس الذي تولَّى رئاسة الجماعة في الإسكندرية في الفترة من 1914 ـ 1917. عائلة شيكوريل The Cicurel Family عائلة يهودية سفاردية من أصل إيطالي. وقد جاء مورينو شيكوريل إلى مصر قادماً من تركيا واستقر فيها، وعمل بأحد محلات عائلة هانو اليهودية، ثم اشترى المحل عام 1887. وفي عام 1909، افتتح محلاًّ جديداً في ميدان الأوبرا والذي حوَّله أبناؤه سالومون ويوسف وسالفاتور إلى واحد من أكبر المحلات التجارية في مصر. وفي عام 1936، انضمت لهم عائلة يهودية أخرى، فأصبحوا يمتلكون معاً مجموعة محلات أركو. وقد كان يوسف (بك) شيكوريل من مؤسسي بنك مصر (عام 1920) ، كما كان أخوه سلفاتور (بك) شيكوريل عضواً في مجالس إدارة العديد من الشركات وعضواً في مجلس إدارة الغرفة التجارية المصرية ثم رئيساً لها. وكان ضمن البعثة الاقتصادية المصرية التي سافرت إلى السودان بهدف تعميق العلاقات التجارية بين البلدين وفتح مجالات جديدة أمام رؤوس الأموال المصرية في السودان. وفي عام 1946، ترأَّس سلفاتور الطائفة الإسرائيلية خلفاً لرينيه قطاوي (وكان آخر رئيس لها) ، كما ترأَّس المنظمة الصهيونية بالقاهرة وكان من مؤسسي جماعة أصدقاء الجامعة العبرية. عائلة قطاوي The Cattaui Family عائلة مصرية يهودية برز عدد من أفرادها في النشاط السياسي والاقتصادي في مصر في أواخر القرن التاسع عشر وحتى النصف الأول من القرن العشرين، وترجع أصولها إلى قرية قطا شمالي القاهرة. بدأ دور هذه العائلة مع نزوح أليشع حيدر قطاوي إلى القاهرة في أواخر القرن الثامن عشر حيث حصل ابنه يعقوب (1801 ـ 1883) على امتيازات من الحكومة للقيام بأنشطة تجارية ومالية، وكان أول يهودي مصري يمنح لقب «بك» . كما حصل على لقب «بارون» من الإمبراطورية النمساوية المجرية التي حملت العائلة جنسيتها. وقد أوكلت إليه نظارة الخزانة في فترة حكم الخديوي عباس الأول (1849 ـ 1854) ، واحتفظ بهذا المنصب خلال حكم الوالي سعيد والخديوي إسماعيل، وتولَّى في أواخر أيامه رئاسة الجماعة اليهودية في القاهرة التي كانت تُسمَّى «الطائفة الإسرائيلية» . وبعد وفاته، خلفه ابنه موسى قطاوي (1850 ـ 1924) في رئاسة الطائفة، واختير عضواً في البرلمان المصري، كما مُنح لقب الباشوية. وكان موسى قطاوي من كبار رجال المال والبنوك، وتولَّى إدارة عدد من الشركات وساهم في تمويل مشاريع السكك الحديدية في صعيد مصر وشرق الدلتا ومشاريع النقل العام في القاهرة بالتعاون مع عائلات سوارس ورولو ومنَسَّى. وبعد وفاة موسى، انتقلت رئاسة الطائفة إلى يوسف أصلان قطاوي (1816 ـ 1942) الذي درس الهندسة في باريس وعمل عند عودته موظفاً في وزارة الأشغال العامة. ثم سافر إلى إيطاليا لدراسة أصول صناعة السكر وعاد إلى مصر ليؤسس مصنعاً للسكر، واختير عضواً في العديد من المجالس الاستشارية للمؤسسات الصناعية والمالية واشترك عام 1920 بالتعاون مع طلعت حرب ويوسف شيكوريل في تأسيس بنك مصر. وفي عام 1915، كان يوسف قطاوي عضواً في الوفد المصري الساعي إلى التفاوض مع بريطانيا لنيل الاستقلال لمصر، كما اختير عام 1922 عضواً في اللجنة التي أُسندت إليها مهمة وضع دستور مصري جديد في أعقاب الثورة المصرية (1919) والتصريح البريطاني بمنح مصر استقلالها الشكلي (1923) . وقد عمل يوسف أصلان قطاوي وزيراً للمالية عام 1924 ثم وزيراً للمواصلات عام 1925، وانتُخب عام 1923 عضواً في مجلس النواب عن دائرة كوم أمبو، كما كان عضواً في مجلس الشيوخ في الفترة من 1927 وحتى 1936. ونشر عام 1935 دراسة بالفرنسية تدافع عن سياسة الخديوي إسماعيل الاقتصادية. وقد تزوج من عائلة سوارس اليهودية الثرية وكانت زوجته وصيفة للملكة نازلي. وبعد وفاة يوسف أصلان، انتُخب ابنه أصلان ليشغل مقعد أبيه في مجلس الشيوخ عام 1938، كما عمل سكرتيراً عاماً لمصلحة الأملاك الأميرية التابعة لوزارة المالية ومندوباً عن الحكومة المصرية في شركة قناة السويس ومندوباً للحكومة في البنك الأهلي المصري. أما ابنه الثاني رينيه، فقد اختير عام 1943 رئيساً للجماعة اليهودية في القاهرة. وكان عضواً في البرلمان كما كان يدير عدة مشروعات اقتصادية، ونشر بين عامي 1931 و 1936 ثلاثة مجلدات تشكل تأريخاً لفترة حكم محمد علي. وكان يوسف قطاوي من مؤسسي جمعية مصر للدراسات التاريخية اليهودية. وفي عام 1957، غادر الأخوان رينيه وأصلان مصر واستقرا في أوربا. أما آخر الشخصيات البارزة في عائلة قطاوي، وهو جورج قطاوي، فقد كانت اهتماماته أدبية في المقام الأول حيث نشر عدة دراسات عن الأدبين الإنجليزي والفرنسي، كما كان يكتب الشعر بالفرنسية. وقد اعتنق المذهب المسيحي الكاثوليكي مع العديد من المثقفين المصريين اليهود السفارد الذين تخلوا عن اليهودية. وعلى عكس ما تدَّعي بعض المصادر الصهيونية، ليس ثمة ما يشير إلى تعاطُف الشخصيات الرئيسية في عائلة قطاوي مع المشروع الصهيوني من بعيد أو قريب، ولا إلى قيامهم بأية أنشطة من شأنها دعم هذا المشروع. بل عارض كلٌّ من يوسف أصلان قطاوي وابنه رينيه قطاوي الصهيونية، حينما تولَّى كلٌّ منهما رئاسة الطائفة اليهودية في مصر. وحذر رينيه قطاوي يلون كاسترو، زعيم الحركة الصهيونية في مصر، من الدعوة للهجرة إلى فلسطين باعتبار أن ذلك يمس علاقة الجماعة بالسلطات المصرية. كما دعت عائلة قطاوي إلى اندماج أعضاء الجماعة اليهودية في المجتمع المصري وشجع يوسف أصلان قطاوي تأسيس «جمعية الشبان اليهود المصريين» (1934/1935) وجريدة الشمس الأسبوعية الصادرة بالعربية، وقد كان هدفهما «تمصير» أعضاء الجماعة وتعميق انتمائهم للوطن المصري. عائلة مِنَسَّى The Menasce Family «منَسَّى» أو «دي منَسَّى» أو «منَسَّه» ، لكن النطق الشائع في مصر هو «منشه» . ويُوجَد شارع في الإسكندرية يُسمَّى «شارع منشَّه» . ومنَسَّه عائلة يهودية سفاردية جاءت إلى مصر من إسبانيا، ويعود أول ذكر لوجودها في مصر إلى القرن الثامن عشر. بدأ يعقوب دي منَسَّى (1807 ـ 1887) حياته صرَّافاً في حارة اليهود، وتدرَّج في عمله حتى أصبح صراف باشا للخديوي إسماعيل. ثم أسس بالتعاون مع يعقوب قطاوي مؤسسة مالية وتجارية (بيت منَسَّى وأولاده) أصبح لها أفرع في مانشستر وليفربول ولندن وباريس ومارسيليا وإستانبول، كما اشترك بالتعاون مع الخديوي إسماعيل في تأسيس البنك التركي المصري، وارتبط نشاطه بكثير من شركات ومشاريع عائلتي قطاوي وسوارس. وفي عام 72/1873، مُنح يعقوب دي منَسَّى الحماية النمساوية، وفي عام 1875 مُنح لقب البارونية والجنسية النمساوية المجرية تقديراً للخدمات التي قدمها للتجارة النمساوية المجرية ـ المصرية. وترأَّس يعقوب دي منَسَّى الطائفة اليهودية في القاهرة عام 1869، ثم انتقل عام 1871 إلى الإسكندرية حيث أسَّس معبد منَسَّى ومقابر منَسَّى ومدارس منَسَّى، وترأَّس ابنه ديفيد ليفي دي منَسَّى (1830ـ 1885) رئاسة الطائفة في الإسكندرية وخلفه في رئاستها ابنه جاك (1850 ـ 1916) الذي احتفظ بها حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى حينما اعتبرته السلطات البريطانية عدواً لأنه كان يحمل الجنسية النمساوية المجرية. وقد نقل جاك أعمال الأسرة من الأعمال المالية والمصرفية إلى تجارة القطن والسكر المربحة، واشترى مساحات واسعة من الأراضي في دلتا وصعيد مصر. ووصلت ثروته عند وفاته إلى ما بين 300 و500 ألف جنيه مصري. أما الشقيق الأصغر فليكس يهودا (1865 ـ 1943) ، فدرس في فيينا وأسَّس فرع بيت منَسَّى في لندن وترأَّس الطائفة اليهودية في الإسكندرية في الفترة ما بين عامي 1926 و1933. وكان فليكس دي منَسَّى صديقاً لحاييم وايزمان، فأسَّس وترأَّس اللجنة المؤيدة لفلسطين عام 1918 كما مثَّل الحركة الصهيونية المصرية في لندن لدى المؤتمر الثاني عشر (1921) . أما ابنه جان قطاوي دي منَسَّى (1896 ـ؟) فقد اعتنق الكاثوليكية وانضم إلى الرهبان الدومينيكان وقام بالدعوة إلى المسيحية في الإسكندرية (وهذا نمط متكرر بين اليهود السفارد الذين كانوا يعيشون في الشرق العربي) . عائلة موصيري The Mosseri Family «موصيري» اسم عائلة يهودية سفاردية من أصل إيطالي استقرت في مصر في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. وقد احتفظت العائلة بالجنسية الإيطالية. وحقَّق يوسف نسيم موصيري ثروته من التجارة. وبعد وفاته عام 1876، أسَّس أبناؤه الأربعة مؤسسة يوسف نسيم موصيري وأولاده. وتزوج الابن الأكبر نسيم (بك) موصيري (1848 ـ 1897) من ابنة يعقوب قطاوي، وأصبح نائب رئيس الطائفة الإسرائيلية في القاهرة وهو منصب توارثته العائلة من بعده. ولم تحقِّق عائلة موصيري انطلاقتها الحقيقية إلا في أوائل القرن العشرين (1904) عندما أسَّس إيلي موصيري (1879 ـ 1940) ابن نسيم (بك) ، بالتعاون مع إخوته الثلاثة يوسف (1869 ـ 1934) وجاك (1884 ـ 1934) وموريس، بنك موصيري. حقَّق إيلي موصيري مكانة مرموقة في عالم المال والأعمال في مصر، وكان قد درس الاقتصاد في إنجلترا وتزوج من ابنة فليكس سوارس. وكانت تربطه علاقات وثيقة بإسماعيل صدقي، كما كانت له مصالح عديدة في فرنسا وعلاقات وثيقة ببيوت المال الأوربية اليهودية مثل بيوت روتشيلد ولازار وسليجمان، كما كان يمثل المصالح الإيطالية في مصر. ومن أفراد العائلة الآخرين جوزيف موصيري الذي أسَّس شركة «جوزي فيلم» للسينما عام 1915 والتي أقامت وأدارت دور السينما واستوديو للإنتاج السينمائي وتحوَّلت إلى واحدة من أكبر الشركات العاملة في صناعة السينما المصرية. أما فيكتور موصيري (1873ـ 1928) ، فكان مهندساً زراعياً مرموقاً وكانت له إسهامات مهمة في مجال زراعة القطن وصناعة السكر. وقد ارتبط اثنان من أعضاء عائلة موصيري بالنشاط الصهيوني، فقد أسَّس جاك موصيري الذي درس في إنجلترا وحضر المؤتمر الصهيوني الحادي عشر (عام 1913) المنظمة الصهيونية في مصر (عام 1917) . أما ألبير موصيري (1867 ـ 1933) ، فدرس الطب في فرنسا حيث تعرَّف إلى هرتزل ونوردو، وبدأ في إصدار جريدة صهيونية باسم «قديماه» وخدم في الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى كطبيب. وبعد الحرب، ترك الطب وبدأ (عام 1919) في إصدار جريدة أسبوعية في القاهرة بعنوان إسرائيل صدرت في البداية بالعبرية فقط ثم بالعربية والفرنسية بعد ذلك. وقد استمرت زوجته في إصدار الجريدة بعد وفاته وحتى عام 1939 حينما هاجرت إلى فلسطين. وقد خدم ابنهما مكابي موصيري (1914 ـ 1948) كضابط في البالماخ وقُتل في إحدى العمليات العسكرية أثناء حرب 1948. فيكتور هراري (1857-1945 ( Victor Harari مموِّل مصري يهودي سفاردي اسمه (سير) فيكتور. جاء والده إلى مصر في الثلاثينيات من القرن التاسع عشر قادماً من بيروت. وقد أكمل هراري دراسته في إنجلترا وفرنسا، ثم عمل موظفاً في وزارة المالية المصرية وأصبح مدير الحسابات المركزية ثم مدير الخزانة، كما كان مندوب الحكومة المصرية في لجنة إصلاح ميزانية الأوقاف. وفي عام 1905، بدأ نشاطه الخاص وأصبح مُمثِّلاً للمالي البريطاني اليهودي سير إرنست كاسل، وترأَّس عدداً من الشركات التي أُقيمت بالتعاون بين كاسل ومجموعة قطاوي ـ سوارس ـ منَسَّى ـ رولو، وانتخب عام 1929 عضواً بمجلس إدارة البنك الأهلي المصري. وحصل على لقب سير عام 1928 تقديراً للخدمات التي قدَّمها للحكومة البريطانية. يوسف بتشوتو (1857-1945) Joseph Betshoto اقتصادي مصري يهودي وُلد في الإسكندرية لعائلة سفاردية ذات أصول إيطالية قدمت إلى مصر من حلب. وقد بدأ حياته موظفاً في مؤسسة تجارية، وأسَّس عام 1896 تجارته الخاصة فأقام عام 1917 شركة لاستيراد المنسوجات القطنية. واكتسب بتشوتو سمعة طيبة كخبير اقتصادي، كما كان عضواً في مجالس إدارة عدد من الشركات وعضواً بالغرفة التجارية بالإسكندرية. وعُيِّن عام 1922 عضواً بالمجلس الاقتصادي للحكومة المصرية. وكان بتشوتو متعاطفاً مع الحركة الوطنية المصرية، فانضم إلى حزب الوفد وانتُخب عضواً بمجلس النواب ثم دخل مجلس الشيوخ عام 1924. كما كان نائباً لرئيس اللجنة المؤيدة لفلسطين والتي تأسست عام 1918 ورئيساً للبناي بريت (أبناء العهد) في الإسكندرية. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الملوك والملكية
Kings and Kingship بعد فترة من تسلل القبائل العبرانية في كنعان (1250 ق. م تقريباً) ، بدأ طابعها الاقتصادي والاجتماعي في التحول تأثراً بالبيئة الكنعانية المحيطة، فظهرت الحرف المختلفة والملكية الخاصة للأرض وإقامة المدن، وذلك ليحل نمط جديد محل الاقتصاد البدائي والملكية الجمعية، أي أن المجتمع بدأ يتحول عن القبيلة والبداوة اللتين وسمتاه أثناء عصر القضاة (1250 ـ 1020 ق. م) ليصبح أكثر تركيباً نتيجة عناصر التحول داخله ونتيجة الاحتكاك بالمجتمعات الأخرى الأكثر تركيباً وتَحضُّراً. كما شهدت هذه الفترة ضغطاً عسكرياً عنيفاً على العبرانيين ورفضاً شديداً لهم من جانب الفلستيين والكنعانيين والمؤابيين والأدوميين، وقد واكب ذلك غياب القوى العظمى في منطقة الشرق الأدنى القديم بسبب ظروفها الداخلية. وقد ساهمت هذه الأوضاع الداخلية والخارجية في أن نظام القضاة أصبح نظاماً بالياً غير قادر على التعبير عن الأوضاع الجديدة، وأصبح نظام الملكية أمراً حتمياً للتعبير عن البنية الجديدة للمجتمع. وتعبر القصة التوراتية عن ذلك حيث طلب الشعب إلى صموئيل أن يجعل لهم ملكاً مثل الشعوب الأخرى المتحضرة المحيطة بهم. فتوَّج عليهم شاؤول، ثم داود (1004 ـ 965 ق. م) الذي وحَّد القبائل العبرانية فيما يُسمَّى «المملكة العبرانية المتحدة» . وقد خلفه ابنه سليمان، ثم انقسمت المملكة إلى مملكتين (928 ق. م) : المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية اللتين حكمتهما سلسلة من الملوك. ولم تكن مؤسسة الملكية العبرانية تختلف كثيراً عن مؤسسة الملكية المقدَّسة التي شاعت في الشرق الأدنى القديم، حيث يُعتبَر الملك نقطة الحلول الإلهي ومن خلاله يتم التواصل بين مملكة الأرض ومملكة السماء. ولذا، كان الملك هو أيضاً الكاهن الأعظم أو أعلى في المرتبة. وكان الملوك العبرانيون يُعتبَرون نواباً عن الرب، كما كانوا الزعماء الدنيويين والدينيين للعبرانيين، تعلو سلطتهم الدينية سلطة الكاهن الأعظم، ولذا كان الملك هو الزعيم والرئيس الرسمي للشعائر والاحتفالات الدينية العامة. فكان يقدم القرابين إلى يهوه باسم الشعب ويتلقى البركات منه نيابة عنهم ويعمل على تنفيذ وصاياه وشريعته في وقت السلم، كما كان يقوم بقيادة الشعب في وقت الحروب والمحن. وكان الملك يُسمَّى «الماشيَّح» لأنه كان يمسح رأسه بالزيت عند تتويجه. ورغم كل هذا، لم يكن الملك تجسيداً للإله، كما أن حقوقه لم تكن مطلقة، ولم يكن من حقه مصادرة الأرض أو الاستيلاء عليها، كما كانت تنطبق عليه القوانين الأخلاقية والمدنية. وكان الأنبياء يوجهون انتقادهم للملكية باعتبارها مؤسسة سياسية مرتبطة بالفساد والثراء الفاحش والسخرة، ولكن هذا لم يمنع من وجود حكام مُطلقين. وكان من حق الملك أن يعيّن من يخلفه على العرش، غير أن الابن البكر، عادةً، كان يُختار لهذا المنصب. وقد ظل الموقف العبراني من الملكية مبهماً. فأحد أسفار العهد القديم (تثنية 17/13 ـ 2) يتحدث عن القواعد الواجب اتباعها عند تعيين الملك وهو ما يتضمن اعترافاً بمؤسسة الملكية. ولكننا نجد أن سفر صموئيل يتضمن تحذيراً عميقاً من الملكية لأن الملك لن يلتزم بالقواعد. والرأي السائد بين فقهاء اليهود أن الملكية تخالف روح الدين اليهودي، وأن تعيين ملك أمر يقف ضد إرادة الرب، وأن الشكل الأمثل للحكومة هو حكومة غير ملكية. ولذلك، فحينما استولى الحشمونيون على الحكم (164 ق. م) ، رفضوا في بادئ الأمر أن يتخذوا لقب «ملك» ، كما رفض الغيورون الملكية ولم يرتضوا إلا بالإله ملكاً. ويرى بعض فقهاء اليهود أنه يمكن تعيين ملك كما فعل صموئيل إن هو اتبع التعاليم الدينية وقَبل أن يقوم أحد الأنبياء بتعيينه. وفي التراث الديني اليهودي أن الماشيَّح سيكون ملكاً من نسل داود. وقد ساهمت الملكية في إضعاف النظام القَبَلي بإنشاء سلطة مركزية وتقسيم الأرض إلى مناطق إدارية لا تتفق بالضرورة مع التقسيمات القَبَلية السابقة، حتى أصبحت القيادات القَبَلية مسألة رمزية أو اسمية أو شكلية ليست لها وظيفة محدَّدة. وقد قوَّضت الملكية القيادة القَبَلية بخلق طبقة من الموظفين الملكيين الذين يعتمدون على الملك ويدينون له بالولاء خارج نطاق شبكة الولاء القَبَلية. وكانت هذه الطبقة تضم الوزراء والمقاتلين والمديرين والعمال في الضياع الملكية وطبقة الكهنة واللاويين. كما أن طبقة التجار ازدهرت بتأثير ظهور الملكية التي شجعت على التجارة كما شجعت على ظهور المهارات الحرفية المتخصصة. وظهرت كذلك طبقة كبار الملاك الذين كان الملك يقتطع لهم ضياعاً كبيرة مكافأة لهم على خدمات قدموها له. وقد قُدِّر لهذه الطبقة أن تلعب دوراً كبيراً في تاريخ المملكة الشمالية اللاحق، وخصوصاً تلك الشريحة التي كانت موجودة في شرق الأردن ولعبت دوراً حاسماً في الحقبة الأخيرة من تاريخ المملكة الشمالية، على خلاف ما حدث في المملكة الجنوبية، حيث لم تلعب هذه الطبقة دوراً كبيراً لضعفها ولعل هذا كان يعود إلى عدم وجود أراض زراعية كافية. وقد أدَّت هذه التحولات الإدارية والاجتماعية والطبقية إلى ضعف سلطة شيوخ القبائل في المدن وخارجها. ومع هذا، فقد ظلت شبكة العلاقات القَبَلية قوية. ولعل انقسام المملكة العبرانية المتحدة، بعد موت سليمان مباشرة، أكبر دليل على استمرار قوتها. وقد نجم عن ضعف النظام الطبقي القَبَلي والتقليدي ظهور طبقة العمال العبرانيين الموسميين وتحوُّل العناصر المحلية الأصلية التي لم تندمج في المجتمع العبراني إلى ما يشبه العبيد. وكان هناك كذلك طبقة العبيد نفسها، ولكن لابد أن نشير إلى أن العبيد لم يكونوا طبقة مهمة لأن المجتمع العبراني لم يكن متقدماً بالقدر الذي يجعله يحتاج إلى أيد عاملة بشكل دائم، كما أن المجتمع العبراني كان يسد حاجته المحدودة إلى العبيد عن طريق استعباد المذنبين أو العبرانيين الذين لم يسددوا ديونهم. ويمكن القول بأن المعالم الأساسية لبناء المجتمع العبراني (واليهودي فيما بعد) قد تحددت في هذه الفترة، كما ظل المجتمع محتفظاً ببنيته الأساسية إلى أن اختفى في القرون الميلادية الأولى، وقد كانت بنية ثلاثية تتكون أساساً مما يلي: 1 ـ الملك أو الكاهن الأعظم والنخبة الحاكمة التي كانت تتكون من الأثرياء وكبار الكهنة وكبار ملاك الأراضي وكبار التجار (والتجار الدوليين وملتزمي الضرائب فيما بعد) والأرستقراطية العسكرية التي حل محلها فيما بعد جنود الإمبراطورية الحاكمة: الفرس فالبطالمة ثم السلوقيون والرومان. 2 ـ صغار التجار وصغار المزراعين وصغار الكهنة. 3 ـ الفلاحون المعدمون والعمال الموسميون والعبيد والجماعات الهامشية المختلفة. ويمكن القول بأن ما يُقال له «الحزب الشعبي» كان يضم الطبقتين الثانية (الوسطى) والثالثة (الدنيا) ، وأن الطبقة الثرية هي الطبقة التي تحولت إلى جماعة وظيفية وسيطة تخدم المصالح الإمبراطورية وتسوس المجتمع العبراني لصالحها. وقد ساد الحكم الملكي بين العبرانيين في المملكة المتحدة ثم في المملكتين الشمالية والجنوبية. ومع هجوم الآشوريين ثم البابليين، تم أسر آخر ملوك العبرانيين. وبعد أن سمح قورش بعودة زعماء اليهود إلى فلسطين (538 ق. م) ، قامت محاولة لتتويج زروبابل ملكاً، ولكن هذه المحاولة باءت بالفشل، ذلك لأن الفرس لم يقفوا وراءها مؤثرين التعاون مع الكهنة على التعاون مع الأرستقراطية العسكرية وبقايا أسرة داود الملكية. وقد ظهر بعد ذلك الحكم الكهنوتي حيث تقع معظم أدوات السلطة الدينية في يد السلطة الإمبراطورية الحاكمة وحيث يشرف الكاهن الأعظم وأثرياء اليهود على شئون اليهود الداخلية. وقد كان الرومان يطلقون لقب «ملك روماني (دوكس) » على بعض الحكام اليهود التابعين لهم مثل هيرود، ولكن هذا اللقب كان لقباً شرفياً محضاً، وقد حجبه الرومان عن أولاد هيرود. شاؤول (1020-1004 ق. م) Saul «شاؤول» اسم عبري معناه «الذي سُئل من الإله» . وشاؤول أول ملوك العبرانيين من قبيلة بنيامين. وقد توجه صموئيل ملكاً بعد أن طالبه الشعب بذلك. كان شاؤول يسكن في خيمة ويعيش حياة شيخ قبيلة بدوي، ولم يكن قوي الإرادة، بل كان يميل في مزاجه إلى الكآبة والتقوقع. وهو يمثل انتقال المجتمع العبراني من حكم القضاة إلى حكم الملوك العبرانيين، ومن حالة البداوة إلى حالة الاستقرار والتمدن والزراعة، ولذا فقد كان أقرب إلى القائد العسكري منه إلى الملك. لم تمتد حدود مملكته الصغيرة إلى أبعد من منطقة قبيلته (بنيامين) . ومع ذلك، فإن انتخابه كان يعني الثورة ضد الفلستيين الذين هزمهم في بادئ الأمر. قام بحملات تأديبية ضد القبائل المعادية، وحاول تطهير الدين من عوامل السحر التي استشرت فيه، ولكنه اصطدم، في نهاية الأمر، بكلٍّ من صموئيل وداود. ألحق به الفلستيون هزيمة نكراء بجوار جبل جَلْيوع، وقتلوا ثلاثة من أولاده وأصابوه هو نفسه بجراح خطيرة فانتحر. ثم تم تتويج أحد أبناء شاؤول ملكاً على جزء من فلسطين لبعض الوقت، لكن صموئيل توج داود محله. واسم «شاؤول» ليس مقصوراً على العبرانيين إذ أن أحد ملوك الأدوميين كان يُسمَّى بهذا الاسم. يوناثان Jonathan يوناثان هو ابن شاؤول البكر، وكان قائداً لقوات العبرانيين في عهد أبيه. والاسم عبري معناه «يهوه أعطى» . وحينما شعر شاؤول بالغيرة المجنونة من داود قام يوناثان بحمايته، بل لم يشعر بالحقد نحو داود حينما عرف أنه سيعتلي العرش. وقد قُتل في المعركة الأخيرة مع الفلستيين ورثاه داود. وتُصوِّر إحدى المسرحيات الاسرائيلية الحديثة العلاقة بين يوناثان وداود كعلاقة شاذة. المملكة العبرانية المتحدة: ظهورها وانقسامها United Hebrew Kingdom: Emergence and Division المملكة المتحدة هي، في واقع الأمر، اتحاد القبائل العبرانية الذي سعى إليه شاؤول وأخذ شكل مملكة صغيرة أسسها شاؤول سُمِّيت «مملكة يسرائيل» . ولكن الفضل الحقيقي في تأسيس المملكة يعود إلى داود، وقد خلفه ابنه سليمان في حكمها. وقد تمكَّن العبرانيون من تأسيس مملكتهم حوالي 1020 ق. م بسبب الفراغ الذي نشأ في الشرق الأدنى القديم. فمصر كانت تتعرض آنذاك لضغط الليبيين من الغرب إلى أن قامت أسرة ملكية تنحدر من أصل ليبي، وكان الحيثيون مشغولين بصد الغزاة من البحر (شعوب البحر) ، ولم تكن بابل (العراق) قوة عظمى بعد، كما كانت الدويلات الآرامية في صراع بعضها مع بعض. أما آشور، فلم تكن قد بلغت بعد أوج عظمتها الإمبراطورية. وبعد موت سليمان، انقسمت المملكة العبرانية المتحدة إلى دولتين: المملكة الشمالية (يسرائيل-إفرايم) والمملكة الجنوبية (يهودا) ، وذلك لأسباب غير مباشرة وأخرى مباشرة. ولنبدأ بالأسباب غير المباشرة: 1 ـ لم يكن اتحاد القبائل العبرانية اتحاداً قومياً في صورة أمة وشعب وأرض وحضارة، بل كان تجمعاً اتحادياً لقبائل متفرقة يجمعها نسبها إلى بيت يعقوب وشريعة موسى ويجمعها وقوعها تحت سيطرة الشعوب الأخرى في كنعان وخارجها. 2 ـ ظهور آشور وبعدها بابل، وكذلك استعادة مصر سيطرتها على حدودها الشرقية ومركزها في فلسطين وبدء حملات شيشنق التأديبية في فلسطين. ولذا، فقد اختفى الفراغ في الشرق الأدنى القديم الذي سمح بظهور المملكة العبرانية المتحدة. أما الدويلتان الصغيرتان اللتان حلَّتا محلها، فقد كانتا خاضعتين لتقلبات القوى الداخلية في كنعان والقوى الخارجية في بلاد الرافدين ومصر. 3 ـ كانت الاختلافات الاجتماعية والدينية عميقة بين مجموعتي القبائل الشمالية والجنوبية. فالقبائل التي كانت تسكن الشمال كانت مندمجة في بيئة زراعية وكانت أكثر تعرضاً للأثر الكنعاني، وكانت تمارس عبادة إلوهيم بطقوس مستمدة من العبادات الكنعانية، وخصوصاً بمفهوم بعل وعشتروت. وقد اعتاد أعضاء هذه القبائل سُكْنَى البيوت المُنعَّمة وتخلوا عن خشونة حياة البدو والرعي التي بدأوا بها. أما القبيلتان الجنوبيتان (يهودا وبنيامين) ، فكان أعضاؤهما يعيشون حياة تقترب من حياة البدو ويعتمدون على الرعي في المرتفعات الصالحة لرعي الأغنام وسائر الأنعام، كما كانوا يمارسون عبادتهم بأسلوب يسرائيلي قديم يتَّسم بالقبلية والتعصب. ولكن، حتى في فترة اتحاد القبائل في عصر داود وسليمان، حيث كانت تُعتبَر أكثر عهود العبرانيين رفاهيةً واستقراراً، ظل الاقتصاد معتمداً بالدرجة الأولى على المعاملات المالية والضرائب وجزية الرؤوس، حيث كان النشاط التجاري الداخلي محصوراً داخل نطاق ضيق جداً. أما الصناعة، فقد كانت في حالة بدائية ومتخلفة عما كانت عليه في الدويلات المجاورة. وحتى قبل عهد سليمان بزمن قصير، لم يكن معروفاً غير صناعتي الخزف والحديد البدائيتين. وكان هذا الوضع يدفع الأرستقراطية العبرانية ورجال الدين إلى استغلال العامة وانتزاع أكبر قدر يمكن انتزاعه من مواردهم الضئيلة عن طريق الربا والإقراض والقرابين والهبات والصيرفة، الأمر الذي كان يؤدي إلى تركُز الثروة في أيدي قلة. وقد حال هذا الوضع دون استطاعة العبرانيين بناء كيان مستقر ذي تقاليد سياسية ثابتة. وبعد ظهور الدولتين الشمالية والجنوبية، لم يقم اقتصاد زراعي/صناعي في أي منهما، بل ظل الاقتصاد ربوياً صيرفياً. أما الأسباب المباشرة التي أدَّت إلى انقسام المملكة فكانت متعددة، فثمة أسباب سياسية متمثلة في الرغبة في الانفصال عن سطوة الهيكل في القدس أو في ممارسة حياة بعيدة عن الثيوقراطية، وثمة أسباب اقتصادية تمثلت في مشكلة الضرائب الباهظة التي فرضها سليمان. ولكل هذا، حين اجتمع ممثلو القبائل الاثنتى عشرة في القدس لينصبوا رحبعام بن سليمان ملكاً، أثيرت قضية الضرائب الباهظة التي فرضها أبوه، ولكنه رفض تخفيضها. ولذلك، رفضت القبائل العشر الاعتراف به، وانتخبت يربعام من قبيلة إفرايم ملكاً عليها وكان الناطق بلسانها. وشكلت هذه القبائل مملكة يسرائيل الشمالية التي كانت عاصمتها شكيم أولاً ثم ترصه ثم السامرة. أما قبيلتا يهودا وبنيامين، فقد ظلتا متمسكتين ببيت داود ومصرتين على فرض السيطرة الدينية والسياسية على القبائل العبرانية كافة. واتسمت المملكة الجنوبية (يهودا) بالميل إلى الانغلاق مع استمرار العداوة قائمة بينها وبين المملكة الشمالية طوال تاريخهما، وقد كانتا تدخلان في تحالفات مع الدول المجاورة في صراعهما الواحدة ضد الأخرى. داود (1004-965 ق. م) David «داود» اسم عبري معناها «محبوب» ، وداود هو ثاني ملوك العبرانيين، ويرجع نسبه إلى إسحق بن إبراهيم. وُلد في القرن الحادي عشر قبل الميلاد وتولَّى العرش عام 1004 ق. م حتى وفاته في عام 965 ق. م، وقد رُويت قصته في سفر صموئيل الثاني. وداود، حسب العقيدة الإسلامية، نبي وملك، ولكنه حسب العقيدة اليهودي ملك وحسب. ويحيطه التراث اليهودي بحكايات تجعله يتصف بصفات غير محمودة. كان داود راعياً وقاطع طريق، عمل حامل دروع عند شاؤول، وكان يعزف له ليُسرى عنه. وأظهر شجاعة غير عادية في قتال الفلستيين حينما صرع العملاق جُليات بالمقلاع، ثم تزوَّج من ميكال ابنة الملك. ولكن شعبية داود أثارت غيرة الملك عليه، فاضطر إلى الفرار والاحتماء بأعدائه. ولكن، بعد هزيمة شاؤول على يد الفلستيين وانتحاره، عاد داود إلى الخليل (حبرون) ، وتوَّجه صموئيل ملكاً ليهودا. ولكن أسرة شاؤول توَّجت أحد أبنائه ملكاً. ونتيجة خسائر بقية القبائل في الحرب (ويُقال بسبب مساعدة الفلستيين له) ونتيجة مجموعة من الاغتيالات السياسية دبرها قائد قوات داود، انتهى الأمر باغتيال ابن شاؤول نفسه. ثم وجدت القبائل نفسها بدون ملك أو قواد حربيين، فقبلته القبائل العبرانية كافة وضمنها قبائل الشمال، فأسس المملكة العبرانية المتحدة. وبعد ثمانية أعوام من حكمه، فتح داود يبوس أو القدس وحوَّلها إلى عاصمة لمملكته لأنها تتوسط وتسيطر على أهم الطرق الداخلية، وبنى معبداً ليهوه أودع فيه تابوت العهد مؤكداً بهذا توحيد المملكة والقبائل العبرانية. وقد أصبح اللاويون الذراع الإدارية والتنفيذية للدولة، فكان منهم رجال الشرطة والقضاة والكتبة. ثم أسس جيشاً محترفاً بعد تركيز السلطة في القدس، وحارب الفلستيين حلفاءه السابقين والمؤابيين وآرام (سوريا) والعمونيين. وقد استمرت الحروب سجالاً بينه وبين قبائل المنطقة في أرض كنعان. ومع أن داود ضم قطاعات واسعة من الأرض ووسع حدود مملكته وأبرم معاهدات مع صور وصيدا، إلا أن مملكته لم تكن مع هذا مملكة بمعنى الكلمة إذا ما قورنت بالوحدات السياسية المماثلة في ذلك العصر. ولا يمكن فهم الإنجازات العسكرية أو السياسية لداود إلا في إطار العلاقات الدولية القائمة حينذاك في الشرق الأدنى القديم، إذ لم يكن من الممكن أن تحقق دويلة صغيرة مثل هذا التوسع إلا في حالة غياب القوى العظمى في ذلك الوقت. ويتميَّز حكم داود بتَحوُّل القبائل العبرانية من الحياة القبلية الرعوية شبه الزراعية إلى حياة مستقرة نوعاً ما تتميَّز بوجود ملكيات كبيرة للأرض. ومع هذا، لم يَخلُ الأمر من متاعب داخلية، مثل ثورة ابنه ضده وغضب الأنبياء عليه وهو ما يدل على أن النمط القَبَلي لم يكن قد فقد تأثيره بعد. ويُصوَّر داود كشاعر ومحارب وعاشق يرتكب الذنوب بسرعة غريبة ثم يندم عليها بالسرعة نفسها. وقصته التي ترويها التوراة أقرب ما تكون إلى قصة حياة زعيم همجي منها إلى قصة حياة رئيس جماعة يدعو إلى ديانة متطورة أخلاقياً، فقد نسبت التوراة إليه أنه اغتصب بتشبع زوجة أوريا الحيثي أحد رجاله العسكريين، فقد رآها عارية وهي تستحمّ فدفع زوجها إلى الجبهة في الحرب مع العمونيين كي يموت وتبقى المرأة خالصة له. ولكن الإله، برغم كل معاصي داود، كان يصطفيه ويغفر له. ويُنسَب إلى داود أحد أسفار العهد القديم (المزامير) . وقد عقد الإله معه عهداً أزلياً مثل العهد الذي عقده مع يسرائيل، ولذا سيكون الماشيَّح المخلّص «ملك يسرائيل» من نسله. ومع هذا، نجد أنه لم يكن يهودياً خالصاً إذ أن جدته راعوث كانت مؤابية. وتصوِّره الأجاداه في صورة الملك الذي لا يمكن أن ينازعه أحد في حقه، كما تؤكد قدراته الجسدية الخارقة، وأنه حجة في الشريعة يقرأ التوراة دائماً، ولذا لم يستطع ملاك الموت أن يقبض روحه إلا باللجوء إلى الخديعة. وقد حاول الحاخامات أن يبينوا أنه لم يرتكب أياً من الذنوب التي ورد ذكرها في العهد القديم. أما في القبَّالاه، فإنه يُقرَن بالتجلي النوراني العاشر ويتسم بصفات «الملكوت» . ويوجد إلى جوار داود الدنيوي داود الأعالي أو داود الآخر، وهو قرين داود الدنيوي، والذي يقود سكان العالم العلوي، ولذا فهو الشخيناه. كما أن داود هو القدم الرابعة للمركبة الإلهية، ويشكل الآباء الثلاثة الأقدام الأخرى. وتفسِّر القبَّالاه قتله أوريا الحيثي بأنه رمز لقتل الثعبان، وداود تجسيد للإنسان الأول (آدم) . أما كونه مولوداً لمؤابية، فقد فُسِّر بأنه مثل نزول الماشيَّح إلى عالم الظلمة وفي الهوة وغوصه في الجانب المظلم حتى يمكنه أن يتغلب على قوى الشر. ويحب كثير من الصهاينة والإسرائيليين أن يُشخِّصوا دولة إسرائيل بأنها داود الصغير الذكي سريع الحركة، والذي يهزم جليات البطل الفلستي المدجج بالسلاح (والذي يُقرَن بالعرب) عن طريق استخدام المقلاع. وهذه هي صورة الصراع العربي الإسرائيلي كما رسخت في الوجدان الغربي. ولعل لاأخلاقية داود، وتَحوُّله من قاطع طريق إلى راع ثم إلى ملك وشاعر ومحب، تجعله إنساناً عصرياً ليست لديه هموم أخلاقية وقادراً على التكيف مع كل الظروف. وبعد الانتفاضة، واستخدام الفلسطينيين العزل الحجارة ضد آلة الحرب الإسرائيلية المتفوقة، أُعيدت صياغة الرموز وأصبح الفلسطينيون هم داود وأصبحت الدولة الصهيونية هي جُليَّات. سليمان (965-928 ق. م) Solomon «سليمان» اسم عبري معناه «رجل سلام» . ويبدو أن هذا هو الاسم الملكي الذي اتخذه يديديا ابن داود بعد اعتلائه العرش. وكلمة «يديديا» معناها «أثير ليهوه» أو «خليل الرب» . ويُعتبَر سليمان عند اليهود ملكًا وليس نبياً، وهو ثالث ملوك العبرانيين، ابن داود من بتشبع. حكم اتحاد القبائل العبرانية المسمَّى «المملكة العبرانية المتحدة» قبل وفاة أبيه بسبب احتيال أمه بمساعدة النبي ناثان. وقد بدأ سليمان حكمه، فيما روت التوراة، بحمام دم استهله بقتل أخيه إدونيا بعد أن خضع له، كما ذبح أفراداً آخرين كانوا يمثلون خطورة عليه مثل يؤاب رئيس جيش أبيه (ولكن عمله هذا لم يُغضب يهوه كثيراً) ، كما أنه عزل آبيثار الكاهن. وقد تحوَّلت القدس في عهده إلى مدينة تجارية بسبب ازدهار التجارة التي قامت على الاتصالات بالشعوب المحيطة وعلى استخدام السفن في البحر الأحمر ونقل البضائع. وبنى سليمان في عصيون جابر (إيلات) أسطولاً تجارياً بمساعدة الملك التاجر حيرام ملك صور الذي مده أيضاً ببحارة عارفين بالبحر، واستخدم هذا الطريق الجديد بدلاً من طريق مصر في تجارته مع بلاد العرب وأفريقيا. وقام سليمان ببناء الهيكل وبنى قصره الملكي في القدس. وقد قامت ملكة سبأ بزيارته لذيوع صيته، حسب الرواية التوراتية. وبشكل عام، نعمت مملكته بالسلام لأسباب كثيرة من بينها الحلف الذي عقده أبوه مع الفينيقيين، والتحالفات التي عقدها هو مع الدويلات المجاورة. وقد تمتعت المملكة بحالة من الاستقرار والاستقلال النسبيين بسبب حالة الفراغ السياسي التي عاشتها المنطقة في تلك الفترة نتيجة انكماش كل القوى الإمبراطورية فيها أو غيابها لسبب أو آخر. ولكن، لا ينبغي مع ذلك أن نظن أن دولة سليمان كانت دولة عظمى، فاقتصادها كان محدوداً، ونشاطها التجاري الداخلي كان محصوراً في نطاق ضيِّق جداً، وكانت الصناعة بدائية ومتخلفة. جمع سليمان عدداً كبيراً من الزوجات والسراري يصل إلى الألف (ملوك أول 11/3) من الأجناس كافة، منهن الفينيقيات والمؤابيات والعمونيات والحيثيات والمصريات. وبنى بتأثيرهن منصات عبادة قرب القدس لعبادة إله صيدا ومؤاب وعمون (ملوك أول 11/5 ـ 8) . وازداد اندماج العبرانيين في عهده مع الشعوب والقبائل المحيطة بهم في فلسطين واتخذوا مظاهر العبادات الكنعانية المختلفة الأمر الذي ابتعد بالدين عن جوهر ديانة موسى، وأدَّى ذلك فيما بعد إلى ظهور الحركة الاجتماعية للأنبياء. وتذكر التوراة أن سليمان صاهر فرعون، ملك مصر، وتزوَّج ابنته (ملوك أول 3/1) ، وقد حصل على مدينة جيزر (بالقرب من القدس) ، وكانت تابعة لمصر، مهراً لزواجه، وهذا هو التوسع الوحيد الذي أنجزه سليمان. ويبدو أن هيبة ملوك مصر في تلك الحقبة كانت قد هبطت حتى ارتضت مصر أن يتزوَّج ملك صغير الشأن كسليمان من إحدى أميراتها. وفي أواخر حكم سليمان، حرر الملك الآرامي رزين نفسه ومملكته منه، كما بدأ الأدوميون في إزعاجه، بل بدأت تظهر مشاكل داخلية حادة بسبب حالة الاستقطاب الطبقي والضرائب الثقيلة التي فرضها لتمويل أعمال البناء والسخرة اللازمة لتنفيذها. وقد أدَّى ذلك إلى سخط قبائل الشمال، فانحلّ اتحاد القبائل العبرانية بعد وفاته وانقسمت المملكة إلى مملكتين: المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية. واستولى شيشنق، أول فراعنة الأسرة الثانية والعشرين، على القدس ونهب معظم ما فيها من كنوز (ملوك أول 14/25) . ويقف كثير من النقاد موقف المستريب إزاء قصة مجد سليمان التي توردها أسفار الملوك والأيام، ويقولون إن التحيز القومي لدى كُتَّاب متأخرين هو الذي دعاهم إلى الإضافة والمغالاة في القصة. وهو يُعَدُّ حسب فلكلور الماسونية مؤسِّس أول محفل ماسوني في العالم باعتباره باني الهيكل. وتُنسَب إليه بعض كتب العهد القديم، كالأمثال ونشيد الأنشاد وبعض المزامير ... إلخ. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الولايات المتحدة: مقدمة عامة
United States: General Introduction يمكن القول بأن تاريخ الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة، التي صارت جماعة واحدة فيما بعد، جزء لا يتجزأ من التاريخ الغربي بشكل عام والتاريخ الأمريكي بشكل خاص، ذلك أن أصولها تعود إلى هجرة الشعوب الأوربية إلى العالم الجديد. وتعكس تجربة أعضاء الجماعة في الولايات المتحدة كل الإيجابيات والسلبيات التي تسم تجربة الإنسان الأمريكي. ويُعدُّ وصول الإنسان الغربي إلى الأمريكتين (فيما يُسمَّى «اكتشاف العالم الجديد» ) من أهم الأحداث التي أثرت في تاريخ الإنسان في العصر الحديث إذ فتح مجالات جديدة للاستثمار أمام الإنسان الغربي وزاد ثروته بشكل مذهل بعد أن كان الغرب من أفقر مناطق العالم. ومن هنا، اتجه الفائض السكاني الغربي (كما كان يشار إلى الأفراد الذين لم يحققوا شيئاً من الحراك الاجتماعي ولم يتمكنوا من تحقيق هوياتهم الدينية والثقافية) إلى العالم الجديد ليحقق أعضاؤه من خلال التشكيلات الاستعمارية الغربية ما فشلوا في تحقيقه داخل التشكيلات القومية الغربية. ولكن كل عملية هجرة لها قطبان: أحدهما إيجابي هو عنصر الجذب إلى الوطن الجديد، والآخر سلبي هو عنصر الطرد من الوطن القديم. وقد ذكرنا بعض عناصر الطرد الخاصة بالمجتمع الغربي ككل حينما تحدثنا عن الفائض السكاني، وهي تنطبق على أعضاء الجماعات اليهودية انطباقها على الآخرين. ولكن عملية الهجرة إلى العالم الجديد تزامنت مع عدة عناصر طاردة خاصة بالجماعات اليهودية وحدها جعلت نسبة اليهود المهاجرين أعلى من نسب الجماعات الأخرى (ربما باستثناء الأيرلنديين) . ونوجز هذه العناصر فيما يلي: 1 ـ طرد اليهود السفارد من إسبانيا، ثم استيطانهم في أنحاء العالم الغربي والدولة العثمانية. 2 ـ هجمات شميلنكي في منتصف القرن السابع عشر في بولندا والتي كانت تضم الجزء الأكبر من يهود العالم. 3 ـ تقسيم بولندا في نهاية القرن الثامن عشر بما نتج عنه من توزيع اليهود فيها على روسيا وألمانيا والنمسا، وما نجم عن ذلك من قلقلة وعدم استقرار. 4 ـ تعثُّر التحديث في شرق أوربا، ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر، وكان يضم آنذاك يهود اليديشية وهم أغلبية يهود العالم الساحقة، بل ووصول عملية التحديث إلى طريق مسدود في نهاية الأمر. وترك ذلك أثراً عميقاً في أعضاء الجماعات اليهودية إذ خلق لديهم إحساساً عميقاً بالإحباط، وخصوصاً أعضاء الطبقة الوسطى. 5 ـ لكن من أهم الأسباب التي تهم اليهود، أكثر من أية جماعة أوربية أخرى، أن المجتمع الأمريكي مجتمع علماني تماماً. ومع أن الديباجات والرموز الدينية المسيحية كانت منتشرة في المراحل الأولى، إلا أن كل هذه الأشياء ضمرت سريعاً وهيمنت الرؤية البرجماتية المادية النفعية حيث أصبح الحكم على كل شيء في الواقع، وضمن ذلك الإنسان، يَصدُر عن منظور مدى نفعه (المادي) . وينطلق دستور الولايات المتحدة من أطروحات الاستنارة والإيمان بالمساواة بين البشر ومن أن هدف الحياة هو البحث عن السعادة أو المتعة. وفي عام 1840، اعترض المواطنون على حاكم جنوب كارولينا لأنه أشار إلى الثالوث المسيحي في دعاء عيد الشكر. وكان هذا الحادث من أهم الوقائع التي تدل على تراجع المسيحية حتى على مستوى الرموز العامة، وهو أمر يشكل جاذبية خاصة للمهاجر اليهودي. 6 ـ يجب أن نتذكر أن المجتمع الأمريكي مجتمع استيطاني، وأن أسطورة الاستيطان الغربية أسطورة عبرانية. فالولايات المتحدة كان يُنظر إليها باعتبارها صهيون الجديدة (والمستوطنون البيوريتان هم العبرانيون) ،أما السكان المحليون أو الأصليون فهم الكنعانيون والعماليق من أجداد العرب. بل قُدِّم اقتراح بأن تكون العبرية لغة البلد الجديد بدلاً من الألمانية أو الإنجليزية. وهذا جزء من ميراث الإصلاح الديني في الغرب حيث زاد الاهتمام بالعهد القديم وحوادثه التاريخية. ومن المؤكد أن هذا خلق تعاطفاً كامناً مع المهاجرين اليهود وجعل الولايات المتحدة ذات جاذبية خاصة لهم إذ أن النسق الرمزي لا يستبعدهم. 7 ـ المجتمع الأمريكي مجتمع استيطاني بناؤه الطبقي في حالة سيولة وانفتاح شديدين ولا يضع أية عقبات أمام المهاجر اليهودي. 8 ـ ساهم أعضاء الجماعة اليهودية، مع غيرهم من الجماعات المهاجرة، في صياغة رؤية أمريكا لنفسها كمجتمع تعددي، وفي تشكيل الواقع الأمريكي كواقع لا تتحكم فيه مؤسسات وسيطة (قبائل أو كنيسة مركزية) . لكل هذا أصبحت الولايات المتحدة «الجولدن مدينا» بحق أي «البلد الذهبي» وملجأ الغالبية الساحقة من يهود العالم ووطنهم. لكل هذه الأسباب، سواء الجاذبة أم الطاردة، لم يكن من الغريب انتقال الكتلة البشرية اليهودية من شرق أوربا إلى الولايات المتحدة أساساً أو إلى غيرها من المجتمعات الاستيطانية الجديدة مثل أستراليا وكندا وجنوب أفريقيا والأرجنتين، إذ أن الهجرة اليهودية هي في نهاية الأمر جزء لا يتجزأ من الهجرة الاستيطانية الغربية. ويمكن تقسيم تاريخ الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة إلى المراحل التالية: 1 ـ المرحلة الكولونيالية: السفارد وبداية وصول الإشكناز الألمان. أ) الفترة الهولندية: السفارد (1654 ـ 1764) . ب) الفترة الإنجليزية: بداية وصول الإشكناز الألمان (1664 ـ 1776) . 2 - المرحلة الألمانية: أ) الفترة الأولى (1776 ـ 1820) . ب) الفترة الثانية (1820 ـ 1880) . 3 ـ بداية المرحلة اليديشية أو مرحلة الهجرة اليديشية الكبرى (1880 ـ 1929) . 4 ـ نهاية المرحلة اليديشية (1929ـ 1945) ، وظهور اليهود الأمريكيين. 5 ـ اليهود الجدد أو الأمريكيون اليهود (من بعد الحرب العالمية الثانية حتى عام 1970) . 6 ـ اليهود الجدد أو الأمريكيون اليهود (1971 - حتى الوقت الحاضر) . وإن تكن هناك وحدة ما في تاريخ الجماعة اليهودية فهي وحدة أمريكية خاصة وليست يهودية عامة، ولا يمكن فهم هذا التاريخ إلا في هذا الإطار إذ أننا لو اكتفينا بالإطار اليهودي فسنلاحظ اختلافات حادة وعميقة. وقد حاول السفارد إيقاف هجرة الإشكناز الألمان الذين حاولوا بدورهم استصدار تشريعات لوقف هجرة يهود اليديشية. وقد نشبت الصراعات الدينية العميقة بين الأرثوذكس من جهة والفرق الدينية الأخرى مثل المحافظين والإصلاحيين والتجديديين من جهة أخرى، وبين الصهاينة الاستيطانيين والصهاينة التوطينيين. ولو نظرنا إلى هذه الخلافات بمعزل عن التاريخ الأمريكي وداخل إطار التاريخ اليهودي لتحوَّلت إلى مجموعة من الأحداث المتناقضة التي لا يحكمها أي منطق داخلي. ولكن، في ضوء مسار التاريخ الأمريكي، يمكن النظر إلى أعضاء الجماعة اليهودية باعتبارهم مجموعات من المهاجرين أتوا من بلاد مختلفة، لهم انتماءات حضارية ودينية غير متجانسة وتمت أمركتهم ثم دمجهم تماماً في المجتمع مع توقُّف الهجرة من الخارج. ويمكن فهم هيمنة الصهيونية عليهم واحتجاجهم عليها، ورفضهم لها أحياناً ومحاولتهم التملص منها أحياناً أخرى في ذلك الإطار نفسه. وتجب الإشارة إلى أن تجربة المهاجرين اليهود مع الولايات المتحدة كانت تجربة فريدة بالنسبة لهم (ولغيرهم من المهاجرين) إذ فتحت الأبواب أمامهم وأتاحت لكل منهم تحقيق قدر من الحراك الاجتماعي يتناسب مع كفاءته وشراسته. ومع أن المهاجرين باعتبارهم أعضاء في جماعات وظيفية حملوا معهم ميراثهم الاقتصادي الذي حد من الوظائف التي يمكنهم شغلها، كما أن كونهم مهاجرين كان يفرض حدوداً معينة عليهم، فإنهم مع هذا لم يضطروا إلى لعب دور الجماعة الوظيفية الوسيطة وهو الدور الذي اضطروا إلى الاضطلاع به في المجتمعات الغربية قبل الثورة الفرنسية. ولذا، فلا غرو أن الولايات المتحدة تضم أكبر تجمُّع يهودي في العالم بل في التاريخ، فالعبرانيون في فلسطين لم يتجاوز عددهم مليونين. ورغم أن عدد يهود روسيا القيصرية كان يصل أحياناً إلى سبعة ملايين، إلا أنهم كانوا موزعين بين تشكيلات حضارية وسياسية وجغرافية مختلفة داخل الإمبراطورية. أما يهود بولندا، وهم أهم الجماعات اليهودية طراً، فلم يزد عددهم قط عن 3.300.000، كما أنهم لم يتمتعوا بحقوق يهود الولايات المتحدة أو قوتهم. وفيما يلي جدول يبيِّن تعداد يهود الولايات المتحدة في الفترة من 1650 حتى 1989. السنة / العدد / النسبة المئوية إلى عدد السكان 1650 /244 / ــــ 1790 / 2.500 / ــــ 1818 / 3.000 / ــــ 1826 / 6.000 / ــــ 1830 / 10.000 / ــــ 1840 / 15.000 / ــــ 1850 / 50.000 / 0.5 1877 / 230.000 / 0.2 1887 / 400.000 / 1.3 1897 / 938.000 / 0.7 1907 / 1.777.000 / 3.2 1919 / 3.389.000 / 3.7 1927 / 4.228.000 / 3.1 1937 / 4.771.000 / 2.0 1947 / 5.000.000 / 2.8 1957 / 5.200.000 / 3.7 1967 / 5.800.000 / 3.5 1970 / 6.000.000 / 2.5 1980 / 5.800.000 / 2.9 1989 / 5.920.000 وحسبما جاء في الكتاب السنوي الأمريكي اليهودي لعام 1992، يبلغ تعداد يهود الولايات المتحدة 5.515.000 فقط، من مجموع السكان البالغ عددهم 247.341.000، أي أنهم حوالي 2.23%. المرحلة الكولونيالية The Colonial Era أ) الفترة الهولندية: السفارد (1654 ـ 1664) : يعود تاريخ استقرار أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة إلى عام 1654 حين استقر في مدينة نيو أمستردام (نيويورك فيما بعد) مجموعة من اليهود السفارد (المارانو) يبلغ عددهم ثلاثة وعشرين يهودياً هاربين من محاكم التفتيش البرتغالية في البرازيل. وكان هؤلاء يعملون بالتجارة، فاستمروا في مهنتهم دون أية عوائق. وقد ساد آنذاك في الأوساط الهولندية فكر تجاري يغلِّب المصلحة المادية على الانتماءات الدينية، الأمر الذي هيأ الجو لأن يحصل اليهود على حقوقهم، كعناصر نافعة، ويمارسوا نشاطهم التجاري دون قيود. ولكن الجماعة اليهودية اختفت بعد قليل نظراً لظهور فرص أعظم في أجزاء أخرى من الأطلنطي، وخصوصاً في جزر الهند الغربية. ب) الفترة الإنجليزية: بداية وصول الإشكناز الألمان (1664 ـ 1776) : بعد أن استولى الإنجليز على نيو أمستردام وأصبحت تُسمَّى نيويورك (عام 1664) ، وبعد تصفيتهم للجيب الهولندي في شمال أمريكا، ازداد النشاط التجاري في هذا الجزء من العالم وبدأ اليهود يتجهون نحوه بشكل متزايد. ولم يحل عام 1700 إلا وكان هناك ما بين مائتي وثلاثمائة يهودي، ثم بلغ عددهم 2500 عام 1776. وكان معظم المستوطنين من الأثرياء. وقد ظل العنصر السفاردي (من إسبانيا والبرتغال) هو الغالب حتى عام 1720 حيث بدأ العنصر الإشكنازي (الألماني أساساً) يصبح غالباً. وهذا هو النمط الأساسي للاستيطان اليهودي في الغرب بعد القرن الخامس عشر إذ كان السفارد يشكِّلون دائماً النواة الأولى ثم يتبعهم الإشكناز حتى يصبحوا العنصر الغالب بكثافتهم البشرية. وقد تكونت جماعات يهودية في نيوبورت وفيلادلفيا ونيويورك وتشارلستون (في ساوث كارولينا) وأتلانتا (في جورجيا) . وكان أعضاء الجماعة اليهودية يعملون أساساً بالتجارة، فكان هناك الأرستقراطية الثرية التي كانت تتاجر في المنتجات الزراعية وتُصدِّرها إلى الخارج. وكان منهم مُلاَّك السفن والمتعهدون العسكريون الذين كانوا يزودون الجيش البريطاني بما يحتاج إليه من مؤن وتموينات. وكان هناك عامة اليهود من تجار متجولين يتاجرون مع الهنود وغيرهم. وكان منهم بعض الحرفيين من إسكافيين ومقطري خمور وصانعي لفائف التبغ والصابون وسروج الخيل والحقائب الجلدية والمشتغلين في سك الفضة وتصنيعها. واشتغل بعض كبار المموِّلين من أعضاء الجماعة اليهودية بأهم تجارة آنذاك وهي تجارة الرقيق، حيث كانت نسبة اليهود المركزين في هذه التجارة عالية. وكان من بين التجار حاخام (رئيس الجماعة اليهودية في مدينته) وهو ما يعني القبول الاجتماعي لهذه التجارة. واليهود في هذا لا يختلفون عن كل الأمريكيين الذين استفادوا من استيراد العبيد وتشغيلهم. أما الأعمال الزراعية وأعمال الري، فقد اقتصرت على عدد قليل جداً من اليهود. وكل هذا يبيِّن أن أعضاء الجماعة حملوا معهم إلى العالم الجديد ميراثهم الاقتصادي (الوظيفي والمهني) الأوربي. ومع هذا، لا يمكن القول بأنهم كانوا جماعة وظيفية وسيطة، وهو أمر غير وارد في المجتمعات الرأسمالية التي يُعَد النشاط التجاري والمالي فيها نشاطاً أساسياً. وقد استمر هذا الوضع حتى الأربعينيات من القرن العشرين، مع توقُّف تدفق الهجرة من أوربا، وأصبح أعضاء الجماعة اليهودية أمريكيين خاضعين لحركيات المجتمع الأمريكي والغربي المتاحة لهم. وقد تم تأسيس أول جماعة دينية في نيويورك عام 1658 (الأبرشية اليهودية) وتبعتها جماعات دينية أخرى. ويُلاحَظ أن الأشخاص العاديين، الذين لم يتلقوا أيَّ تعليم حاخامي تلمودي كانوا هم المتحكمين في المعبد اليهودي، على عكس الوضع في أوربا حيث نجد أن الحاخام هو الشخصية الأساسية. وقد استأجرت أول أبرشية يهودية حاخاماً عام 1840 وكانت صلاحياته دينية وحسب، إذ لم تكن هناك أية محاكم دينية لها صلاحيات قضائية. وظل هذا أحد ثوابت وضع اليهود في العالم الجديد. وكانت الأطر التنظيمية اليهودية الأخرى مسألة اختيارية طوعية، على خلاف القهال في شرق أوربا حيث كان على اليهود أن ينضموا إليه ويمارسوا حقوقهم وواجباتهم من خلاله. وكانت جهود الجماعة تتجه نحو رعاية فقراء اليهود من بين المهاجرين الجدد والعجزة والعجائز، كما كانت تتجه إلى مساعدة المدارس اليهودية. وقد حصل اليهود على جميع الحقوق التي حصل عليها غيرهم من المستوطنين، فكانوا يقومون بالخدمة في الميليشيا ويتمتعون بحق الملكية والسفر والسكنى في أي مكان. ففي هذا المجتمع التجاري الجديد، لم تكن للقيم التقليدية الدينية فعالية كبيرة إذ سادت القيم النفعية والعملية. وفي هذا الإطار، كان يُنظر إلى العنصر اليهودي باعتباره عنصراً نافعاً يساهم في تطوير المستعمرات الجديدة. ولم يكن هناك قطاع اقتصادي يهودي مستقل عن القطاع المسيحي، كما لم تكن هناك حرف أو وظائف يهودية رغم أن الموروث الاقتصادي الأوربي لليهود وخبراتهم السابقة كانت تحدِّد اختياراتهم الاقتصادية في كثير من الأحيان وتحدُّ منها في بعض الأحيان. ولم يكن هناك نظام تعليمي يهودي مستقل، باستثناء بضع مدارس لتعليم اليهود الذين يضطلعون بوظائف المؤسسة الدينية أو لتعليم أطفال اليهود تعاليم دينهم أو تدريبهم على احتفالات بلوغ سن التكليف الديني (برمتسفاه) التي أصبحت من أهم ملامح الحياة اليهودية في الولايات المتحدة. وكانت المدارس العلمانية مفتوحة على مصراعيها أمامهم، فكان أبناء أثرياء اليهود يلتحقون بها. ولكن لم تُبد أغلبية أعضاء الجماعة اليهودية آنذاك اهتماماً كبيراً بالتعليم العالي بسبب توجُّههم الاقتصادي. ولم يكن أعضاء الجماعة اليهودية يتميزون بأزياء أو لغة خاصة بهم، بل كانوا يسلكون سلوك بقية أعضاء المجتمع. وأدَّى كل هذا إلى اختفاء كثير من القيم التقليدية اليهودية التي حملها المهاجرون معهم من أوطانهم الأصلية، بل كان أبناؤهم يسخرون منها تماماً. كما أن كثيراً من الشعائر الدينية أخذ يطويها النسيان والإهمال، ولم يكن أعضاء الجماعة اليهودية يشعرون بأن وطنهم الجديد هو المنفى (جالوت) الذي تتحدث عنه الكتب الدينية، بل اعتبروه وطنهم النهائي والقومي والوحيد (تماماً كما فعل أعضاء الجماعة في بابل من قبل) . ويمكن القول بأن الملامح الأساسية للجماعة اليهودية، وكذلك ثوابت تاريخها، تحدَّدت في تلك المرحلة بحيث وسمت تطورها اللاحق بميسمها. ولم تشهد مراحل التطور اللاحقة سوى تعديل بعض السمات وتعميق البعض الآخر. وقد أدَّى هذا المناخ الجديد إلى اندماج اليهود سريعاً، بل وإلى انصهارهم. وعلى سبيل المثال، تزوج كل وجهاء اليهود في ولاية كونتيكت من غير اليهود، وكان الزواج المُختلَط أمراً مألوفاً في المدن الكبيرة بكل ما ينتج عنه من انصهار كامل. المرحلة الألمانية الأولى (1776-1820) (The First German Era (1776-1820 عند إعلان استقلال الولايات المتحدة، لم يكن عدد أعضاء الجماعة اليهودية يزيد على ألفين أو ثلاثة آلاف، ولكن عددهم وصل إلى أربعة آلاف عام 1820. وقد تحدَّدت مواقفهم حسب مواقف الجماعات غير اليهودية التي كانوا يعيشون بين ظهرانيها أو الطبقة التي كانوا ينتمون إليها. ولما كانت أغلبيتهم من التجار الذين لا تربطهم علاقة كبيرة بالوطن الأم (إنجلترا) ، فقد كانوا من مؤيدي إعلان الاستقلال. ومع هذا، كانت هناك أقلية ضمن الحزب الموالي لإنجلترا. وقد أكد إعلان استقلال أمريكا، وكذلك دستورها، المساواة الكاملة بين الأفراد، فأُلغي كل ما تبقَّى من تفرقة، مثل فرض القَسَم المسيحي على أيّ طالب وظيفة. ولم يكن اليهود مجموعة من الناس الذين يتم التسامح معهم أو استبعادهم كما كان الحال في أوربا، وإنما كانوا مواطنين لهم جميع الحقوق وعليهم جميع الواجبات، ولم يكونوا أيضاً جماعة وظيفية وسيطة. وقد نص التعديل الأول للدستور الأمريكي على الفصل الفوري للدين عن الدولة. ولكن يُلاحَظ أن بعض الولايات الأمريكية لم تطبق الدستور، الأمر الذي كان يعني التفاوت في وضع أعضاء الجماعة اليهودية من ولاية إلى أخرى. ولكن الوضع، بشكل عام، كان يتسم بالمساواة وبتطبيق مُثُل الاستنارة والانعتاق. وأدَّى التوسع في زراعة القطن إلى أن أصبح بعض أعضاء الجماعة اليهودية من أصحاب الأراضي وكبار التجار. كما اتجه بعضهم إلى الاشتغال في مجال النشاطات المالية والعقارية، فأنشأوا شركات تأمين، وعملوا في أسواق الأسهم والسندات وفي قطاع الصناعة، وفتحوا المصارف. كذلك دخل بعض أعضاء الجماعة اليهودية (عام 1820) مهناً جديدة، مثل: القانون والطب والهندسة والتربية والصحافة. وكان اليهود موزعين على معظم مدن الولايات المتحدة. أما من ناحية تنظيم الجماعة اليهودية، فيُلاحَظ أن الهيمنة كانت ولا تزال للعناصر غير الدينية. ولم يكن المعبد اليهودي والحاخام سوى جزء من كلٍّ يدار حسب القيم العامة للمجتمع الأمريكي وليس حسب القيم الدينية أو التقليدية اليهودية الخاصة. ومن الناحية الثقافية، لم يكن إسهام أعضاء الجماعة اليهودية الثقافي في الحضارة الأمريكية إسهاماً ذا بال. وعلى كلٍّ، فقد كانت التقاليد الثقافية الأمريكية نفسها لا تزال آنذاك تابعة لأوربا، ولم يكن هناك بعد إبداع أمريكي مستقل. لقد كان أعضاء الجماعة اليهودية بشكل عام مندمجين في مجتمعهم الأمريكي، ولم تكن لهم ثقافة مستقلة. وكان انتماؤهم إلى ثقافتهم اليهودية (الدينية أو الإثنية) مسألة شكلية وحسب. وفي هذه الفترة، أصبح العنصر الإشكنازي الألماني العنصر الغالب تماماً. المرحلة الألمانية الثانية (1820-1880) (The Second German Era (1820-1880 لا شك في أن التطور الأساسي الذي طرأ على أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة هو ازدياد عددهم وتحوُّل الجماعة من أقلية صغيرة إلى واحدة من أكبر الجماعات اليهودية خارج شرق أوربا. وعند بداية هذه المرحلة، كان عدد أعضاء الجماعة اليهودية نحو أربعة آلاف، زاد إلى ستة آلاف عام 1826 ثم إلى 15 ألفاً عام 1840. وقُدِّر عدد اليهود بمائة وخمسين ألفاً عام 1860، ويُقال إنه وصل إلى مائتين وثمانين ألفاً مع نهاية هذه الفترة (عام 1880) . وكان المهاجرون، أساساً، من أصل ألماني، وخصوصاً من منطقة بافاريا وبوزنان بعد ضمها من بولندا، أو كانوا من اليهود الألمان أو من بوهيميا والمجر جاءوا مع موجة الهجرة الألمانية إذ هاجر خمسة ملايين ألماني من بينهم مائتا ألف يهودي (1825 ـ 1890) . وكانت أغلبية المهاجرين من الفلاحين الألمان الذين اضطروا إلى الهجرة، فهاجر معهم صغار التجار اليهود الذين كانوا مرتبطين اقتصادياً بهم واستوطنوا على مقربة منهم في الولايات المتحدة. وقد وصلت الهجرة إلى ذروتها بعد إخفاق ثورات 1848 ـ 1849 في أوربا وبعد الكساد الاقتصادي. وقد كان يهود ألمانيا ألمانيين، تماماً مثلما كان السفارد إسبانيين وبرتغاليين. وقد استقر أكبر عدد من أعضاء الجماعة اليهودية في نيويورك، فبلغوا أربعين ألفاً عام 1860، وتجئ بعدها مدن أخرى مثل فيلادلفيا وبالتيمور. كما تمركزوا في المراكز التجارية بالداخل، على الأنهار وعلى ضفاف البحيرات الكبيرة، واتجهوا نحو الغرب في سيراكيوز وبفالو وكليفلاند وشيكاغو وديترويت، وفي سينسناتي ومنيابوليس وسانت لويس ونيو أورليانز. وتدافعت أعداد كبيرة من أعضاء الجماعة اليهودية إلى كاليفورنيا في الأعوام 1849 ـ 1852 مع حُمَّى الاندفاع نحو الذهب، إذ بلغ عدد أعضاء الجماعة اليهودية الذين استوطنوا سان فرانسيسكو وحدها عشرة آلاف. وقد عمل أعضاء الجماعة اليهودية موردين لحاجات الباحثين عن الذهب في كاليفورنيا، ولم يعمل منهم في الزراعة سوى قلة نادرة. وكانت نسبة العاملين في مهن مثل الطب والقانون صغيرة، إذ كانت الأغلبية العظمى تعمل بالتجارة. ورغم أن كثيراً من المهاجرين عملوا حرفيين في أوربا، فإنهم فضلوا أن يعملوا تجاراً متجولين بسبب ارتفاع الأرباح التي كان بوسعهم تحقيقها. ومع هذا، قد يكون من الأدق أن نذكر أنهم كانوا حرفيين يعملون تجاراً متجولين أيضاً إذ أن بعض السلع التي كان يسوِّقها هؤلاء، مثل الملابس والأحذية، كانت من صنعهم. وقد بدأ التجار من أعضاء الجماعة اليهودية في عملية التسويق سيراً على الأقدام، فتحولوا إلى تجار يتجولون بعرباتهم التي تجرها الخيول، ثم إلى تجار يفتحون دكاكين صغيرة على مفارق الطرق، ثم إلى تجار كبار. واستمر هذا الاتجاه حتى العصر الحديث حيث نجد أن تجارة التجزئة والمتاجر الكبرى ذات الأقسام المتعددة (بالإنجليزية: دبارتمنت ستورز department stores) يمتلكها بعض أعضاء الجماعة اليهودية. كما قاموا بالبيع من خلال الكتالوج، وهو البديل الحديث للبائع المتجول. بل إن الصناعات التي تركز فيها أعضاء الجماعة اليهودية هي الصناعات الخفيفة التي يلتقي فيها التاجر بالصانع. ومن أهم الباعة الجائلين الذين تحولوا إلى تجار كبار أبراهام شتراوس وجمبل، وهما من أصحاب المحال التجارية الشهيرة. وقد حقق أعضاء الجماعة اليهودية معدلاً عالياً من الاندماج في معظم مناطق الولايات المتحدة، ولكن يُلاحَظ أن اندماجهم في مجتمع الجنوب كان أعلى بكثير منه في الشمال. ويعود هذا إلى أن معيار التضامن في الجنوب كان اللون وحسب. ومن هذا المنظور، كان أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون جزءاً لا يتجزأ من الجماعة البيضاء المهيمنة. وذلك على عكس الشمال حيث كان الدين واللون هما الأساس، ومن ثم كانت النخبة من المسيحيين البروتستانت البيض من أصل أنجلو ساكسوني (الذين يقال لهم الواسب) . وقد تبنَّى أعضاء الجماعة اليهودية أزياء أعضاء النخبة الجنوبية البيضاء ولغتهم وعاداتهم ومهنهم، وامتلكوا العبيد وتاجروا فيهم، وكان هناك عدد من كبار تجار العبيد من اليهود. ومع هذا، تجب الإشارة إلى أن اليهود لم يلعبوا دوراً أساسياً في تأسيس مؤسسة الرقيق ولا يختلف وضعهم هذا عن وضعهم في الولايات المتحدة حتى الوقت الحاضر، فهم قد يوجدون في أهم المؤسسات وأكثرها حيوية، مثل المصارف، مع بقاء دورهم تابعاً مهما زاد عددهم ونفوذهم. وقد شهدت هذه الفترة اندلاع الحرب الأهلية (1861 ـ 1865) . ومن المعروف أن أعضاء الجماعة اليهودية ظلوا بمنأى عن الحوار الذي دار حول مؤسسة الرقيق باستثناء حالات فردية، الأمر الذي أثار حنق الأوساط الليبرالية ضدهم. ويُلاحَظ أن الحاخام إسحق وايز، أهم شخصية يهودية آنذاك، قد لزم الصمت تماماً بشأن هذه القضية. ولعله كان، في موقفه هذا، لا يختلف كثيراً عن موقف بقية المواطنين في مدينة سينسناتي، وهي مدينة تقع على الحدود بين الفريقين المتصارعين في الشمال والجنوب. ولابد أن نذكر هنا أن أعضاء الجماعة اليهودية ككل لم يكن لهم موقف «يهودي» مستقل، وإنما تحددت ولاءاتهم بحسب موقعهم الجغرافي، فكان يوجد سبعة آلاف جندي يهودي في جيوش الشمال وثلاثة آلاف في جيوش الجنوب، الأمر الذي يعكس اندماجهم في المجتمع وتقبُّلهم المواقف السياسية السائدة فيه. وبعد الحرب الأهلية وإلغاء الرقيق، فُتح الجنوب الأمريكي للاستثمارات التجارية والصناعية. واستفاد كثير من التجار من أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني من النشاط الاقتصادي والتوسع الصناعي، وحققوا ثروات كبيرة في مجال التجارة والمصارف وصنع الملابس، فلقد قامت أعداد كبيرة من المتعهدين العسكريين اليهود بتزويد الجيوش المتحاربة بالأزياء العسكرية التي تطلبها، وحققوا أرباحاً طائلة. كما استفادوا من وصول يهود اليديشية، فاستغلوا هذه العمالة اليهودية الرخيصة في مؤسساتهم التجارية والصناعية، وهو ما دعم مكانتهم وأكد قيادتهم للجماعة اليهودية. وبلغ المهاجرون اليهود الألمان ذروة مكانتهم في هذه المرحلة. وقد حاول أعضاء الجماعة اليهودية أن يضعوا إطاراً تنظيمياً لوجودهم في الولايات المتحدة، فشُكِّلت هيئة المفوَّضين الإسرائيليين الأمريكيين (ويُلاحَظ عدم استخدام مصطلح «يهودي» لأنه كان يحمل إيحاءات سلبية في تصورهم) ، وكذلك أُسِّست جماعة أبناء العهد (بناي بريت) عام 1843 وجمعية الشباب العبريين عام 1874، وكلها مؤسسات تقع خارج نطاق أي تحكم حاخامي أو أي إطار ديني، بل إن المؤسسات الدينية نفسها كانت تعتمد عليها لبقائها واستمرارها. وقد عبَّرت الهوية اليهودية الدينية عن نفسها، وخصوصاً بين الألمان، من خلال اليهودية الإصلاحية، وهي صيغة دينية تسمح لليهودي بالتكيف مع وطنه الجديد في الولايات المتحدة. وقد أعلنت اليهودية الإصلاحية عن مبادئها الدينية في مؤتمر بتسبرج الإصلاحي عام 1885، وتم تأسيس اتحاد الأبراشيات العبرية الأمريكية عام 1873، وكلية الاتحاد العبري عام 1875، وهي أهم المؤسسات اليهودية الإصلاحية التربوية. ومع هذا، لم تكن هناك سلطة دينية مركزية، نظراً للتنوع الإثني لليهود، وبسبب الطبيعة الفيدرالية للمجتمع الأمريكي. والواقع أن المهاجر اليهودي الألماني لم يكن يجد أن ثمة علاقة كبيرة مع المهاجر اليهودي البولندي مثلاً، فقد كانت كل جماعة تحتفظ بشعائرها الدينية وتؤسس معابد يهودية مختلفة باختلاف الأصول الإثنية اليهودية. وكان معظم يهود شرق أوربا يتبعون اليهودية الأرثوذكسية. وشهدت هذه الفترة حركة بناء للمعابد اليهودية الضخمة التي تشبه الكاتدرائيات. ورغم أن الحضارة الأمريكية قد دخلت، في هذه المرحلة، مرحلة إبداعية في الآداب والفنون، فإن إسهام أعضاء الجماعة اليهودية فيها كان ضعيفاً، وذلك لكونهم جماعة مهاجرة لم يمتلك أعضاؤها ناصية اللغة الإنجليزية أو مُصطلَحات الحضارة الجديدة. ولذا، لم يكن هناك كُتَّاب يهود في عصر ويتمان وملفيل ومارك توين سوى إيما لازاروس (1849 ـ 1887) وهي شاعرة ليست لها أهمية كبيرة. ويُلاحَظ تَزايُد اندماج أعضاء الجماعة اليهودية في جميع قطاعات المجتمع الأمريكي الذي كان يعبِّر عن هويته العرْقية عن طريق التعصب ضد السود والصينيين وعن هويته الدينية البروتستانتية عن طريق التعصب ضد الكاثوليك والمهاجرين الأيرلنديين وليس عن طريق معاداة اليهود على الطريقة الأوربية. وقد شهدت هذه الفترة ظهور واحد من أهم مظاهر معاداة اليهود في الولايات المتحدة وهو رفض عضويتهم في النوادي الأرستقراطية والنوادي الاجتماعية. وهو شيء سطحي تافه يدل على سطحية ظاهرة العداء لليهود في الولايات المتحدة وعدم تجذُّرها في المجتمع الأمريكي (ولذا فهو شكل من أشكال التحامل على اليهود، لا العداء ضدهم) . فبينما كانت بعض النوادي الاجتماعية تمارس التفرقة ضد أعضاء الجماعة اليهودية، كانت المدن الأمريكية لا تمانع في هذه الفترة نفسها أن تنتخب عُمداً ينتمون إلى هذه الجماعة. كما كانت كثير من هذه المدن لا تزال تمارس التفرقة ضد السود بكل ضراوة، وتنكر عليهم أبسط الحقوق، مثل الالتحاق بالجامعات أو الجلوس على المقاعد الأمامية في الحافلات. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
بداية المرحلة اليديشية (1880-1922)
The Beginning of the Yiddish Era 1880-1922 أ) الفترة الأولى: الهجرة الكبرى (1880 - 1929) : تغيَّرت السمات الأساسية للجماعة اليهودية في الولايات المتحدة لسببين: أحدهما خاص بحركيات المجتمع الأمريكي، والثاني خاص بالجماعة نفسها. فبعد المرحلة التجارية الأولى من تاريخ الولايات المتحدة، وبعد أن حصلت الولايات المتحدة على استقلالها السياسي، وبعد أن نجحت جيوش الشمال في توحيد السوق القومية في الولايات المتحدة وفتح الجنوب الزراعي للنشاط التجاري والاستثمارات الصناعية، تزايدت حركة التصنيع فأقيمت في هذه الفترة شبكة المواصلات السريعة، من البواخر والقطارات والطرق، التي قربت بين أجزاء القارة الأمريكية كما قربت بينها وبين بقية العالم، الأمر الذي سهَّل عملية الانتقال والهجرة. ويُلاحَظ أن حركة الريادة والاستيطان نحو الغرب كانت قد وصلت إلى نهايتها، وهو ما يعني أن المناطق المتاخمة المفتوحة التي كانت مجالاً مفتوحاً للحراك الاجتماعي أصبحت مغلقة. وقد أدَّى اتساع السوق إلى أن الحرفيين لم يعودوا قادرين على إنتاج السلع التي تفي بحاجات المستهلكين المتزايدة، وبالتالي حلت المصانع الكبيرة محل الحرفيين في كثير من الصناعات القديمة. كما ظهرت صناعات جديدة مثل صناعة الصلب والسيارات وهي الصناعات التي غيَّرت وجه الولايات المتحدة. وأدَّى كل هذا إلى ازدياد الحاجة إلى عمال صناعيين، كما فتحت الأبواب للمهاجرين، ومنهم يهود اليديشية الذين جاءوا بالألوف من روسيا وبولندا وغيرهما من بلاد شرق أوربا، فانخرط المهاجرون اليهود في صفوف الطبقة العاملة..... ثم شهدت هذه الفترة (بعد عام 1918) تحوُّل الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة إلى أهم تجمُّع يهودي في العالم على الإطلاق وثاني أكبر تجمُّع، بعد التجمُّع اليهودي في شرق أوربا. وقد زاد عدد اليهود من 280 ألفاً من مجموع سكان تعداده 50.155.000 عام 1880 إلى 4.500.000 من مجموع سكان تعداده 115.000.000عام 1925. وبلغ عدد المهاجرين 2.378.000 بين عامي 1880 و1925، وكانت أعوام الذروة هي أعوام 1904 ـ 1908 حينما وصل 642 ألف يهودي معظمهم من شرق أوربا. وقد أثبتت الولايات المتحدة أنها أكثر جاذبية من فلسطين بالنسبة لليهود. ولذا، فهي بحق البلد الذهبي (باليديشية: جولدن مدينا) الذي يهرول إليه المهاجرون بدلاً من إرتس يسرائيل وأرض الميعاد. وكانت نسبة العائدين إلى أوربا من أعضاء الجماعة هي النسبة الأقل بين مجموعات المهاجرين، باستثناء الأيرلنديين. ففي عام 1880، بلغت النسبة 25%، وانخفضت إلى 8% عام 1908، ثم وصلت إلى الصفر تقريباً عام 1919. وكان عمر المهاجرين بين 15 و40 سنة، أي أن معظمهم كان قادراً على العمل والإنجاب، كما أن نسبة الرجال إلى النساء كانت متعادلة وهو ما يدل على أن المهاجرين قد هاجروا بنية الاستقرار وليس لتحقيق ثروة صغيرة يعودون بعدها إلى أوطانهم الأصلية. وقد استقر المهاجرون في كل المدن، في معظم الولايات والمناطق، فبلغ عدد المهاجرين اليهود في ولاية نيويورك عام 1918 نحو 1.603.923، وفي ولاية ماساشوسيتس 189.671 نسمة، وفي ولاية نيوجرسي 149.476نسمة، وفي ولاية بنسلفانيا 322.406 نسمة، وفي ولاية أوهايو 166.361نسمة، وفي ولاية كاليفورنيا 63.562 نسمة. وشهدت هذه الفترة تحوُّل بعض أعضاء الأرستقراطية الألمانية اليهودية من التجارة إلى المهن، فاشتغلوا بالقضاء والسياسة والأعمال المصرفية والمالية (مثل عائلتي كون ووربرج) والنشر والطب والوظائف المتصلة بالبحوث العلمية والأدب والمهن الأكاديمية. وكان هذا التحول يعني تحرر أعضاء الجماعة اليهودية تدريجياً من ميراثهم الاقتصادي الأوربي وتَزايُد اندماجهم في المجتمع الأمريكي. وظهر بينهم رعاة للفنون مثل أسرة جوجينهايم. ويُلاحَظ أنه لم يكن يوجد سوى عدد قليل من اليهود في الشركات الكبرى التي سيطرت على الصناعات الثقيلة إذ تركَّز اليهود في صناعات استهلاكية هامشية مثل صناعة السينما التي سيطر عليها وليام فوكس ولويس ماير والإخوة وارنر. وفيما يتصل بالمهاجرين من شرق أوربا، وهم الذين نطلق عليهم «يهود اليديشية» ، فقد انضموا إلى صفوف الطبقة العاملة، وخصوصاً في مصانع الملابس الصغيرة التي كانت تُسمَّى «ورش العرق» ، والتي كانت تُقام في مكان ضيق قذر توضع فيه بعض ماكينات الخياطة البدائية ويقطن فيه صاحب المصنع وزوجته. وكان أصحاب هذه الورش من يهود شرق أوربا، نظراً لأنها لا تحتاج إلى رأسمال كبير ولا إلى خبرة غير عادية. كما كان بوسع أصحاب العمل استغلال العمالة اليهودية المهاجرة الرخيصة فيها، وخصوصاً أن يهود شرق أوربا كانوا مركزين أساساً في حرفة الخياطة في بلادهم الأصلية. وقد كان عدد العمال في كل ورشة لا يزيد في بعض الأحيان على خمسة يعملون مدة ست عشرة ساعة يومياً. وكان المموِّلون من أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني يمتلكون أيضاً ورش العرق، وخصوصاً بعد أن حققوا ثروات ضخمة من الحرب الأهلية. وقد ظلوا أغلبية الملاك حتى عام 1914 حين زاد عدد صغار المموِّلين من شرق أوربا على عددهم من الألمان. وبلغ عدد العاملين في هذه الصناعة عام 1913 ثلاثمائة ألف يهودي. وقد نظمت هذه الطبقة العمالية نفسها على هيئة نقابات عمال في الفترة 1909 ـ 1916، وهي الفترة التي شهدت تحوُّل الورش إلى مصانع كبيرة وظهور الوعي العمالي والحركة النقابية في الولايات المتحدة. وقد عمل كثير من يهود شرق أوربا في صناعة الإبر ولف التبغ وصناعة البناء (نجارين ونقاشين) ، وعملوا تجاراً صغاراً وبقَّالين. وكل هذا يدل على أن ميراثهم الاقتصادي الأوربي كان لا يزال يحدد اختياراتهم وأن عملية الأمركة كانت لا تزال في بداية الطريق بالنسبة إليهم. ولكن يجب أن نشير إلى أنه لم تكن تُوجَد أية قوانين في الولايات المتحدة ترغم أعضاء الجماعة اليهودية على الاضطلاع بوظائف معينة، فقد كان اليهود يتركزون في صناعات دون غيرها، وفي مهن أو حرف دون أخرى، لا بسبب أي قسر خارجي وإنما بسبب طبيعة الخبرات التي حملوها من بلادهم ومقدار رأس المال الذي جلبوه معهم، ونوعية الكفاءات والخبرات التي يحتاج إليها المجتمع الجديد. كما يُلاحَظ أن ميراثهم الاقتصادي كان يثقل كاهل المهاجرين الجدد من شرق أوربا وحسب. أما أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني، فقد اغتنموا كل الفرص التي أتاحها لهم المجتمع الأمريكي ووصلوا إلى أعلى شرائحه واشتغلوا بجميع المهن. وقد لحق بهم أبناء يهود شرق أوربا بعد جيلين حين انتهت فعالية الميراث الاقتصادي مع انتهاء موجات الهجرة. أما من الناحية الثقافية، فيُلاحَظ أن اليديشية كانت لغة الشارع الروسي البولندي ثم صارت لغة المهاجرين في الشارع الأمريكي، ومن هنا كان استمرارها. ولذا، ظهرت ثقافة يديشية علمانية شجعتها الحركة العمالية، وظهر أدب يديشي وجرائد يديشية توزِّع نحو 500 ـ 600 ألف نسخة في اليوم، وكذلك العديد من المجلات، كما ظهرت سينما يديشية. ووصلت الثقافة اليديشية الذروة في أوائل القرن واستمرت حتى بداية العشرينيات، تماماً كما كان الأمر في الاتحاد السوفيتي. فكان يوجد مسرح يديشي في نيويورك وسبعة عشر خارجها قدمت خمساً وثمانين مسرحية خلال شهر واحد (عام 1927) . ووصل نظام التعليم اليديشي إلى ذروته أيضاً إذ كان عدد الطلبة المسجلين فيه اثنى عشر ألفاً. ولكن إسحق بشيفس سنجر، أكبر كُتَّاب اليديشية، لاحظ أن لغة يهود شرق أوربا أصبحت في الولايات المتحدة دون جذور، ولذا فقد كُتب عليها أن تموت. وكان تَوجُّه الجيب اليديشي معادياً للصهيونية، كما أن ولاءه كان للثقافة اليديشية وليس للدين اليهودي أو اللغة العبرية. وكان هذا الجيب يضم ملحدين وثوريين ومفكرين وفوضويين، كما كان يضم بعض المتدينين. ويُلاحَظ أن العلاقات بين القيادة الألمانية الأرستقراطية والجماهير اليديشية لم تكن حميمة، كما أن العمال اليهود ذوي الأصل الأمريكي، المتركزين في صناعات معيَّنة مثل صناعة السيجار، وكذلك الخياطين المهرة، كانوا يبدون عداءً واضحاً للمهاجرين، نظراً لما كانوا يعتبرونه انعزالية وتخلُّفاً وثورية. وقد نحت اليهود الألمان كلمة «كايك» العنصرية وكذا كلمة «شيني» ، للإشارة إلى يهود شرق أوربا، كما كانوا يتهمونهم بأنهم «آسيويون» (وهو الاتهام الآري التقليدي الذي كان يوجَّه لليهود) وأنهم يضمون في صفوفهم عدداً كبيراً من الثوريين والفوضويين، وأن لغتهم لغة الخنازير (وهو ما يدل على أن أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني كانوا ألماناً حتى النخاع) . وتَجمَّع أعضاء الجماعة من المهاجرين على هيئة جماعات صغيرة تعيش في حي واحد داخل المدن، شأنها في هذا شأن مختلف جماعات المهاجرين، وكان الحي الشرقي الأسفل «لوار إيست سايد Lower East Side» في نيويورك أكبر هذه الأحياء وكان يضم ثلاثمائة وخمسين ألف يهودي عام 1915 في مساحة لا تتجاوز ميلين مربعين، فانتشرت بينهم الجريمة وبخاصة بغاء الفتيات. كما ظهرت مافيا يهودية ازدهرت في الثلاثينيات، لم يُقض عليها إلا في أواخر الأربعينيات، وتخصَّصت في عمليات الاغتيال لحساب العصابات الأخرى. وعندما كانت أحوال اليهودي المالية تتحسن، فإنه عادةً ما كان يترك مثل هذه الأحياء وينتقل إلى أحياء أكثر جاذبية. ومن أهم الأطر التنظيمية ما يُعرَف باسم «روابط المهاجرين» (اللاندز مانشافتين) التي كانت تضم اليهود الذين جاءوا من بلد أو موطن واحد، حيث لعبت دور المؤسسة الاجتماعية الوسيطة التي وفرت للمهاجرين شيئاً من الطمأنينة والدفء في المجتمع الرأسمالي الجديد، والتي قدمت لهم خدمات أخرى مثل إجراءات الدفن والمساهمة في نفقات الجنازات وغيرها من الطوارئ. وكانت هذه الجماعات مرتبطة عادة بدوائر العمال (أربيتر رنج) التي ترعى مصالحهم الاجتماعية. وكان 74% من المهاجرين اليهود يعرفون القراءة والكتابة، مقابل 64% من البولنديين و46% من الإيطاليين، الأمر الذي جعلهم واعين بأهمية التعليم باعتباره واحداً من أهم وسائل الحراك الاجتماعي في العصر الحديث، فأرسلوا أولادهم إلى المدارس، وهو ما سارع بعملية اندماجهم في المجتمع. ولكن تكوين المهاجرين الثقافي كان، مع هذا، ضحلاً. فمعظمهم كانوا من أبناء الطبقة الوسطى الصغيرة، أو العمال الذين لم يتلقوا أي تعليم ديني أو علماني. وقد كانوا يعرفون قدراً ما من شعائر الدين اليهودي وبعض التحريمات. ولكنهم لم يكن لديهم لا الوقت ولا الرغبة في ارتياد المدارس الدينية أو ممارسة الشعائر الدينية المختلفة، فتخلوا عن إقامة شعائر دينهم. ومع هذا، كان الاحتفال ببلوغ سن التكليف الديني (برمتسفاه) يُعَد أمراً مهماً جداً بالنسبة لهم، وهو ما كان يدل على أن اليهودية بدأت تتحول، بالنسبة لعدد كبير منهم، من انتماء ديني إلى انتماء إثني. وكانت أعداد كبيرة من اليهود تعيش منعزلة في مناطق تخومية تجعل الحياة الأرثوذكسية أمراً صعباً للغاية لأن الحصول على الطعام الشرعي كان شبه مستحيل. وكثيراً ما كان اليهودي يحصل على طعامه من الحيوانات التي يصيدها غير اليهود ودون أن يذبحوها على الطريقة الشرعية. وأخذت اليهودية الإصلاحية في الانتشار بين أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني، فأُسِّس المؤتمر المركزي للحاخامات الأمريكيين عام 1889. أما المهاجرون من شرق أوربا، فقد أحضروا اليهودية الأرثوذكسية معهم رغم عدم اهتمامهم بالدين. وكانت الأرثوذكسية منتشرة بين الحرفيين اليهود، وخصوصاً الخياطين. وتأسست مؤسسات اليهودية الأرثوذكسية في هذه الفترة، من بينها اتحاد الأبرشيات الأرثوذكسية عام 1898، واتحاد الحاخامات الأرثوذكس اليهودية في الولايات المتحدة وكندا عام 1902، ومجلس أمريكا الحاخامي عام 1913. وبدأ يظهر قطاع جديد من المهاجرين الذين تمت علمنتهم، وبالتالي صَعُب عليهم الاستمرار في الشعائر الأرثوذكسية. ولكن الصبغة الإصلاحية كانت صبغة متطرفة من وجهة نظرهم. ولسد حاجة هؤلاء، ظهرت اليهودية المحافظة كمحطة في منتصف الطريق احتفظت بالمطلقية الدينية وخلعتها على الإثنية اليهودية، كما احتفظت بكثير من الرموز الإثنية. وقد تم تأسيس أهم المؤسسات اليهودية المحافظة التعليمية في هذه الفترة أيضاً، من بينها الكلية اللاهوتية اليهودية عام 1886، وجمعية الحاخامات الأمريكيين عام 1900، ومعبد أمريكا الموحَّد عام 1913 (وهو يضم الأبرشيات المحافظة) . وتبدَّى الصراع الإثني بين الألمان ويهود شرق أوربا في شكل صراع ديني بين الأرثوذكسية من جهة واليهودية الإصلاحية ثم المحافظة من جهة أخرى. وفي السنين الأخيرة من هذه الفترة، بدأت تظهر علامات الكساد الاقتصادي، فألقت جماهير العاطلين باللوم على القوى الخارجية، وسادت النظريات والمواقف العرْقية تجاه السود، والمهاجرين الآسيويين واليهود بدرجة أقل. ولكن، يُلاحَظ أن نمط حياة المهاجرين كان يخضع لتطورات عميقة إذ أن أسلوب حياة أبنائهم كان يختلف بشكل جوهري عن حياتهم هم أنفسهم، لأنهم حققوا معدلات عالية من الاندماج الاقتصادي والثقافي بسبب تزايد فرص التعليم أمامهم في المدارس الأمريكية العامة. ولكل هذا، انخفضت عضوية اتحادات النقابات اليهودية إلى النصف في العشرينيات، كما اضمحلت الصحافة اليديشية والمسرح والأدب اليديشيان لأن الأبناء كانوا يتحدثون الإنجليزية ولا يعرفون اليديشية أو يعرفونها ولا يتحدثون بها، كما أنهم كانوا لا يكترثون البتة بروابط المهاجرين، ولم يُكتب لعالم المهاجرين البقاء حتى منتصف العشرينيات إلا بسبب وصول أفواج المهاجرين الجدد. ولذا، فمع فرض نظام النصاب على الهجرة (قانون جونسون) عام 1925، بدأ هذا العالم في الاختفاء بحيث تحوَّل إلى مجرد أثر وذكرى عام 1940. وقد ساهم القانون آنف الذكر في التعجيل بتحويل أعضاء الجماعة اليهودية من جماعة أغلب أعضائها من المهاجرين إلى جماعة معظم أعضائها وُلدوا في أمريكا وتشربوا ثقافتها. واقتصر التعليم اليهودي تقريباً على مدارس الأحد، وأخذت مدارس اليديشية في الاختفاء التدريجي. ولذا، يُلاحَظ أنه، مع نهاية الفترة، ظهرت بعض التحولات الراديكالية في البناء الوظيفي وأسلوب الحياة الخاص بأعضاء الجماعة، فبدأت أعداد كبيرة منهم تترك أحياء المهاجرين لتستوطن في أحياء حضرية أكثر ثراء، وبدأوا يتحوَّلون عن وظائف المهاجرين إلى وظائف تجارية وكتابية ومهنية وبدأ أبناء المهاجرين الذين تخرجوا في المدارس الحكومية والكليات يعملون في مهن القانون والطب البشري وطب الأسنان والتدريس. وكان الاتجاه الأكبر نحو الأعمال الصغيرة المستقلة والوظائف الكتابية الإدارية، وظائف الياقة البيضاء. وتناقص عدد أعضاء الجماعة اليهودية فيما يُسمَّى «الحرف اليهودية» ، وخصوصاً صناعة الملابس. ومع حلول عام 1930، كان أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون خمسي نقابات عمال صناعات الملابس وحسب بعد أن كانوا يشكلون الأغلبية العظمى من أعضائها، أي أن المهاجرين اليهود نفضوا عن كاهلهم ميراثهم الاقتصادي والوظيفي الأوربي بحيث تحوَّلوا من مجرد يهود متأمركين إلى أمريكيين يهود ومن أعضاء في جماعة وظيفية يهودية إلى أعضاء في الطبقة المتوسطة الأمريكية. وظل إسهام يهود أمريكا الثقافي والفكري ضعيفاً في بداية هذه الفترة. ولكن، مع نهايتها، ومع تزايد معدلات الاندماج والأمركة، بدأ يظهر أدباء أمريكيون أحرزوا شهرة محلية وعالمية، مثل جرترود شتاين، وناشرون مثل نوبف، وكثير من المخرجين السينمائيين. ولم تكن الجماعة اليهودية متجانسة حضارياً أو دينياً أو سياسياً. لذا، كانت تتنازعها عدة أيديولوجيات وانتماءات. وقد أشرنا من قبل إلى الصراع الديني بين الأرثوذكس وغيرهم، ثم كان هناك الصراع بين أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني ويهود اليديشية، والصراع بين الأقلية الصهيونية والأغلبية المعادية للصهيونية أو غير المكترثة بها، والصراع بين دعاة الاندماج والذوبان ودعاة قومية الدياسبورا (أي الاستقلال الثقافي للجماعات اليهودية) ، والصراع بين الاشتراكيين من بقايا البوند والشيوعيين والفوضويين من جهة ودعاة الفلسفات السياسية الليبرالية المحافظة من جهة أخرى. هذا غير عشرات الصراعات الجانبية الأخرى. وشهدت هذه الفترة بداية ظهور الهيكل التنظيمي لأعضاء الجماعة اليهودية، وكان أولها لجان مساعدة المهاجرين وغوثهم مثل منظمة هياس (جمعية مساعدة المهاجرين العبريين) عام 1884، وهادساه (المجلس القومي للنساء اليهوديات) عام 1893. وقد تم تأسيس المنظمة الصهيونية في الولايات المتحدة عام 1897، ولكنها كانت منظمة صغيرة لا تمثل سوى أعضائها الذين كان معظمهم من أصول شرق أوربية، بينما ساد التيار الاندماجي بين اليهود الألمان، كما ظهر تيار صهيوني قوي ذو ديباجة مسيحية في صفوف أعضاء الكنائس البروتستانتية المتطرفة. كما أن التوسع الإمبريالي للولايات المتحدة، وبداية تطلُّعها لدور عالمي، مع الحرب العالمية الأولى، صاحبه ظهور نزعات صهيونية بين أعضاء النخبة، ومن هنا كان تأييد حكومة الولايات المتحدة لوعد بلفور رغم هزال المنظمة الصهيونية. وقد انعكس الصراع بين اليهود من أصل ألماني واليهود من أصل شرق أوربي في داخل الهيكل التنظيمي لأعضاء الجماعة. فأسست القيادة اليهودية الألمانية عام 1906 اللجنة اليهودية الأمريكية التي ضمت بعض أعضاء النخبة الألمانية من رجال البنوك وكبار التجار والمحامين، وأعضاء من القيادة السياسية. وبطبيعة الحال لم تكن عضوية اللجنة مفتوحة، للجميع. ورداً على تأسيس اللجنة، قامت العناصر الشرق أوربية بتأسيس المؤتمر الأمريكي اليهودي عام 1917. وإلى جانب ذلك، تم تأسيس جمعيات أخرى مثل لجنة التوزيع المشتركة عام 1914. نهاية المرحلة اليديشية وظهور اليهود الأمريكيين (1929-1945) (The End of the Yiddish Era and the Emergence of American Jews (1929-1945 كانت الولايات المتحدة، حتى ذلك التاريخ، حبيسة وضعها الجغرافي منغلقة على نفسها (وإن كان نفوذها قد امتد إلى أمريكا اللاتينية والفلبين) ، ولذا لم تكن قد أدركت بعد دورها كقائد للعالم الغربي وللتشكيل الإمبريالي الغربي. ولكنها كانت مرحلة حضانة أخيرة للرأسمالية الأمريكية، خرجت بعدها عملاقاً اكتسح الجميع. بدأت هذه المرحلة بالكساد الأمريكي الذي غيَّر حياة كثير من الأمريكيين، وأثَّر في بنية المجتمع الأمريكي إذ تعطَّل كثير من العمال وأفلس ألوف من صغار رجال الأعمال. وقد تغيَّر الهيكل الوظيفي لأعضاء الجماعة اليهودية بشكل واضح، فلم يَعُد هناك أي يهود تقريباً يعملون في الزراعة أو الحرف اليدوية، ولم تكن تُوجَد سوى أعداد قليلة من اليهود في الصناعات الثقيلة سواء بين أصحاب العمل أو العمال. وتركَّز الأثرياء من أعضاء الجماعة اليهودية أساساً كسماسرة في البورصة والسينما، وفي أشكال الترفيه الأخرى، وفي بيع العقارات وتجارة التجزئة. أما الطبقة الوسطى اليهودية، فازداد تركُّزها في المهن والأعمال التجارية الصغيرة ووظائف الياقات البيضاء. ويذهب بعض الدارسين إلى أن هذا يعني أن الجماعة اليهودية بدأت تلعب مرة أخرى دور الجماعة الوظيفية الوسيطة، وإن كان السياق قد اختلف، وإلى أن اختلاف الشكل مجرد تعبير عن اختلاف السياق. تزايد عدد الشباب من أعضاء الجماعة اليهودية الذي يذهب إلى الجامعات الحكومية أو الخاصة. ففي نيويورك، كان 49% من مجموع طلبة الجامعات يهوداً، وبلغ عدد الطلبة اليهود في مختلف الجامعات الأمريكية مائة وخمسة آلاف، أي 9% من عدد الطلبة. ويُعَدُّ توجُّه الطلبة عند تخرُّجهم نحو الأعمال التجارية والمهن مؤشراً جيداً على التحولات التي بدأت تحدث في هذه المرحلة والتي بدأت تصوغ الهيكل الوظيفي لليهود بما يتفق مع وضعهم في المجتمع الأمريكي. وتراجعت اللغة اليديشية حتى اختفت تقريباً فاختفت الصحافة اليديشية اليومية وبقيت ثلاث مجلات أسبوعية لا يزيد توزيعها على اثنين وعشرين ألف نسخة معظم قرائها من كبار السن. وبدلاً من كونها لغة الشارع اليهودي الأمريكي، أصبحت لغة الشارع في وليامزبرج وهو الحي اليهودي الأرثوذكسي، حيث كانت لغة ثانية إلى جانب الإنجليزية. واختفى الأدب اليديشي، بل إن بعض أدباء اليديشية بدأ يكتب بالإنجليزية ويترجم أعماله إليها. وفي العشرينيات، كانت أبواب الهجرة موصدة دون اليهود وغيرهم من المهاجرين ثم أُقفل بابها تماماً عام 1924. ولذلك، لم يزد عدد المهاجرين، من عام 1933 حتى عام 1937، على ثلاثة وثلاثين ألفاً. ومع تدهور الموقف في ألمانيا، ارتفع العدد إلى 124 ألفاً في الفترة بين 1938 و1941. وكان مجموع المهاجرين في الفترة من 1933 إلى 1945، أي مدة اثنى عشر عاماً، نحو 174.678 فقط معظمهم من ألمانيا والأراضي التي احتلتها. كان خُمس هؤلاء من المهاجرين المهنيين ونصفهم من الرأسماليين، وكان عدد كبير منهم من الشخصيات البارزة ثقافياً، مثل أينشتاين وحنا أرندت وأوبنهايمر، وقد لعبوا دوراً ملحوظاً في الحركات السياسية اليسارية والثورية وكذلك في البحوث العلمية. وبدأ أعضاء الجماعة اليهودية في هذه المرحلة يفقدون كثيراً من تنوعهم، ويكتسبون شيئاً من التجانس، إذ أصبح أعضاء الجماعة اليهودية مواطنين أمريكيين اكتسبوا هوية أمريكية واضحة يتحدث معظمهم الإنجليزية ويذهب أولادهم إلى معاهد تعليم أمريكية يستوعبون فيها القيم الأمريكية. بل يبدو أن الجماعة اليهودية المهاجرة كانت أسرع الجماعات المهاجرة تخلياً عن تراثها الثقافي ومنه اللغة، وفي التأمرك، وفي تبنِّي لغة المجتمع الجديد. وكان المدرسون من أعضاء الجماعة اليهودية من أنشط دعاة تعليم الإنجليزية للمهاجرين. وبدأت تنظيمات المهاجرين تتحول إلى بقايا أثرية. ولهذا، نجد أن أعضاء الجماعة اليهودية بدأوا يلعبون دوراً في الحياة السياسية. وقد وجدوا أن الحزب الديموقراطي هو الإطار الأمثل للتعبير عن مصالحهم، شأنهم في هذا شأن معظم المهاجرين والأقليات، فانضموا إليه بأعداد كبيرة. وهذه سمة جديدة ظلت لصيقة بالسلوك السياسي لأعضاء الجماعة اليهودية حتى الوقت الحالي. فقد أعطى ما بين 85 و90% من اليهود أصواتهم لروزفلت في الفترة 1933 ـ 1945. وبدأ أعضاء الجماعة يحققون بروزاً في الحياة الأمريكية، فكان منهم أحد الوزراء وثلاثة قضاة في المحكمة العليا، وأربعة حكام ولايات ومئات من كبار الموظفين الموجودين على مقربة من صانع القرار. ويُلاحَظ أيضاً أن عدداً كبيراً من أعضاء الجماعة اليهودية كان يوجد في صفوف الأحزاب الثورية. وكما قيل، فإن 50% من أعضاء الحزب الشيوعي كانوا من اليهود، كما أن كثيراً من أعضاء المؤسسة الثقافية اليسارية كانوا، في فترة الثلاثينيات، من اليهود. وهذه سمة استمرت أيضاً لصيقة باليهود حتى الستينيات، وأخذت بعدها في الاختفاء. ومع تزايد معدلات الاندماج، زاد ابتعاد أعضاء الجماعة عن العقيدة اليهودية ومؤسساتها، فتناقص عدد اليهود الذين يذهبون إلى المعبد. وتزايد نفوذ اليهودية الإصلاحية والمحافظة، وتراجع نفوذ الأرثوذكس مع ضعف مؤسسات المهاجرين وانخراطهم في صفوف المجتمع الأمريكي. وشهدت هذه المرحلة ظهوراً متزايداً للمنظمات التي تقوم بجمع التبرعات من اليهود بشكل منتظم لصالح الجماعة اليهودية ثم لصالح إسرائيل. ومن أهم هذه التنظيمات جماعة النداء اليهودي الموحَّد عام 1939، وتأسَّس مجلس يهودي عام لمنظمات الدفاع اليهودية الذي أصبح اسمه (عام 1941) المجلس القومي الاستشاري لعلاقات الجماعة اليهودية (بالإنجليزية: ناشيونال كوميونتي ريلشنز أدفيسوري كاونسيل National Community Relations Advisory Council) . وقد بلغ عدد أعضاء الجماعة اليهودية في هذه المرحلة خمسة ملايين حسب بعض التقديرات، المُبالغ فيها، من مجموع السكان البالغ مائة وأربعين مليوناً، وقد ترك الكساد أثره العميق في الأطر التنظيمية لليهود إذ أن الضائقة المالية تركت كثيراً من مؤسسات الرفاه الاجتماعي اليهودي دون ميزانيات كافية. وظهر عجز المنظمات أيضاً وفشلها في أن تقوم بدور فعال لمساعدة يهود ألمانيا أو حتى فتح باب الهجرة أمامهم. ويمكن القول بأن حرب أعضاء الجماعة اليهودية في أمريكا ضد النازية لم تكن حرباً يهودية خاصة، فقد ظلوا بمعزل عن الأحداث ولم يساهموا كثيراً في مقاطعة البضائع الألمانية، بل إن أحد زعماء الجماعة، ستيفن وايز، ساهم في إفشال الجهود الرامية إلى تنظيم المقاطعة بإيعاز من الصهاينة. ولكن إسهام اليهود الأمريكيين (بوصفهم أمريكيين) في جهود الحرب كان كبيراً، فقد فَقَدَ 10.500 منهم حياتهم وجرح 24 ألفاً وحصل 36 ألفاً على نياشين، وهو ما يدل على أنه لا يوجد مصير يهودي مستقل، وأن مصير أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة مرتبط تماماً بالمصير الأمريكي. وقد احتدم الصراع بين الأقلية الصهيونية التي كانت تتزايد عدداً والأغلبية الاندماجية، وخصوصاً أن المنظمة الصهيونية قرَّرت أن تنقل مركز نشاطها من لندن إلى واشنطن مع انتقال مركز الإمبريالية الغربية. ولذا، فقد عُقد مؤتمر بلتيمور الذي اتخذ قرار بلتيمور عام 1942 في الولايات المتحدة. وفي مقابل هذا، تم تأسيس المجلس الأمريكي لليهودية الذي كان يضم كبار رجال الأعمال (من اليهود الإصلاحيين أساساً) الذين حققوا معدلات عالية من الاندماج، والذين كانوا معادين للصهيونية. وربما تكمن المفارقة الكبرى في أنهم اتخذوا موقفاً رافضاً للصهيونية باعتبارهم أمريكيين في الوقت الذي بدأت فيه المؤسسة الحاكمة الأمريكية نفسها تأخذ موقفاً ممالئاً تماماً للصهيونية وترى فيها تحقيقاً لإستراتيجيتها في العالم. ولذا، كان محكوماً على المجلس الأمريكي لليهودية بالإخفاق. اليهود الجدد أو الأمريكيون اليهود (1945-1970) (Neo-Jews or Jewish Americans (1945-1970 تخلت الولايات المتحدة في هذه المرحلة تماماً عن سياستها الانعزالية وأصبحت قائد العالم الغربي بلا منازع. وازداد المجتمع الأمريكي علمانية وازدادت العلمانية شمولاً، وتم فصل الدين عن الدولة تماماً إذ وضعت المحكمة الدستورية العليا عام 1947 أسس هذا الفصل الحاد، فقد أعلنت المحكمة أن الحكومة الفيدرالية أو المحلية ليس بإمكانها أن تصدر قوانين من شأنها مساعدة أيٍّ من الديانات، ولا أن تُفضِّل ديانة على الديانات الأخرى. وترسخت فكرة الحقوق المدنية، وبدأت الأقلية السوداء تطالب بحقوقها مع أوائل الستينيات، وظهرت حركة الحقوق المدنية. وتُسمَّى هذه الفترة «فترة الوفرة» التي اتسمت بضعف الأواصر الاجتماعية والقيم الدينية، وتزايد معدلات العلمنة، وتوجُّه المجتمع الأمريكي، بشكل حاد وبدون أي تردد، نحو اللذة والمنفعة. وقد تحوَّلت الجماعة اليهودية إلى جماعة أمريكية تماماً، المولودون فيها أكثر من المهاجرين إليها، وأصبحوا أساساً أعضاء في الطبقة الوسطى الأمريكية التي تسكن الضواحي، وذابت كل علامات التميز الحضاري. ويرى علماء الاجتماع أن ثمة تقسيماً ثلاثياً يحكم المجتمع الأمريكي وهو أنه مجتمع تحكمه ديانات ثلاث، هي: البروتستانتية والكاثوليكية واليهودية، وهو ما يعني عمق قبول اليهودية. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، استمرت الحكومة في رفض السماح لأيٍّ من المهاجرين الجدد بدخول الولايات المتحدة. ومع هذا، صدر تشريع يسمح لبعض المُرحَّلين اليهود بالاستقرار. ودخل بالفعل ثلاثة وستون ألف يهودي، وكانت مجموعة غير متجانسة صغيرة العدد. ولذا، فإنها لم تُغيِّر الطابع العام الذي اتسمت به الجماعة اليهودية التي كانت قد تحدَّدت سماتها الأساسية واستقرت. وكان مجموع المهاجرين في الفترة من 1944 حتى 1959 لا يزيد على 191.693 إلى أن تم إلغاء القوانين التي تحد من الهجرة عام 1965. وبلغ عدد المهاجرين في الفترة من 1960 إلى 1968 نحو 73 ألف مهاجر يهودي، معظمهم جاء من إسرائيل بعد عام 1957، ومن الشرق الأوسط وكوبا، وإن كان الجميع ينتمون لأصل أوربي. ارتفع عدد أعضاء الجماعة اليهودية إلى 5.200.000 عام 1957، ووصل إلى 6.000.000 عام 1970، وهذا يعني أن عدد أعضاء الجماعة اليهودية كان آخذاً في التناقص بالنسبة لعدد السكان، وأن زيادتهم الطبيعية في الفترة من 1945 حتى عام 1969، أي خلال نحو خمسة وعشرين عاماً، لم تزد عن نحو 700 ألف (وذلك بطرح عدد المهاجرين) . وتسبب هذه الاتجاهات السكانية، التي أصبحت اتجاهات ثابتة، كثيراً من القلق في الأوساط اليهودية، وخصوصاً إذا تمت رؤيتها في سياق معدلات الاندماج المتزايدة والزواج المُختلَط. وتوجد معظم الجماعات اليهودية في المدن الكبرى، ذلك أن أربعين بالمائة من كل اليهود يعيشون في نيويورك وحولها كما كان الحال منذ عام 1900. وبلغ عدد اليهود الذين يعيشون في نيويورك العظمى أي في نيويورك والضواحي المحيطة بها وشمال شرق نيوجرسي، وفي المدن التسع الكبرى (لوس أنجلوس ـ شيكاغو ـ فيلادلفيا ـ بوسطن ـ ميامي ـ واشنطن ـ كليفلاند ـ بلتيمور ـ ديترويت) نحو 75% من كل أعضاء الجماعة اليهودية. ويُلاحَظ أن أعضاء الجماعة اليهودية لا يسكنون المدن نفسها وإنما يقطنون خارجها في الضواحي، وهذا من علامات الثراء المتوسط إذ لا يسكن المدن الكبرى سوى الفقراء (من السود والبورتوريكيين) أو كبار الأثرياء من المليونيرات. ولا توجد ضواح مقصورة على اليهود فما يحدد موقع السكنى في الوقت الحاضر مقياسان ماديان أحدهما الدخل والآخر لون الجلد، ولم يَعُد الانتماء الديني أساساً للتصنيف. والواقع أن أعضاء الجماعة اليهودية يُصنَّفون ضمن الأقليات البيضاء في الولايات المتحدة، وتنتمي أغلبيتهم إلى شريحة عليا من الطبقة الوسطى. ومن الاتجاهات الجديدة التي شهدتها هذه الفترة زيادة عدد أعضاء الجماعة اليهودية في لوس أنجلوس، ففي عام 1945 كان عددهم يبلغ 150 ألفاً، زاد إلى 510 آلاف عام 1968. والشيء نفسه ينطبق على ميامي إذ زاد العدد من 7500 عام 1937 إلى 40 ألفاً عام 1948 و150 ألفاً عام 1970، وإن كان معظم اليهود هناك من العجائز. وحركة أعضاء الجماعة اليهودية إلى كاليفورنيا وميامي ليست مقصورة علىهم وإنما كانت جزءاً من اتجاه قومي أمريكي عام، حيث هاجر الكثيرون من وسط القارة الأمريكية إلى السواحل. ولذلك، نجد أن يهود شيكاغو قد انخفض عددهم من 333 ألفاً عام 1946 إلى 285 ألفاً عام 1969. وفيما يخص الهيكل الوظيفي والمهني لأعضاء الجماعة اليهودية، فقد شهدت الفترة بعد عام 1945 تَعمُّق الاتجاهات التي شاهدنا ظهورها في المرحلة السابقة، إذ زاد عدد اليهود المشتغلين بالمهن في الطب والتدريس بالجامعات وداخل البيروقراطية الحكومية في جهاز الموظفين وتناقص عدد العمال المهرة وغير المهرة بنسبة كبيرة بحيث لا يكاد يوجد أي يهود بين عمال النقل وعمال المناجم. كما لا يوجد يهود في صناعة الأخشاب والتعدين والنقل كما كان الحال في الماضي، وتناقص عدد الفلاحين اليهود بحيث كاد ينعدم، كما تناقص عددهم في صناعة الملابس، أي أن ميراثهم الاقتصادي الأوربي اختفى تماماً. ويمكن القول بأن ظهور المهني اليهودي هو السمة الأساسية لهذه الفترة. فعلى سبيل المثال، زاد عدد المهنيين في إحدى المدن الأمريكية (تشارلستون) أربعة أضعاف بين منتصف الثلاثينيات وعام 1948، وزاد عدد المهنيين في لوس أنجلوس في الفترة من 1941 إلى 1959 من 11% إلى 25%. ويظهر هذا في بروز شخصيات يهودية في مجالات التربية والعلوم والقضاء والمحاسبة، وفي زيادة عددهم في مجالات الترفيه والإعلام والنشر. وزاد عدد أعضاء الجماعة اليهودية الذين يعملون كوسطاء في مجالات تجارة القطاعي والبناء والعقارات في المدن الكبرى والترفيه وعالم المال والأسهم والسندات والصناعة وقطاع الإعلام والسينما والمسرح (نشر ـ معاهد موسيقية ـ مراكز ثقافية) . وبينهم عدد من كبار أصحاب المزارع والمصانع في قطاع الصناعة الزراعية. ويُلاحَظ تركُّز الرأسماليين من أعضاء الجماعة اليهودية في الخدمات الاستهلاكية وفي الصناعات الخفيفة وصناعات القطاع الوسط (صناعة الملابس وصناعة الفراء والمجوهرات والمشروبات الروحية وصناعة السينما) . وهذا يدل على أن ميراثهم الاقتصادي اليديشي ووضعهم كمهاجرين لا يزال له أثر في نمط حراكهم. و «يسيطر» الرأسماليون من أعضاء الجماعة اليهودية على بعض هذه الصناعات. ولكن إلى جانب هذا يُلاحَظ غياب الرأسماليين من أعضاء الجماعة اليهودية عن الصناعات الثقيلة، إذ تظل هذه الأخيرة (الفحم والفولاذ والمصارف والنفط والسيارات والسفن ووسائل المواصلات) في أيدي الواسب، أي البروتستانت البيض، وهم أعضاء النخبة الاقتصادية والسياسية الذين يتحكمون في العصب الأساسي للاقتصاد الأمريكي الذي يشكل مصدر النفوذ السياسي الحقيقي. وقد يكون من المفيد أن نذكر، في هذا المضمار، أن المصارف الكبرى في الولايات المتحدة، وعددها خمسة وأربعون، لا يشغل اليهود المناصب العليا فيها إلا في خمسة مصارف. ويظل أغلبية اليهود ميسوري الحال أعضاء في الطبقة الوسطى من أصحاب الياقات البيضاء ممن يسكنون المدن أو ضواحيها، وهو ما يعني بروزهم ولمعانهم دون أن تكون لهم قوة اقتصادية حقيقية. ويمكن القول بأن الهرم الوظيفي بالنسبة ليهود أمريكا مختلف عن الهرم الوظيفي القومي الأمريكي. ففي عام 1960، بلغ عدد المهنيين بين اليهود 25% (مقابل 23% بين الأمريكيين ككل) وبلغ عدد الملاك والمديرين وأصحاب العمل 30% (مقابل 10.7% بين الأمريكيين ككل) ، و25% كانوا يعملون في الوظائف الكتابية وعمليات البيع. أما الـ 20% الباقية، فثلاثة أرباعهم كانوا عمالاً مهرة وغير مهرة وحرفيين. ويُلاحَظ زيادة عدد المهنيين اليهود، وهو ما يعني زيادة اقتراب الجماعة اليهودية من السلطة ومن صانع القرار، إذ نجد عدداً كبيراً منهم في واشنطن مستشارين للحكومة ولأعضاء الكونجرس وفي عديد من اللجان والوظائف. ويبدو أن متوسط دخل الفرد اليهودي أعلى من متوسط دخل أعضاء المجموعات الدينية والإثنية الأخرى. ولكن أعضاء الجماعة اليهودية بغض النظر عن مدى فقرهم أو ثرائهم أو تميُّزهم الوظيفي أو مدى صهيونيتهم أو عدمها، أصبحوا جزءاً عضوياً من الاقتصاد الأمريكي. فالرأسماليون الأمريكيون اليهود لا يشكلون رأسمالية يهودية لها حركية مستقلة، وهم ليسوا رأسماليين يهوداً وإنما هم رأسماليون أمريكيون يهود (أو رأسماليون أمريكيون من أعضاء الجماعة اليهودية) ويشكلون جزءاً من الاقتصاد الأمريكي وينحصر ولاؤهم في رأس المال، وهذا الولاء هو الذي يحدد سلوكهم. وما يحدِّد حركية رأس المال الذي يملكه اليهود ليس تطلعاتهم الدينية أو الصهيونية وإنما حركية الاقتصاد الرأسمالي الأمريكي العامة والمنظومة القيمية المادية النفعية. وكذلك أيضاً المهني اليهودي، فمما لا شك فيه، كما بيَّنا، أن زيادة عدد المهنيين من أعضاء الجماعة اليهودية يعني في واقع الأمر ازدياد أعضاء الجماعة اقتراباً من السلطة وصانع القرار وتأثيراً فيها. ولكنهم، مع هذا، يظلون أقلية عددية صغيرة، وهو ما يعني أن هيمنتهم تظل محدودة. وحينما يصل أحد أعضاء الجماعة اليهودية إلى القمة، فإن الطريق يكون مفتوحاً أمامه وهو يمارس نفوذه في دولة لها إستراتيجيتها العامة ولها مؤسساتها الثابتة وقوانينها المستقرة وأجهزتها التنفيذية ذات السطوة، وهو ما يعني أنه سيظل أساساً جزءاً من الكل الأمريكي حتى في مكانه القيادي. وهو سيحقق البروز وسيصل إلى مكانة قيادية بمقدار ما يخدم مصالح المؤسسة. إن الرأسمالي اليهودي، مثل المهني اليهودي، يشكل كل منهما نقطة في مجتمع يشبه البحر الضخم المتلاطم ذا الحركية المستقلة الواضحة. ومن الصعب على أعضاء أية أقلية، أياً ما بلغ نفوذها وقوتها، الهيمنة عليه وتوظيفه لخدمة مصالحها، وخصوصاً إن تعارضت هذه المصالح مع الاتجاه العام. لكن هذا لا يعني انعدام المقدرة على التأثير، وخصوصاً فيما يخص التفاصيل، وهو أمر يختلف عن التوظيف الكامل وتغيير الاتجاه. وقد طُرحت قضية الصهيونية على الجماعة اليهودية المندمجة وتم حسمها بعد عام 1948 لصالح الصهيونية، وحسب شروط يهود أمريكا الجدد الذين اعتنقت أغلبيتهم الصهيونية، ولكنها لم تكن على أية حال الصهيونية الاستيطانية ذات الجذور الشرق أوربية التي تطلب من اليهود التخلي عن وطنهم والهجرة إلى فلسطين والاستيطان فيها. إنها صهيونية توطينية تترجم نفسها إلى دعم مالي وسياسي للمُستوطَن الصهيوني، وتكتفي بممارسة الضغط السياسي على الحكومة الأمريكية لصالح دولة إسرائيل (وإن كانت المسألة لا تستدعي ضغطاً كبيراً) . وقد سارعت الحكومة الأمريكية إلى تأييد قرار التقسيم ثم الاعتراف بالدولة، وهي تراها الآن حليفاً إستراتيجياً وتدفع معونات ضخمة لها. ولا تترجم هذه الصهيونية نفسها إلى هجرة أو استيطان إلا في القليل النادر، فهي تترجم نفسها إلى رموز إثنية تشبه من بعض الوجوه الرموز الإثنية لأعضاء الأقليات الأخرى. وقد شبَّه آرثر هرتزبرج علاقة يهود الولايات المتحدة بإسرائيل بعلاقة الرجل بعشيقته، فهو لا يراها إلا لفترات متباعدة، ولذا فإنها تظل بعيدة مشبعة بالرومانسية ومزينة، وهو يغدق عليها الأموال ولكنه يحتفظ بمسافة بينه وبينها، وحينما تحين لحظة الاختيار فإنه يختار زوجته وأولاده وأسرته. ومن ناحية الأطر التنظيمية، يُلاحَظ بدايات محاولة الوصول إلى إطار تنظيمي يضم سائر المنظمات المختلفة على أن تحتفظ كل منظمة أو جماعة باستقلالها. والواقع أن محاولة التنظيم هي تعبير عن تَزايُد التجانس بين أعضاء الجماعة اليهودية. أما طريقة التنظيم نفسها، فهي انعكاس للطريقة الفيدرالية الأمريكية في التنظيم. ولقد تأسَّست لجان قومية مهمتها التنسيق بين المعابد اليهودية أو بين اللجان الصهيونية المختلفة أو لجان الدفاع المختلفة أو الجباية. وكما أسلفنا، أُسِّست جماعة النداء اليهودي الموحَّد عام 1939، وسندات إسرائيل عام 1950، والنداء الإسرائيلي الموحَّد عام 1950. كما أن هناك، في كل جماعة يهودية كبيرة، ممثِّلين لمختلف المنظمات اليهودية التي تسيطر عليها الصهيونية، أكثر التنظيمات اليهودية تنظيماً. ومن أهم القضايا التي أثيرت في هذه المرحلة قضية علاقة الدين بالتعليم إذ أن أعضاء الجماعة اليهودية كانوا يقفون وراء المطالبة بعدم تقديم العون للمدارس الدينية بحجة أن هذا خرق للدستور الأمريكي الذي يفصل بين الدين والدولة. ولكن معظم هذه المدارس كان الملجأ الوحيد لأبناء الأسر الكاثوليكية المهاجرة الفقيرة، الأيرلنديين والإيطاليين والبورتوريكيين، حيث يمكنهم أن يتلقوا تعليماً جيداً، فالقيم الأخلاقية في نظام التعليم العام الأمريكي قد ضعفت وبحدة، كما أن طريقة تمويل المدارس من الضرائب المحلية تجعل مستوى المدارس في الأحياء الغنية التي يوجد فيها اليهود مرتفعاً إذ يستطيع أهل الحي أو المدينة أن يموِّلوا جميع النشاطات المدرسية. أما في الأحياء الفقيرة، فلا تتاح هذه الفرصة. ولذا، فقد اكتسبت قضية الدعم الحكومي للمدارس نبرات إثنية، وخصوصاً أن معظم أعضاء الجماعة اليهودية يقفون أيضاً ضد تدريس القيم الأخلاقية والروحية للأطفال باعتبار أن هذا قد يُستخدَم ستاراً لتدريس القيم الدينية. ولا تزال هذه القضية مصدراً أساسياً للتوتر في العلاقات بين أعضاء الجماعة اليهودية وأغلبية سكان الولايات المتحدة. ومما يجدر ذكره أن اليهود الأرثوذكس يتخذون موقفاً مشابهاً لموقف الكاثوليك، فهم يودون الحفاظ على نظام التعليم اليهودي الخاص بهم، الأمر الذي يجعلهم في حاجة إلى دعم حكومي. ويبدو أن الهوية الدينية اليهودية في الولايات المتحدة ضَعُفت بشكل سريع جداً. ففي إحدى الإحصاءات (عام 1945) ، جاء أن 18% من اليهود يرتادون دور العبادة الخاصة بهم مرة واحدة على الأقل في الشهر مقابل 65% من البروتستانت و83% من الكاثوليك، وهو ما يدل على أنهم من أكثر القطاعات علمنة في المجتمع الأمريكي. واستمرت النسبة كما هي عليه عام 1958 ولكنها انخفضت قياساً إلى بقية المجتمع، فأصبحت 40% من البروتستانت و74% بالنسبة إلى الكاثوليك. ولكن نسبة 18% قد يكون مُبالغاً فيها إذ أن الكثير من يهود أمريكا يلصقون بأنفسهم صفة «يهودي» دون أية ممارسات دينية. وقد بيَّنت إحدى الإحصاءات أن نحو 10% أو 20% فقط من اليهود يقيمون الشعائر الخاصة بالاحتفال بالسبت والطعام الشرعي والصلوات اليومية. ويظهر ضعف المؤسسات الدينية في أن المعبد اليهودي أصبح ذا دور ثانوي تماماً بالنسبة لدور النادي الاجتماعي اليهودي. ويمكن القول بأنه، مع ضعف الهوية الدينية، يتمسك اليهود ببعض المظاهر الإثنية للحفاظ على الهوية المتميِّزة. ومن هنا تزايدت قوة الصهيونية، فالصهيونية هي اليهودية الإثنية بعد تجريدها من أي مضمون ديني. ومن دلائل الاندماج المتزايد، اختفاء العبرية كأداة للتعبير الأدبي، وكذلك اتجاه اليديشية نحو الاختفاء الكامل. ويمكن اعتبار تزايد الزواج المختلط (بمعدلاته المرتفعة التي تصل في بعض الولايات إلى ما يزيد على 60%) مؤشراً آخر. ويظهر الاندماج أيضاً في غربة الأجيال اليهودية الجديدة عن أسرها البورجوازية، فقد انخرطت أعداد كبيرة منهم في صفوف حركة الحقوق المدنية وحركة اليسار الجديد في الستينيات. ولكن يمكن القول بأن أعضاء الجماعة اليهودية، باعتبارهم أقلية مهاجرة في المدينة تدين بالولاء للحزب الديموقراطي، كان لهم دائماً اتجاه ليبرالي وكانوا يطالبون بقدر من التدخل من جانب الحكومة ضد الاحتكارات ومن أجل الرفاه الاجتماعي. ومن الظواهر المهمة في هذه المرحلة، استمرار بروز أعضاء الجماعة اليهودية وتميُّزهم في المجتمع الأمريكي، وخصوصاً في الحياة الثقافية والأدبية. ويتضح بروز أعضاء الجماعة أيضاً في تزايد عدد اليهود من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات (10% من مجموع الأساتذة يهود) موزعين في جميع التخصصات، وخصوصاً الفيزياء وعلم الاجتماع وعلم النفس. كما يُلاحَظ بروزهم من خلال العدد الكبير من الكتاب والنقاد الأمريكيين اليهود، مثل: سول بلو، وفيليب روث، وبرنارد مالامود، وليونيل ترلنج، وإرفنج هاو، ولسلي فيدلر، ووليام فيلبس. ولكن من الملاحَظ أن كثيراً من هؤلاء المثقفين لم تكن هويتهم يهودية بشكل محدَّد ولم يهتموا بالقضايا الإثنية أو الدينية اليهودية إذ أن انتماءهم كان أمريكياً بالدرجة الأولى. |
معجم القواعد العربية
|
لا يجوزُ للفعلِ مطلقاً أن يكون فاعلهُ ومفعولُه ضميرَين لذاتٍ واحدة فلا يقالُ: "أكرَمتُني أي أكْرَمْتُ ذَاتِي " يُعَبَّرُ عن المفعولِ بـ "أكرَمتُ نَفْسِي" أو "أكرَمْتُ ذَاتي" إلاّ "أَفعالُ القُلوبِ "فإنَّهُ يجوزُ فيها ذلك نحو "ظَنَنْتُني" أي ظننتُ ذاتي.
|
|
في الفرنسية/ Acuite
في الانكليزية/ Acuteness حدّ السيف حدة: صار حادا وقاطعا، وحدت الرائحة: زكت واشتدت، وحدّ على غيره غضب، والحدة ما يعتري الإنسان من النزق والغضب، تقول: أخذته حدة الغضب، وهو معروف بحدة التفكير أي بعمقه. ومنه حدة الحواس ( sens des Acuite)، أي قوتها، قال تعالى: فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد. والمقصود بحدة الحواس أمران: الأول قدرتها على ادراك المؤثرات والمنبهات الخفيفة، والثاني قدرتها على التمييز بين احساسين متقاربين. مثال ذلك حدة السمع. وحدة اللمس، وحدة البصر. الخ. |
المعجم الفلسفي (بالألفاظ العربية والفرنسية والإنكليزية واللاتينية)
|
في الفرنسية/ Pantheisme
في الانكليزية/ Pantheism 1 - مذهب وحدة الوجود مذهب الذين يوحدون اللّه والعالم، ويزعمون ان كل شيء هو اللّه. وهو مذهب قديم أخذت به البراهمانية، والرواقية، والافلاطونية الجديدة، والصوفية، فالبرهمانيون يردون كل شيء إلىاللّه، ويعتقدون ان براهمان هو الحقيقة الكلية ونفس العالم، وان جميع الأشياء الاخرى ليست سوى اعراض ومظاهر لهذه الحقيقة، والرواقيون يقولون: ان اللّه والعالم موجود واحد، وان العالم لا ينفصل عن اللّه، وفلاسفة الافلاطونية الجديدة يقولون: ان اللّه واحد، وان العالم يفيض عنه كفيضان النور عن الشمس وان للموجودات مراتب مختلفة، الا انها لا تؤلف مع اللّه الا موجودا واحدا. والمتصوفون يقولون: ان اللّه هو الحق. وليس هناك الا موجود واحد، وهو الموجود المطلق، اما العالم فهو مظهر من مظاهر الذات الالهية، وليس له وجود في ذاته، لأنه صادر عن اللّه بالتجلي. 2 - ولمذهب وحدة الوجود عدة صور جديدة كوحدة الوجود الاسبينوزية التي تقرر ان اللّه وحده هو الموجود الحق، ووحدة الوجود المثالية (هيجل) التي تقرر ان اللّه هو الروح الكلي الكامن في الأرواح الجزئية، ووحدة الوجود الطبيعية التي توحد اللّه والطبيعة. ولكن هذه الصور المختلفة يمكن ان ترد إلىصورتين اساسيتين: الاولى هي القول ان اللّه وحده هو الموجود الحق، وان العالم مجموع ظواهر واحوال ليس لها وجود حقيقي دائم، ولا جوهر متميز. والمثال من هذه الصورة مذهب وحدة الوجود الاسبينوزية. والثانية هي القول ان العالم وحده هو الموجود الحق، وليس اللّه سوى مجموع الأشياء الموجودة في العالم. والمثال من هذه الصورة مذهب وحدة الوجود عند (دولباخ) و (ديدرو)، وعند بعض الهيجليين، وتسمّى هذه الصورة بمذهب وحدة الوجود الطبيعية أو المادية. 3 - ويمكن ان يطلق اسم وحدة الوجود على مذهب الشعراء الذين يرون ان في العالم اندفاعة حيوية تحيي الطبيعة من جهة ما هي كل، وان الإنسان جدير بأن يعبد هذه الاندفاعية الحيوية، ويستمتع بمظاهرها. 4 - ومذهب وحدة الوجود صورة من صور الواحدية ( Monisme) والكمونية (- Imma nentisme)، وهو مقابل لمذهب التأليه الديني ( Theisme)، ومذهب التأليه الطبيعي ( Deisme). |
لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)
|
هو اسم ثاني حروف المعجم، وكانوا يضبطونه بهذا الوصف تمييزاً له عن التاء المثناة الفوقية والياء المثناة التحتية ، والثاء المثلثة ؛ وأما النون فمع كونها موحدة أيضاً ، كالباء ، وصورتها مقاربة لصورتها ، فإنها تخرج بكلمة (الباء) أي من قولنا (الباء الموحدة) ، فصورة كلمة (الباء) - أي ولو أهملت - غير صورة كلمة (النون).
|