نتائج البحث عن (سِيَاسَة) 37 نتيجة

  • السياسة
(السياسة) سياسة السُّوق الْحرَّة (فِي الاقتصاد) تَعْبِير يدل على سياسة البنوك المركزية فِي بيع الأوراق الْمَالِيَّة وشرائها لزِيَادَة المتداول من النُّقُود أَو نَقصه (مج)
السّياسة:[في الانكليزية] Politics ،direction [ في الفرنسية] Politique ،direction بالكسر والمثناة التحتانية مصدر ساس الوالي الرّعية أي أمرهم ونهاهم كما في القاموس وغيره. فالسياسة استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجّي في الدنيا والآخرة؛ فهي من الأنبياء على الخاصة والعامة في ظاهرهم وباطنهم، ومن السلاطين والملوك على كلّ منهم في ظاهرهم، ومن العلماء ورثة الأنبياء في باطنهم لا غير كما في المفردات وغيرها، كذا في جامع الرموز في حدّ الزنا في كتاب الحدود. وفي البحر الرائق في آخر كتاب الحدود ورسمت السياسة بأنّها القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأموال.وفي كليات أبي البقاء ما حاصله أنّ السياسة المطلقة هي إصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجّي في العاجل والآجل على الخاصة والعامة في ظواهرهم وبواطنهم، وهي إنّما تكون من الأنبياء وتسمّى سياسة مطلقة لأنها في جميع الخلق وفي جميع الأحوال، أو لأنها مطلقة أي كاملة من غير إفراط وتفريط. وأمّا من السلاطين وأمرائهم فإنّما تكون على كلّ منهم في ظواهرهم، ولا تكون إلّا منجية في العاجل لأنّها عبارة عن إصلاح معاملة عامة الناس فيما بينهم ونظمهم في أمور معاشهم وتسمّى سياسة مدنية. وأما من العلماء الذين هم ورثة الأنبياء حقا على الخاصّة في بواطنهم لا غير، أي لا تكون على العامة لأنّ إصلاحهم مبني على الشوكة الظاهرة والسلطنة القاهرة وأيضا لا تكون على الخاصة في ظواهرهم لأنّها أيضا منوطة بالجبر والقهر وتسمّى سياسة نفسية. وتقال أيضا على تدبير المعاش بإصلاح أحوال جماعة مخصوصة على سنن العدل والاستقامة وتسمّى سياسة بدنية.

والسياسة نوعان: النوع الأول سياسة عادلة تخرج الحقّ من الظالم الفاجر فهي من الشريعة، علمها من علمها وجهلها من جهلها.وقد صنّف الناس في السياسة الشرعية كتبا متعددة. والنوع الآخر سياسة ظالمة، فالشريعة تحرّمها انتهى. والسياسة المدنية من أقسام الحكمة العملية وتسمّى بالحكمة السياسة وعلم السياسة وسياسة الملك والحكمة المدنية. وهو علم تعلم منه أنواع الرئاسة والسياسات والاجتماعات المدنية وأحوالها، وموضوعه المراتب المدنية وأحكامها والاجتماعات الفاضلة والرديئة، ووجه استبقاء كلّ واحد منها وعلّة زواله، ووجه انتقاله وما ينبغي أن يكون عليه الملك في نفسه، وحال أعوانه وأمر الرعية وعمارة المدن. وهذا العلم وإن كان الملوك وأعوانهم أحوج إليه فلا يستغني عنه أحد من الناس لأنّ الإنسان مدني بالطبع ويجب عليه اختيار المدينة الفاضلة مسكنا والهجرة عن الرديئة، وإن يعلم كيف ينفع أهل مدينته وينتفع بهم، وإنّما يتمّ ذلك بهذا العلم. وكتاب السياسة لأرسطاطاليس إلى الإسكندر يشتمل على مهمات هذا العلم، وكتاب آراء المدينة الفاضلة لأبي نصر الفارابي جامع لقوانينه، كذا في إرشاد القاصد.
سِيَاسَة
من (س و س) تولى رياسة الناس وقيادتهم وتدبير الأمور والقيام بإصلاحا.
السياسة المدنية: علم بمصالح جمَاعَة متشاركة فِي المدنية ليتعاونوا على مصَالح الْأَبدَان وَبَقَاء نوع الْإِنْسَان فَإِن للْقَوْم أَن يعاملوا النَّبِي وَالْحَاكِم وَالسُّلْطَان كَذَا. وَلِلنَّبِيِّ وَالْحَاكِم وَالسُّلْطَان أَن يُعَامل كل مِنْهُم قومه ورعاياه كَذَا. ثمَّ السياسة المدنية قسمت إِلَى قسمَيْنِ إِلَى مَا يتَعَلَّق بِالْملكِ والسلطنة وَيُسمى علم السياسة. وَإِلَى مَا يتَعَلَّق بِالنُّبُوَّةِ والشريعة وَيُسمى علم النواميس. وَلِهَذَا جعل بَعضهم أَقسَام الْحِكْمَة العملية أَرْبَعَة وَلَيْسَ ذَلِك بمناقض لمن جعلهَا ثَلَاثَة أَقسَام لدُخُول الْقسمَيْنِ الْمَذْكُورين تَحت قسم وَاحِد.السياسة (نكاه داشتن) - وَفِي الصراح السياسة رعيت دَاري كردن - وَفِي غَايَة الْهِدَايَة وَيُسمى السياسة المدنية بِفَتْح الْمِيم وَالدَّال وضمهما سمي بهَا لحُصُول السياسة المدنية أَي مالكية الْأُمُور المنسوبة إِلَى الْبَلدة بِسَبَبِهِ.
السياسة: هي استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي في الدنيا والآخرة. فهي من الأنبياء في ظاهرهم وباطنهم، ومن السلاطين والملوك في ظاهرهم. ومن العلماء في باطنهم. ورُسِمت في "جامع الرموز": بأنها هو القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأموال. قال النسفي: السياسة: حياطة الرعية بما يُصلحها لطفاً أو عنفاً".
السياسة المدنيَّة: تدبير المعاش مع العموم على سنن العدل والاستقامة.
آداب السياسة
لبعض المتقدمين.
وهو: عز الدين بن الأثير.
المتوفى: سنة 630.
وملخصه: المسمى: (بمصابيح أرباب الرياسة، ومفاتيح أبواب الكياسة).
لإبراهيم بن يوسف، المعروف: بابن الحنبلي، الحلبي.
المتوفى: سنة تسع وخمسين وتسعمائة.

الرِّفْق بالشّيء والسّياسة لَهُ وإخراجه وإظهاره

المخصص

ابْن دُرَيْد: رَفَق بِهِ يرْفُق رِفقاً ورَفُق ورَفِق.
أَبُو زيد: رَفَقْت بِهِ وَله وَعَلِيهِ ورَفِقْت رِفْقاً: لَطَفْت وَهُوَ بِهِ رَفيق وأوْلاه رافِقَةً أَي رِفْقاً.
أَبُو عُبَيْد: رَفَقْت بِهِ وأرْفَقْته، وَقَالَ: ضَحَّيْت عَن الشّيء وعَشَّيْت: رفقت بِهِ.
ابْن

دُرَيْد: أرْه على نَفسك: أَي ارفُق بهَا.
أَبُو عُبَيْد: ضاهَأْت الرَّجُل وَغَيره: رفقت بِهِ.
صَاحب الْعين: ضاهأت الرَّجُل بِمَعْنى ضاهَيْته وَلَا أعرف صِحَّتهَا.
ابْن دُرَيْد: لم تفعل بِهِ المِهرة وَلم تعطه المهرة وَذَلِكَ إِذا عَالَجت شَيْئا فَلم ترفق بِهِ وَلم تحسن عمله وَكَذَلِكَ إِذا غذَّى إنْسَانا أَو دَابَّة فَلم يُحسِن.
أَبُو عُبَيْد: آل رعيَّته أَوْلاً وإيالاً: أحسن سياستها، وَفِي الْمثل: قد أُلْنَا وإيلَ علينا.
يَقُول وَلِينا ووُلِي علينا، وَقَالَ: خَزَوْت الرَّجُل: سُسْتُه.
وَأنْشد: واخْزُها بالبِرِّ لله الأَجلّ أَبُو زيد: رَفَّهت عَنهُ: رفقت بِهِ وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ فِي ضيق فنَفَّسْت عَنهُ.
صَاحب الْعين: الهَوْن والهُوَيْنا: التّؤدة والرفق والسّكينة، رجل هَيِّن وهَيْن وَالْجمع هَيْنون وَفرق بَعضهم بَين الهَيِّن والهَيْن، فَقَالَ: الهيِّن من الهَوان والهيْن من اللين وَتكلم على هِيْنَته: أَي على رِسله.
أَبُو زيد: فَرَّطت الرَّجُل: كَفَفْت عَنهُ وأمهلته.
ابْن السّكيت: انْنُ أؤُن أَوْناً: وَهُوَ الرّفق فِي السّير وَالْعَمَل.
أَبُو عُبَيْد: الإِيشاء: إِخْرَاج الشّيء بالرِّفْق، وَقَالَ: انْتَجَفْت الشّيء: استخرجته، والمَنْجوف: المَحفور، وَأنْشد: إِلَى جَدَثٍ كالغار مَنْجوفِ أَبُو عُبَيْد: النّجاشِي: المُستخرِج للشَّيْء وَقد نجش الشّيء ينجُشُه نَجْشاً: استخرجه، والنّجْش: استثارة الشّيء.
ابْن دُرَيْد: نجشت الصَّيْد وَغَيره أنجُشه نجشاً: استخرجته.
أَبُو عُبَيْد: عَنَوْت الشّيء: أخرجته، وَأنْشد: تَعْنو بمَخروبٍ لَهُ ناضحٌ ذُو رَونقٍ يغذو وَذُو شلشلِ قَالَ أَبُو عَليّ هَذِه رِوَايَة المُصَنّف لمخروب وَرِوَايَة الْأَصْمَعِي فِي شعر المُتنخِّل الْهُذلِيّ المخروت، فالمخروب: المرقوع، والمخروت: المثقوب.
أَبُو عُبَيْد: تنَصَّلْت الشّيء: أخرجته.
أَبُو زيد: بحثت الشّيء أبحَثُه بحثا وتبحَّثْته: استخرجته.
وَمِنْه تبحَّثْت الأَخبار.
ابْن دُرَيْد: نبشت الشّيء نبشاً: استخرجته بعد الدّفن وَمِنْه نبش الْمَوْتَى والنّبَّاش فَاعل ذَلِك وحرفته النّباشَة.
صَاحب الْعين: انتَشْت الشّيء: استخرجته، وَأنْشد: وانتاشَ عانِيَه من أهل ذِي قارِ ابْن دُرَيْد: خاشَ مَا فِي الْوِعَاء: أخرج مَا فِيهِ جَرْفاً وَقد انْسَلَت عَنَّا فلَان: انسلّ وهم لَا يعلمُونَ بِهِ.

وَقَالَ: مَسَرْت الشّيء أمسُره مَسراً: استللته وأخرجته من ضيق.
صَاحب الْعين: بَرِح الخَفاء: ظهر وَمِنْه الأَرْض البَراح الظّاهرة الواسعة وَقد تقدم، وَقَالَ: فعلت الْأَمر ضاحِيَةً: أَي بيِّناً وَقد وَضَح الشّيء وُضوحاً وضِحَة وتوَضَّح وأوضح وأوضحته ووضَّحته وأمرٌ واضِح ووضَّاح.
أَبُو عُبَيْد: جَهَر الشّيء: عَلَن وجهرته أَنا وأجهرته.
صَاحب الْعين: نَهَج الْأَمر وأنهج: وضح.
والشّهرة: ظُهُور الشّيء فِي شُنْعَة، وَقد شَهَرْته أشهَره شَهْراً وشَهَّرْته واشتهرته وَرجل مَشْهُور وشَهير، وَأمر مَشْهُور ومُشْتَهِر.
ابْن السّكيت: أشْرَرْت الشّيء: أظهرته، وَأنْشد: فَمَا برحوا حَتَّى رأى الله صبرهم وَحَتَّى اُشِرَّتْ بالأكفِّ المَصاحِفُ صَاحب الْعين: نَدَر الشّيء يندُر نُدوراً: سقط من جَوف شَيْء أَو من بَين أَشْيَاء فَظهر وَمِنْه نَوَادِر الْكَلَام لما شَذَّ مِنْهُ لظُهُوره.
الْأَصْمَعِي: بدا الشّيء بَدْواً وبُدُوَّاً وبَداءً: ظهر وابْتَدَيْته أَنا وَقَالَ: مَرَيْت الشّيء وامْتَرَيْته: استخرجته.
أَبُو زيد: بَان الشّيء واستبان وتبَيَّن وَأَبَان وبَيَّن.
أَبُو حَاتِم: نَقَشْت الشّوكة بالمِنْقاش: استخرجتها.
الْأَصْمَعِي: صَوَّأْت عَن هَذَا الْأَمر: استخرجته.
*سياسة نامه كتاب ألَّفه أبو على الحسن بن على بن إسحاق الطوسى، الملقب بنظام الملك.
وُلِد فى طوس سنة (408 هـ)، وقُتِل فى رمضان سنة (485 هـ).
وقد ألَّف نظام الملك الكتاب تلبية لرغبة السلطان ملكشاه.
وتميزت مادة الكتاب بغزارتها؛ فقد تنوعت ما بين موعظةٍ ومثلٍ وتفسيرٍ للقرآن وأخبار الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقصص الأنبياء وسير الملوك العادلين ونوادرهم.
وطريقة المؤلف فى الكتاب تناول ناحية من النواحى الإدارية التى يلاحظ عليها الخلل أو النقص، وتبيين سبل علاجها، ثم ذكر ما يؤيد به ما ذهب إليه فى سبل العلاج مما حفظه أو رآه أو سمعه.
وهو فى ذلك لا يتقيد بالثقافة العربية أو الفارسية، بل قد يتعداهما إلى ثقافات أخرى مما كانت شائعة فى عصره.
ويستمد أسلوب المؤلف جماله من بساطته وخلوه من المحسنات البديعية المتكلفة.
وقد قام بترجمة الكتاب السيد محمد العزاوى، ونشرته دار الرائد العربى.
*الإمامة والسياسة هو كتاب منسوب إلى الفقيه أبى محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينورى، أحد أئمة علوم القرآن والحديث واللغة والأدب والأخبار، وغيرها.
ويقع الكتاب فى جزأين يحتويهما مجلد متوسط الحجم، ولايدل عنوانه على محتواه؛ إذ إنه كتاب تاريخى يعتمد على السرد المسلسل للأحداث السياسية فى تاريخ المسلمين، ويذكر أخبار الأئمة والقادة منذ وفاة النبى (حتى تولَّى المأمون الخلافة فى الدولة العباسية سنة (195 هـ = 810م).
وهو بهذا لا يختلف كثيرًا عن معظم كتب التاريخ التى تعرض أحداث التاريخ الإسلامى فى هذه الفترة وما بعدها.
غير أن هذه الكتب أكثر دقة وتنظيمًا منه، لاعتمادها على السرد الحوْلى للأ حداث.
وأهم مايتسم به الكتاب من حيث المنهج أنه لايعتمد على الرواية الموثقة، وأنه يذكر بالتفصيل معظم الوقائع والأحداث التى تتصل بالسياسة ولو من بعيد، معتمدًا على أسلوب القصِّ والرواية.
والمعروف أن نسبة هذا الكتاب إلى ابن قتيبة ليست ثابتة، فكل الذين كتبوا عنه يكادون يُجمعون على أنه ليس له، وأوَّل من بدأ هذا ابن العربى فى كتابه العواصم من القواصم.
التَّعْرِيفُ:
1 - لِلسِّيَاسَةِ فِي اللُّغَةِ مَعْنَيَانِ:
الأَْوَّل: فِعْل السَّائِسِ، وَهُوَ مَنْ يَقُومُ عَلَى الدَّوَابِّ وَيُرَوِّضُهَا.
يُقَال: سَاسَ الدَّابَّةَ يَسُوسُهَا سِيَاسَةً.
الثَّانِي: الْقِيَامُ عَلَى الشَّيْءِ بِمَا يُصْلِحُهُ. يُقَال: سَاسَ الأَْمْرَ سِيَاسَةً: إِذَا دَبَّرَهُ.
وَسَاسَ الْوَالِي الرَّعِيَّةَ: أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ وَتَوَلَّى قِيَادَتَهُمْ.
وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ السِّيَاسَةَ فِي اللُّغَةِ تَدُل عَلَى التَّدْبِيرِ وَالإِْصْلاَحِ وَالتَّرْبِيَةِ (1) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ تَأْتِي لَمَعَانٍ،
__________
(1) الصحاح، والقاموس المحيط، والتاج، واللسان، والمصباح، والمغرب، وأساس البلاغة، والنهاية، والمعجم الوسيط.

2 - مِنْهَا: الأَْوَّل: مَعْنًى عَامٌّ يَتَّصِل بِالدَّوْلَةِ وَالسُّلْطَةِ. فَيُقَال: هِيَ اسْتِصْلاَحُ الْخَلْقِ بِإِرْشَادِهِمْ إِلَى الطَّرِيقِ الْمُنَجِّي فِي الْعَاجِل وَالآْجِل، وَتَدْبِيرُ أُمُورِهِمْ (1) .
وَقَال الْبُجَيْرِمِيُّ: " السِّيَاسَةُ: إِصْلاَحُ أُمُورِ الرَّعِيَّةِ، وَتَدْبِيرُ أُمُورِهِمْ " (2) وَقَدْ أَطْلَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى السِّيَاسَةِ اسْمَ: " الأَْحْكَامُ السُّلْطَانِيَّةُ " (3) أَوِ " السِّيَاسَةُ الشَّرْعِيَّةُ " (4) ، أَوِ " السِّيَاسَةُ الْمَدَنِيَّةُ " (5) .
__________
(1) الكليات - أبو البقاء 3 / 31 - تحقيق عدنان درويش، ومحمد المصري ط - وزارة الثقافة - دمشق 1974م، وجامع الرموز شرح مختصر الوقاية، القهستاني 2 / 290 ط محرم البوسنوي 1300 هـ، وحاشية ابن عابدين 4 / 15 ط2 الحلبي - 1386 هـ - 1966م، وكشاف اصطلاحات الفنون - التهانوي 1 / 644 - 665ط. كلكته 1862م.
(2) البحر الرائق شرح كنز الدقائق - ابن نجيم 5 / 76 ط. العلمية - القاهرة 1311 هـ وطلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية 167ط. المثنى - بغداد 1113 هـ والتجريد لنفع العبيد حاشية البجيرمي 2 / 178 ط. المكتبة الإسلامية - ديار بكر - تركيا. والسياسة الشرعية - أو نظام الدولة الإسلامية 14ط. السلفية - القاهرة 1350 هـ، والكليات 3 / 31، ودستور العلماء 2 / 194.
(3) كما فعل الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية ط. العلمية - بيروت، وأبو يعلى في الأحكام السلطانية ط1 - الحلبي - 1356 هـ 1938 م.
(4) أطلقها ابن تيمية في كتابه " السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية " ط - المكتبة العربية - بيروت - 1386.
(5) وقد ورد في تعريف أبي البقاء، وصاحب دستور العلماء.

وَلَمَّا كَانَتِ السِّيَاسَةُ بِهَذَا الْمَعْنَى أَسَاسَ الْحُكْمِ، لِذَلِكَ سُمِّيَتْ أَفْعَال رُؤَسَاءِ الدُّوَل، وَمَا يَتَّصِل بِالسُّلْطَةِ " سِيَاسَةٌ " وَقِيل بِأَنَّ الإِْمَامَةَ الْكُبْرَى - رِئَاسَةَ الدَّوْلَةِ - " مَوْضُوعَةٌ لِخِلاَفَةِ النُّبُوَّةِ فِي حِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا (1) " وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ عِلْمَ السِّيَاسَةِ: " هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يُعْرَفُ مِنْهُ أَنْوَاعُ الرِّيَاسَاتِ وَالسِّيَاسَاتِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ وَالْمَدَنِيَّةِ، وَأَحْوَالُهَا: مِنْ أَحْوَال السَّلاَطِينِ وَالْمُلُوكِ وَالأُْمَرَاءِ وَأَهْل الاِحْتِسَابِ وَالْقَضَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَزُعَمَاءِ الأَْمْوَال وَوُكَلاَءِ بَيْتِ الْمَال، وَمَنْ يَجْرِي مَجْرَاهُمْ.
وَمَوْضُوعُهُ الْمَرَاتِبُ الْمَدَنِيَّةُ وَأَحْكَامُهَا، وَالسِّيَاسَةُ بِهَذَا الْمَعْنَى فَرْعٌ مِنَ الْحِكْمَةِ الْعَمَلِيَّةِ (2) .
وَلَعَل أَقْدَمَ نَصٍّ وَرَدَتْ فِيهِ كَلِمَةُ " السِّيَاسَةِ " بِالْمَعْنَى الْمُتَعَلِّقِ بِالْحُكْمِ هُوَ قَوْل عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لأَِبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ فِي وَصْفِ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: " إِنِّي وَجَدْتُهُ وَلِيَّ الْخَلِيفَةِ الْمَظْلُومِ، وَالطَّالِبَ
__________
(1) نصيحة الملوك - الماوردي 51 - تحقيق خضر محمد خضر ط - مكتبة الفلاح، ودستور العلماء 2 / 194.
(2) كشاف اصطلاحات الفنون 1 / 386، ومفتاح السعادة - طاش كبرى زاده 1 / 665 ط - 1 الكتب العلمية - بيروت 1405 هـ - 1985م. ودستور العلماء 2 / 48.

بِدَمِهِ، الْحَسَنَ السِّيَاسَةِ، الْحَسَنَ التَّدْبِيرِ (1) .
3 - الْمَعْنَى الثَّانِي: يَتَّصِل بِالْعُقُوبَةِ، وَهُوَ أَنَّ السِّيَاسَةَ: " فِعْل شَيْءٍ مِنَ الْحَاكِمِ لِمَصْلَحَةٍ يَرَاهَا، وَإِنْ لَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ الْفِعْل دَلِيلٌ جُزْئِيٌّ " (2) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
التَّعْزِيرُ:
هُوَ تَأْدِيبٌ عَلَى ذَنْبٍ لاَ حَدَّ فِيهِ وَلاَ كَفَّارَةَ غَالِبًا، سَوَاءٌ أَكَانَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى أَمْ لآِدَمِيٍّ. وَمَنْ نَظَرَ إِلَى الْعُقُوبَةِ قَال: هُوَ تَأْدِيبٌ دُونَ الْحَدِّ.
أَوْ قَال: عُقُوبَةٌ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلْعَبْدِ.
وَلِذَلِكَ قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: التَّعْزِيرُ لاَ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ. بَل هُوَ بِحَسَبِ الْجَرِيمَةِ فِي جِنْسِهَا وَصِفَتِهَا وَكِبَرِهَا وَصِغَرِهَا. وَعِنْدَهُ أَنَّ التَّعْزِيرَ يُمْكِنُ أَنْ يَزِيدَ عَنِ الْحَدِّ.
__________
(1) تاريخ الرسل والملوك - أبو جعفر محمد بن جرير الطبري 5 / 68 - تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم (2 - دار المعارف - مصر - 1387 هـ - 1967م) .
(2) البحر الرائق 5 / 11، وحاشية ابن عابدين 4 / 15.

وَحُجَّتُهُ أَنَّ الْحَدَّ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ أَعَمُّ مِنْهُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ (1) .
فَالتَّعْزِيرُ أَخَصُّ مِنَ السِّيَاسَةِ.

الْمَصْلَحَةُ:
4 - الْمَصْلَحَةُ: الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَقْصُودِ الشَّرْعِ. وَمَقْصُودُ الشَّرْعِ مِنَ الْخَلْقِ خَمْسَةٌ:
وَهُوَ أَنْ يَحْفَظَ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ، وَنَفْسَهُمْ، وَعَقْلَهُمْ، وَنَسْلَهُمْ، وَمَالَهُمْ. فَكُل مَا يَتَضَمَّنُ حِفْظَ هَذِهِ الأُْصُول الْخَمْسَةِ فَهُوَ مَصْلَحَةٌ. وَكُل مَا يُفَوِّتُ هَذِهِ الأُْصُول فَهُوَ مَفْسَدَةٌ، وَدَفْعُهَا مَصْلَحَةٌ.
أَوْ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى: هِيَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَقْصُودِ الشَّرْعِ بِدَفْعِ الْمَفَاسِدِ عَنِ الْخَلْقِ (&# x662 ;) فَالْمَصْلَحَةُ هِيَ الْغَرَضُ مِنَ السِّيَاسَةِ.
__________
(1) الأحكام السلطانية - الماوردي ص 226، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 263، حاشية البجيرمي 4 / 236، وإعلام الموقعين 2 / 99، والفروع 6 / 104، 116، درر الحكام في شرح غرر الأحكام - منلا خسرو 2 / 74 - 75 (ط - أحمد كامل - استنبول - 1330 هـ) وتعريفات الجرجاني 55 (ط - الحلبي - 1357 هـ - 1938م) جامع الرموز (2 / 397، إعلام الموقعين 2 / 29.
(2) المستصفى من علم الأصول - الغزالي 1 / 286 - 287 (ط1 - الأميرية - بولاق 1322 هـ) . وروضة الناظر وجنة المناظر - ابن قدامة المقدسي ص 148 - 149 (ط1 - الكتاب العربي - بيروت - 1401 هـ - 1981م) . وإرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول - الشوكاني (ط1 - الحلبي 1356 هـ - 1937م) ، الموافقات في أصول الشريعة (2 / 25 - 48 ط - المكتبة التجارية - مصر) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
5 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ لِلسُّلْطَانِ سُلُوكَ السِّيَاسَةِ فِي تَدْبِيرِ أُمُورِ النَّاسِ وَتَقْوِيمِ الْعِوَجِ، وَفْقَ مَعَايِيرَ وَضَوَابِطَ يَأْتِي بَيَانُهَا، وَلاَ تَقِفُ السِّيَاسَةُ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ الشَّرْعُ.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: السِّيَاسَةُ دَاخِلَةٌ تَحْتَ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ، وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهَا بِخُصُوصِهَا، فَإِنَّ مَدَارَ الشَّرِيعَةِ - بَعْدَ قَوَاعِدِ الإِْيمَانِ - عَلَى حَسْمِ مَوَادِّ الْفَسَادِ لِبَقَاءِ الْعَالَمِ (1) . وَقَال الْقَرَافِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ التَّوْسِعَةَ عَلَى الْحُكَّامِ فِي الأَْحْكَامِ السِّيَاسِيَّةِ لَيْسَ مُخَالِفًا لِلشَّرْعِ، بَل تَشْهَدُ لَهُ الأَْدِلَّةُ، وَتَشْهَدُ لَهُ الْقَوَاعِدُ، وَمِنْ أَهَمِّهَا كَثْرَةُ الْفَسَادِ وَانْتِشَارُهُ، وَالْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ الَّتِي قَال بِهَا مَالِكٌ وَجَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ (2) .
وَقَال أَبُو الْوَفَاءِ بْنُ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ:
__________
(1) حاشية ابن عابدين 4 / 15.
(2) نقل ذلك عنه ابنه فرحون المالكي في تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام (2 / 150 - 152 (ط - الحلبي - 1378 هـ - 1958م) .

لِلسُّلْطَانِ سُلُوكُ السِّيَاسَةِ، وَهُوَ الْحَزْمُ عِنْدَنَا، وَلاَ يَخْلُو مِنَ الْقَوْل فِيهِ إِمَامٌ. وَلاَ تَقِفُ السِّيَاسَةُ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ الشَّرْعُ؛ إِذِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قَدْ قَتَلُوا وَمَثَّلُوا وَحَرَقُوا الْمَصَاحِفَ. وَنَفَى عُمَرُ نَصْرَ بْنَ حَجَّاجٍ خَوْفَ فِتْنَةِ النِّسَاءِ. وَاعْتَبَرُوا ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ (1) .
وَقَدْ حَذَّرَ ابْنُ الْقَيِّمِ مِنْ إِفْرَاطِ مَنْ مَنَعَ الأَْخْذَ بِالسِّيَاسَةِ، مُكْتَفِيًا بِمَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ، وَتَفْرِيطِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الأَْخْذَ بِهَا يُبِيحُ لِوَلِيِّ الأَْمْرِ فَرْضَ مَا يَرَاهُ مِنْ عُقُوبَةٍ عَلَى هَوَاهُ. . ثُمَّ قَال: وَكِلاَ الطَّائِفَتَيْنِ أُتِيَتْ مِنْ تَقْصِيرِهَا فِي مَعْرِفَةِ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ، وَأَنْزَل بِهِ كِتَابَهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَرْسَل رُسُلَهُ، وَأَنْزَل كُتُبَهُ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، وَهُوَ الْعَدْل الَّذِي قَامَتْ بِهِ الأَْرْضُ وَالسَّمَوَاتُ. فَإِنْ ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ الْعَدْل وَأَسْفَرَ وَجْهُهُ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ، فَثَمَّ شَرْعُ اللَّهِ وَدِينُهُ، فَأَيُّ طَرِيقٍ اسْتُخْرِجَ بِهَا الْعَدْل وَالْقِسْطُ، فَهِيَ مِنَ الدِّينِ (2) .
__________
(1) الطرق الحكمية 13، والفروع - أبو عبد الله بن مفلح - 6 / 115، 116 - (ط4 - عالم الكتب - بيروت - 1405 هـ - 1985م) .
(2) إعلام الموقعين 4 / 372 - 373، والطرق الحكمية 13 - 14.

وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَدْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ السِّيَاسَةَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ فِي حُدُودِ الشَّرِيعَةِ لاَ تَتَعَدَّاهَا. حَتَّى قَالُوا: لاَ سِيَاسَةَ إِلاَّ مَا وَافَقَ الشَّرْعَ. وَبِذَلِكَ كَانُوا أَبْعَدَ النَّاسِ عَنِ الأَْخْذِ بِالسِّيَاسَةِ بِالْمَعْنَى الْمُرَادِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَهُوَ عَدَمُ الاِقْتِصَارِ عَلَى مَا وَرَدَتْ بِهِ نُصُوصٌ بِخُصُوصِهِ (1) .

أَقْسَامُ السِّيَاسَةِ:
6 - تُقْسَمُ السِّيَاسَةُ إِلَى قِسْمَيْنِ: سِيَاسَةٍ ظَالِمَةٍ تُحَرِّمُهَا الشَّرِيعَةُ. وَسِيَاسَةٍ عَادِلَةٍ تُظْهِرُ الْحَقَّ وَتَدْفَعُ الْمَظَالِمَ وَتَرْدَعُ أَهْل الْفَسَادِ، وَتُوَصِّل إِلَى الْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهِيَ الَّتِي تُوجِبُ الشَّرِيعَةُ اعْتِمَادَهَا وَالسَّيْرَ عَلَيْهَا (2) وَالسِّيَاسَةُ الْعَادِلَةُ مِنَ الشَّرِيعَةِ، عَلِمَهَا مَنْ عَلِمَهَا، وَجَهِلَهَا مَنْ جَهِلَهَا، وَمَا يُسَمِّيهِ أَكْثَرُ السَّلاَطِينِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِأَهْوَائِهِمْ وَآرَائِهِمْ - لاَ بِالْعِلْمِ - سِيَاسَةً، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ (3) .
__________
(1) الطرق الحكمية - ابن القيم الجوزية 13 (ط - السنة المحمدية - القاهرة 1372 هـ - 1952م) ، وإعلام الموقعين عن رب العالمين - ابن قيم الجوزية 4 / 378 (ط1 - السعادة - مصر - 1374هـ - 1955م) .
(2) تبصرة الحكام 1 / 132، والطرق الحكمية 5، ومعين الحكام 207، وحاشية ابن عابدين 4 / 15.
(3) الطرق الحكمية 5، والفروع 6 / 431، والبحر الرائق 5 / 76، وكشاف اصطلاحات الفنون 1 / 665.

وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ يَسُوسُونَ النَّاسَ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، فَكَانَ الْحُكْمُ وَالسِّيَاسَةُ شَيْئًا وَاحِدًا. ثُمَّ لَمَّا اتَّسَعَتِ الدَّوْلَةُ ظَهَرَ الْفَصْل بَيْنَ الشَّرْعِ وَالسِّيَاسَةِ؛ لأَِنَّ أَهْل السُّلْطَةِ صَارُوا يَحْكُمُونَ بِالأَْهْوَاءِ مِنْ غَيْرِ اعْتِصَامٍ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (1) .
قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: تَقْسِيمُ بَعْضِهِمْ طُرُقَ الْحُكْمِ إِلَى شَرِيعَةٍ وَسِيَاسَةٍ، كَتَقْسِيمِ غَيْرِهِمُ الدِّينَ إِلَى شَرِيعَةٍ وَحَقِيقَةٍ، وَكَتَقْسِيمِ آخَرِينَ الدِّينَ إِلَى عَقْلٍ وَنَقْلٍ. . وَكُل ذَلِكَ تَقْسِيمٌ بَاطِلٌ؛ بَل السِّيَاسَةُ، وَالْحَقِيقَةُ، وَالطَّرِيقَةُ، وَالْعَقْل، كُل ذَلِكَ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: صَحِيحٍ، وَفَاسِدٍ. فَالصَّحِيحُ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ الشَّرِيعَةِ لاَ قَسِيمٌ لَهَا، وَالْبَاطِل ضِدُّهَا وَمُنَافِيهَا، وَهَذَا الأَْصْل مِنْ أَهَمِّ الأُْصُول وَأَنْفَعِهَا، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ عُمُومُ رِسَالَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُل مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْعِبَادُ فِي مَعَارِفِهِمْ وَعُلُومِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ، وَأَنَّهُ لَمْ يُحْوِجْ أُمَّتَهُ إِلَى أَحَدٍ بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا حَاجَتُهُمْ إِلَى مَنْ يُبَلِّغُهُمْ عَنْهُ مَا جَاءَ بِهِ (2) .
__________
(1) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 11 / 551، 25 / 392 (ط - مكتبة المعارف - الرباط) .
(2) إعلام الموقعين 3 / 375.

حُسْنُ سِيَاسَةِ الإِْمَامِ لِلرَّعِيَّةِ:
7 - إِنَّ لِلسِّيَاسَةِ أَثَرًا كَبِيرًا فِي الأُْمَّةِ، فَحُسْنُ السِّيَاسَةِ يَنْشُرُ الأَْمْنَ، وَالأَْمَانَ فِي أَنْحَاءِ الْبِلاَدِ. وَعِنْدَئِذٍ يَنْطَلِقُ النَّاسُ فِي مَصَالِحِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ مُطْمَئِنِّينَ، فَتَنْمُو الثَّرْوَةُ، وَيَعُمُّ الرَّخَاءُ، وَيَقْوَى أَمْرُ الدِّينِ.
وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَقَّقَ ذَلِكَ إِلاَّ إِذَا كَانَتْ لِلإِْمَامِ سِيَاسَةٌ حَازِمَةٌ، تَهْتَمُّ بِكُل أُمُورِ الأُْمَّةِ، صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا، وَتُرَغِّبُ النَّاسَ بِفِعْل الْخَيْرَاتِ، وَتُثِيبُ عَلَى الْفِعْل الْجَمِيل، كَمَا تُحَذِّرُ مِنَ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ وَتُعَاقِبُ عَلَيْهِ وَتَقْطَعُ دَابِرَ دُعَاتِهِ وَمُقْتَرِفِيهِ، وَبِغَيْرِ هَذِهِ السِّيَاسَةِ تَضْعُفُ الدَّوْلَةُ وَتَنْهَارُ وَتَخْرَبُ الْبِلاَدُ.
وَالسِّيَاسَةُ الْحَازِمَةُ الْمُحَقِّقَةُ لِخَيْرِ الأُْمَّةِ هِيَ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الإِْمَامُ بَيْنَ اللِّينِ وَالْعُنْفِ، وَيُقَدِّمُ اللِّينَ عَلَى الشِّدَّةِ، وَالدَّعْوَةَ الْحَسَنَةَ عَلَى الْعُقُوبَةِ.
وَعَلَيْهِ أَنْ يَهْتَمَّ بِإِصْلاَحِ دِينِ النَّاسِ؛ لأَِنَّ فِي ذَلِكَ صَلاَحَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا.
وَأَعْظَمُ عَوْنٍ عَلَى ذَلِكَ ثَلاَثَةُ أُمُورٍ:
الأَْوَّل: الإِْخْلاَصُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالتَّوَكُّل عَلَيْهِ.

وَالثَّانِي: الإِْحْسَانُ إِلَى الْخَلْقِ بِالنَّفْعِ وَالْمَال.
وَالثَّالِثُ: الصَّبْرُ عَلَى أَذَى الْخَلْقِ وَعِنْدَ الشَّدَائِدِ (1) .

قَوَاعِدُ السِّيَاسَةِ:
أُسُسُ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَامَّةِ: هِيَ تِلْكَ الْقَوَاعِدُ الأَْسَاسِيَّةُ الَّتِي تُبْنَى عَلَيْهَا دَوْلَةُ الإِْسْلاَمِ، وَيُسْتَلْهَمُ مِنْهَا النَّهْجُ السِّيَاسِيُّ لِلْحُكْمِ.

الأَْسَاسُ الأَْوَّل: سِيَادَةُ الشَّرِيعَةِ:
8 - يُؤَكِّدُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ هَذِهِ السِّيَادَةَ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ، مِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَل ضَلاَلاً مُبِينًا} (2) وقَوْله تَعَالَى: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} (3) قَال
__________
(1) المنهج المسلوك في سياسة الملوك لعبد الرحمن بن عبد الله بن نصر الشيزري ص 90 (ط - 1326 هـ) دستور العلماء 2 / 194، والتبر المسبوك في نصائح الملوك - الغزالي 53، 70، 71، 83 (ط1 - الخيرية - مصر - 1306 هـ) ، ونصيحة الملوك 223، والسياسة الشرعية - ابن تيمية 112، 113.
(2) سورة الأحزاب / 36.
(3) سورة الأنعام / 62.

ابْنُ جَرِيرٍ: أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَالْقَضَاءُ دُونَ سِوَاهُ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ (1) ، وَذَلِكَ حَقٌّ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ؛ لأَِنَّ مَبْنَى الْحِسَابِ فِي الآْخِرَةِ إِنَّمَا يَقُومُ عَلَى عَمَل النَّاسِ فِي الدُّنْيَا، وَلاَ يُحَاسَبُ النَّاسُ عَلَى مَا اجْتَرَحُوا فِي الدُّنْيَا إِلاَّ عَلَى أَسَاسِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي جَاءَتْ أَحْكَامُهَا مُنَظِّمَةً لِلْحَيَاةِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ وَالاِقْتِصَادِيَّةِ وَأُمُورِ الْمُعَامَلاَتِ الأُْخْرَى.
9 - وَمَا دَامَتِ الْحَاكِمِيَّةُ فِي هَذَا الْعَالَمِ لِشَرِيعَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي كُل شُؤُونِ الْحَيَاةِ وَإِلَى آخِرِ الزَّمَانِ، فَإِنَّ الْكَثِيرَ مِنَ الآْيَاتِ جَاءَتْ آمِرَةً بِتَطْبِيقِ أَحْكَامِهَا وَاتِّبَاعِ مَا أَمَرَتْ بِهِ وَتَرْكِ مَا نَهَتْ عَنْهُ. مِنْ ذَلِكَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَْمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} (2) . قَال ابْنُ جَرِيرٍ: فَاتَّبِعْ تِلْكَ الشَّرِيعَةَ الَّتِي جَعَلْنَاهَا لَكَ، وَلاَ تَتَّبِعْ مَا دَعَاكَ إِلَيْهِ الْجَاهِلُونَ بِاَللَّهِ الَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِل، فَتَعْمَل بِهِ فَتَهْلِكُ إِنْ عَمِلْتَ بِهِ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ وَابْنِ زَيْدٍ.
وَقَال الزَّمَخْشَرِيُّ: فَاتَّبِعْ شَرِيعَتَكَ الثَّابِتَةَ بِالدَّلاَئِل وَالْحُجَجِ، وَلاَ تَتَّبِعْ مَا لاَ حُجَّةَ عَلَيْهِ
__________
(1) جامع البيان في تفسير القرآن (تفسير الطبري) 7 / 140 ط - 4 - دار المعرفة - بيروت - 1400 هـ - 1980م) .
(2) سورة الجاثية / 18.

مِنْ أَهْوَاءِ الْجُهَّال وَدِينِهِمُ الْمَبْنِيِّ عَلَى هَوًى وَبِدْعَةٍ (1) . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِل إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} (2) .
قَال الْقُرْطُبِيُّ: قَوْله تَعَالَى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِل إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} يَعْنِي الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ. قَال تَعَالَى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (3) ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: هَذَا أَمْرٌ يَعُمُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتَهُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَمْرٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ دُونَهُ؛ أَيِ اتَّبِعُوا مِلَّةَ الإِْسْلاَمِ وَالْقُرْآنِ، وَأَحِلُّوا حَلاَلَهُ وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ، وَامْتَثِلُوا أَمْرَهُ وَاجْتَنِبُوا نَهْيَهُ. وَدَلَّتِ الآْيَةُ عَلَى تَرْكِ اتِّبَاعِ الآْرَاءِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ (4) .
10 - وَمِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ الأَْمْرَ بِاتِّبَاعِ مَا أَنْزَل اللَّهُ تَعَالَى لاَ يَخُصُّ الْقُرْآنَ فَحَسْبُ، بَل يَعُمُّ السُّنَّةَ أَيْضًا، مَا جَاءَ فِي عَدَدٍ مِنَ الآْيَاتِ مِنَ الأَْمْرِ بِاتِّبَاعِهَا وَتَطْبِيقِهَا. مِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ
__________
(1) تفسير الطبري 25 / 88، والكشاف 3 / 511 (ط - دار المعرفة - بيروت) .
(2) سورة الأعراف / 3.
(3) سورة الحشر / 7.
(4) الجامع لأحكام القرآن 7 / 161 (ط - دار الكتب العربية - القاهرة - 1387 هـ - 1967م) ، والكشاف 2 / 64.

وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} (1) .

حَقُّ الإِْمَامِ فِي وَضْعِ الأَْنْظِمَةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْ الشَّرِيعَةِ:
11 - تَقْرِيرُ مَبْدَأِ سِيَادَةِ الشَّرِيعَةِ لاَ يَعْنِي حِرْمَانَ الإِْمَامِ وَمِنْ دُونِهِ أَهْل الْحُكْمِ وَالسُّلْطَةِ مِنْ حَقِّ اتِّخَاذِ الْقَرَارَاتِ وَالأَْنْظِمَةِ الَّتِي لاَ بُدَّ مِنْهَا لِسَيْرِ أُمُورِ الدَّوْلَةِ.
ذَلِكَ لأَِنَّ نُصُوصَ الشَّرِيعَةِ مَحْدُودَةٌ وَمُتَنَاهِيَةٌ، وَأَمَّا الْحَوَادِثُ وَتَطَوُّرُ الْحَيَاةِ وَالْمَسَائِل الَّتِي تُوَاجِهُ الأُْمَّةَ وَالدَّوْلَةَ مَعًا، فَغَيْرُ مَحْدُودَةٍ وَلاَ مُتَنَاهِيَةٌ. وَلاَ بُدَّ لِلإِْمَامِ وَأَهْل الْحُكْمِ مِنْ مُوَاجِهَةِ كُل ذَلِكَ بِمَا يَرَوْنَهُ مِنْ أَنْظِمَةٍ، وَلَكِنْ هَذَا الْحَقُّ لَيْسَ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا هُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا لاَ يُخَالِفُ النُّصُوصَ الشَّرْعِيَّةَ، وَلاَ يَخْرُجُ عَلَى مَبَادِئِ الإِْسْلاَمِ وَقَوَاعِدِهِ الْعَامَّةِ، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الأُْمَّةِ الْوَاجِبَةِ الرِّعَايَةِ، وَاَلَّتِي لأَِجْلِهَا قَامَتِ الدَّوْلَةُ، وَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ إِلاَّ بَعْدَ الرُّجُوعِ إِلَى أَهْل الْخِبْرَةِ وَالاِخْتِصَاصِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ.

الأَْسَاسُ الثَّانِي: الشُّورَى:
12 - الْحُكْمُ أَمَانَةٌ، وَالإِْمَامُ وَمَنْ يَتَوَلَّى
__________
(1) سورة محمد / 33.

السُّلْطَةَ مَسْئُولُونَ عَنْ تِلْكَ الأَْمَانَةِ. لِذَلِكَ كَانَ مِنْ صِفَاتِهِمْ أَنَّهُمْ لاَ يَسْتَبِدُّونَ بِرَأْيٍ وَلاَ يَغْفُلُونَ عَنِ الاِسْتِفَادَةِ مِنْ عُقُول الرِّجَال لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (1) .
وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ مِنَ الْمُقَرَّرِ فِقْهًا أَنَّ عَلَى الإِْمَامِ مُشَاوَرَةَ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ النَّاصِحِينَ لِلدَّوْلَةِ وَلِلأُْمَّةِ، وَأَنْ يَعْتَمِدَ عَلَيْهِمْ فِي أَحْكَامِهِ كَيْ يَدُومَ حُكْمُهُ وَيَقُومَ عَلَى أَسَاسٍ صَحِيحٍ (2) .
وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (شُورَى) .

الأَْسَاسُ الثَّالِثُ: الْعَدْل:
13 - الْعَدْل هُوَ الصِّفَةُ الْجَامِعَةُ لِلرِّسَالَةِ السَّمَاوِيَّةِ الَّتِي جَاءَ الرُّسُل عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِتَحْقِيقِهَا، وَإِرْشَادِ النَّاسِ إِلَيْهَا وَحَمْلِهِمْ عَلَيْهَا. فَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ:
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} (3) . وقَوْله تَعَالَى
: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْل وَالإِْحْسَانِ} (4) الآْيَةَ.
__________
(1) سورة الشورى / 38.
(2) سراج الملوك 41، وتحرير الأحكام 72، (فقرة 27) .
(3) سورة الحديد / 25.
(4) سورة النحل / 90.

فَالْعَدْل أَمْرٌ فَرَضَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ السَّعْيَ لإِِقَامَتِهِ فِي الأَْرْضِ، وَلِيَكُونَ مِنْ أَبْرَزِ خَصَائِصِهِمْ بَيْنَ الأُْمَمِ؛ لأَِنَّ دِينَهُمْ دِينُ الْعَدْل. حَتَّى قَال عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِأَنَّهُ " لاَ رُخْصَةَ فِيهِ فِي قَرِيبٍ وَلاَ بَعِيدٍ وَلاَ فِي شِدَّةٍ وَلاَ رَخَاءٍ، وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ بِوُجُوبِهِ عَلَى كُل أَحَدٍ وَفِي كُل شَيْءٍ (1) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (عَدْل) .

مَصْدَرُ السُّلُطَاتِ:
14 - نَصْبُ الإِْمَامِ وَاجِبٌ شَرْعًا وَيَتَعَيَّنُ الإِْمَامُ بِالْبَيْعَةِ مِنْ أَهْل الْحَل وَالْعَقْدِ، وَالإِْمَامُ مُكَلَّفٌ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَمُلْزَمٌ بِالْحَلاَل وَالْحَرَامِ، وَمَسْئُولٌ عَنْ ذَلِكَ كَأَيِّ مُسْلِمٍ فِي الأُْمَّةِ، وَهُوَ فَوْقَ ذَلِكَ مَسْئُولٌ عَنْ تَطْبِيقِ تِلْكَ الأَْحْكَامِ فِي كُل شَأْنٍ مِنْ شُئُونِ الدَّوْلَةِ؛ لأَِنَّهُ بِمَنْصِبِهِ أَقْوَى رَجُلٍ فِي الأُْمَّةِ وَوَجَبَتْ عَلَيْهَا طَاعَتُهُ.
وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (طَاعَة، الإِْمَامَة الْكُبْرَى، بَيْعَة.) .
__________
(1) تاريخ الطبري 3 / 585، الفتاوى المصرية 412، اختصار أبي عبد الله محمد بن علي الحنبلي البعلي، وتعليق محمد حامد الفقي (ط - نشر الكتب الإسلامية - كوجرا نواله - باكستان - 1397 هـ - 1977م) .

أَنْوَاعُ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ:
أَوَّلاً: السِّيَاسَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي الْحُكْمِ:
الإِْمَامَةُ:
15 - مِنَ الثَّابِتِ أَنَّ الإِْسْلاَمَ دِينٌ وَدَوْلَةٌ؛ لأَِنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ هُوَ كِتَابُ عَقِيدَةٍ كَمَا هُوَ كِتَابُ أَحْكَامٍ وَقَوَاعِدُ تُنَظِّمُ صِلَةَ الإِْنْسَانِ بِالإِْنْسَانِ وَالإِْنْسَانِ بِالْمُجْتَمَعِ، وَالْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ الْمُسْلِمِ فِي حَالَةِ السِّلْمِ وَالْحَرْبِ.
وَهُوَ إِلَى جَانِبِ ذَلِكَ يَحْوِي كُل أَنْوَاعِ الْحُقُوقِ وَفُرُوعِهَا. فَالْحُقُوقُ الْمَدَنِيَّةُ إِلَى جَانِبِ الْحُقُوقِ الْجَزَائِيَّةِ، وَالاِقْتِصَادِيَّة، وَالْمَالِيَّةِ، وَالتِّجَارِيَّةِ، وَالدُّوَلِيَّةِ بِفَرْعَيْهَا الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ.
وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْحُقُوقُ مَوَاعِظَ مَتْرُوكَةً لِرَغْبَةِ الإِْنْسَانِ، وَإِنَّمَا هِيَ أَحْكَامٌ آمِرَةٌ وَاجِبَةُ التَّنْفِيذِ، وَهَذَا لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِقِيَامِ الدَّوْلَةِ.
وَهَذِهِ الدَّوْلَةُ لاَ بُدَّ لَهَا مِنْ إِمَامٍ (رَئِيسٍ) يَتَوَلَّى أُمُورَهَا، كَمَا يَسْهَرُ عَلَى مَصْلَحَةِ الأُْمَّةِ، وَقَدْ أَرْشَدَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ إِلَى ذَلِكَ بِهَذِهِ الآْيَةِ الْمَجِيدَةِ: {وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَْرْضِ خَلِيفَةً. .} (1) .
__________
(1) سورة البقرة / 30.

قَال الْقُرْطُبِيُّ: هَذِهِ الآْيَةُ أَصْلٌ فِي نَصْبِ إِمَامٍ وَخَلِيفَةٍ يُسْمَعُ لَهُ وَيُطَاعُ؛ لِتَجْتَمِعَ بِهِ الْكَلِمَةُ، وَتُنَفَّذَ بِهِ أَحْكَامُ الْخَلِيقَةِ (1) .
وَفِي السُّنَّةِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَال: لاَ يَحِل لِثَلاَثَةِ نَفَرٍ يَكُونُونَ بِأَرْضِ فَلاَةٍ إِلاَّ أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ أَحَدَهُمْ (2) .
وَقَال: إِذَا خَرَجَ ثَلاَثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ (3) .
قَال الشَّوْكَانِيُّ: وَإِذَا شُرِعَ هَذَا لِثَلاَثَةٍ يَكُونُونَ فِي فَلاَةٍ مِنَ الأَْرْضِ أَوْ يُسَافِرُونَ، فَشَرْعِيَّتُهُ لِعَدَدٍ أَكْثَرَ يَسْكُنُونَ الْقُرَى وَالأَْمْصَارَ وَيَحْتَاجُونَ لِدَفْعِ التَّظَالُمِ وَفَصْل التَّخَاصُمِ، أَوْلَى وَأَحْرَى. وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ لِقَوْل مَنْ قَال: إِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ
__________
(1) الجامع لأحكام القرآن 1 / 264 (ط - دار الكتب العربية - القاهرة - 1387 هـ - 1967 م) .
(2) حديث: " لا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلا أمروا عليهم أحدهم ". أخرجه أحمد (2 / 177 - ط الميمنية) من حديث عبد الله بن عمرو، وأورده الهيثمي في المجمع (8 / 63 - ط القدسي) وقال: " وفيه ابن لهيعة وهو لين، وبقية رجاله رجال الصحيح ".
(3) حديث: " إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم ". أخرجه أبو داود (3 / 81 - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أبي سعيد الخدري، وحسنه النووي في رياض الصالحين (ص 376 - ط المكتب الإسلامي) .

نَصْبُ الأَْئِمَّةِ وَالْوُلاَةِ وَالْحُكَّامِ (1) . وَلَمَّا كَانَ صَلاَحُ الْبِلاَدِ وَأَمْنُ الْعِبَادِ وَقَطْعُ مَوَادِّ الْفَسَادِ وَإِنْصَافُ الْمَظْلُومِينَ مِنَ الظَّالِمِينَ لاَ يَتِمُّ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ قَاهِرٍ قَادِرٍ (2) لِذَلِكَ وَجَبَ نَصْبُ إِمَامٍ يَقُومُ بِحِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ أُمُورِ الأُْمَّةِ، وَهُوَ فَرْضٌ بِالإِْجْمَاعِ (3) .
وَأَمَّا صِفَاتُ هَذَا الإِْمَامِ وَشُرُوطُهُ وَمَا تَنْعَقِدُ بِهِ إِمَامَتُهُ فَتُنْظَرُ فِي (الإِْمَامَة الْكُبْرَى) (وَبَيْعَة) .

حُقُوقُ الإِْمَامِ:
16 - ذَهَبَ الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو يَعْلَى إِلَى أَنَّ
__________
(1) نيل الأوطار 8 / 265 (ط - الحلبي) .
(2) الفصل في الملل والأهواء والنحل - ابن حزم 4 / 87 (ط - 2 - دار المعرفة - بيروت - 1395 هـ - 1975 م) ، وشرح مقاصد الطالبين في علم أصول الدين - التفتازاني 2 / 201 (ط - دار الطباعة استنبول - 1277 هـ) ، وسراج الملوك - الطرطوشي 39 (مطبوع مع التبر المسبوك) ، والسياسة الشرعية - ابن تيمية 138 - 139، وتحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام - بدر الدين بن جماعة 48 (فقرة 5) تحقيق فؤاد عبد المنعم أحمد (ط 1 - رئاسة المحاكم الشرعية - قطر 1405 هـ - 1985 م) .
(3)
(3) الفصل 4 / 87، وأصول الدين - البغدادي 271 (ط1 - مطبعة الدولة - استنبول - 1346 هـ - 1928م) والأحكام السلطانية - الماوردي 5. والأحكام السلطانية لأبي يعلى 3، ونهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني 478 - (تحقيق ألفريد جيوم ط - مكتبة المثنى - بغداد) والسياسة الشرعية - ابن تيمية 139، وحاشية البجيرمي 4 / 204، وتحرير الأحكام 48 (فقرة 5) .

لِلإِْمَامِ حَقَّيْنِ: الطَّاعَةَ وَالنُّصْرَةَ.
وَقَال ابْنُ جَمَاعَةَ: إِنَّهَا عَشَرَةُ حُقُوقٍ: الطَّاعَةُ، وَالنَّصِيحَةُ، وَالتَّعْظِيمُ، وَالاِحْتِرَامُ، وَالإِْيقَاظُ عِنْدَ الْغَفْلَةِ، وَالإِْرْشَادُ عِنْدَ الْخَطَأِ، وَالتَّحْذِيرُ مِنْ كُل عَدُوٍّ، وَإِعْلاَمُهُ بِسِيرَةِ عُمَّالِهِ، وَإِعَانَتُهُ، وَجَمْعُ الْقُلُوبِ عَلَى مَحَبَّتِهِ، وَالنُّصْرَةُ (1) .
وَهَذِهِ الْحُقُوقُ لاَ تَكُونُ لِلإِْمَامِ إِلاَّ إِذَا أَطَاعَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَلَزِمَ فَرَائِضَهُ وَحُدُودَهُ، وَأَدَّى لِلأُْمَّةِ حُقُوقَهَا الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِ. وَبِرِعَايَةِ الأُْمَّةِ هَذِهِ الْحُقُوقَ تَصْفُو الْقُلُوبُ وَتَجْتَمِعُ الْكَلِمَةُ وَيَتَحَقَّقُ النَّصْرُ.
وَأَمَّا فِيمَا سِوَى مَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّ الإِْمَامَ وَاحِدٌ مِنَ النَّاسِ يَسْتَوِي مَعَهُمْ جَمِيعًا فِي الْحُقُوقِ وَالأَْحْكَامِ. بَل يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ النَّاسِ خَشْيَةً لِلَّهِ تَعَالَى وَأَحْسَنَهُمْ قِيَامًا بِأَدَاءِ
__________
(1) تاريخ الطبري 4 / 224، الخراج، أبو يوسف 13 (ط5 - السلفية - القاهرة - 1396 هـ) ومنتخب كنز العمال، المتقي الهندي 2 / 144 (ط - الحلبي - مصر - 1313 هـ) ، ونهج البلاغة - الرضي 1 / 178 بشرح ابن أبي الحديد (ط3 - دار الفكر للجميع - بيروت - 1388 هـ (وينظر نحوه في كتاب الأموال - أبو عبيد القاسم بن سلام 12 (رقم 11) تحقيق محمد خليل هراس (ط - الكليات الأزهرية - 1389 هـ 1969م) الأحكام السلطانية ص15، 17، وفي نصيحة الملوك ص 53 زاد: التعظيم له، وترك الخلاف عليه، وتحرير الأحكام 61 - 64 (فقرة 22) .

فَرَائِضِهِ وَاتِّبَاعِ أَوَامِرِهِ؛ لأَِنَّهُ رَأْسُ الدَّوْلَةِ. (1)

وَاجِبَاتُ الإِْمَامِ:
17 - حُقُوقُ الأُْمَّةِ الَّتِي هِيَ وَاجِبَاتُ الإِْمَامِ يُمْكِنُ أَنْ تُجْمَعَ فِي عَشَرَةٍ:
(1) حِفْظُ الدِّينِ وَالْحَثُّ عَلَى تَطْبِيقِهِ، وَنَشْرُ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ وَتَعْظِيمُ أَهْلِهِ وَمُخَالَطَتُهُمْ وَمُشَاوَرَتُهُمْ.
(2) حِرَاسَةُ الْبِلاَدِ وَالدِّفَاعُ عَنْهَا، وَحِفْظُ الأَْمْنِ الدَّاخِلِيِّ.
(3) النَّظَرُ فِي الْخُصُومَاتِ، وَتَنْفِيذِ الأَْحْكَامِ.
(4) إقَامَةُ الْعَدْل فِي جَمِيعِ شُئُونِ الدَّوْلَةِ.
(5) تَطْبِيقُ الْحُدُودِ الشَّرْعِيَّةِ.
(6) إقَامَةُ فَرْضِ الْجِهَادِ.
(7) عِمَارَةُ الْبِلاَدِ، وَتَسْهِيل سُبُل الْعَيْشِ، وَنَشْرُ الرَّخَاءِ.
(8) جِبَايَةُ الأَْمْوَال عَلَى مَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ، وَصَرْفُهَا فِي الْوُجُوهِ الْمَشْرُوعَةِ
__________
(1) نصيحة للملوك ص53، 54، الأحكام السلطانية للماوردي 17، وأدب الدنيا والدين الماوردي 71 (ط1 - الأدبية - مصر - 1317 هـ) ، وتحرير الأحكام ص 64 (فقرة 23) .

وَعَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ، مِنْ غَيْرِ سَرِفٍ وَلاَ تَقْتِيرٍ.
(9) أَنْ يُوَلِّيَ أَعْمَال الدَّوْلَةِ الأُْمَنَاءَ النُّصَحَاءَ أَهْل الْخِبْرَةِ.
(10) أَنْ يَهْتَمَّ بِنَفْسِهِ بِسِيَاسَةِ الأُْمَّةِ وَمَصَالِحِهَا، وَأَنْ يُرَاقِبَ أُمُورَ الدَّوْلَةِ وَيَتَصَفَّحَ أَحْوَال الْقَائِمِينَ عَلَيْهَا (1) .

تَعْيِينُ الْعُمَّال وَفَصْلُهُمْ:
أ - تَعْيِينُ الْعُمَّال:
18 - لاَ يَسْتَطِيعُ الإِْمَامُ أَنْ يَتَوَلَّى أُمُورَ الْحُكْمِ كُلَّهَا بِنَفْسِهِ دُونَ أَنْ يُعَاوِنَهُ فِي ذَلِكَ عُمَّالٌ يُعَيِّنُهُمْ، وَكُلَّمَا اتَّسَعَتْ أُمُورُ الْحُكْمِ وَتَشَعَّبَتْ زَادَتِ الْحَاجَةُ إِلَى هَؤُلاَءِ الْعُمَّال. " وَهَذِهِ الْقَضِيَّةُ بَيِّنَةٌ فِي ضَرُورَاتِ الْعُقُول لاَ يَسْتَرِيبُ اللَّبِيبُ بِهَا " (2) .
وَهَذَا مَا فَعَلَهُ الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَ كَانَ فِي الْمَدِينَةِ. فَقَدْ وَلَّى عَلَى
__________
(1) الأحكام السلطانية للماوردي 15 - 17، وأدب الدنيا والدين 70 - 71، ونصيحة الملوك 196 - 225، غياث الأمم 135 - 176، والأحكام السلطانية لأبي يعلى 11 - 12، وتحرير الأحكام 65 - 68 (فقرة 24) .
(2) نصيحة الملوك 185 - 186، غياث الأمم 116، 214، وتحرير الأحكام 58 (فقرة 16) .

مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (1) ، وَعَلَى الطَّائِفِ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَبَعَثَ عَلِيًّا وَمُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - إِلَى الْيَمَنِ (2) . وَكَانَ يُؤَمِّرُ عَلَى السَّرَايَا، وَيَبْعَثُ جُبَاةَ الزَّكَاةِ وَيُرْسِل السُّفَرَاءَ إِلَى الْمُلُوكِ وَالْقَبَائِل (3) . وَعَلَى هَذَا النَّهْجِ سَارَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ.
وَقَدْ أَقَرَّ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّ تَعْيِينَ الْعُمَّال مِنْ وَاجِبَاتِ الإِْمَامِ (4) .

ب - صِفَاتُ الْعُمَّال:
19 - يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ أَنْ يُوَلِّيَ أَهْل الدِّيَانَةِ وَالْعِفَّةِ وَالْعَقْل وَالأَْصَالَةِ وَالصِّدْقِ وَالأَْمَانَةِ وَالْحَزْمِ وَالْكِفَايَةِ، وَتَكُونُ الْكِفَايَةُ بِحَسَبِ طَبِيعَةِ الْعَمَل (5) .
__________
(1) حديث تولية عتاب بن أسيد أورده ابن إسحاق في السيرة كما في السيرة لابن هشام (4 / 84 - ط دار الكتاب العربي) وحديث تولية عثمان بن أبي العاص أورده موسى بن عقبة في المغازي كما في تاريخ الإسلام للذهبي (قسم المغازي - ص670 - ط دار الكتاب العربي) .
(2) حديث: بعث معاذ وأبي موسى إلى اليمن. أخرجه مسلم (3 / 1586 - ط الحلبي) .
(3) لدراسة تكوين الدولة النبوية، وجهازها. يراجع كتاب التراتيب الإدارية لعبد الحي الكتاني، لأنه أوسع كتاب في هذا الموضوع.
(4) تنظر الفقرة 17.
(5) نصيحة الملوك 186، 187، والأحكام السلطانية - الماوردي 209، وغياث الأمم ص 215 - 216، 219، وسراج الملوك 114، والطرق الحكمية 238.

وَعَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ الأَْمْثَل فَالأَْمْثَل؛ لِحَدِيثِ: مَنْ وَلَّى رَجُلاً عَلَى عِصَابَةٍ وَهُوَ يَجِدُ فِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ مَنْ هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ، فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمَاعَةَ الْمُؤْمِنِينَ (1) . وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَجَنَّبَ التَّعْيِينَ وَفْقَ هَوَاهُ.
وَلاَ يَكُونُ اخْتِيَارُهُمْ إِلاَّ بَعْدَ امْتِحَانٍ وَتَجْرِبَةٍ (2) .

ج - مَا يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ نَحْوَ عُمَّالِهِ:
20 - يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ عُمَّالِهِ بِعَدَمِ الظُّلْمِ، قَل أَوْ كَثُرَ، وَأَنْ يُعَرِّفَهُمْ أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ سَائِرِ النَّاسِ؛ لأَِنَّ الْعَامِل الظَّالِمَ أَعْدَى عَدُوٍّ لِلدَّوْلَةِ.
وَعَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي أُمُورِ عُمَّالِهِ، فَإِنْ وَجَدَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّرْقِيَةَ رَقَّاهُ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْعَل التَّرْقِيَةَ قَفْزًا دُونَ سَبَبٍ.
وَإِنْ وَجَدَ مِنْهُمْ مُسِيئًا حَاسَبَهُ، وَلَهُ أَنْ
__________
(1) حديث: " من ولى رجلا على عصابة. . ". أخرجه الحاكم (4 / 92 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث ابن عباس بلفظ مقارب، وضعف الذهبي أحد رواته.
(2) الطرق الحكمية ص 238، وسراج الملوك ص 114، ونصيحة الملوك ص 182.

يَعْفُوَ عَنْهُ، إِلاَّ إِذَا كَانَ مَا أَتَاهُ يُوجِبُ حَدًّا، أَوْ تَعَدَّى عَلَى حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ الرَّعِيَّةِ، فَلاَ بُدَّ مِنَ الْعِقَابِ.
وَعَلَيْهِ أَنْ يَعْزِل كُل مَنْ يُخِل بِوَاجِبِ الْعَمَل إِذَا لَمْ يُمْكِنْ تَقْوِيمُهُ.
وَلاَ يَتَأَتَّى لَهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِدَوَامِ مُرَاقَبَةِ الْعَامِلِينَ فِي الدَّوْلَةِ، وَالْوُقُوفِ عَلَى أُمُورِهِمْ وَتَصَرُّفَاتِهِمْ، وَعَلاَقَتِهِمْ مَعَ النَّاسِ، وَالْتِزَامِهِمْ بِتَنْفِيذِ مَا يَأْمُرُ بِهِ مِنَ السِّيَاسَةِ. . وَيُعِينُهُ عَلَى هَذِهِ الْمُهِمَّةِ جِهَازٌ دَقِيقٌ يُطْلِعُهُ عَلَى جَمِيعِ شُئُونِ الدَّوْلَةِ وَالأُْمَّةِ (1)

د - دِيوَانُ الْمُوَظَّفِينَ:
21 - يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي الدَّوْلَةِ دِيوَانٌ يَخُصُّ الْعَامِلِينَ فِي أَجْهِزَتِهَا الْمُخْتَلِفَةِ.
وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (دِيوَان) .

ثَانِيًا: السِّيَاسَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي الْمَال:
22 - يُقْصَدُ بِالأَْمْوَال فِي هَذَا الْمَجَال: أَمْوَال الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ الْوَارِدَةِ إِلَى خَزِينَةِ الدَّوْلَةِ. (2)
__________
(1) نصيحة الملوك 176 - 178، 189 - 190، والأحكام السلطانية للماوردي ص 212، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 234، نصيحة الملوك ص 190، وغياث الأمم ص 116، والتبر المسبوك ص 86.
(2) تحرير الأحكام ص 146 - 149.

وَهِيَ تَتَأَلَّفُ مِنْ أَنْوَاعٍ يُنْظَرُ بَيَانُهَا وَكَيْفِيَّةُ التَّصَرُّفِ فِيهَا فِي مُصْطَلَحِ (بَيْت الْمَال) .

ثَالِثًا: السِّيَاسَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي الْوِلاَيَاتِ:
وِلاَيَةُ الْجَيْشِ:
23 - لَمَّا كَانَ الْجَيْشُ لِلْجِهَادِ وَالدِّفَاعِ عَنِ الْبِلاَدِ، لِذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الإِْمَامِ الْعِنَايَةُ بِتَرْتِيبِهِ وَإِعْدَادِهِ، وَتَنْظِيمِ قِيَادَتِهِ، وَتَفَقُّدِ أَحْوَالِهِ، وَتَعَرُّفِ أَحْوَال الْعَدُوِّ، وَإِنَّ تَحْقِيقَ ذَلِكَ لاَ يَتِمُّ إِلاَّ بِتَأْمِينِ الأَْمْوَال اللاَّزِمَةِ لِتَسْلِيحِهِ وَإِدَارَتِهِ وَدَفْعِ مَا يَسْتَحِقُّهُ أَفْرَادُهُ بِشَكْلٍ مُنَظَّمٍ وَمُلاَئِمٍ (1) .
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (جِهَاد) .

النَّظَرُ فِي أُمُورِ الْقُضَاةِ:
24 - إِنَّ الْقَضَاءَ مَنْصِبٌ جَلِيلٌ وَخَطِيرٌ؛ لأَِنَّهُ يُحَقِّقُ الْعَدْل فِي الأُْمَّةِ، وَعَلَى الْعَدْل تَقُومُ الدَّوْلَةُ الصَّالِحَةُ، وَقَدْ أَحَاطَتِ الشَّرِيعَةُ هَذَا الْمَنْصِبَ بِاحْتِرَامٍ شَدِيدٍ وَنَظَّمَتْ أَحْكَامَهُ
__________
(1) المنهج المسلوك 104 - 107، سراج الملوك 99، الأحكام السلطانية - للماوردي 35 - 54، الأحكام السلطانية - لأبي يعلى 23 - 35، نصيحة الملوك 265 - 288ـ غياث الأمم 156 - 158، تحرير الأحكام 79 - 86، 94 - 98، 118 - 121، 128 - 137، 144، 165 - 187.

وَقَوَاعِدَهُ وَصِفَاتِ مَنْ يَتَوَلاَّهُ وَأُصُول التَّقَاضِي (1) .
وَيَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ أَنْ يَتَفَقَّدَ أَحْوَال الْقُضَاةِ وَيَتَحَرَّى عَنْ أَخْبَارِهِمْ وَعَنْ سِيرَتِهِمْ فِي النَّاسِ، وَعَنْ أَحْكَامِهِمْ، وَيَسْأَل الثِّقَاتِ الصَّالِحِينَ عَنْ كُل ذَلِكَ (2) .
وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (قَضَاء) .

النَّظَرُ فِي وِلاَيَةِ الصَّدَقَاتِ:
25 - الزَّكَاةُ هِيَ الرُّكْنُ الثَّالِثُ مِنْ أَرْكَانِ الإِْسْلاَمِ، وَقَدْ تَكَفَّلَتِ النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ بِبَيَانِ مَحِلِّهَا وَنِصَابِهَا وَجِبَايَتِهَا وَأُصُول صَرْفِهَا وَمُسْتَحَقِّيهَا.
وَلِذَلِكَ فَإِنَّ عَلَى رَئِيسِ الدَّوْلَةِ أَنْ يُوَلِّيَ أُمُورَ الزَّكَاةِ الْمُسْلِمَ الْعَدْل الْعَالِمَ بِأَحْكَامِهَا لِيَكُونَ قَادِرًا عَلَى الاِجْتِهَادِ فِي تَطْبِيقِهَا. وَقَدْ تَكُونُ وِلاَيَتُهُ شَامِلَةً جِبَايَةَ الزَّكَاةِ وَقِسْمَتَهَا، وَقَدْ تَكُونُ لِلْجِبَايَةِ دُونَ الْقِسْمَةِ، وَقَدْ تَكُونُ مُطْلَقَةً، فَلَهُ إِنْ شَاءَ أَنْ يَقْسِمَهَا، وَلَهُ أَنْ
__________
(1) الأحكام السلطانية - الماوردي 65 - 76، والأحكام السلطانية - لأبي يعلى 48 - 57، وتحرير الأحكام 88 - 90 (فقرة 47 - 49) .
(2) الأحكام السلطانية - للماوردي 66 - 67، والأحكام السلطانية - لأبي يعلى 46، والمبسوط - السرخسي 16 / 70 (ط - دار المعرفة - بيروت 1406 هـ - 1986م) ، وتبصرة الحكام 1 / 77.

يَتْرُكَ الْقِسْمَةَ. أَمَّا إِنْ كَانَ مُكَلَّفًا بِأَخْذِ مَالٍ مُحَدَّدٍ مِنْ أَمْوَال الزَّكَاةِ، فَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعِلْمُ بِأَحْكَامِهَا، لأَِنَّهُ عِنْدَئِذٍ يَكُونُ كَالْوَكِيل بِالْقَبْضِ (1) .
وَانْظُرِ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (زَكَاة) .

السِّيَاسَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي شَأْنِ الْمُخَالِفِينَ مِنْ بُغَاةٍ وَغَيْرِهِمْ:
26 - قَدْ تَخْرُجُ فِئَةٌ مُسَلَّحَةٌ مُنَظَّمَةٌ. فَإِنْ كَانَ خُرُوجُهَا عَلَى الدِّينِ كَانَتْ مُرْتَدَّةً.
وَإِنْ كَانَ خُرُوجُهَا عَلَى الإِْمَامِ كَانَتْ فِئَةً بَاغِيَةً (2) .
وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا فِي الْفِقْهِ أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ (انْظُرْ: رِدَّة. بُغَاة. حِرَابَة) .

رَابِعًا: السِّيَاسَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي الْعُقُوبَةِ:
أ - الْعُقُوبَةُ سِيَاسَةً:
27 - تَنْقَسِمُ الْعُقُوبَةُ إِلَى:
__________
(1) الأحكام السلطانية للماوردي 113 - 114، 116. والأحكام السلطانية لأبي يعلى 99 - 102.
(2) الأحكام السلطانية للماوردي ص 55 - 58، والأحكام السلطانية - لأبي يعلى ص 35 - 38، وغياث الأمم 160، 169، 170، ونصيحة الملوك 254.

عُقُوبَاتٍ مُقَدَّرَةٍ شَرْعًا، وَهِيَ الْحُدُودُ وَالْقِصَاصُ.
وَعُقُوبَاتٍ غَيْرِ مُقَدَّرَةٍ، وَهِيَ التَّعْزِيرُ.
أَمَّا الْعُقُوبَةُ سِيَاسَةً: فَتَكُونُ عِنْدَ اقْتِرَافِ جَرِيمَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ، وَبِهَذَا تُرَادِفُ التَّعْزِيرَ:
فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ النَّبَّاشَ لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ السَّرِقَةِ، فَإِنِ اعْتَادَ النَّبْشَ أَمْكَنَ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ عَلَى سَبِيل السِّيَاسَةِ. ر: مُصْطَلَحَ (سَرِقَة) .
كَمَا صَرَّحُوا بِأَنَّهُ قَدْ تُزَادُ الْعُقُوبَةُ سِيَاسَةً. فَإِذَا أُقِيمَ حَدُّ السَّرِقَةِ - مَثَلاً - فَقُطِعَتْ يَدُ السَّارِقِ جَازَ حَبْسُهُ حَتَّى يَتُوبَ (1) .
كَمَا صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ لِلإِْمَامِ حَبْسَ مَنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِارْتِكَابِ جَرَائِمَ ضِدَّ الأَْشْخَاصِ، أَوِ الأَْمْوَال وَلَوْ لَمْ يَقْتَرِفْ جَرِيمَةً جَدِيدَةً، وَيَسْتَمِرُّ حَبْسُهُ حَتَّى يَتُوبَ؛ لأَِنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ سَجَنَ ضَابِئَ بْنَ الْحَارِثِ وَكَانَ مِنْ لُصُوصِ بَنِي تَمِيمٍ وَفُتَّاكِهِمْ، حَتَّى مَاتَ فِي السِّجْنِ.
وَكَذَلِكَ يُفْعَل مَعَ مَنْ عُرِفَ بِالشَّرِّ وَالأَْذَى
__________
(1) حاشية ابن عابدين 4 / 94، والبحر الرائق 5 / 11.

وَخِيفَ أَذَاهُ لأَِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ الْعِبَادَ وَالْبِلاَدَ (1) . (ر: عُقُوبَة - تَعْزِير) .

التَّغْرِيبُ سِيَاسَةً:
28 - ثَبَتَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَزَّرَ الْمُخَنَّثِينَ وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنَ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ وَنَفْيِهِمْ (2) .
وَجَاءَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَنْفِي شَارِبَ الْخَمْرِ إِلَى خَيْبَرَ زِيَادَةً فِي عُقُوبَتِهِ.
وَنَفَى نَصْرَ بْنَ حَجَّاجٍ لَمَّا خَافَ فِتْنَةَ نِسَاءِ الْمَدِينَةِ بِجَمَالِهِ، بَعْدَ أَنْ قَصَّ شَعْرَهُ فَرَآهُ زَادَ جَمَالاً.
وَلِذَلِكَ جَازَ نَفْيُ أَمْثَال هَؤُلاَءِ إِلَى بَلَدٍ يُؤْمَنُ فَسَادُ أَهْلِهِ. فَإِنْ خَافَ بِهِ عَلَيْهِمْ حُبِسَ. وَبِهَذَا أَخَذَ أَحْمَدُ؛ لأَِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ
__________
(1) المبسوط 24 / 36، 76، درر الحكام 2 / 81، والبحر الرائق 5 / 75، وغنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام - حسن بن عمر الشرنبلالي 2 / 81 (مطبوع على هامش درر الحكام) والفتاوى الهندية 2 / 189 - 190 (ط4 - إحياء التراث العربي - بيروت) وأقضية رسول الله - أبو عبد الله بن فرج المالكي تحقيق محمد ضياء الرحمن الأعظمي 97 - 98 (ط1 -، دار الكتاب المصري، واللبناني - القاهرة وبيروت - 1398 هـ - 1978م) وتبصرة الحكام 2 / 163.
(2) حديث: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بإخراج المخنثين ". أخرجه البخاري (الفتح 12 / 159 - ط السلفية) .

الْمُعَاقَبَةِ، وَإِنَّمَا مِنْ قَبِيل الْخَوْفِ مِنَ الْفَاحِشَةِ قَبْل وُقُوعِهَا. (1) (ر: تَغْرِيب) .
وَقَدْ وَرَدَ فِي السُّنَّةِ تَغْرِيبُ الزَّانِي غَيْرِ الْمُحْصَنِ بَعْدَ جَلْدِهِ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ (2) .
وَهَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ جُزْءٌ مِنَ الْحَدِّ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّهُ لاَ يُغَرَّبُ حَدًّا، وَأَجَازُوا تَغْرِيبَهُ سِيَاسَةً، دُونَ تَحْدِيدِهِ بِسَنَةٍ، بَل بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ الإِْمَامُ إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ تُوجِبُ ذَلِكَ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى تَحْرِيمِ حَبْسِهِ بَعْدَ الْحَدِّ. فَإِنْ لَمْ يَنْزَجِرْ جَازَ لِلإِْمَامِ حَبْسُهُ حَتَّى يَتُوبَ. وَقِيل: حَتَّى يَمُوتَ (3) .

الْقَتْل سِيَاسَةً:
29 - يُجِيزُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْقَتْل عَلَى سَبِيل
__________
(1) الطرق الحكمية 266، وفتاوى ابن تيمية 15 / 313، والمبسوط 9 / 45، وجامع الرموز 2 / 290، وحاشية ابن عابدين 4 / 14، 66، إعلام الموقعين 4 / 377.
(2) حديث زيد بن خالد الجهني في " تغريب الزاني غير المحصن ". أخرجه البخاري (الفتح 12 / 156 - ط السلفية) .
(3) المبسوط 9 / 45، البحر الرائق 5 / 11، وبدائع الصنائع 7 / 39، وجامع الرموز 2 / 290، ودرر الحكام 2 / 64، وحاشية ابن عابدين 4 / 14، 66 - 67، والفروع 6 / 57.

السِّيَاسَةِ فِي جَرَائِمَ مُعَيَّنَةٍ (1) . وَانْظُرْ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (تَعْزِير) .

مَنْ لَهُ حَقُّ الْعُقُوبَةِ سِيَاسَةً:
30 - لِلْعُلَمَاءِ خِلاَفٌ فِي تَحْدِيدِ مَنْ لَهُ حَقُّ فَرْضِ الْعُقُوبَةِ سِيَاسَةً. . هَل هُوَ الإِْمَامُ وَنُوَّابُهُ، أَمْ هُوَ الْقَاضِي؟ (2) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (عُقُوبَة، تَعْزِير) .

23 - السياسة
لغة: مصدرللفعل "ساس" أى رأس وقاد، والسياسة: القيام على الشىء بما يصلحه ... والوالى يسوس رعيته، كما فى اللسان (1). وسست الرعية سياسة، أى ملكت أمرهم، كما فى الصحاح (2). وفى الحديث الشريف: "كان بنو إسرائيل يسوسهم أنبياؤهم " أى يتولون أمورهم كما يفعل الأمراء، الولاة بالرعية.
والمعنى الاصطلاحى للسياسة حتى اليوم يتفق وتدبير أمور الرعية فى الداخل والخارج، وفى التوصيف الغربى (3) فإن السياسة هى مجموعة القرارات المترابطة المتفق عليها بقصد التوصل إلى نتائج وأهداف محددة على المستوى العام أو المستوى الشخصى.
وينظر إلى السياسة غالبا باعتبارها تمثل التعامل والتفاعل بين الأفراد والعوامل، التى تحدث نتيجة تحديد المواقع والمصالح، التى يمكن تحقيقها والقرارات المصاحبة لذلك، إلا أن اللفظ اتخذ فى الإسلام طابعا دينيا، إذ أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن صاحب رسالة دينية فقط إنما كان رئيسا للجماعة الإسلامية الناشئة، التى وضع أساسها بمقتضى الصحيفة التى آخى فيها بين المهاجرين والأنصار، والتى يمكن أن يطلق عليها "دستور المدينة" إذ تضمنت تنظيما واضحا للعلاقات بين أعضاء المجتمع الإسلامى، بينهم ورياسة هذه الجماعة، وبينهم وبين من يخالفونهم فى الدين.
وتعتبر الصحيفة نقلة نوعية من المنظور السياسى، حيث تضمنت من المعانى-على خلفية عالميةالإسلام- عناصر بالغة الدلالة من حيث العلاقات الدولية، فقد تضمنت إطارا لدول متعاونة على كل ما عرف خيره تتحمل مسئوليتها فرادى وجماعات فى عمارة الأرض (4) وعدم الإفساد وأنه لا إكراه فى الدين، وبرّ من يخالفنا ما لم يعتد علينا فى ديارنا أو ديننا، وأن الخلق كلهم عيال الله، وأن الحوار والتفاوض فى السياسة أمران واردان.
وجاء ذلك فى إطار ما حفل به القرآن الكريم من معان سامية ينبغى أن تسود البشر لإصلاح أمورهم فى دنياهم وأخراهم، بما فى ذلك تأكيده على قيم العدل والمساواة والتعاون والسلام بين البشر -وهى قيم ينبغى أن تكون لها السيادة فى العلاقات السياسية الدولية- أتى بها الإسلام وسبق غيره بقرون عديدة.
وعالمية الإسلام تكسب التوجهات الإسلامية بعدها العالمى {{تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا}} الفرقان:1، وقد أمر الإسلام بالتعايش والتعارف {{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا}} الحجرات:13، وأمر بالعدل {{ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى}} المائدة:8.
ويعتبر الإسلام أن السلام هو السياسة الإسلامية الأصيلة التى تمارس داخل المجتمع الاسلامى فى علاقاته مع مخالفيه (5) وهو يفرق فى هذا الصدد بين الذين يسالمون المسلمين والذين يقاتلونهم، والاختلاف ليس سبيلا للحرب بل إنه كامن فى طبيعة الحياة، والسلام لا يعنى الاستسلام للمعتدين، وحتى فى حالة الحرب فلها سياستها وآدابها، والإسلام يدعو إلى التعايش والحوار كمنهاج لممارسة السياسة، وفى ظلها تنمو العلاقات السياسية والاقتصادية وغيرها من أوجه العلاقات التى تتم فى إطار السياسة الدولية.
أما التنافس والتدافع فى المصالح والأمور السياسية فلا يعنى بالضرورة تصارعا وقتالا، إنما يعتبر ذلك من سنن الحياة التى تحقق التوازن والتداول فى إطار الفهم السليم لمقاصد الشريعة {{ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزير}} الحج:40.
وقد عرف النظام الإسلامى أسلوب كتابة المعاهدات، وسبق اتفاقيات جنيف التى عقدت عام 1949م فى حماية ضحايا الحرب وأسراها، وحظر أعمال الثأر والانتقام ضد العدو.
ولقد كان إنشاء الدولة الإسلامية فى المدينة، وامتداد نفوذها بالتدريج فى معظم أجزاء شبه جزيرة العرب فى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ثمرة مجهودات كبيرة حربية وتشريعية وسياسية، وكانت حصيلة النشاط السياسى والدبلوماسى مجموعة كبيرة من الرسائل والصكوك والمعاهدات التى تحدد العلاقات السياسية على أسانيدها من القرآن والسنة النبوية.
السفير/نبيل محمد بدر
__________
الهامش:
1 - لسان العرب، ابن منظور، دار صادر، بيروت مادة (سوس).
2 - الصحاح للجوهري، مادة (سوس).
3 - Political and lagal by walter Raymond
4- الإسلام والنظام العالمى الجديد، د. حامد بن أحمد الرفاعى، المقدمة.
5 - مفهوم التعايش فى الإسلام، د. عباس الجرارى.

مراجع الاستزادة:
1 - عالم الإسلام، د. حسين مؤنس.
2 - الفكر الإسلامى الحديث وصلته بالاستعمار الغربى، د. محمد البهى
*سياسة نامه كتاب ألَّفه أبو على الحسن بن على بن إسحاق الطوسى، الملقب بنظام الملك.
وُلِد فى طوس سنة (408 هـ)، وقُتِل فى رمضان سنة (485 هـ).
وقد ألَّف نظام الملك الكتاب تلبية لرغبة السلطان ملكشاه.
وتميزت مادة الكتاب بغزارتها؛ فقد تنوعت ما بين موعظةٍ ومثلٍ وتفسيرٍ للقرآن وأخبار الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقصص الأنبياء وسير الملوك العادلين ونوادرهم.
وطريقة المؤلف فى الكتاب تناول ناحية من النواحى الإدارية التى يلاحظ عليها الخلل أو النقص، وتبيين سبل علاجها، ثم ذكر ما يؤيد به ما ذهب إليه فى سبل العلاج مما حفظه أو رآه أو سمعه.
وهو فى ذلك لا يتقيد بالثقافة العربية أو الفارسية، بل قد يتعداهما إلى ثقافات أخرى مما كانت شائعة فى عصره.
ويستمد أسلوب المؤلف جماله من بساطته وخلوه من المحسنات البديعية المتكلفة.
وقد قام بترجمة الكتاب السيد محمد العزاوى، ونشرته دار الرائد العربى.
*الإمامة والسياسة هو كتاب منسوب إلى الفقيه أبى محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينورى، أحد أئمة علوم القرآن والحديث واللغة والأدب والأخبار، وغيرها.
ويقع الكتاب فى جزأين يحتويهما مجلد متوسط الحجم، ولايدل عنوانه على محتواه؛ إذ إنه كتاب تاريخى يعتمد على السرد المسلسل للأحداث السياسية فى تاريخ المسلمين، ويذكر أخبار الأئمة والقادة منذ وفاة النبى (حتى تولَّى المأمون الخلافة فى الدولة العباسية سنة (195 هـ = 810م).
وهو بهذا لا يختلف كثيرًا عن معظم كتب التاريخ التى تعرض أحداث التاريخ الإسلامى فى هذه الفترة وما بعدها.
غير أن هذه الكتب أكثر دقة وتنظيمًا منه، لاعتمادها على السرد الحوْلى للأ حداث.
وأهم مايتسم به الكتاب من حيث المنهج أنه لايعتمد على الرواية الموثقة، وأنه يذكر بالتفصيل معظم الوقائع والأحداث التى تتصل بالسياسة ولو من بعيد، معتمدًا على أسلوب القصِّ والرواية.
والمعروف أن نسبة هذا الكتاب إلى ابن قتيبة ليست ثابتة، فكل الذين كتبوا عنه يكادون يُجمعون على أنه ليس له، وأوَّل من بدأ هذا ابن العربى فى كتابه العواصم من القواصم.
آداب السياسة
لبعض المتقدمين.
وهو: عز الدين بن الأثير.
المتوفى: سنة 630.
وملخصه: المسمى: (بمصابيح أرباب الرياسة، ومفاتيح أبواب الكياسة) .
لإبراهيم بن يوسف، المعروف: بابن الحنبلي، الحلبي.
المتوفى: سنة تسع وخمسين وتسعمائة.
أساس السياسة
للوزير، الفقيه، جمال الدين، أبي الحسن: علي بن ظافر الأزدي.
المتوفى: سنة ثلاث وعشرين وستمائة.

أغراض السياسة في (علم الرياسة)

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

أغراض السياسة في (علم الرياسة)
فارسي.
ظهير الدين: محمد بن علي الكاتب، السمرقندي.
المتوفى: سنة ...
وله: شرحه.

التدبيرات السلطانية في سياسة الصناعة الحربية

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

الرسالة، في السياسة
للشيخ، الرئيس، أبي علي: حسين بن عبد الله بن سينا.
المتوفى: سنة 428، ثمان وعشرين وأربعمائة.

السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

السياسة الشرعية، في إصلاح الراعي والرعية
لابن تيمية.
مختصر.
ترجمه: بير: محمد بن علي العاشق.
المتوفى: سنة..
لإعلام حاله إلى السلطان:: سليم خان، وبيان عجزه عن القضاء.
وسماه: (معراج الأيالة، ومنهاج العدالة) .
زاد فيه: أشياء متعلقة بالحرب، وبيت المال.

السياسة في علم الفراسة

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

السياسة، في علم الفراسة
للشيخ، شمس الدين: محمد بن أبي طالب.
المتوفى: سنة 737، سبع وثلاثين وسبعمائة.
أجاد فيه.
أوله: (الحمد لمن يستحق الثناء لألوهيته ... الخ) .
في مجلد.
السياسة المدنية
لأبي نصر: محمد بن محمد بن أوزلغ بن طرخان الفارابي.
المتوفى: سنة 339، تسع وثلاثين وثلاثمائة.
سياسة الملك
لأبي الحسن: علي بن محمد الماوردي، الشافعي.
المتوفى: سنة 450، خمسين وأربعمائة.

عمدة السالك في سياسة الممالك

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

عمدة السالك، في سياسة الممالك
ليعقوب بن جناب (صابر بن بركات البغدادي) ، نجم الدين المنجنيقي، الشاعر.
المتوفى: سنة 626، ست وعشرين وستمائة.
ولم يتمه.

العمدة في أصول السياسة

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

العمدة، في أصول السياسة
للموفق: البغدادي، المذكور في: (الإنصاف) .

كتاب: الرياسة في السياسة

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

كتاب: الرياسة، في السياسة
لأبي أحمد: عبيد الله بن عبد الله.
المتوفى: سنة 300.
ولأرسطو.
ألفه: للإسكندر اليوناني.
وترجمه:
مولانا: نصوح، المعروف، بنوالي.
المتوفى: سنة 1003، ثلاث وألف.
للسلطان: محمد خان بن مراد خان، حال كونه أميرا بمغنيسيا، وهو: معلمه.
وسماه: (فرخ نامه) .
وجعله على: مقدمة، وستة عشر بابا، وتكملة.
المقدمة: في ظهور الإسكندر.
الباب الأول: في الإيمان.
الثاني: في الأمانة.
الثالث: في الحياء.
الرابع: في الرضاء.
الخامس: في الصبر.
السادس: في علو الرحمة.
السابع: في الشكر.
الثامن: في السخاء.
التاسع: في العدل.
العاشر: في المكافاة.
الحادي عشر: في العفو.
الثاني عشر: في الحلم.
الثالث عشر: في السياسة.
الرابع عشر: في الصحبة.
الخامس عشر: (2/ 1422) في آداب الوزراء.
السادس عشر: في وجوب المشورة.
والتكملة: في الإسكندر.

كتاب: السياسة في تدبير الرياسة

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

كتاب: السياسة، في تدبير الرياسة
وهو: سبع مقالات.
لأرسطو.
ألفه: للإسكندر، حين التمس منه أن يكتب شيئا يكون له دستورا، يرجع إليه عند غيبته، وقد عربوه.
كتاب: سياسة المدن
لأرسطو.
ذكر فيه: مائة وإحدى وسبعين مدينة كبيرة.
وله: (السياسة العملية) .
مر ذكره.

معراج الأيالة في ترجمة السياسة الشرعية

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

معراج الأيالة، في ترجمة السياسة الشرعية
....

النهج المسلوك في سياسة الملوك

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

النهج المسلوك، في سياسة الملوك
للشيخ: عبد الرحمن.
رتبه على: عشرين بابا.
وهو: كتاب لطيف، مفيد.
أوَّله: (الحمد لله الذي عجزت العقول عن معرفة ذاته ... الخ) .
صنفه: للملك الناصر: صلاح الدين.
في اللغة: تعنى القيام على الشيء والتصرف فيه بما يصلحه.
وفي «الكليات» : هي استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجى في العاجل والآجل، وهو قريب من قول النسفي:
السياسة: حياطة الرّعية بما يصلحها لطفا وعنفا.
ونص بعض الفقهاء على أنها: فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يرد بهذا الفعل دليل شرعي.
فقال ابن عقيل: السياسة: ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول صلّى الله عليه وسلم ولا نزل به وحي.
ونقل ابن نجيم عن المقريزى: أنها القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأموال.
وذكر ابن عابدين أن السياسة تستعمل عند الفقهاء بمعنى أخص من ذلك مما فيه زجر وتأديب ولو بالقتل، كما قالوا في اللوطي والسارق إذا تكرر منهما ذلك حل قتلهما سياسة.
ولذا عرّفها بعضهم: «بأنها تغليظ جناية لها حكم شرعي حسما لمادة الفساد». وقيل: السياسة والتعزير مترادفان.
«لسان العرب 3/ 2149، والكليات ص 510، وطلبة الطلبة ص 167، ومعجم المصطلحات الاقتصادية ص 195، 196، والموسوعة الفقهية 25/ 296».

شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت