المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
|
السرقة: هي في اللغة أخذ الشيء من الغير على وجه الخفية. وفي الشريعة: في حق القطع: أخذ مكلف خفية قدر عشرة دراهم مضروبة محرزة بمكان أو حافظ، بلا شبهة، فإذا كانت قيمة المسروق أقل من عشرة مضروبة لا يكون سرقة في حد القطع، وجعل سرقة شرعًا، حتى يرد العبد به على بائعه، وعند الشافعي: يقطع يمين السارق بربع دينار، حتى سأل الشاعر المعري الإمام محمدًا، رحمه الله:يد بخمس مئين عسجد وديت...ما بالها قطعت في ربع دينار
فقال محمد في الجواب: لما كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت. |
|
السّرقة[في الانكليزية] Theft [ في الفرنسية] Vol كالسّرق محركتين بكسر الراء مصدر سرق منه شيئا أي جاء مستترا إلى حرز فأخذ مال غيره. وعند الفقهاء هو نوعان لأنّه إمّا أن يكون ضررها بذي المال أو به وبعامة المسلمين.فالأول يسمّى السّرقة الصغرى، والثاني السّرقة الكبرى، وهما مشتركان في التعريف وأكثر الشروط. فعرّفهما صاحب مختصر الوقاية بأخذ مكلّف خفية قدر عشرة دراهم مضروبة مملوكا محرزا بلا شبهة بمكان أو حافظ، أي أخذ مكلّف بطريق الظلم كما هو المتبادر من الإضافة، فاحترز بالمكلّف عن غيره، فلا يقطع الصبي والمجنون ولا غيرهما إذا كان معه أحدهما، وإن كان الآخذ الغير. وعند أبي يوسف يقطع الغير. ولا يقطع بأخذ المصحف والكتب وآلات اللهو لاحتمال أن يأخذه للقراءة والنهي عن المنكر، فمن الظن بطلان التعريف منعا. وقوله خفية احتراز عن الأخذ مكابرة فإنّه غصب كما إذا دخل نهارا أو بين العشاءين في دار بابها مفتوح أو ليلا، وكلّ من الصاحب والسارق عالم بالآخر، فلو علم أحدهما لا الآخر قطع كما لو دخل بعد العتمة وأخذ خفية أو مكابرة معه سلاح أو لا، والصاحب عالم به أو لا، ولو كابره نهارا فنقب البيت سرا وأخذ مغالبة لم يقطع. وقوله قدر عشرة دراهم أي بوزن سبعة يوم السرقة والقطع، فلو انتقص عن ذلك يوم القطع لنقصان العين قطع لأنّه مضمون على السارق فكأنه قائم، بخلاف ما انتقص للسّعر فإنّه لا يقطع لأنّه غير مضمون عليه. وعن محمد أنّه يقطع. وذكر الطحاوي أنّ المعتبر يوم الأخذ والمتبادر أن يكون الأخذ بمرة فلو أخرج من الحرز أقل من العشرة ثم دخل فيه وكمل لم يقطع. وقوله مضروبة احتراز عن أخذ تبر وزنه عشرة وقيمته أقل فإنّه حينئذ لا يقطع، فيقوّم بأعز نقد رائج بينهم، ولا يقطع بالشّك ولا بتقويم بعض المقومين. وقوله مملوكا احتراز عن أخذ غير المملوك. وقوله محرزا أي ممنوعا من وصول يد الغير إليه. وقوله بلا شبهة تنازع فيه مملوكا ومحرزا فلا قطع بأخذ الأعمى لجهله بمال غيره ولا بالأخذ من السّيّد والغنيمة وبيت المال.وقوله بمكان أي بسبب موضع معدّ لحفظ الأموال كالدور والدكاكين والحانات والخيام والصناديق. والمذهب أنّ حرز كلّ شيء معتبر بحرز مثله حتى لا يقطع بأخذ لؤلؤ من اصطبل، بخلاف أخذ الدابة. وقوله حافظ أي بسبب شخص يحفظ فلا قطع بالأخذ عن الصبي والمجنون ولا يأخذ شاة أو بقرة أو غيرها من مرعى معها راع، ولا بأخذ المال من نائم إذا جعله تحت رأسه أو جنبه. أما إذا وضع بين يديه ثم نام ففيه خلاف، كذا في جامع الرموز
وفي الدرر: السرقة لغة أخذ الشيء من الغير خفية أيّ شيء كان. وشرعا أخذ مكلّف أي عاقل بالغ خفية قدر عشرة دراهم مضروبة جيدة محرزا بمكان أو حافظ، فقد زيدت على المعنى اللغوي أوصاف شرعا منها في السارق وهو كونه مكلفا، ومنها في المسروق وهو كونه مالا متقوّما مقدرا، ومنها في المسروق منه وهو كونه حرزا. ثم إنها إمّا صغرى وهي السرقة المشهورة وفيها مسارقة عين المالك أو من يقوم مقامه. وإمّا كبرى وهي قطع الطريق وفيها مسارقة عين الإمام لأنه المتصدي لحفظ الطريق بأعوانه انتهى.وفي كليات أبي البقاء السرقة أخذ مال معتبر من حرز أجنبي لا شبهة فيه خفية وهو قاصد للحفظ في نومه أو غيبته. والطرّ أخذ مال الغير وهو حاضر يقظان قاصد حفظه وهو يأخذه منه بنوع غفلة وخدع، وفعل كلّ واحد منهما وإن كان شبيها بفعل الآخر، لكنّ اختلاف الاسم يدل على اختلاف المسمّى ظاهرا، فاشتبه الأمر أنّه دخل تحت لفظ السارق حتى يقطع كالسارق أم لا فنظرنا في السرقة فوجدناه جناية، لكن جناية الطرار أقوى لزيادة فعله على فعل السارق، حيث يأخذ من اليقظان فيثبت القطع بالطريق الأولى كثبوت حرمة الضرب بحرمة التأفيف، وهذا يسمّى بالدلالة عند الأصوليين. بخلاف النباش فإنّه يأخذ مالا لا حافظ له من حرز ناقص خفية فيكون فعله أدنى من فعل السارق، فلا يلحق به ولا يقطع عند أبي حنيفة ومحمد، خلافا لأبي يوسف رحمهم الله. وعند الشافعي يقطع يمين السارق بربع دينار حتى سأل الشاعر المعري للإمام محمد رحمه الله:يد بخمس مئين عسجد فديت ما بالها قطعت بربع دينار فقال محمد في الجواب: [لمّا] كانت أمينة ثمينة فلما خانت هانت كذا في الجرجاني.وعند الشعراء ويسمّى الأخذ أيضا هو أن ينسب الشاعر شعر الغير أو مضمونه إلى نفسه.قالوا اتفاق القائلين إن كان في الغرض على العموم كالوصف بالشجاعة أو السخاء أو نحو ذلك فلا يعدّ سرقة ولا استعانة ولا أخذا ونحو ذلك، لتقرره في العقول والعادات. وإن كان اتفاقهم في وجه الدلالة على الغرض كالتشبيه والمجاز والكناية وكذكر هيئات تدلّ على الصفة لاختصاص تلك الهيئات بمن تثبت تلك الصفة له كوصف الجواد بالتهلل عند ورود السائلين، فإن اشترك الناس في معرفته أي معرفة وجه الدلالة على الغرض لاستقراره فيهما أي في العقول والعادة كتشبيه الشجاع بالأسد والجود بالبحر فهو كالأول، أي فالاتفاق في هذا النوع من وجه الدلالة على الغرض كالاتفاق في الغرض العام في أنّه لا يعدّ سرقة ولا أخذا، وإلّا أي وإن لم يشترك الناس في معرفته ولم يصل إليه كل أحد لكونه مما لا ينال إلّا بفكر صائب صادق جاز أن يدعى فيه السبق والزيادة بأن يحكم بين القائلين فيه بالتفاضل، وإنّ أحدهما فيه أكمل من الآخر، وإنّ الثاني زاد على الأول أو نقص عنه. وهذا ضربان خاصي في نفسه غريب لا ينال إلّا بفكر وعامي تصرف فيه بما أخرجه من الابتذال إلى الغرابة كما في التشبيه الغريب الخاصي والمبتذل العامي. وإذا تقرّر هذا فالسّرقة والأخذ نوعان، ظاهر وغير ظاهر. أمّا الظاهر فهو أن يؤخذ المعنى كله إمّا مع اللفظ كله أو بعضه، وإمّا وحده. فإن أخذ اللفظ كله من غير تغيير لنظمه فهو مذموم لأنّه سرقة محضة ويسمّى نسخا وانتحالا، كما حكي أنّ عبد الله بن الزبير دخل على معاوية فأنشد بيتين:إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته على طرف الهجران إن كان يعقل ويركب حدّ السّيف من أن تضيمه إذا لم يكن عن شفرة السّيف مزحل أي إذا لم تعط أخاك النصفة ولم توفّه حقوقه تجده هاجرا لك ومتبدلا بك إن كان به عقل وله معرفة. وأيضا تجده راكبا حدّ السيوف أي ويتحمّل شدائد تؤثر فيه تأثير السّيف مخافة أن يدخل عليه ظلمك أو بدلا من أن تظلمه متى لم يجد عن ركوب حدّ السيف مبعدا ومعدلا.فقال له معاوية لقد شعرت بعدي يا أبا بكر، أي صرت شاعرا، ولم يفارق عبد الله المجلس حتى دخل معن بن أوس المزني الشاعر فأنشد قصيدته التي أولها:لعمرك ما أدري وإنّي لأوجل على أيّنا تغدو المنية أول حتى أتمها وفيها هذان البيتان. فأقبل معاوية على عبد الله بن الزبير وقال له: ألم تخبرني أنّهما لك؟ فقال: اللفظ له والمعنى له، وبعد فهو أخي من الرضاعة وأنا أحقّ بشعره فقلته مخبرا عن حاله وحاكيا عن حالي هكذا في المطول وفي معناه أن يبدل بالكلمات كلها أو بعضها ما يرادفها، يعني أنه مذموم وسرقة محضة كما يقال في قول الحطيئة:دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي إنّه بدّل الكلمات وأبقى المعاني فقيل:ذر المآثر لا تذهب لمطلبها واجلس فإنّك أنت الآكل اللابس وإن أخذ اللفظ كلّه مع تغيير نظمه أو أخذ بعض اللفظ لا كله سمّي هذا الأخذ إغارة ومسخا، وهو ثلاثة أقسام: لأنّ الثاني إمّا أن يكون أبلغ من الأول أو دونه أو مثله، فإن كان الثاني أبلغ لاختصاصه بفضيلة فممدوح ومقبول، وإن كان الثاني دونه فمذموم، وإن كان مثله فأبعد من الذمّ، والفضل للأول. وإنّما يكون أبعد من الذمّ إن لم يكن في الثاني دلالة على السرقة كاتفاق الوزن والقافية وإلّا فهو مذموم جدا. مثال الأول قول بشار:من راقب الناس لم يظفر بحاجته وفاز بالطيّبات الفاتك اللهج أي الشجاع القتال وراقب بمعنى خاف. وقول سلم:من راقب الناس مات همّا وفاز باللذة الجسور أي شديد الجرأة فبيت سلم مأخوذ من بيت بشّار إلّا أنّه أجود سبكا وأخصر لفظا. ومثال الثاني قول أبي تمام:هيهات لا يأتي الزمان بمثله إنّ الزمان بمثله لبخيل فأخذ منه أبو الطيب المصراع الثاني فقال:أعدى الزمان سخاؤه فسخا به ولقد يكون به الزمان بخيلا يعني تعلّم الزمان منه السخاء وسرت سخاوته إلى الزمان فأخرجه من العدم إلى الوجود، ولولا سخاؤه الذي استفاد منه لبخل به على الدنيا واستبقاه لنفسه، كذا ذكره ابن جني. وقال ابن فورة: هذا تأويل فاسد لأنّ سخاءه غير موجود قبل وجوده فلا يوصف بالعدوى إلى الزمان وإنّما المراد سخا الزمان بالممدوح عليّ وكان بخيلا به لا يجود به على أحد ومستبقيا لنفسه، فلما أعداه سخاءه أسعدني بضمي إليه وهدايتي له. فالمصراع الثاني مأخوذ من المصراع الثاني لأبي تمام كذا في المطول والمختصر. لكن مصراع أبي تمام أجود سبكا من مصراع أبي الطيّب لأنّ قوله ولقد يكون لم يصب محله إذ المعنى به هاهنا لقد كان أي على المضي. ومثال الثالث قول أبي تمام:لو حار مرتاد المنية لم تجد إلا الفراق على النفوس دليلا الارتياد الطلب أي المنية الطالبة للنفوس لو تحيّرت في الطريق إلى إهلاكها ولم يمكنها التوصّل إليها لم يكن لها دليل عليها إلّا الفراق فأخذ منه أبو الطيب فقال:لولا مفارقة الأحباب ما وجدت لها المنايا إلى أرواحنا سبلا وإن أخذ المعنى وحده سمّي ذلك الأخذ سلخا وإلماما، من ألمّ بالمنزل إذا نزل به، فكأنّه نزل من اللفظ إلى المعنى. وهو أيضا ثلاثة أقسام كذلك، أي مثل أقسام الإغارة والمسخ، لأنّ الثاني إمّا أبلغ من الأول أو دونه أو مثله. مثال الأول قول أبي تمام:هو الصنع إن يعجل فخير وإن يرث فللرّيث في بعض المواضع أنفع ضمير هو عائد إلى حاضر في الذهن وهو مبتدأ وخبره الصنع، والشرطية ابتداء الكلام، يعني أنّ الشيء المعهود هو الإحسان فإن يعجل فهو خير وإن يبطأ فالبطء في بعض الأوقات وبعض المحال يكون أنفع من العجلة. وقول أبي الطيب:ومن الخير بطء سيبك عني أسرع السّحب في المسير الجهام السيب العطاء والسحب جمع سحاب والجهام هو السحاب الذي لا ماء فيه. يقول وتأخير عطائك عني خير في حقي لأنّه يدل على كثرته كالسحب إنما يسرع منها ما كان جهاما لا ماء فيه، وما كان فيه الماء يكون بطيئا. ففي بيت أبي الطيب زيادة بيان لاشتماله على ضرب المثل فكان أبلغ. ومثال الثاني قول البحتري:وإذا تألّق في النديّ كلامه المصقول خلت لسانه من عضبه يعني إذا لمع في المجلس كلامه المنقّح حسبت لسانه سيفه القاطع. وقول أبي الطيب:كأنّ ألسنهم في النطق قد جعلت على رماحهم في الطعن خرصانا جمع خرص بمعنى سنان الرماح يعني أنّ ألسنتهم عند النطق في المضاء والنفاذ تشابه أسنّتهم عند الطعن، فكأنّ ألسنتهم جعلت أسنة رماحهم. فبيت البحتري أبلغ لما في لفظي تألق والمصقول من الاستعارة التخييلية، فإنّ التألّق والصقال من لوازم السيف، وتشبيه كلامه بالسيف استعارة بالكناية، وبيت أبي الطيب خال عنهما. ومثال الثالث قول أبي زياد:ولم يك أكثر الفتيان مالا ولكن كان أرحبهم ذراعا يعني أن الممدوح ليس أكثر الناس مالا ولكن أوسعهم باعا أي سخي. وقول أشجع:وليس بأوسعهم في الغنى ولكنّ معروفه أوسع فالبيتان متماثلان هكذا في المطوّل والمختصر.وأمّا غير الظاهر فمنه أن يتشابه المعنيان أي معنى البيت الأول والثاني كقول جرير:فلا يمنعك من إرب لحاهم سواء ذو العمامة والخمار أي لا يمنعك من الحاجة كون هؤلاء على صورة الرجال، لأنّ الرجال منهم والنساء في الضعف سواء. وقول أبي الطيب:ومن في كفه منهم قناة كمن في كفه منهم خضاب ويجوز في تشابه المعنيين أن يكون أحد البيتين نسيبا والآخر مديحا أو هجاء أو افتخارا أو غير ذلك، فإنّ الشاعر الحاذق إذا قصد إلى المعنى المختلس لينظمه احتال في إخفائه فيغير لفظه ويصرفه عن نوعه من النسيب أو المديح أو غير ذلك، وعن وزنه وعن قافيته كقول البحتري:سلبوا وأشرقت الدماء عليهم محمرّة فكأنّهم لم يسلبوا يعني أنّهم سلبوا عن ثيابهم ثم كانت الدماء المشرقة عليهم بمنزلة الثياب لهم، وقول أبي الطيب:يبس النجيع عليه وهو مجرّد عن غمده فكأنّما هو مغمد يعني أنّ السيف جرد عن غمده فكأنّ الدم اليابس عليه بمنزلة الغمد له. فنقل أبو الطيب المعنى من القتلى إلى السيف، كذا في المطول والمختصر. ومنه أن يكون معنى الثاني أشمل من معنى الأول كقول جرير:إذا غضبت عليك بنو تميم وجدت الناس كلهم غضابا وقول أبي نواس:ليس من الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد فالأول يختص ببعض العالم وهم الناس وهذا يشملهم وغيرهم لأنّ العالم ما سوى الله تعالى مشتقّ من العلم بمعنى العلامة لأنّ كل ما سواه دليل وعلامة على وجوده تعالى. ومنه القلب وهو أن يكون معنى الثاني نقيضا لمعنى الأول كقول أبي الشيص:أجد الملامة في هواك لذيذة حبّا لذكرك فليلمني اللّوّم وقول أبي الطيب:أأحبه وأحب فيه ملامة إنّ الملامة فيه من أعدائه الاستفهام للإنكار الراجع إلى القيد الذي هو الحال وهو قوله وأحب فيه ملامة، وما يكون من عدو الحبيب يكون ملعونا مبغوضا لا محبوبا، وهو المراد من قوله إنّ الملامة الخ، فهذا المعنى نقيض لمعنى بيت أبي الشيص، والأحسن في هذا النوع أنّ يبيّن السبب كما في هذين البيتين، إلّا أن يكون ظاهرا. ومنه أن يؤخذ بعض المعنى ويضاف إليه ما يحسنه كقول الأفوه:وترى الطير على آثارنا رأي عين ثقة أن تمار أي ترى أيها المخاطب الطيور تسير كائنة على آثارنا رؤية مشاهدة لا تخيّل لوثوقها على أن ستطعم من لحوم قتلانا. وقول أبي تمام:قد ظلّلت عقبان أعلامه ضحى بعقبان طير في الدماء نواهل أقامت مع الرايات حتى كأنّها من الجيش إلّا أنها لم تقاتل أي أنّ تماثيل الطيور المعمولة على رءوس الأعلام قد صارت مظللة وقت الضحى بالطيور العقبان الشوارب في دماء القتلى لأنّه إذا خرج للغزو وتساير العقبان فوق راياته رجاء أن تأكل لحوم القتلى وتشرب دماءهم، فتلقي ظلالها عليها، ثم إذا أقام أقامت الطيور مع راياته وثوقا بأنها تطعم وتشرب حتى يظن أنها من الجيوش، لكنها لم تقاتل. فأخذ أبو تمام بعض معنى قول الأفوه من المصراع الأول لكن زاد عليه زيادات محسّنة بقوله ظللت، وبقوله في الدماء نواهل، وبقوله أقامت مع الرايات إلى آخر البيت، وبإيراد التجنيس بقوله عقبان أعلامه وعقبان طير هكذا في المطول وحواشيه. وأكثر هذه الأنواع المذكورة لغير الظاهر ونحوها مقبولة بل منها ما يخرجه حسن التصرّف من قبيل الاتباع إلى حيز الإبداع. وكلما كان أشد خفاء بحيث لا يعرف أنّ الثاني مأخوذ من الأول إلّا بعد إعمال روية ومزيد تأمل كان أقرب إلى القبول. هذا الذي ذكر كله في الظاهر وغيره من ادعاء سبق أحدهما واتباع الثاني وكونه مقبولا أو مردودا، وتسمية كلّ بالأسامي المذكورة إنّما يكون إذا علم أنّ الثاني أخذ من الأول بأن يعلم أنه كان يحفظ قول الأول حين نظم أو بأن يخبر هو عن نفسه أنّه أخذه منه، وإلّا فلا يحكم بذلك لجواز أن يكون الاتفاق من توارد الخواطر، أي مجيئه على سبيل الاتفاق من غير قصد إلى الأخذ، فإذا لم يعلم الأخذ قيل: قال فلان كذا وقد سبقه إليه فلان بكذا، هذا كله خلاصة ما في المطول. أمّا هاهنا فمن الضّروري معرفة الفرق بين السّرقة وتوارد الخواطر كي لا يختلط أحدهما بالآخر. إذن، فليعلم بأنّ توارد الخواطر هو أن يرد في كلام أحد الشعراء مصراع من الشعر أو مضمون كلام شاعر ما في شعر أو كلام شاعر آخر دون أن يكون ذلك قد خطر على بال قائله بأنّه من كلام شاعر آخر، وذلك كما حصل للشاعر أمير خسرو الدّهلوي الذي توارد خاطره مع بيت للشاعر نظامي كنجوي حيث قال: ما ترجمته:يا من أنت موصوف بإكرام العبد فمنك الربوبيّة ومنّا العبوديّة بينما قال النظامي الكنجوي ما ترجمته:أمران أو عملان بالبهاء والبركة الربوبيّة منك ومنّا العبوديّة وكذلك وقع مثل هذا في ما نظمه الملّا عبد الرحمن الجامي في منظومته يوسف وزليخا، فقد اتفق له توارد الخاطر مع منظومة شيرين وخسرو لمولانا النظامي الگنجوي، كما في البيت التالي للملا الجامي وترجمته:ليت أمّي لم تلدني ولو أنّي حين ولدت لم يرضعني أحد وقال النظامي ما ترجمته:يا ليت أمي لم تلدني وليتها إذ ولدتني أطعمتني لكلب ومثال آخر من أقوال الملّا جامي وترجمته:لقد خلقت المرأة من الجانب الأيسر ولم ير أحد الصدق والاستقامة من اليسار بينما يقول النظامي ما ترجمته:يقولون إنّ المرأة من الجانب الأيسر برزت ولا يأتي أبدا من اليسار الاستقامة ومن هنا يزعم بعضهم أنّ مولانا الجامي وأمير خسرو الدهلوي قد أغارا على منزل النظامي الگنجوي ونهبوا ما فيه.والحق أنّه قلما توجد قصة في كتبهما أو بعض أبيات يمكن اعتبارها بشيء من التصحيف أو التغيير من كلام الخواجه نظامي الذي كانت آثاره نصب عين كلّ واحد منهما. فلا عجب إذن أن تتفاعل تلك الآثار في حافظة كلّ منهما. ثم عند ما يكتبون شيئا بدون تعمّد أو قصد تفيض من قرائحهما. وعليه فلا يكون مثل هذا التوارد مذموما.كما يمكن أيضا أن تكون ثمّة توأمة فكرية لدى هذين الأستاذين، أو ثمّة علاقة روحيّة بينهما. كما أنّه ليس عجيبا أن يكون هذان العلمان الكبيران سواء المتقدّم أو المتأخّر متصلين اتصالا قويّا بالله الذي يفيض عليهما من لدنه؛ فإذن العلوم القديمة سواء بمعانيهما ومضامينهما أو بألفاظهما على سبيل الإلهام وردت على قلوبهم، كما هو حال أكثر الأولياء في عالم الرؤيا، حيث يتلقّون شيئا واحدا ذا مضمون واحد. فلماذا إذن يكون التعجّب من حدوث ذلك في حال اليقظة. وبناء على هذا يكون من سوء الأدب نسبة هؤلاء الأكابر إلى السّرقة، وهو غلط محض، لأنّ السّرقة هي أن يورد الشاعر كلام غيره عن سابق علم وتصميم في ما ينظمه بزيادة أو نقصان أو تبديل في الوزن أو بتبديل بعض الألفاظ. هكذا في مخزن الفوائد.ومن هذا القبيل ما ورد أنّ بعض الصحابة خاصة سيدنا عمر رضي الله عنه أنّه كان قد قال عدة أمور فوافقه القرآن عليها. والسّبب في ذلك والله أعلم عائد لصفاء عقيدته وقداسة قلبه ونورانية روحه، ففاض عليه من حضرة علام الغيوب كلمات وافقت التنزيل الإلهي. ذلك أنّ القرآن الكريم نزل من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدنيا مرّة واحدة، ومن ثمّ نزل منجّما حسب النوازل والمصالح على رسول الله صلّى الله عليه وسلم، كما هو مدوّن في كتاب الإتقان في علوم القرآن للسيوطي.عن ابن عمر أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «إنّ الله جعل الحقّ على لسان عمر وقلبه». وعن أنس قال عمر: «وافقت ربي في ثلاث. قلت يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى؟» فنزلت وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى. وقلت يا رسول الله إنّ نساءك يدخل عليهن البرّ والفاجر. فلو أمرتهن أن يحتجبن فنزلت آية الحجاب. واجتمع على رسول الله صلّى الله عليه وسلم نساؤه في الغيرة فقلت لهن عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن فنزلت كذلك». وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن يهوديّا لقي عمر بن الخطاب فقال: «إنّ جبرئيل الذي يذكر صاحبكم عدو لنا فقال عمر: من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإنّ الله عدو للكافرين فنزلت كذلك».وعن سعيد بن جبير أن سعد بن معاذ لما سمع ما قيل في عائشة رضي الله عنها قال:سبحانك هذا بهتان عظيم، فنزلت كذلك انتهى من الاتقان. |
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
سَرَقَةُ:
بفتح أوّله وثانيه ثمّ قاف، والسّرق: شقق بيض من الحرير، الواحدة سرقة، قال أبو منصور: وأحسب الكلمة فارسيّة أصلها سره ثمّ عرّبت بزيادة القاف، كما قالوا للخروف برق وأصله بره، وسرقة: أقصى ماء لضبّة بالعالية. |
دستور العلماء للأحمد نكري
|
السّرقَة: بِفَتْح الْفَاء وَكسر الْعين من سرق يسرق من بَاب ضرب يضْرب وَهُوَ فِي اللُّغَة أَخذ الشَّيْء من الْغَيْر خُفْيَة بِغَيْر إِذْنه مَا لَا كَانَ أَو غَيره. وَفِي الشَّرْع أَخذ مُكَلّف خُفْيَة قدر عشرَة دِرْهَم مَضْرُوبَة محرزة بمَكَان أَو حَافظ بِلَا شُبْهَة حَتَّى إِذا كَانَ قيمَة الْمَسْرُوق أقل من عشرَة مَضْرُوبَة لَا يكون سَرقَة فِي حق الْقطع وَإِن كَانَ سَرقَة شرعا فِي الرَّد وَالضَّمان وَلَا بُد أَن يكون الْخفية والاستتار فِي الِابْتِدَاء والانتهاء إِذا كَانَت السّرقَة بِالنَّهَارِ وَإِن كَانَت بِاللَّيْلِ فَلَا بُد مِنْهَا فِي الِابْتِدَاء حَتَّى إِذا نقب الْجِدَار على الْخفية بِاللَّيْلِ ثمَّ أَخذ المَال من الْمَالِك مُكَابَرَة جَهرا يقطع أَيْضا.وَلَا بُد فِي الْقطع من إِقْرَار الْآخِذ بِالسَّرقَةِ أَو شَهَادَة رجلَيْنِ عَلَيْهَا وَلَا يعْتَبر فِيهَا شَهَادَة النِّسَاء لِأَن الْقطع حد فَلَا يقبل فِيهِ إِلَّا شَهَادَة الرِّجَال. وَيجب أَن يسألهم الإِمَام أَو القَاضِي عَن مَاهِيَّة السّرقَة وكيفيتها ومكانها وزمانها وَيسْأل الْمَسْرُوق مِنْهُ هَل هُوَ أَجْنَبِي أَو قريب من السَّارِق أَو بِزَوْج وَلَو كَانَ السراق جمَاعَة والآخذ بَعضهم قطعُوا إِن أصَاب لكل وَاحِد مِنْهُم عشرَة دَرَاهِم لِأَن الْمُعْتَاد بَينهم أَن يتَوَلَّى بَعضهم الْأَخْذ ويستعد الْبَاقُونَثمَّ السّرقَة نَوْعَانِ صغرى وكبرى (أما الصُّغْرَى) فَمَا ذكرنَا و (أما الْكُبْرَى) فَهُوَ قطع الطَّرِيق فَفِي الصُّغْرَى يسارق عين حافظه وَيطْلب غفلته. وَفِي الْكُبْرَى يسارق عين من الْتزم حفظ ذَلِك الْمَكَان وَيطْلب غفلته وَهُوَ السُّلْطَان. وَيقطع يَمِين السَّارِق والسارقة من الرسغ ويحسم. وَيقطع الرجل الْيُسْرَى من الكعب إِن عَاد إِلَى السّرقَة ثَانِيًا والحسم الكي لينقطع الدَّم وَفِي السِّرَاجِيَّة للْإِمَام أَن يقْتله سياسة انْتهى. وَعند الشَّافِعِي رَحمَه الله تقطع يَمِين السرق بِربع دِينَار.وَاعْلَم أَن فِي كتب الْفِقْه تَفْصِيلًا فِي الْمَسْرُوق وَفِيمَا يجب فِيهِ الْقطع وَمَا لَا يجب فإياك وَإِن تحكم بِالْقطعِ بمطالعة هَذَا الْقدر الْقَلِيل وَأَن تظن أَن مَا ذكرناك يَكْفِيك.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
السرقة: هي في اللغة أخذُ الشيء من الغير على وجه الخفية وفي الشريعة في حق القطع. أخذُ مكلفْ خفيةً بدار السلام قدرَ عَشَرَةِ دراهمَ مضروبةٍ محرزةٍ بمكان أو حافظ بلا شبهة، حتى إذا كانت قيمةُ المسروق أقلُّ من عشرة مضروبة لا يكون سرقةً في حق القطع، وجُعل سرقةً شرعاً باعتبار الحرمة.
|
معجم مقاليد العلوم للسيوطي
|
السَّرِقَةُ: أَخذ مَال الْغَيْر خُفْيَة.
|
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - فِي اللُّغَةِ: السَّرِقَةُ أَخْذُ الشَّيْءِ مِنَ الْغَيْرِ خُفْيَةً. يُقَال: سَرَقَ مِنْهُ مَالاً، وَسَرَقَهُ مَالاً يَسْرِقُهُ سَرَقًا وَسَرِقَةً: أَخَذَ مَالَهُ خُفْيَةً، فَهُوَ سَارِقٌ. وَيُقَال: سَرَقَ أَوِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ وَالنَّظَرَ: سَمِعَ أَوْ نَظَرَ مُسْتَخْفِيًا (1) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هِيَ أَخْذُ الْعَاقِل الْبَالِغِ نِصَابًا مُحْرَزًا، أَوْ مَا قِيمَتُهُ نِصَابٌ، مِلْكًا لِلْغَيْرِ، لاَ شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، عَلَى وَجْهِ الْخُفْيَةِ. وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ: أَخْذُ مُكَلَّفٍ طِفْلاً حُرًّا لاَ يَعْقِل لِصِغَرِهِ (2) . __________ (1) تهذيب الأسماء واللغات ولسان العرب ومختار الصحاح والمصباح المنير والمعجم الوسيط. (2) الاختيار لتعليل المختار 4 / 102، وفتح القدير 4 / 219، والفتاوى الهندية 2 / 170. وانظر لابن نجيم تعريفًا مفصلاً في البحر الرائق 5 / 55، وشرح الخرشي 8 / 91، وبداية المجتهد 2 / 372، والمهذب للشيرازي 2 / 277، وقريب منه: نهاية المحتاج 7 / 439، والقليوبي وعميرة 4 / 186، والإقناع 4 / 274، وكشاف القناع 6 / 129. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الاِخْتِلاَسُ: 2 - يُقَال خَلَسَ الشَّيْءَ أَوِ اخْتَلَسَهُ، أَيْ: اسْتَلَبَهُ فِي نُهْزَةٍ وَمُخَاتَلَةٍ (1) . وَالْمُخْتَلِسُ: هُوَ الَّذِي يَأْخُذُ الْمَال جَهْرَةً مُعْتَمِدًا عَلَى السُّرْعَةِ فِي الْهَرَبِ (2) . فَالْفَرْقُ بَيْنَ السَّرِقَةِ وَالاِخْتِلاَسِ: أَنَّ الأُْولَى عِمَادُهَا الْخُفْيَةُ، وَالاِخْتِلاَسُ يَعْتَمِدُ الْمُجَاهَرَةَ. وَلِذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلاَ مُنْتَهِبٍ وَلاَ مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ (3) . انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (اخْتِلاَسٍ) . ب - جَحْدُ الأَْمَانَةِ، أَوْ خِيَانَتُهَا: 3 - الْجَحْدُ أَوِ الْجُحُودُ: الإِْنْكَارُ، وَلاَ يَكُونُ إِلاَّ عَلَى عِلْمٍ مِنَ الْجَاحِدِ بِهِ (4) . وَالْجَاحِدُ أَوِ الْخَائِنُ: هُوَ الَّذِي يُؤْتَمَنُ عَلَى شَيْءٍ بِطَرِيقِ الْعَارِيَّةِ أَوِ الْوَدِيعَةِ فَيَأْخُذُهُ وَيَدَّعِي ضَيَاعَهُ، أَوْ يُنْكِرُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ أَوْ عَارِيَّةٌ. فَالْفَرْقُ بَيْنَ السَّرِقَةِ وَالْخِيَانَةِ يَرْجِعُ إِلَى قُصُورٍ __________ (1) لسان العرب والمصباح المنير والمعجم الوسيط. (2) المبسوط 9 / 160، وبداية المجتهد 2 / 436، ونهاية المحتاج 7 / 346، والمغني 10 / 239. (3) حديث: " ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع ". أخرجه أبو داود (4 / 552 - تحقيق عزت عبيد الدعاس) والترمذي (4 / 52 - ط الحلبي) من حديث جابر. وقال: حديث حسن صحيح. (4) لسان العرب (جحد) ، المصباح المنير. فِي الْحِرْزِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (1) . وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (إِنْكَارٍ) . ج - الْحِرَابَةُ: 4 - الْحِرَابَةُ: الْبُرُوزُ لأَِخْذِ مَالٍ أَوْ لِقَتْلٍ أَوْ لإِِرْعَابٍ عَلَى سَبِيل الْمُجَاهَرَةِ مُكَابَرَةً اعْتِمَادًا عَلَى الْقُوَّةِ مَعَ الْبُعْدِ عَنِ الْغَوْثِ، وَتُسَمَّى قَطْعَ الطَّرِيقِ، وَالسَّرِقَةَ الْكُبْرَى (2) . وَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّرِقَةِ بِأَنَّ الْحِرَابَةَ هِيَ الْبُرُوزُ لأَِخْذِ مَالٍ أَوْ لِقَتْلٍ أَوْ إِرْعَابٍ مُكَابَرَةً اعْتِمَادًا عَلَى الشَّوْكَةِ مَعَ الْبُعْدِ عَنِ الْغَوْثِ، أَمَّا السَّرِقَةُ فَهِيَ أَخْذُ الْمَال خُفْيَةً. فَالْحِرَابَةُ تَكْتَمِل بِالْخُرُوجِ عَلَى سَبِيل الْمُغَالَبَةِ وَإِنْ لَمْ يُؤْخَذْ مَالٌ، أَمَّا السَّرِقَةُ فَلاَ بُدَّ فِيهَا مِنْ أَخْذِ الْمَال عَلَى وَجْهِ الْخُفْيَةِ (3) . وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (حِرَابَةٍ) . د - الْغَصْبُ: 5 - الْغَصْبُ فِي اللُّغَةِ: أَخْذُ الشَّيْءِ ظُلْمًا مُجَاهَرَةً. __________ (1) فتح القدير 5 / 373، وبداية المجتهد 2 / 436، ونهاية المحتاج 7 / 436، وكشاف القناع 6 / 104، 105. (2) بدائع الصنائع 7 / 90، روض الطالب 4 / 154، الإقناع لحل ألفاظ أبي شجاع 2 / 238، والمغني 8 / 287. (3) نهاية المحتاج 8 / 2 وما بعدها، وشرح فتح القدير 4 / 268. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ الاِسْتِيلاَءُ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ عُدْوَانًا. فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ: أَنَّ الأَْوَّل يَتَحَقَّقُ بِالْمُجَاهَرَةِ، فِي حِينِ يُشْتَرَطُ فِي السَّرِقَةِ أَنْ يَكُونَ الأَْخْذُ سِرًّا مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ (1) . وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (غَصْبٍ) . هـ - النَّبْشُ: 6 - يُقَال: نَبَشْتُهُ نَبْشًا، أَيِ اسْتَخْرَجْتُهُ مِنَ الأَْرْضِ، وَنَبَشْتُ الأَْرْضَ: كَشَفْتُهَا. وَمِنْهُ: نَبَشَ الرَّجُل الْقَبْرَ (2) . وَالنَّبَّاشُ: هُوَ الَّذِي يَسْرِقُ أَكْفَانَ الْمَوْتَى بَعْدَ دَفْنِهِمْ فِي قُبُورِهِمْ (3) . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِ وَفِي اعْتِبَارِهِ سَارِقًا، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ) مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى اعْتِبَارِ النَّبَّاشِ سَارِقًا؛ لاِنْطِبَاقِ حَدِّ السَّرِقَةِ عَلَيْهِ، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ حَرَّقَ حَرَّقْنَاهُ، وَمَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ، وَمَنْ نَبَشَ قَطَّعْنَاهُ (4) . __________ (1) كفاية الأخيار 1 / 182، وحاشية الدسوقي 3 / 242. (2) المصباح المنير. (3) البحر الرائق 5 / 60. (4) حديث: " من حرق حرقناه، ومن غرق غرقناه، ومن نبش قطعناه ". أخرجه البيهقي (8 / 43 - ط دائرة المعارف العثمانية) عن البراء. وقال ابن حجر: " وفي الإسناد بعض من يجهل " كذا في التلخيص الحبير (4 / 19 - ط شركة الطباعة الفنية) . وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ النَّبَّاشِ سَارِقًا لأَِنَّهُ يَأْخُذُ مَا لاَ مَالِكَ لَهُ وَلَيْسَ مَرْغُوبًا فِيهِ، وَاشْتِرَاطُ الْخُفْيَةِ وَالْحِرْزِ لاَ يَجْعَل هَذَا النَّوْعَ مِنَ الأَْخْذِ سَرِقَةً (1) . وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (نَبْشٍ) . - وَالنَّشْل: 7 - نَشَل الشَّيْءَ نَشْلاً: أَسْرَعَ نَزْعَهُ. يُقَال: نَشَل اللَّحْمَ مِنَ الْقِدْرِ، وَنَشَل الْخَاتَمَ مِنَ الْيَدِ. وَالنَّشَّال: الْمُخْتَلِسُ الْخَفِيفُ الْيَدِ مِنَ اللُّصُوصِ، يَشُقُّ ثَوْبَ الرَّجُل وَيَسُل مَا فِيهِ عَلَى غَفْلَةٍ مِنْ صَاحِبِهِ. وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالطَّرَّارِ، مِنْ طَرَرْتُهُ طَرًّا: إِذَا شَقَقْتُهُ (2) . وَلاَ يَخْتَلِفُ اصْطِلاَحُ الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، فَالطَّرَّارُ أَوِ النَّشَّال هُوَ الَّذِي يَسْرِقُ النَّاسَ فِي يَقَظَتِهِمْ بِنَوْعٍ مِنَ الْمَهَارَةِ وَخِفَّةِ الْيَدِ (3) . فَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّشْل أَوِ الطَّرِّ بَيْنَ السَّرِقَةِ يَتَمَثَّل فِي تَمَامِ الْحِرْزِ. وَلِهَذَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَطْبِيقِ حَدِّ السَّرِقَةِ عَلَى النَّشَّال فَجُمْهُورُهُمْ يُسَوِّي بَيْنَ السَّارِقِ وَالطَّرَّارِ سَوَاءٌ شَقَّ الْكُمَّ أَوِ الْقَمِيصَ __________ (1) المبسوط 9 / 156 - 160، وفتح القدير 5 / 374 - 375، وحاشية الدسوقي 4 / 340، وتكملة المجموع 18 / 321، وكشاف القناع 6 / 138 - 139. (2) لسان العرب، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط. (3) طلبة الطلبة ص 78، وشرح فتح القدير 5 / 390. وَأَخَذَ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ النِّصَابَ، أَوْ أَدْخَل يَدَهُ فَأَخَذَ دُونَ شَقٍّ لأَِنَّ الإِْنْسَانَ يُعْتَبَرُ حِرْزًا لِكُل مَا يَلْبَسُهُ أَوْ يَحْمِلُهُ مِنْ نُقُودٍ وَغَيْرِهَا. وَبَعْضُهُمْ يَرَى أَنَّهُ إِذَا أَدْخَل يَدَهُ فِي الْكُمِّ أَوْ فِي الْجَيْبِ فَأَخَذَ مِنْ غَيْرِ شَقٍّ، أَوْ شَقَّ غَيْرَهُمَا مِثْل الصُّرَّةِ، فَلاَ يُطَبَّقُ عَلَيْهِ حَدُّ السَّرِقَةِ؛ لِعَدَمِ اكْتِمَال الأَْخْذِ مِنَ الْحِرْزِ (1) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (نَشْلٍ) . ز - النَّهْبُ: 8 - نَهَبَ الشَّيْءَ نَهْبًا: أَخَذَهُ قَهْرًا. وَالنَّهْبُ: الْغَارَةُ وَالْغَنِيمَةُ وَالشَّيْءُ الْمَنْهُوبُ وَهُوَ الْغَلَبَةُ عَلَى الْمَال وَالْقَهْرُ. قَال الأَْزْهَرِيُّ: وَالنَّهْبُ مَا انْتُهِبَ مِنَ الْمَال بِلاَ عِوَضٍ، يُقَال: أَنْهَبَ فُلاَنٌ مَالَهُ: إِذَا أَبَاحَهُ لِمَنْ أَخَذَهُ، وَلاَ يَكُونُ نَهْبًا حَتَّى تَنْتَهِبَهُ الْجَمَاعَةُ، فَيَأْخُذُ كُل وَاحِدٍ شَيْئًا، وَهِيَ النُّهْبَةُ (2) . وَمِنْ هَذَا يَظْهَرُ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ النَّهْبِ وَالسَّرِقَةِ يَعُودُ إِلَى شِبْهِ الْخُفْيَةِ، وَهُوَ لاَ يَتَوَافَرُ فِي النَّهْبِ وَلِهَذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلاَ مُنْتَهِبٍ وَلاَ مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ (3) . __________ (1) رحمة الأمة في اختلاف الأئمة ص 182، أحكام القرآن للقرطبي 6 / 170، المغني 8 / 256، والمبسوط 9 / 161، فتح القدير 5 / 391، بدائع الصنائع 7 / 76. (2) لسان العرب، المصباح المنير، المعجم الوسيط، والزاهر ص 431. (3) حديث: " ليس على خائن ولا منتهب ولا. . . ". تقدم تخريجه ف / 2. وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (نَهْبٍ) . أَرْكَانُ السَّرِقَةِ: 9 - لِلسَّرِقَةِ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ: السَّارِقُ، وَالْمَسْرُوقُ مِنْهُ، وَالْمَال الْمَسْرُوقُ، وَالأَْخْذُ خُفْيَةً. الرُّكْنُ الأَْوَّل: السَّارِقُ: 10 - يَجِبُ - لإِِقَامَةِ حَدِّ السَّرِقَةِ - أَنْ تَتَوَافَرَ فِي السَّارِقِ خَمْسَةُ شُرُوطٍ: أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا، وَأَنْ يَقْصِدَ فِعْل السَّرِقَةِ، وَأَلاَّ يَكُونَ مُضْطَرًّا إِلَى الأَْخْذِ، وَأَنْ تَنْتَفِيَ الْجُزْئِيَّةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، وَأَلاَّ تَكُونَ عِنْدَهُ شُبْهَةٌ فِي اسْتِحْقَاقِهِ مَا أَخَذَ. الشَّرْطُ الأَْوَّل: التَّكْلِيفُ: 11 - لاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى السَّارِقِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى إِلاَّ إِذَا كَانَ مُكَلَّفًا، أَوْ بَالِغًا عَاقِلاً (1) . وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (تَكْلِيفٍ) . أ - وَيُعْتَبَرُ الشَّخْصُ بَالِغًا إِذَا تَوَافَرَتْ فِيهِ إِحْدَى عَلاَمَاتِ الْبُلُوغِ. يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (بُلُوغٍ) . أَمَّا مَنْ كَانَ دُونَ الْبُلُوغِ فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ لِقَوْل __________ (1) ابن عابدين 3 / 265، وبداية المجتهد 2 / 437، الأحكام السلطانية للماوردي ص 228، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 268. النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الْمُبْتَلَى حَتَّى يَبْرَأَ وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَكْبُرَ (1) . وَلِذَا قَال ابْنُ حَجَرٍ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الاِحْتِلاَمَ فِي الرِّجَال وَالنِّسَاءِ يَلْزَمُ بِهِ الْعِبَادَاتُ وَالْحُدُودُ وَسَائِرُ الأَْحْكَامِ (2) . ب - وَاتَّفَقُوا كَذَلِكَ عَلَى اشْتِرَاطِ الْعَقْل لإِِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى السَّارِقِ، إِذْ أَنَّهُ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ (3) ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِل. هَذَا إِنْ كَانَ الْمَجْنُونُ مُطْبَقًا، فَأَمَّا إِنْ كَانَ غَيْرَ مُطْبَقٍ وَجَبَ الْحَدُّ إِنْ سَرَقَ فِي حَال الإِْفَاقَةِ، وَلاَ يَجِبُ إِنْ سَرَقَ فِي حَال الْجُنُونِ. انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (جُنُونٍ) . ج - وَقَدْ أَلْحَقَ الْفُقَهَاءُ الْمَعْتُوهَ بِالْمَجْنُونِ؛ لأَِنَّ الْعَتَهَ نَوْعُ جُنُونٍ فَيَمْنَعُ أَدَاءَ الْحُقُوقِ (4) . انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (عَتَهٍ) . __________ (1) حديث: " رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يكبر ". أخرجه أبو داود (4 / 558 - تحقيق عزت عبيد الدعاس) والحاكم (2 / 59 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عائشة - رضي الله عنها -. وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. (2) فتح الباري 5 / 277. وانظر: بدائع الصنائع 7 / 67، والدسوقي على الشرح الكبير 4 / 332، 344، ونهاية المحتاج 7 / 421، وكشاف القناع 6 / 129. (3) نفس المراجع السابقة. (4) ابن عابدين 2 / 426 - 427، والموسوعة الفقهية 16 / 99 ف 3. د - وَلاَ يَجِبُ إِقَامَةُ الْحَدِّ إِذَا صَدَرَتِ السَّرِقَةُ مِنَ النَّائِمِ (1) ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ: وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ. انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (نَوْمٍ) . هـ - كَذَلِكَ لاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ إِذَا سَرَقَ حَال إِغْمَائِهِ (2) . انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (إِغْمَاءٍ) . و أَمَّا مَنْ يَسْرِقُ وَهُوَ سَكْرَانُ (3) ، فَقَدِ اخْتَلَفَتْ فِي حُكْمِهِ أَقْوَال الْفُقَهَاءِ: فَبَعْضُهُمْ يَرَى أَنَّ عَقْلَهُ غَيْرُ حَاضِرٍ، فَلاَ يُؤَاخَذُ بِشَيْءٍ مُطْلَقًا إِلاَّ حَدَّ السُّكْرِ. سَوَاءٌ أَكَانَ مُتَعَدِّيًا بِسُكْرِهِ أَمْ كَانَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ بِهِ (4) . غَيْرَ أَنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ يُفَرِّقُ بَيْنَ حَالَتَيْنِ: إِذَا كَانَ السَّكْرَانُ قَدْ تَعَدَّى بِسُكْرِهِ، فَإِنَّ حَدَّ السَّرِقَةِ يُقَامُ عَلَيْهِ، سَدًّا لِلذَّرَائِعِ، حَتَّى لاَ يَقْصِدَ مَنْ يُرِيدُ ارْتِكَابَ جَرِيمَةٍ إِلَى الشُّرْبِ دَرْءًا لإِِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا بِالسُّكْرِ فَيَدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ؛ لِقِيَامِ عُذْرِهِ وَانْتِفَاءِ قَصْدِهِ (5) . انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (سُكْرٍ) . __________ (1) بدائع الصنائع 7 / 67، وشرح منتهى الإرادات 3 / 336. (2) الأحكام السلطانية للماوردي ص 228، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 260. (3) انظر في تعريف السكر: الموسوعة الفقهية 16 / 100 ف 5. (4) المهذب 2 / 277، والمغني 8 / 195. (5) حاشية ابن عابدين 3 / 192، والخرشي 8 / 101، والمهذب 2 / 78 و278، والمغني 8 / 195. ز - وَمِمَّا يَلْتَحِقُ بِمَسْأَلَةِ التَّكْلِيفِ: اشْتِرَاطُ كَوْنِ السَّارِقِ مُلْتَزِمًا أَحْكَامَ الإِْسْلاَمِ حَتَّى تَثْبُتَ وِلاَيَةُ الإِْمَامِ عَلَيْهِ. وَلِذَا لاَ يُقَامُ حَدُّ السَّرِقَةِ عَلَى الْحَرْبِيِّ غَيْرِ الْمُسْتَأْمَنِ لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ أَحْكَامَ الإِْسْلاَمِ، وَيُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الذِّمِّيِّ لأَِنَّهُ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ يَلْتَزِمُ بِأَحْكَامِ الإِْسْلاَمِ وَتَثْبُتُ وِلاَيَةُ الإِْمَامِ عَلَيْهِ (1) . انْظُرْ مُصْطَلَحَيْ: (أَهْل الْحَرْبِ، وَأَهْل الذِّمَّةِ) . 12 - أَمَّا الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ: فَإِنْ سَرَقَ مِنْ مُسْتَأْمَنٍ آخَرَ لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِعَدَمِ الْتِزَامِ أَيٍّ مِنْهُمَا أَحْكَامَ الإِْسْلاَمِ. وَإِنْ سَرَقَ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَفِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ أَقْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ) إِلَى وُجُوبِ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ لأَِنَّ دُخُولَهُ فِي الأَْمَانِ يَجْعَلُهُ مُلْتَزِمًا الأَْحْكَامَ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى عَدَمِ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُلْتَزِمٍ بِأَحْكَامِ الإِْسْلاَمِ، قَال تَعَالَى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْلَمُونَ} (2) . __________ (1) بدائع الصنائع 7 / 67، والمدونة 16 / 270، ونهاية المحتاج 7 / 440، وكشاف القناع 3 / 116، وأحكام أهل الذمة لابن القيم 2 / 475. (2) سورة التوبة / 6. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ: أَظْهَرُهَا: أَنَّهُ لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ كَالْحَرْبِيِّ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ السَّرِقَةِ كَالذِّمِّيِّ. وَالثَّالِثُ: يُفَصَّل بِالنَّظَرِ إِلَى عَقْدِ الأَْمَانِ: فَإِنْ شَرَطَ فِيهِ إِقَامَةَ الْحُدُودِ عَلَيْهِ وَجَبَ الْقَطْعُ، وَإِلاَّ فَلاَ حَدَّ وَلاَ قَطْعَ (1) . الشَّرْطُ الثَّانِي: الْقَصْدُ: 13 - لاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى السَّارِقِ إِلاَّ إِذَا كَانَ يَعْلَمُ بِتَحْرِيمِ السَّرِقَةِ، وَأَنَّهُ يَأْخُذُ مَالاً مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ دُونَ عِلْمِ مَالِكِهِ وَإِرَادَتِهِ، وَأَنْ تَنْصَرِفَ نِيَّتُهُ إِلَى تَمَلُّكِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا فِيمَا فَعَل، وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيل ذَلِكَ. أ - أَنْ يَعْلَمَ السَّارِقُ بِتَحْرِيمِ الْفِعْل الَّذِي اقْتَرَفَهُ، فَالْجَهَالَةُ بِالتَّحْرِيمِ مِمَّنْ يُعْذَرُ بِالْجَهْل شُبْهَةٌ تَدْرَأُ الْحَدَّ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لاَ حَدَّ إِلاَّ عَلَى مَنْ عَلِمَهُ. أَمَّا عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْعُقُوبَةِ فَلاَ يُعَدُّ مِنَ الشُّبُهَاتِ الَّتِي تَدْرَأُ الْحَدَّ (2) . ب - أَنْ يَعْلَمَ السَّارِقُ أَنَّ مَا يَأْخُذُهُ مَمْلُوكٌ __________ (1) ابن عابدين 3 / 266، وفتح القدير 4 / 104، والمدونة 6 / 291، والمغني 10 / 276، ومغني المحتاج 4 / 175، والقليوبي وعميرة 4 / 196. (2) بدائع الصنائع 7 / 80، والجامع لأحكام القرآن 6 / 399، والقليوبي وعميرة 4 / 196، وكشاف القناع 6 / 135، وحاشية البجيرمي على شرح المنهج 4 / 234. لِغَيْرِهِ، وَأَنَّهُ قَدْ أَخَذَهُ دُونَ عِلْمِ مَالِكِهِ وَدُونَ رِضَاهُ. وَعَلَى ذَلِكَ لاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ أَخَذَ مَالاً وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مَالٌ مُبَاحٌ أَوْ مَتْرُوكٌ. وَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الْمُؤَجِّرِ الَّذِي يَأْخُذُ الْعَيْنَ الَّتِي آجَرَهَا، وَلاَ عَلَى الْمُودِعِ الَّذِي يَأْخُذُ الْوَدِيعَةَ دُونَ رِضَا الْوَدِيعِ (1) . ج - أَنْ تَنْصَرِفَ نِيَّةُ الآْخِذِ إِلَى تَمَلُّكِ مَا أَخَذَهُ، وَلِهَذَا لاَ يُقَامُ حَدُّ السَّرِقَةِ عَلَى مَنْ أَخَذَ مَالاً مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ دُونَ أَنْ يَقْصِدَ تَمَلُّكَهُ، كَأَنْ أَخَذَهُ لِيَسْتَعْمِلَهُ ثُمَّ يَرُدَّهُ، أَوْ أَخَذَهُ عَلَى سَبِيل الدُّعَابَةِ، أَوْ أَخَذَهُ لِمُجَرَّدِ الاِطِّلاَعِ عَلَيْهِ، أَوْ أَخَذَهُ مُعْتَقِدًا أَنَّ مَالِكَهُ يَرْضَى بِأَخْذِهِ، مَا دَامَتِ الْقَرَائِنُ تَدُل عَلَى ذَلِكَ، وَمِنَ الْقَرَائِنِ الَّتِي تَدُل عَلَى نِيَّةِ التَّمَلُّكِ، إِخْرَاجُ الْمَال مِنَ الْحِرْزِ لِغَيْرِ مَا سَبَقَ، بِحَيْثُ يُعْتَبَرُ سَارِقًا لِتَوَافُرِ قَصْدِ التَّمَلُّكِ حِينَئِذٍ وَلَوْ أَتْلَفَهُ بِمُجَرَّدِ إِخْرَاجِهِ - أَمَّا لَوْ أُتْلِفَ دَاخِل الْحِرْزِ فَلاَ تَظْهَرُ نِيَّةُ التَّمَلُّكِ، وَلِهَذَا لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ (2) . د - لاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى السَّارِقِ إِلاَّ إِذَا كَانَ مُخْتَارًا فِيمَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا انْعَدَمَ الْقَصْدُ وَسَقَطَ الْحَدُّ عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّ السَّرِقَةَ تُبَاحُ بِالإِْكْرَاهِ؛ لأَِنَّ الإِْكْرَاهَ شُبْهَةٌ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ __________ (1) فتح القدير 4 / 231، والقوانين الفقهية ص 360، والمهذب 2 / 277، والمغني 9 / 83. (2) فتح القدير 4 / 230 وما بعدها، وتبصرة الحكام 2 / 353، المهذب 2 / 277، ومنتهى الإرادات 2 / 480. بِالشُّبُهَاتِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (1) . وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الإِْكْرَاهَ الَّذِي يَرْفَعُ الإِْثْمَ وَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرٌ هُوَ مَا يَكُونُ فِي جَانِبِ الأَْقْوَال (2) ، وَأَمَّا الإِْكْرَاهُ عَلَى الأَْفْعَال فَفِي حُكْمِهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (إِكْرَاهٍ) مِنَ الْمَوْسُوعَةِ 6 98 - 112 الشَّرْطُ الثَّالِثُ: عَدَمُ الاِضْطِرَارِ أَوِ الْحَاجَةِ: 14 - أ - الاِضْطِرَارُ شُبْهَةٌ تَدْرَأُ الْحَدَّ، وَالضَّرُورَةُ تُبِيحُ لِلآْدَمِيِّ أَنْ يَتَنَاوَل مِنْ مَال الْغَيْرِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ لِيَدْفَعَ الْهَلاَكَ عَنْ نَفْسِهِ (3) ، فَمَنْ سَرَقَ لِيَرُدَّ جُوعًا أَوْ عَطَشًا مُهْلِكًا فَلاَ عِقَابَ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} (4) ، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ قَطْعَ فِي زَمَنِ الْمَجَاعِ (5) . __________ (1) حديث: " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما. . . ". أخرجه ابن ماجه (1 / 659 - ط الحلبي) والحاكم (2 / 198 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث ابن عباس واللفظ لابن ماجه. وصحح الحاكم إسناده ووافقه الذهبي. (2) بدائع الصنائع 7 / 179، وحاشية الدسوقي 4 / 344، ونهاية المحتاج 7 / 440، والمغني 8 / 217، وأحكام القرآن لابن العربي 3 / 117، والمهذب 2 / 177، وزاد المعاد 4 / 38. (3) المبسوط 9 / 140، والمهذب 2 / 282. (4) سورة البقرة / 173. (5)) المبسوط 9 / 140. وحديث: " لا قطع في زمن المجاع " أخرجه الخطيب في تاريخه (6 / 261 ط السعادة بمصر) من حديث أبي أمامة، وضعفه السيوطي في الجامع الصغير (فيض القدير. ط التجارية الكبرى) . ب - وَالْحَاجَةُ أَقَل مِنَ الضَّرُورَةِ، فَهِيَ كُل حَالَةٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا حَرَجٌ شَدِيدٌ وَضِيقٌ بَيِّنٌ، وَلِذَا فَإِنَّهَا تَصْلُحُ شُبْهَةً لِدَرْءِ الْحَدِّ، وَلَكِنَّهَا لاَ تَمْنَعُ الضَّمَانَ وَالتَّعْزِيرَ. مِنْ أَجْل ذَلِكَ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ قَطْعَ بِالسَّرِقَةِ عَامَ الْمَجَاعَةِ (1) ، وَفِي ذَلِكَ يَقُول ابْنُ الْقَيِّمِ: " وَهَذِهِ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ تَدْرَأُ الْحَدَّ عَنِ الْمُحْتَاجِ، وَهِيَ أَقْوَى مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الشُّبَهِ الَّتِي يَذْكُرُهَا كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ، لاَ سِيَّمَا وَهُوَ مَأْذُونٌ لَهُ فِي مُغَالَبَةِ صَاحِبِ الْمَال عَلَى أَخْذِ مَا يَسُدُّ بِهِ رَمَقَهُ. وَعَامُ الْمَجَاعَةِ يَكْثُرُ فِيهِ الْمَحَاوِيجُ وَالْمُضْطَرُّونَ، وَلاَ يَتَمَيَّزُ الْمُسْتَغْنِي مِنْهُمْ وَالسَّارِقُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ مِنْ غَيْرِهِ، فَاشْتَبَهَ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِمَنْ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ فَدُرِئَ " (2) . وَقَدْ حَدَّدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِقْدَارَ الَّذِي يَكْفِي حَاجَةَ الْمُضْطَرِّ بِقَوْلِهِ: كُل وَلاَ تَحْمِل، وَاشْرَبْ وَلاَ تَحْمِل (3) ، وَذَلِكَ فِي مَعْرِضِ الرَّدِّ عَلَى مَنْ __________ (1) الفتاوى الهندية 2 / 176، والقليوبي وعميرة 4 / 162، والمغني 9 / 4. (2) إعلام الموقعين 3 / 23. (3) حديث: " كل ولا تحمل، واشرب ولا تحمل ". أخرجه ابن ماجه (2 / 773 ط الحلبي) من حديث أبي هريرة، وضعفه البوصيري في الزوائد 3 / 39 ط دار العربية. سَأَل أَرَأَيْتَ إِنِ احْتَجَّنَا إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ؟ الشَّرْطُ الرَّابِعُ: انْتِفَاءُ الْقَرَابَةِ بَيْنَ السَّارِقِ وَالْمَسْرُوقِ مِنْهُ: 15 - قَدْ يَكُونُ السَّارِقُ أَصْلاً لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ، كَمَا قَدْ يَكُونُ فَرْعًا لَهُ، وَقَدْ تَقُومُ بَيْنَهُمَا صِلَةُ قَرَابَةٍ أُخْرَى، وَقَدْ تَرْبِطُ بَيْنَهُمَا رَابِطَةُ الزَّوْجِيَّةِ، وَحُكْمُ إِقَامَةِ الْحَدِّ يَخْتَلِفُ فِي كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْحَالاَتِ: أ - سَرِقَةُ الأَْصْل مِنَ الْفَرْعِ: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ قَطْعَ فِي سَرِقَةِ الْوَالِدِ مِنْ مَال وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَل؛ لأَِنَّ لِلسَّارِقِ شُبْهَةَ حَقٍّ فِي مَال الْمَسْرُوقِ مِنْهُ فَدُرِئَ الْحَدُّ. وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ جَاءَ يَشْتَكِي أَبَاهُ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَجْتَاحَ مَالَهُ: أَنْتَ وَمَالُكَ لأَِبِيكَ (1) ، وَاللاَّمُ هُنَا لِلإِْبَاحَةِ لاَ لِلتَّمْلِيكِ. فَإِنَّ مَال الْوَلَدِ لَهُ، وَزَكَاتَهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَوْرُوثٌ عَنْهُ (2) . ب - سَرِقَةُ الْفَرْعِ مِنَ الأَْصْل: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّهُ لاَ قَطْعَ فِي سَرِقَةِ الْوَلَدِ مِنْ مَال أَبِيهِ وَإِنْ عَلاَ، __________ (1) حديث: " أنت ومالك لأبيك ". أخرجه ابن ماجه (2 / 769 - ط الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله. وقال البوصيري في " الزوائد ": إسناده صحيح، ورجاله ثقات على شرط البخاري. (2) بدائع الصنائع 7 / 70، وبداية المجتهد 2 / 490، والقليوبي وعميرة 4 / 188، وكشاف القناع 6 / 114، ونيل الأوطار 6 / 14 - 15. لِوُجُوبِ نَفَقَةِ الْوَلَدِ فِي مَال وَالِدِهِ؛ وَلأَِنَّهُ يَرِثُ مَالَهُ، وَلَهُ حَقُّ دُخُول بَيْتِهِ، وَهَذِهِ كُلُّهَا شُبُهَاتٌ تَدْرَأُ عَنْهُ الْحَدَّ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَإِنَّهُمْ لاَ يَرَوْنَ فِي عَلاَقَةِ الاِبْنِ بِأَبِيهِ شُبْهَةً تَدْرَأُ عَنْهُ حَدَّ السَّرِقَةِ، وَلِذَلِكَ يُوجِبُونَ إِقَامَةَ الْحَدِّ فِي سَرِقَةِ الْفُرُوعِ مِنَ الأُْصُول (1) . ج - سَرِقَةُ الأَْقَارِبِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ سَرِقَةَ الأَْقَارِبِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ لَيْسَتْ شُبْهَةً تَدْرَأُ الْحَدَّ عَنِ السَّارِقِ، وَلِهَذَا أَوْجَبُوا الْقَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ مَال أَخِيهِ أَوْ أُخْتِهِ أَوْ عَمِّهِ أَوْ عَمَّتِهِ أَوْ خَالِهِ أَوْ خَالَتِهِ، أَوِ ابْنِ أَوْ بِنْتِ أَحَدِهِمْ، أَوْ أُمِّهِ أَوْ أُخْتِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَوِ امْرَأَةِ أَبِيهِ أَوْ زَوْجِ أُمِّهِ، أَوِ ابْنِ امْرَأَتِهِ أَوْ بِنْتِهَا أَوْ أُمِّهَا، حَيْثُ لاَ يُبَاحُ الاِطِّلاَعُ عَلَى الْحِرْزِ، وَلاَ تُرَدُّ شَهَادَةُ بَعْضِ هَؤُلاَءِ لِلْبَعْضِ الآْخَرِ. وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لاَ قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ، كَالأَْخِ وَالأُْخْتِ وَالْعَمِّ وَالْعَمَّةِ وَالْخَال وَالْخَالَةِ؛ لأَِنَّ دُخُول بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ دُونَ إِذْنٍ عَادَةً يُعْتَبَرُ شُبْهَةً تُسْقِطُ الْحَدَّ؛ وَلأَِنَّ __________ (1) فتح القدير 4 / 238، والفتاوى الهندية 2 / 181، والخرشي على خليل 8 / 96، والدسوقي 4 / 337، وشرح الزرقاني 8 / 98، والمدونة 6 / 276، ومغني المحتاج 4 / 162، والمهذب 2 / 166، ونهاية المحتاج 7 / 23، وشرح منتهى الإرادات 3 / 371، وكشاف القناع 6 / 114، والمغني 10 / 286. قَطْعَ أَحَدِهِمْ بِسَبَبِ سَرِقَتِهِ مِنَ الآْخَرِ يُفْضِي إِلَى قَطْعِ الرَّحِمِ وَهُوَ حَرَامٌ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ: مَا أَفْضَى إِلَى الْحَرَامِ فَهُوَ حَرَامٌ. أَمَّا مَنْ سَرَقَ مِنْ ذِي رَحِمٍ غَيْرِ مَحْرَمٍ كَابْنِ الْعَمِّ أَوْ بِنْتِ الْعَمِّ، وَابْنِ الْعَمَّةِ أَوْ بِنْتِ الْعَمَّةِ، وَابْنِ الْخَال أَوْ بِنْتِ الْخَال، وَابْنِ الْخَالَةِ أَوْ بِنْتِ الْخَالَةِ، فَيُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ السَّرِقَةِ لأَِنَّهُمْ لاَ يَدْخُل بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ عَادَةً، فَالْحِرْزُ كَامِلٌ فِي حَقِّهِمْ. وَاخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي سَرِقَةِ الْمَحَارِمِ غَيْرِ ذَوِي الرَّحِمِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ كَالأُْمِّ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَالأُْخْتِ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى السَّارِقِ، أَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَلاَ يَرَى أَنْ يُقَامَ الْحَدُّ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ مَال أُمِّهِ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ؛ لأَِنَّهُ يَدْخُل بَيْتَهَا دُونَ إِذْنٍ عَادَةً، فَلَمْ يَكْتَمِل الْحِرْزُ (1) . د - السَّرِقَةُ بَيْنَ الأَْزْوَاجِ: اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى عَدَمِ إِقَامَةِ الْحَدِّ إِذَا سَرَقَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مِنْ مَال الآْخَرِ وَكَانَتِ السَّرِقَةُ مِنْ حِرْزٍ قَدِ اشْتَرَكَا فِي سُكْنَاهُ، لاِخْتِلاَل شَرْطِ الْحِرْزِ، وَلِلاِنْبِسَاطِ بَيْنَهُمَا فِي الأَْمْوَال عَادَةً؛ وَلأَِنَّ بَيْنَهُمَا سَبَبًا يُوجِبُ التَّوَارُثَ بِغَيْرِ حَجْبٍ (2) . __________ (1) بدائع الصنائع 7 / 75، والفتاوى الهندية 2 / 181، وفتح القدير 4 / 239. (2) بدائع الصنائع 5 / 75، والشرح الكبير للدردير 4 / 340، والزرقاني 8 / 98، والقليوبي وعميرة 4 / 188، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 268، وكشاف القناع 6 / 114، ورحمة الأمة ص 144. 16 - أَمَّا إِذَا كَانَتِ السَّرِقَةُ مِنْ حِرْزٍ لَمْ يَشْتَرِكَا فِي سُكْنَاهُ، أَوِ اشْتَرَكَا فِي سُكْنَاهُ وَلَكِنَّ أَحَدَهُمَا مَنَعَ مِنَ الآْخَرِ مَالاً أَوْ حَجَبَهُ عَنْهُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ السَّرِقَةِ مِنْهُ: فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالرِّوَايَةُ الرَّاجِحَةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ لاَ قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِمَا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الاِنْبِسَاطِ فِي الأَْمْوَال عَادَةً وَدَلاَلَةً، وَقِيَاسًا عَلَى الأُْصُول وَالْفُرُوعِ لأَِنَّ بَيْنَهُمَا سَبَبًا يُوجِبُ التَّوَارُثَ مِنْ غَيْرِ حَجْبٍ (1) . أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فَإِنَّهُمْ يُوجِبُونَ الْحَدَّ عَلَى السَّارِقِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، لِعُمُومِ آيَةِ السَّرِقَةِ؛ لأَِنَّ الْحِرْزَ هُنَا تَامٌّ، وَرُبَّمَا لاَ يَبْسُطُ أَحَدُهُمَا لِلآْخَرِ فِي مَالِهِ، فَأَشْبَهَ سَرِقَةَ الأَْجْنَبِيِّ. وَهُنَاكَ قَوْلٌ ثَالِثٌ لِلشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ: وُجُوبُ قَطْعِ الزَّوْجِ إِذَا سَرَقَ مِنْ مَال زَوْجَتِهِ مَا هُوَ مُحْرَزٌ عَنْهُ وَلاَ تُقْطَعُ الزَّوْجَةُ إِذَا سَرَقَتْ مِنْ مَال زَوْجِهَا وَلَوْ كَانَ مُحْرَزًا عَنْهَا، لأَِنَّ الزَّوْجَةَ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ عَلَى زَوْجِهَا، فَصَارَ لَهَا شُبْهَةٌ تَدْرَأُ عَنْهَا الْحَدَّ، بِخِلاَفِ __________ (1) بدائع الصنائع 7 / 75، وفتح القدير 4 / 239 - 240، والفتاوى الهندية 2 / 181، والمدونة الكبرى 16 / 76 - 77، وشرح الزرقاني 8 / 100، وبداية المجتهد 2 / 377، والقليوبي وعميرة 4 / 188، ومغني المحتاج 4 / 162، ونهاية المحتاج 7 / 424، ومختصر المزني بهامش الأم 5 / 172، والمهذب 2 / 281، وشرح منتهى الإرادات 3 / 371، والمغني 10 / 287. الزَّوْجِ فَلاَ تَقُومُ بِهِ شُبْهَةٌ تَدْرَأُ عَنْهُ الْحَدَّ إِذَا سَرَقَ مِنْ مَالِهَا الْمُحْرَزِ عَنْهُ. 17 - هَذَا هُوَ حُكْمُ السَّرِقَةِ بَيْنَ الأَْزْوَاجِ مَا دَامَتِ الزَّوْجِيَّةُ قَائِمَةً. فَلَوْ وَقَعَ الطَّلاَقُ وَانْقَضَتِ الْعِدَّةُ صَارَا أَجْنَبِيَّيْنِ وَوَجَبَ قَطْعُ السَّارِقِ. أَمَّا السَّرِقَةُ أَثْنَاءَ الْعِدَّةِ مِنَ الطَّلاَقِ الرَّجْعِيِّ فَتَأْخُذُ حُكْمَ السَّرِقَةِ بَيْنَ الأَْزْوَاجِ؛ لِبَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ إِلَى أَنْ تَنْتَهِيَ الْعِدَّةُ. فَإِنْ وَقَعَتِ السَّرِقَةُ أَثْنَاءَ الْعِدَّةِ مِنَ الطَّلاَقِ الْبَائِنِ أُقِيمَ الْحَدُّ، عَلَى رَأْيِ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ؛ لاِنْتِهَاءِ الزَّوْجِيَّةِ. وَلَكِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَذْهَبُ إِلَى عَدَمِ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى أَيٍّ مِنْهُمَا بِسَرِقَةِ مَال الآْخَرِ؛ لِبَقَاءِ الْحَبْسِ فِي الْعِدَّةِ وَوُجُوبِ السُّكْنَى، فَبَقِيَ أَثَرُ النِّكَاحِ، فَأَوْرَثَ شُبْهَةً تَدْرَأُ الْحَدَّ. وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ قِيَامَ الزَّوْجِيَّةِ بَعْدَ السَّرِقَةِ لاَ أَثَرَ لَهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَدِّ؛ لأَِنَّ السَّرِقَةَ تَمَّتْ بَيْنَ أَجْنَبِيَّيْنِ. وَلاَ يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ إِلاَّ الْحَنَفِيَّةُ، فَعِنْدَهُمْ: لَوْ سَرَقَ مِنْ أَجْنَبِيَّةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْل أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِالْقَطْعِ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لأَِنَّ الزَّوَاجَ مَانِعٌ طَرَأَ عَلَى الْحَدِّ، وَالْمَانِعُ الطَّارِئُ لَهُ حُكْمُ الْمَانِعِ الْمُقَارِنِ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِذَا سَرَقَ مِنْ مَالِهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ الْقَضَاءِ بِالْحَدِّ وَقَبْل تَنْفِيذِهِ؛ لأَِنَّ الإِْمْضَاءَ فِي الْحُدُودِ مِنْ تَمَامِ الْقَضَاءِ، فَكَانَتِ الشُّبْهَةُ مَانِعَةً مِنَ الإِْمْضَاءِ (1) . __________ (1) بدائع الصنائع 7 / 76، فتح القدير 4 / 240، والفتاوى الهندية 2 / 182. الشَّرْطُ الْخَامِسُ: انْتِفَاءُ شُبْهَةِ اسْتِحْقَاقِهِ الْمَال: 18 - إِذَا كَانَ لِلسَّارِقِ شُبْهَةُ مِلْكٍ أَوِ اسْتِحْقَاقٍ فِي الْمَال الْمَسْرُوقِ، فَلاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، كَمَا لَوْ كَانَ شَرِيكًا فِي الْمَال الْمَسْرُوقِ، أَوْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَال، أَوْ مِنْ مَالٍ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ، أَوْ سَرَقَ مِنْ مَال مَدِينِهِ، أَوْ مَا شَابَهَ ذَلِكَ. 19 - أ - سَرِقَةُ الشَّرِيكِ مِنْ مَال الشَّرِكَةِ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ سَرِقَةِ الشَّرِيكِ مِنَ الْمَال الْمُشْتَرَكِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ إِقَامَةِ الْحَدِّ؛ لأَِنَّ لِلسَّارِقِ حَقًّا فِي هَذَا الْمَال، فَكَانَ هَذَا الْحَقُّ شُبْهَةً تَدْرَأُ عَنْهُ الْحَدَّ (1) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى إِيجَابِ الْقَطْعِ إِنْ تَحَقَّقَ شَرْطَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمَال فِي غَيْرِ الْحِرْزِ الْمُشْتَرَكِ، كَأَنْ يَكُونَ الشَّرِيكَانِ قَدْ أَوْدَعَاهُ عِنْدَ غَيْرِهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَال مَحْجُوبًا عَنْهُمَا وَسَرَقَ أَحَدُهُمَا مِنْهُ فَلاَ يَجُوزُ الْقَطْعُ. وَالشَّرْطُ الآْخَرُ: أَنْ يَكُونَ فِيمَا سَرَقَ مِنْ حِصَّةِ صَاحِبِهِ فَضْلٌ عَنْ جَمِيعِ حِصَّتِهِ رُبُعُ دِينَارٍ فَصَاعِدًا. وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي سَرِقَةِ الشَّرِيكِ مِنْ مَال الشَّرِكَةِ __________ (1) بدائع الصنائع 7 / 76، وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق 3 / 18. قَوْلاَنِ: الرَّاجِحُ مِنْهُمَا أَنْ لاَ قَطْعَ، وَالْقَوْل الآْخَرُ إِيجَابُ الْقَطْعِ؛ لأَِنَّهُ لاَ حَقَّ لِلشَّرِيكِ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ، فَإِذَا سَرَقَ نِصْفَ دِينَارٍ مِنَ الْمَال الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ كَانَ سَارِقًا لِنِصَابٍ مِنْ مَال شَرِيكِهِ فَيُقْطَعُ بِهِ (1) . 20 - ب - السَّرِقَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَال: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَال، إِذَا كَانَ السَّارِقُ مُسْلِمًا، غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا؛ لأَِنَّ لِكُل مُسْلِمٍ حَقًّا فِي بَيْتِ الْمَال، فَيَكُونُ هَذَا الْحَقُّ شُبْهَةً تَدْرَأُ الْحَدَّ عَنْهُ، كَمَا لَوْ سَرَقَ مِنْ مَالٍ لَهُ فِيهِ شَرِكَةٌ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَسْأَلُهُ عَمَّنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَال، فَقَال: أَرْسِلْهُ، فَمَا مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَلَهُ فِي هَذَا الْمَال حَقٌّ. وَيُوجِبُ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الرَّأْيُ الْمَرْجُوحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى السَّارِقِ مِنْ بَيْتِ الْمَال، لِعُمُومِ نَصِّ الآْيَةِ، وَضَعْفِ الشُّبْهَةِ، لأَِنَّهُ سَرَقَ مَالاً مِنْ حِرْزٍ لاَ شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ فِي عَيْنِهِ، وَلاَ حَقَّ لَهُ فِيهِ قَبْل حَاجَتِهِ إِلَيْهِ. وَفَرَّقَ الشَّافِعِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ لِلسَّرِقَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَال بَيْنَ أَنْوَاعٍ ثَلاَثَةٍ (2) : __________ (1)) المدونة 4 / 418، والقليوبي وعميرة 4 / 188، وكشاف القناع 6 / 142، وشرح منتهى الإرادات 2 / 286. (2) ابن عابدين 3 / 208، والمبسوط 9 / 188، وفتح القدير 5 / 376، وبداية المجتهد 2 / 413، وحاشية الدسوقي 4 / 337، وشرح الخرشي 8 / 96، والمدونة 6 / 295، والقليوبي وعميرة 4 / 188، ومغني المحتاج 4 / 163، والمهذب 2 / 281. 1 - إِنْ كَانَ الْمَال مُحْرَزًا لِطَائِفَةٍ هُوَ مِنْهَا أَوْ أَحَدُ أُصُولِهِ أَوْ فُرُوعِهِ مِنْهَا، فَلاَ قَطْعَ لِوُجُودِ الشُّبْهَةِ، حَتَّى وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَهْمٌ مُقَدَّرٌ. 2 - وَإِنْ كَانَ الْمَال مُحْرَزًا لِطَائِفَةٍ لَيْسَ هُوَ وَلاَ أَحَدُ أُصُولِهِ أَوْ فُرُوعِهِ مِنْهَا، وَجَبَ قَطْعُهُ لِعَدَمِ الشُّبْهَةِ الدَّارِئَةِ لِلْحَدِّ. 3 - وَإِنْ كَانَ الْمَال غَيْرَ مُحْرَزٍ لِطَائِفَةٍ بِعَيْنِهَا، فَالأَْصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ فِي الْمَسْرُوقِ، كَمَال الْمُصَالِحِ وَمَال الصَّدَقَةِ وَهُوَ فَقِيرٌ أَوْ فِي حُكْمِهِ كَالْغَارِمِ وَالْغَازِي وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، فَلاَ قَطْعَ لِلشُّبْهَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ حَقٌّ قُطِعَ؛ لاِنْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ (1) . 21 - ج - السَّرِقَةُ مِنَ الْمَال الْمَوْقُوفِ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ سَرِقَةِ الْمَال الْمَوْقُوفِ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنَ الْمَال الْمَوْقُوفِ؛ لأَِنَّهُ إِنْ كَانَ وَقْفًا عَامًّا فَإِنَّهُ يَأْخُذُ حُكْمَ بَيْتِ الْمَال، وَإِنْ كَانَ وَقْفًا خَاصًّا عَلَى قَوْمٍ مَحْصُورِينَ فَلِعَدَمِ الْمَالِكِ حَقِيقَةً، سَوَاءٌ كَانَ السَّارِقُ مِنْهُمْ أَوْ لاَ. وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ السَّارِقَ إِذَا لَمْ يَكُنْ دَاخِلاً فِيمَنْ وُقِفَ الْمَال __________ (1) كشاف القناع 6 / 142، وشرح منتهى الإرادات 3 / 371، والقواعد الكبرى لابن رجب ص 312، والمغني والشرح الكبير 10 / 287. عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ بِطَلَبِ مُتَوَلِّي الْوَقْفِ، وَوَجْهُهُ: أَنَّ الْوَقْفَ يَبْقَى عِنْدَهُمْ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ حَقِيقَةً. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنَ الْمَال الْمَوْقُوفِ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَقْفُ عَامًّا أَوْ خَاصًّا، سَوَاءٌ أَكَانَ السَّارِقُ مِمَّنْ وُقِفَ الْمَال عَلَيْهِمْ أَمْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمْ؛ لأَِنَّ تَحْرِيمَ بَيْعِ مَال الْوَقْفِ يُقَوِّي جَانِبَ الْمِلْكِ فِيهِ. أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْوَقْفِ الْعَامِّ فَلاَ يُقْطَعُ سَارِقُهُ، وَبَيْنَ الْوَقْفِ الْخَاصِّ، فَلاَ يُقْطَعُ سَارِقُهُ إِنْ كَانَ وَاحِدًا مِنْ أَهْلِهِ. وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ فَعِنْدَهُمْ آرَاءٌ ثَلاَثَةٌ (1) : 1 - ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُقْطَعُ؛ لأَِنَّ تَحْرِيمَ بَيْعِهِ يُقَوِّي جَانِبَ الْمِلْكِ فِيهِ. 2 - لاَ يُقْطَعُ السَّارِقُ مِنْ هَذَا الْمَال؛ لأَِنَّهُ لاَ مَالِكَ لَهُ. 3 - إِنْ قِيل: إِنَّ الْمَوْقُوفَ مَمْلُوكُ الرَّقَبَةِ، قُطِعَ سَارِقُهُ. وَإِنْ قِيل: إِنَّهَا لاَ تُمْلَكُ، فَلاَ قَطْعَ؛ لأَِنَّ مَا لاَ يُمْلَكُ فِي حُكْمِ الْمُبَاحِ وَإِنْ لَمْ يُسْتَبَحْ. وَيَذْهَبُ الْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ مِنَ الْوَقْفِ الْعَامِّ، أَوْ مَنْ يَسْرِقُ مِنَ الْوَقْفِ الْخَاصِّ إِذَا كَانَ وَاحِدًا مِنْ أَهْلِهِ، لِوُجُودِ __________ (1) ابن عابدين 3 / 206، والمنتقى بشرح الموطأ 7 / 163، ومغني المحتاج 4 / 163، 164، ونهاية المحتاج 7 / 447. شُبْهَةٍ تَدْرَأُ الْحَدَّ عَنْهُ. أَمَّا مَنْ يَسْرِقُ مِنْ مَال الْوَقْفِ الْخَاصِّ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ، فَفِي حُكْمِهِ رِوَايَتَانِ: أَشْهَرُهُمَا: إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِ لِبَقَاءِ الْوَقْفِ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ. وَالأُْخْرَى: لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لأَِنَّ الْوَقْفَ عَلَى قَوْمٍ مَحْصُورِينَ لَيْسَ لَهُ مَالِكٌ حَقِيقَةً (1) . 22 - د - السَّرِقَةُ مِنْ مَال الْمَدِينِ: إِذَا سَرَقَ الدَّائِنُ مِنْ مَال مَدِينِهِ فَفِي وُجُوبِ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. يُفَرِّقُ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ حَالَتَيْنِ: أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ. 1 - فَإِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ، فَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى السَّارِقِ؛ لأَِنَّ لِلدَّائِنِ أَنْ يَأْخُذَ جِنْسَ دَيْنِهِ مِنْ مَال الْمَدِينِ، سَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَمْ مُؤَجَّلاً، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَدِينُ مُقِرًّا بِالدَّيْنِ بَاذِلاً لَهُ، أَمْ كَانَ جَاحِدًا لَهُ مُمَاطِلاً فِيهِ. وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، إِذْ أَطْلَقَ الْقَطْعَ بِسَرِقَةِ مَال الْغَرِيمِ؛ لأَِنَّ السَّارِقَ يَأْخُذُ مَالاً لاَ يَمْلِكُهُ، وَالْغَرِيمُ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. 2 - وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسْرُوقُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ، بِأَنْ كَانَ الدَّيْنُ دَنَانِيرَ فَسَرَقَ عُرُوضًا، وَجَبَ إِقَامَةُ __________ (1) الروض المربع 3 / 328، والمغني والشرح الكبير 10 / 288. الْحَدِّ؛ لِضَرُورَةِ التَّرَاضِي فِي الْمُعَاوَضَاتِ؛ وَلاِخْتِلاَفِ الْقِيَمِ بِاخْتِلاَفِ الأَْغْرَاضِ. إِلاَّ إِذَا ادَّعَى السَّارِقُ أَنَّهُ أَخَذَهُ رَهْنًا بِحَقِّهِ، فَلاَ يُقْطَعُ، لِوُجُودِ شُبْهَةٍ تَدْرَأُ عَنْهُ الْحَدَّ، حَيْثُ إِنَّهُ اعْتَبَرَ الْمَعْنَى - وَهِيَ الْمَالِيَّةُ لاَ الصُّورَةُ - وَالأَْمْوَال كُلُّهَا فِي مَعْنَى الْمَالِيَّةِ مُتَجَانِسَةً، فَكَانَ أَخْذًا عَنْ تَأْوِيلٍ فَلاَ يُقْطَعُ. وَيُفَرِّقُ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ حَالَتَيْنِ: 1 - أَنْ يَكُونَ الْمَدِينُ مُقِرًّا بِالدَّيْنِ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ عَنْ أَدَائِهِ مَتَى حَل أَجَلُهُ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الدَّائِنِ إِذَا سَرَقَ مِقْدَارَ دَيْنِهِ أَوْ أَكْثَرَ لِعَدَمِ وُجُودِ شُبْهَةٍ، إِذْ إِنَّهُ يَسْتَطِيعُ الْحُصُول عَلَى حَقِّهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْرِقَ. 2 - أَنْ يَكُونَ الْمَدِينُ جَاحِدًا لِلدَّيْنِ أَوْ مُمَاطِلاً فِيهِ: فَلاَ قَطْعَ عَلَى الدَّائِنِ إِنْ سَرَقَ قَدْرَ دَيْنِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ جِنْسِهِ أَمْ لاَ. فَإِنْ أَخَذَ أَكْثَرَ مِنْ دَيْنِهِ بِمَا يَبْلُغُ نِصَابًا، قُطِعَ (1) لِتَعَدِّيهِ بِأَخْذِ مَا لَيْسَ مِنْ حَقِّهِ. وَيَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ حَالَتَيْنِ: 1 - إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى السَّارِقِ إِذَا كَانَ الْمَدِينُ مَلِيئًا غَيْرَ جَاحِدٍ لِلدَّيْنِ، أَوْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلاً وَلَمْ يَحِل أَجَلُهُ، إِذْ لاَ شُبْهَةَ لَهُ حِينَئِذٍ. 2 - عَدَمُ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الدَّائِنِ إِذَا كَانَ الْمَدِينُ __________ (1) بدائع الصنائع 7 / 72، وفتح القدير 5 / 377، وابن عابدين 4 / 94، 95، وحاشية الدسوقي 4 / 337، والزرقاني 2 / 98، ومنح الجليل 4 / 526. جَاحِدًا أَوْ مُمَاطِلاً وَالدَّيْنُ حَالٌّ، سَوَاءٌ أَخَذَ الدَّائِنُ مِقْدَارَ دَيْنِهِ أَوْ أَكْثَرَ؛ لأَِنَّهُ إِنْ أَخَذَ مِقْدَارَ دَيْنِهِ فَهُوَ مَأْذُونٌ فِي اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ، وَإِنْ أَخَذَ أَكْثَرَ لاَ يَقْطَعُ؛ لأَِنَّ الْمَال لَمْ يَبْقَ مُحْرَزًا عَنْهُ مَا دَامَ قَدْ أُبِيحَ لَهُ الدُّخُول لاِسْتِيفَاءِ حَقِّهِ. وَيُفَرِّقُ الْحَنَابِلَةُ بَيْنَ ثَلاَثِ حَالاَتٍ: 1 - إِنْ كَانَ الْمَدِينُ بَاذِلاً غَيْرَ مُمْتَنِعٍ عَنْ أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ، ثُمَّ تَرَكَ الدَّائِنُ مُطَالَبَتَهُ، وَعَمَدَ إِلَى سَرِقَةِ حَقِّهِ، وَجَبَ قَطْعُهُ إِنْ بَلَغَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ نِصَابًا، إِذْ لاَ شُبْهَةَ لَهُ فِي الأَْخْذِ مَا دَامَ الْوُصُول إِلَى حَقِّهِ مَيْسُورًا. 2 - وَإِنْ عَجَزَ الدَّائِنُ عَنِ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ فَسَرَقَ قَدْرَ دَيْنِهِ فَلاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ لأَِنَّ اخْتِلاَفَ الْفُقَهَاءِ فِي إِبَاحَةِ أَخْذِهِ حَقَّهُ يُورِثُ شُبْهَةً تَدْرَأُ عَنْهُ الْحَدَّ، كَالْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِي صِحَّتِهِ. 3 - وَإِنْ عَجَزَ رَبُّ الدَّيْنِ عَنِ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ فَأَخَذَ مِنْ مَال مَدِينِهِ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ، وَبَلَغَتِ الزِّيَادَةُ نِصَابًا: فَإِنْ أَخَذَ الزَّائِدَ مِنْ نَفْسِ الْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ مَالُهُ، فَلاَ قَطْعَ؛ لأَِنَّ هَتْكَ الْحِرْزِ لأَِخْذِ مَالِهِ جَعَل الْمَكَانَ غَيْرَ مُحْرَزٍ بِالنِّسْبَةِ لِكُل مَا فِيهِ. وَإِنْ أَخَذَ الزَّائِدَ مِنْ غَيْرِ الْحِرْزِ الَّذِي فِيهِ مَالُهُ وَجَبَ الْقَطْعُ؛ لِعَدَمِ الشُّبْهَةِ (1) . __________ (1) مغني المحتاج 4 / 162، والمهذب 2 / 282، وشرح منتهى الإرادات 3 / 371، وكشاف القناع 6 / 143. الرُّكْنُ الثَّانِي: الْمَسْرُوقُ مِنْهُ: 23 - الرُّكْنُ الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ السَّرِقَةِ وُجُودُ مَسْرُوقٍ مِنْهُ؛ لأَِنَّ الْمَسْرُوقَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا، بِأَنْ كَانَ مُبَاحًا أَوْ مَتْرُوكًا، فَلاَ يُعَاقَبُ مَنْ يَأْخُذُهُ. وَلَكِنَّ الْفُقَهَاءَ يَشْتَرِطُونَ فِي الْمَسْرُوقِ مِنْهُ لِكَيْ تَكْتَمِل السَّرِقَةُ: أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، وَأَنْ تَكُونَ يَدُهُ صَحِيحَةً عَلَى الْمَال الْمَسْرُوقِ، وَأَنْ يَكُونَ مَعْصُومَ الْمَال، وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ هَذِهِ الشُّرُوطِ: الشَّرْطُ الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ مَعْلُومًا: 23 م - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) (1) إِلَى دَرْءِ الْحَدِّ عَنِ السَّارِقِ إِذَا كَانَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ مَجْهُولاً، بِأَنْ ثَبَتَتِ السَّرِقَةُ وَلَمْ يُعْرَفْ مَنْ هُوَ صَاحِبُ الْمَال الْمَسْرُوقِ؛ لأَِنَّ إِقَامَةَ الْحَدِّ تَتَوَقَّفُ عَلَى دَعْوَى الْمَالِكِ أَوْ مَنْ فِي حُكْمِهِ، وَلاَ تَتَحَقَّقُ الدَّعْوَى مَعَ الْجَهَالَةِ. غَيْرَ أَنَّ هَذَا لاَ يَمْنَعُ مِنْ حَبْسِ السَّارِقِ حَتَّى يَحْضُرَ مَنْ لَهُ حَقُّ الْخُصُومَةِ وَيَدَّعِيَ مِلْكِيَّةَ الْمَال. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى السَّارِقِ مَتَى ثَبَتَتِ السَّرِقَةُ، دُونَ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولاً؛ لأَِنَّ إِقَامَةَ الْحَدِّ __________ (1) البحر الرائق 5 / 68، وبدائع الصنائع 7 / 81، والأم 6 / 141، وحاشية البجيرمي على شرح المنهج 4 / 236، وشرح منتهى الإرادات 3 / 372، وكشاف القناع 6 / 118. عِنْدَهُمْ لاَ تَتَوَقَّفُ عَلَى خُصُومَةِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ (1) . الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ يَدٌ صَحِيحَةٌ عَلَى الْمَسْرُوقِ: 24 - بِأَنْ يَكُونَ مَالِكًا لَهُ أَوْ وَكِيل الْمَالِكِ أَوْ مُضَارِبًا أَوْ مُودِعًا أَوْ مُسْتَعِيرًا أَوْ دَائِنًا مُرْتَهِنًا أَوْ مُسْتَأْجِرًا أَوْ عَامِل قِرَاضٍ أَوْ قَابِضًا عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ، لأَِنَّ هَؤُلاَءِ يَنُوبُونَ مَنَابَ الْمَالِكِ فِي حِفْظِ الْمَال وَإِحْرَازِهِ، وَأَيْدِيهِمْ كَيَدِهِ. فَأَمَّا إِنْ كَانَتْ يَدُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ غَيْرَ صَحِيحَةٍ عَلَى الْمَال الْمَسْرُوقِ، كَمَا لَوْ سَرَقَ مِنْ غَاصِبٍ أَوْ سَارِقٍ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ السَّارِقِ مِنَ الْغَاصِبِ وَالسَّارِقِ مِنَ السَّارِقِ. فَقَالُوا بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى السَّارِقِ مِنَ الْغَاصِبِ؛ لأَِنَّ يَدَهُ يَدُ ضَمَانٍ، فَهِيَ يَدٌ صَحِيحَةٌ، وَعَدَمُ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى السَّارِقِ مِنَ السَّارِقِ لأَِنَّ يَدَهُ لَيْسَتْ يَدَ مِلْكٍ وَلاَ يَدَ أَمَانَةٍ وَلاَ يَدَ ضَمَانٍ، فَلاَ تَكُونُ يَدًا صَحِيحَةً. وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ رَأْيٌ مَرْجُوحٌ لِلشَّافِعِيَّةِ - إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى السَّارِقِ مِنَ الْغَاصِبِ أَوِ السَّارِقِ __________ (1) الأم 6 / 141، وبدائع الصنائع 7 / 81، والزيلعي 3 / 267، والمدونة الكبرى 16 / 68، وشرح الزرقاني 8 / 106. مِنَ السَّارِقِ؛ لأَِنَّهُ سَرَقَ مَالاً مُحْرَزًا لاَ شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، ذَلِكَ أَنَّ يَدَ الْمَالِكِ لِهَذَا الْمَال لاَ تَزَال بَاقِيَةً عَلَيْهِ رَغْمَ سَرِقَتِهِ أَوْ غَصْبِهِ، أَمَّا يَدُ السَّارِقِ الأَْوَّل وَيَدُ الْغَاصِبِ فَلَيْسَ لَهُمَا أَيُّ أَثَرٍ (1) . أَمَّا الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَقَدْ ذَهَبُوا إِلَى عَدَمِ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى السَّارِقِ مِنَ الْغَاصِبِ، وَلاَ عَلَى السَّارِقِ مِنَ السَّارِقِ؛ لأَِنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ لِتَمَامِ السَّرِقَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَال الْمَسْرُوقُ بِيَدِ الْمَالِكِ أَوْ نَائِبِهِ، وَمَنْ يَأْخُذُ مِنْ يَدٍ أُخْرَى فَكَأَنَّهُ وَجَدَ مَالاً ضَائِعًا فَأَخَذَهُ (2) . الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ مَعْصُومَ الْمَال: 25 - بِأَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا، فَأَمَّا إِذَا كَانَ مُسْتَأْمَنًا أَوْ حَرْبِيًّا فَلاَ يُقْطَعُ سَارِقُهُ (3) ، وَذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيل الآْتِي: 1 - سَرِقَةُ مَال الْمُسْلِمِ: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَال الْمُسْلِمِ مَعْصُومٌ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ يَحِل لاِمْرِئٍ مِنْ مَال أَخِيهِ شَيْءٌ إِلاَّ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ __________ (1) بدائع الصنائع 7 / 71، وفتح القدير 4 / 242، وبداية المجتهد 2 / 415، وشرح الزرقاني 8 / 96، والمدونة 6 / 19، والمهذب 2 / 299، وأسنى المطالب 4 / 138، والمغني 9 / 188. (2) كشاف القناع 6 / 140، والمغني 10 / 257. (3) بدائع الصنائع 7 / 69، والمبسوط 6 / 181، والمدونة 6 / 270، والمهذب 2 / 256، والمغني والشرح الكبير 10 / 76. مِنْهُ (1) . وَلِهَذَا وَجَبَ إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى سَارِقِ مَال الْمُسْلِمِ سَوَاءٌ أَكَانَ السَّارِقُ مُسْلِمًا أَمْ ذِمِّيًّا. وَأَمَّا إِذَا كَانَ السَّارِقُ مُسْتَأْمَنًا فَفِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ آرَاءٌ سَبَقَ عَرْضُهَا (2) . 2 - سَرِقَةُ مَال الذِّمِّيِّ: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الذِّمِّيِّ الَّذِي يَسْرِقُ مَال ذِمِّيٍّ آخَرَ؛ لأَِنَّ مَالَهُ مَعْصُومٌ إِزَاءَهُ. وَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِقَامَةَ الْحَدِّ كَذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِ إِذَا سَرَقَ مِنْ مَال الذِّمِّيِّ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَهُمْ مَا لَنَا وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْنَا (3) أَمَّا إِذَا كَانَ السَّارِقُ مُسْتَأْمَنًا فَفِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ آرَاءٌ سَبَقَ عَرْضُهَا (4) . 3 - سَرِقَةُ مَال الْمُسْتَأْمَنِ: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - عَدَا زُفَرَ - وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى عَدَمِ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْمُسْلِمِ إِذَا __________ (1) حديث: " لا يحل لامرئ من مال أخيه شيء، إلا بطيب نفس منه ". أخرجه أحمد (3 / 423 ط الميمنية) والدارقطني (3 / 25 - 26 ط دار المحاسن) من حديث عمرو بن يثربي، وقال الهيثمي (مجمع الزوائد 4 / 171 نشر دار الكتاب العربي) : رواه أحمد وابنه من زياداته أيضًا، والطبراني في الكبير والأوسط، ورجال أحمد ثقات. (2) انظر فيما سبق ف / 12. (3) حديث: " لهم ما لنا وعليهم ما علينا ". أخرجه أبو عبيد (الأموال ص 31 ط دار الفكر) وابن زنجويه في كتاب الأموال (1288 ط مركز الملك فيصل للبحوث) مرسلاً عن عروة بن الزبير. (4) انظر فيما سبق ف / 12. سَرَقَ مِنْ مَال الْمُسْتَأْمَنِ؛ لأَِنَّ فِي مَالِهِ شُبْهَةَ الإِْبَاحَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَتِ الْعِصْمَةُ بِعَارِضِ أَمَانٍ عَلَى شَرَفِ الزَّوَال، أَيْ مُشْرِفٍ عَلَى الزَّوَال بِانْتِهَاءِ الأَْمَانِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: إِلَى أَنَّ مَال الْمُسْتَأْمَنِ مَعْصُومٌ، فَإِذَا سَرَقَ مِنْهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ. 4 - سَرِقَةُ مَال الْحَرْبِيِّ: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَال الْحَرْبِيِّ هَدَرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ، وَلِهَذَا لاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى أَيٍّ مِنْهُمَا إِذَا سَرَقَ مِنْ هَذَا الْمَال. الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْمَال الْمَسْرُوقُ: 26 - لاَ يُقَامُ حَدُّ السَّرِقَةِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْمَال الْمَسْرُوقُ مُتَقَوِّمًا، وَأَنْ يَبْلُغَ نِصَابًا، وَأَنْ يَكُونَ مُحْرَزًا. 1 - أَنْ يَكُونَ مَالاً مُتَقَوِّمًا: 27 - لِلْفُقَهَاءِ فِي تَحْدِيدِ مَالِيَّةِ الشَّيْءِ الْمَسْرُوقِ آرَاءٌ تَتَّضِحُ فِيمَا يَأْتِي: أ - الْحَنَفِيَّةُ: 28 - يَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ، لإِِقَامَةِ حَدِّ السَّرِقَةِ، أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالاً، مُتَقَوِّمًا، مُتَمَوِّلاً، غَيْرَ مُبَاحِ الأَْصْل. 1 - أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالاً: فَلَوْ سَرَقَ مَا لَيْسَ بِمَالٍ، كَالإِْنْسَانِ الْحُرِّ، فَلاَ يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ السَّرِقَةِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَسْرُوقُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، حَتَّى لَوْ كَانَ يَرْتَدِي ثِيَابًا غَالِيَةَ الثَّمَنِ أَوْ يَحْمِل حِلْيَةً تُسَاوِي نِصَابًا؛ لأَِنَّ ذَلِكَ تَابِعٌ لِلصَّبِيِّ وَلاَ يَنْفَرِدُ بِحُكْمٍ خَاصٍّ. وَخَالَفَ فِي هَذَا الْحُكْمِ أَبُو يُوسُفَ: فَإِنَّهُ يَرَى إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى سَارِقِ الصَّبِيِّ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ حُلِيٌّ أَوْ ثِيَابٌ تَبْلُغُ نِصَابًا؛ لأَِنَّهُ يَقْطَعُ بِسَرِقَةِ النِّصَابِ مُنْفَرِدًا، فَكَذَا إِذَا كَانَ مَعَ غَيْرِهِ. 2 - أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مُتَقَوِّمًا، أَيْ لَهُ قِيمَةٌ يَضْمَنُهَا مَنْ يُتْلِفُهُ: فَلَوْ سَرَقَ مَا لاَ قِيمَةَ لَهُ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ، كَالْخِنْزِيرِ وَالْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَآلاَتِ اللَّهْوِ وَالْكُتُبِ الْمُحَرَّمَةِ وَالصَّلِيبِ وَالصَّنَمِ، فَلاَ قَطْعَ عَلَيْهِ. وَخَالَفَ فِي بَعْضِ ذَلِكَ أَبُو يُوسُفَ فَإِنَّهُ يَرَى إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى مَنْ سَرَقَ صَلِيبًا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ نِصَابًا إِذَا كَانَ فِي حِرْزِهِ كَمَا يَرَى إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى مَنْ سَرَقَ آنِيَةً فِيهَا خَمْرٌ، إِذَا بَلَغَتْ قِيمَةُ الإِْنَاءِ وَحْدَهُ نِصَابًا. 3 - أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مُتَمَوَّلاً، بِأَنْ يَكُونَ غَيْرَ تَافِهٍ وَيُمْكِنُ ادِّخَارُهُ: فَأَمَّا إِنْ كَانَ تَافِهًا لاَ يَتَمَوَّلُهُ النَّاسُ لِعَدَمِ عِزَّتِهِ وَقِلَّةِ خَطَرِهِ، كَالتُّرَابِ وَالطِّينِ وَالتِّبْنِ وَالْقَصَبِ وَالْحَطَبِ وَنَحْوِهَا، فَلاَ قَطْعَ فِيهِ لأَِنَّ النَّاسَ لاَ يَضَنُّونَ بِهِ عَادَةً، إِلاَّ إِذَا أَخْرَجَتْهُ الصِّنَاعَةُ عَنْ تَفَاهَتِهِ، كَالْقَصَبِ يُصْنَعُ مِنْهُ النُّشَّابُ، فَفِي سَرِقَتِهِ الْقَطْعُ (1) . __________ (1) بدائع الصنائع 7 / 67 - 69، البحر الرائق 5 / 58، 59، فتح القدير 4 / 230 - 232، والفتاوى الهندية 2 / 177، 178. وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو يُوسُفَ، فَإِنَّهُ يَرَى إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى مَنْ سَرَقَ مَالاً مُحْرَزًا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ نِصَابًا، سَوَاءٌ أَكَانَ تَافِهًا أَمْ عَزِيزًا، إِلاَّ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ وَالطِّينَ وَالْجِصَّ وَالْمَعَازِفَ؛ لأَِنَّ كُل مَا جَازَ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ وَوَجَبَ ضَمَانُ غَصْبِهِ يُقْطَعُ سَارِقُهُ (1) . وَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ كَذَلِكَ إِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ مِمَّا لاَ يُمْكِنُ ادِّخَارُهُ، بِأَنْ كَانَ مِمَّا يَتَسَارَعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ. وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو يُوسُفَ فَأَوْجَبَ إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، قِيَاسًا لِمَا يَتَسَارَعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ عَلَى مَا لاَ يَتَسَارَعُ إِلَيْهِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُتَمَوَّل عَادَةً وَيُرْغَبُ فِيهِ. وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لاَ حَدَّ فِي سَرِقَةِ الثِّمَارِ الْمُعَلَّقَةِ فِي أَشْجَارِهَا، وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الأَْشْجَارُ مُحَاطَةً بِمَا يَحْفَظُهَا مِنْ أَيْدِي الْغَيْرِ؛ لأَِنَّ الثَّمَرَ مَا دَامَ فِي شَجَرِهِ يَتَسَارَعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ. أَمَّا إِذَا قُطِعَ الثَّمَرُ وَوُضِعَ فِي جَرِينٍ، ثُمَّ سُرِقَ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ قَدِ اسْتَحْكَمَ جَفَافُهُ فَفِيهِ الْقَطْعُ؛ لأَِنَّهُ صَارَ مُدَّخَرًا وَلاَ يَتَسَارَعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدِ اسْتَحْكَمَ جَفَافُهُ فَلاَ حَدَّ عَلَى مَنْ سَرَقَهُ، لأَِنَّهُ لاَ يَقْبَل الاِدِّخَارَ حَيْثُ يَتَسَارَعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ (2) . __________ (1) فتح القدير 4 / 227. (2) بدائع الصنائع 7 / 69، الفتاوى الهندية 2 / 175، 176، حاشية ابن عابدين 3 / 273، المبسوط 9 / 152، 153، وفتح القدير 4 / 227 - 228. وَلاَ يَجِبُ إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ الْمُصْحَفَ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ حِلْيَةٌ تَبْلُغُ النِّصَابَ، وَلاَ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ كُتُبَ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ؛ لأَِنَّ آخِذَهَا يَتَأَوَّل فِي أَخْذِهِ الْقِرَاءَةَ وَالتَّعَلُّمَ. وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى قَطْعِ سَارِقِ الْمُصْحَفِ أَوْ أَيِّ كِتَابٍ نَافِعٍ، إِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا؛ لأَِنَّ النَّاسَ يَعُدُّونَهُ مِنْ نَفَائِسِ الأَْمْوَال (1) . 4 - أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ غَيْرَ مُبَاحِ الأَْصْل بِأَلاَّ يَكُونَ جِنْسُهُ مُبَاحًا: فَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى سَارِقِ الْمَاءِ أَوِ الْكَلأَِ أَوِ النَّارِ أَوِ الصَّيْدِ، بَرِّيًّا كَانَ أَوْ بَحْرِيًّا، وَلَوْ دَخَلَتْ فِي مِلْكِ مَالِكٍ وَأَحْرَزَهَا؛ لأَِنَّهَا: إِمَّا شَرِكَةٌ بَيْنَ النَّاسِ وَإِمَّا تَافِهَةٌ أَوْ عَلَى وَشْكِ الاِنْفِلاَتِ. وَخَالَفَهُمْ أَبُو يُوسُفَ فَأَوْجَبَ الْحَدَّ فِي كُل ذَلِكَ (2) . عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ مُبَاحَ الأَْصْل ذَا قِيمَةٍ تَدْعُو مَنْ أَحْرَزَهَا إِلَى الْحِفَاظِ عَلَيْهَا وَالتَّعَلُّقِ بِهَا، فَإِنَّ الْحَدَّ يُقَامُ عَلَى سَارِقِهَا مَتَى بَلَغَتْ نِصَابًا، وَذَلِكَ مِثْل: الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالأَْبَنُوسِ وَالصَّنْدَل وَالزَّبَرْجَدِ وَاللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ وَنَحْوِهَا (3) . __________ (1) بدائع الصنائع 7 / 68، ابن عابدين 3 / 275، فتح القدير 4 / 229، الفتاوى الهندية 4 / 177، المبسوط 9 / 152. (2) بدائع الصنائع 7 / 68، فتح القدير 4 / 233. (3) ابن عابدين 3 / 273، بدائع الصنائع 7 / 68، شرح فتح القدير 4 / 232، الفتاوى الهندية 2 / 175. ب - الْمَالِكِيَّةُ: 29 - يَشْتَرِطُ الْمَالِكِيَّةُ لإِِقَامَةِ الْحَدِّ أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالاً مُحْتَرَمًا شَرْعًا. وَرَغْمَ اشْتِرَاطِهِمُ الْمَالِيَّةَ، فَقَدْ أَوْجَبُوا الْقَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ حُرًّا صَغِيرًا غَيْرَ مُمَيَّزٍ، إِذَا أَخَذَهُ مِنْ حِرْزٍ، بِأَنْ كَانَ فِي بَيْتٍ مُغْلَقٍ مَثَلاً، سَوَاءٌ أَكَانَتْ ثِيَابُهُ رَثَّةً أَمْ جَدِيدَةً، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ عَلَيْهِ حُلْمِيَّةً أَمْ لاَ، وَذَلِكَ لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِرَجُلٍ يَسْرِقُ الصِّبْيَانَ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَبِيعُهُمْ فِي أَرْضٍ أُخْرَى، فَأَمَرَ بِهِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ (1) . وَلاِشْتِرَاطِهِمْ فِي الْمَال الْمَسْرُوقِ أَنْ يَكُونَ مُحْتَرَمًا شَرْعًا، لاَ يُقِيمُونَ الْحَدَّ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ الْخَمْرَ أَوِ الْخِنْزِيرَ، وَلَوْ كَانَا لِغَيْرِ مُسْلِمٍ، وَلاَ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ الْكَلْبَ وَلَوْ مُعَلَّمًا، أَوْ كَلْبَ حِرَاسَةٍ، لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِهِ. وَلاَ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ آلاَتِ اللَّهْوِ كَالدُّفِّ وَالطَّبْل وَالْمِزْمَارِ، أَوْ أَدَوَاتِ الْقِمَارِ كَالنَّرْدِ أَوْ مَا يَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ كَالصَّلِيبِ وَالصَّنَمِ وَنَحْوِهَا. وَلَكِنَّهُ لَوْ كَسَرَهَا دَاخِل الْحِرْزِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ مَكْسِرِهَا مَا قِيمَتُهُ نِصَابٌ، أُقِمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِسَرِقَتِهِ نِصَابًا مُحْرَزًا. __________ (1)) حديث: " أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل يسرق الصبيان ". أخرجه الدارقطني (3 / 202 - ط دار المحاسن) ، والبيهقي (8 / 268 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عائشة وضعفه الدارقطني. وانظر: تبصرة الحكام 2 / 352، شرح الزرقاني 8 / 94، 103، المدونة 6 / 286. وَلَوْ سَرَقَ آنِيَةً فِيهَا خَمْرٌ، وَكَانَتْ قِيمَةُ الآْنِيَةِ بِدُونِ الْخَمْرِ تَبْلُغُ النِّصَابَ، أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَلَكِنَّهُ لَوْ سَرَقَ كُتُبًا غَيْرَ مُحْتَرَمَةٍ شَرْعًا، كَكُتُبِ السِّحْرِ وَالزَّنْدَقَةِ، فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ، إِلاَّ إِذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْوَرَقِ وَالْجِلْدِ تَبْلُغُ نِصَابًا. وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ فَإِنَّ الْحَدَّ يُقَامُ عَلَى مَنْ سَرَقَ مَالاً مُحْتَرَمًا شَرْعًا، سَوَاءٌ أَكَانَ تَافِهًا أَمْ ثَمِينًا، يُمْكِنُ ادِّخَارُهُ أَوْ لاَ، مُبَاحَ الأَْصْل أَوْ غَيْرَ مُبَاحٍ. كَمَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ سَرَقَ الْمُصْحَفَ أَوِ الْكُتُبَ النَّافِعَةَ، مَا دَامَتْ قِيمَتُهَا تَبْلُغُ النِّصَابَ (1) . وَلاَ يَرَى الْمَالِكِيَّةُ إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ مِنَ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ فِي شَجَرِهِ، أَوْ مِنَ الزَّرْعِ قَبْل حَصْدِهِ، فَإِذَا قُطِعَ الثَّمَرُ وَحُصِدَ الزَّرْعُ وَلَمْ يَصِل إِلَى الْجَرِينِ فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ: الأَْوَّل: الْقَطْعُ سَوَاءٌ ضُمَّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ أَمْ لاَ. الثَّانِي: لاَ يُقْطَعُ مُطْلَقًا. الثَّالِثُ: إِذَا سُرِقَ قَبْل ضَمِّ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ لاَ يُقْطَعُ فَإِذَا ضُمَّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ قُطِعَ. وَهَذَا الاِخْتِلاَفُ مَحَلُّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ حَارِسٌ وَإِلاَّ فَلاَ خِلاَفَ فِي قَطْعِ سَارِقِهِ وَكَذَا إِذَا وَصَل إِلَى __________ (1) المدونة الكبرى 16 / 77، 78، الدسوقي على الشرح الكبير 4 / 336، الخرشي على خليل 8 / 96، شرح الزرقاني 8 / 97. الْجَرِينِ. وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلاَ كَثَرٍ، فَإِذَا آوَاهُ الْجَرِينُ قُطِعَ (1) . وَإِذَا كَانَتِ الثِّمَارُ مُعَلَّقَةً فِي أَشْجَارِهَا، وَالزَّرْعُ لَمْ يُحْصَدْ، وَلَكِنَّهُ فِي بُسْتَانٍ عَلَيْهِ حَائِطٌ وَلَهُ غَلْقٌ، أُقِيمَ الْحَدُّ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ مِنْهُ نِصَابًا - فِي رَأْيٍ - وَلاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي رَأْيٍ آخَرَ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ. أَمَّا إِذَا كَانَتِ الأَْشْجَارُ الْمُثْمِرَةُ دَاخِل الدَّارِ، فَلاَ خِلاَفَ عِنْدَهُمْ فِي قَطْعِ مَنْ يَسْرِقُ مِنْهَا مَا قِيمَتُهُ نِصَابٌ، لِتَمَامِ الْحِرْزِ (2) . ج - الشَّافِعِيَّةُ: 30 - يَشْتَرِطُ الشَّافِعِيَّةُ، لإِِقَامَةِ حَدِّ السَّرِقَةِ، أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالاً مُحْتَرَمًا شَرْعًا. وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُقِيمُونَ الْحَدَّ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ الْحُرَّ، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ. فَأَمَّا إِنْ سَرَقَ صَغِيرًا لاَ يُمَيِّزُ أَوْ مَجْنُونًا أَوْ أَعْجَمِيًّا أَوْ أَعْمَى، وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ أَوْ حِلْيَةٌ أَوْ مَعَهُ مَالٌ يَلِيقُ بِمِثْلِهِ، فَلاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ - فِي الأَْصَحِّ - لأَِنَّ __________ (1) حديث: " لا قطع في ثمر ولا كثر ". أخرجه أحمد (3 / 463 - ط الميمنية) وأبو داود (4 / 550 - ط عزت عبيد الدعاس) من حديث رافع بن خديج (وقال ابن حجر: وقال الطحاوي: هذا الحديث تلقت العلماء متنه بالقبول) . كذا في التلخيص الحبير (4 / 65 - ط شركة الطباعة الفنية) . ونيل الأوطار 2 / 143، وانظر: شرح الزرقاني 8 / 105. والكثر: بفتحتين: جُمّار النخل وهو شحمه الذي وسط النخلة (النهاية لابن الأثير 4 / 152) . (2) بداية المجتهد 2 / 376، شرح الزرقاني 8 / 105، الدسوقي 4 / 144. لِلْحُرِّ يَدًا عَلَى مَا مَعَهُ فَصَارَ كَمَنْ سَرَقَ جَمَلاً وَصَاحِبُهُ رَاكِبُهُ، وَالرَّأْيُ الآْخَرُ فِي الْمَذْهَبِ يَرَى إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِ إِنْ بَلَغَ مَا مَعَهُ نِصَابًا؛ لأَِنَّهُ سَرَقَ لأَِجْل مَا مَعَهُ. فَإِنْ كَانَ مَا مَعَهُ مِنْ مَالٍ أَوْ مَا عَلَيْهِ مِنْ ثِيَابٍ أَوْ حِلْيَةٍ فَوْقَ مَا يَلِيقُ بِهِ. وَأَخَذَ السَّارِقُ مِنْهُ نِصَابًا مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ، أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِلاَ خِلاَفٍ. وَلاِشْتِرَاطِهِمْ أَنْ يَكُونَ الْمَال الْمَسْرُوقُ مُحْتَرَمًا شَرْعًا، لاَ يُقِيمُونَ الْحَدَّ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ الْخَمْرَ أَوِ الْخِنْزِيرَ أَوِ الْكَلْبَ أَوْ جِلْدَ الْمَيْتَةِ قَبْل دَبْغِهِ. فَأَمَّا إِذَا سَرَقَ آلاَتِ اللَّهْوِ أَوْ أَدَوَاتِ الْقِمَارِ أَوْ آنِيَةِ. الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ أَوِ الصَّنَمَ أَوِ الصَّلِيبَ أَوِ الْكُتُبَ غَيْرَ الْمُحْتَرَمَةِ شَرْعًا، فَلاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ إِلاَّ إِذَا بَلَغَتْ قِيمَةُ مَا سَرَقَهُ نِصَابًا بَعْدَ كَسْرِهِ أَوْ إِفْسَادِهِ (1) . وَيُقَامُ الْحَدُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ الْمُصْحَفَ أَوِ الْكُتُبَ الْمُبَاحَةَ إِذَا بَلَغَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ نِصَابًا وَيُقَامُ الْحَدُّ أَيْضًا إِذَا سَرَقَ مَالاً قَطَعَ فِيهِ، وَكَانَ مُتَّصِلاً بِمَا فِيهِ الْقَطْعُ، كَإِنَاءٍ فِيهِ خَمْرٌ أَوْ آلَةِ لَهْوٍ عَلَيْهَا حِلْيَةٌ، مَا دَامَتْ قِيمَةُ مَا فِيهِ الْقَطْعُ تَبْلُغُ النِّصَابَ. وَلاَ حَدَّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي سَرِقَةِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ فِي __________ (1) القليوبي وعميرة 4 / 195، مغني المحتاج 4 / 173، أسنى المطالب 4 / 139، نهاية المحتاج 7 / 421. شَجَرِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ حَارِسٌ، وَلَمْ يَتَّصِل بِجِيرَانٍ يُلاَحِظُونَهُ، فَإِذَا آوَاهُ الْجَرِينُ أُقِيمَ الْحَدُّ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ مِنْهُ نِصَابًا. وَإِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ نِصَابًا مُحْرَزًا مِنْ مَالٍ مُحْتَرَمٍ شَرْعًا، لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى صِفَةِ الْمَال، فَلاَ فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ التَّافِهِ وَغَيْرِهِ، وَلاَ بَيْنَ مَا يُمْكِنُ ادِّخَارُهُ أَوْ لاَ، وَلاَ بَيْنَ مُبَاحِ الأَْصْل أَوْ غَيْرِ مُبَاحِهِ (1) . د - الْحَنَابِلَةُ: 31 - يَشْتَرِطُ الْحَنَابِلَةُ، لإِِقَامَةِ حَدِّ السَّرِقَةِ، أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالاً مُحْتَرَمًا شَرْعًا، وَعَلَى ذَلِكَ: فَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى سَارِقِ الْحُرِّ، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ. فَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَالٌ أَوْ عَلَيْهِ ثِيَابٌ أَوْ حِلْيَةٌ تَبْلُغُ النِّصَابَ، فَعِنْدَهُمْ رِوَايَتَانِ: الأُْولَى: إِيجَابُ الْحَدِّ عَلَى السَّارِقِ لأَِنَّهُ قَصَدَ الْمَال، وَالأُْخْرَى: عَدَمُ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ مَا مَعَهُ تَابِعٌ لِمَا لاَ قَطْعَ فِيهِ. وَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ عِنْدَهُمْ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ شَيْئًا مُحَرَّمًا، كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُسْلِمًا أَمْ ذِمِّيًّا، وَلاَ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ آلاَتِ اللَّهْوِ أَوْ أَدَوَاتِ الْقِمَارِ وَإِنْ بَلَغَتْ بَعْدَ إِتْلاَفِهَا نِصَابًا؛ لأَِنَّهَا تُعِينُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَكَانَ لَهُ الْحَقُّ فِي أَخْذِهَا __________ (1) أسنى المطالب 4 / 139، 141، نهاية المحتاج 7 / 421، مغني المحتاج 4 / 173، المهذب 2 / 278. وَكَسْرِهَا، وَفِي ذَلِكَ شُبْهَةٌ تَدْرَأُ الْحَدَّ، أَمَّا إِذَا كَانَ عَلَيْهَا حِلْيَةٌ تَبْلُغُ نِصَابًا فَفِي إِقَامَةِ الْحَدِّ بِسَرِقَتِهَا رِوَايَتَانِ. وَإِذَا سَرَقَ صَلِيبًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةٍ، وَفِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى يُقَامُ الْحَدُّ إِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا بَعْدَ كَسْرِهِ. وَمَنْ يَسْرِقُ آنِيَةَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ إِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا بَعْدَ كَسْرِهَا. وَإِذَا اتَّصَل مَا لاَ قَطْعَ فِيهِ بِمَا فِيهِ الْقَطْعُ، كَإِنَاءٍ تَبْلُغُ قِيمَتُهُ النِّصَابَ وَفِيهِ خَمْرٌ، فَفِي الْمَذْهَبِ رِوَايَتَانِ، الأُْولَى: لاَ قَطْعَ لِتَبَعِيَّتِهِ، وَالأُْخْرَى: وُجُوبُ إِقَامَةِ الْحَدِّ (1) . وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ يُوجِبُونَ إِقَامَةَ الْحَدِّ فِي سَرِقَةِ الْمُصْحَفِ؛ لأَِنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ. وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لاَ قَطْعَ بِسَرِقَتِهِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ مَا فِيهِ مِنْ كَلاَمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مِمَّا لاَ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ، وَالْمُصْحَفُ الْمُحَلَّى بِحِلْيَةٍ تَبْلُغُ نِصَابًا فِيهِ الْخِلاَفُ السَّابِقُ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لاَ قَطْعَ؛ لاِتِّصَال الْحِلْيَةِ بِمَا لاَ قَطْعَ فِيهِ، وَبَعْضُهُمْ يَرَى أَنَّهُ يَجِبُ الْقَطْعُ، كَمَا لَوْ سَرَقَ الْحِلْيَةَ وَحْدَهَا. وَلاَ خِلاَفَ فِي الْمَذْهَبِ عَلَى إِقَامَةِ الْحَدِّ بِسَرِقَةِ كُتُبِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَسَائِرِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، إِذَا بَلَغَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ نِصَابًا (2) . __________ (1) شرح منتهى الإرادات 3 / 364، المغني 10 / 245، 283، 284، كشاف القناع 6 / 78، 130. (2) شرح منتهى الإرادات 3 / 364، المغني 10 / 249، كشاف القناع 6 / 106. وَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَلَى سَرِقَةِ الثِّمَارِ الْمُعَلَّقَةِ أَوِ الْكَثَرِ، وَلَوْ كَانَتْ فِي بُسْتَانٍ مُحَاطٍ بِسُوَرٍ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلاَ فِي كَثَرٍ (1) . فَأَمَّا إِذَا كَانَ النَّخْل أَوِ الشَّجَرُ دَاخِل دَارٍ مُحْرَزَةٍ، فَفِيمَا يُسْرَقُ الْقَطْعُ إِنْ بَلَغَ نِصَابًا (2) . وَإِقَامَةُ الْحَدِّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى صِفَةِ الْمَال مِنْ كَوْنِهِ تَافِهًا أَوْ لاَ، مُبَاحَ الأَْصْل أَوْ غَيْرَ مُبَاحٍ، مُعَرَّضًا لِلتَّلَفِ أَوْ لَيْسَ مُعَرَّضًا. وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ يَسْتَثْنُونَ الْمَاءَ وَالْمِلْحَ وَالْكَلأََ وَالثَّلْجَ وَالسِّرْجِينَ، فَلاَ قَطْعَ فِي سَرِقَتِهَا؛ لاِشْتِرَاكِ النَّاسِ فِي بَعْضِهَا بِنَصِّ الْحَدِيثِ (3) ، وَلِعَدَمِ تَمَوُّل الْبَعْضِ الآْخَرِ عَادَةً (4) . 2 - أَنْ يَبْلُغَ الْمَسْرُوقُ نِصَابًا. 32 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى عَدَمِ إِقَامَةِ الْحَدِّ إِلاَّ إِذَا بَلَغَ الْمَال الْمَسْرُوقُ نِصَابًا (5) . وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِ مِقْدَارِ النِّصَابِ، __________ (1) حديث: " لا قطع في ثمر ولا في كثر ". تقدم تخريجه ف 29. (2) المغني 10 / 262، 263. (3) الحديث: " المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار ". أخرجه أبو داود (3 / 751 - تحقيق عزت عبيد الدعاس) عن رجل من المهاجرين. وصحح إسناده الأرناؤوط جامع الأصول (1 / 486 - ط الملاح) . (4) شرح منتهى الإرادات 3 / 364، المغني 10 / 247. (5) ذهب بعض الفقهاء - ومنهم الحسن البصري - إلى عدم اشتراط النصاب لإقامة حد السرقة، فيقطع عندهم في القليل والكثير؛ لإطلاق قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) ، ولقوله صلى الله عليه وسلم: " لعن الله السارق. يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل (الفتح 12 / 81 - ط السلفية) من حديث أبي هريرة. وبداية المجتهد 2 / 437، والمغني 10 / 41. وَفِي وَقْتِ هَذَا التَّحْدِيدِ، وَفِي أَثَرِ اخْتِلاَفِ الْمُقَوِّمِينَ لِمَا يُسْرَقُ، وَفِي وُجُوبِ عِلْمِ السَّارِقِ بِقِيمَةِ الْمَال الْمَسْرُوقِ. أ - الْحَنَفِيَّةُ: 1 - تَحْدِيدُ مِقْدَارِ النِّصَابِ: 33 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ النِّصَابَ الَّذِي يَجِبُ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ هُوَ عَشْرَةُ دَارَهُمْ مَضْرُوبَةً، أَوْ مَا قِيمَتُهُ عَشْرَةٌ، فَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ عِنْدَهُمْ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ أَقَل مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى لَوْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ رُبُعَ دِينَارٍ (1) . وَذَلِكَ لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ تُقْطَعُ الْيَدُ إِلاَّ فِي دِينَارٍ أَوْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ (2) . وَلِقَوْلِهِ أَيْضًا: { __________ (1) الدينار: نقد من الذهب، كان وزنه في الدولة الإسلامية يعادل 4. 25 جرامًا. والدرهم: نقد من الفضة، كان وزنه في الدولة الإسلامية يعادل 2. 975 جرامًا. (2) حديث: " لا تقطع اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم ". أخرجه عبد الرزاق (10 / 233 ط المجلس العلمي) وهو موقوف على ابن مسعود وفيه انقطاع. نصب الراية للزيلعي (3 / 360 - ط المجلس العلمي) . لاَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِيمَا دُونَ ثَمَنِ الْمِجَنِّ (1) . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحْدِيدِ ثَمَنِ الْمِجَنِّ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَهُ بِثَلاَثَةِ دَرَاهِمَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَهُ بِأَرْبَعَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَهُ بِخَمْسَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَهُ بِعَشْرَةٍ (2) . وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الأَْخْذَ بِالأَْكْثَرِ أَوْلَى؛ لأَِنَّ فِي الأَْقَل احْتِمَالاً يُورِثُ شُبْهَةً تَدْرَأُ الْحَدَّ (3) . 2 - وَقْتُ تَحْدِيدِ النِّصَابِ: الْقَاعِدَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ وَقْتَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحِرْزِ. فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ وَقْتَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحِرْزِ أَقَل مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، ثُمَّ زَادَتْ قِيمَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلاَ عِبْرَةَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَمِنْ ثَمَّ لاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى السَّارِقِ. أَمَّا إِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ وَقْتَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحِرْزِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، ثُمَّ نَقَصَتْ هَذِهِ الْقِيمَةُ بَعْدَ الإِْخْرَاجِ وَقَبْل الْحُكْمِ فَفِي الْمَسْأَلَةِ __________ (1) حديث: " لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن ". أخرجه الدارقطني (3 / 193 - ط دار المحاسن) من حديث عبد الله بن عمرو. وصححه الزيلعي (نصب الراية 3 / 359 - ط المجلس العلمي) . (2) فتح الباري 12 / 88، ونيل الأوطار 7 / 298. (3) بدائع الصنائع 7 / 77 - 78، فتح القدير 4 / 220، الدر المختار 3 / 199، المبسوط 9 / 137 - 138، الفتاوى الهندية 2 / 170. تَفْصِيلٌ: إِنْ كَانَ النُّقْصَانُ فِي عَيْنِ الْمَسْرُوقِ بِأَنْ هَلَكَ بَعْضُهُ فِي يَدِ السَّارِقِ بَعْدَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحِرْزِ، فَلاَ عِبْرَةَ بِهَذَا النَّقْصِ؛ لأَِنَّ هَلاَكَ الْكُل لاَ يَمْنَعُ مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ، فَهَلاَكُ الْبَعْضِ أَوْلَى بِأَلاَّ يَمْنَعَ مِنْ إِقَامَتِهِ، وَلِذَلِكَ تُطَبَّقُ قَاعِدَةُ: أَنَّ الْمُعْتَبَرَ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ وَقْتَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحِرْزِ. أَمَّا إِنْ كَانَ سَبَبُ نُقْصَانِ الْقِيمَةِ يَرْجِعُ إِلَى تَغَيُّرِ سِعْرِهِ، فَفِي الْمَذْهَبِ رِوَايَتَانِ: رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَرَجَّحَهَا الطَّحَاوِيُّ، أَنَّ الاِعْتِبَارَ لَقِيمَةِ الْمَسْرُوقِ وَقْتَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحِرْزِ، فَتُطَبَّقُ الْقَاعِدَةُ السَّابِقَةُ. وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَا ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ: أَنَّ الاِعْتِبَارَ بِقِيمَةِ الْمَسْرُوقِ، وَقْتَ الإِْخْرَاجِ مِنَ الْحِرْزِ وَوَقْتَ الْحُكْمِ مَعًا، فَإِذَا تَغَيَّرَتِ الأَْسْعَارُ، بِأَنْ نَقَصَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ عَنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ قَبْل الْحُكْمِ، فَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ؛ لأَِنَّهُ لاَ دَخْل لِلسَّارِقِ فِي ذَلِكَ؛ وَلأَِنَّ النَّقْصَ عِنْدَ الْحُكْمِ يُورِثُ شُبْهَةً تَدْرَأُ الْحَدَّ. وَإِذَا وَقَعَتِ السَّرِقَةُ فِي مَكَانٍ، وَضُبِطَ الْمَسْرُوقُ فِي مَكَانٍ آخَرَ، كَانَتِ الْعِبْرَةُ - فِي رَأْيٍ - بِقِيمَةِ الْمَسْرُوقِ فِي مَحَل السَّرِقَةِ، وَفِي رَأْيٍ آخَرَ: تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ فِي مَحَل ضَبْطِهِ (1) . 3 - اخْتِلاَفُ الْمُقَوِّمِينَ فِي تَحْدِيدِ قِيمَةِ الْمَسْرُوقِ: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ الْمُقَوِّمُونَ فِي __________ (1) بدائع الصنائع 7 / 79. تَحْدِيدِ قِيمَةِ الْمَسْرُوقِ، فَقَدَّرَهَا بَعْضُهُمْ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَقَدَّرَهَا الْبَعْضُ الآْخَرُ بِأَقَل مِنْ عَشْرَةٍ، فَإِنَّ الْعِبْرَةَ تَكُونُ بِالأَْقَل؛ لأَِنَّ هَذَا الاِخْتِلاَفَ يُورِثُ شُبْهَةً تَدْرَأُ الْحَدَّ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَمَّ بِقَطْعِ يَدِ سَارِقٍ، فَقَال لَهُ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ مَا سَرَقَهُ لاَ يُسَاوِي نِصَابًا، فَدَرَأَ عَنْهُ الْحَدَّ (1) . 4 - عِلْمُ السَّارِقِ بِقِيمَةِ الْمَسْرُوقِ: ذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى الاِكْتِفَاءِ بِقَصْدِ السَّرِقَةِ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ، مَا دَامَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ تَبْلُغُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ حَتَّى وَلَوْ كَانَ السَّارِقُ يَعْتَقِدُ أَنَّ قِيمَتَهُ أَقَل مِنْ ذَلِكَ، بِأَنْ سَرَقَ ثَوْبًا لاَ تَبْلُغُ قِيمَتُهُ النِّصَابَ، فَوَجَدَ فِي جَيْبِهِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ. وَذَهَبَ الْبَعْضُ الآْخَرُ إِلَى اشْتِرَاطِ عِلْمِ السَّارِقِ بِقِيمَةِ الْمَسْرُوقِ، بِأَنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ فِي جَيْبِ الثَّوْبِ نِصَابًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ فَلاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لأَِنَّهُ قَصَدَ سَرِقَةَ الثَّوْبِ وَحْدَهُ وَهُوَ لاَ يَبْلُغُ النِّصَابَ. بِخِلاَفِ مَا لَوْ سَرَقَ جِرَابًا أَوْ صُنْدُوقًا، وَكَانَ بِهِ مَالٌ كَثِيرٌ لَمْ يَعْلَمْ حَقِيقَتَهُ، فَلاَ خِلاَفَ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ قَصَدَ الْمَظْرُوفَ لاَ الظَّرْفَ (2) . __________ (1) بدائع الصنائع 7 / 77 - 79. (2) بدائع الصنائع 7 / 79 - 80. ب - الْمَالِكِيَّةُ: 1 - تَحْدِيدُ مِقْدَارِ النِّصَابِ: 34 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ النِّصَابَ الَّذِي يَجِبُ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ هُوَ رُبُعُ دِينَارٍ أَوْ ثَلاَثَةُ دَرَاهِمَ شَرْعِيَّةً خَالِصَةً مِنَ الْغِشِّ أَوْ نَاقِصَةً تَرُوجُ رَوَاجَ الْكَامِلَةِ، أَوْ مَا قِيمَتُهُ ذَلِكَ. فَالْقَاعِدَةُ عِنْدَهُمْ: أَنَّ كُل وَاحِدٍ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مُعْتَبَرٌ بِنَفْسِهِ، فَإِذَا كَانَ الْمَسْرُوقُ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ قُوِّمَ بِالدَّرَاهِمِ، فَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ ثَلاَثَةَ دَرَاهِمَ وَلَمْ تَبْلُغْ رُبُعَ دِينَارٍ أُقِيمَ الْحَدُّ، أَمَّا إِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ رُبُعَ دِينَارٍ وَلَمْ تَبْلُغْ ثَلاَثَةَ دَرَاهِمَ فَلاَ حَدَّ (1) . وَدَلِيلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلاَثَةَ دَرَاهِمَ (2) . وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: لاَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلاَّ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا (3) . فَأَخَذُوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِيمَا إِذَا كَانَ الْمَسْرُوقُ مِنَ الذَّهَبِ، وَبِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِيمَا إِذَا كَانَ الْمَسْرُوقُ فِضَّةً أَوْ شَيْئًا آخَرَ غَيْرَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. __________ (1) حاشية الدسوقي 3 / 333 - 334، المدونة 6 / 266. (2) حديث: " قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم ". أخرجه البخاري (الفتح 12 / 97 - ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1313 - ط الحلبي) واللفظ للبخاري، من حديث ابن عمر. (3) حديث: " لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا " أخرجه البخاري (الفتح 12 / 96 ط السلفية) ومسلم (3 / 1312 ط الحلبي) . 2 - وَقْتُ تَحْدِيدِ النِّصَابِ: الْقَاعِدَةُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ قِيمَةُ النِّصَابِ وَوَقْتُ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحِرْزِ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ أَقَل مِنْ ثَلاَثَةِ دَرَاهِمَ حِينَ السَّرِقَةِ ثُمَّ بَلَغَتِ الثَّلاَثَةُ بَعْدَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحِرْزِ، فَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ. وَعَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ: إِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ وَقْتَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحِرْزِ ثَلاَثَةَ دَرَاهِمَ ثُمَّ نَقَصَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أُقِيمَ الْحَدُّ، سَوَاءٌ أَكَانَ النَّقْصُ فِي عَيْنِ الْمَسْرُوقِ أَمْ كَانَ بِسَبَبِ تَغَيُّرِ الأَْسْعَارِ. وَإِذَا وَقَعَتِ السَّرِقَةُ بِمَكَانٍ، وَضُبِطَ الْمَسْرُوقُ فِي مَكَانٍ آخَرَ، فَالْعِبْرَةُ بِمَحَل السَّرِقَةِ. 3 - اخْتِلاَفُ الْمُقَوِّمِينَ فِي تَحْدِيدِ قِيمَةِ الْمَسْرُوقِ: الْقَاعِدَةُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَقْدِيمُ الْمُثْبَتِ عَلَى النَّافِي، فَإِذَا شَهِدَ عَدْلاَنِ بِأَنَّ قِيمَةَ الْمَسْرُوقِ نِصَابًا، أُخِذَ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَأُقِيمَ الْحَدُّ، وَلَوْ عَارَضَتْهَا شَهَادَاتٌ أُخْرَى. 4 - عِلْمُ السَّارِقِ بِقِيمَةِ الْمَسْرُوقِ: يَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِقَصْدِ السَّرِقَةِ، لاَ بِظَنِّ السَّارِقِ، إِلاَّ إِذَا صَدَّقَ الْعُرْفُ ظَنَّهُ. فَلَوْ سَرَقَ ثَوْبًا لاَ يُسَاوِي نِصَابًا، وَلَكِنْ كَانَ فِي جَيْبِهِ مَالٌ يَبْلُغُ النِّصَابَ، أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ بِمَا فِي الْجَيْبِ، لأَِنَّ الْعُرْفَ جَرَى عَلَى وَضْعِ النُّقُودِ فِي جُيُوبِ الثِّيَابِ. أَمَّا إِذَا سَرَقَ قِطْعَةَ خَشَبٍ، لاَ يَعْلَمُ حَقِيقَتَهَا، فَوَجَدَهَا مُجَوَّفَةً وَبِهَا مَالٌ يَبْلُغُ النِّصَابَ، فَلاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، لأَِنَّ الْعُرْفَ لَمْ يَجْرِ عَلَى حِفْظِ النُّقُودِ بِتِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ (1) . ج - الشَّافِعِيَّةُ: 1 - تَحْدِيدُ مِقْدَارِ النِّصَابِ: 35 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى تَحْدِيدِ مِقْدَارِ النِّصَابِ بِرُبُعِ دِينَارٍ مِنَ الذَّهَبِ، أَوْ مَا قِيمَتُهُ ذَلِكَ، لأَِنَّ الأَْصْل فِي تَقْوِيمِ الأَْشْيَاءِ: الذَّهَبُ. وَعَلَى ذَلِكَ لاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ ثَلاَثَةَ دَرَاهِمَ أَوْ مَا قِيمَتُهُ ثَلاَثَةُ دَرَاهِمَ، إِذَا قَلَّتْ قِيمَتُهَا عَنْ رُبُعِ دِينَارٍ مِنْ غَالِبِ الدَّنَانِيرِ الْجَيِّدَةِ (2) . وَدَلِيلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: لاَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلاَّ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا (3) . 2 - وَقْتُ تَحْدِيدِ النِّصَابِ: يَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ قِيمَةُ النِّصَابِ وَقْتَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحِرْزِ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ تَقِل عَنْ رُبُعِ دِينَارٍ حِينَ السَّرِقَةِ، ثُمَّ بَلَغَتْ رُبُعَ دِينَارٍ بَعْدَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحِرْزِ، فَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ. أَمَّا إِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ وَقْتَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحِرْزِ رُبُعَ دِينَارٍ، ثُمَّ نَقَصَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أُقِيمَ الْحَدُّ، سَوَاءٌ أَكَانَ النَّقْصُ بِفِعْل السَّارِقِ، كَأَنْ أَكَل بَعْضَهُ، أَمْ كَانَ السَّبَبُ __________ (1) المدونة الكبرى 16 / 90، شرح الزرقاني 8 / 94 - 95. (2) أسنى المطالب 4 / 137، القليوبي وعميرة 4 / 186، مغني المحتاج 4 / 158، المهذب 2 / 294، نهاية المحتاج 7 / 419. (3) حديث: " لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا ". تقدم تخريجه ف 34. تَغَيُّرَ الأَْسْعَارِ. وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ فِي مَكَانِ السَّرِقَةِ، لاَ فِي مَكَانٍ آخَرَ. 3 - اخْتِلاَفُ الْمُقَوِّمِينَ فِي تَحْدِيدِ قِيمَةِ الْمَسْرُوقِ: الْقَاعِدَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ شَهَادَةَ الْمُقَوِّمِينَ إِنْ قَامَتْ عَلَى أَسَاسِ الْقَطْعِ أُخِذَ بِهَا، وَإِنْ قَامَتْ عَلَى أَسَاسِ الظَّنِّ أُخِذَ بِالتَّحْدِيدِ الأَْقَل، وَذَلِكَ لِتَعَارُضِ الْبَيِّنَاتِ. 4 - عِلْمُ السَّارِقِ بِقِيمَةِ الْمَسْرُوقِ: لاَ يَشْتَرِطُ الشَّافِعِيَّةُ أَنْ يَعْلَمَ السَّارِقُ قِيمَةَ مَا سَرَقَ، بَل يَكْفِي عِنْدَهُمْ أَنْ يَقْصِدَ السَّرِقَةَ. وَعَلَى ذَلِكَ: لَوْ قَصَدَ سَرِقَةَ ثَوْبٍ لاَ يُسَاوِي رُبُعَ دِينَارٍ، وَكَانَ فِي جَيْبِهِ مَا قِيمَتُهُ رُبُعُ دِينَارٍ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ. وَلَكِنَّهُ لَوْ قَصَدَ سَرِقَةَ صُنْدُوقٍ بِهِ دَنَانِيرُ، فَوَجَدَهُ فَارِغًا، وَالصُّنْدُوقُ لاَ يُسَاوِي رُبُعَ دِينَارٍ، فَلاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ (1) . د - الْحَنَابِلَةُ: 1 - تَحْدِيدُ مِقْدَارِ النِّصَابِ: 36 - اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْ أَحْمَدَ فِي مِقْدَارِ النِّصَابِ الَّذِي يَجِبُ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ. فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى تَحْدِيدِهِ بِثَلاَثَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ رُبُعِ دِينَارٍ، أَوْ عَرْضٍ قِيمَتُهُ كَأَحَدِهِمَا. وَتُحَدِّدُ الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى النِّصَابَ بِرُبُعِ دِينَارٍ، __________ (1)) أسنى المطالب 4 / 137 - 138، نهاية المحتاج 7 / 420. إِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ ذَهَبًا، وَبِثَلاَثَةِ دَرَاهِمَ إِنْ كَانَ: الْمَسْرُوقُ مِنَ الْفِضَّةِ، وَبِمَا قِيمَتُهُ ثَلاَثَةُ دَرَاهِمَ، إِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ مِنْ غَيْرِهِمَا (1) . 2 - وَقْتُ تَحْدِيدِ النِّصَابِ: الْمُعْتَبَرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ وَقْتَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحِرْزِ وَفِي مَكَانِ السَّرِقَةِ، وَلاَ عِبْرَةَ بِتَغَيُّرِ هَذِهِ الْقِيمَةِ بَعْدَ ذَلِكَ لأَِيِّ سَبَبٍ كَانَ. 3 - اخْتِلاَفُ الْمُقَوِّمِينَ فِي تَحْدِيدِ قِيمَةِ الْمَسْرُوقِ: إِذَا قَدَّرَ بَعْضُ الْمُقَوِّمِينَ قِيمَةَ الْمَسْرُوقِ بِنِصَابٍ، وَقَدَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِأَقَل مِنْ نِصَابٍ، فَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى السَّارِقِ؛ لأَِنَّهُ فِي حَالَةِ تَعَارُضِ الْبَيِّنَاتِ فِي الْقِيمَةِ يُؤْخَذُ بِالأَْقَل. 4 - عِلْمُ السَّارِقِ بِقِيمَةِ الْمَسْرُوقِ: يَشْتَرِطُ الْحَنَابِلَةُ، لإِِقَامَةِ حَدِّ السَّرِقَةِ، أَنْ يَعْلَمَ السَّارِقُ بِأَنَّ مَا سَرَقَهُ يُسَاوِي نِصَابًا. وَعَلَى ذَلِكَ: لاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْدِيلاً، لاَ تَبْلُغُ قِيمَتُهُ النِّصَابَ، وَقَدْ شُدَّ عَلَيْهِ دِينَارٌ، مَا دَامَ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ. فَأَمَّا إِنْ عَلِمَ بِوُجُودِ الدِّينَارِ، أُقِيمَ عَلَيْهِ. حَدُّ السَّرِقَةِ (2) . 3 - أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مُحْرَزًا: 37 - الْحِرْزُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: الْمَوْضِعُ الْحَصِينُ الَّذِي __________ (1) شرح منتهى الإرادات 3 / 364، كشاف القناع 4 / 78، المغني 10 / 242، 278. (2) كشاف القناع 4 / 78 - 237، المغني 10 / 278. يُحْفَظُ فِيهِ الْمَال عَادَةً، بِحَيْثُ لاَ يُعَدُّ صَاحِبُهُ مُضَيِّعًا لَهُ بِوَضْعِهِ فِيهِ (1) . وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ حَدَّ السَّرِقَةِ لاَ يُقَامُ إِلاَّ إِذَا أَخَذَ السَّارِقُ النِّصَابَ مِنْ حِرْزِهِ؛ لأَِنَّ الْمَال غَيْرُ الْمُحْرِزِ ضَائِعٌ بِتَقْصِيرٍ مِنْ صَاحِبِهِ (2) . وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِمَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَال: سَمِعْتُ رَجُلاً مِنْ مُزَيْنَةَ يَسْأَل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْحَرِيسَةِ (3) الَّتِي تُوجَدُ فِي مَرَاتِعِهَا، فَقَال: فِيهَا ثَمَنُهَا مَرَّتَيْنِ، وَضَرْبُ نَكَالٍ، وَمَا أُخِذَ مِنْ عَطَنِهِ فَفِيهِ الْقَطْعُ إِذَا بَلَغَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ قَال: يَا رَسُول اللَّهِ: فَالثِّمَارُ وَمَا أُخِذَ مِنْهَا فِي أَكْمَامِهَا؟ قَال: مَنْ أَخَذَ بِفَمِهِ وَلَمْ يَتَّخِذْ خُبْنَةً فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَمَنِ احْتَمَل فَعَلَيْهِ ثَمَنُهُ مَرَّتَيْنِ، وَضَرْبُ نَكَالٍ، وَمَا أُخِذَ مِنْ أَجْرَانِهِ فَفِيهِ الْقَطْعُ، إِذَا بَلَغَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ (4) __________ (1) فتح القدير 5 / 380، الخرشي على خليل 8 / 97، القليوبي وعميرة 4 / 190، كشاف القناع 6 / 110. (2) ابن عابدين 3 / 267، البدائع 7 / 66، المبسوط 9 / 136، بداية المجتهد 2 / 439، الشرح الكبير للدردير 4 / 338، القليوبي وعميرة 4 / 190، مغني المحتاج 4 / 164، المهذب 2 / 94، شرح منتهى الإرادات 3 / 367، كشاف القناع 6 / 110. (3) حريسة الجبل: الشاة يدركها الليل قبل رجوعها إلى مأواها فتسرق من الجبل (المصباح المنير) . (4) حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: " سمعت رجلاً من مزينة يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحريسة التي توجد. . . " أخرجه أحمد (2 / 203 ط الميمنية) من حديث عبد الله بن عمرو، وصححه أحمد شاكر (6891 ط دار المعارف) ، وبداية المجتهد 2 / 301، 439، المغني 10 / 250. والعطن: الموضع الذي يترك فيه الإبل على الماء. والمجن: الترس. والخبنة: ما يحمله الشخص في حضنه. انظر: الزاهر، والصحاح. وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْل الْحَدِيثِ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْحِرْزِ لإِِقَامَةِ حَدِّ السَّرِقَةِ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (1) . وَالْحِرْزُ نَوْعَانِ: 1 - حِرْزٌ بِنَفْسِهِ، وَيُسَمَّى حِرْزًا بِالْمَكَانِ: وَهُوَ كُل بُقْعَةٍ مُعَدَّةٍ لِلإِْحْرَازِ، يَمْنَعُ الدُّخُول فِيهَا إِلاَّ بِإِذْنٍ، كَالدَّارِ وَالْبَيْتِ. 2 - وَحِرْزٌ بِغَيْرِهِ، وَيُسَمَّى حِرْزًا بِالْحَافِظِ: وَهُوَ كُل مَكَانٍ غَيْرُ مُعَدٍّ لِلإِْحْرَازِ، لاَ يَمْنَعُ أَحَدٌ مِنْ دُخُولِهِ، كَالْمَسْجِدِ وَالسُّوقِ (2) . وَلَمَّا كَانَ ضَابِطُ الْحِرْزِ وَتَحْدِيدُ مَفْهُومِهِ يَرْجِعُ إِلَى الْعُرْفِ، وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَنَوْعِ الْمَال الْمُرَادِ حِفْظُهُ، وَبِاخْتِلاَفِ حَال السُّلْطَانِ مِنَ الْعَدْل أَوِ الْجَوْرِ، وَمِنَ الْقُوَّةِ أَوِ الضَّعْفِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الشُّرُوطِ الْوَاجِبِ تَوَافُرُهَا لِيَكُونَ الْحِرْزُ تَامًّا، وَبِالتَّالِي يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ مِنْهُ. __________ (1) سورة المائدة / 38. (2) بدائع الصنائع 7 / 73، الخرشي 8 / 117، القليوبي وعميرة 4 / 190 وما بعدها، المغني 10 / 251، وما بعدها. 38 - أ - فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْحِرْزَ نَفْسَهُ: كُل بُقْعَةٍ مُعَدَّةٍ لِلإِْحْرَازِ بِمَنْعِ دُخُولِهَا إِلاَّ بِإِذْنٍ، كَالدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ وَالْخِيَمِ وَالْخَزَائِنِ وَالصَّنَادِيقِ وَالْجُرْنِ وَحَظَائِرِ الْمَاشِيَةِ، سَوَاءٌ كَانَ الْبَابُ مُغْلَقًا أَوْ مَفْتُوحًا، أَوْ لاَ بَابَ لَهَا؛ لأَِنَّ هَذِهِ الأَْبْنِيَةَ قُصِدَ بِهَا الإِْحْرَازُ كَيْفَمَا كَانَ. وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي الْحِرْزِ بِنَفْسِهِ عِنْدَهُمْ وُجُودُ الْحَافِظِ، وَلَوْ وُجِدَ فَلاَ عِبْرَةَ بِوُجُودِهِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ الْحِرْزَ بِنَفْسِهِ إِذَا اخْتَل، بِأَنْ أَذِنَ لِلسَّارِقِ فِي دُخُولِهِ، فَلاَ يُقَامُ حَدُّ السَّرِقَةِ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ حَافِظٌ. وَعَلَى هَذَا: لاَ يُقَامُ حَدُّ السَّرِقَةِ عَلَى الضَّيْفِ، لأَِنَّ الإِْذْنَ لَهُ بِالدُّخُول أَحْدَثَ خَلَلاً فِي الْحِرْزِ، وَلاَ عَلَى الْخَادِمِ؛ لأَِنَّ فِعْلَهُ يُوصَفُ بِالْخِيَانَةِ، وَلَيْسَ عَلَى الْخَائِنِ قَطْعٌ، وَلاَ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ مِنَ الْحَوَانِيتِ فِي فَتَرَاتِ الإِْذْنِ بِالدُّخُول، بِخِلاَفِ مَا لَوْ سَرَقَ فِي وَقْتٍ غَيْرِ مَأْذُونٍ فِيهِ. وَالسَّرِقَةُ مِنَ الْحِرْزِ بِنَفْسِهِ لاَ تَشْمَل سَرِقَةَ الْحِرْزِ نَفْسِهِ؛ لأَِنَّ السَّرِقَةَ تَقْتَضِي الإِْخْرَاجَ مِنَ الْحِرْزِ، وَنَفْسُ الْحِرْزِ لَيْسَ فِي الْحِرْزِ، فَلاَ إِخْرَاجَ. وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ: لَوْ سَرَقَ بَابَ الدَّارِ، أَوْ حَائِطَ الْحَانُوتِ، أَوِ الْخَيْمَةَ الْمَضْرُوبَةَ، فَلاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ سَرَقَ نَفْسَ الْحِرْزِ، وَلَمْ يَسْرِقْ مِنَ الْحِرْزِ. أَمَّا الْحِرْزُ بِغَيْرِهِ: فَهُوَ كُل مَكَانٍ غَيْرُ مُعَدٍّ لِلإِْحْرَازِ، يَدْخُل إِلَيْهِ بِدُونِ إِذْنٍ وَلاَ يُمْنَعُ مِنْهُ، كَالْمَسَاجِدِ وَالطُّرُقِ وَالأَْسْوَاقِ، وَهِيَ لاَ تُعْتَبَرُ حِرْزًا إِلاَّ إِذَا كَانَ عَلَيْهَا حَافِظٌ (1) ، أَيْ شَخْصٌ لَيْسَ لَهُ مِنْ مَقْصِدٍ سِوَى الْحِرَاسَةِ وَالْحِفْظِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَقْصِدٌ آخَرُ فَلاَ يَكُونُ الْمَال مُحْرَزًا بِهِ. وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ: لاَ يُقَامُ الْحَدُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ الْمَاشِيَةَ مِنَ الْمَرْعَى، وَلَوْ كَانَ الرَّاعِي مَعَهَا؛ لأَِنَّ عَمَل الرَّاعِي هُوَ الرَّعْيُ، وَالْحِرَاسَةُ تَحْصُل تَبَعًا لَهُ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ كَانَ مَعَ الرَّاعِي حَافِظٌ يَخْتَصُّ بِالْحِرَاسَةِ، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَكُونُ الْمَاشِيَةُ مُحْرَزَةً بِالْحَافِظِ، فَيُقَامُ الْحَدُّ. وَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ سَرَقَ مَتَاعًا تَرَكَهُ صَاحِبُهُ فِي الْمَسْجِدِ؛ لأَِنَّ الْمَسْجِدَ لاَ يُعْتَبَرُ مِنَ الأَْمَاكِنِ الْمُعَدَّةِ لِحِفْظِ الأَْمْوَال، وَيَدْخُل إِلَيْهِ بِلاَ إِذْنٍ، فَأَمَّا إِذَا سَرَقَ الْمَتَاعَ حَالَةَ وُجُودِ الْحَافِظِ، فَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، لِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ يَدَ سَارِقِ خَمِيصَةِ صَفْوَانَ، وَكَانَ نَائِمًا عَلَيْهَا فِي الْمَسْجِدِ (2) . وَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ الْحِرْزَ بِالْحَافِظِ: كَمَنْ يَسْرِقُ بَعِيرًا، __________ (1)) بدائع الصنائع 7 / 73 - 74، فتح القدير 4 / 240 - 246، الفتاوى الهندية 2 / 179. (2) نيل الأوطار 7 / 143. وحديث: " قطع يد سارق خميصة صفوان ". أخرجه أبو داود (4 / 553 - تحقيق عزت عبيد الدعاس) ، والنسائي (8 / 69 - ط دار البشائر) والحاكم (4 / 380 - ط دائرة المعارف العثمانية) . وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. وَرَاكِبُهُ نَائِمٌ فَوْقَهُ؛ لأَِنَّ الْبَعِيرَ مُحْرَزٌ بِالْحَافِظِ، فَإِذَا أَخَذَهُمَا جَمِيعًا صَارَ كَمَنْ يَسْرِقُ نَفْسَ الْحِرْزِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُعْتَبَرُ الْمَكَانُ مُحْرَزًا بِالْحَافِظِ كُلَّمَا كَانَ الشَّيْءُ وَاقِعًا تَحْتَ بَصَرِهِ، مُمَيَّزًا أَمْ غَيْرَ مُمَيَّزٍ؛ لأَِنَّهُ وُجِدَ لِلْحِفْظِ وَيَقْصِدُهُ. وَعَلَى ذَلِكَ: فَإِنَّ مَا يَلْبَسُهُ الإِْنْسَانُ أَوْ يَحْمِلُهُ أَوْ يَرْكَبُهُ أَوْ يَقَعُ تَحْتَ بَصَرِهِ مِنْ مَتَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ، يُعْتَبَرُ مُحْرَزًا بِحَافِظٍ، يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ مِنْهُ مَا يَبْلُغُ النِّصَابَ. وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمَسْجِدَ يُعْتَبَرُ حِرْزًا بِالْحَافِظِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِهِ حَارِسٌ وَسَرَقَ شَخْصٌ شَيْئًا مِمَّا يَلْزَمُ الْمَسْجِدَ ضَرُورَةً، كَالْحُصْرِ وَالْقَنَادِيل، أَوْ لِلزِّينَةِ كَالْعَلَمِ وَالْمِشْكَاةِ، أَوْ لِلاِنْتِفَاعِ بِهِ كَالْمُصْحَفِ وَكُتُبِ الْعِلْمِ، فَلاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لاِنْعِدَامِ الْحِرْزِ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ كَانَ لِلْمَسْجِدِ حَارِسٌ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُحْرَزًا بِهِ (1) . 39 - ب - وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْحِرْزَ بِنَفْسِهِ: كُل مَكَانٍ اتَّخَذَهُ صَاحِبُهُ مُسْتَقَرًّا لَهُ، أَوِ اعْتَادَ النَّاسُ وَضْعَ أَمْتِعَتِهِمْ بِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُحَاطًا أَمْ غَيْرَ مُحَاطٍ، كَالْبُيُوتِ وَالْحَوَانِيتِ وَالْخَزَائِنِ، وَكَالْجَرِينِ الَّذِي يُجْمَعُ فِيهِ الْحَبُّ وَالتَّمْرُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَابٌ وَلاَ حَائِطٌ وَلاَ غَلْقٌ، وَكَالأَْمَاكِنِ الَّتِي يَضَعُ التُّجَّارُ بَضَائِعَهُمْ فِيهَا، فِي السُّوقِ أَوْ فِي __________ (1) بدائع الصنائع 7 / 74 - 76، فتح القدير 4 / 242، 245 - 246. الطَّرِيقِ دُونَ تَحْصِينٍ، وَكَالأَْمَاكِنِ الَّتِي تُرَاحُ فِيهَا الدَّوَابُّ دُونَ بِنَاءٍ، أَوِ الَّتِي تُنَاخُ فِيهَا الإِْبِل لِلْكِرَاءِ (1) . وَلاَ يَرَى الْمَالِكِيَّةُ مَا يَمْنَعُ مِنَ اعْتِبَارِ الْحِرْزِ بِنَفْسِهِ حِرْزًا بِالْحَافِظِ، بِحَيْثُ إِنَّهُ إِذَا اخْتَل الْحِرْزُ بِنَفْسِهِ، بِأَنْ أَذِنَ لِلسَّارِقِ فِي دُخُولِهِ، صَارَ حِرْزًا بِالْحَافِظِ إِنْ كَانَ بِهِ مَنْ يَحْفَظُهُ. وَعَلَى ذَلِكَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الضَّيْفِ إِذَا سَرَقَ مِنْ مَنْزِل مُضِيفِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُضِيفُ نَائِمًا أَوْ مُسْتَيْقِظًا، مَا دَامَ الشَّيْءُ الْمَسْرُوقُ يَقَعُ تَحْتَ بَصَرِهِ. كَمَا يَرَوْنَ إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ مِنْ أَفْنِيَةِ الْحَوَانِيتِ وَقْتَ الإِْذْنِ بِدُخُولِهَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا حَافِظٌ؛ لأَِنَّهَا تُحْفَظُ عَادَةً بِأَعْيُنِ الْجِيرَانِ وَمُلاَحَظَتِهِمْ. وَيُقَامُ الْحَدُّ عِنْدَهُمْ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ الْحِرْزَ نَفْسَهُ؛ لأَِنَّ نَفْسَ الْحِرْزِ يُعْتَبَرُ مُحْرَزًا بِإِقَامَتِهِ، فَالْحَائِطُ مُحْرَزٌ بِبِنَائِهِ، وَالْبَابُ مُحْرَزٌ بِتَثْبِيتِهِ، وَالْفُسْطَاطُ مُحْرَزٌ بِإِقَامَتِهِ. أَمَّا الْحِرْزُ بِغَيْرِهِ فَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْهُ صَاحِبُهُ مُسْتَقَرًّا لَهُ، وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِوَضْعِ الأَْمْتِعَةِ فِيهِ، كَالطَّرِيقِ وَالصَّحْرَاءِ. وَهُوَ يَكُونُ حِرْزًا بِصَاحِبِ الْمَتَاعِ إِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ مَتَاعِهِ عُرْفًا، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ حَيًّا عَاقِلاً مُمَيِّزًا. وَلِذَا لاَ يُقَامُ __________ (1)) الدسوقي 4 / 331، الخرشي 8 / 117، المدونة 16 / 79، المنتقى شرح الموطأ 7 / 159: " إذا آوى الماشية المراح ففيها القطع، وإن كان في غير دور ولا تحظير ولا غلق، وأهلها في مدنهم ". الْحَدُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ مَتَاعًا بِحَضْرَةِ مَيِّتٍ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ صَبِيٍّ غَيْرِ مُمَيِّزٍ. وَيَسْتَثْنِي الْمَالِكِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ سَرِقَةَ الْغَنَمِ فِي الْمَرْعَى، وَلَوْ كَانَ مَعَهَا رَاعِيهَا فَلاَ قَطْعَ عَلَى سَارِقِهَا؛ لِتَشَتُّتِ الْغَنَمِ وَعَدَمِ ضَبْطِهَا أَثْنَاءَ الرَّعْيِ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ قَطْعَ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ، وَلاَ فِي حَرِيسَةِ جَبَلٍ (1) . وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ: سَرِقَةُ الثِّيَابِ الْمَنْشُورَةِ وَلَوْ بِحَضْرَةِ الْحَافِظِ؛ لأَِنَّ آخِذَهُ خَائِنٌ أَوْ مُخْتَلِسٌ. وَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ مَتَاعًا وَضَعَهُ صَاحِبُهُ فِي الْمَسْجِدِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُعَدَّ لِحِفْظِ الْمَال أَصْلاً، إِلاَّ إِذَا كَانَ هُنَاكَ حَارِسٌ يُلاَحِظُهُ؛ لأَِنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَصِيرُ حِرْزًا بِالْحَافِظِ. وَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ كَذَلِكَ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ الْحِرْزَ بِالْحَافِظِ، كَمَنْ يَسْرِقُ بَعِيرًا وَرَاكِبُهُ نَائِمٌ فَوْقَهُ؛ لأَِنَّ يَدَ الْحَافِظِ لَمْ تَزُل عَنِ الْبَعِيرِ، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ الرَّاكِبُ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ الْفِعْل اخْتِلاَسًا إِذَا أُزِيلَتْ يَدُهُ عَنِ الْبَعِيرِ (2) . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ رِوَايَتَانِ فِي حُكْمِ سَارِقِ __________ (1) حديث: " لا قطع في ثمر معلق، ولا في حريسة جبل ". أخرجه مالك في الموطأ (2 / 831 - ط الحلبي) من حديث عبد الله المكي مرسلاً. قال ابن عبد البر: " لم تختلف رواة الموطأ في إرساله ويتصل معناه من حديث عبد الله بن عمر وغيره ". اهـ. (2) شرح الزرقاني 8 / 99 - 104، شرح الخرشي 8 / 119، مواهب الجليل 6 / 309. الْمَسْجِدِ: تَذْهَبُ الأُْولَى إِلَى إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ مِنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، كَالْحَائِطِ أَوِ الْبَابِ أَوِ السَّقْفِ، وَعَلَى مَنْ يَسْرِقُ مِنْ أَدَوَاتِهِ الْمُعَدَّةِ لِلاِسْتِعْمَال فِيهِ كَالْحُصْرِ أَوِ الْبُسُطِ أَوِ الْقَنَادِيل، لأَِنَّهَا مُحْرَزَةٌ بِنَفْسِهَا. أَمَّا الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى فَتُفَرَّقُ فِي أَدَوَاتِ الْمَسْجِدِ بَيْنَ مَا هُوَ مُثَبَّتٌ كَالْبَلاَطِ. أَوْ مَا هُوَ مُسَمَّرٌ كَالْقَنَادِيل الْمَشْدُودَةِ بِالسَّلاَسِل، أَوْ مَا شُدَّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ كَالْبُسُطِ الْمُخَيَّطِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ، وَهَذِهِ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى سَارِقِهَا، وَبَيْنَ غَيْرِ الْمُثَبَّتِ أَوِ الْمُسَمَّرِ أَوِ الْمَشْدُودِ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ فَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى سَارِقِهَا (1) . 40 - ج - وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ يَكُونُ حِرْزًا بِنَفْسِهِ إِلاَّ الْمَكَانُ الْمُغْلَقُ الْمُعَدُّ لِحِفْظِ الْمَال دَاخِل الْعُمْرَانِ، كَالْبُيُوتِ وَالْحَوَانِيتِ وَحَظَائِرِ الْمَاشِيَةِ. فَإِنْ كَانَ الْمَكَانُ غَيْرَ مُغْلَقٍ، بِأَنْ كَانَ بَابُهُ مَفْتُوحًا، أَوْ لَيْسَ لَهُ بَابٌ، أَوْ كَانَ حَائِطُهُ مُتَهَدِّمًا أَوْ بِهِ نَقْبٌ، فَلاَ يَكُونُ حِرْزًا بِنَفْسِهِ. وَإِنْ كَانَ الْمَكَانُ غَيْرَ مُعَدٍّ لِحِفْظِ الْمَال كَالسُّوقِ وَالْمَسْجِدِ وَالطَّرِيقِ، فَإِنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ حِرْزًا بِنَفْسِهِ. وَإِنْ كَانَ الْمَكَانُ خَارِجَ الْعُمْرَانِ، بِأَنْ كَانَ مُنْفَصِلاً عَنْ مَبَانِي الْقَرْيَةِ أَوِ الْبَلْدَةِ وَلَوْ بِبُسْتَانٍ، فَلاَ يَكُونُ حِرْزًا بِنَفْسِهِ. وَلاَ يَرَى الشَّافِعِيَّةُ مَا يَمْنَعُ مِنَ اعْتِبَارِ الْحِرْزِ بِنَفْسِهِ حِرْزًا بِالْحَافِظِ إِذَا __________ (1) مواهب الجليل 6 / 309، 313. اخْتَل الْحِرْزُ بِالْمَكَانِ، بِأَنْ أَذِنَ لِلسَّارِقِ بِالدُّخُول، أَوْ فَتْحِ الْبَابِ، أَوْ أَحْدَثَ بِهِ نَقْبٌ وَعَلَى ذَلِكَ: يُقَامُ الْحَدُّ عِنْدَهُمْ عَلَى الضَّيْفِ إِذَا سَرَقَ مِنْ غَيْرِ الْمَكَانِ الَّذِي نَزَل بِهِ، لأَِنَّهُ سَرَقَ مَالاً مُحْرَزًا لاَ شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ سَرَقَ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي نَزَل بِهِ، لاِخْتِلاَل الْحِرْزِ بِالإِْذْنِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ بِالْمَكَانِ الَّذِي نَزَل فِيهِ حَافِظٌ يَقَعُ بَصَرُهُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْمَكَانَ يُعْتَبَرُ حِرْزًا بِالْحَافِظِ، وَلَوْ كَانَ الْحَافِظُ نَائِمًا اخْتَل الْحِرْزُ، إِلاَّ إِذَا سَرَقَ الضَّيْفُ شَيْئًا يَلْبَسُهُ النَّائِمُ، أَوْ يَتَوَسَّدُهُ، أَوْ يَتَّكِئُ عَلَيْهِ، أَوْ يَلْتَفُّ بِهِ، فَيُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ. وَيُقَامُ الْحَدُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ نَفْسَ الْحِرْزِ؛ لأَِنَّهُ مُحْرَزٌ بِإِقَامَتِهِ، وَعَلَى ذَلِكَ يُقْطَعُ مَنْ يَسْرِقُ حِجَارَةَ الْحَائِطِ أَوْ بَابَ الْبَيْتِ أَوْ خَشَبَ السَّقْفِ. أَمَّا الْحِرْزُ بِغَيْرِهِ: فَهُوَ كُل مَكَانٍ لَمْ يُعَدَّ لِحِفْظِ الْمَال، أَوْ كَانَ خَارِجَ الْعُمْرَانِ، أَوْ غَيْرَ مُغْلَقٍ (1) . وَهُوَ لاَ يَكُونُ حِرْزًا إِلاَّ بِمُلاَحِظٍ يَقُومُ بِحِرَاسَةِ الْمَال بِحَيْثُ لاَ يَعْتَبِرُ الْعُرْفُ صَاحِبَهُ مُقَصِّرًا عِنْدَ سَرِقَتِهِ. فَالْمُلاَحَظَةُ يَخْتَلِفُ مَدَاهَا بِاخْتِلاَفِ نَوْعِ الْحِرْزِ: 1 - فَإِنْ كَانَ الْمَال فِي مَكَانٍ لاَ حَصَانَةَ لَهُ، __________ (1) أسنى المطالب 4 / 141 - 142، القليوبي وعميرة 4 / 192، المهذب 2 / 280، مغني المحتاج 4 / 165. كَصَحْرَاءَ أَوْ مَسْجِدٍ أَوْ شَارِعٍ، اشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ لاِعْتِبَارِهِ مُحْرَزًا دَوَامَ مُلاَحَظَتِهِ مِنَ الْمَالِكِ أَوْ مِمَّنِ اسْتَحْفَظَهُ الْمَالِكُ، وَلاَ يَقْطَعُ هَذَا الدَّوَامُ الْفَتَرَاتِ الْعَارِضَةَ فِي الْعَادَةِ الَّتِي يَغْفُل فِيهَا الْمُلاَحَظُ، فَيُقَامُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ أَثْنَاءَهَا. وَلِذَلِكَ لاَ يُعْتَبَرُ هَذَا الْمَكَانُ حِرْزًا، إِذَا كَانَ الْمُلاَحِظُ بَعِيدًا عُرْفًا عَنِ الْمَال، أَوْ كَانَ نَائِمًا أَوْ أَعْطَاهُ ظَهْرَهُ، أَوْ كَانَ ثَمَّةَ ازْدِحَامٍ يَحُول بَيْنَ الْمُلاَحِظِ وَبَيْنَ الْمَال. وَدَوَامُ الْمُلاَحَظَةِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُلاَحِظُ قَادِرًا عَلَى مَنْعِ السَّارِقِ مِنَ السَّرِقَةِ بِقُوَّةٍ مِنْ نَفْسِهِ، أَوْ بِقُوَّةٍ مِنْ غَيْرِهِ كَاسْتِغَاثَةٍ، فَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا لاَ يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ السَّارِقِ، وَالْمَوْضُوعُ بَعِيدٌ عَنِ الْغَوْثِ، فَإِنَّ الْمَال لاَ يُعْتَبَرُ مُحْرَزًا بِهِ. وَيُعْتَبَرُ الْمَرْعَى مِنَ الأَْمَاكِنِ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى لِحَاظٍ دَائِمٍ، فَلاَ يُعْتَبَرُ حِرْزًا لِلْمَاشِيَةِ إِلاَّ إِذَا كَانَ مَعَهَا حَافِظٌ يَرَاهَا وَيَسْمَعُ صَوْتَهَا إِذَا بَعُدَتْ عَنْهُ. وَإِنْ كَانَتِ الْمَاشِيَةُ مَقْطُورَةً يَقُودُهَا قَائِدٌ، فَلاَ تَكُونُ مُحْرَزَةً بِهِ إِلاَّ إِذَا كَانَ يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا كُل سَاعَةٍ بِحَيْثُ يَرَاهَا، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَقْطُورَةٍ، أَوْ كَانَ الْقَائِدُ لاَ يَسْتَطِيعُ رُؤْيَةَ بَعْضِهَا لِحَائِلٍ، اخْتَل الْحِرْزُ، وَيُدْرَأُ الْحَدُّ عَنِ السَّارِقِ. 2 - وَإِنْ كَانَ الْمَال فِي مَكَانٍ مُحْصَنٍ، كَدَارٍ وَحَانُوتٍ وَإِصْطَبْلٍ، كَفَى لِحَاظٌ مُعْتَادٌ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْمَكَانُ مُتَّصِلاً بِالْعُمْرَانِ، وَلَهُ بَابٌ مُغْلَقٌ، اعْتُبِرَ حِرْزًا، سَوَاءٌ كَانَ الْحَافِظُ قَوِيًّا أَوْ ضَعِيفًا، نَائِمًا أَوْ يَقِظًا، فِي النَّهَارِ أَوْ فِي اللَّيْل، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الزَّمَنُ زَمَنَ أَمْنٍ، أَمْ كَانَ زَمَنَ خَوْفٍ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ حَافِظٌ، فَلاَ يُعْتَبَرُ حِرْزًا إِلاَّ إِذَا كَانَ الْبَابُ مُغْلَقًا وَالْوَقْتُ نَهَارًا وَالزَّمَنُ زَمَنَ أَمْنٍ، وَإِلاَّ فَلاَ (1) . وَإِنْ كَانَ هَذَا الْمَكَانُ بَعِيدًا عَنِ الْعُمْرَانِ، وَبِهِ حَافِظٌ قَوِيٌّ يَقْظَانُ، اعْتُبِرَ حِرْزًا سَوَاءٌ كَانَ الْبَابُ مَفْتُوحًا أَوْ مُغْلَقًا، وَالأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يَكُونُ حِرْزًا إِذَا كَانَ بِهِ شَخْصٌ قَوِيٌّ نَائِمٌ، وَالْبَابُ مُغْلَقٌ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْمَكَانِ أَحَدٌ، أَوْ كَانَ بِهِ شَخْصٌ ضَعِيفٌ، فَلاَ يُعْتَبَرُ حِرْزًا لِمَا فِيهِ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْبَابُ مُغْلَقًا. وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْمَسْجِدَ يُعْتَبَرُ حِرْزًا بِنَفْسِهِ فِيمَا جُعِل لِعِمَارَتِهِ كَالْبِنَاءِ وَالسَّقْفِ، أَوْ لِتَحْصِينِهِ كَالأَْبْوَابِ وَالشَّبَابِيكِ، أَوْ لِزِينَتِهِ كَالسَّتَائِرِ وَالْقَنَادِيل الْمُعَلَّقَةِ لِلزِّينَةِ. فَأَمَّا مَا أُعِدَّ لاِنْتِفَاعِ النَّاسِ بِهِ كَالْحُصْرِ وَالْقَنَادِيل الَّتِي تُسْرَجُ فِيهِ وَالْمَصَاحِفِ، فَالأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى سَارِقِهَا إِذَا كَانَ لَهُ حَقُّ الاِنْتِفَاعِ، لِوُجُودِ الشُّبْهَةِ. وَمُقَابِل الأَْصَحِّ: وُجُوبُ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى سَارِقِ الْحُصْرِ وَالْقَنَادِيل (2) . __________ (1)) القليوبي وعميرة 4 / 192، مغني المحتاج 4 / 166، نهاية المحتاج 7 / 428، 450، 452. (2) أسنى المطالب 4 / 142، القليوبي وعميرة 4 / 192، المهذب 2 / 273، نهاية المحتاج 7 / 425. 41 - د - وَيَتَّفِقُ الْحَنَابِلَةُ مَعَ الشَّافِعِيَّةِ فِي أَنَّ الْحِرْزَ بِنَفْسِهِ: هُوَ كُل مَوْضِعٍ مُغْلَقٍ مُعَدٍّ لِحِفْظِ الْمَال دَاخِل الْعُمْرَانِ كَالْبُيُوتِ وَالْحَوَانِيتِ وَحَظَائِرِ الْمَاشِيَةِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُغْلَقًا: بِأَنْ كَانَ بَابُهُ مَفْتُوحًا أَوْ بِهِ نَقْبٌ، فَلاَ يُعْتَبَرُ حِرْزًا بِنَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَدًّا لِحِفْظِ الْمَال كَالسُّوقِ وَالْمَسْجِدِ، فَلاَ يُعْتَبَرُ حِرْزًا بِنَفْسِهِ. وَإِنْ كَانَ خَارِجَ الْعُمْرَانِ فَلاَ يُعْتَبَرُ حِرْزًا بِنَفْسِهِ. وَلاَ يَرَى الْحَنَابِلَةُ مَانِعًا مِنَ اعْتِبَارِ الْحِرْزِ بِنَفْسِهِ حِرْزًا بِالْحَافِظِ إِذَا اخْتَل الْحِرْزُ بِالْمَكَانِ بِأَنْ أَذِنَ لِلسَّارِقِ بِالدُّخُول، أَوْ كَانَ الْبَابُ مَفْتُوحًا، أَوْ أَحْدَثَ بِالْمَكَانِ نَقْبٌ. وَلِهَذَا لاَ يُقَامُ الْحَدُّ عِنْدَهُمْ عَلَى الضَّيْفِ إِذَا سَرَقَ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَذِنَ لَهُ بِدُخُولِهِ لاِخْتِلاَل الْحِرْزِ بِالإِْذْنِ. فَأَمَّا إِذَا سَرَقَ مِنْ مَوْضِعٍ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ بِدُخُولِهِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ مُعَامَلَةِ الضَّيْفِ: فَإِنْ كَانَ الْمُضِيفُ قَدْ مَنَعَهُ قِرَاهُ فَسَرَقَ بِقَدْرِهِ لاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنَعَهُ قِرَاهُ يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ السَّرِقَةِ. وَيَذْهَبُ الْحَنَابِلَةُ إِلَى إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ نَفْسَ الْحِرْزِ، لأَِنَّهُ مُحْرَزٌ بِإِقَامَتِهِ. وَعَلَى ذَلِكَ يُقْطَعُ مَنْ يَسْرِقُ حِجَارَةً مِنْ حَائِطِ الدَّارِ، أَوْ بَابِهِ، أَوْ نَحْوِهِ. أَمَّا الْحِرْزُ بِغَيْرِهِ: فَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي لَمْ يُعَدَّ لِحِفْظِ الْمَال دُونَ حَافِظٍ فِي الْعَادَةِ، كَالْخِيَامِ وَالْمَضَارِبِ، أَوِ الْمَوْضِعِ الْمُنْفَصِل عَنِ الْعُمْرَانِ، كَالْبُيُوتِ فِي الْبَسَاتِينِ وَالطُّرُقِ وَالصَّحْرَاءِ، مُغْلَقَةً كَانَتْ أَوْ مَفْتُوحَةً، فَلاَ تَكُونُ حِرْزًا إِلاَّ بِحَافِظٍ أَيًّا كَانَ: صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، قَوِيًّا أَوْ ضَعِيفًا، مَا دَامَ لَمْ يُفَرِّطْ فِي الْحِفْظِ بِنَحْوِ نَوْمٍ، أَوْ يَشْتَغِل عَنِ الْمُلاَحَظَةِ بِنَحْوِ لَهْوٍ. وَعَلَى ذَلِكَ تُحْرَزُ الْمَاشِيَةُ فِي الْمَرْعَى بِمُلاَحَظَةِ الرَّاعِي لَهَا، بِأَنْ يَرَاهَا وَيَبْلُغَهَا صَوْتُهُ. فَإِنْ نَامَ أَوْ غَفَل عَنْهَا أَوِ اسْتَتَرَ بَعْضُهَا عَنْهُ فَلاَ تَكُونُ مُحْرَزَةً. أَمَّا الإِْبِل فَإِنَّهَا تُحْرَزُ وَهِيَ بَارِكَةٌ إِذَا عُقِلَتْ وَكَانَ مَعَهَا حَافِظٌ وَلَوْ نَائِمًا (1) . وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ رَأْيَانِ فِي حُكْمِ السَّرِقَةِ مِنَ الْمَسْجِدِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَسْجِدَ لَيْسَ حِرْزًا بِنَفْسِهِ إِلاَّ فِيمَا جُعِل لِعِمَارَتِهِ أَوْ لِزِينَتِهِ، كَالسَّقْفِ وَالأَْبْوَابِ وَنَحْوِهَا، فَأَمَّا مَا أُعِدَّ لاِنْتِفَاعِ النَّاسِ بِهِ، كَالْحُصْرِ أَوِ الْبُسُطِ أَوْ قَنَادِيل الإِْضَاءَةِ، فَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى سَارِقِهَا، وَلَوْ كَانَتْ مُحْرَزَةً بِحَافِظٍ؛ لأَِنَّ حَقَّ السَّارِقِ فِي الاِنْتِفَاعِ بِهَا يُعْتَبَرُ شُبْهَةً تَدْرَأُ عَنْهُ الْحَدَّ. وَالرَّأْيُ الآْخَرُ: لاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ يَسْرِقُ مِنَ الْمَسْجِدِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَسْرُوقُ لِعِمَارَتِهِ وَزِينَتِهِ، أَوْ كَانَ مُعَدًّا لاِنْتِفَاعِ النَّاسِ بِهِ؛ لأَِنَّ الْمَسْجِدَ لاَ مَالِكَ لَهُ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ؛ وَلأَِنَّهُ مُعَدٌّ لاِنْتِفَاعِ الْمُسْلِمِينَ بِهِ، __________ (1) كشاف القناع 4 / 81، وما بعدها، المغني والشرح الكبير 10 / 250، 257. فَكَانَ ذَلِكَ شُبْهَةً تَدْرَأُ الْحَدَّ، سَوَاءٌ اعْتُبِرَتِ السَّرِقَةُ مِنْ حِرْزٍ بِنَفْسِهِ أَوْ مِنْ حِرْزٍ بِالْحَافِظِ (1) . الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الأَْخْذُ خُفْيَةً: 42 - يُشْتَرَطُ لإِِقَامَةِ حَدِّ السَّرِقَةِ أَنْ يَأْخُذَ السَّارِقُ الْمَسْرُوقَ خُفْيَةً، وَأَنْ يُخْرِجَهُ مِنَ الْحِرْزِ. فَإِذَا شَرَعَ فِي الأَْخْذِ وَلَمْ يُتِمَّهُ، فَلاَ يُقْطَعُ، بَل يُعَزَّرُ. وَقَدْ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الشَّرِيكِ إِذَا بَلَغَ فِعْلُهُ حَدًّا يُمْكِنُ مَعَهُ نِسْبَةُ السَّرِقَةِ إِلَيْهِ. 1 - الأَْخْذُ: 43 - لاَ يُعْتَبَرُ مُجَرَّدُ الأَْخْذِ سَرِقَةً عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، إِلاَّ إِذَا نَتَجَ عَنْ هَتْكِ الْحِرْزِ، كَأَنْ يَفْتَحَ السَّارِقُ إِغْلاَقَهُ وَيَدْخُل، أَوْ يَكْسِرَ بَابَهُ أَوْ شُبَّاكَهُ، أَوْ يَنْقُبَ فِي سَطْحِهِ أَوْ جِدَارِهِ، أَوْ يُدْخِل يَدَهُ فِي الْجَيْبِ لأَِخْذِ مَا بِهِ، أَوْ يَأْخُذَ ثَوْبًا تَوَسَّدَهُ شَخْصٌ نَائِمٌ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ. وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى طَرِيقَةِ الأَْخْذِ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى إِقَامَةِ الْحَدِّ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - إِلاَّ أَبَا يُوسُفَ - إِلَى أَنَّ الأَْخْذَ لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ إِذَا كَانَ هَتْكُ الْحِرْزِ هَتْكًا كَامِلاً تَحَرُّزًا عَنْ شُبْهَةِ الْعَدَمِ، بِأَنْ يَدْخُل الْحِرْزَ فِعْلاً، إِذَا كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ دُخُولُهُ، كَبَيْتٍ وَحَانُوتٍ، فَإِذَا __________ (1) كشاف القناع 4 / 83، المغني والشرح الكبير 10 / 254. كَانَ مِمَّا لاَ يُمْكِنُ دُخُولُهُ، كَصُنْدُوقٍ وَجَيْبٍ، فَلاَ يُشْتَرَطُ الدُّخُول (1) . وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ: مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ قَال: اللِّصُّ إِذَا كَانَ ظَرِيفًا لاَ يُقْطَعُ. قِيل: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَال: أَنْ يَنْقُبَ الْبَيْتَ فَيُدْخِل يَدَهُ وَيُخْرِجَ الْمَتَاعَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْخُلَهُ (2) . وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ، وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّ دُخُول الْحِرْزِ لَيْسَ شَرْطًا لِتَحَقُّقِ الأَْخْذِ وَهَتْكِ الْحِرْزِ، فَدُخُول الْحِرْزِ لَيْسَ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ، بَل لأَِخْذِ الْمَال، فَإِذَا تَحَقَّقَ الْمَقْصُودُ بِمَدِّ الْيَدِ دَاخِل الْحِرْزِ وَإِخْرَاجِ الْمَال، كَانَ ذَلِكَ كَافِيًا فِي هَتْكِ الْحِرْزِ وَأَخْذِ الْمَال (3) . وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ: مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ رَجُلاً كَانَ يَسْرِقُ الْحُجَّاجَ بِمِحْجَنِهِ، فَقِيل لَهُ: أَتَسْرِقُ مَتَاعَ الْحُجَّاجِ؟ قَال: لَسْتُ أَسْرِقُ، وَإِنَّمَا يَسْرِقُ الْمِحْجَنُ. فَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: رَأَيْتُهُ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ. يَعْنِي: أَمْعَاءَهُ، لِمَا كَانَ يَتَنَاوَل مِنْ مَال الْحُجَّاجِ (4) . __________ (1) بدائع الصنائع 7 / 66، الهداية 2 / 93. (2) المبسوط 9 / 147. (3) فتح القدير 4 / 245، مواهب الجليل 6 / 310، المهذب 2 / 297، المغني 10 / 259. (4) حديث المحجن أخرجه مسلم (2 / 623 - ط الحلبي) من حديث جابر بلفظ: " حتى رأيت فيها صاحب المحجن يجر قصبه في النار، وكان يسرق الحاج بمحجنه، فإن فطن له قال: إنما تعلق بمحجني، وإن غفل عنه ذهب به ". والمحجن: كل معوج الرأس كالصولجان. الْخُفْيَةُ: 44 - يُشْتَرَطُ لإِِقَامَةِ حَدِّ السَّرِقَةِ أَنْ يُؤْخَذَ الشَّيْءُ خُفْيَةً وَاسْتِتَارًا، بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ دُونَ عِلْمِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ وَدُونَ رِضَاهُ. فَإِنْ أَخَذَ الشَّيْءَ عَلَى سَبِيل الْمُجَاهَرَةِ، سُمِّيَ: مُغَالَبَةً أَوْ نَهْبًا أَوْ خِلْسَةً أَوِ اغْتِصَابًا أَوِ انْتِهَابًا، لاَ سَرِقَةً. وَإِنْ حَدَثَ الأَْخْذُ دُونَ عِلْمِ الْمَالِكِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، ثُمَّ رَضِيَ، فَلاَ سَرِقَةَ. وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ حُكْمِ الأَْخْذِ فِي: الاِخْتِلاَسِ، وَجَحْدِ الأَْمَانَةِ، وَالْحِرَابَةِ، وَالْغَصْبِ، وَالنَّبْشِ، وَالنَّشْل، وَالنَّهْبِ (1) . 3 - الإِْخْرَاجُ: 45 - لاَ تَكْتَمِل صُورَةُ الأَْخْذِ خُفْيَةً إِلاَّ إِذَا أَخْرَجَ السَّارِقُ الشَّيْءَ الْمَسْرُوقَ مِنْ حِرْزِهِ، وَمِنْ حِيَازَةِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، وَأَدْخَلَهُ فِي حِيَازَةِ نَفْسِهِ. أ - الإِْخْرَاجُ مِنَ الْحِرْزِ: 46 - اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى وُجُوبِ إِخْرَاجِ الْمَسْرُوقِ (2) مِنَ الْحِرْزِ لِكَيْ يُقَامَ حَدُّ السَّرِقَةِ، __________ (1) بدائع الصنائع 7 / 64 - 65، بداية المجتهد 2 / 436، القليوبي وعميرة 4 / 186، شرح منتهى الإرادات 3 / 362. وانظر: استعراض الألفاظ ذات الصلة في أول هذا البحث. (2) البحر الرائق 5 / 55، الخرشي على خليل 8 / 97، القليوبي وعميرة 4 / 190، شرح منتهى الإرادات 3 / 367. فَإِنْ كَانَتِ السَّرِقَةُ مِنْ حِرْزٍ بِالْحَافِظِ فَيَكْفِي مُجَرَّدُ الأَْخْذِ، حَيْثُ لاَ اعْتِبَارَ لِلْمَكَانِ فِي الْحِرْزِ بِالْحَافِظِ. وَإِنْ كَانَتِ السَّرِقَةُ مِنْ حِرْزٍ بِنَفْسِهِ فَلاَ بُدَّ مِنْ إِخْرَاجِ الْمَسْرُوقِ مِنَ الْمَكَانِ الْمُعَدِّ لِحِفْظِهِ، فَإِذَا ضُبِطَ السَّارِقُ دَاخِل الْحِرْزِ، قَبْل أَنْ يَخْرُجَ بِمَا سَرَقَهُ، فَلاَ يُقْطَعُ بَل يُعَزَّرُ (1) . وَالإِْخْرَاجُ مِنَ الْحِرْزِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُبَاشِرًا، بِأَنْ يَقُومَ السَّارِقُ بِأَخْذِ الْمَسْرُوقِ خُفْيَةً مِنَ الْحِرْزِ وَيَخْرُجَ بِهِ مِنْهُ، أَوْ بِأَنْ يُؤَدِّيَ فِعْلُهُ مُبَاشَرَةً إِلَى إِخْرَاجِهِ، كَأَنْ يَدْخُل الْحِرْزَ وَيَأْخُذَ الْمَسْرُوقَ ثُمَّ يَرْمِيَ بِهِ خَارِجَ الْحِرْزِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُبَاشِرٍ وَيُطْلِقُ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ الأَْخْذُ بِالتَّسَبُّبِ، بِأَنْ يُؤَدِّيَ فِعْل السَّارِقِ - بِطَرِيقٍ غَيْرِ مُبَاشِرٍ - إِلَى إِخْرَاجِ الْمَسْرُوقِ مِنَ الْحِرْزِ، كَأَنْ يَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِ دَابَّةٍ وَيَقُودَهَا خَارِجَ الْحِرْزِ، أَوْ يُلْقِيَهُ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ ثُمَّ يَفْتَحَ مَصْدَرَ الْمَاءِ فَيُخْرِجَهُ التَّيَّارُ مِنَ الْحِرْزِ. وَسَوَاءٌ كَانَ الإِْخْرَاجُ مُبَاشِرًا أَوْ غَيْرَ مُبَاشِرٍ فَإِنَّ شُرُوطَ الأَْخْذِ خُفْيَةً تَكُونُ تَامَّةً وَيُقَامُ الْحَدُّ عَلَى السَّارِقِ لأَِنَّهُ هُوَ الْمُخْرِجُ لِلشَّيْءِ: إِمَّا بِنَفْسِهِ وَإِمَّا بِآلَتِهِ. غَيْرَ أَنَّ بَعْضَ صُوَرِ الإِْخْرَاجِ كَانَتْ مَحَلًّا لاِخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ، تَبَعًا لاِخْتِلاَفِهِمْ فِي مَفْهُومِ الأَْخْذِ التَّامِّ. فَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَهْتِكَ __________ (1) البحر الرائق 5 / 64 - 65، بدائع الصنائع 7 / 65، شرح الزرقاني 8 / 98، المهذب 2 / 295 وما بعدها، كشاف القناع 4 / 79. السَّارِقُ الْحِرْزَ، وَيَدْخُلَهُ، وَيَأْخُذَ الشَّيْءَ خُفْيَةً، ثُمَّ يَرْمِيَ بِهِ خَارِجَ الْحِرْزِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ يَخْرُجُ فَيَأْخُذُهُ، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَتَّفِقُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى أَنَّ الأَْخْذَ تَامٌّ فَيُقَامُ الْحَدُّ عَلَى السَّارِقِ، وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ زُفَرُ، حَيْثُ يَرَى أَنَّ الأَْخْذَ لاَ يَتِمُّ إِلاَّ بِالإِْخْرَاجِ، وَالرَّمْيُ لَيْسَ بِإِخْرَاجٍ، وَالأَْخْذُ مِنَ الْخَارِجِ لاَ يُعْتَبَرُ أَخْذًا مِنَ الْحِرْزِ (1) . ب - إِخْرَاجُ الْمَسْرُوقِ مِنْ حِيَازَةِ مَالِكِهِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ: 46 م - يَتَرَتَّبُ عَلَى إِخْرَاجِ الْمَسْرُوقِ مِنَ الْحِرْزِ أَنْ يَخْرُجَ كَذَلِكَ مِنْ حِيَازَةِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، ذَلِكَ أَنَّ السَّارِقَ إِذَا أَخْرَجَ الْمَسْرُوقَ مِنَ الْبَيْتِ أَوِ الْحَانُوتِ أَوِ الْحَظِيرَةِ أَوِ الْجَيْبِ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِذَلِكَ قَدْ أَخْرَجَهُ مِنْ حِيَازَةِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، حَيْثُ إِنَّهُ قَدْ أَزَال يَدَ الْحَائِزِ عَنِ الشَّيْءِ الْمَسْرُوقِ. وَلَكِنَّ إِخْرَاجَ الْمَسْرُوقِ مِنْ حِيَازَةِ مَالِكِهِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى خُرُوجِ السَّارِقِ بِهِ مِنَ الْحِرْزِ، فَقَدْ تَزُول يَدُ الْحَائِزِ عَنِ الْمَسْرُوقِ رَغْمَ بَقَاءِ السَّارِقِ فِي الْحِرْزِ وَعَدَمِ إِخْرَاجِ الْمَسْرُوقِ مِنْ ذَلِكَ الْحِرْزِ، كَمَا إِذَا ابْتَلَعَ السَّارِقُ مَا سَرَقَهُ دُونَ __________ (1) فتح القدير 4 / 244، المبسوط 9 / 148، الهداية 2 / 93، بدائع الصنائع 7 / 65، مواهب الجليل 6 / 308، نهاية المحتاج 7 / 437، المغني والشرح الكبير 10 / 259، الفتاوى الهندية 2 / 179. أَنْ يُغَادِرَ الْحِرْزَ، فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَنَحْوِهَا يَخْرُجُ الْمَسْرُوقُ مِنْ حِيَازَةِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ السَّارِقُ مِنَ الْحِرْزِ. ج - دُخُول الْمَسْرُوقِ فِي حِيَازَةِ السَّارِقِ: 47 - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ إِخْرَاجَ الْمَسْرُوقِ مِنْ حِرْزِهِ، وَمِنْ حِيَازَةِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، لاَ يَسْتَتْبِعُ حَتْمًا دُخُولَهُ فِي حِيَازَةِ السَّارِقِ، وَمِنْ ثَمَّ لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ. مِثَال ذَلِكَ: أَنْ يَهْتِكَ السَّارِقُ الْحِرْزَ، وَيَدْخُلَهُ، وَيَأْخُذَ الشَّيْءَ خُفْيَةً، ثُمَّ يَرْمِيَ بِهِ خَارِجَ الْحِرْزِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ لاَ يَتَمَكَّنُ مِنَ الْخُرُوجِ لأَِخْذِهِ، أَوْ يَخْرُجَ مِنَ الْحِرْزِ لِيَأْخُذَهُ فَيَجِدَ غَيْرَهُ قَدْ عَثَرَ عَلَيْهِ وَأَخَذَهُ. وَهُنَا يُعْتَبَرُ الْمَسْرُوقُ قَدْ أَخْرَجَ مِنَ الْحِرْزِ، وَمِنْ حِيَازَةِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَدْخُل فِي حِيَازَةِ السَّارِقِ. لأَِنَّهُ إِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الْخُرُوجِ فَلاَ تَثْبُتُ يَدُهُ عَلَى الْمَسْرُوقِ وَلاَ يُعْتَبَرُ فِي حِيَازَتِهِ فِعْلاً. وَإِنْ خَرَجَ وَلَمْ يَجِدِ الْمَسْرُوقَ، تَكُونُ يَدُ الآْخِذِ قَدِ اعْتَرَضَتْ يَدَ السَّارِقِ، فَدَخَل الْمَسْرُوقُ فِي حِيَازَةِ مَنْ أَخَذَهُ، وَلَمْ يَدْخُل فِي حِيَازَةِ مَنْ سَرَقَهُ، وَحِينَئِذٍ تَحُول هَذِهِ " الْيَدُ الْمُعْتَرِضَةُ " دُونَ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى السَّارِقِ، وَإِنْ كَانَ يُعَزَّرُ (1) . وَيَنْطَبِقُ نَفْسُ الْحُكْمِ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - عَلَى مَنْ يَهْتِكُ الْحِرْزَ، وَيَدْخُلُهُ، __________ (1) بدائع الصنائع 7 / 65، فتح القدير 4 / 244، المبسوط 9 / 148. وَيَأْخُذُ الشَّيْءَ خُفْيَةً وَلَكِنَّهُ يُتْلِفُهُ وَهُوَ دَاخِل الْحِرْزِ؛ لأَِنَّهُ إِنْ أَتْلَفَ مَا يَفْسُدُ بِالإِْتْلاَفِ كَأَنْ أَكَل الطَّعَامَ، أَوْ أَحْرَقَ الْمَتَاعَ، أَوْ مَزَّقَ الثَّوْبَ، أَوْ كَسَرَ الآْنِيَةَ، فَلاَ يُعَدُّ سَارِقًا، بَل مُتْلِفًا، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ وَالتَّعْزِيرُ. أَمَّا إِنْ أَتْلَفَ بَعْضَهُ وَأَخْرَجَ الْبَعْضَ الآْخَرَ، وَكَانَتْ قِيمَةُ مَا أَخْرَجَهُ تُسَاوِي نِصَابًا، فَإِنَّهُ يَكُونُ سَارِقًا، لِتَحَقُّقِ تَمَامِ الأَْخْذِ بِالْهَتْكِ وَالإِْخْرَاجِ، وَخَالَفَهُمْ أَبُو يُوسُفَ؛ لأَِنَّ السَّارِقَ إِذَا أَتْلَفَ الْبَعْضَ يَصِيرُ ضَامِنًا، وَالْمَضْمُونَاتُ تُمْلَكُ بِالضَّمَانِ، فَيَكُونُ سَبَبُ الْمِلْكِ قَدِ انْعَقَدَ لَهُ قَبْل الإِْخْرَاجِ، وَلاَ يُقْطَعُ أَحَدٌ فِي مَال نَفْسِهِ. وَإِنْ كَانَ مَا أَتْلَفَهُ - وَهُوَ دَاخِل الْحِرْزِ - لاَ يَفْسُدُ بِالإِْتْلاَفِ، كَأَنْ يَبْتَلِعَ جَوْهَرَةً أَوْ دِينَارًا فَإِنَّهُ لاَ يُعَدُّ سَارِقًا أَيْضًا، حَتَّى لَوْ خَرَجَ بِمَا ابْتَلَعَهُ؛ لأَِنَّ الاِبْتِلاَعَ يُعْتَبَرُ اسْتِهْلاَكًا لِلشَّيْءِ، فَهُوَ مِنْ قَبِيل الإِْتْلاَفِ، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ (1) . أَمَّا غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ إِخْرَاجَ الْمَسْرُوقِ مِنْ حِرْزِهِ وَمِنْ حِيَازَةِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ يَسْتَتْبِعُ حَتْمًا إِدْخَالَهُ فِي حِيَازَةِ السَّارِقِ إِدْخَالاً فِعْلِيًّا أَوْ حُكْمِيًّا. وَعَلَى ذَلِكَ: فَلَوْ دَخَل السَّارِقُ الْحِرْزَ، وَأَخَذَ الشَّيْءَ خُفْيَةً، وَرَمَى بِهِ خَارِجَ الْحِرْزِ، فَإِنَّ الْحَدَّ يُقَامُ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ حِينَ أَخْرَجَ الشَّيْءَ مِنْ __________ (1) بدائع الصنائع 7 / 70، 71 - 84، فتح القدير 4 / 264، المبسوط 9 / 164، حاشية ابن عابدين 3 / 199. حِرْزِهِ وَمِنْ حِيَازَةِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، يَكُونُ أَدْخَلَهُ حُكْمًا فِي حِيَازَةِ نَفْسِهِ، فَإِذَا خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَخَذَهُ، فَإِنَّ وَضْعَ الْيَدِ الْفِعْلِيِّ عَلَى الْمَسْرُوقِ يَنْضَمُّ إِلَى الْحِيَازَةِ الْحُكْمِيَّةِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُوجِبُ الْحَدَّ بِمُفْرَدِهِ. وَكَذَلِكَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْحِرْزِ فَوَجَدَ أَنَّ غَيْرَهُ قَدْ أَخَذَ الشَّيْءَ الْمَسْرُوقَ، لأَِنَّ هَذَا الشَّيْءَ دَخَل فِي حِيَازَةِ السَّارِقِ حُكْمًا، وَلَوْ لَمْ يَضَعْ يَدَهُ عَلَيْهِ فِعْلاً، وَصَاحِبُ الْيَدِ الْمُعْتَرَضَةِ لاَ يُغَيِّرُ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ - عِنْدَهُمْ - لأَِنَّ الْيَدَ الْمُعْتَرِضَةَ لاَ تُجَوِّزُ الْمَسْرُوقَ إِلاَّ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي حِيَازَةِ السَّارِقِ. وَيُقَامُ الْحَدُّ عَلَى السَّارِقِ أَيْضًا - عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - إِذَا رَمَى الشَّيْءَ الْمَسْرُوقَ خَارِجَ الْحِرْزِ، ثُمَّ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لأَِخْذِهِ، بِأَنْ تَمَّ ضَبْطُهُ دَاخِل الْحِرْزِ أَوْ مُنِعَ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْهُ؛ لأَِنَّهُ دَخَل فِي حِيَازَتِهِ حُكْمًا بِمُجَرَّدِ خُرُوجِهِ مِنْ حِيَازَةِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، وَالْحِيَازَةُ الْحُكْمِيَّةُ تَكْفِي لاِعْتِبَارِ الأَْخْذِ تَامًّا كَالْحِيَازَةِ الْفِعْلِيَّةِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ. وَلَئِنْ كَانَ مَالِكٌ تَرَدَّدَ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى السَّارِقِ إِذَا ضُبِطَ فِي الْحِرْزِ، بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ الْمَسْرُوقَ وَقَبْل أَنْ يَخْرُجَ لأَِخْذِهِ، إِلاَّ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَلَى إِقَامَةِ الْحَدِّ كَمَا قَال ابْنُ عَرَفَةَ (1) : وَالْمَدَارُ فِي الْقَطْعِ عَلَى __________ (1) مواهب الجليل 6 / 308، المهذب 2 / 297، المغني والشرح الكبير 10 / 259، شرح الزرقاني 8 / 98، أسنى المطالب 4 / 138، 147، حاشية الدسوقي 4 / 338. إِخْرَاجِ النِّصَابِ مِنَ الْحِرْزِ، خَرَجَ مِنْهُ السَّارِقُ إِذَا دَخَل أَمْ لاَ، حَتَّى إِنَّ السَّارِقَ لَوْ أَخْرَجَ النِّصَابَ مِنَ الْحِرْزِ، ثُمَّ عَادَ بِهِ فَأَدْخَلَهُ، قُطِعَ. وَقَدِ اتَّفَقَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ مَعَ جُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ مَنْ يَهْتِكُ الْحِرْزَ وَيَدْخُلُهُ، وَيَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئًا يَفْسُدُ بِالإِْتْلاَفِ، ثُمَّ يُتْلِفُهُ وَهُوَ دَاخِل الْحِرْزِ، فَلاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لأَِنَّ فِعْلَهُ هَذَا يُعْتَبَرُ اسْتِهْلاَكًا، لاَ سَرِقَةً، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ وَالتَّعْزِيرُ. أَمَّا إِذَا أَتْلَفَ بَعْضَهُ دَاخِل الْحِرْزِ، وَأَخْرَجَ الْبَعْضَ الآْخَرَ مِنْهُ، وَكَانَتْ قِيمَةُ مَا أَخْرَجَ تُسَاوِي النِّصَابَ، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ سَارِقًا وَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، لِتَحَقُّقِ الأَْخْذِ بِهَتْكِ الْحِرْزِ وَإِخْرَاجِ النِّصَابِ مِنْهُ. وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ مَنْ يُتْلِفُ وَهُوَ دَاخِل الْحِرْزِ شَيْئًا لاَ يَفْسُدُ بِالإِْتْلاَفِ، كَأَنْ يَبْتَلِعَ دِينَارًا أَوْ جَوْهَرَةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ الْحِرْزِ. فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الاِبْتِلاَعَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُعْتَبَرُ أَخْذًا تَامًّا، كَأَنَّهُ وَضَعَ الْمَسْرُوقَ فِي وِعَاءٍ وَخَرَجَ بِهِ، وَلِهَذَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، قَوْلاً وَاحِدًا. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى اعْتِبَارِ الْفِعْل إِتْلاَفًا، إِذَا لَمْ يَخْرُجِ الْمَسْرُوقُ مِنْ جَوْفِهِ بَعْدَ ابْتِلاَعِهِ، وَمِنْ ثَمَّ لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لأَِنَّهُ اسْتَهْلَكَهُ دَاخِل الْحِرْزِ، فَصَارَ كَأَكْل الطَّعَامِ. أَمَّا إِذَا خَرَجَ الْمَسْرُوقُ مِنْ جَوْفِهِ بَعْدَ ابْتِلاَعِهِ، فَالأَْصَحُّ أَنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ السَّرِقَةِ؛ لأَِنَّ الْمَسْرُوقَ بَاقٍ بِحَالِهِ لَمْ يَفْسُدْ، فَأَشْبَهَ مَا إِذَا أَخْرَجَهُ فِي فِيهِ أَوْ فِي وِعَاءٍ. وَلَدَى الْحَنَابِلَةِ وَجْهَانِ: أَوَّلُهُمَا: يُعْتَبَرُ الْفِعْل إِتْلاَفًا فِي كُل حَالٍ، فَلاَ قَطْعَ، بَل يَجِبُ الضَّمَانُ، وَالآْخَرُ: يُعْتَبَرُ الْفِعْل إِتْلاَفًا إِذَا لَمْ يَخْرُجِ الْمَسْرُوقُ مِنْ جَوْفِ مَنِ ابْتَلَعَهُ، وَمِنْ ثَمَّ لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَيَعْتَبِرُهُ سَرِقَةً إِذَا خَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ بَعْدَ الاِبْتِلاَعِ، وَكَأَنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي جَيْبِهِ، وَمِنْ ثَمَّ يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ السَّرِقَةِ (1) . د - الشُّرُوعُ فِي الأَْخْذِ: 48 - يُعْتَبَرُ شُرُوعًا فِي السَّرِقَةِ كُل فِعْلٍ يُمْكِنُ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَى سَرِقَةٍ، وَلَكِنَّ السَّرِقَةَ لَمْ تَكْتَمِل مَعَهُ، وَذَلِكَ كَالْوَسَائِل الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى هَتْكِ الْحِرْزِ، أَوْ أَخْذِ الشَّيْءِ دُونَ عِلْمِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ وَرِضَاهُ، أَوْ إِخْرَاجِ الشَّيْءِ الْمَسْرُوقِ مِنْ حِرْزِهِ، وَمِنْ حِيَازَةِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، دُونَ أَنْ يَدْخُل فِي حِيَازَةِ الآْخِذِ، أَوْ إِخْرَاجِ مَا دُونَ النِّصَابِ. أَمَّا إِذَا تَمَّتِ السَّرِقَةُ فَإِنَّ الْحَدَّ يُقَامُ عَلَى السَّارِقِ بِاعْتِبَارِهِ قَدِ ارْتَكَبَ جَرِيمَةً مُوجِبَةً لِلْحَدِّ شَرْعًا، وَذَلِكَ دُونَ نَظَرٍ إِلَى كُل فِعْلٍ بِمُفْرَدِهِ مِنَ الأَْفْعَال الَّتِي كَوَّنَتِ السَّرِقَةَ. __________ (1) شرح الخرشي 8 / 97، شرح الزرقاني 8 / 99، الشرح الكبير للدردير 4 / 338، أسنى المطالب 4 / 184، المهذب 2 / 297، مغني المحتاج 4 / 173، روضة الطالبين 10 / 136، المغني والشرح الكبير 10 / 261. حُكْمُ الشُّرُوعِ فِي السَّرِقَةِ: 49 - مِنَ الْمُقَرَّرِ فِي الشَّرْعِ الإِْسْلاَمِيِّ: أَنَّ كُل مَعْصِيَةٍ يَنْجُمُ عَنْهَا عُدْوَانٌ عَلَى حَقِّ إِنْسَانٍ أَوْ عَلَى حَقِّ الأُْمَّةِ فَإِنَّ مُرْتَكِبَهَا يَخْضَعُ لِلْحَدِّ أَوْ لِلتَّعْزِيرِ أَوْ لِلْكَفَّارَةِ، وَحَيْثُ إِنَّ الْحُدُودَ وَالْكَفَّارَاتِ مُحَدَّدَةٌ شَرْعًا، فَكُل مَعْصِيَةٍ لاَ حَدَّ فِيهَا وَلاَ كَفَّارَةَ يُمْكِنُ أَنْ يُعَاقَبَ مُرْتَكِبُهَا عَلَى وَجْهِ التَّعْزِيرِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَتَى جَرِيمَةً كَامِلَةً، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِ فِعْلِهِ يُعْتَبَرُ شُرُوعًا فِي جَرِيمَةٍ أُخْرَى (1) . انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (تَعْزِير) . وَعَلَى ذَلِكَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، فَإِنَّهُمْ يَمْنَعُونَ إِقَامَةَ الْحَدِّ إِذَا لَمْ تَتِمَّ السَّرِقَةُ، وَلَكِنَّهُمْ يُوجِبُونَ التَّعْزِيرَ عَلَى مَنْ يَبْدَأُ فِي الأَْفْعَال الَّتِي تُكَوِّنُ بِمَجْمُوعِهَا جَرِيمَةَ السَّرِقَةِ. لَيْسَ بِاعْتِبَارِهِ شَارِعًا فِي السَّرِقَةِ، وَلَكِنْ بِاعْتِبَارِهِ مُرْتَكِبًا لِمَعْصِيَةٍ تَسْتَوْجِبُ التَّعْزِيرَ (2) . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ: أَنَّ سَارِقًا نَقَبَ خِزَانَةَ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ، فَوُجِدَ بِهَا، قَدْ جَمَعَ الْمَتَاعَ وَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ. فَأُتِيَ بِهِ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَجَلَدَهُ، وَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُقْطَعَ. فَمَرَّ بِابْنِ عُمَرَ، فَسَأَل فَأُخْبِرَ، فَأَتَى ابْنَ __________ (1) المبسوط 9 / 36، مواهب الجليل 6 / 320، القليوبي وعميرة 4 / 205، كشاف القناع 4 / 72. (2) المبسوط 9 / 147، حاشية الدسوقي 4 / 306، الأحكام السلطانية للماوردي ص 237، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 281. الزُّبَيْرِ، فَقَال: أَمَرْتَ بِهِ أَنْ يُقْطَعَ؟ فَقَال: نَعَمْ، فَقَال: فَمَا شَأْنُ الْجَلْدِ؟ قَال: غَضِبْتُ، فَقَال ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الْبَيْتِ، أَرَأَيْتَ لَوْ رَأَيْتَ رَجُلاً بَيْنَ رِجْلَيِ امْرَأَةٍ لَمْ يُصِبْهَا، أَأَنْتَ حَادُّهُ؟ قَال: لاَ (1) . وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: عَلَى أَنَّ الشُّرُوعَ فِي السَّرِقَةِ لَيْسَ لَهُ عُقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ، وَإِنَّمَا تُطَبَّقُ فِيهِ الْقَوَاعِدُ الْعَامَّةُ لِلتَّعْزِيرِ (2) . الاِشْتِرَاكُ فِي الأَْخْذِ: 50 - يُفَرِّقُ الْفُقَهَاءُ فِي مَسَائِل الاِشْتِرَاكِ فِي السَّرِقَةِ بَيْنَ الشَّرِيكِ الْمُبَاشِرِ وَالشَّرِيكِ بِالتَّسَبُّبِ (3) ، فَأَمَّا الشَّرِيكُ الْمُبَاشِرُ فَهُوَ الَّذِي يُبَاشِرُ أَحَدَ الأَْفْعَال الَّتِي تُكَوِّنُ الأَْخْذَ التَّامَّ، وَهِيَ: إِخْرَاجُ الْمَسْرُوقِ مِنْ حِرْزِهِ وَمِنْ حِيَازَةِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ وَإِدْخَالُهُ فِي حِيَازَةِ السَّارِقِ. وَأَمَّا الشَّرِيكُ بِالتَّسَبُّبِ فَهُوَ الَّذِي لاَ يُبَاشِرُ أَحَدَ هَذِهِ الأَْفْعَال الْمُكَوِّنَةِ لِلأَْخْذِ الْمُتَكَامِل، وَإِنَّمَا تَقْتَصِرُ فِعْلُهُ عَلَى مَدِّ يَدِ الْعَوْنِ لِلسَّارِقِ، بِأَنْ يُرْشِدَهُ إِلَى مَكَانِ الْمَسْرُوقَاتِ، أَوْ بِأَنْ يَقِفَ خَارِجَ الْحِرْزِ لِيَمْنَعَ اسْتِغَاثَةَ الْجِيرَانِ، أَوْ لِيَنْقُل الْمَسْرُوقَاتِ بَعْدَ أَنْ يُخْرِجَهَا السَّارِقُ مِنَ الْحِرْزِ. __________ (1) أورده ابن حزم في المحلى 11 / 320. (2) الأحكام السلطانية ص 237، 281. (3) بدائع الصنائع 7 / 66، شرح الزرقاني 8 / 96، نهاية المحتاج 7 / 421، كشاف القناع 4 / 79. وَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ إِلاَّ عَلَى الْمُبَاشِرِ، أَمَّا الْمُتَسَبِّبُ فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ (1) . وَيَبْدُو مِنْ كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ فِي الاِشْتِرَاكِ: أَنَّهُمْ يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الشَّرِيكِ وَالْمُعَيَّنِ فَيَعْتَبِرُونَ الشَّرِيكَ هُوَ الَّذِي يَقُومُ مَعَ غَيْرِهِ بِعَمَلٍ مِنَ الأَْعْمَال الْمُكَوِّنَةِ لِلسَّرِقَةِ، وَخَاصَّةً: هَتْكُ الْحِرْزِ، وَإِخْرَاجُ الْمَسْرُوقِ مِنْ حِيَازَةِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، وَإِدْخَالُهُ فِي حِيَازَةِ السَّارِقِ، أَمَّا الْمُعَيَّنُ فَهُوَ مَنْ يُسَاعِدُ السَّارِقَ، فِي دَاخِل الْحِرْزِ أَوْ فِي خَارِجِهِ، وَلَكِنْ عَمَلُهُ لاَ يَصِل إِلَى دَرَجَةٍ يُمْكِنُ مَعَهَا نِسْبَةُ السَّرِقَةِ إِلَيْهِ وَكَانَ هَذَا أَسَاسَ اخْتِلاَفِهِمْ فِي تَطْبِيقِ الْحَدِّ عَلَى بَعْضِ الشُّرَكَاءِ دُونَ الْبَعْضِ، وَذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الآْتِي: 1 - الْحَنَفِيَّةُ: 51 - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ كُل مَنْ دَخَل الْحِرْزَ يُعْتَبَرُ شَرِيكًا فِي السَّرِقَةِ سَوَاءٌ قَامَ بِعَمَلٍ مَادِّيٍّ، كَأَنْ وَضَعَ الْمَسْرُوقَ عَلَى ظَهْرِ زَمِيلِهِ فَأَخْرَجَهُ مِنَ الْحِرْزِ، أَوْ قَامَ بِعَمَلٍ مَعْنَوِيٍّ، كَأَنْ وَقَفَ لِلْمُرَاقَبَةِ أَوْ لِلإِْشْرَافِ عَلَى نَقْل الْمَسْرُوقِ مِنَ الْحِرْزِ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الْجَمِيعِ إِذَا بَلَغَ __________ (1) القليوبي وعميرة 4 / 194: " الحد إنما يجب بالمباشرة، دون السبب ". نَصِيبُ كُلٍّ مِنْهُمْ نِصَابًا، أَمَّا إِذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ لاَ تَكْفِي لِيُصِيبَ كُل وَاحِدٍ نِصَابًا، فَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ، بَل يَنْتَقِل إِلَى التَّعْزِيرِ. وَيَنْطَبِقُ نَفْسُ الْحُكْمِ عَلَى الشُّرَكَاءِ إِذَا أَخْرَجَ بَعْضُهُمْ مَا قِيمَتُهُ نِصَابًا فَأَكْثَرَ، وَأَخْرَجَ الْبَعْضُ الآْخَرُ مَا قِيمَتُهُ دُونَ النِّصَابِ، فَإِذَا بَلَغَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ مَا يَكْفِي لأََنْ يَخُصَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصَابٌ، قُطِعُوا جَمِيعًا، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ حَظُّ كُل وَاحِدٍ نِصَابًا، قُطِعَ مَنْ أَخْرَجَ نِصَابًا، وَعُزِّرَ الآْخَرُونَ (1) . أَمَّا إِذَا دَخَل الْحِرْزَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ، وَبَقِيَ الآْخَرُ خَارِجَهُ، ثُمَّ أَخْرَجَ مَنْ بِالدَّاخِل يَدَهُ بِالْمَسْرُوقِ إِلَى خَارِجِ الْحِرْزِ فَتَنَاوَلَهَا شَرِيكُهُ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَرَى أَنَّ الأَْخْذَ غَيْرُ تَامٍّ بِالنِّسْبَةِ لِلدَّاخِل، لأَِنَّهُ أَخْرَجَ الْمَسْرُوقَ مِنَ الْحِرْزِ وَمِنْ حِيَازَةِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُدْخِلْهُ فِي حِيَازَةِ نَفْسِهِ، بَل فِي حِيَازَةِ الْخَارِجِ، فَلاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ. وَيَرَى كَذَلِكَ أَنَّ الأَْخْذَ غَيْرُ تَامٍّ بِالنِّسْبَةِ لِلْخَارِجِ؛ لأَِنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ دَخَل فِي حِيَازَتِهِ، إِلاَّ أَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ لاَ مِنْ حِرْزِهِ وَلاَ مِنْ حِيَازَةِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، فَلاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ أَيْضًا. وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ الأَْخْذَ تَامٌّ بِالنِّسْبَةِ لِلدَّاخِل دُونَ الْخَارِجِ؛ لأَِنَّ الْمَسْرُوقَ دَخَل فِي حِيَازَتِهِ، حَيْثُ أَقَامَ شَرِيكَهُ الْخَارِجَ __________ (1) بدائع الصنائع 7 / 66، 78، فتح القدير 4 / 225، الفتاوى الهندية 2 / 171، المبسوط 9 / 143. مَقَامَهُ عِنْدَمَا سَلَّمَهُ الْمَسْرُوقَ (1) . وَتَفْصِيل الْحُكْمِ فِي الصُّوَرِ الَّتِي يُمْكِنُ حُدُوثُهَا يُبْنَى عَلَى مَسْأَلَةِ الْهَتْكِ الْمُتَكَامِل وَمَسْأَلَةِ " الْيَدِ الْمُعْتَرِضَةِ " الَّتِي سَبَقَ بَيَانُهُمَا. فِي ف 43، 47. 2 - الْمَالِكِيَّةُ: 52 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ صِفَةَ الشَّرِيكِ تُطْلَقُ عَلَى مَنْ يُعِينُ السَّارِقَ إِذَا قَامَ بِعَمَلٍ مَادِّيٍّ لاَ بُدَّ مِنْهُ لإِِخْرَاجِ الْمَسْرُوقِ مِنَ الْحِرْزِ، سَوَاءٌ حَدَثَتِ الإِْعَانَةُ وَهُوَ فِي دَاخِل الْحِرْزِ، بِأَنْ وَضَعَ الْمَسْرُوقَ عَلَى ظَهْرِ زَمِيلِهِ، فَأَخْرَجَهُ مِنَ الْحِرْزِ، أَوْ حَدَثَتْ وَهُوَ فِي خَارِجِ الْحِرْزِ، بِأَنْ مَدَّ يَدَهُ دَاخِل الْحِرْزِ وَأَخَذَ الْمَسْرُوقَ مِنْ يَدِ زَمِيلِهِ الَّذِي فِي الدَّاخِل، بِحَيْثُ تُصَاحِبُ فِعْلاَهُمَا فِي حَال الإِْخْرَاجِ، أَوْ بِأَنْ يَرْبِطَ الدَّاخِل الْمَسْرُوقَ بِحَبْلٍ وَنَحْوِهِ فَيَجُرُّهُ الْخَارِجُ، بِحَيْثُ لاَ يُعْتَبَرُ الدَّاخِل مُسْتَقِلًّا بِالإِْخْرَاجِ. أَمَّا إِذَا كَانَتِ الإِْعَانَةُ بِأَمْرٍ مَعْنَوِيٍّ كَأَنْ يَدْخُل الْحِرْزَ أَوْ يَبْقَى خَارِجَهُ لِيَحْمِيَ السَّارِقَ أَوْ يُرْشِدَهُ إِلَى مَكَانِ الْمَسْرُوقِ، فَلاَ يُعْتَبَرُ شَرِيكًا فِي السَّرِقَةِ، وَمِنْ ثَمَّ فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ، بَل يُعَزَّرُ. فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمَسْرُوقَ لَمْ يَخْرُجْ إِلاَّ بِعَمَلٍ جَمَاعِيٍّ، وَجَبَ إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى كُل مَنْ شَارَكَ __________ (1) بدائع الصنائع 7 / 65، فتح القدير 4 / 243، مواهب الجليل 6 / 310، المهذب 2 / 297، كشاف القناع 4 / 10. فِي هَذَا الْعَمَل، إِذَا بَلَغَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ نِصَابًا وَاحِدًا، سَوَاءٌ بَاشَرَ السَّرِقَةَ، بِأَنْ تَعَاوَنَ مَعَ زَمِيلِهِ فِي حَمْل الْمَسْرُوقِ حَتَّى خَرَجَا بِهِ مِنَ الْحِرْزِ، أَوْ لَمْ يُبَاشِرِ السَّرِقَةَ، بِأَنْ وَضَعَ الْمَسْرُوقَ عَلَى ظَهْرِ صَاحِبِهِ فَخَرَجَ بِهِ وَحْدَهُ، مَا دَامَ كُل وَاحِدٍ لاَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتَقِل بِإِخْرَاجِ الْمَسْرُوقِ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَحْصُل تَعَاوُنٌ بِأَنِ اسْتَقَل كُل وَاحِدٍ بِإِخْرَاجِ بَعْضِ الْمَسْرُوقِ، فَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ إِلاَّ عَلَى مَنْ أَخْرَجَ نِصَابًا كَامِلاً، وَذَلِكَ لِعَدَمِ ظُهُورِ التَّعَاوُنِ الَّذِي لاَ بُدَّ مِنْهُ لإِِثْبَاتِ الاِشْتِرَاكِ فِي السَّرِقَةِ (1) . 3 - الشَّافِعِيَّةُ: 53 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ صِفَةَ الشَّرِيكِ لاَ تُطْلَقُ إِلاَّ عَلَى مَنْ قَامَ بِفِعْلٍ مُبَاشِرٍ مَعَ غَيْرِهِ، تَرَتَّبَ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ الْمَسْرُوقِ مِنَ الْحِرْزِ، كَأَنْ يَتَعَاوَنَ السَّارِقُونَ فِي حَمْل شَيْءٍ ثَقِيلٍ وَيُخْرِجُونَهُ مِنَ الْحِرْزِ، أَوْ يَحْمِل كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْئًا وَيَخْرُجَ بِهِ. وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَنْطَبِقُ وَصْفُ السَّارِقِ عَلَى كُل وَاحِدٍ، وَلَكِنْ يَظْهَرُ أَثَرُ الاِشْتِرَاكِ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا إِذَا خَصَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ __________ (1) شرح الزرقاني 8 / 96، 106، المدونة 16 / 68 - 69 - 73، الموطأ 2 / 837 بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ط. الحلبي، تفسير القرطبي 3 / 163، بداية المجتهد 2 / 448. نِصَابٌ مِنْ قِيمَةِ مَا أَخْرَجُوهُ، دُونَ نَظَرٍ إِلَى قِيمَةِ مَا أَخْرَجَهُ كُلٌّ مِنْهُمْ. أَمَّا إِذَا كَانَ كُل سَارِقٍ يَسْتَقِل بِفِعْلِهِ وَقَصْدِهِ عَنِ الآْخَرِينَ، فَلاَ اشْتَرَاكَ بَيْنَهُمْ، وَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ إِلاَّ عَلَى مَنْ يَخْرُجُ نِصَابًا كَامِلاً، وَيُعَزَّرُ الآْخَرُونَ. وَلاَ يُعْتَبَرُ شَرِيكًا - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - مَنْ يُعِينُ السَّارِقَ، سَوَاءٌ قَامَ بِعَمَلٍ مَادِّيٍّ أَوْ مَعْنَوِيٍّ، وَسَوَاءٌ حَدَثَتِ الإِْعَانَةُ مِنْ دَاخِل الْحِرْزِ أَوْ مِنْ خَارِجِهِ، فَلاَ يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ السَّرِقَةِ، بَل يُعَزَّرُ (1) . 4 - الْحَنَابِلَةُ: 54 - يَرَى الْحَنَابِلَةُ إِطْلاَقَ صِفَةِ الشَّرِيكِ عَلَى مَنْ يُعِينُ السَّارِقَ بِفِعْلٍ مَادِّيٍّ أَوْ مَعْنَوِيٍّ، قَامَ بِهِ وَهُوَ دَاخِل الْحِرْزِ أَوْ كَانَ خَارِجَهُ، فَإِذَا بَلَغَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ نِصَابًا وَاحِدًا، أُقِيمَ الْحَدُّ عَلَى كُل مَنِ اشْتَرَكَ فِي السَّرِقَةِ، سَوَاءٌ كَانَ الاِشْتِرَاكُ فِي الإِْخْرَاجِ، أَوْ كَانَ بِإِخْرَاجِ الْبَعْضِ وَإِعَانَةِ الْبَعْضِ الآْخَرِ، وَسَوَاءٌ حَدَثَتِ الإِْعَانَةُ مِنَ الدَّاخِل أَوْ مِنَ الْخَارِجِ، بِفِعْلٍ مَادِّيٍّ كَالإِْعَانَةِ عَلَى حَمْل الْمَسْرُوقِ، أَوْ بِفِعْلٍ مَعْنَوِيٍّ كَالإِْرْشَادِ إِلَى مَكَانِ الْمَسْرُوقِ، أَوْ لَمْ يَأْتِ بِعَمَلٍ مَا، كَمَنْ دَخَل الْحِرْزَ مَعَ السَّارِقِ لِتَنْبِيهِهِ إِذَا انْكَشَفَ __________ (1) مغني المحتاج 4 / 160، المهذب 2 / 249، 297، أسنى المطالب 4 / 138، نهاية المحتاج 7 / 421، 458. أَمْرُهُ. لأَِنَّ فِعْل السَّرِقَةِ يُضَافُ إِلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ (1) . إِثْبَاتُ السَّرِقَةِ: 55 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ السَّرِقَةَ تَثْبُتُ بِالإِْقْرَارِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ (2) . وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنَّ السَّرِقَةَ تَثْبُتُ بِالْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ (3) وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ يَجُوزُ إِثْبَاتُهَا بِالْقَرَائِنِ (4) . أَوَّلاً - الإِْقْرَارُ (5) : 56 - تَثْبُتُ السَّرِقَةُ بِإِقْرَارِ السَّارِقِ إِذَا كَانَ مُكَلَّفًا بِأَنْ كَانَ بَالِغًا عَاقِلاً، عَلَى التَّفْصِيل الَّذِي سَبَقَ. وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ السَّارِقَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا فِي إِقْرَارِهِ، فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الإِْقْرَارِ بِحَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، فَلاَ يُعْتَدُّ بِهَذَا __________ (1) كشاف القناع 4 / 79، المغني 10 / 295، 296، الإفصاح لابن هبيرة ص 363. (2) بدائع الصنائع 7 / 46، 81، فتح القدير 4 / 219، مواهب الجليل 6 / 306، بداية المجتهد 2 / 444، مغني المحتاج 4 / 175، 176، نهاية المحتاج 7 / 418، كشاف القناع 6 / 117، المغني والشرح الكبير 10 / 289، 290. (3) القليوبي وعميرة 4 / 196، نهاية المحتاج 7 / 441. (4) الطرق الحكمية 3، 17. (5) انظر في تعريف الإقرار، وحكمه، وأثره، وحجيته، وأركانه، وشروط كل ركن، وفي الرجوع عنه: مصطلح: (إقرار) 6 / 46 - 79. الإِْقْرَارِ. وَقَدْ أَفْتَى بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْحَنَفِيَّةِ بِصِحَّةِ إِقْرَارِ السَّارِقِ مَعَ الإِْكْرَاهِ لأَِنَّ السُّرَّاقَ قَدْ غَدَوْا لاَ يُقِرُّونَ طَائِعِينَ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُعْمَل بِإِقْرَارِ الْمُتَّهَمِ مَعَ الإِْكْرَاهِ إِنْ ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّهُ مِنْ أَهْل التُّهَمِ. وَيَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ بِالسَّرِقَةِ نَاطِقًا، وَلِهَذَا فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْتَدُّونَ بِإِشَارَةِ الأَْخْرَسِ، وَلَوْ كَانَتْ مُفْهِمَةً؛ لاِحْتِمَال إِشَارَتِهِ الإِْقْرَارَ وَغَيْرَهُ، وَهَذَا يُورِثُ شُبْهَةً تَدْرَأُ عَنْهُ الْحَدَّ. وَيَرَى الْجُمْهُورُ صِحَّةَ إِقْرَارِهِ، إِنْ كَانَتْ إِشَارَتُهُ مُفْهِمَةً قَبْل هَذَا الإِْقْرَارِ (1) . وَلاَ يَكُونُ الإِْقْرَارُ كَافِيًا لإِِقَامَةِ الْحَدِّ، إِلاَّ إِذَا كَانَ صَرِيحًا وَتَبَيَّنَ الْقَاضِي مِنْهُ تَوَافُرَ أَرْكَانِ السَّرِقَةِ، بِحَيْثُ لاَ تَبْقَى مَعَهُ أَيُّ شُبْهَةٍ (2) . وَاشْتَرَطَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَصْدُرَ الإِْقْرَارُ عِنْدَ مَنْ لَهُ وِلاَيَةُ إِقَامَةِ الْحَدِّ، فَلاَ يُعْتَدُّ بِالإِْقْرَارِ الصَّادِرِ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَلاَ بِالإِْقْرَارِ قَبْل الدَّعْوَى (3) . __________ (1) بدائع الصنائع 7 / 49، فتح القدير 5 / 218، المبسوط 9 / 184، 185، مواهب الجليل 5 / 216، القليوبي وعميرة 4 / 196، نيل المآرب 2 / 280، الدسوقي 4 / 345، المغني 8 / 195، 196. (2) الفتاوى الهندية 2 / 171، شرح الزرقاني 8 / 97، أسنى المطالب 4 / 150، كشاف القناع 6 / 117. (3) ابن عابدين 3 / 196، بدائع الصنائع 6 / 277. 57 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي عَدَدِ مَرَّاتِ الإِْقْرَارِ الَّتِي تُوجِبُ إِقَامَةَ حَدِّ السَّرِقَةِ: فَالْحَنَفِيَّةُ - مَا عَدَا أَبَا يُوسُفَ - وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَالشَّافِعِيَّةُ وَعَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، يَكْتَفُونَ بِإِقْرَارِ السَّارِقِ مَرَّةً وَاحِدَةً، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ سَارِقَ خَمِيصَةِ صَفْوَانَ وَسَارِقَ الْمِجَنِّ (1) ، وَلَمْ يُنْقَل أَنَّ أَحَدَهُمَا تَكَرَّرَ مِنْهُ الإِْقْرَارُ؛ وَلأَِنَّ الإِْقْرَارَ بِالْحُقُوقِ يَكْتَفِي بِإِيرَادِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً؛ وَلأَِنَّ الإِْقْرَارَ إِخْبَارٌ تَرَجَّحَ فِيهِ جَانِبُ الصِّدْقِ عَلَى جَانِبِ الْكَذِبِ، فَلَنْ يَزِيدَهُ التَّكْرَارُ رُجْحَانًا. أَمَّا أَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ، وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، وَالْحَنَابِلَةُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، فَإِنَّهُمْ يُوجِبُونَ صُدُورَ الإِْقْرَارِ مَرَّتَيْنِ، فِي مَجْلِسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَإِنْ أَقَرَّ السَّارِقُ مَرَّةً وَاحِدَةً، لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَإِنَّمَا يُعَزَّرُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ. لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِلِصٍّ قَدِ اعْتَرَفَ، وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ، فَقَال لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَخَالُكَ سَرَقْتَ فَقَال: بَلَى يَا رَسُول اللَّهِ، فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، وَلَمْ يَقْطَعْهُ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ تَكَرَّرَ إِقْرَارُهُ، فَلَوْ كَانَ الْقَطْعُ يَجِبُ بِالإِْقْرَارِ مَرَّةً وَاحِدَةً لَمَا أَخَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. 58 - وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الْخُصُومَةِ مَعَ __________ (1) حديث: " لأن النبي صلى الله عليه وسلم قطع سارق خميصة صفوان ". أخرجه أبو داود (4 / 553 - تحقيق عزت عبيد دعاس) والنسائي (8 / 69 - ط دار البشائر) والحاكم (4 / 380 ط دار المعارف العثمانية) وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. الإِْقْرَارِ: فَالْحَنَفِيَّةُ - مَا عَدَا أَبَا يُوسُفَ - وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، يَشْتَرِطُونَ لِقَبُول الإِْقْرَارِ مُطَالَبَةَ مَنْ لَهُ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ بِالْمَسْرُوقِ؛ لأَِنَّ عَدَمَ مُطَالَبَتِهِ يُورِثُ شُبْهَةً تَدْرَأُ الْحَدَّ، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ: لاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ أَقَرَّ بِسَرِقَةِ مَالٍ مِنْ مَجْهُولٍ أَوْ مِنْ غَائِبٍ (1) . وَيَرَى أَبُو يُوسُفَ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى عَدَمَ تَوَقُّفِ إِقَامَةِ حَدِّ السَّرِقَةِ عَلَى دَعْوَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، لِعُمُومِ آيَةِ السَّرِقَةِ، وَعَدَمِ وُجُودِ مَا يَصْلُحُ مُخَصِّصًا لِهَذَا الْعُمُومِ، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ: يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ يُقِرُّ بِسَرِقَةِ نِصَابٍ مِنْ مَجْهُولٍ أَوْ غَائِبٍ إِذَا ثَبَتَتِ السَّرِقَةُ؛ لأَِنَّ الْمُقِرَّ لاَ يُتَّهَمُ فِي الإِْقْرَارِ عَلَى نَفْسِهِ (2) . ثَانِيًا - الْبَيِّنَةُ: 59 - تَثْبُتُ السَّرِقَةُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ تَتَوَافَرُ فِيهِمَا شُرُوطُ تَحَمُّل الشَّهَادَةِ وَشُرُوطُ أَدَائِهَا (3) . __________ (1) بدائع الصنائع 7 / 81 - 82، شرح الزرقاني 8 / 106، القليوبي وعميرة 4 / 196، المغني 10 / 291، أسنى المطالب 4 / 152، كشاف القناع 6 / 117 - 118، نيل الأوطار 7 / 150 - 151. (2) المبسوط 9 / 144، شرح الزرقاني 8 / 106، المغني 10 / 299، شرح الهروي على الكنز 1 / 290. (3) يرجع في تفصيل أحكام الشهادة إلى مصطلح: (شهادة) وانظر: فتح القدير 6 / 11، الدسوقي والشرح الكبير 4 / 146، حاشية الجمل على شرح المنهج 5 / 377، كشاف القناع 6 / 328، المغني 10 / 289 - 290. وَعَلَى ذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ وَقْتَ الأَْدَاءِ ذَكَرًا، مُسْلِمًا، بَالِغًا، عَاقِلاً، حُرًّا بَصِيرًا، عَدْلاً، مُخْتَارًا. فَلاَ يُقَامُ حَدُّ السَّرِقَةِ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ أَوْ مَعَ رِجَالٍ، وَلاَ بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، فَلاَ تُقْبَل شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَلَوْ مَعَ يَمِينِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ (1) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (شَهَادَة) . إِذَا تَوَافَرَتِ الشُّرُوطُ الْمُتَقَدِّمَةُ، أَدَّى الشَّاهِدُ شَهَادَتَهُ عَلَى السَّرِقَةِ بِدُونِ يَمِينٍ؛ لأَِنَّ لَفْظَ الشَّهَادَةِ يَتَضَمَّنُ الْيَمِينَ؛ وَلأَِنَّ تَحْلِيفَ الشَّاهِدِ يَتَنَافَى مَعَ إِكْرَامِهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: أَكْرِمُوا الشُّهُودَ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحْيِي بِهِمُ الْحُقُوقَ (2) . وَيَرَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ ضَرُورَةَ تَحْلِيفِ الشَّاهِدِ الْيَمِينَ لِلتَّأَكُّدِ مِنْ صِدْقِهِ؛ وَلِمَا فِيهِ مِنْ عُمُومِ الْمَصْلَحَةِ، وَتَحْلِيفُ الشَّاهِدِ لاَ يَتَعَارَضُ مَعَ أَمْرِ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِكْرَامِهِ؛ لأَِنَّهُ __________ (1) بدائع الصنائع 7 / 81، ابن عابدين 3 / 196، شرح الزرقاني 8 / 106، القليوبي وعميرة 4 / 197، المغني والشرح الكبير 10 / 289، بداية المجتهد 2 / 444، نهاية المحتاج 7 / 443، كشاف القناع 6 / 117. (2) حديث: " أكرموا الشهود. . . " أخرجه الخطيب في تاريخه (6 / 138 ط. السعادة) من حديث ابن عباس. قال ابن حجر: قال العقيلي: هذا الحديث غير محفوظ، وصرح الصغاني بأنه موضوع. (التلخيص الحبير 4 / 198 ط شركة الطباعة الفنية) . لاَ يَنْطَوِي عَلَى إِهَانَةٍ لَهُ (1) . ثَالِثًا: الْيَمِينُ الْمَرْدُودَةُ: 60 - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّ حَدَّ السَّرِقَةِ لاَ يُقَامُ بِالْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ، فَإِنِ ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ سَرِقَةً يَجِبُ فِيهَا الْقَطْعُ، فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ السَّرِقَةَ، فَطَلَبَ الْمُدَّعِي مِنْهُ أَنْ يَحْلِفَ لإِِثْبَاتِ بَرَاءَتِهِ، فَنَكَل عَنِ الْيَمِينِ، رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، فَإِنْ حَلَفَ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ سَرَقَ مَا ادَّعَاهُ، ثَبَتَ الْمَال الْمَسْرُوقُ بِهَذِهِ الْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ، وَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ إِلاَّ بِالإِْقْرَارِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ. أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَالأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ أَنَّ السَّرِقَةَ تَثْبُتُ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي الْمَرْدُودَةِ، فَيَثْبُتُ الْمَال وَيُقَامُ الْحَدُّ، لأَِنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ كَالْبَيِّنَةِ أَوْ كَإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُوجِبُ الْقَطْعَ بِلاَ خِلاَفٍ. وَمُقَابِل الأَْصَحِّ: أَنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ يَثْبُتُ بِهَا الْمَال، وَلاَ يُقَامُ بِهَا الْحَدُّ؛ لأَِنَّ الْقَطْعَ فِي السَّرِقَةِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِالإِْقْرَارِ أَوِ الْبَيِّنَةِ. وَمُقَابِل الأَْصَحِّ هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ، كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ وَالرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ __________ (1) ابن عابدين 3 / 196، فتح القدير 4 / 162، المدونة 6 / 286، مغني المحتاج 4 / 151، المغني والشرح الكبير 10 / 187، الطرق الحكمية ص 142، 143. الْكَبِيرِ وَصَاحِبُ الْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَقَال الأَْذْرَعِيُّ: إِنَّهُ الْمَذْهَبُ وَالصَّوَابُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ الأَْصْحَابِ. وَقَال الْبُلْقِينِيُّ: إِنَّهُ الْمُعْتَمَدُ، لِنَصِّ الأُْمِّ، وَفِي الْمُخْتَصَرِ: لاَ يَثْبُتُ الْقَطْعُ إِلاَّ بِشَاهِدَيْنِ أَوْ إِقْرَارِ السَّارِقِ (1) . رَابِعًا - الْقَرَائِنُ: 61 - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ حَدَّ السَّرِقَةِ لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِالإِْقْرَارِ أَوِ الْبَيِّنَةِ. وَيَرَى بَعْضُهُمْ جَوَازَ ثُبُوتِ السَّرِقَةِ، وَمِنْ ثَمَّ إِقَامَةُ الْحَدِّ وَضَمَانُ الْمَال، بِالْقَرَائِنِ وَالأَْمَارَاتِ إِذَا كَانَتْ ظَاهِرَةَ الدَّلاَلَةِ بِاعْتِبَارِهَا مِنَ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ، الَّتِي تُخْرِجُ الْحَقَّ مِنَ الظَّالِمِ الْفَاجِرِ. قَال ابْنُ الْقَيِّمِ (2) : " لَمْ يَزَل الأَْئِمَّةُ وَالْخُلَفَاءُ يَحْكُمُونَ بِالْقَطْعِ إِذَا وُجِدَ الْمَال الْمَسْرُوقُ مَعَ الْمُتَّهَمِ، وَهَذِهِ الْقَرِينَةُ أَقْوَى مِنَ الْبَيِّنَةِ وَالإِْقْرَارِ فَإِنَّهُمَا خَبَرَانِ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِمَا الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ وَوُجُودُ الْمَال مَعَهُ نَصٌّ صَرِيحٌ لاَ تَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ شُبْهَةٌ ". حَدُّ السَّرِقَةِ: 62 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ عُقُوبَةَ السَّارِقِ قَطْعُ __________ (1) البحر الرائق 7 / 240، تبصرة الحكام 1 / 272، المغني والشرح الكبير 12 / 124 وما بعدها، القليوبي وعميرة 4 / 196، نهاية المحتاج 7 / 441، أسنى المطالب 4 / 150، حاشية البجيرمي على حاشية المنهج 4 / 235، روضة الطالبين 10 / 143، مغني المحتاج 4 / 175. (2) الطرق الحكمية ص 8. يَدِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (1) . وَهُوَ الْحَدُّ الَّذِي أَقَامَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ سَرَقَ فِي عَهْدِهِ، كَمَا تَوَاتَرَتِ الأَْخْبَارُ بِذَلِكَ (2) . وَجَرَى عَلَيْهِ عَمَل الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ دُونَ اعْتِرَاضٍ عَلَيْهِمْ (3) . وَأَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الأُْمَّةُ. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أُمُورٍ تَتَعَلَّقُ بِمَحَل الْقَطْعِ، وَمِقْدَارِهِ، وَكَيْفِيَّتِهِ، وَتَكَرُّرِهِ، مَعَ تَكَرُّرِ السَّرِقَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. 1 - مَحَل الْقَطْعِ: 63 - مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ - عِنْدَ الْفُقَهَاءِ - وُجُوبُ قَطْعِ الْيَدِ الْيُمْنَى، إِذَا ثَبَتَتِ السَّرِقَةُ الأُْولَى. لِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ الْيَدَ الْيُمْنَى، وَكَذَلِكَ فَعَل الأَْئِمَّةُ مِنْ بَعْدِهِ، وَلِقِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: " فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا (4) . وَهِيَ قِرَاءَةٌ مَشْهُورَةٌ عَنْهُ، وَلَمْ يُجْمَعْ عَلَى أَنَّهَا قُرْآنٌ لِمُخَالَفَتِهَا لِلْمُصْحَفِ الإِْمَامِ، فَكَانَتْ خَبَرًا __________ (1) سورة المائدة / 38. (2) أول سارق قطع في الإسلام: الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف " تفسير القرطبي 6 / 160 " وقطع المخزومية التي شفع فيها أسامة بن زيد فأغضب بشفاعته النبي صلى الله عليه وسلم " البخاري ومسلم " وقطع سارق رداء صفوان بن أمية " رواه الخمسة إلا الترمذي ". (3) طرح التثريب بشرح التقريب 8 / 23. (4) سورة المائدة / 38. مَشْهُورًا، فَيُقَيِّدُ إِطْلاَقَ النَّصِّ (1) . وَلَوْ كَانَ الإِْطْلاَقُ مُرَادًا، وَالاِمْتِثَال لِلأَْمْرِ فِي الآْيَةِ يَحْصُل بِقَطْعِ الْيَمِينِ أَوِ الشِّمَال، لَمَا قَطَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلاَّ الْيَسَارَ عَلَى عَادَتِهِ مِنْ طَلَبِ الأَْيْسَرِ لَهُمْ مَا أَمْكَنَ جَرْيًا عَلَى عَادَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي: أَنَّهُ مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلاَّ أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا (2) . فَإِذَا كَانَتْ يَدُ السَّارِقِ الْيُمْنَى غَيْرَ صَحِيحَةٍ، بِأَنْ كَانَتْ شَلاَّءَ أَوْ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَصَابِعِهَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَحَل الْقَطْعِ. فَالْحَنَفِيَّةُ يَرَوْنَ أَنَّ الْقَطْعَ يَتَعَلَّقُ أَوَّلاً بِالْيَدِ الْيُمْنَى، لِعُمُومِ آيَةِ السَّرِقَةِ فَإِنَّهَا لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ الصَّحِيحَةِ وَغَيْرِهَا. لأَِنَّهُ إِذَا تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالسَّلِيمَةِ فَإِنَّهَا تُقْطَعُ، فَلأََنْ تُقْطَعَ الْمَعِيبَةُ مِنْ بَابِ أَوْلَى (3) . وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ قَطْعَ الْمَعِيبَةِ لاَ يُجْزِئُ؛ لأَِنَّ مَقْصُودَ الْحَدِّ إِزَالَةُ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي يُسْتَعَانُ بِهَا عَلَى __________ (1) بدائع الصنائع 7 / 86، فتح القدير 4 / 247، الخرشي على خليل 8 / 92، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4 / 332، المهذب 2 / 300، مغني المحتاج 4 / 177، نهاية المحتاج 7 / 443، كشاف القناع 6 / 118، المغني والشرح الكبير 10 / 264، الجامع لأحكام القرآن 6 / 160، تفسير الطبري 6 / 228. (2) حديث: " ما خير بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ". أخرجه البخاري (الفتح 12 / 86 - ط السلفية) ومسلم (4 / 1813 - ط الحلبي) . (3) بدائع الصنائع 7 / 87، حاشية ابن عابدين 3 / 285. السَّرِقَةِ، وَالشَّلاَّءُ وَمَا فِي حُكْمِهَا لاَ نَفْعَ فِيهَا فَلاَ يَتَحَقَّقُ مَقْصُودُ الشَّرْعِ بِقَطْعِهَا؛ لأَِنَّ مَنْفَعَتَهَا الَّتِي يُرَادُ إِبْطَالُهَا بَاطِلَةٌ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ. وَلِذَلِكَ يَنْتَقِل الْقَطْعُ إِلَى الرِّجْل الْيُسْرَى (1) . أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَإِنَّهُمْ يُفَصِّلُونَ الْقَوْل فِي قَطْعِ الْيَدِ الْيُمْنَى إِذَا كَانَتْ مَعِيبَةً عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: يُجْزِئُ فِي حَدِّ السَّرِقَةِ قَطْعُ الْيَدِ الْيُمْنَى إِذَا كَانَتْ شَلاَّءَ إِلاَّ إِذَا خِيفَ مِنْ قَطْعِهَا أَلاَّ يَكُفَّ الدَّمُ، فَلَوْ قَرَّرَ أَهْل الْخِبْرَةِ أَنَّ عُرُوقَهَا لَنْ تَنْسَدَّ وَأَنَّ دَمَهَا لَنْ يَجِفَّ فَلاَ تُقْطَعُ، وَيُنْتَقَل بِالْقَطْعِ إِلَى الرِّجْل الْيُسْرَى، أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْيَدُ الْيُمْنَى قَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَصَابِعِهَا، فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ قَطْعُهَا، وَلَوْ كَانَ بِهَا أُصْبُعٌ وَاحِدٌ. فَإِذَا نَقَصَتِ الأَْصَابِعُ كُلُّهَا، فَالأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ: الاِكْتِفَاءُ بِقَطْعِهَا؛ لأَِنَّ اسْمَ الْيَدِ يُطْلَقُ عَلَيْهَا مَعَ نُقْصَانِ الأَْصَابِعِ كُلِّهَا. وَالْقَوْل الثَّانِي فِي نَاقِصَةِ الْخَمْسِ: أَنَّهَا لاَ تُجْزِئُ فِي تَمَامِ الْحَدِّ، فَلاَ تُقْطَعُ، وَيُنْتَقَل إِلَى الرِّجْل الْيُسْرَى (2) . وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ رِوَايَتَانِ: تَكْتَفِي أُولاَهُمَا بِقَطْعِ الْيَدِ الْيُمْنَى وَلَوْ كَانَتْ شَلاَّءَ، إِذَا رَأَى أَهْل الْخِبْرَةِ أَنَّهَا لَوْ قُطِعَتْ رَقَأَ دَمُهَا وَانْحَسَمَتْ عُرُوقُهَا. وَالرِّوَايَةُ الأُْخْرَى: يُمْنَعُ قَطْعُ الْيَدِ الشَّلاَّءِ؛ لأَِنَّهَا لاَ نَفْعَ فِيهَا وَلاَ جَمَال لَهَا، وَيَنْتَقِل __________ (1) شرح الزرقاني 8 / 92 - 93. (2) أسنى المطالب 4 / 152 - 153، المهذب 2 / 283. الْقَطْعُ إِلَى الرِّجْل الْيُسْرَى. وَإِذَا كَانَتِ الْيَدُ الْيُمْنَى مَقْطُوعَةَ الأَْصَابِعِ فَفِي الْمَذْهَبِ رَأْيَانِ أُوَلُهُمَا: الاِكْتِفَاءُ بِقَطْعِ الْيَدِ الْيُمْنَى وَلَوْ ذَهَبَتْ كُل أَصَابِعِهَا. وَالثَّانِي: عَدَمُ الاِكْتِفَاءِ بِقَطْعِ الْيُمْنَى إِذَا ذَهَبَ مُعْظَمُ نَفْعِهَا، لأَِنَّهَا تَكُونُ فِي حُكْمِ الْمَعْدُومَةِ وَيَنْتَقِل الْقَطْعُ إِلَى الرِّجْل الْيُسْرَى (1) . 64 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا لَوْ تَعَلَّقَ الْقَطْعُ بِالْيَدِ الْيُمْنَى، وَكَانَتِ الْيَدُ الْيُسْرَى قَدْ ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهَا، أَوْ كَانَتْ مَقْطُوعَةً فِي قِصَاصٍ أَوْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ تُقْطَعُ الْيَدُ الْيُمْنَى؛ لأَِنَّ قَطْعَهَا يُؤَدِّي إِلَى تَفْوِيتِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ كُلِّيَّةً، وَالْحَدُّ إِنَّمَا شُرِعَ زَاجِرًا لاَ مُهْلِكًا. وَبِهَذَا قَال أَحْمَدُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ. وَالرِّوَايَةُ الأُْخْرَى تَتَّفِقُ مَعَ مَا قَال بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ (2) مِنْ وُجُوبِ الْقَطْعِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ لأَِنَّ الْيَدَ الْيُسْرَى مَحَلٌّ لِلْقَطْعِ أَيْضًا إِذَا تَكَرَّرَتِ السَّرِقَةُ. وَلاَ يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ إِذَا تَعَلَّقَ الْقَطْعُ بِالرِّجْل الْيُسْرَى، وَكَانَتِ الرِّجْل الْيُمْنَى قَدْ قُطِعَتْ أَوْ ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهَا. 65 - وَاخْتَلَفُوا كَذَلِكَ فِيمَا لَوْ تَعَلَّقَ الْقَطْعُ بِالْيَدِ الْيُمْنَى، وَكَانَتْ مَقْطُوعَةً: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى __________ (1) كشاف القناع 4 / 87 - 88، المغني 10 / 268، 269. (2) بدائع الصنائع 7 / 87، شرح الزرقاني 8 / 92، 93، أسنى المطالب 4 / 152 - 153، الإقناع 4 / 286 انْتِقَال الْقَطْعِ إِلَى الرِّجْل الْيُسْرَى إِذَا كَانَ ذَهَابُ الْيَدِ الْيُمْنَى قَدْ حَدَثَ قَبْل السَّرِقَةِ، أَوْ بَعْدَهَا وَقَبْل الْمُخَاصَمَةِ؛ لأَِنَّ الْحَدَّ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْعُضْوِ الذَّاهِبِ، فَلاَ يَسْقُطُ بِذَهَابِهِ. بِخِلاَفِ مَا لَوْ ذَهَبَتِ الْيَدُ الْيُمْنَى بَعْدَ الْمُخَاصَمَةِ وَقَبْل الْقَضَاءِ، أَوْ بَعْدَ الْمُخَاصَمَةِ وَالْقَضَاءِ، فَلاَ يَنْتَقِل الْحَدُّ إِلَى الرِّجْل الْيُسْرَى، بَل يَسْقُطُ؛ لأَِنَّ الْمُخَاصَمَةَ تُؤَدِّي إِلَى تَعَلُّقِ الْقَطْعِ بِالْيَدِ الْيُمْنَى، فَإِذَا ذَهَبَتْ سَقَطَ الْحَدُّ لِذَهَابِ مَحَلِّهِ. وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (1) إِلَى انْتِقَال الْقَطْعِ إِلَى الرِّجْل الْيُسْرَى إِذَا ذَهَبَتِ الْيَدُ الْيُمْنَى قَبْل السَّرِقَةِ. وَإِلَى سُقُوطِ الْحَدِّ إِذَا ذَهَبَتْ بَعْدَ السَّرِقَةِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَهَابُهَا قَبْل الْخُصُومَةِ أَوْ بَعْدَهَا، وَقَبْل الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَهُ، بِآفَةٍ أَوْ جِنَايَةٍ، أَوْ قِصَاصٍ لأَِنَّهُ بِمُجَرَّدِ السَّرِقَةِ تَعَلَّقَ الْقَطْعُ بِالْيَدِ الْيُمْنَى، فَإِذَا ذَهَبَتْ زَال مَا تَعَلَّقَ بِهِ الْقَطْعُ فَسَقَطَ. 2 - مَوْضِعُ الْقَطْعِ وَمِقْدَارُهُ: 66 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى أَنَّ قَطْعَ الْيَدِ يَكُونُ مِنَ الْكُوعِ، وَهُوَ مَفْصِل الْكَفِّ، لأَِنَّ { __________ (1) بدائع الصنائع 7 / 88، حاشية الدسوقي 4 / 374، شرح الزرقاني 8 / 108، أسنى المطالب 4 / 153، مغني المحتاج 4 / 179، كشاف القناع 4 / 148، المغني 10 / 269. النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ يَدَ السَّارِقِ مِنَ الْكُوعِ (1) . وَلِقَوْل أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِذَا سَرَقَ السَّارِقُ فَاقْطَعُوا يَمِينَهُ مِنَ الْكُوعِ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مَوْضِعَ الْقَطْعِ مِنَ الْيَدِ: الْمَنْكِبُ؛ لأَِنَّ الْيَدَ اسْمٌ لِلْعُضْوِ مِنْ أَطْرَافِ الأَْصَابِعِ إِلَى الْمَنْكِبِ. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ مَوْضِعَ الْقَطْعِ: مَفَاصِل الأَْصَابِعِ الَّتِي تَلِي الْكَفَّ (2) . وَمَوْضِعُ قَطْعِ الرِّجْل هُوَ مَفْصِل الْكَعْبِ مِنَ السَّاقِ، فَعَل ذَلِكَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَالرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْهُ أَنَّ مَوْضِعَ الْقَطْعِ: أُصُول أَصَابِعِ الرِّجْل وَبِهَذَا قَال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، لِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَقْطَعُ مِنْ شَطْرِ الْقَدَمِ، وَيَتْرُكُ لِلسَّارِقِ عَقِبَهُ يَمْشِي عَلَيْهَا (3) . __________ (1) حديث: " قطع يد السارق من الكوع ". أخرجه البيهقي (8 / 271 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عبد الله بن عمر وقال: " قطع النبي صلى الله عليه وسلم سارقًا من المفصل ". وفي إسناده مقال، ولكن أورد قبله شاهدًا من حديث جابر بن عبد الله يتقوى به. (2) المبسوط 9 / 133، ابن عابدين 3 / 285، حاشية الدسوقي 4 / 332، بداية المجتهد 2 / 443. (3) المهذب 2 / 301، كشاف القناع 6 / 118، البحر الرائق 5 / 66، شرح الزرقاني 8 / 92 - 93، أسنى المطالب 4 / 152، المغني 10 / 266، أحكام القرآن للجصاص 4 / 70 - 71، شرح منتهى الإرادات 3 / 272، فتح الباري 15 / 104، المهذب 2 / 301. كَيْفِيَّةُ الْقَطْعِ. 67 - مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ مُرَاعَاةُ الإِْحْسَانِ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ (1) وَعَلَى ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَخَيَّرَ الْحَاكِمُ الْوَقْتَ الْمُلاَئِمَ لِلْقَطْعِ، بِحَيْثُ يَجْتَنِبُ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ الشَّدِيدَيْنِ، إِنْ كَانَ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى الإِْضْرَارِ بِالسَّارِقِ، وَلاَ يُقِيمُ الْحَدَّ أَثْنَاءَ مَرَضٍ يُرْجَى زَوَالُهُ، وَلاَ يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَى الْحَامِل أَوِ النُّفَسَاءِ، وَلاَ عَلَى الْعَائِدِ فِي السَّرِقَةِ قَبْل أَنْ يَنْدَمِل الْجُرْحُ السَّابِقُ. كَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَاقَ السَّارِقُ إِلَى مَكَانِ الْقَطْعِ سُوقًا رَفِيقًا، فَلاَ يُعَنَّفُ بِهِ، وَلاَ يُعَيَّرُ، وَلاَ يُسَبُّ. فَإِذَا وَصَل إِلَى مَكَانِ الْقَطْعِ (يَجْلِسُ، وَيُضْبَطُ لِئَلاَّ يَتَحَرَّكَ فَيَجْنِي عَلَى نَفْسِهِ، وَتُشَدُّ يَدُهُ بِحَبْلٍ وَيُجَرُّ حَتَّى يَبِينَ مَفْصِل الذِّرَاعِ، ثُمَّ تُوضَعُ بَيْنَهُمَا سِكِّينٌ حَادَّةٌ، وَيُدَقُّ فَوْقَهَا بِقُوَّةٍ لِيَقْطَعَ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ تُوضَعُ عَلَى الْمَفْصِل وَتُمَدُّ مَدَّةً وَاحِدَةً، وَإِنْ عَلِمَ قَطْعَ أَوْحَى مِنْ ذَلِكَ - أَيْ أَسْرَعَ - قَطَعَ بِهِ) . (2) وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ عَلَى حَسْمِ مَوْضِعِ الْقَطْعِ، وَذَلِكَ بِاسْتِعْمَال مَا يَسُدُّ الْعُرُوقَ وَيُوقِفُ نَزْفَ الدَّمِ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَنْ ثَبَتَتْ عَلَيْهِ السَّرِقَةُ: { __________ (1) حديث: " لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم ". أخرجه البخاري (الفتح 12 / 75 - ط السلفية) من حديث أبي هريرة. (2) المغني والشرح الكبير 10 / 266 وما بعدها. اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوهُ، ثُمَّ احْسِمُوهُ (1) . وَلَكِنَّ الْخِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي حُكْمِ الْحَسْمِ: فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَيْنِيٌّ عَلَى مَنْ قَامَ بِالْقَطْعِ؛ لأَِنَّ صِيغَةَ الأَْمْرِ فِي الْحَدِيثِ تُفِيدُ الْوُجُوبَ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ - فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمْ - إِلَى أَنَّ الْحَسْمَ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، فَلاَ يَلْزَمُ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ، فَإِذَا قَامَ بِهِ الْقَاطِعُ أَوِ الْمَقْطُوعُ أَوْ غَيْرُهُمَا فَقَدْ حَصَل الْمَطْلُوبُ. وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الأَْمْرَ بِالْحَسْمِ يُحْمَل عَلَى النَّدْبِ، لاَ الْوُجُوبِ؛ لأَِنَّهُ حَقٌّ لِلْمَقْطُوعِ، لاَ لِتَمَامِ الْحَدِّ، فَيَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَتْرُكَهُ. وَحِينَئِذٍ يُنْدَبُ لِلإِْمَامِ وَلِغَيْرِهِ أَنْ يَفْعَلَهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ مَصْلَحَةِ السَّارِقِ وَحِفْظُهُ مِنَ الْهَلاَكِ. وَلاَ يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوبِهِ عَلَى السَّارِقِ إِذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ أَحَدٌ، فَإِذَا تَعَذَّرَ عَلَى الْمَقْطُوعِ فِعْل الْحَسْمِ، لإِِغْمَاءٍ وَنَحْوِهِ وَتَرَتَّبَ عَلَى تَرْكِهِ تَلَفٌ مُحَقَّقٌ، فَلاَ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ إِهْمَالُهُ، بَل يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ، كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُ. وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ: أَنَّ الْحَسْمَ تَتِمَّةٌ لِلْحَدِّ، فَيَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ فِعْلُهُ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُهْمِلَهُ (2) . 68 - وَيُسَنُّ - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - تَعْلِيقُ __________ (1) حديث: " اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه ". أخرجه الدارقطني (3 / 102 - ط دار المحاسن) من حديث أبي هريرة، ثم أشار إلى إعلاله بأنه روي مرسلا. (2) ابن عابدين 3 / 285، الفتاوى الهندية 2 / 182، كشاف القناع 6 / 119، المغني والشرح الكبير 10 / 266، الخرشي على خليل 8 / 92، القليوبي وعميرة 4 / 198، مغني المحتاج 4 / 178. الْيَدِ الْمَقْطُوعَةِ فِي عُنُقِ السَّارِقِ، رَدْعًا لِلنَّاسِ، اسْتِنَادًا إِلَى مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِسَارِقٍ فَقُطِعَتْ يَدُهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَعُلِّقَتْ فِي عُنُقِهِ (1) . وَقَدْ حَدَّدَ الشَّافِعِيَّةُ مُدَّةَ التَّعْلِيقِ بِسَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَلَمْ يُحَدِّدُوا مُدَّةَ التَّعْلِيقِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ تَعْلِيقَ الْيَدِ لاَ يُسَنُّ، بَل يُتْرَكُ الأَْمْرُ لِلإِْمَامِ، إِنْ رَأَى فِيهِ مَصْلَحَةً فَعَلَهُ، وَإِلاَّ فَلاَ (2) . وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَالِكِيَّةُ شَيْئًا عَنْ تَعْلِيقِ الْيَدِ. 4 - تَكَرُّرُ الْقَطْعِ بِتَكَرُّرِ السَّرِقَةِ: تَدَاخُل الْحَدِّ: 69 - مِنَ الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ الَّتِي اسْتَقَرَّتْ فِي الْفِقْهِ الإِْسْلاَمِيِّ عَلَى اخْتِلاَفِ مَذَاهِبِهِ: أَنَّ مَبْنَى الْحُدُودِ عَلَى التَّدَاخُل، إِذَا اتَّحَدَ مُوجِبُهَا وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْحَدِّ حَقٌّ لآِدَمِيٍّ. وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ: إِذَا تَكَرَّرَتِ السَّرِقَةُ، قَبْل إِقَامَةِ الْحَدِّ، وَكَانَتْ فِي كُل مَرَّةٍ تُوجِبُ الْقَطْعَ، قُطِعَ السَّارِقُ لِجَمِيعِهَا قَطْعًا وَاحِدًا؛ لأَِنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ فَيَتَدَاخَل بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ؛ وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الرَّدْعُ __________ (1) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بسارق فقطعت يده، ثم أمر بها فعلقت في عنقه ". أخرجه النسائي (8 / 92 - ط. المكتبة التجارية) من حديث فضالة بن عبيد، ثم ذكر تضعيف أحد رواته. (2) ابن عابدين 3 / 285، ابن نجيم 5 / 66، أسنى المطالب 4 / 153، المهذب 2 / 301، كشاف القناع 6 / 119، المغني 10 / 267. وَالزَّجْرُ، وَذَلِكَ يَحْصُل بِإِقَامَةِ الْحَدِّ الْوَاحِدِ (1) . السَّرِقَةُ بَعْدَ الْقَطْعِ: 70 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ السَّارِقِ، إِذَا قُطِعَتْ يَمِينُهُ ثُمَّ عَادَ لِلسَّرِقَةِ، عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: ذَهَبَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ إِلَى أَنَّ: مَنْ قُطِعَتْ يَمِينُهُ فِي السَّرِقَةِ الأُْولَى، ثُمَّ سَرَقَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُضْرَبُ وَيُحْبَسُ، إِذْ لاَ قَطْعَ إِلاَّ فِي السَّرِقَةِ الأُْولَى. لِقَوْل اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (2) أَيِ الْيَدَ الْيُمْنَى، كَمَا جَاءَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأََمَرَ بِقَطْعِ الرِّجْل {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} (3) وَذَهَبَ رَبِيعَةُ وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ: مَنْ قُطِعَتْ يَمِينُهُ فِي السَّرِقَةِ الأُْولَى، ثُمَّ سَرَقَ مَرَّةً ثَانِيَةً، تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى، فَإِنْ عَادَ إِلَى السَّرِقَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ، بَل يُعَزَّرُ، وَذَلِكَ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِقَطْعِ الأَْيْدِي، وَهِيَ تَشْمَل الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى، وَإِدْخَال الأَْرْجُل فِي الْقَطْعِ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ (4) . __________ (1) المبسوط 9 / 177، شرح الزرقاني 8 / 108، نهاية المحتاج 7 / 467، المغني والشرح الكبير 10 / 268. (2) سورة المائدة / 38. (3) سورة مريم / 64. (4)) أحكام القرآن لابن العربي 2 / 613، المحلى 11 / 354، المغني 10 / 265، فتح الباري 15 / 105 - 106. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهِيَ الْمَذْهَبُ إِلَى أَنَّ مَنْ سَرَقَ بَعْدَ أَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى، تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى. فَإِنْ عَادَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ، بَل يُحْبَسُ وَيُضْرَبُ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ أَوْ يَمُوتَ. وَنُقِل هَذَا عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَالشَّعْبِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَحَمَّادٍ (1) لِمَا رُوِيَ مِنْ قَوْل عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: إِذَا سَرَقَ الرَّجُل قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى، فَإِنْ عَادَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى، فَإِنْ عَادَ ضَمَّنْتُهُ السِّجْنَ حَتَّى يُحْدِثَ خَيْرًا. إِنِّي لأََسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أَنْ أَدَعَهُ لَيْسَ لَهُ يَدٌ يَأْكُل بِهَا وَيَسْتَنْجِيَ بِهَا، وَرِجْلٌ يَمْشِي عَلَيْهَا (2) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى: إِلَى أَنَّ مَنْ سَرَقَ، بَعْدَ أَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى فِي السَّرِقَةِ الأُْولَى، تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى، فَإِنْ عَادَ لِلْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى، فَإِنْ سَرَقَ مَرَّةً رَابِعَةً قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُمْنَى، فَإِنْ عَادَ بَعْدَ ذَلِكَ حُبِسَ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ أَوْ يَمُوتَ، لِمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: إِذَا سَرَقَ السَّارِقُ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، __________ (1) ابن عابدين 3 / 285، بدائع الصنائع 7 / 1086، المبسوط 9 / 16، كشاف القناع 6 / 119، المغني والشرح الكبير 10 / 271، فتح الباري 15 / 105 - 106، المحلى 11 / 354. (2) سنن البيهقي 8 / 273، سنن الدارقطني 3 / 103. فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ (1) . وَقَدْ فَعَل ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَقَال بِهِ إِسْحَاقُ وَقَتَادَةُ وَأَبُو ثَوْرٍ (2) . رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ: أَنَّ مَنْ سَرَقَ - بَعْدَ قَطْعِ أَطْرَافِهِ الأَْرْبَعَةِ - يُقْتَل حَدًّا، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ. وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْل سَارِقٍ - فِي الْمَرَّةِ الْخَامِسَةِ - قَال جَابِرٌ: فَانْطَلَقْنَا بِهِ، ثُمَّ اجْتَرَرْنَاهُ، فَأَلْقَيْنَاهُ فِي بِئْرٍ، وَرَمَيْنَا عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ (3) . __________ (1) حديث: " إذا سرق السارق فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رجله ". أخرجه الدارقطني (3 / 181 ط دار المحاسن) وضعف إسناده ابن حجر في التلخيص (4 / 68 - ط شركة الطباعة الفنية) وأورد له ما يقويه. (2) الخرشي على خليل 8 / 93، القوانين الفقهية ص 361، أسنى المطالب 4 / 152، القليوبي وعميرة 4 / 198، المهذب 2 / 300، شرح الزرقاني على الموطأ 8 / 92 - 93، فتح الباري 15 / 106، الجامع لأحكام القرآن 6 / 160، سنن الدارقطني 2 / 364، بداية المجتهد 2 / 413 - 414، فتح الباري 15 / 105 - 106، المحلى 11 / 356، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 266. (3) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل سارق في المرة الخامسة ". أخرجه الدارقطني (3 / 181 - ط دار المحاسن) من حديث جابر بن عبد الله، وضعف إسناده ابن حجر في التلخيص (4 / 68 - ط شركة الطباعة الفنية) ولكن ذكر الدارقطني أسانيد أخرى له يتقوى بها. قَال الْخَطَّابِيُّ: وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ وَقَدْ عَارَضَهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: لاَ يَحِل دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إِيمَانٍ وَزِنًى بَعْدَ إِحْصَانٍ أَوْ قَتْل نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ (1) . قَال: وَلاَ أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ يُبِيحُ دَمَ السَّارِقِ (2) . سُقُوطُ الْحَدِّ. 71 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحْدِيدِ مَا يُسْقِطُ الْحَدَّ، سَوَاءٌ مَا يَتَّصِل بِالْمَسْرُوقِ مِنْهُ أَمْ بِغَيْرِهِ: كَالْعَفْوِ وَالشَّفَاعَةِ. وَمِنْهَا مَا يَتَّصِل بِالسَّارِقِ: كَالتَّوْبَةِ، وَالرُّجُوعِ عَنِ الإِْقْرَارِ، وَاشْتِرَاكِهِ مَعَ مَنْ لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ. وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَسْرُوقِ: كَطُرُوءِ مِلْكِ السَّارِقِ عَلَى مَا سَرَقَ. وَقَدْ يَسْقُطُ الْحَدُّ نَتِيجَةً لِلتَّقَادُمِ. 1 - الشَّفَاعَةُ وَالْعَفْوُ: 72 - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى إِجَازَةِ الشَّفَاعَةِ بَعْدَ السَّرِقَةِ وَقَبْل أَنْ يَصِل الأَْمْرُ إِلَى الْحَاكِمِ، إِذَا كَانَ __________ (1) حديث: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ". أخرجه الترمذي (4 / 460 - 461 ط الحلبي) من حديث عثمان بن عفان بلفظ مقارب، وقال: حديث حسن. (2) فتح القدير 5 / 596، المغني والشرح الكبير 10 / 271، تبصرة الحكام 2 / 353، ومعالم السنن 3 / 313 - 314، مغني المحتاج 4 / 178، النهاية في شرح الغاية 3 / 57. السَّارِقُ لَمْ يُعْرَفْ بِشَرٍّ، سِتْرًا لَهُ وَإِعَانَةً عَلَى التَّوْبَةِ (1) . فَأَمَّا إِذَا وَصَل الأَْمْرُ إِلَى الْحَاكِمِ، فَالشَّفَاعَةُ فِيهِ حَرَامٌ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأُِسَامَةَ - حِينَمَا شَفَعَ فِي الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ -: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ (2) وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَقِيَ رَجُلاً قَدْ أَخَذَ سَارِقًا، فَشَفَعَ فِيهِ، فَقَال: لاَ، حَتَّى أَبْلُغَ بِهِ الإِْمَامُ، فَقَال الزُّبَيْرُ: إِذَا بَلَغَ الإِْمَامَ فَلَعَنَ اللَّهُ الشَّافِعَ وَالْمُشَفِّعَ (3) . وَيَنْطَبِقُ نَفْسُ الْحُكْمِ عَلَى الْعَفْوِ عَنِ السَّارِقِ: فَإِنَّهُ يَجُوزُ إِذَا لَمْ يُرْفَعِ الأَْمْرُ إِلَى الْحَاكِمِ، فَإِنْ رُفِعَ إِلَيْهِ، لاَ يُقْبَل فِيهِ الْعَفْوُ. وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَعَافُوا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ، فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ (4) . وَقَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصَفْوَانَ - لَمَّا تَصَدَّقَ بِرِدَائِهِ عَلَى سَارِقِهِ -: فَهَلاَّ قَبْل أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ (5) . __________ (1) الجامع لأحكام القرآن 5 / 295، نيل الأوطار 7 / 311. (2) حديث: " أتشفع في حد من حدود الله ". أخرجه البخاري (الفتح 12 / 87 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1315 - ط الحلبي) من حديث عائشة. (3) المنتقى شرح الموطأ 7 / 163. (4) حديث: " تعافوا الحدود فيما بينكم ". أخرجه النسائي (8 / 70 - ط المكتبة التجارية) من حديث عبد الله بن عمرو، وإسناده حسن. (5) المبسوط 7 / 111، المنتقى 7 / 162 وما بعدها، تكملة المجموع 18 / 333، المغني والشرح الكبير 10 / 294، نيل الأوطار 7 / 153. والحديث: " فهلا قبل أن تأتيني به ". أخرجه الحاكم (4 / 380 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث ابن عباس، وصححه ووافقه الذهبي. التَّوْبَةُ: 73 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ النَّصُوحَ، أَيِ النَّدَمَ الَّذِي يُورِثُ عَزْمًا عَلَى إِرَادَةِ التَّرْكِ تُسْقِطُ عَذَابَ الآْخِرَةِ عَنِ السَّارِقِ (1) ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي أَثَرِ التَّوْبَةِ عَلَى إِقَامَةِ حَدِّ السَّرِقَةِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَعَطَاءٌ، وَجَمَاعَةٌ: إِلَى أَنَّ التَّوْبَةَ لاَ تُسْقِطُ حَدَّ السَّرِقَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ} (2) مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ تَائِبٍ وَغَيْرِهِ، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَ الْحَدَّ عَلَى عَمْرِو بْنِ سَمُرَةَ، حِينَ أَتَاهُ تَائِبًا يَطْلُبُ التَّطْهِيرَ مِنْ سَرِقَتِهِ جَمَلاً (3) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ - فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ - وَالْحَنَابِلَةُ - فِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى - إِلَى أَنَّ التَّوْبَةَ تُسْقِطُ حَدَّ السَّرِقَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى - بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ جَزَاءَ السَّارِقِ وَالسَّارِقَةِ -: {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ __________ (1) إحياء علوم الدين 4 / 20، معالم السنن 3 / 301. (2)) سورة المائدة / 38. (3) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام الحد على عمرو بن سمرة ". أخرجه ابن ماجه (2 / 863 - ط الحلبي) من حديث ثعلبة الأنصاري، وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (2 / 75 - ط دار الجنان) . فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (1) وَهُوَ يَدُل عَلَى أَنَّ التَّائِبَ لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، إِذْ لَوْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ بَعْدَ التَّوْبَةِ لَمَا كَانَ لِذِكْرِهَا فَائِدَةٌ (2) . 3 - الرُّجُوعُ عَنِ الإِْقْرَارِ: 74 - اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى أَنَّ السَّارِقَ إِذَا رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ، قَبْل الْقَطْعِ، سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ؛ لأَِنَّ الرُّجُوعَ عَنِ الإِْقْرَارِ يُورِثُ شُبْهَةً (3) . وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ رُجُوعَ السَّارِقِ فِي إِقْرَارِهِ لاَ يُقْبَل مِنْهُ، وَلاَ يُسْقِطُ عَنْهُ الْحَدَّ؛ لأَِنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لآِدَمِيٍّ بِقِصَاصٍ أَوْ بِحَقٍّ لَمْ يُقْبَل رُجُوعُهُ عَنْهُمَا، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِذَا أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ (4) . 4 - الاِشْتِرَاكُ مَعَ مَنْ لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ: 75 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - إِلاَّ أَبَا يُوسُفَ - وَالْحَنَابِلَةُ فِي __________ (1) سورة المائدة / 39. (2) فتح القدير 5 / 429، الخرشي والعدوي 8 / 103، المهذب 2 / 285، المغني 8 / 281، 296 ط. مكتبة القاهرة، المحلى 11 / 129، القليوبي وعميرة 4 / 201، نيل الأوطار 7 / 106، فتح الباري 15 / 117. (3) ابن عابدين 3 / 290، حاشية الدسوقي 4 / 345، القليوبي وعميرة 4 / 196، كشاف القناع 6 / 117 - 118، الخراج ص 191. (4) نهاية المحتاج 7 / 441، المغني والشرح الكبير 10 / 293. أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ إِلَى أَنَّهُ: إِذَا اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي سَرِقَةٍ وَكَانَ بَيْنَهُمْ مَنْ لاَ يَتَعَلَّقُ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ، كَصَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ، فَإِنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ عَنِ الشُّرَكَاءِ كُلِّهِمْ؛ لأَِنَّ السَّرِقَةَ وَاحِدَةٌ، وَقَدْ حَصَلَتْ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ وَمِمَّنْ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ، فَيَسْقُطُ الْقَطْعُ عَنِ الْجَمِيعِ، قِيَاسًا عَلَى اشْتَرَاكِ الْعَامِدِ مَعَ الْمُخْطِئِ فِي الْقَتْل، فَإِنَّ الْقِصَاصَ يَسْقُطُ عَنْهُمَا. وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّ الْحَدَّ لاَ يَسْقُطُ إِلاَّ إِذَا كَانَ الصَّبِيُّ أَوِ الْمَجْنُونُ هُوَ الَّذِي وَلِيَ الأَْخْذَ وَالإِْخْرَاجَ؛ لأَِنَّ الإِْخْرَاجَ أَصْلٌ وَالإِْعَانَةَ كَالتَّابِعِ، فَإِذَا سَقَطَ الْقَطْعُ عَنِ الأَْصْل وَجَبَ سُقُوطُهُ عَنِ التَّابِعِ. أَمَّا إِذَا كَانَ الآْخِذُ وَالْمُخْرِجُ مُكَلَّفًا فَإِنَّهُ يَكُونُ قَدْ قَامَ بِالأَْصْل، فَلاَ يَسْقُطُ الْقَطْعُ عَنْهُ، وَإِنْ سَقَطَ عَنِ الصَّبِيِّ أَوِ الْمَجْنُونِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - فِي الْوَجْهِ الآْخَرِ - إِلَى أَنَّ اشْتِرَاكَ مَنْ لاَ يَجِبُ قَطْعُهُ فِي السَّرِقَةِ لاَ يَسْقُطُ عَنْ سَائِرِ الشُّرَكَاءِ لأَِنَّ سَبَبَ امْتِنَاعِ قَطْعِهِ خَاصٌّ بِهِ، فَلاَ يَتَعَدَّاهُ إِلَى غَيْرِهِ (1) . __________ (1)) بدائع الصنائع 7 / 67، المبسوط 9 / 151، تبصرة الحكام 2 / 352، شرح الزرقاني 8 / 95، أسنى المطالب 4 / 138 - 139، مغني المحتاج 4 / 160، المغني والشرح الكبير 10 / 296 - 297. 5 - طُرُوءُ الْمِلْكِ قَبْل الْحُكْمِ: 76 - إِذَا تَمَلَّكَ السَّارِقُ الْمَسْرُوقَ قَبْل الْقَضَاءِ بِأَنِ اشْتَرَاهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْقَطْعَ يَسْقُطُ عَنْهُ - عِنْدَ الْجُمْهُورِ - لأَِنَّ الْمُطَالَبَةَ شَرْطٌ لِلْحُكْمِ بِالْقَطْعِ، فَإِذَا تَمَلَّكَهُ السَّارِقُ قَبْل الْقَضَاءِ امْتَنَعَتِ الْمُطَالَبَةُ، وَخَالَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي هَذَا الْحُكْمِ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِمْ الْمُطَالَبَةَ، فَالْعِبْرَةُ بِوُجُوبِ الْحَدِّ أَوْ سُقُوطِهِ بِحَال السَّرِقَةِ، دُونَ انْتِقَال الْمِلْكِ بَعْدَهَا. فَأَمَّا إِذَا حَدَثَ الْمِلْكُ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَقَبْل الْقَطْعِ، فَإِنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - مَا عَدَا أَبَا يُوسُفَ وَزُفَرَ -: (لأَِنَّ الْقَضَاءَ فِي بَابِ الْحُدُودِ إِمْضَاؤُهَا فَمَا لَمْ تَمْضِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقْضِ) ، وَلأَِنَّ (الْمُعْتَرِضَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، قَبْل الاِسْتِيفَاءِ، كَالْمُقْتَرِنِ بِأَصْل السَّبَبِ) ؛ وَلأَِنَّ (التَّمَلُّكَ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ حَقًّا وَقْتَ السَّرِقَةِ، إِلاَّ أَنَّهُ أَوْجَدَ شُبْهَةً عِنْدَ التَّنْفِيذِ وَهَذِهِ الشُّبْهَةُ تَمْنَعُ مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ) . وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ، وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّهُ لاَ أَثَرَ لِتَمَلُّكِ الْمَسْرُوقِ بَعْدَ الْقَضَاءِ عَلَى وُجُوبِ الْقَطْعِ، (لأَِنَّ وُجُوبَ الْقَطْعِ حُكْمٌ مُعَلَّقٌ بِوُجُودِ السَّرِقَةِ، وَقَدْ تَمَّتِ السَّرِقَةُ، وَوَقَعَتْ مُوجِبَةً لِلْقَطْعِ لاِسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، فَطُرُوءُ الْمِلْكِ بَعْدَ ذَلِكَ لاَ يُوجِبُ خَلَلاً فِي السَّرِقَةِ الْمَوْجُودَةِ، فَبَقِيَ الْقَطْعُ وَاجِبًا) ، وَلأَِنَّ مَا حَدَثَ - بَعْدَ وُجُوبِ الْحَدِّ - لَمْ يُوجَدْ شُبْهَةٌ فِي الْوُجُوبِ، (فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْحَدِّ) ، وَلَوْ كَانَ حُدُوثُ الْمِلْكِ - بَعْدَ الْقَضَاءِ - يُسْقِطُ الْحَدَّ، لَمَا قَطَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَارِقَ رِدَاءِ صَفْوَانَ، بَعْدَ أَنْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ، بَل قَال لَهُ: فَهَلاَّ قَبْل أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ (1) . 6 - تَقَادُمُ الْحَدِّ: 77 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَزُفَرَ إِلَى أَنَّ الْحَدَّ لاَ يَسْقُطُ بِالتَّقَادُمِ؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَصْدُرْ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَتِ السَّرِقَةُ، فَوَجَبَ تَنْفِيذُهُ مَهْمَا طَال الزَّمَنُ، وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُرُوبُ الْجَانِي أَوْ تَرَاخِي التَّنْفِيذِ مِنْ أَسْبَابِ سُقُوطِ الْحَدِّ، وَإِلاَّ كَانَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى تَعْطِيل حُدُودِ اللَّهِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - مَا عَدَا زُفَرَ - إِلَى أَنَّ تَقَادُمَ التَّنْفِيذِ بَعْدَ الْقَضَاءِ، يُسْقِطُ الْقَطْعَ، لأَِنَّ الْقَضَاءَ فِي بَابِ الْحُدُودِ إِمْضَاؤُهَا، فَمَا لَمْ تَمْضِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقْضِ، وَلأَِنَّ التَّقَادُمَ فِي التَّنْفِيذِ كَالتَّقَادُمِ فِي الإِْثْبَاتِ بِالْبَيِّنَةِ، فَإِذَا حَكَمَ عَلَيْهِ بِالْقَطْعِ بِشُهُودٍ فِي السَّرِقَةِ، ثُمَّ انْفَلَتَ، فَأُخِذَ بَعْدَ زَمَانٍ، لَمْ يُقْطَعْ؛ لأَِنَّ حَدَّ السَّرِقَةِ لاَ يُقَامُ بِحُجَّةِ الْبَيِّنَةِ بَعْدَ تَقَادُمِ الْعَهْدِ، وَالْعَارِضُ فِي الْحُدُودِ بَعْدَ __________ (1) بدائع الصنائع 7 / 88 - 89، المبسوط 9 / 187، شرح الزرقاني 8 / 89، المهذب 2 / 264 - 282، والمغني والشرح الكبير 10 / 277، معالم السنن 3 / 300. الْقَضَاءِ قَبْل الاِسْتِيفَاءِ كَالْعَارِضِ قَبْل الْقَضَاءِ (1) . التَّعْزِيرُ: 78 - تَجُوزُ الْعُقُوبَةُ بِالتَّعْزِيرِ عَلَى كُل سَرِقَةٍ لَمْ تَكْتَمِل أَرْكَانُهَا، أَوْ لَمْ تَسْتَوْفِ شُرُوطُهَا؛ لِعَدَمِ وُجُوبِ الْحَدِّ فِيهَا. وَعَلَى كُل سَرِقَةٍ دَرْءُ الْحَدِّ فِيهَا لِوُجُودِ شُبْهَةٍ. وَكَذَلِكَ تَجُوزُ الْعُقُوبَةُ بِالتَّعْزِيرِ عَلَى السَّرِقَةِ الَّتِي سَقَطَ فِيهَا الْقَطْعُ، عَلَى التَّفْصِيل الَّذِي سَبَقَ بَيَانُهُ (2) . الضَّمَانُ: 79 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوبِ رَدِّ الْمَسْرُوقِ إِنْ كَانَ قَائِمًا، إِلَى مَنْ سُرِقَ مِنْهُ، سَوَاءٌ كَانَ السَّارِقُ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا، وَسَوَاءٌ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ أَوْ لَمْ يُقَمْ، وَسَوَاءٌ وُجِدَ الْمَسْرُوقُ عِنْدَهُ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ عَلَى صَفْوَانَ رِدَاءَهُ، وَقَطَعَ سَارِقَهُ، وَقَدْ قَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى __________ (1) بدائع الصنائع 7 / 89، المبسوط 9 / 176، فتح القدير 4 / 164، تبصرة الحكام 2 / 352، مغني المحتاج 4 / 151، المغني والشرح الكبير 10 / 205 - 206. (2) الأحكام السلطانية للماوردي ص 236، معالم السنن 3 / 313، المغني 10 / 271، وانظر مصطلح: (تعزير) . تُؤَدِّيَ (1) ، وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ كَذَلِكَ فِي وُجُوبِ ضَمَانِ الْمَسْرُوقِ إِذَا تَلِفَ، وَلَمْ يُقَمِ الْحَدُّ عَلَى السَّارِقِ، لِسَبَبٍ يَمْنَعُ الْقَطْعَ، كَأَخْذِ الْمَال مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، أَوْ كَانَ دُونَ النِّصَابِ، أَوْ قَامَتْ شُبْهَةٌ تَدْرَأُ الْحَدَّ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَى السَّارِقِ أَنْ يَرُدَّ مِثْل الْمَسْرُوقِ - إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا - وَقِيمَتَهُ إِنْ كَانَ قِيَمِيًّا (2) . 80 - وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ، إِذَا تَلِفَ الْمَسْرُوقُ وَقَدْ قُطِعَ فِيهِ سَارِقُهُ، عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ: الأَْوَّل: عَدَمُ وُجُوبِ الضَّمَانِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ تَلِفَ الْمَسْرُوقُ بِهَلاَكٍ أَوْ بِاسْتِهْلاَكٍ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَبِهِ قَال عَطَاءٌ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمَكْحُولٌ، وَغَيْرُهُمْ (3) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا __________ (1) حديث: " على اليد ما أخذت حتى تؤدي. ". أخرجه أبو داود (3 / 822 - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث الحسن عن سمرة، وقال ابن حجر في التلخيص (3 / 53 - ط شركة الطباعة الفنية) : والحسن مختلف في سماعه من سمرة. (2) المبسوط 9 / 156، بداية المجتهد 2 / 442، أسنى المطالب 4 / 152، المغني والشرح الكبير 10 / 279، البيهقي 8 / 277. (3) بدائع الصنائع 7 / 84 - 85، فتح القدير 5 / 413، أحكام القرآن للجصاص 4 / 84، بداية المجتهد 2 / 442. أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ} (1) فَقَدْ سَمَّى " الْقَطْعَ " جَزَاءً، وَالْجَزَاءُ يُبْنَى عَلَى الْكِفَايَةِ، فَلَوْ ضُمَّ إِلَيْهِ الضَّمَانُ لَمْ يَكُنِ الْقَطْعُ كَافِيًا، فَلَمْ يَكُنْ جَزَاءً، وَقَدْ جَعَل الْقَطْعَ كُل الْجَزَاءِ، لأَِنَّهُ - عَزَّ شَأْنُهُ - ذَكَرَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ، فَلَوْ أَوْجَبْنَا الضَّمَانَ لَصَارَ الْقَطْعُ بَعْضَ الْجَزَاءِ. وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ يُغَرَّمُ صَاحِبُ سَرِقَةٍ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ (2) ، فَالْحَدِيثُ يَنُصُّ صَرَاحَةً عَلَى نَفْيِ الضَّمَانِ إِذَا قَطَعَ السَّارِقُ. وَمِنْ هُنَا قَالُوا: لاَ يَجْتَمِعُ حَدٌّ وَضَمَانٌ؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ بِالضَّمَانِ يَجْعَل الْمَسْرُوقَ مَمْلُوكًا لِلسَّارِقِ، مُسْتَنِدًا إِلَى وَقْتِ الأَْخْذِ، فَلاَ يَجُوزُ إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَقْطَعُ أَحَدٌ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ (3) . وَالثَّانِي: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى ضَمَانِ الْمَسْرُوقِ - إِنْ تَلِفَ - بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ السَّارِقُ مُوسِرًا، مِنْ وَقْتِ السَّرِقَةِ إِلَى وَقْتِ الْقَطْعِ، لأَِنَّ الْيَسَارَ الْمُتَّصِل كَالْمَال الْقَائِمِ بِعَيْنِهِ، فَلاَ تَجْتَمِعُ عَلَى السَّارِقِ عُقُوبَتَانِ. فَإِنْ كَانَ السَّارِقُ مُوسِرًا وَقْتَ السَّرِقَةِ، ثُمَّ أَعْسَرَ بَعْدَهَا، أَوْ كَانَ مُعْسِرًا وَقْتَ السَّرِقَةِ، ثُمَّ أَيْسَرَ بَعْدَهَا، فَلاَ ضَمَانَ؛ لِئَلاَّ __________ (1) سورة المائدة / 38. (2) حديث: " لا يغرم صاحب سرقة إذا أقيم عليه الحد ". أخرجه النسائي (8 / 93 - ط المكتبة التجارية) وقال: هذا مرسل، وليس بثابت. (3) أحكام القرآن للجصاص 4 / 84، فتح القدير 5 / 414، وبدائع الصنائع 7 / 84، والمبسوط 9 / 157. تَجْتَمِعَ عَلَيْهِ عُقُوبَتَانِ: قَطْعُ يَدِهِ وَإِتْبَاعُ ذِمَّتِهِ (1) . وَالثَّالِثُ: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَحَمَّادٌ، وَالْبَتِّيُّ وَاللَّيْثُ، وَبِهِ قَال الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالأَْوْزَاعِيُّ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَإِسْحَاقُ (2) إِلَى وُجُوبِ الضَّمَانِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ السَّارِقُ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا، وَسَوَاءٌ تَلِفَ الْمَسْرُوقُ بِهَلاَكٍ أَوِ اسْتِهْلاَكٍ، وَسَوَاءٌ أُقِيمَ الْحَدُّ عَلَى السَّارِقِ أَوْ لَمْ يُقَمْ، فَالْقَطْعُ وَالضَّمَانُ يَجْتَمِعَانِ؛ لأَِنَّ الْقَطْعَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَالضَّمَانَ لِحَقِّ الْعَبْدِ، وَقَدْ قَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ (3) . أَمَّا وَقْتُ تَقْدِيرِ الْقِيمَةِ - إِذَا حَكَمَ بِضَمَانِ الْمَسْرُوقِ - فَيُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ: (ضَمَان) . |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
4 - حد السرقة
• * حكمة مشروعية حد السرقة:. • * عقوبة السارق:. • * حد السرقة:. • * نصاب السرقة:. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* حكمة مشروعية حد السرقة:
صان الله الأموال بإيجاب قطع يد السارق، فإن اليد الخائنة بمثابة عضو مريض يجب بتره ليسلم الجسم، وفي قطع يد السارق عبرة لمن تحدثه نفسه بسرقة أموال الناس، وتطهير للسارق من ذنبه، وإرساء لقواعد الأمن والطمأنينة في المجتمع، وحفظ لأموال الأمة. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* حد السرقة:
1 - السارق عليه حقان: حق خاص، وهو المسروق إن وجد، أو مثله أو قيمته إن كان تالفاً، وعليه حق عام هو حق الله تعالى، وهو قطع يده إن كملت الشروط، أو تعزيره إن لم تكمل الشروط. 2 - إذا وجب القطع قُطعت يده اليمنى من مفصل الكف، وحسمت بغمسها بزيت مغلي أو بما يقطع الدم، وعليه رد ما أخذ من مال أو بدله لمالكه، وتحرم الشفاعة في حد السرقة بعد بلوغه الحاكم. 3 - إذا عاد السارق مرة أخرى قُطعت رجله اليسرى من منتصف ظهر القدم، فإن عاد حبس وعزر حتى يتوب ولا يُقطع. * تقطع يد الطَّرَّار وهو الذي يبطُّ الجيب أو غيره، ويأخذ منه المال خفية إن بلغ ما أخذه نصاباً؛ لأنه سارق. من حرز. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* نصاب السرقة:
ربع دينار من الذهب فصاعداً، أو عَرض يساويه. عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً)). متفق عليه (¬1). * إذا اعترف السارق بالسرقة ولم توجد معه فيشرع للقاضي تلقينه الرجوع عن اعترافه، فإن أصر ولم يرجع عن إقراره قطع، وإذا اعترف السارق بالسرقة ثم رجع فلا قطع؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات. * من سرق من بيت المال فإنه يُعزر وتغرم غرامة مثلية ولا يُقطع، ومثله من سرق من الغنيمة أو الخمس. * ويجب القطع على جاحد العارية إذ هو داخل في اسم السرقة. عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تقطع يدها .... أخرجه مسلم (¬2). * من تمام توبة السارق ضمان المسروق لربه إذا كان تالفاً، فإن كان موسراً دفعه لصاحبه، وإن كان معسراً فنظرة إلى ميسرة، وإن كانت العين المسروقة موجودة بعينها فردها لصاحبها شرط لصحة توبته. * من وجب عليه حد سرقة أو زنى أو شرب خمر فتاب منه قبل ثبوته عند حاكم سقط عنه، ولا يشرع له كشف نفسه بعد أن ستره الله، لكن عليه رد ما أخذ من مال ¬_________ (¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (6789)، واللفظ له، ومسلم برقم (1684). (¬2) أخرجه مسلم برقم (1688). |
لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)
|
هي أن يختلق راو متابعةً من عنده ، تامة أو قاصرة ، لبعض ما سمعه أو وقف عليه أو بلغه من الروايات ، سواء أصح ذلك المروي أم لم يصح.
وأكثر ما تقع السرقة في الأحاديث الغرائب والعوالي. هذا ويظهر أنهم أكثر ما كانوا يطلقون هذه الكلمة على ما إذا كان محدث ينفرد بحديث فيجيء راو آخر - وهو السارق - فيدعي أنه سمعه أيضاً من شيخ ذلك المحدث. وأما وضع إسناد كامل لبعض المرويات ، أي اختلاق شواهد لها ، فيسمَّى وضع الاسناد، ويسمى تركيب الاسناد ؛ ويسمى أيضاً سرقة المتون ؛ ويطلق عليه أحياناً اسم السرقة بلا تقييد. فائدة: لعل الفرق بين قولهم (هو يسوي الأسانيد) ، وقولهم (هو يسرقها): أن السرقة تصرُّف في السند من ابتدائه ، وأما التسوية فتصرف في السند من أثنائه. تنبيه: السارق يوصف بأنه كذاب ، ولكن لا يطلق عليه اسم الوضع ؛ وإنما يوصف به مقيَّداً فيقال: (يضع المتابعات) أو (يضع الطرق) أو (يضع الأسانيد) ؛ لأن إطلاق الوضع إنما ينصرف إلى وضع المتون وتركيب الأسانيد لها ، قال الذهبي في (السير) (11/405) في ترجمة محمد بن حميد الرازي: (قال أبو أحمد العسال: سمعت فضلك يقول: دخلت على ابن حميد وهو يركّب الأسانيد على المتون ، قلت: آفته هذا الفعل وإلا فما أعتقد فيه أنه يضع متناً ، وهذا معنى قولهم: فلان يسرق الحديث) ؛ وانظر (تدليس التسوية) و(تركيب الأسانيد) و(الاتهام بالكذب). |
لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)
|
انظر (سرقة الحديث) و(متهم) و(الاتهام بالكذب) و(تدليس التسوية).
|
موسوعة الفقه الإسلامي
|
4 - حد السرقة
- السرقة: هي أخذ مال محترم لغيره، لا شبهة فيه، من موضع مخصوص، بقدر مخصوص، على وجه الخفية. - أنواع الاعتداء على الأموال: الاعتداء على الأموال له حالات هي: السرقة .. أو الغصب .. أو الاختلاس .. أو النهب .. أو الطَّر .. أو الخيانة .. أو الجحد. فالسرقة: أخذ مال الغير المحترم خفية من حرزه. والغصب: أخذ المال علانية قهراً بغير حق. والاختلاس: أخذ المال بصفة لا يشعر بها المسروق منه. والنهب: أخذ المال مغالبة والناس ينظرون. والطَّرَّار: هو النَّشَّال الذي يسرق من جيب الإنسان أو كمه. والنَّبَّاش: هو من ينبش القبر لأخذ ما فيه. والخائن: هو الغادر الجاحد للمال. والجاحد: هو المنكِر ما عنده لغيره. 1 - قال الله تعالى: {{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)}} [المائدة: 38]. 2 - وَعَنْ جَابرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلاَ مُنْتَهِبٍ وَلاَ |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
بعض مراكب الفرنج يحاولون سرقة مراكب للمسلمين في الإسكندرية.
840 محرم - 1436 م في حادى عشرين محرم طرق ميناء بوقير خارج مدينة الإسكندرية ثلاثه أغربة من الفرنج الكيتلان وأخذوا مركبين للمسلمين، فخرج إليهم أقباى اليشبكى الدوادار نائب الثغر، ورماهم حتى أخذ منهم أحد المركبين وأحرق الفرنج المركب الآخر، وساروا، وفي ثاني عشرينه غد هذه الوقعة طرق ميناء الإسكندرية مركب آخر للكيتلان، وكان بها مركب للجنوية، فتَحاربا، وأعان المسلمون الجنوية حتى إنهزم الكيتلان. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
مؤتمر في الجامعة العربية، لبحث قضية سرقة إسرائيل للمياه الفلسطينية ..
1416 شعبان - 1996 م تم عقد مؤتمر في الجامعة العربية، وكان الهدف منه بحث قضية سرقة إسرائيل للمياه الفلسطينية. وأطماع إسرائيل في المياه الفلسطينية ترجع منذ احتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967م حيث عملت على تهويد واستنزاف المياه الفلسطينية فيها، وخاصة بعد أن تمكنت من الوصول بسهولة إلى أحواض المياه فيها والسيطرة عليها عبر العديد من الأوامر العسكرية والتي هدفت إلى ترسيخ احتلالها والهيمنة على المياه الفلسطينية. وقامت اسرائيل موازاة مع ما سبق بالتضييق على السكان الفلسطينين وطردهم من أراضيهم المجاورة لينابيع المياه، ومنع الفلسطينين من حفر الآبار إلا بعد الحصول على تصريح خاص من الحاكم العسكري الإسرائيلي وضمن قيود مجحفة مثل عدم استخدام الآبار بعد الساعة الرابعة مساءً، وفي المقابل وفرت جميع الإمكانات المادية والسياسية للمستوطنين بإقامة المستوطنات الزراعية على أراضي الفلسطينيين بعد مصادرتها وحفر الآبار فيها بصورة أضرت بالفلسطينيين، مثل ما قامت به شركة إسرائيل للمياه "ميكروت" بحفر 17 بئراً جديدة في غور الأردن في الفترة من 67 - 78 باستخدام الأجهزة المطورة، مما أدى إلى جفاف 50 بئراً مملوكة للفلسطينيين من 1967 – 1980، إضافة لتزايد ملوحة العديد من الآبار الأخرى. |
ميزان الاعتدال في نقد الرجال
|
ما حدث عنه سوى سماك بن حرب.
|
معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية
|
- بفتح الفاء وكسر العين-: من سرق يسرق، من باب:
ضرب يضرب. وهي في اللغة: أخذ الشيء من الغير على سبيل الخفية والاستسرار بغير إذن المالك سواء كان المأخوذ مالا أو غير مال. ومنه: استراق السّمع، قال الله تعالى: إِلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ. [سورة الحجر، الآية 18]. واصطلاحا: أخذ مكلف خفية قدر عشرة دراهم مضروبة محرزة بمكان أو حافظ بلا شبهة، حتى إذا كان قيمة المسروق أقل من عشرة مضروبة لا يكون سرقة في حق القطع وإن كان سرقة شرعا في الرد والضمان، ولا بد أن يكون الخفية والاستتار في الابتداء والانتهاء إذا كانت السرقة بالنهار، وإن كانت بالليل فلا بد منها في الابتداء، حتى إذا نقب الجدار على الخفية بالليل، ثمَّ أخذ المال من المالك مكابرة جهرا يقطع أيضا. وجاء في «الاختيار» : السرقة: أخذ العاقل البالغ نصابا محرزا، أو ما قيمته نصابا ملكا للغير لا شبهة فيه على وجه الخفية. وزاد المالكية: أخذ مكلف طفلا حرّا لا يعقل لصغره. قال ابن عرفة: السرقة: أخذ مكلف حرّا لا يعقل لصغره أو مالا محترما لغيره نصابا أخرجه من حرزه بقصد واحد خفية لا شبهة له فيه. قال الدردير: السرقة: أخذ مكلف نصابا فأكثر من مال محترم لغيره بلا شبهة قويت خفية بإخراجه من حرز غير مأذون فيه وإن لم يخرج هو بقصد واحد، أو حرّا لا يميز لصغر أو جنون. وفي «الإقناع» : السرقة: أخذ المال خفية ظلما من حرز مثله بشروط. وفي «الروض المربع» : السرقة: أخذ مال على وجه الاختفاء عن مالكه أو نائبه. قال المناوى: السرقة: تناول الشيء من موضع مخصوص وقدر مخصوص على وجه مخصوص. فائدة: السرقة نوعان (صغرى وكبرى) : الصغرى: ما ذكر، والكبرى: قطع الطريق. ففي «الصغرى» يسارق عين حافظه ويطلب غفلته. وفي «الكبرى» يسارق عين من التزم حفظ ذلك المكان ويطلب غفلته وهو السلطان. ويقطع يمين السارق والسارقة من الرسغ ويحسم. ويقطع الرجل اليسرى من الكعب إن عاد إلى السرقة ثانيا. وعند الشافعي- رحمه الله-: تقطع يمين السارق بربع دينار. «دستور العلماء 3/ 292، وشرح حدود ابن عرفة 2/ 649، والإقناع 3/ 211، والروض المربع ص 493، ومعجم المغني (7251) 10/ 235 8/ 240، والتوقيف ص 403، والمطلع ص 374، والتعريفات ص 104». |