نتائج البحث عن (عذا) 50 نتيجة

عذا: العَذَاةُ: الأَرضُ الطَّيِّبة التُّرْبَةِ الكَريمَةُ المَنْبِتِ التي ليستْ بسَبِخَةٍ، وقيل: هي الأَرضُ البعيدةُ عن الأَحْساءِ والنُّزُورِ والريف، السَّهْلَة المَريئَة التي يكون كَلَؤُها مَريئاً ناجِعاً، وقيل: هي البعيدةُ من الأَنْهارِ والبُحورِ والسِّبَاخِ، وقيل: هي البعيدة من الناس، ولا تكونُ العَذاةُ ذات وخامَةٍ ولا وَباءٍ؛ قال ذو الرمة: بأَرْضٍ هِجانِ التُّرْب وسْمِيَّةِ الثَّرى، عَذَاةٍ نَأَتْ عنها المُلوحة والبَحْرُ والجمع: عَذَواتٌ وعَذاً. والعِذْيُ: كالعَذاةِ، قلبَت الواوُ ياءً لضعف الساكن أَن يَحْجُز كما قالوا صِبْية، وقد قيل إِنه ياءٌ، والاسم العَذاءُ، وكذلك أَرضٌ عَذِيَةٌ مثلُ خَرِبَةٍ. أَبو زيد: وعَذُوَتِ الأَرض وعَذِيَتْ أَحسنَ العَذاةِ وهي الأَرضُ الطيبةُ التُّرْبةِ البعيدةُ من الماء. وقال حُذَيفة لرجل: إِن كنت لا بدَّ نازلاً بالبَصْرة فانْزِلْ عَذَواتِها ولا تَنْزِلْ سُرَّتها؛ جمعُ عَذاةٍ، وهي الأَرضُ الطيبة التربة البعيدة من المِياه والسِّباخ. واسْتَعْذَيْتُ المكانَ واسْتَقْمَأْتُه، وقد قامأَني فلانٌ أَي وافَقَني. وأَرْضٌ عَذاةٌ إِذا لم يكن فيها حَمْضٌ ولم تكنْ قَريبةً من بلاده. والعَذاة: الخَامَةُ من الزَّرْعِ. يقال: رَعَيْنا أَرْضاً عَذَاةً ورَعَيْنا عَذَواتِ الأَرْض، ويقال في تصريفه: عَذيَ يَعْذى عَذىً، فهو عَذِيٌّ وعِذْيٌ، وجمع العِذْيِ أَعْذاءٌ. وقال ابن سيده في ترجمة عذي بالياء: العِذْيُ اسم للموضع الذي يُنبت في الصيف والشتاءِ من غير نَبْعِ ماءٍ، والعِذْيُ، بالتسكين: الزَّرْع الذي لا يُسْقي إِلاَّ من ماءِ المَطَرِ لبُعْدِه من المِياهِ، وكذلك النَّخْلُ، وقيل: العِذْي من النَّخِيل ما سَقَتْه السماءُ، والبَعْلُ ما شَرِبَ بعُرُوقه من عيونِ الأَرض من غيرِ سَماءٍ ولا سَقْيٍ، وقيل: العِذْيُ البَعْل نَفْسُه، قال: وقال أَبو حنيفة العِذْيُ كلُّ بَلَدٍ لا حَمْضَ فيه.وإبلٌ عَواذٍ إِذا كانت في مَرْعىً لا حَمْض فيه، فإِذا أَفْرَدْت قلتَ إِبل عاذِيَة؛ قال ابن سيده: ولا أَعْرِفُ معنى هذا، وذهبَ ابنُ جني إِلى أَنَّ ياءَ عِذْيٍ بدلٌ من واوٍ لقولهم أَرَضُونَ عَذَواتٌ، فإِن كان ذلك فبابُه الواو. وقال أَبو حنيفة: إِبلٌ عاذِيَةٌ وعَذَوِيَّة تَرْعى الخُلَّة. والليث: والعِذْيُ موضعٌ بالبادية؛ قال الأَزهري: لا أَعرِفُه ولم أَسْمَعْه لغيرِه، وأَما قوله في العِذْيِ أَيضاً إِنه اسم للموضع الذي يُنْبِتُ في الشتاء والصيف من غير نَبْعِ ماءٍ فإِن كلام العرب على غيره، وليس العِذْيُ اسماً للموضع، ولكن العِذْيُ من الزروع والنخيلِ ما لا يُسْقَى إِلاَّ بماء السماء، وكذلك عِذْيُ الكَلإِ والنباتِ ما بَعُدَ عن الرِّيفِ وأَنْبَتَه ماءُ السماءِ. قال ابن سيده: والعَذَوانُ النَّشِيطُ الخفيف الذي ليس عنده كبِيرُ حِلمٍ ولا أَصالةٍ؛ عن كراع، والأُنثى بالهاء. وعَذا يَعْذُو إذا طابَ هَواؤه.
[عذا]العِذْيُ بالتسكين: الزرع الذي لا يسقيه إلا ماء المطر. والعذى أيضا: اسم موضع. والعَذاةُ: الأرض الطيِّبة التربة، والجمع عَذَواتٌ. قال ذو الرمّة: بأرضٍ هِجانِ التُرْبِ وسْمِيَّةِ الثَرى * عَذاةٍ نأَتْ عنها المُلوحَةُ والبَحْرُ وكذلك أرض عذية مثل خربة.
[عذا]في ح البصرة: فأنزل "عذواتها" ولا تنزل سرتها، جمع عذاة: أرض طيبة تربة بعيدة من المياه والسباخ. باب العين مع الراء
ع ذ ا: (الْعِذْيُ) بِالْكَسْرِ وَسُكُونِ الذَّالِ الزَّرْعُ الَّذِي لَا يَسْقِيهِ إِلَّا مَاءُ الْمَطَرِ.
(عذا) الْبَلَد عذوا طَابَ هواؤه
(الْعَذَاب) الْعقَاب والنكال وكل مَا شقّ على النَّفس وَفِي الحَدِيث (السّفر قِطْعَة من الْعَذَاب) (ج) أعذبة
(العذار) عذار الْغُلَام جَانب لحيته وَمَا سَالَ من اللجام على خد الْفرس وَيُقَال خلع فلَان عذاره انهمك فِي الغي وَلم يستح ولوى عَنهُ عذاره تمرد عَلَيْهِ وَطَعَام الْخِتَان وشفرنا النصل (ج) عذر وَيُقَال فلَان شَدِيد العذار ومستمر العذار يُرَاد شدَّة الْعَزِيمَة وعذارا الْحَائِط وَالطَّرِيق والوادي جانباه وعذار من النّخل وَالشَّجر والرمل خطّ مِنْهُ مستطيل يُقَال غرس فِي كرمه عذارا من الشّجر سكَّة مصطفة
(العذاة) الأَرْض الطّيبَة التربة الْكَرِيمَة المنبت والبعيدة من المَاء والوخم والوباء (ج) عذوات وعذا قَالَ حُذَيْفَة لرجل (إِن كنت لَا بُد نازلا بِالْبَصْرَةِ فَانْزِل عذواتها وَلَا تنزل سرتها)
الناقَةُ الشَّديدةُ الأمينةُ الوَثِيْقَةُ الظَّهْرِ. العُذَافِرُ كَوكَبُ الذَّنَبِ. وقَرِيُّ الماءِ الطَّويلُ القَليلُ العَرْضِ.
عذافر: عُذافِر، وهي عُذافرة (رأيت ص86، البيت الخامس من ديوان جرير).
(عَذَا)(هـ) فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ «إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ نازِلاً بالبَصْرة فانْزِل عَلَى عَذَوَاتِها، وَلَا تَنْزِل سُرَّتها» جَمْعُ عَذَاة. وَهِيَ الأرْضُ الطَّيِّبة التُّرْبَة الْبَعِيدَةُ مِنَ الْمِيَاهِ وَالسِّبَاخِ.
دَيْر العَذَارى:
قال أبو الفرج الأصبهاني: هو بين أرض الموصل وبين أرض باجرمى من أعمال الرّقة، وهو دير عظيم قديم، وبه نساء عذارى قد ترهَّبن وأقمن به للعبادة فسمي به لذلك، وكان قد بلغ بعض الملوك أنّ فيه نساء ذوات جمال، فأمر بحملهنّ إليه ليختار منهنّ على عينه من يريد، وبلغهنّ ذلك فقمن ليلتهنّ يصلّين ويستكفين شرّه، فطرق ذلك الملك طارق فأتلفه من ليلته فأصبحن صياما، فلذلك يصوم النصارى الصوم المعروف بصوم العذارى إلى الآن، هكذا ذكر، والشعر المنقول في دير العذارى يدلّ على أنه بنواحي دجيل ولعلّ هذا غير ذلك، وقال الشابشتي: دير العذارى بين سرّ من رأى والحظيرة، وقال الخالدي: وشاهدته وبه نسوة عذارى وحانات خمر، وإنّ دجلة أتت عليه بمدودها فأذهبته حتى لم يبق منه أثر، وذكر أنه اجتاز به في سنة 320 وهو عامر، وأنشد أبو الفرج، والخالدي لجحظة فيه:
ألا هل إلى دير العذارى ونظرة ... إلى الخير من قبل الممات سبيل؟
وهل لي بسوق القادسية سكرة ... تعلّل نفسي والنسيم عليل؟
وهل لي بحانات المطيرة وقفة ... أراعي خروج الزّقّ وهو حميل
إلى فتية ما شتّت العزل شملهم، ... شعارهم عند الصباح شمول
وقد نطق الناقوس بعد سكوته، ... وشمعل قسّيس ولاح فتيل
يريد انتصابا للمقام بزعمه، ... ويرعشه الإدمان فهو يميل
يغنّي وأسباب الصواب تمدّه، ... وليس له فيما يقول عديل
ألا هل إلى شمّ الخزامى ونظرة ... إلى قرقرى قبل الممات سبيل؟
وثنّى يغنّي وهو يلمس كأسه، ... وأدمعه في وجنتيه تسيل
سيعرض عن ذكري وينسى مودّتي، ... ويحدث بعدي للخليل خليل
سقى الله عيشا لم يكن فيه علقة ... لهمّ ولم ينكر عليه عذول
لعمرك ما استحملت صبرا لفقده، ... وكلّ اصطبار عن سواه جميل
وقال أبو الفرج: ودير العذارى بسرّ من رأى إلى
الآن موجود يسكنه الرواهب فجعلهما اثنين، وحدّث الجاحظ في كتاب المعلّمين قال: حدثني ابن فرج الثعلبي أن فتيانا من بني ملّاص من ثعلبة أرادوا القطع على مال يمرّ بهم قرب دير العذارى فجاءهم من خبّرهم أن السلطان قد علم بهم وأن الخيل قد أقبلت تريدهم فاستخفوا في دير العذارى فلما حصلوا فيه سمعوا أصوات حوافر الخيل التي تطلبهم وهي راجعة من الطلب فأمنوا فقال بعضهم لبعض: ما الذي يمنعكم أن تأخذوا القسّ وتشدّوه وثاقا ثم يخلو كل واحد منكم بواحدة من هذه الأبكار فإذا طلع الفجر تفرّقنا في البلاد وكنا جماعة بعدد الأبكار اللواتي كنّ أبكارا في حسابنا، ففعلنا ما اجتمعنا عليه فوجدنا كلّهنّ ثيّبات قد فرغ منهنّ القسّ قبلنا، فقال بعضنا:
ودير العذارى فضوح لهنّ، ... وعند القسوس حديث عجيب
خلونا بعشرين صوفيّة، ... ونيك الرواهب أمر غريب
إذا هنّ يرهزن رهز الظراف، ... وباب المدينة فجّ رحيب
لقد بات بالدير ليل التّمام ... أيور صلاب وجمع مهيب
سباع تموج وزاقولة ... لها في البطالة حظّ رغيب
وللقسّ حزن يهيض القلوب، ... ووجد يدلّ عليه النحيب
وقد كان عيرا لدى عانة، ... فصبّ على العير ليث هيوب
وقال الشابشتي: دير العذارى أسفل الحظيرة على شاطئ دجلة، وهو دير حسن حوله بساتين، قال:
وببغداد أيضا دير يقال له دير العذارى في قطعة النصارى على نهر الدّجاج، وسمّي بذلك لأن لهم صوم ثلاثة أيام قبل الصوم الكبير يسمى صوم العذارى فإذا انقضى الصوم اجتمعوا على الدير فتقرّبوا فيه أيضا، وهو مليح طيب، قال: وبالحيرة أيضا دير العذارى. ودير العذارى أيضا: موضع بظاهر حلب في بساتينها ولا دير فيه، ولعلّه كان قديما.
عُذامَةُ:
بضم أوله، وهو فعالة من العدم أو العدم، قال الأصمعي: ولهم، يعني لبني جشم بن معاوية والبردان بن عمرو بن دهمان، عدامة، وهي طلوب أبعد ماء نعلمه بنجد قعرا، قال بعضهم:
لما رأيت أنه لا قامه ... وأنه يومك من عدامه
وأنه النّزع على السآمه ... نزعت نزعا زعزع الدّعامه
عِذَارٌ:
بالكسر، وآخره راء، والعذار: المستطيل من الأرض، وجمعه عذر، والعذار: موضع بين الكوفة والبصرة على طريق الطفوف ومنه يفضي إلى نهر ابن عمر، وفي حديث حاجب بن زرارة بن عدس التميمي لما رهن قوسه عند كسرى وقبلها منه كتب إلى عمال العذار بالإذن للعرب في الدخول إلى الريف، قال: والعذار ما بين الريف والبدو مثل العذيب ونحوها.
عَذَاةُ:
بالفتح، والعذاة: الأرض الطيبة التربة الكريمة النبت البعيدة عن الأحساء والنزوز والريف السهلة المريئة ولا تكون ذات وخامة: وهو موضع بعينه بدليل أن الشاعر لم يصرفه فقال:
تحنّ قلوصي من عذاة إلى نجد، ... ولم ينسها أوطانها قدم العهد
وقد هجت نصبا من تذكّر ما مضى، ... وأعديتني لو كان هذا الهوى يعدي
وأذكرتني قوما أصبّ إليهم، ... وأشتاقهم في القرب مني وفي البعد
أولئك قوم لو لجأت إليهم ... لكنت مكان السيف من وسط الغمد
عَذَّافَة
من (ع ذ ف) التي تصيب من الطعام والشراب شيئا كثيرا.
عَذَابِيّ
من (ع ذ ب) نسبة إلى عَذَاب.
عِذَاب
من (ع ذ ب) العَذْب: السائغ من الطعام والشراب.
عَذَّاب
من (ع ذ ب) الكثير المنع والكف، والتارك للطعام من شدة العطش.
عَذَاب
من (ع ذ ب) كل ما شق على النفس والعقاب والنكال.
ذَعْذَاع
من (ذ ع ذ ع) المذياع للسر النمام.
العُذَافِرُ، كعُلابِطٍ: الأَسَدُ، والعظيمُ الشديدُ من الإِبِلِ،كالعَذَوْفَرِ، وهي: بهاءٍ، واسْمُ رجلٍ.وتَعَذْفَرَ: تَغَضَّبَ.
عَذا البَلَدُ يَعْذُو: طابَ هواؤُهُ.والعَذاةُ: الأرضُ الطَّيِّبَةُ البعيدةُ من الماءِ والوَخَمِ،كالعَذِيَةِج: عَذَواتٌ، وقد عَذُوَتْ وعَذِيَتْ أحْسَنَ العَذاة.
العذاب: كل مؤلم للنفس إذا كان جزاء على سوء، واشتقاقه من عذب الشيء إذا استمر وجرى، فالألم يستمر في النفس، ويتغلغل فيها. وقيل العذاب إيلام لا إخبار فيه، وقيل أصله عند العرب الضرب ثم استعمل في عقوبة مؤلمة، واستعير للأمور الشاقة فقيل "السفر قطعة من العذاب" .
العَذاب: كل ما شقَّ على الإنسان ومنعه من مراده، وفي المفردات: "هو الإيجاع الشديد".
العِذَار: رأس الخدِّ، وعِذار اللحية: جانباها أي الشعرُ الذي يُحاذي الأذن.

بحث: المولى العذاري، والمولى لطفي

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

بحث: المولى العذاري، والمولى لطفي
في السبع الشداد له، وأجوبته للعذارى.
جرى ذلك في مجلس قد عقده بعض الوزراء لذلك، فظهر العذاري عليه غلبة فاحشة؛ ثم عقد بعده مجالس للمباحثة من مواضع آخر، لكن العذاري أجاب عن الأسئلة المذكورة في رسالته، ولم يقدر على دفعها، كذا قال صاحب (الشقائق).

بَاب الْعَذَاب

المخصص

العَذاب - مَا يُعَنّف بِهِ الْإِنْسَان وَقد عذّبْته.
أَبُو عبيد: وَهُوَ الغَرام وَأنْشد: إنْ يعاقِبْ يكُن غَراماً وإنْ يُعْ طِ جَزيلاً فإنّه لَا يُبالي صَاحب الْعين: نكّلْت بفلان - إِذا صنعْت بِهِ صَنيعاً يحذَره غيرُه مِنْك إِذا رَآهُ والنّكال والمنْكَل - مَا نكأتَ بِهِ غيرَك كَائِنا مَا كَانَ.
ابْن دُرَيْد: رَمَاه الله بنُكْلة - أَي بِمَا يُنكِّلُه والنِّكْل هُوَ - الْقَيْد الشَّديد من أَي شَيْء كَانَ أُخِذ وَفِي التَّنْزِيل) إنّ لديْنا أنْكالاً (وكلّ مَا نكّلْت بِهِ شَيْئا فَهُوَ نِكْل لَهُ ونكّل بِهِ نَكْلة قبيحة والرِجْس والرِجْز والرُجْز - الْعَذَاب.
أَبُو زيد: مثّلْت بِالرجلِ أمثُل مثْلاً ومثّلْت - نكّلْت بِهِ وَهِي المُثْلَة والمَثُلة.
صدر فيها كتاب عن أسرة روز اليوسف بعنوان: "نهاد جاد: أيام وأحلام" يضم مقالاتها وتحقيقاتها التي نشرتها على صفحات مجلة "صباح الخير"، وعن رحلاتها خارج مصر إلى أمريكا والهند، إلى جانب مرثية كتبها زوجها حول حياته معها.

نوح العذاري
(1341 - 1412 هـ) (1922 - 1992 م)
خبير قانوني.
ولد ببلدة أكودة بالساحل في تونس، وعمل مستشاراً قانونياً لوزارة الشؤون الاجتماعية، كما ساهم في إعداد جل النصوص القانونية في ميدان الضمان الاجتماعي ومجلة الشغل.
له العديد من الدراسات والبحوث في ميدان تخصصه.

ومن أهم مؤلفاته:
- الكامل في الضمان الاجتماعي.
- الكامل في قانون

أَرْضُ الْعَذَابِ

الموسوعة الفقهية الكويتية

اُنْظُرْ: أَرْض
أَرْضُ الْعَرَبِ
التَّعْرِيفُ
1 - أَرْضُ الْعَرَبِ تُسَمَّى أَيْضًا جَزِيرَةَ الْعَرَبِ. وَقَدْ وَرَدَ الاِسْمَانِ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَ كِلاَ اللَّفْظَيْنِ:
وَيُطْلَقُ كُلٌّ مِنْهُمَا لُغَةً عَلَى، الإِْقْلِيمِ الَّذِي يَسْكُنُهُ الْعَرَبُ، وَاَلَّذِي هُوَ شِبْهُ جَزِيرَةٍ يُحِيطُ بِهَا بَحْرُ الْقُلْزُمِ (الْبَحْرُ الأَْحْمَرُ) مِنْ غَرْبِيِّهَا، وَبَحْرُ الْعَرَبِ مِنْ جَنُوبِيِّهَا، وَخَلِيجُ الْبَصْرَةِ (الْخَلِيجُ الْعَرَبِيُّ) مِنْ شَرْقِيِّهَا. وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الشَّمَال فَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّهَا، فَقَدْ نَقَل صَاحِبُ مُعْجَمِ الْبُلْدَانِ عَنِ ابْنِ الأَْعْرَابِيِّ عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ، فِي تَحْدِيدِ جَزِيرَةِ
الْعَرَبِ أَنَّهَا مِنَ الْعُذَيْبِ (1) إِلَى حَضْرَمَوْتَ. قَال ابْنُ الأَْعْرَابِيِّ: مَا أَحْسَنَ هَذَا. وَعَنِ الأَْصْمَعِيِّ: جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مَا بَيْنَ عَدَنِ أَبْيَنَ إِلَى رِيفِ الْعِرَاقِ فِي الطُّول (2) ، وَالْعَرْضِ مِنَ الأُْبُلَّةِ (3) إِلَى جُدَّةَ.
قَال يَاقُوتٌ: وَجَزِيرَةُ الْعَرَبِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: الْيَمَنُ، وَنَجْدٌ، وَالْحِجَازُ، وَالْغَوْرُ (أَيْ تِهَامَةُ) .
فَمِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ الْحِجَازُ وَمَا جَمَعَهُ، وَتِهَامَةُ، وَالْيَمَنُ، وَسَبَأُ، وَالأَْحْقَافُ، وَالْيَمَامَةُ، وَالشَّحْرُ، وَهَجْرُ، وَعَمَّانُ، وَالطَّائِفُ، وَنَجْرَانُ، وَالْحَجَرُ، وَدِيَارُ ثَمُودَ، وَالْبِئْرُ الْمُعَطَّلَةُ وَالْقَصْرُ الْمَشِيدُ، وَإِرَمُ ذَاتُ الْعِمَادِ، وَأَصْحَابُ الأُْخْدُودِ، وَدِيَارُ كِنْدَةَ، وَجِبَال طَيِّئٍ، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ.
وَاَلَّذِي قَالَهُ الْهَيْثَمُ وَالأَْصْمَعِيُّ هُوَ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَال: " جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مَا بَيْنَ الْوَادِي إِلَى أَقْصَى الْيَمَنِ إِلَى تُخُومِ الْعِرَاقِ إِلَى الْبَحْرِ (4) ".
وَبَيَّنَ الْخَلِيل أَنَّ أَرْضَ الْعَرَبِ قِيل لَهَا جَزِيرَةُ الْعَرَبِ؛ لأَِنَّ الْبِحَارَ وَنَهْرَ الْفُرَاتِ قَدْ أَحَاطَتْ بِهَا، وَنُسِبَتْ إِلَى الْعَرَبِ؛ لأَِنَّهَا أَرْضُهَا وَمَسْكَنُهَا وَمَعْدِنُهَا (5) . وَقَال الْبَاجِيُّ: " قَال مَالِكٌ: جَزِيرَةُ الْعَرَبِ
مَنْبَتُ الْعَرَبِ. قِيل لَهَا جَزِيرَةُ الْعَرَبِ، لإِِحَاطَةِ الْبَحْرِ وَالأَْنْهَارِ بِهَا "
. (6)
وَفِي الْمُغْنِي: قَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ: " جَزِيرَةُ الْعَرَبِ الْمَدِينَةُ وَمَا وَالاَهَا "، يَعْنِي أَنَّ الْمَمْنُوعَ مِنْ سُكْنَى الْكُفَّارِ هُوَ الْمَدِينَةُ وَمَا وَالاَهَا، وَهُوَ مَكَّةُ وَالْيَمَامَةُ وَخَيْبَرُ وَيَنْبُعُ وَفَدَكُ وَمَخَالِيفُهَا (7) ؛ لأَِنَّهُمْ لَمْ يُجْلُوا مِنْ تَيْمَاءَ وَلاَ مِنَ الْيَمَنِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَة بْنِ الْجَرَّاحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: أَخْرِجُوا يَهُودَ أَهْل الْحِجَازِ وَأَهْل نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ. (8)
وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ: " قَال بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي الإِْمَامَ أَحْمَدَ - عَنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَقَال: إِنَّمَا الْجَزِيرَةُ مَوْضِعُ الْعَرَبِ، وَأَمَّا مَوْضِعٌ يَكُونُ فِيهِ أَهْل السَّوَادِ وَالْفُرْسِ فَلَيْسَ هُوَ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ. مَوْضِعُ الْعَرَبِ الَّذِي يَكُونُونَ فِيهِ " وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ أَيْضًا: " قَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُول فِي حَدِيثٍ لاَ يَبْقَى دِينَانِ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ تَفْسِيرُهُ: مَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ فَارِسَ وَالرُّومِ. قِيل لَهُ: مَا كَانَ خَلْفَ الْعَرَبِ؟ قَال: نَعَمْ. " (9)
فَكَأَنَّ الإِْمَامَ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ النُّصُوصِ الْمَنْقُولَةِ عَنْهُ يَذْهَبُ إِلَى تَعْرِيفٍ آخَرَ لِلْجَزِيرَةِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَيَقُول ابْنُ الْقَيِّمِ: حَدِيثُ ابْنِ عُبَيْدَةَ
صَرِيحٌ فِي أَنَّ أَرْضَ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ (10) .
الأَْحْكَامُ الْخَاصَّةُ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ:
2 - لَمَّا كَانَتْ أَرْضُ الْعَرَبِ مَنْبَتَ الإِْسْلاَمِ وَعَرِينَهُ، وَفِيهَا بَيْتُ اللَّهِ وَمَهْبِطُ الْوَحْيِ، فَقَدِ اخْتُصَّتْ عَنْ سَائِرِ الْبِلاَدِ الإِْسْلاَمِيَّةِ بِأَرْبَعَةِ أَحْكَامٍ:
الأَْوَّل: أَنَّهَا لاَ يَسْكُنُهَا غَيْرُ الْمُسْلِمِينَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لاَ يُدْفَنُ بِهَا أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا لاَ يَبْقَى فِيهَا دَارُ عِبَادَةٍ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهَا لاَ يُؤْخَذُ مِنْ أَرْضِهَا خَرَاجٌ.
وَفِي كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الأَْحْكَامِ تَفْصِيلٌ سَيَأْتِي.
مَا يُمْنَعُ الْكُفَّارُ مِنْ سُكْنَاهُ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ:
3 - وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَادِيثُ فِي مَنْعِ الْكُفَّارِ مِنْ سُكْنَى الأَْرْضِ الَّتِي يَفْتَحُهَا الْمُسْلِمُونَ:
مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَال: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ، إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الْمِدْرَاسِ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَنَادَاهُمْ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا. فَقَالُوا: بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقَال: ذَلِكَ أُرِيدُ. ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ. فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. ثُمَّ قَال الثَّالِثَةَ. فَقَال: اعْلَمُوا أَنَّ الأَْرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ، فَمَنْ وَجَدَ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ، وَإِلاَّ فَاعْلَمُوا أَنَّ الأَْرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ (11)
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ هَذَا الْحُكْمُ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، عَلَى أَقْوَالٍ:
4 - الأَْوَّل: وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، أَنَّ الْكُفَّارَ يُمْنَعُونَ مِنْ سُكْنَى جَزِيرَةِ الْعَرَبِ كُلِّهَا (12) ، أَخْذًا بِظَاهِرِ الأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ وَمِنْهَا:
حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: لأَُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لاَ أَدَعَ إِلاَّ مُسْلِمًا. (13)
وَحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: آخِرُ مَا عَهِدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ يُتْرَكُ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ (14) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: لاَ يَجْتَمِعُ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ (15) ، وَرَوَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: قَاتَل اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ لاَ يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ} (16)
قَال ابْنُ الْهُمَامِ: " لاَ يُمَكَّنُونَ - يَعْنِي أَهْل الذِّمَّةِ مِنَ السُّكْنَى فِي أَمْصَارِ الْعَرَبِ وَقُرَاهَا، بِخِلاَفِ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي لَيْسَتْ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، يُمَكَّنُونَ مِنْ سُكْنَاهَا (17) . " وَفِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ "
فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ لِلشُّرُنْبُلاَلِيِّ: يُمْنَعُونَ مِنِ اسْتِيطَانِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ؛ لأَِنَّهُمَا مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ.
قَال النَّبِيُّ ﷺ: لاَ يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ثُمَّ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: قَوْلَهُ: لأَِنَّهُمَا مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ، أَفَادَ أَنَّ الْحُكْمَ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَيْهِمَا، بَل جَزِيرَةُ الْعَرَبِ كُلُّهَا كَذَلِكَ، كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ (18) "
.
وَقَال الْقُرْطُبِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ بَرَاءَةَ: أَمَّا جَزِيرَةُ الْعَرَبِ وَهِيَ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَالْيَمَنُ وَمَخَالِيفُهَا، فَقَال مَالِكٌ: يُخْرَجُ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كُل مَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ الإِْسْلاَمِ، وَلاَ يُمْنَعُونَ مِنَ التَّرَدُّدِ بِهَا مُسَافِرِينَ (19) .
5 - الرَّأْيُ الثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، أَنَّ الْمُرَادَ بِأَرْضِ الْعَرَبِ لَيْسَ كُل مَا تَشْمَلُهُ (جَزِيرَةُ الْعَرَبِ) فِي اللُّغَةِ، بَل أَرْضُ الْحِجَازِ خَاصَّةً. وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، قَال: آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: أَخْرِجُوا يَهُودَ أَهْل الْحِجَازِ وَأَهْل نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ (20)
وَفِي الْمُوَطَّأِ: قَدْ أَجْلَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَهُودَ نَجْرَانَ وَفَدَكٍ. فَأَمَّا يَهُودُ خَيْبَرَ فَخَرَجُوا مِنْهَا لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الثَّمَرِ وَلاَ مِنَ الأَْرْضِ شَيْءٌ. وَأَمَّا يَهُودُ فَدَكٍ فَكَانَ لَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ وَنِصْفُ الأَْرْضِ؛ لأَِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ صَالَحَهُمْ عَلَى نِصْفِ الثَّمَرِ وَنِصْفِ الأَْرْضِ، فَأَقَامَ لَهُمْ عُمَرُ نِصْفَ الثَّمَرِ وَنِصْفَ الأَْرْضِ قِيمَةً مِنْ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ وَإِبِلٍ وَحِبَالٍ وَأَقْتَابٍ،
ثُمَّ أَعْطَاهُمُ الْقِيمَةَ وَأَجْلاَهُمْ مِنْهَا (21) .
وَقَدْ خَصَّصُوا عُمُومَ الأَْحَادِيثِ الأُْخْرَى السَّابِقَةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَبِفِعْل عُمَرَ فِي مَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: فَأَمَّا إِخْرَاجُ أَهْل نَجْرَانَ مِنْهُ فَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَالَحَهُمْ عَلَى تَرْكِ الرِّبَا، فَنَقَضُوا عَهْدَهُ. فَكَأَنَّ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ فِي تِلْكَ الأَْحَادِيثِ أُرِيدَ بِهَا الْحِجَازُ. وَلاَ يُمْنَعُونَ أَيْضًا مِنْ أَطْرَافِ الْحِجَازِ كَتَيْمَاءَ وَفَيْدٍ؛ لأَِنَّ عُمَرَ لَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْ ذَلِكَ (22) .
قَال الشَّافِعِيُّ: " إِنْ سَأَل مَنْ تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ أَنْ يُعْطِيَهَا وَيَجْرِيَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ، عَلَى أَنْ يَسْكُنَ الْحِجَازَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَالْحِجَازُ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَمَخَالِيفُهَا كُلُّهَا، لأَِنَّ تَرْكَهُمْ يَسْكُنُونَ الْحِجَازَ مَنْسُوخٌ. وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ اسْتَثْنَى عَلَى أَهْل خَيْبَرَ حِينَ عَامَلَهُمْ فَقَال: نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ (23) ثُمَّ أَمَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِإِجْلاَئِهِمْ مِنَ الْحِجَازِ. وَلاَ يَجُوزُ صُلْحُ ذِمِّيٍّ عَلَى أَنْ يَسْكُنَ الْحِجَازَ بِحَالٍ ". وَقَال: " لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ أَحَدًا أَجْلَى أَحَدًا مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ مِنَ الْيَمَنِ، وَقَدْ كَانَتْ بِهَا ذِمَّةٌ، وَلَيْسَتْ بِحِجَازٍ، فَلاَ يُجْلِيهِمْ أَحَدٌ مِنَ الْيَمَنِ، وَلاَ بَأْسَ أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى مُقَامِهِمْ بِالْيَمَنِ (24) ".
وَقَال الْغَزَالِيُّ فِي الْوَجِيزِ: " يُقَرُّونَ فِي سَائِرِ الْبِلاَدِ إِلاَّ بِالْحِجَازِ، وَهِيَ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَنَجْدٌ
وَمَخَالِيفُهَا وَالْوَجُّ وَالطَّائِفُ وَخَيْبَرُ مِنْ مَخَالِيفِ الْمَدِينَةِ، وَهَل يَدْخُل الْيَمَنُ فِي ذَلِكَ؟ فِيهِ خِلاَفٌ، إِذْ قِيل تَنْتَهِي جَزِيرَةُ الْعَرَبِ إِلَى أَطْرَافِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ (25) "
.
وَذَكَرَ الرَّمْلِيُّ الأَْحَادِيثَ فِي إِخْرَاجِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، ثُمَّ قَال: " لَيْسَ الْمُرَادُ جَمِيعَ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ بَل الْحِجَازُ مِنْهَا، لأَِنَّ عُمَرَ أَجْلاَهُمْ مِنْهُ، وَأَقَرَّهُمْ بِالْيَمَنِ مَعَ أَنَّهُ مِنْهَا. وَهُوَ - أَيِ الْحِجَازُ - مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَقُرَاهَا، كَالطَّائِفِ وَجُدَّةَ وَخَيْبَرَ، وَيَنْبُعَ (26) ".
بَحْرُ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْجُزُرِ:
6 - قَال الشَّافِعِيُّ: " لاَ يُمْنَعُ أَهْل الذِّمَّةِ مِنْ رُكُوبِ بَحْرِ الْحِجَازِ - أَيْ عَلَى سَبِيل الْعُبُورِ - وَيُمْنَعُونَ مِنَ الْمُقَامِ فِي سَوَاحِلِهِ. وَكَذَا إِنْ كَانَتْ فِي بَحْرِ الْحِجَازِ جَزَائِرُ وَجِبَالٌ تُسْكَنُ مُنِعُوا مِنْ سُكْنَاهَا؛ لأَِنَّهَا مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ (27) ". وَصَرَّحَ الرَّمْلِيُّ بِأَنَّ الْجُزُرَ يُمْنَعُونَ مِنْ سُكْنَاهَا، مَسْكُونَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مَسْكُونَةٍ. وَقَال: قَال الْقَاضِي: لاَ يُمَكَّنُونَ مِنَ الإِْقَامَةِ فِي مَرْكَبٍ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، أَيْ إِذَا كَانَ بِمَوْضِعٍ وَاحِدٍ (28) .
وَلَمْ نَجِدْ لِغَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ تَعَرُّضًا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (29) .
شُمُول الْمَنْعِ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ:
7 - مَنْعُ الْكُفَّارِ مِنْ سُكْنَى جَزِيرَةِ الْعَرَبِ شَامِلٌ لِجَمِيعِهِمْ مَهْمَا كَانَتْ دِيَانَتُهُمْ، أَوْ صِفَاتُهُمْ، وَهُوَ مَا دَل عَلَيْهِ حَدِيثُ: لاَ يَبْقَى دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ (30)
دُخُول الْكَافِرِ أَرْضَ الْعَرَبِ
لِغَيْرِ الإِْقَامَةِ وَالاِسْتِيطَانِ:
8 - يَرَى الْجُمْهُورُ، وَمَعَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْكَافِرِ دُخُول الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ بِحَالٍ. وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ بِصُلْحٍ أَوْ إِذْنٍ. وَلِمَعْرِفَةِ تَفْصِيل ذَلِكَ (ر: حَرَم) . وَأَمَّا حَرَمُ الْمَدِينَةِ فَإِنَّهُ لاَ يُمْنَعُ مِنْ دُخُولِهِ لِرِسَالَةٍ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ حَمْل مَتَاعٍ. وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ (31)) .
9 - وَأَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ - مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ - فَلاَ يَدْخُلُهُ الْكَافِرُ إِلاَّ بِإِذْنٍ أَوْ صُلْحٍ. وَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ.
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ دَخَل - أَيِ الذِّمِّيُّ - أَرْضَ الْعَرَبِ لِتِجَارَةٍ جَازَ، وَلاَ يُطِيل، فَيُمْنَعُ أَنْ يُطِيل فِيهَا الْمُكْثَ، حَتَّى يَتَّخِذَ فِيهَا مَسْكَنًا؛ لأَِنَّ حَالَهُمْ فِي الْمُقَامِ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ مَعَ الْتِزَامِ الْجِزْيَةِ، كَحَالِهِمْ فِي غَيْرِهَا بِلاَ جِزْيَةٍ، وَهُنَاكَ لاَ يُمْنَعُونَ مِنَ التِّجَارَةِ، بَل مِنْ إِطَالَةِ الْمُقَامِ، فَكَذَلِكَ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ. وَقَدْ قَدَّرَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِسَنَةٍ. قَال صَاحِبُ الاِخْتِيَارِ: لأَِنَّهَا مُدَّةٌ تَجِبُ فِيهَا الْجِزْيَةُ، فَتَكُونُ الإِْقَامَةُ لِمَصْلَحَةِ الْجِزْيَةِ (32) .
10 - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لأَِهْل الذِّمَّةِ الاِجْتِيَازُ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فِي سَفَرِهِمْ لِتِجَارَةٍ وَنَحْوِهَا، وَإِقَامَةِ الأَْيَّامِ، كَالثَّلاَثَةِ لِمَصَالِحِهِمْ إِنْ دَخَلُوهَا لِمَصْلَحَةٍ، كَبَيْعِ طَعَامٍ وَغَيْرِهِ. قَال الصَّاوِيُّ: وَلَيْسَتِ الثَّلاَثَةُ قَيْدًا، بَل الْمَدَارُ عَلَى الإِْقَامَةِ لِلْمَصَالِحِ، وَالْمَمْنُوعُ الإِْقَامَةُ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ (33) . وَعِبَارَةُ الْعَدَوِيِّ عَلَى قَوْل الْخَرَشِيِّ: (وَضَرَبَ لَهُمْ عُمَرُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ) قَال: " الظَّاهِرُ أَنَّ تَخْصِيصَ الثَّلاَثَةِ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِ الثَّلاَثَةِ إِذْ ذَاكَ مَظِنَّةٌ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَإِلاَّ فَلَوْ كَانَتِ الْحَاجَةُ تَقْتَضِي أَكْثَرَ لَكَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ". قَال الصَّاوِيُّ: وَظَاهِرُهُ أَنَّ لَهُمُ الْمُرُورَ عَابِرِينَ وَلَوْ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ. وَفِي الْمُنْتَقَى لِلْبَاجِيِّ: قَال مَالِكٌ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ إِذَا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ: يُضْرَبُ لَهُمْ أَجَلٌ ثَلاَثُ لَيَالٍ، يَسْتَقُونَ وَيَنْظُرُونَ فِي حَوَائِجِهِمْ، وَقَدْ ضَرَبَ لَهُمْ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ.
11 - أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلاَتٌ أَوْسَعُ، قَالُوا: إِنِ اسْتَأْذَنَ الْكَافِرُ فِي دُخُول الْحِجَازِ أُذِنَ لَهُ إِنْ كَانَ دُخُولُهُ لِمَصْلَحَةٍ، كَرِسَالَةٍ وَحَمْل مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ كَثِيرًا مِنْ طَعَامٍ وَغَيْرِهِ، وَكَإِرَادَةِ عَقْدِ جِزْيَةٍ أَوْ هُدْنَةٍ لِمَصْلَحَةٍ. وَهُنَا لاَ يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ فِي مُقَابَلَةِ دُخُولِهِ. أَمَّا مَعَ عَدَمِ الْمَصْلَحَةِ فَلاَ يُؤْذَنُ لَهُ، فَإِنْ كَانَ دُخُولُهُ لِتِجَارَةٍ لَيْسَ فِيهَا كَبِيرُ حَاجَةٍ، لَمْ يَجُزِ الإِْذْنُ لَهُ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْكَافِرُ ذِمِّيًّا، وَبِشَرْطِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنَ الْبِضَاعَةِ أَوْ ثَمَنِهَا.
وَلاَ يُقِيمُ بِالْحِجَازِ حَيْثُ دَخَلَهُ، إِلاَّ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ فَأَقَل، غَيْرَ يَوْمَيْ دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ، اقْتِدَاءً بِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. فَإِنْ أَقَامَ بِمَحَلٍّ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ
بِآخَرَ مِثْلَهَا، وَهَكَذَا، لَمْ يُمْنَعْ، إِنْ كَانَ بَيْنَ كُل مَحَلَّيْنِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ (34) .
وَالشَّافِعِيُّ يَقُول: وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ لاَ يَدْخُل الْحِجَازَ مُشْرِكٌ بِحَالٍ، وَلَوْلاَ مَا رَأَى عُمَرُ مِنْ أَنَّ أَجَل مَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ تَاجِرًا ثَلاَثٌ، لاَ يُقِيمُ فِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ، لَرَأَيْتُ أَنْ لاَ يُصَالَحُوا بِدُخُولِهَا بِكُل حَالٍ (35) .
12 - وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فِي الإِْقَامَةِ أَكْثَرُ مِنْ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ. وَقَال الْقَاضِي: أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ حَدُّ مَا يَتِمُّ الْمُسَافِرُ الصَّلاَةَ، وَقَالُوا كَالشَّافِعِيَّةِ: إِنْ أَقَامُوا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ أُخْرَى جَازَ (36) .
تَجَاوُزُ الْمُدَّةِ الْمَأْذُونِ فِيهَا:
13 - يَنُصُّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ أُذِنَ لَهُ مِنَ الْكُفَّارِ بِدُخُول شَيْءٍ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ - عَلَى الاِخْتِلاَفِ السَّابِقِ - فَزَادَ فِي الإِْقَامَةِ عَلَى الْمَأْذُونِ فِيهِ يُعَزَّرُ، مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ. وَالأَْعْذَارُ الَّتِي ذَكَرُوهَا لِتَمْدِيدِ الإِْقَامَةِ فِي أَرْضِ الْحِجَازِ - سِوَى الْحَرَمِ - ثَلاَثَةٌ:
أ - الدَّيْنُ:
14 - قَال الْحَنَابِلَةُ: أَنْ يَكُونَ دَخَل بِتِجَارَةٍ فَصَارَ لَهُ دَيْنٌ، وَحِينَئِذٍ إِنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا يُمْنَعُ مِنَ الإِْقَامَةِ إِنْ أَمْكَنَ التَّوْكِيل، وَإِلاَّ أُجْبِرَ غَرِيمُهُ عَلَى وَفَائِهِ لِيَخْرُجَ. فَإِنْ تَعَذَّرَ جَازَتِ الإِْقَامَةُ لاِسْتِيفَائِهِ؛ لأَِنَّ الْعُذْرَ مِنْ غَيْرِهِ، وَفِي إِخْرَاجِهِ قَبْل اسْتِيفَائِهِ ذَهَابُ مَالِهِ. وَسَوَاءٌ أَكَانَ التَّعَذُّرُ لِمَطْلٍ أَوْ
تَغَيُّبٍ أَوْ غَيْرِهِمَا.
وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلاً لَمْ يُمَكَّنْ مِنَ الإِْقَامَةِ حَتَّى يَحِل؛ لِئَلاَّ يَتَّخِذَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً لِلإِْقَامَةِ، وَيُوَكِّل مَنْ يَسْتَوْفِيهِ لَهُ إِذَا حَل (37) .
وَلَمْ نَجِدْ أَحَدًا مِنْ أَهْل الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى تَعَرَّضَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
ب - بَيْعُ الْبِضَاعَةِ:
15 - قَال الْحَنَابِلَةُ: إِنِ احْتَاجَ إِلَى أَيَّامٍ أُخْرَى لِيَبِيعَ بِضَاعَتَهُ وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: يُحْتَمَل أَنْ تَجُوزَ إِقَامَتُهُ؛ لأَِنَّ فِي تَكْلِيفِهِ تَرْكَهَا أَوْ حَمْلَهَا مَعَهُ ضَيَاعَ مَالِهِ، وَذَلِكَ مِمَّا يُمْنَعُ مِنَ الدُّخُول بِالْبَضَائِعِ إِلَى الْحِجَازِ، فَتَفُوتُ مَصْلَحَتُهُمْ، وَتَلْحَقُهُمُ الْمَضَرَّةُ بِانْقِطَاعِ الْجَلْبِ عَنْهُمْ. وَيُحْتَمَل أَنْ يُمْنَعَ مِنَ الإِْقَامَةِ، لأَِنَّ لَهُ مِنَ الإِْقَامَةِ بُدًّا (38) .
ج - الْمَرَضُ:
16 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ لَمْ تَعْظُمُ الْمَشَقَّةُ فِي نَقْلِهِ، وَلَمْ يَخَفْ زِيَادَةَ مَرَضِهِ، يُنْقَل حَتْمًا؛ لِحُرْمَةِ الْمَحَل.
وَإِنْ عَظُمَتِ الْمَشَقَّةُ فِي نَقْلِهِ، فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يُتْرَكُ دَفْعًا لأَِعْظَمِ الضَّرَرَيْنِ.
وَنَصُّ الشَّافِعِيِّ: " يُمْهَل بِالإِْخْرَاجِ حَتَّى يَكُونَ مُحْتَمِلاً ". وَفِي قَوْلٍ لَهُمْ: يُنْقَل مُطْلَقًا (39) .
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، فَإِنَّ الْمَرَضَ عُذْرٌ يُجِيزُ إِقَامَتَهُ حَتَّى يَبْرَأَ مِنْ مَرَضِهِ؛ لأَِنَّ الاِنْتِقَال يَشُقُّ عَلَى الْمَرِيضِ. وَتَجُوزُ الإِْقَامَةُ أَيْضًا لِمَنْ يُمَرِّضُهُ، لِضَرُورَةِ إِقَامَتِهِ. وَفِي قَوْلٍ ذَكَرَهُ صَاحِبُ
الإِْنْصَافِ: إِنْ شَقَّ نَقْلُهُ جَازَ إِبْقَاؤُهُ، وَإِلاَّ فَلاَ (40) .
وَيُؤْخَذُ مِنَ النُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ مَنَاطَ الْحُكْمِ فِي الْبَقَاءِ وَعَدَمِهِ هُوَ الْمَشَقَّةُ، وَالْقَوَاعِدُ الْعَامَّةُ لِلشَّرِيعَةِ لاَ تَخْتَلِفُ مَعَ مَا نُقِل عَنِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
مَا يُشْتَرَطُ لِدُخُول الْكُفَّارِ أَرْضَ الْعَرَبِ:
17 - لَيْسَ لِلْكَافِرِ أَنْ يَدْخُل لِلإِْقَامَةِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ، عَلَى الأَْقْوَال الْمُتَقَدِّمَةِ فِي تَفْسِيرِهَا. وَلَيْسَ لِلإِْمَامِ أَنْ يَعْقِدَ الذِّمَّةَ لِكَافِرٍ بِشَرْطِ الإِْقَامَةِ بِهَا. وَحِينَئِذٍ إِنْ شَرَطَ هَذَا فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ، يَبْطُل الشَّرْطُ، فَلاَ يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَيَصِحُّ الْعَقْدُ. لَكِنْ لَهُ أَنْ يَعْقِدَ الذِّمَّةَ عَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا الذِّمِّيُّ لِلتِّجَارَةِ وَنَحْوِهَا، فِي حُدُودِ الأَْيَّامِ الثَّلاَثَةِ، فَإِنْ لَمْ يَعْقِدِ الذِّمَّةَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ فَلاَ يَجُوزُ دُخُولُهُ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَكَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ دُخُول سَائِرِ الْكُفَّارِ مِنَ الْحَرْبِيِّينَ إِلاَّ بِإِذْنِ الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ. كَمَا أَنَّ الْحَرْبِيِّينَ لاَ يَدْخُلُونَ سَائِرَ بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ إِلاَّ بِإِذْنِ الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ.
وَمَنْ دَخَل مِنْهُمْ دُونَ إِذْنٍ فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ وَيُخْرَجُ. قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّمَا يُعَزَّرُ إِنْ كَانَ عَالِمًا بِالْمَنْعِ. فَإِنْ كَانَ جَاهِلاً يُخْرَجُ وَلاَ يُعَزَّرُ، وَيُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ الْجَهْل.
وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ الإِْذْنَ فِي دُخُول أَهْل الذِّمَّةِ الْحِجَازَ (41) .
تَمَلُّكُ أَهْل الذِّمَّةِ شَيْئًا مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ:
18 - تَعَرَّضَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الرَّمْلِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، فَقَال: الصَّوَابُ مَعَ شِرَاءِ الْكَافِرِ أَرْضًا فِي الْحِجَازِ لَمْ يَقُمْ بِهَا؛ لأَِنَّ مَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ حَرُمَ اتِّخَاذُهُ، كَالأَْوَانِي الذَّهَبِيَّةِ وَالْفِضِّيَّةِ، وَآلاَتِ اللَّهْوِ. وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْل الشَّافِعِيِّ: وَلاَ يَتَّخِذُ الذِّمِّيُّ شَيْئًا مِنَ الْحِجَازِ دَارًا (42) .
إِقَامَةُ الْكُفَّارِ فِيمَا سِوَى الْحِجَازِ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ:
19 - لاَ يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ أَنْ يُقَرَّ بِأَرْضِ الْعَرَبِ أَحَدٌ مِنْ أَهْل الشِّرْكِ، وَعَبَدَةِ الأَْوْثَانِ، وَالدَّهْرِيِّينَ، وَنَحْوِهِمْ بِذِمَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا. وَلَكِنْ يَجُوزُ، عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ خَاصَّةً، أَنْ يُقِيمَ بِهَا - خَارِجَ الْحِجَازِ - أَهْل الذِّمَّةِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ (43) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (أَهْل الذِّمَّةِ) .
دَفْنُ الْكُفَّارِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ
20 - إِنْ دَخَل الذِّمِّيُّ الْحِجَازَ، فَمَاتَ فِيهِ، يُنْقَل وَلاَ يُدْفَنُ هُنَاكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. فَإِنْ تَعَذَّرَ نَقْلُهُ مِنْهُ لِنَحْوِ خَوْفِ تَغَيُّرٍ، يُدْفَنُ هُنَاكَ لِلضَّرُورَةِ - أَيْ فِيمَا عَدَا الْحَرَمِ، أَمَّا الْحَرَمُ فَفِيهِ تَشْدِيدٌ (ر: حَرَم) - وَهَذَا بِخِلاَفِ الْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ دَفْنُهُمَا فِي الْحِجَازِ بِحَالٍ. فَإِنْ آذَى رِيحُهُمَا غُيِّبَتْ جِيفَتُهُمَا (44) .
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُمْ جَوَازُ دَفْنِ الذِّمِّيِّ
بِالْحِجَازِ إِنْ مَاتَ بِهِ وَقَدْ دَخَل بِإِذْنٍ. وَفِي وَجْهٍ عِنْدَهُمْ: لاَ يُدْفَنُ بِهِ. وَفِي وَجْهٍ آخَرَ: إِنْ شَقَّ نَقْلُهُ جَازَ دَفْنُهُ. وَلَمْ يَنُصُّوا عَلَى دَفْنِ الْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ (45) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لَوْ دَخَل مُشْرِكٌ الْحَرَمَ مَسْتُورًا وَمَاتَ، نُبِشَ قَبْرُهُ وَأُخْرِجَتْ عِظَامُهُ، فَلَيْسَ لَهُمُ الاِسْتِيطَانُ وَلاَ الاِجْتِيَازُ.
وَأَمَّا جَزِيرَةُ الْعَرَبِ، وَهِيَ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَالْيَمَنُ وَمَخَالِيفُهَا، فَقَدْ قَال مَالِكٌ: يُخْرَجُ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كُل مَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ الإِْسْلاَمِ، وَلاَ يُمْنَعُونَ مِنَ التَّرَدُّدِ بِهَا مُسَافِرِينَ، وَلاَ يُدْفَنُونَ فِيهَا وَيُلْجَئُونَ إِلَى الْحِل (46) .
وَلَمْ نَجِدْ لِلْحَنَفِيَّةِ كَلاَمًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
دُورُ الْعِبَادَةِ لِلْكُفَّارِ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ:
21 - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ أَرْضَ الْعَرَبِ - الْحِجَازَ وَمَا سِوَاهُ - لاَ يَجُوزُ إِحْدَاثُ كَنِيسَةٍ فِيهَا، وَلاَ بِيعَةٍ، وَلاَ صَوْمَعَةٍ، وَلاَ بَيْتِ نَارٍ، وَلاَ صَنَمٍ، تَفْضِيلاً لأَِرْضِ الْعَرَبِ عَلَى غَيْرِهَا، وَتَطْهِيرًا لَهَا عَنِ الدِّينِ الْبَاطِل كَمَا عَبَّرَ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ. وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مُدُنُهَا وَقُرَاهَا وَسَائِرُ مِيَاهِهَا.
وَكَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ إِبْقَاءُ شَيْءٍ مِنْهَا مُحْدَثٍ أَوْ قَدِيمٍ، أَيْ سَابِقٍ عَلَى الْفَتْحِ الإِْسْلاَمِيِّ (47) .
وَيُفْهَمُ مِثْل ذَلِكَ مِنْ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ (48) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّ ذَلِكَ فِي الْحِجَازِ خَاصَّةً.
أَمَّا سَائِرُ أَرْضِ الْعَرَبِ فَحُكْمُهَا حُكْمُ غَيْرِهَا مِنْ بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ، وَهِيَ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ:
1 - مَا أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ قَبْل الْفَتْحِ، فَلاَ يَجُوزُ إِحْدَاثٌ وَلاَ إِبْقَاءُ شَيْءٍ مِنَ الْمَعَابِدِ لأَِهْل الذِّمَّةِ.
2 - مَا فَتَحَهُ الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً، فَلاَ يَجُوزُ فِيهِ الإِْحْدَاثُ، وَفِي وُجُوبِ هَدْمِ الْمَوْجُودِ مِنْهُ رِوَايَتَانِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
3 - مَا أَحْدَثَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الأَْمْصَارِ، كَالْبَصْرَةِ فَلاَ يَجُوزُ إِحْدَاثُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِيهِ وَلَوْ صُولِحُوا عَلَيْهِ.
4 - مَا فُتِحَ صُلْحًا عَلَى أَنَّ الأَْرْضَ لَنَا، فَلاَ يُحْدِثُونَ فِيهَا مَعْبَدًا، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ شُرِطَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي عَقْدِ الصُّلْحِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: مَا وَقَعَ مُطْلَقًا مِنْ شَرْطٍ فَعَلَى شُرُوطِ عُمَرَ.
5 - مَا فُتِحَ صُلْحًا عَلَى أَنَّ الأَْرْضَ لَهُمْ، وَلَنَا عَلَيْهَا الْخَرَاجُ، فَلَهُمْ إِحْدَاثُ مَا شَاءُوا لأَِنَّ الأَْرْضَ مِلْكُهُمْ (49) .
أَخْذُ الْخَرَاجِ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ:
22 - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ أَرْضَ الْعَرَبِ كُلَّهَا أَرْضُ عُشْرٍ - أَيْ زَكَوِيَّةٌ - لاَ يُؤْخَذُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا خَرَاجٌ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْخُذِ الْخَرَاجَ مِنْ أَرَاضِي الْعَرَبِ. قَالُوا: وَلأَِنَّهُ - أَيِ الْخَرَاجَ - بِمَنْزِلَةِ الْجِزْيَةِ، فَلاَ يَثْبُتُ فِي أَرَاضِيِهِمْ، كَمَا لاَ تَثْبُتُ فِي رِقَابِهِمْ؛ لأَِنَّ مِنْ شَرْطِ الْخَرَاجِ أَنْ يُقَرَّ أَهْلُهَا عَلَى
الْكُفْرِ، كَمَا فِي سَوَادِ الْعِرَاقِ، وَمُشْرِكُو الْعَرَبِ لاَ يُقْبَل مِنْهُمْ إِلاَّ الإِْسْلاَمُ أَوِ السَّيْفُ (50) . وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ الأَْرْضُ فِي يَدِ صَاحِبِهَا مِمَّا كَانَ مَعْمُورًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَمْ كَانَ مَوَاتًا وَأُحْيِيَ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَقَال الإِْمَامُ أَبُو يُوسُفَ فِي بَيَانِ ذَلِكَ: أَرْضُ الْعَرَبِ مُخَالِفَةٌ لأَِرْضِ الأَْعَاجِمِ، مِنْ قِبَل أَنَّ الْعَرَبَ إِنَّمَا يُقَاتَلُونَ عَلَى الإِْسْلاَمِ، لاَ تُقْبَل مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ.
فَإِنْ عَفَا لَهُمُ الإِْمَامُ عَنْ بِلاَدِهِمْ فَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ.
وَلاَ نَعْلَمُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَلاَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ، أَوِ الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ، أَخَذُوا مِنْ عَبَدَةِ الأَْوْثَانِ مِنَ الْعَرَبِ جِزْيَةً، إِنَّمَا هُوَ الإِْسْلاَمُ أَوِ الْقَتْل (51) .
وَيَرَى أَبُو يُوسُفَ أَيْضًا أَنَّهُ لَيْسَ لِلإِْمَامِ تَحْوِيل أَرْضِ الْعَرَبِ مِنَ الْعُشْرِ إِلَى الْخَرَاجِ. يَقُول: أَرْضُ الْحِجَازِ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَأَرْضُ الْيَمَنِ، وَأَرْضُ الْعَرَبِ الَّتِي افْتَتَحَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فَلاَ يُزَادُ عَلَيْهَا وَلاَ يُنْقَصُ مِنْهَا؛ لأَِنَّهُ شَيْءٌ قَدْ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَلاَ يَحِل لِلإِْمَامِ أَنْ يُحَوِّلَهَا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ افْتَتَحَ حُصُونًا مِنَ الأَْرْضِ الْعَرَبِيَّةِ فَوَضَعَ عَلَيْهَا الْعُشْرَ، وَلَمْ يَجْعَل عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا خَرَاجًا. وَكَذَلِكَ قَوْل أَصْحَابِنَا فِي تِلْكَ الأَْرْضِينَ، أَلاَ تَرَى أَنَّ مَكَّةَ وَالْحَرَمَ كَذَلِكَ؟ أَوَلاَ تَرَى أَنَّ الْعَرَبَ مِنْ عَبَدَةِ الأَْوْثَانِ حُكْمُهُمُ الْقَتْل أَوِ الإِْسْلاَمُ، وَلاَ تُقْبَل مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ؟ وَهَذَا خِلاَفُ الْحُكْمِ فِي غَيْرِهِمْ فَكَذَلِكَ أَرْضُ الْعَرَبِ.
وَقَدْ جَعَل النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْل الْيَمَنِ - يُرَى أَنَّهُمْ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ، الْخَرَاجَ عَلَى رِقَابِهِمْ -
وَجَعَل عَلَى كُل حَالِمٍ أَوْ حَالِمَةٍ دِينَارًا أَوْ عَدْلَهُ مَعَافِرِيًّا. فَأَمَّا الأَْرْضُ فَلَمْ يَجْعَل عَلَيْهَا خَرَاجًا، وَإِنَّمَا جَعَل الْعُشْرَ فِي السَّيْحِ، وَنِصْفَ الْعُشْرِ فِي الدَّالِيَةِ (52) .
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، فَإِنَّ أَرْضَ الْعَرَبِ عِنْدَهُمْ قِسْمَانِ: الأَْوَّل مَا سِوَى الْحِجَازِ، وَالثَّانِي الْحِجَازُ. فَمَا سِوَى الْحِجَازِ لاَ فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الْبِلاَدِ. وَالْقَاعِدَةُ عِنْدَهُمْ، أَنَّ أَرْضَ بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ:
1 - مَا أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ فِيهِ الْعُشْرُ.
2 - مَا أَحْيَاهُ الْمُسْلِمُونَ، فَيَكُونُ فِيهِ الْعُشْرُ كَذَلِكَ.
3 - مَا فُتِحَ عَنْوَةً، وَلَمْ يَقِفْهُ الإِْمَامُ، بَل قَسَمَهُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، فَيَكُونُ فِيهِ الْعُشْرُ كَذَلِكَ.
4 - مَا صُولِحَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ، فَيُوضَعُ عَلَيْهِ خَرَاجٌ، وَهُوَ قِسْمَانِ.
الأَْوَّل: مَا صُولِحَ أَهْلُهُ عَلَى زَوَال مِلْكِهِمْ عَنْهُ، فَيَكُونُ خَرَاجُهُ أُجْرَةً، لاَ تَسْقُطُ بِإِسْلاَمِ أَهْلِهِ. فَيُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْل الذِّمَّةِ.
وَالثَّانِي: مَا صُولِحَ أَهْلُهُ عَلَى بَقَاءِ مِلْكِهِمْ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ خَرَاجُهُ جِزْيَةً، تَسْقُطُ بِإِسْلاَمِهِمْ، فَيُؤْخَذُ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ، وَلاَ يُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (53) .
23 - أَمَّا أَرْضُ الْحِجَازِ فَقَدْ لَخَصَّ الْمَاوَرْدِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ كَلاَمَهُمْ فِيهَا فَقَال: أَرْضُ الْحِجَازِ تَنْقَسِمُ لاِخْتِصَاصِ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِفَتْحِهَا قِسْمَيْنِ:
الْقِسْمُ الأَْوَّل: صَدَقَاتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ الَّتِي أَخَذَهَا بِحَقَّيْهِ، فَإِنَّ أَحَدَ حَقَّيْهِ خُمُسُ الْخُمُسِ مِنَ الْفَيْءِ وَالْغَنَائِمِ، وَالْحَقُّ الثَّانِي أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ الَّذِي أَفَاءَهُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِمَّا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ، فَمَا صَارَ إِلَيْهِ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْحَقَّيْنِ فَقَدْ رَضَخَ مِنْهُ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ، وَتَرَكَ بَاقِيَهُ لِنَفَقَتِهِ وَصَلاَتِهِ وَمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى مَاتَ عَنْهُ ﷺ فَاخْتَلَفَ فِي حُكْمِهِ النَّاسُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَجَعَلَهُ قَوْمٌ مَوْرُوثًا عَنْهُ، وَمَقْسُومًا عَلَى الْمَوَارِيثِ مِلْكًا، وَجَعَلَهُ آخَرُونَ لِلإِْمَامِ الْقَائِمِ مَقَامَهُ، فِي حِمَايَةِ الْبَيْضَةِ وَجِهَادِ الْعَدُوِّ. وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهَا صَدَقَاتٌ مُحَرَّمَةُ الرِّقَابِ، مَخْصُوصَةُ الْمَنَافِعِ، مَصْرُوفَةُ الاِرْتِفَاعِ فِي وُجُوهِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ صَدَقَاتِ النَّبِيِّ ﷺ وَحَصَرَهَا فِي ثَمَانٍ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: سَائِرُ أَرْضِ الْحِجَازِ مَا عَدَا مَا ذُكِرَ، وَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ لاَ خَرَاجَ عَلَيْهَا؛ لأَِنَّهَا مَا بَيْنَ مَغْنُومٍ مُلِكَ عَلَى أَهْلِهِ، أَوْ مَتْرُوكٍ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَيْهِ. وَكِلاَ الأَْمْرَيْنِ عُشْرِيٌّ لاَ خَرَاجَ عَلَيْهِ.
وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَافَقَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي كُل مَا قَالَهُ إِلاَّ أَنَّهُ ذَكَرَ رِوَايَةً أُخْرَى عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ - وَقَدَّمَهَا - فِي أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ، أَنَّهَا لِكُل الْمُسْلِمِينَ (54) .
حِمَى النَّبِيِّ ﷺ:
24 - يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى أَيْضًا مِنْ سَائِرِ أَرْضِ الْحِجَازِ، مَا حَمَاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ
الأَْقْوَال. فَلاَ يَجُوزُ لأَِحَدٍ إِحْيَاؤُهُ؛ لِيَكُونَ فِيهِ عُشْرٌ أَوْ خَرَاجٌ. فَقَدْ حَمَى الْبَقِيعَ (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدٍ: النَّقِيعَ، بِالنُّونِ) لِخَيْل الْمُسْلِمِينَ، صَعِدَ جَبَلاً وَقَال: هَذَا حِمَايَ: وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْقَاعِ، وَهُوَ قَدْرُ مِيلٍ إِلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ. فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: حِمَاهُ ﷺ ثَابِتٌ، وَإِحْيَاءُ مَا حَمَاهُ بَاطِلٌ. وَالْمُتَعَرِّضُ لإِِحْيَائِهِ مَرْدُودٌ مَزْجُورٌ (55) ، وَذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، أَنَّهُ إِنْ زَالَتْ حَاجَةٌ إِلَى حِمَى مَا حَمَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَفِي جَوَازِ إِحْيَائِهِ قَوْلاَنِ (56) .
وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى اسْتِمْرَارِ مَا حَمَاهُ النَّبِيُّ ﷺ أَوِ انْقِضَائِهِ. وَاسْتَظْهَرَ الْحَطَّابُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ جَوَازَ نَقْضِهِ إِنْ لَمْ يَقُمِ الدَّلِيل عَلَى إِرَادَةِ الاِسْتِمْرَارِ.
__________
(1) اللجنة ترى أن لولي الأمر نزع هذا الحق لمصلحة عامة ظاهرة، كما هو الحال في الملك، بل هنا حق الجماعة أرجح لأن ملكيتها عامة.
(2) العذيب من أرض العراق بعد القادسية أربعة أميال على حدود البادية (معجم البلدان)
(3) نقله ابن عابدين والدردير في بلغة السالك 1 / 367، وما في معجم البلدان " ما بين عدن أبين في الطول " ففيه سقط.
(4) الأبلة بناحية البصرة.
(5) حديث: " جزيرة العرب. . . . " أخرجه أبو داود. (عون المعبود 3 / 129، ط المطبعة الأنصارية بدهلي) .
(6) أحكام أهل الذمة 1 / 178
(7) المنتقى شرح الموطأ 7 / 195
(8) وفي كشاف القناع 3 / 107 عن ابن تيمية التصربح بأن (تبوك) من الحجاز.
(9) حديث: " أخرجوا يهود أهل الحجاز " أخرجه أحمد (1 / 195 ط الميمنية) ، وقال الهيثمي: " رواه أحمد (بأسانيد) . ورجال طريقين منها ثقات، متصل إسنادهما، (مجمع الزوائد 5 / 325 ط القدس) .
(10) أحكام أهل الذمة 1 / 176، 177، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 180 ط الحلبي.
(11) أحكام أهل الذمة 1 / 185
(12) فتح الباري 12 / 317 ط السلفية، ومسلم 3 / 1387 ط عيسى الحلبي.
(13) فتح القدير 4 / 379
(14) حديث: "
لأخرجن اليهود. . . . . " رواه مسلم 3 / 1388، ط عيسى الحلبي، ورواه أبو عبيد في الأموال ص 98 ط القاهرة عن جابر، وزاد " فأخرجهم عمر ".
(15) أحكام أهل الذمة 1 / 176، وحديث عائشة قالت: "
آخر ما عهد. . . " رواه أحمد 6 / 275، ط الميمنية، وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح. (مجمع الزوائد 5 / 325 ط القدسي) .
(16) حديث ابن عمر: "
لا يجتمع في جزيرة العرب. . . . . " أخرجه أبو عبيد في الأموال ص 98 ط القاهرة.
(17) حديث: "
قاتل الله اليهود. . . . . " أخرجه مالك مرسلا (الموطأ 2 / 892 ط عيسى الحلبي) وهو في الصحيحين عن عائشة مرفوعا.
(18) فتح القدير 4 / 379
(19) ابن عابدين 3 / 275
(20) الحطاب 3 / 381، الدسوقي 2 / 201
(21) أحكام أهل الذمة 1 / 176، والحديث تقدم تخريجه (ف 1) .
(22) الموطأ وشرحه المنتقى 7 / 195
(23) المغني 10 / 614 ط أولى.
(24) حديث: "
نقركم ما أقركم الله " أخرجه البخاري (فتح الباري 5 / 327 ط السلفية) .
(25) الأم للشافعي 4 / 178
(26) الوجيز 2 / 199، والوج هو الطائف (معجم البلدان) .
(27) نهاية المحتاج 8 / 85. وقد فسر الرملي وبعض الشافعية (اليمامة) الواردة في كلام الشافعي بأنها إحدى قرى الطائف.
(28) الأم 4 / 178
(29) نهاية المحتاج 8 / 85
(30) المياه الإقليمية والجزر التابعة تأخذ حكم البر عرفا. فكأنهم تركوا الإشارة إلى ذلك لوضوحه. (اللجنة) .
(31) المواق بهامش الحطاب 3 / 381
(32) أحكام أهل الذمة 1 / 185
(33) حاشية ابن عابدين 3 / 275 نقلا عن السير الكبير. والاختيار 4 / 136 ط دار المعرفة.
(34) الشرح الصغير وبلغة السالك 1 / 367
(35) نهاية المحتاج 8 / 85، 86
(36) الأم 4 / 176
(37) المغني مع الشرح الكبير، 10 / 615
(38) كشاف القناع 3 / 108، والإنصاف 4 / 240
(39) المغني 10 / 615
(40) نهاية المحتاج 8 / 86، والأم 4 / 178
(41) كشاف القناع 3 / 137، والإنصاف 4 / 241
(42) الأم للشافعي 4 / 178، ونهاية المحتاج 8 / 86، وأحكام أهل الذمة 1 / 187، وكشاف القناع 3 / 107، 135 ط أنصار السنة المحمدية، وحاشية ابن عابدين 3 / 275، والشرح الصغير 1 / 367
(43) نهاية المحتاج 8 / 85
(44) نهاية المحتاج 8 / 82
(45) نهاية المحتاج 8 / 87
(46) الإنصاف 4 / 241
(47) القرطبي 8 / 104، والزرقاني 3 / 142
(48) البحر الرائق 5 / 121، 122، ورد المحتار 3 / 271، والبدائع 7 / 214
(49) الدسوقي 2 / 201
(50) نهاية المحتاج 8 / 93، والمقنع وحاشيته 1 / 529، والمغني 10 / 609
(51) فتح القدير 5 / 278، وابن عابدين 3 / 229
(52) الخراج ص 66 ط 3 السلفية.
(53) الخراج ص 58، 59
(54) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 154، والأحكام السلطانية للمارردي ص 147
(55) الأحكام السلطانية للماوردي ص 151 ط 1327 هـ، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 184 ط 1356 هـ
التَّعْرِيفُ:
1 - مِنْ مَعَانِي الإِْعْذَارِ لُغَةً: الْمُبَالَغَةُ، يُقَال: أَعْذَرَ فِي الأَْمْرِ، إِذَا بَالَغَ فِيهِ، وَفِي الْمَثَل: أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ، يُقَال ذَلِكَ لِمَنْ يَحْذَرُ أَمْرًا يُخَافُ، سَوَاءٌ حَذَّرَ أَمْ لَمْ يُحَذِّرْ، وَأَعْذَرَ أَيْضًا: صَارَ ذَا عُذْرٍ، قِيل: وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ. وَعَذَرْتُ الْغُلاَمَ وَالْجَارِيَةَ عُذْرًا: خَتَنْتُهُ فَهُوَ مَعْذُورٌ، وَأَعْذَرْتُهُ لُغَةً فِيهِ، وَالإِْعْذَارُ أَيْضًا: طَعَامٌ يُتَّخَذُ لِسُرُورٍ حَادِثٍ، وَيُقَال: هُوَ طَعَامُ الْخِتَانِ خَاصَّةً، وَهُوَ مَصْدَرٌ مُسَمًّى بِهِ، يُقَال: أَعْذَرَ إِعْذَارًا: إِذَا صَنَعَ ذَلِكَ الطَّعَامَ.
وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ فِي الاِصْطِلاَحِ عَنِ الْمَعَانِي السَّابِقَةِ.
قَال ابْنُ سَهْلٍ: وَالإِْعْذَارُ: الْمُبَالَغَةُ فِي الْعُذْرِ، وَمِنْهُ أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ، أَيْ قَدْ بَالَغَ فِي الإِْعْذَارِ مَنْ تَقَدَّمَ إِلَيْكَ فَأَنْذَرَكَ، وَمِنْهُ إِعْذَارُ الْقَاضِي إِلَى مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ حَقٌّ يُؤْخَذُ مِنْهُ، فَيُعْذِرُ إِلَيْهِ فِيمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ (1) .
__________
(1) المصباح المنير، وتبصرة الحكام هامش فتح العلي المالك 1 / 146، وتهذيب الفروق 4 / 129.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْنْذَارُ:
2 - الإِْنْذَارُ: الإِْبْلاَغُ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَل فِي التَّخْوِيفِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآْزِفَةِ} (1) أَيْ خَوِّفْهُمْ عَذَابَ هَذَا الْيَوْمِ. (2) فَيَجْتَمِعُ مَعَ الإِْعْذَارِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إِبْلاَغٌ مَعَ تَخْوِيفٍ إِلاَّ أَنَّ فِي الإِْعْذَارِ الْمُبَالَغَةَ.

ب - الإِْعْلاَمُ:
3 - الإِْعْلاَمُ: مَصْدَرُ أَعْلَمَ. يُقَال أَعْلَمْتُهُ الْخَبَرَ: أَيْ عَرَّفْتُهُ إِيَّاهُ، فَهُوَ يَجْتَمِعُ مَعَ الإِْعْذَارِ فِي أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا تَعْرِيفًا، إِلاَّ أَنَّ فِي الإِْعْذَارِ الْمُبَالَغَةَ.

ج - الإِْبْلاَغُ:
4 - الإِْبْلاَغُ: مَصْدَرُ أَبْلَغَ، وَالاِسْمُ مِنْهُ الْبَلاَغُ، وَهُوَ بِمَعْنَى الإِْيصَال. يُقَال: أَبْلَغْتُهُ السَّلاَمَ: أَيْ أَوْصَلْتُهُ إِيَّاهُ. فَهُوَ يَجْتَمِعُ مَعَ الإِْعْذَارِ فِي أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا إِيصَالاً لِمَا يُرَادُ، لَكِنَّ الإِْعْذَارَ يَنْفَرِدُ بِالْمُبَالَغَةِ.

د - التَّحْذِيرُ:
5 - التَّحْذِيرُ: التَّخْوِيفُ مِنْ فِعْل الشَّيْءِ. يُقَال: حَذَّرْتُهُ الشَّيْءَ فَحَذِرَهُ: إِذَا خَوَّفْتُهُ فَخَافَهُ، فَهُوَ يَجْتَمِعُ مَعَ الإِْعْذَارِ فِي التَّخْوِيفِ، وَيَنْفَرِدُ الإِْعْذَارُ بِأَنَّهُ لِقَطْعِ الْعُذْرِ (3) .

هـ - الإِْمْهَال:
6 - الإِْمْهَال لُغَةً: مَصْدَرُ أَمْهَل، وَهُوَ التَّأْخِيرُ. وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ فِي الاِصْطِلاَحِ عَنْ ذَلِكَ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الإِْعْذَارِ: أَنَّ الإِْعْذَارَ قَدْ يَكُونُ مَعَ ضَرْبِ مُدَّةٍ وَقَدْ لاَ يَكُونُ. وَالإِْمْهَال لاَ يَكُونُ إِلاَّ مَعَ ضَرْبِ
__________
(1) سورة غافر / 18.
(2) المصباح المنير مادة: (نذر) .
(3) المصباح المنير

مُدَّةٍ (1) . كَمَا أَنَّ الإِْمْهَال لاَ تُلاَحَظُ فِيهِ الْمُبَالَغَةُ -

و التَّلَوُّمُ:
7 - التَّلَوُّمُ لُغَةً: الاِنْتِظَارُ وَالتَّمَكُّثُ، وَالْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لاَ يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ، إِذْ يُرَادُ بِهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَدَمُ الْفَوْرِيَّةِ فِي الأَْمْرِ، بَل يُطْلَقُ الاِنْتِظَارُ فِي كُل أَمْرٍ بِمَا يُنَاسِبُهُ (2) .
وَالْكَلاَمُ فِي هَذَا الْبَحْثِ خَاصٌّ بِالإِْعْذَارِ بِمَعْنَى الْمُبَالَغَةِ فِي قَطْعِ الْعُذْرِ. أَمَّا بِمَعْنَى الْخِتَانِ أَوِ الطَّعَامِ الْمَصْنُوعِ لِسُرُورٍ حَادِثٍ فَيُنْظَرُ الْكَلاَمُ فِيهِمَا تَحْتَ عِنْوَانَيْ: (خِتَانٌ، وَوَلِيمَةٌ) .

حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:
8 - مَوَاطِنُ الإِْعْذَارِ مُتَعَدِّدَةٌ، وَلَيْسَ لَهَا حُكْمٌ وَاحِدٌ يَجْمَعُهَا، لَكِنَّهُ فِي الْجُمْلَةِ مَطْلُوبٌ، وَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِحَسَبِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، فَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَرَاهُ وَاجِبًا فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَاهُ مُسْتَحَبًّا، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ عَلَى نَحْوِ مَا يَأْتِي.

دَلِيل الْمَشْرُوعِيَّةِ:
9 - الأَْصْل فِي مَشْرُوعِيَّةِ الإِْعْذَارِ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ الإِْسْرَاءِ: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} (3) وقَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّمْل فِي قِصَّةِ الْهُدْهُدِ: {لأَُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأََذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} (4) وَجْهُ الاِسْتِدْلاَل بِالأُْولَى: أَنَّ اللَّهَ لاَ يُهْلِكُ أُمَّةً بِعَذَابٍ إِلاَّ بَعْدَ الرِّسَالَةِ إِلَيْهِمْ وَالإِْنْذَارِ، وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ فَهُوَ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ
__________
(1) المصباح المنير.
(2) المصباح المنير.
(3) سورة الإسراء / 15.
(4) سورة النمل / 21.

لِلْعَذَابِ.
وَوَجْهُ الاِسْتِدْلاَل بِالثَّانِيَةِ: أَنَّ فِيهَا دَلِيلاً عَلَى أَنَّ الإِْمَامَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْبَل عُذْرَ رَعِيَّتِهِ، وَيَدْرَأَ الْعُقُوبَةَ عَنْهُمْ فِي ظَاهِرِ أَحْوَالِهِمْ بِبَاطِنِ أَعْذَارِهِمْ، لأَِنَّ سُلَيْمَانَ لَمْ يُعَاقِبِ الْهُدْهُدَ حِينَ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ. (1)
الإِْعْذَارُ فِي الرِّدَّةِ (الاِسْتِتَابَةُ) :
10 - (الرِّدَّةُ) : الرُّجُوعُ عَنِ الإِْسْلاَمِ قَوْلاً أَوْ فِعْلاً عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ فِيمَا يَكُونُ رِدَّةً أَوْ لاَ يَكُونُ، يُنْظَرُ تَحْتَ عِنْوَانَيْ: (إِسْلاَمٌ، رِدَّةٌ) .
حُكْمُ الإِْعْذَارِ إِلَى الْمُرْتَدِّ:
11 - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ اسْتِتَابَةَ الْمُرْتَدِّ مُسْتَحَبَّةٌ وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً، فَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ: مَنِ ارْتَدَّ عُرِضَ عَلَيْهِ الإِْسْلاَمُ اسْتِحْبَابًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَتُكْشَفُ شُبْهَتُهُ وَيُحْبَسُ وُجُوبًا، وَقِيل: نَدْبًا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ يُعْرَضُ عَلَيْهِ الإِْسْلاَمُ فِي كُل يَوْمٍ مِنْهَا إِنْ طَلَبَ الْمُهْلَةَ لِيَتَفَكَّرَ، فَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ مُهْلَةً بَعْدَ عَرْضِ الإِْسْلاَمِ عَلَيْهِ وَكَشْفِ شُبْهَتِهِ قُتِل مِنْ سَاعَتِهِ، إِلاَّ إِذَا رُجِيَ إِسْلاَمُهُ فَإِنَّهُ يُمْهَل، قِيل: وُجُوبًا، وَقِيل: اسْتِحْبَابًا، وَهُوَ الظَّاهِرُ.
وَإِذَا ارْتَدَّ ثَانِيًا ثُمَّ تَابَ ضَرَبَهُ الإِْمَامُ وَخَلَّى سَبِيلَهُ، وَإِنِ ارْتَدَّ ثَالِثًا ضَرَبَهُ الإِْمَامُ ضَرْبًا وَجِيعًا وَحَبَسَهُ حَتَّى تَظْهَرَ عَلَيْهِ آثَارُ التَّوْبَةِ، وَيَرَى أَنَّهُ مُخْلِصٌ ثُمَّ يُخَلِّي سَبِيلَهُ، فَإِنْ عَادَ فُعِل بِهِ هَكَذَا.
لَكِنْ نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ آخَرِ حُدُودِ الْخَانِيَّةِ
__________
(1) تفسير القرطبي 10 / 231 - 232، 13 / 189، وتهذيب الفروق 4 / 129.

مَعْزِيًّا لِلْبَلْخِيِّ مَا يُفِيدُ قَتْلَهُ بِلاَ اسْتِتَابَةٍ، لِحَدِيثِ: مَنْ بَدَّل دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ (1) ، وَكُرِهَ تَنْزِيهًا قَتْلُهُ قَبْل الْعَرْضِ عَلَيْهِ، فَإِنْ قَتَلَهُ قَبْل الْعَرْضِ فَلاَ ضَمَانَ، لأَِنَّ الْكُفْرَ مُبِيحٌ لِلدَّمِ.
وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ وُجُوبِ الاِسْتِتَابَةِ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: مَنْ بَدَّل دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ وَلَمْ يَذْكُرِ اسْتِتَابَتَهُ.
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. أَنَّ الْمُرْتَدَّ لاَ يُقْتَل حَتَّى يُسْتَتَابَ وُجُوبًا، وَمُدَّةُ الاِسْتِتَابَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا، وَفِي قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، أَنَّهُ يُسْتَتَابُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَالأَْيَّامُ الثَّلاَثَةُ، هِيَ مِنْ يَوْمِ الثُّبُوتِ لاَ مِنْ يَوْمِ الْكُفْرِ، وَلاَ يُحْسَبُ يَوْمُ الرَّفْعِ إِلَى الْحَاكِمِ، وَلاَ يَوْمُ الثُّبُوتِ إِنْ كَانَ الثُّبُوتُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَلاَ يُعَاقَبُ بِجُوعٍ وَلاَ عَطَشٍ وَلاَ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِقَابِ، وَإِنْ لَمْ يَعُدْ بِالتَّوْبَةِ فَإِنْ تَابَ تُرِكَ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِل، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الْمُرْتَدَّ يُقْتَل فِي الْحَال بِلاَ اسْتِتَابَةٍ.

دَلِيل الْقَائِلِينَ بِالْوُجُوبِ:
12 - احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ الاِسْتِتَابَةِ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَنْ يُسْتَتَابَ (2) الْمُرْتَدُّ، وَبِمَا رَوَى الإِْمَامُ
__________
(1) حديث: " من بدل دينه فاقتلوه ". أخرجه البخاري (فتح الباري 6 / 149 ط السلفية) .
(2) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يستتاب المرتد ". أخرجه الدارقطني (3 / 119 - ط دار المحاسن) عن جابر بلفظ: " ارتدت امرأة عن الإسلام: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرضوا عليها الإسلام " وضعفه ابن حجر في التلخيص (4 / 49 - ط دار المحاسن) .

مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِيَّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ رَجُلٌ مِنْ قِبَل أَبِي مُوسَى فَقَال لَهُ عُمَرُ: هَل مِنْ مُغْرِبَةِ خَبَرٍ؟ قَال: نَعَمْ. رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلاَمِهِ، فَقَال: مَا فَعَلْتُمْ بِهِ؟ قَال: قَرَّبْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ. فَقَال عُمَرُ: فَهَلاَّ حَبَسْتُمُوهُ ثَلاَثًا، فَأَطْعَمْتُمُوهُ رَغِيفًا كُل يَوْمٍ وَاسْتَتَبْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ أَوْ يُرَاجِعُ أَمْرَ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَحْضُرْ، وَلَمْ أَرْضَ إِذْ بَلَغَنِي.
وَلَوْ لَمْ تَجِبِ اسْتِتَابَتُهُ لَمَا بَرِئَ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَلأَِنَّهُ أَمْكَنَ اسْتِصْلاَحُهُ فَلَمْ يَجُزْ إِتْلاَفُهُ قَبْل اسْتِصْلاَحِهِ كَالثَّوْبِ النَّجِسِ، وَأَمَّا الأَْمْرُ بِقَتْلِهِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ بَدَّل دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ. فَالْمُرَادُ بِهِ قَتْلُهُ بَعْدَ الاِسْتِتَابَةِ. (1)

الإِْعْذَارُ إِلَى الْمُرْتَدَّةِ:
13 - مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ فِي وُجُوبِ قَتْل الْمُرْتَدِّ أَوِ الْمُرْتَدَّةِ بَعْدَ الاِسْتِتَابَةِ إِنْ لَمْ يَرْجِعُوا إِلَى الإِْسْلاَمِ عَلَى التَّفْصِيل السَّابِقِ فِي وُجُوبِ الإِْعْذَارِ أَوِ اسْتِحْبَابِهِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَبِهِ قَال الْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَمَكْحُولٌ وَحَمَّادٌ وَاللَّيْثُ وَالأَْوْزَاعِيُّ مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ بَدَّل دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ أَنَّهَا تُسْتَرَقُّ وَلاَ تُقْتَل، لأَِنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَرَقَّ نِسَاءَ بَنِي حَنِيفَةَ.
وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهَا تُجْبَرُ عَلَى الإِْسْلاَمِ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ وَلاَ تُقْتَل، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ
__________
(1) الدر المختار ورد المحتار 3 / 286، والشرح الكبير والدسوقي 4 / 304، وقليوبي وعميرة 4 / 177، والمغني 8 / 124 - 125.

تَقْتُلُوا امْرَأَةً (1) ، وَلأَِنَّهَا لاَ تُقْتَل بِالْكُفْرِ الأَْصْلِيِّ فَلاَ تُقْتَل بِالطَّارِئِ.
وَلِلْمَالِكِيَّةِ تَفْصِيلٌ إِذْ قَالُوا: إِنَّهَا تُقْتَل إِنْ لَمْ تَرْجِعْ إِلَى الإِْسْلاَمِ، لَكِنْ تُسْتَبْرَأُ قَبْل الْقَتْل بِحَيْضَةٍ، خَشْيَةَ أَنْ تَكُونَ حَامِلاً، فَإِنْ حَاضَتْ أَيَّامَ الاِسْتِتَابَةِ انْتُظِرَ تَمَامُهَا فَيُنْتَظَرُ أَقْصَرُ الأَْجَلَيْنِ، فَإِنْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ أُخِّرَتْ حَتَّى تَضَعَ. (2)
وَمُقْتَضَى مَا ذُكِرَ أَنَّ الْمُرْتَدَّةَ تُسْتَتَابُ عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ، فَإِنْ رَجَعَتْ إِلَى الإِْسْلاَمِ وَإِلاَّ قُتِلَتْ، وَأَنَّ مَذْهَبَ الْحَنَفِيَّةِ جَبْرُهَا عَلَى الْعَوْدَةِ إِلَى الإِْسْلاَمِ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ.

الإِْعْذَارُ فِي الْجِهَادِ:
14 - الْحَرْبِيُّونَ هُمُ الْكُفَّارُ الَّذِينَ يُقِيمُونَ بِبِلاَدِ الْكُفْرِ، وَلاَ صُلْحَ لَهُمْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ (3) . فَهَؤُلاَءِ هُمُ الَّذِينَ يُحَارَبُونَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} (4) . وَشَرْطُ مُحَارَبَتِهِمْ بُلُوغُ الدَّعْوَةِ إِلَيْهِمْ فَلاَ تَجُوزُ مُحَارَبَتُهُمْ قَبْل ذَلِكَ، وَهُوَ أَمْرٌ أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى
__________
(1) حديث: " لا تقتلوا امرأة ". أخرجه البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ " وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان ". (فتح الباري 6 / 148 - ط السلفية) .
(2) قليوبي وعميرة 4 / 177، والمغني 8 / 123 - ط الرياض، والشرح الكبير 4 / 304، ومعين الحكام / 228. وترى اللجنة أن قواعد المذاهب الأخرى لا تأبى مثل ذلك، وترى أنه ينبغي التحقق من خلو المرأة من الحمل قبل إقامة الحد عليها.
(3) المصباح المنير.
(4) الأنفال / 39.

نَبْعَثَ رَسُولاً} (1)
وَلَكِنْ هَل يَجِبُ تَكْرَارُ دَعْوَتُهُمْ إِذَا تَكَرَّرَتْ مُحَارَبَتُهُمْ؟ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ تَكْرَارُ دَعْوَتِهِمْ، بَل يُسْتَحَبُّ.
قَال الْكَاسَانِيُّ: وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَجِبُ عَلَى الْغُزَاةِ الاِفْتِتَاحُ بِهِ حَالَةَ الْوَقْعَةِ وَلِقَاءِ الْعَدُوِّ، فَإِنَّ الأَْمْرَ فِيهِ لاَ يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَةُ قَدْ بَلَغَتْهُمْ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ لَمْ تَبْلُغْهُمْ، فَإِنْ كَانَتِ الدَّعْوَةُ لَمْ تَبْلُغْهُمْ فَعَلَيْهِمُ الاِفْتِتَاحُ بِالدَّعْوَةِ إِلَى الإِْسْلاَمِ بِاللِّسَانِ، لِقَوْل اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {اُدْعُ إِلَى سَبِيل رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (2) وَلاَ يَجُوزُ لَهُمُ الْقِتَال قَبْل الدَّعْوَةِ، لأَِنَّ الإِْيمَانَ وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ قَبْل بُلُوغِ الدَّعْوَةِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْل، فَاسْتَحَقُّوا الْقَتْل بِالاِمْتِنَاعِ، لَكِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَرَّمَ قِتَالَهُمْ قَبْل بَعْثِ الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَبُلُوغِ الدَّعْوَةِ إِيَّاهُمْ فَضْلاً مِنْهُ وَمِنَّةً، قَطْعًا لِمَعْذِرَتِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنْ كَانَ لاَ عُذْرَ لَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ، لَمَّا أَقَامَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنَ الدَّلاَئِل الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي لَوْ تَأَمَّلُوهَا حَقَّ التَّأَمُّل وَنَظَرُوا فِيهَا لَعَرَفُوا حَقَّ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْهِمْ، لَكِنْ تَفَضَّل عَلَيْهِمْ بِإِرْسَال الرُّسُل صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، لِئَلاَّ يَبْقَى لَهُمْ شُبْهَةُ عُذْرٍ فَيَقُولُونَ: {رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ} (3) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ لِمَا بَيَّنَّا، وَلأَِنَّ الْقِتَال مَا فُرِضَ لِعَيْنِهِ، بَل لِلدَّعْوَةِ إِلَى الإِْسْلاَمِ.
وَالدَّعْوَةُ دَعْوَتَانِ: دَعْوَةُ بِالْبَنَانِ وَهِيَ الْقِتَال،
__________
(1) سورة الإسراء / 15.
(2) سورة النحل / 125.
(3) سورة طه / 134.

وَدَعْوَةُ بِالْبَيَانِ وَهِيَ اللِّسَانُ، وَذَلِكَ بِالتَّبْلِيغِ، وَالثَّانِيَةُ أَهْوَنُ مِنَ الأُْولَى، لأَِنَّ فِي الْقِتَال مُخَاطَرَةَ الرُّوحِ وَالنَّفْسِ وَالْمَال، وَلَيْسَ فِي دَعْوَةِ التَّبْلِيغِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَإِذَا احْتَمَل حُصُول الْمَقْصُودِ بِأَهْوَنِ الدَّعْوَتَيْنِ لَزِمَ الاِفْتِتَاحُ بِهَا، هَذَا إِذَا كَانَتِ الدَّعْوَةُ لَمْ تَبْلُغْهُمْ. فَإِنْ كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْهُمْ جَازَ لَهُمْ أَنْ يَفْتَتِحُوا الْقِتَال مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ الدَّعْوَةِ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْحُجَّةَ لاَزِمَةٌ، وَالْعُذْرُ فِي الْحَقِيقَةِ مُنْقَطِعٌ، وَشُبْهَةُ الْعُذْرِ انْقَطَعَتْ بِالتَّبْلِيغِ مَرَّةً، لَكِنْ مَعَ هَذَا الأَْفْضَل أَلاَّ يَفْتَتِحُوا الْقِتَال إِلاَّ بَعْدَ تَجْدِيدِ الدَّعْوَةِ لِرَجَاءِ الإِْجَابَةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُقَاتِل الْكَفَرَةَ حَتَّى يَدْعُوهُمْ إِلَى الإِْسْلاَمِ (1) . فِيمَا كَانَ دَعَاهُمْ غَيْرَ مَرَّةٍ. دَل أَنَّ الاِفْتِتَاحَ بِتَجْدِيدِ الدَّعْوَةِ أَفْضَل، ثُمَّ إِذَا دَعَوْهُمْ إِلَى الإِْسْلاَمِ فَإِنْ أَسْلَمُوا كَفُّوا عَنْهُمُ الْقِتَال، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا (2) وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَنْ قَال:
__________
(1) حديث: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يقاتل الكفرة حتى يدعوهم إلى الإسلام " أخرجه أحمد والطبراني بلفظ " ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما حتى يدعوهم " قال أحمد شاكر محقق المسند: إسناده صحيح. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رواه أوالمعجم الكبير للطبراني 11 / 95، 132، ط الوطن العربي، ومجمع الزوائد 5 / 304 نشر مكتبة القدس) .
(2) حديث: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 5 / 288 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1337 ط الحلبي) .

لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي دَمَهُ وَمَالَهُ (1) فَإِنْ أَبَوِا الإِْجَابَةَ إِلَى الإِْسْلاَمِ دَعَوْهُمْ إِلَى الذِّمَّةِ إِلاَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَالْمُرْتَدِّينَ (لأَِنَّهُ لاَ يُقْبَل مِنْهُمْ إِلاَّ الإِْسْلاَمُ) فَإِنْ أَجَابُوا كَفُّوا عَنْهُمْ، وَإِنْ أَبَوْا اسْتَعَانُوا بِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى قِتَالِهِمْ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ إِلَى أَنَّهُمْ يُدْعَوْنَ وُجُوبًا سَوَاءٌ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ أَمْ لاَ، مَا لَمْ يُعَاجِلُونَا بِالْقِتَال أَوْ يَكُونُ الْجَيْشُ قَلِيلاً، قَالُوا: وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل كَانَتْ إِغَارَةُ سَرَايَاهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَلِلْحَنَابِلَةِ تَفْصِيلٌ بَيَّنَهُ ابْنُ قُدَامَةَ بِقَوْلِهِ: أَهْل الْكِتَابِ وَالْمَجُوسُ لاَ يُدْعَوْنَ قَبْل الْقِتَال، لأَِنَّ الدَّعْوَةَ قَدِ انْتَشَرَتْ وَعَمَّتْ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ إِلاَّ نَادِرًا بَعِيدًا. وَأَمَّا عَبَدَةُ الأَْوْثَانِ فَإِنَّ مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ مِنْهُمْ لاَ يُدْعَوْنَ، وَإِنْ وُجِدَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ دُعِيَ قَبْل الْقِتَال، قَال أَحْمَدُ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو إِلَى الإِْسْلاَمِ قَبْل أَنْ يُحَارِبَ حَتَّى أَظْهَرَ اللَّهُ الدِّينَ وَعَلاَ الإِْسْلاَمُ، وَلاَ أَعْرِفُ الْيَوْمَ أَحَدًا يُدْعَى، قَدْ بَلَغَتِ الدَّعْوَةُ كُل أَحَدٍ، فَالرُّومُ قَدْ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ وَعَلِمُوا مَا يُرَادُ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا كَانَتِ الدَّعْوَةُ فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ، وَإِنْ دَعَا فَلاَ بَأْسَ. (2)
__________
(1) حديث: " من قال لا إله إلا الله فقد عصم مني دمه وماله " أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله " (فتح الباري / 12 / 275 ط السلفية) ، وصحيح مسلم (1 / 52 ط الحلبي) .
(2) بدائع الصنائع 7 / 100 نشر دار الكتاب العربي، والزرقاني 3 / 111، وقليوبي وعميرة 4 / 218، والدسوقي 2 / 176، والمغني 8 / 361 - 362.

الإِْعْذَارُ إِلَى الْبُغَاةِ:
15 - الْبُغَاةُ: هُمُ الْخَارِجُونَ عَلَى الإِْمَامِ الْحَقِّ بِتَأْوِيلٍ، وَلَهُمْ مَنَعَةٌ (1) . وَقَدِ اتَّفَقَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ قِتَالُهُمْ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْهِمُ الإِْمَامُ أَمِينًا فَطِنًا نَاصِحًا يَسْأَلُهُمْ مَا يَنْقِمُونَ، فَإِنْ ذَكَرُوا مَظْلَمَةً أَوْ شُبْهَةً أَزَالَهَا، فَإِنْ أَصَرُّوا بَعْدَ الإِْعْذَارِ نَصَحَهُمْ، بِأَنْ يَعِظَهُمْ وَيَأْمُرَهُمْ بِالْعَوْدَةِ إِلَى طَاعَتِهِ، فَإِنِ اسْتَمْهَلُوهُ اجْتَهَدَ فِي الإِْمْهَال، وَفَعَل مَا رَآهُ صَوَابًا.
وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يُعَاجِلُوا بِالْقِتَال، فَإِنْ عَاجَلُوا قُوتِلُوا.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ دَعْوَتَهُمْ إِلَى طَاعَةِ الإِْمَامِ وَكَشْفَ شُبْهَتِهِمْ أَمْرٌ مُسْتَحَبٌّ وَلَيْسَ وَاجِبًا، وَلَوْ قَاتَلَهُمْ بِلاَ دَعْوَةٍ جَازَ. (2)

الإِْعْذَارُ فِي الدَّعْوَى:
16 - الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ كُل مَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ حَقٌّ، إِمَّا بِإِقْرَارٍ، إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَصِحُّ إِمْرَارُهُ، وَإِمَّا بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ بَعْدَ عَجْزِهِ عَنْ دَفْعِ الدَّعْوَى وَبَعْدَ الإِْعْذَارِ إِلَيْهِ قَبْل الْحُكْمِ، وَإِمَّا بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِ الاِسْتِبْرَاءِ، إِنْ كَانَ الْحَقُّ عَلَى مَيِّتٍ أَوْ عَلَى غَائِبٍ، وَإِمَّا بِلَدَدِهِ وَتَغَيُّبِهِ عَنْ حُضُورِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَقِيَامِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، وَإِمَّا بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ وَلَدَدِهِ عَنِ الْجَوَابِ عَنِ الدَّعْوَى.
وَالْمَقْضِيُّ عَلَيْهِمْ أَنْوَاعٌ: مِنْهُمُ الْحَاضِرُ الْمَالِكُ
__________
(1) ابن عابدين 3 / 427، والشرح الكبير 4 / 298، وقليوبي وعميرة 4 / 170، والمغني 8 / 107.
(2) حاشية الدردير 4 / 299، وقليوبي وعميرة 4 / 171، والمغني 8 / 107، وابن عابدين 3 / 429.

أَمْرَهُ، وَمِنْهُمُ الْغَائِبُ الصَّغِيرُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ، وَمِنْهُمُ السَّفِيهُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ، وَمِنْهُمُ الْوَرَثَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فِي مَال الْمَيِّتِ وَفِيهِمُ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ. (1)
فَإِذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَاضِرًا بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ، وَادُّعِيَتِ الدَّعْوَى وَكَانَتْ مُسْتَوْفِيَةَ الشُّرُوطِ، طَلَبَ الْقَاضِي مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْجَوَابَ عَنْهَا، وَسَارَ الْقَاضِي فِيهَا حَسْبَمَا هُوَ مُدَوَّنٌ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ.
فَإِنْ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْحَقِّ الْمُدَّعَى، فَهَل يَحْكُمُ الْقَاضِي بِمُقْتَضَى الإِْقْرَارِ حَالاً، أَوْ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ إِجْرَاءً آخَرَ جَائِزًا أَوْ وَاجِبًا؟
قَال الْجُمْهُورُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ: يُقْضَى عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ آخَرَ كَالإِْعْذَارِ وَنَحْوِهِ. (2)
وَقَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ بُدَّ لِلْحُكْمِ بِمُقْتَضَى الإِْقْرَارِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الإِْقْرَارِ شَاهِدَانِ.
وَفِي الْمَذَاهِبِ تَفْصِيلاَتٌ فِي الإِْعْذَارِ إِلَى الْغَائِبِ عَنْ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، فِي حُكْمِ الإِْعْذَارِ وَفِي وَقْتِهِ، وَفِي الْمَسَافَةِ الَّتِي يُعْذَرُ إِلَيْهِ فِيهَا، وَفِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الَّذِي يَمْتَنِعُ الإِْعْذَارُ إِلَيْهِ.
وَفُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُقْضَى عَلَى الْغَائِبِ عَنْ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ إِلاَّ بَعْدَ الإِْعْذَارِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُقْضَى عَلَيْهِ. وَتَخْتَلِفُ الْمَذَاهِبُ
__________
(1) تبصرة الحكام 1 / 72.
(2) ابن عابدين 4 / 688، وقليوبي وعميرة 3 / 2.

فِي زَمَنِ الإِْعْذَارِ وَكَيْفِيَّتِهِ (1) .

مَا يَسْقُطُ بِهِ الإِْعْذَارُ:
17 - قَال الْمَالِكِيَّةُ: كُل مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِحَقٍّ مِنْ مُعَامَلَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، أَوْ دَعْوَى بِفَسَادٍ أَوْ تَعَدٍّ أَوْ غَصْبٍ، فَلاَ بُدَّ مِنَ الإِْعْذَارِ إِلَيْهِ قَبْل الْحُكْمِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْل الْفَسَادِ الظَّاهِرِ، أَوْ مِنَ الزَّنَادِقَةِ الْمَشْهُورِينَ بِمَا يُنْسَبُ إِلَيْهِمْ، فَلاَ يُعْذَرُ إِلَيْهِمْ فِيمَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِمْ. كَمَا حَدَثَ بِالنِّسْبَةِ لأَِبِي الْخَيْرِ الزِّنْدِيقِ، لَمَّا شَهِدَ عَلَيْهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَاهِدًا أَمَامَ قَاضِي الْجَمَاعَةِ مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ بِأَنَّهُ يُصَرِّحُ بِالْكُفْرِ وَالاِنْسِلاَخِ مِنَ الإِْيمَانِ، فَأَشَارَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِأَنْ يُعْذَرَ إِلَيْهِ فِيمَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ، وَأَشَارَ قَاضِي الْجَمَاعَةِ وَبَعْضٌ آخَرُ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّهُ يُقْتَل بِغَيْرِ إِعْذَارٍ، لأَِنَّهُ مُلْحِدٌ كَافِرٌ، وَقَدْ وَجَبَ قَتْلُهُ بِدُونِ مَا ثَبَتَ عَلَيْهِ فَقُتِل بِغَيْرِ إِعْذَارٍ، فَقِيل لأَِحَدِهِمْ أَنْ يَذْكُرَ لَهُمْ وَجْهَ الْحُكْمِ، فَذُكِرَ أَنَّ الَّذِي اعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي الْفُتْيَا بِالْقَتْل بِدُونِ إِعْذَارٍ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ قَطْعُ الإِْعْذَارِ عَمَّنِ اسْتَفَاضَتْ عَلَيْهِ الشَّهَادَاتُ فِي الظُّلْمِ، وَعَلَى مَذْهَبِهِ فِي السَّلاَّبَةِ وَالْمُغَيِّرِينَ وَأَشْبَاهِهِمْ، إِذَا شَهِدَ عَلَيْهِمُ الْمَسْلُوبُونَ وَالْمُنْتَهَبُونَ أَنْ تُقْبَل شَهَادَتُهُمْ عَلَيْهِمْ - إِذَا كَانُوا مِنْ أَهْل الْقَبُول - بِدُونِ إِعْذَارٍ. وَكَذَلِكَ لاَ يُعْذَرُ فِي مِثْل رَجُلٍ يَتَعَلَّقُ بِرَجُلٍ، وَجُرْحُهُ يُدْمِي، فَيُصَدَّقُ بِقَوْلِهِ. وَفِي الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالرَّجُل فِي
__________
(1) ابن عابدين 4 / 520، والفتاوى الطرطوسية / 313، وتبصرة الحكام 1 / 73، 139، والمغني 9 / 55، 61، وقليوبي وعميرة 4 / 30. وترى اللجنة أن هذه التفصيلات هي من قبيل الأوضاع الزمنية التي تتغير بتغير الظروف والملابسات بما يحقق اطمئنان القاضي إلى أن كلا من الخصمين قد أخذ حقه في المرافعة.

الْمَكَانِ الْخَالِي وَقَدْ فَضَحَتْ نَفْسَهَا بِإِصَابَتِهِ لَهَا، فَتُصَدَّقُ بِفَضِيحَةِ نَفْسِهَا. وَمِثْل هَذَا كَثِيرٌ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، فَلَعَل بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ (1) وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ الأَْصْل فِي هَذَا الْبَابِ وَلاَ إِعْذَارَ فِيهِ. وَكَذَلِكَ كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَإِلَى أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَهُمَا أَيْضًا مَلاَذُ الْحُكَّامِ فِي الأَْحْكَامِ، وَلاَ إِعْذَارَ مِنْهُمَا وَلاَ إِقَالَةَ مِنْ حُجَّةٍ وَلاَ كَلِمَةٍ، غَيْرَ أَنَّ الإِْعْذَارَ فِيمَا يَتَحَاكَمُ فِيهِ النَّاسُ مِنْ غَيْرِ أَسْبَابِ الدِّيَانَاتِ اسْتِحْسَانٌ مِنَ الأَْئِمَّةِ، فَأَمَّا فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ فِي الإِْلْحَادِ وَالزَّنْدَقَةِ وَتَكْذِيبِ الْقُرْآنِ وَالرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَلَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ عِنْدَهُمْ. قَالُوا: وَمَا يَمْتَنِعُ فِيهِ الإِْعْذَارُ كَثِيرٌ (2) وَلَمْ يُعْثَرْ عَلَى أَقْوَالٍ فِي الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى فِي مِثْل هَذَا.

التَّأْجِيل فِي الإِْعْذَارِ:
18 - الإِْعْذَارُ يَكُونُ إِلَى الْمُدَّعِي، فَيَقُول لَهُ الْقَاضِي: أَبَقِيَتْ لَكَ حَجَّةٌ؟ وَقَدْ يَكُونُ إِلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَيَسْأَلُهُ الْقَاضِي: أَلَكَ دَفْعٌ فِيمَا ادَّعَى بِهِ عَلَيْكَ؟ فَإِذَا أَعْذَرَ الْقَاضِي إِلَى مَنْ تَوَجَّهَ الإِْعْذَارُ إِلَيْهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُدَّعِيًا أَمْ مُدَّعًى عَلَيْهِ. وَقَال: نَعَمْ، وَسَأَلَهُ التَّأْجِيل، ضَرَبَ لَهُ أَجَلاً بِحَسَبِ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ حَسَبَ اجْتِهَادِهِ فِي بُلُوغِ مَنْ أُجِّل لَهُ
__________
(1) حديث: " إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 5 / 288 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1337 ط الحلبي) .
(2) تبصرة الحكام 1 / 150 - 152.

الْوُصُول إِلَى قَصْدِهِ بِغَيْرِ إِضْرَارٍ بِخَصْمِهِ، فَإِنْ كَانَ التَّأْجِيل لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَتَى بِدَفْعٍ فِيمَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ، وَسَأَل الْمُدَّعِي التَّأْجِيل أَيْضًا، وَزَعَمَ أَنَّ لَهُ دَفْعًا فِيمَا جَاءَ بِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، ضَرَبَ لَهُ أَجَلاً أَيْضًا، وَتَلَوَّمَ عَلَيْهِ (انْتَظَرَ) حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْحَقُّ، وَيَظْهَرَ عَجْزُ أَحَدِهِمَا، فَيُقْضَى عَلَى نَحْوِ مَا ثَبَتَ. (1) وَالْحُكْمُ كَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ.

آجَالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الشَّارِعِ:
19 - هُنَاكَ آجَالٌ لاَ يَدْخُلُهَا اجْتِهَادُ الْحَاكِمِ، بَل هِيَ مُقَدَّرَةٌ بِالشَّرْعِ لأَِجْل الإِْعْذَارِ، مِنْهَا: تَأْجِيل الْعِنِّينِ، وَسَبَقَ تَفْصِيلُهُ فِي (أَجَلٌ) وَيَأْتِي فِي (عُنَّةٌ) .

إِعْذَارُ الْمُولِي:
20 - فُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، عَرَّفُوا الإِْيلاَءَ بِأَنَّهُ: الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ الزَّوْجِ وَطْءَ زَوْجَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.
وَعَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ: الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ الزَّوْجَةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ، فَالْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ فِي أَقَل الْمُدَّةِ الَّتِي يَحْلِفُ عَلَى التَّرْكِ فِيهَا، فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَالإِْعْذَارُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْمُولِي يَقِفُهُ (يُحْضِرُهُ) الْقَاضِي بَعْدَ تَمَامِ الأَْشْهُرِ الأَْرْبَعَةِ، إِذَا رَافَعَتْهُ امْرَأَتُهُ فَيَأْمُرُهُ بِالْفَيْئَةِ، فَإِنْ أَبَى أَمَرَهُ بِالطَّلاَقِ، وَلاَ تَطْلُقُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَهَذَا هُوَ رَأْيُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةَ وَمُجَاهِدٍ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ (2) .
__________
(1) تبصرة الحكام 1 / 150 - 152.
(2) حاشية الدسوقي 2 / 426 - 436، وتبصرة الحكام 1 / 154، وقليوبي وعميرة 4 / 8 - 12، والمغني 7 / 298، 318 - 319 ط الرياض.

وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَلَمْ يَقْرَبْهَا، فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلاَ حَاجَةَ إِلَى إِنْشَاءِ تَطْلِيقٍ، أَوِ الْحُكْمِ بِالتَّفْرِيقِ.
وَالْمُرَادُ بِالأَْشْهُرِ الأَْشْهُرُ الْقَمَرِيَّةُ، وَتَبْدَأُ مِنْ تَارِيخِ الْحَلِفِ وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ. (1) وَيُنْظَرُ أَيْضًا مُصْطَلَحُ (أَجَلٌ) وَمُصْطَلَحُ (إِيلاَءٌ) .

إِعْذَارُ الْمُمْتَنِعِ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ:
21 - الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي مَذْهَبَيِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، أَنَّ الزَّوْجَةَ لاَ حَقَّ لَهَا فِي الْوَطْءِ إِلاَّ مَرَّةً وَاحِدَةً يَسْتَقِرُّ بِهَا الْمَهْرُ وَهَذَا فِي الْقَضَاءِ، وَأَمَّا دِيَانَةً فَلَهَا الْحَقُّ فِي كُل أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مَرَّةً، لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَهَا أَجَلاً لِمَنْ آلَى مِنِ امْرَأَتِهِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الْوَطْءَ وَاجِبٌ عَلَى الزَّوْجِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ. وَقَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: لاَ يَجِبُ إِلاَّ أَنْ يَتْرُكَ لِلإِْضْرَارِ، وَقَدْ بَيَّنَ الْمَوَّاقُ أَنَّ مَنْ وَاصَل الْعِبَادَةَ وَتَرَكَ الْوَطْءَ لَمْ يُنْهَ عَنْ تَبَتُّلِهِ، وَقِيل لَهُ: إِمَّا وَطِئْتَ أَوْ فَارَقْتَ. قَال مَالِكٌ: وَأَرَى أَنْ يُقْضَى بِذَلِكَ. قَال ابْنُ حَبِيبٍ: إِنْ كَانَ زَاهِدًا قَاضَتْهُ امْرَأَتُهُ، وَقِيل لَهُ: تَخْلُو مَعَهَا فِي كُل أَرْبَعِ لَيَالٍ لَيْلَةً، وَهُوَ قَسْمُ الْمَرْأَةِ مَعَ ضَرَائِرِهَا، قَال خَلِيلٌ: بِلاَ أَجَلٍ عَلَى الأَْصَحِّ. وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُضْرَبُ لَهُ أَجَلٌ بِمِقْدَارِ أَجَل الإِْيلاَءِ.
وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ (فِي حَادِثَةِ غَيْبَةِ أَحَدِ الْغُزَاةِ غَيْبَةً طَوِيلَةً عَنْ زَوْجَتِهِ) سَأَل حَفْصَةَ - زَوْجَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمْ تَصْبِرُ الْمَرْأَةُ عَنِ النِّكَاحِ؟ فَقَالَتْ: أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَبَعْدَهَا يَفْنَى صَبْرُهَا أَوْ يَقِل، فَنَادَى حِينَئِذٍ أَلاَّ تَزِيدَ غَزْوَةٌ عَنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.
__________
(1) ابن عابدين 2 / 545 وما بعدها.

وَفِي حَاشِيَةِ سَعْدِي جَلَبِي: وَالظَّاهِرُ أَنَّ لَهَا حَقًّا فِي الْجِمَاعِ فِي كُل أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مَرَّةً لاَ أَقَل، يُؤَيِّدُهُ قِصَّةُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ سَمِعَ مِنْ تِلْكَ الْمَرْأَةِ مَا سَمِعَ. (1)
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْل؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُول اللَّهِ. قَال: فَلاَ تَفْعَل. صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ. فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا (2)
فَأَخْبَرَ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ عَلَيْهِ حَقًّا. وَقَدِ اشْتَهَرَتْ قِصَّةُ كَعْبِ بْنِ سُورٍ، وَلأَِنَّ النِّكَاحَ شُرِعَ لِمَصْلَحَةِ الزَّوْجَيْنِ، وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمَا، وَهُوَ مُفْضٍ إِلَى دَفْعِ ضَرَرِ الشَّهْوَةِ عَنِ الْمَرْأَةِ، كَإِفْضَائِهِ إِلَى دَفْعِ ذَلِكَ عَنِ الرَّجُل، فَيَجِبُ تَعْلِيلُهُ بِذَلِكَ، وَيَكُونُ النِّكَاحُ حَقًّا لَهُمَا جَمِيعًا. وَلأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِيهِ حَقٌّ لَمَا وَجَبَ اسْتِئْذَانُهَا فِي الْعَزْل. (3)

الإِْعْذَارُ إِلَى الْمُمْتَنِعِ مِنَ الإِْنْفَاقِ عَلَى زَوْجَتِهِ:
22 - الْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ عَلَى الزَّوْجِ الإِْنْفَاقَ عَلَى زَوْجَتِهِ مَتَى تَحَقَّقَتِ الشُّرُوطُ الْمُوجِبَةُ لِذَلِكَ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنَ الإِْنْفَاقِ فَفِي كُل مَذْهَبٍ شُرُوطٌ وَتَفْصِيلاَتٌ.
__________
(1) فتح القدير وحواشيه 4 / 42 - 43، والمجموع 15 / 319 ط الإرشاد، وقليوبي وعميرة 4 / 10، وحاشية الدسوقي 2 / 431، والمواق 4 / 108، والخطاب 4 / 11.
(2) حديث: " ألم أخبر أنك تصوم النهار. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 218 ط السلفية) .
(3) المغني 7 / 28 - 31، وهذا الأجل الأقصى المضروب لترك التفريق يسوغ بعده للمرأة رفع أمر زوجها إلى القضاء، بطلب التفريق إن لم يطأ فيعذر القاضي إليه.

قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا طَلَبَتِ الْمَرْأَةُ مِنَ الْقَاضِي أَنْ يَفْرِضَ لَهَا النَّفَقَةَ، فَفَرَضَ وَهُوَ مُعْسِرٌ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَأْمُرُهَا بِالاِسْتِدَانَةِ، ثُمَّ تَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجِ إِذَا أَيْسَرَ، وَلاَ يَحْبِسُهُ فِي النَّفَقَةِ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ مُعْسِرٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْقَاضِي أَنَّهُ مُعْسِرٌ، وَسَأَلَتِ الْمَرْأَةُ حَبْسَهُ بِالنَّفَقَةِ، لاَ يَحْبِسُهُ الْقَاضِي فِي أَوَّل مَرَّةٍ، وَلَكِنْ يَأْمُرُهُ بِالإِْنْفَاقِ وَيُعْذَرُ إِلَيْهِ، بِأَنْ يُخْبِرَهُ أَنَّهُ يَحْبِسُهُ إِنْ لَمْ يُنْفِقْ. فَإِنْ عَادَتِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا حَبَسَهُ الْقَاضِي، وَكَذَا فِي دَيْنٍ آخَرَ غَيْرِ النَّفَقَةِ. وَإِذَا حَبَسَهُ الْقَاضِي شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً أَوْ أَرْبَعَةً يُسْأَل عَنْهُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ، بَل هُوَ مُفَوَّضٌ إِلَى رَأْيِ الْقَاضِي، إِنْ كَانَ فِي أَكْبَرِ رَأْيِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَضْجَرُ وَيُؤَدِّي الدَّيْنَ يُخَلَّى سَبِيلُهُ، وَلاَ يُمْنَعُ الطَّالِبُ عَنْ مُلاَزَمَتِهِ، وَلاَ يَمْنَعُهُ عَنِ التَّصَرُّفِ. وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا لاَ يُخْرِجُهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ الدَّيْنَ وَالنَّفَقَةَ إِلاَّ بِرِضَى الطَّالِبِ. فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ أَخَذَ الْقَاضِي الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ مِنْ مَالِهِ، وَيُؤَدِّي مِنْهَا النَّفَقَةَ وَالدَّيْنَ، لأَِنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ لَوْ ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ، وَكَذَا إِذَا ظَفِرَ بِطَعَامٍ فِي النَّفَقَةِ. وَالْعَجْزُ عَنِ الإِْنْفَاقِ لاَ يُوجِبُ حَقَّ الْفِرَاقِ. (1)
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ لِلزَّوْجَةِ الْفَسْخَ بِطَلْقَةٍ رَجْعِيَّةٍ، إِنْ عَجَزَ زَوْجُهَا عَنْ نَفَقَةٍ حَاضِرَةٍ، وَلَهَا أَنْ تَبْقَى مَعَهُ، وَإِنْ عَلِمَتْ فَقْرَهُ عِنْدَ الْعَقْدِ فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ. وَإِذَا أَرَادَتِ الْفَسْخَ رَفَعَتِ الأَْمْرَ لِلْحَاكِمِ فَيَأْمُرُهُ - إِنْ لَمْ يَثْبُتْ عُسْرُهُ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ تَصْدِيقِهَا بِالنَّفَقَةِ أَوِ الْكِسْوَةِ إِنْ شَكَتْ عَدَمَهَا، أَوِ الطَّلاَقَ - وَيَقُول لَهُ: إِمَّا أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهَا أَوْ تُطَلِّقَهَا. وَإِنْ أَثْبَتَ عُسْرَهُ
__________
(1) هامش الهندية 1 / 432 - 438.

ابْتِدَاءً، أَوْ بَعْدَ الأَْمْرِ بِالطَّلاَقِ، تَصْبِرُ لَهُ بِالاِجْتِهَادِ بِمَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ بِيَوْمٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَزِيدَ فِي مُدَّةِ التَّلَوُّمِ إِنْ مَرِضَ أَوْ سُجِنَ بَعْدَ إِثْبَاتِ الْعُسْرِ، لاَ فِي زَمَنِ إِثْبَاتِهِ، فَيُزَادُ بِقَدْرِ مَا يُرْجَى لَهُ شَيْءٌ، وَهَذَا إِذَا رُجِيَ بُرْؤُهُ مِنَ الْمَرَضِ وَخَلاَصُهُ مِنَ السِّجْنِ عَنْ قُرْبٍ، وَإِلاَّ طَلَّقَ عَلَيْهِ وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ غِيَابُ الزَّوْجِ أَوْ حُضُورُهُ، وَالزَّوْجُ الْغَائِبُ الَّذِي يُتَلَوَّمُ لَهُ هُوَ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُ مَا يُقَابِل النَّفَقَةَ، وَلَمْ يُعْلَمْ مَوْضِعُهُ، أَوْ زَادَتْ غَيْبَتُهُ عَلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ.
وَأَمَّا قَرِيبُ الْغَيْبَةِ كَثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، فَإِنَّهُ يُرْسِل إِلَيْهِ الْحَاكِمُ، إِمَّا أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهَا أَوْ يُطَلِّقَ عَلَيْكَ. (1)
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمُمْتَنِعَ مِنَ الإِْنْفَاقِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا.
فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَعِنْدَهُمْ قَوْلاَنِ، أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ لاَ يُفْسَخُ النِّكَاحُ حَاضِرًا كَانَ الزَّوْجُ أَوْ غَائِبًا، لاِنْتِفَاءِ الإِْعْسَارِ الْمُوجِبِ لِلْفَسْخِ، وَهِيَ مُتَمَكِّنَةٌ مِنْ تَحْصِيل حَقِّهَا بِالرَّفْعِ إِلَى الْحَاكِمِ. وَالثَّانِي: أَنَّ لَهَا الْفَسْخَ لِتَضَرُّرِهَا بِالْمَنْعِ.
وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا، فَإِنْ صَبَرَتْ، وَأَنْفَقَتْ مِنْ مَالِهَا أَوِ الْقَرْضِ صَارَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَإِلاَّ فَلَهَا الْفَسْخُ فِي الأَْظْهَرِ، كَمَا تَفْسَخُ بِالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ، بَل هَذَا أَوْلَى، لأَِنَّ الصَّبْرَ عَلَى عَدَمِ الاِسْتِمْتَاعِ أَسْهَل مِنَ الصَّبْرِ عَلَى عَدَمِ النَّفَقَةِ، وَالثَّانِي: لاَ فَسْخَ لَهَا لأَِنَّ الْمُعْسِرَ مُنْظَرٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} (2) وَلاَ فَسْخَ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَ قَاضٍ إِعْسَارُهُ بِالإِْقْرَارِ أَوِ الْبَيِّنَةِ.
ثُمَّ فِي قَوْلٍ يُنَجَّزُ الْفَسْخُ لِلإِْعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ وَقْتَ
__________
(1) حاشية الدسوقي 2 / 518 - 519.
(2) سورة البقرة / 280.

وُجُوبِ تَسْلِيمِهَا وَهُوَ طُلُوعُ الْفَجْرِ، وَلاَ يَلْزَمُ الإِْمْهَال، وَالأَْظْهَرُ إِمْهَالُهُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لِيَتَحَقَّقَ عَجْزُهُ، وَهِيَ مُدَّةٌ قَرِيبَةٌ يُتَوَقَّعُ فِيهَا الْقُدْرَةُ بِقَرْضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَهَا الْفَسْخُ صَبِيحَةَ الرَّابِعِ بِنَفَقَتِهِ إِلاَّ أَنْ يُسَلِّمَ نَفَقَتَهُ.
وَلَوْ رَضِيَتْ بِإِعْسَارِهِ الْعَارِضِ، أَوْ نَكَحَتْهُ عَالِمَةً بِإِعْسَارِهِ فَلَهَا الْفَسْخُ بَعْدَهُ (1) . وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ فِي أَنَّ زَوْجَةَ الْمُعْسِرِ مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ الصَّبْرِ عَلَيْهِ وَبَيْنَ فِرَاقِهِ. رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَبِهِ قَال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَرَبِيعَةُ وَحَمَّادٌ وَغَيْرُهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
وَلَمْ يُعْثَرْ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَلَى نَصٍّ فِي لُزُومِ الإِْعْذَارِ لِلإِْعْسَارِ عَنِ النَّفَقَةِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلاَمِهِمْ أَنَّهُ يُطَلِّقُ عَلَى الْفَوْرِ.
وَتَفْصِيل هَذِهِ الأَْحْكَامِ فِي مُصْطَلَحَيْ (إِعْسَارٌ، وَنَفَقَةٌ) (2) .

الإِْعْذَارُ إِلَى الْمُعْسِرِ بِمُعَجَّل الْمَهْرِ:
23 - إِذَا ثَبَتَ إِعْسَارُ الزَّوْجِ بِمُعَجَّل الصَّدَاقِ وَطَالَبَتْهُ الزَّوْجَةُ بِهِ فَهَل يُطَلَّقُ عَلَيْهِ فَوْرَ الثُّبُوتِ، أَوْ يُعْذَرُ إِلَيْهِ قَبْل الطَّلاَقِ، أَوْ لاَ إِعْذَارَ وَلاَ تَطْلِيقَ؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي التَّطْلِيقِ عَلَيْهِ وَفِي الإِْعْذَارِ إِلَيْهِ، فَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّهُ يُطَلَّقُ عَلَيْهِ لَكِنْ بَعْدَ الإِْعْذَارِ. وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَقْوَالٌ وَتَفْصِيلاَتٌ فِي التَّطْلِيقِ عَلَيْهِ. أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: لاَ يُطَلَّقُ عَلَيْهِ.
__________
(1) قليوبي وعميرة 4 / 81 - 83.
(2) المغني 77 / 573 - 577، واللجنة ترى أن تحديد الإعذار بمدة - كما تقدم هنا - ليس مبنيا على نص وإنما هو اجتهاد زمني تراعى فيه الظروف والملابسات التي تقنع القاضي بإعساره أو عدمه.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الزَّوْجَةَ إِنْ طَالَبَتِ الزَّوْجَ بِالصَّدَاقِ الْوَاجِبِ وَلَمْ يَجِدْهُ، فَإِنِ ادَّعَى الْعُدْمَ، وَلَمْ تُصَدِّقْهُ، وَلاَ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى صِدْقِهِ، وَلاَ مَال لَهُ ظَاهِرٌ، وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ عُسْرُهُ أَجَّلَهُ الْحَاكِمُ لإِِثْبَاتِ عُسْرِهِ، إِنْ أَعْطَى حَمِيلاً " كَفِيلاً " بِالْوَجْهِ، وَإِلاَّ حَبَسَهُ كَسَائِرِ الدُّيُونِ. وَمُدَّةُ التَّأْجِيل مَتْرُوكَةٌ لِلْقَاضِي. ثُمَّ إِذَا ثَبَتَ عُسْرُهُ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ صَدَّقَتْهُ تُلُوِّمَ لَهُ (تَمْكُثُ) بِالنَّظَرِ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ عُسْرُهُ فِي مُدَّةِ التَّأْجِيل وَلَمْ تُصَدِّقْهُ، فَقَال الْحَطَّابُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُحْبَسُ إِنْ جُهِل حَالُهُ لِيَسْتَبِينَ أَمْرُهُ، وَلَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ عُسْرُهُ تُلُوِّمَ لَهُ ابْتِدَاءً. فَأَمَّا ظَاهِرُ الْمَلاَءَةِ (الْغِنَى) فَيُحْبَسُ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِعُسْرِهِ، إِلاَّ أَنْ يَحْصُل لَهَا ضَرَرٌ بِطُول الْمُدَّةِ فَلَهَا طَلَبُ التَّطْلِيقِ. (1)
وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى فَسْخِ النِّكَاحِ بِإِعْسَارِ الزَّوْجِ بِمُعَجَّل الْمَهْرِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ قَالُوا: يَثْبُتُ لَهَا الْفَسْخُ بِالإِْعْسَارِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا إِعْذَارًا، لَكِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ الْفَسْخَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ مِنَ الْحَاكِمِ. (2)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى عَدَمِ قَبْضِ الزَّوْجَةِ مُعَجَّل مَهْرِهَا أَنَّهَا تَمْلِكُ أَنْ تَمْتَنِعَ عَنِ الدُّخُول فِي طَاعَتِهِ، وَلاَ تَكُونُ بِذَلِكَ نَاشِزَةً، وَلَيْسَ لَهُ حَبْسُهَا وَمَنْعُهَا مِنَ السَّفَرِ وَغَيْرِهِ.
وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلاَمِهِمْ أَنَّهُ يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ عَدَمِ الإِْقْبَاضِ الْعُسْرُ أَوْ غَيْرُهُ، لأَِنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ لَهَا الْمَنْعَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ الْمُعَجَّل، فَيُفِيدُ الإِْطْلاَقَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ لَهَا الاِمْتِنَاعَ مُطْلَقًا فِي
__________
(1) حاشية الدسوقي 2 / 299 - 300.
(2) المجموع 15 / 255 مكتبة الإرشاد، والمغني 7 / 579 ط الرياض.

الْيَسَارِ وَالإِْعْسَارِ (1) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (مَهْرٌ) .

إِعْذَارُ الْمَدِينِ:
24 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمُوسِرَ إِذَا امْتَنَعَ مِنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يُؤَدِّيَ الدَّيْنَ مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيُّ الْوَاجِدِ ظُلْمٌ. يُحِل عُقُوبَتَهُ وَعِرْضَهُ (2) فَعُقُوبَتُهُ حَبْسُهُ، وَعِرْضَهُ أَيْ يُحِل الْقَوْل بِالإِْغْلاَظِ لَهُ.
وَثُبُوتُ الْيَسَارِ يَكُونُ بِإِقْرَارِ الْمَدِينِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ، وَمُدَّةُ الْحَبْسِ مَحَل خِلاَفٍ كَمَا سَيَأْتِي.
وَإِذَا اخْتَلَفَ الدَّائِنُ وَالْمَدِينُ فِي الْيَسَارِ أَوِ الإِْعْسَارِ، فَفِي كُل مَذْهَبٍ تَفْصِيلاَتٌ وَأَحْكَامٌ.
وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ يَسَارُهُ وَلاَ إِعْسَارُهُ فَإِنَّهُ يُمْهَل لِلتَّحَقُّقِ مِنْ أَمْرِهِ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا عُوقِبَ بِالْحَبْسِ (3) وَتَفْصِيلُهُ فِي (دَيْنٌ) .

الإِْعْذَارُ عِنْدَ الأَْخْذِ لِلاِضْطِرَارِ:
25 - أَجْمَعَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ عَلَى أَنَّ الأَْكْل لِلْغِذَاءِ وَالشُّرْبِ لِلْعَطَشِ - وَلَوْ مِنْ حَرَامٍ، أَوْ مَيْتَةٍ أَوْ مِنْ مَال غَيْرِهِ - فَرْضٌ يُثَابُ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ
__________
(1) فتح القدير 3 / 248 - 249.
(2) حديث: " لي الواجد يحل عقوبته وعرضه " أخرجه أحمد (4 / 222 - ط الميمنية) وأبو داود (سنن أبي داود 4 / 45، 46 ط استنبول) وابن ماجه (2 / 811 - ط الحلبي) وصححه الحاكم، وأقره الذهبي (المستدرك 4 / 102) ، قال عبد القادر الأرناؤوط محقق جامع الأصول: إسناده حسن (جامع الأصول 4 / 454، 455 نشر مكتبة الحلواني) .
(3) أنفع الوسائل 326 - 327، والشرح الكبير مع الدسوقي 3 / 369، 378، وأسنى المطالب 2 / 186 - 188، والمغني 4 / 498 - 500.

لَيُؤْجِرُ فِي كُل شَيْءٍ، حَتَّى اللُّقْمَةُ يَرْفَعُهَا الْعَبْدُ إِلَى فِيهِ (1) فَإِنْ تَرَكَ الأَْكْل وَالشُّرْبَ حَتَّى هَلَكَ فَقَدْ عَصَى، لأَِنَّ فِيهِ إِلْقَاءَ النَّفْسِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيل بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (2) وَالْقَدْرُ الْوَاجِبُ هُوَ مَا يَدْفَعُ بِهِ الإِْنْسَانُ الْهَلاَكَ عَنْ نَفْسِهِ، وَالْمُبَاحُ إِلَى الشِّبَعِ، وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ فَحَرَامٌ.
وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ خَافَ الْمَوْتَ جُوعًا، وَمَعَ غَيْرِهِ طَعَامٌ زَائِدٌ عَنْ حَاجَتِهِ، أَخَذَ مِنْهُ قَدْرَ مَا يَسُدُّ جَوْعَتَهُ، وَكَذَا يَأْخُذُ مِنْهُ قَدْرَ مَا يَدْفَعُ الْعَطَشَ، فَإِنْ مَنَعَهُ أَخَذَهُ رَغْمًا عَنْهُ، فَإِنْ قَاتَلَهُ صَاحِبُ الطَّعَامِ فَلَهُ مُقَاتَلَتُهُ.
لَكِنْ عَلَى الْمُضْطَرِّ أَنْ يُعْذِرَ إِلَى صَاحِبِ الطَّعَامِ، فَيَقُول لَهُ: إِنْ لَمْ تُعْطِنِي قَاتَلْتُكَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ وَقَتَلَهُ، فَدَمُ صَاحِبِ الطَّعَامِ هَدَرٌ فِي صَرِيحِ مَذَاهِبِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَلَمْ يُصَرِّحِ الْحَنَفِيَّةُ بِحُكْمِ ذَلِكَ، وَلَكِنْ مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ: أَنَّهُ يُبَاحُ لِلْمُضْطَرِّ قِتَال صَاحِبِ الطَّعَامِ أَنَّهُ إِنْ قَتَلَهُ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ. (3)

مَنْ لَهُ حَقُّ الإِْعْذَارِ؟ وَبِمَ يَكُونُ؟ وَجَزَاءُ الْمُمْتَنِعِ؟
26 - اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ عَلَى أَنَّ الإِْعْذَارَ إِلَى
__________
(1) حديث: " إن الله ليؤجر في كل شيء حتى اللقمة. . . ". أخرجه البخاري من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بلفظ " وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في فِي امرأتك " ومسلم بلفظ مقارب (فتح الباري 3 / 164 ط السلفية، وصحيح مسلم 3 / 1250، 1251 ط عيسى الحلبي) .
(2) سورة البقرة / 195.
(3) ابن عابدين 5 / 296 وحاشية الدسوقي 2 / 115، وقليوبي وعميرة 4 / 263، والمغني 8 / 602، 603، ونهاية المحتاج 8 / 267.

الْخَصْمِ هُوَ حَقُّ الْقَاضِي، فَلاَ يَمْلِكُ الْخَصْمُ إِجْبَارَ خَصْمِهِ عَلَى حُضُورِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ لِسَمَاعِ الْخُصُومَةِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي. لَكِنَّهُمْ قَالُوا: إِذَا طَلَبُ الْخَصْمُ مِنَ الْقَاضِي إِحْضَارَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ فِي حَالاَتٍ، وَفِي كُل مَذْهَبٍ تَفْصِيلٌ (1) يُنْظَرُ فِي مَوَاطِنِهِ مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى وَالْقَضَاءِ.
27 - وَيُلْحَظُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ لَهُ حَقُّ الإِْعْذَارِ، وَفِي وَسِيلَتِهِ، وَجَزَاءُ الْمُمْتَنِعِ، الْقَصْدُ مِنْهُ إِعْلاَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا ادُّعِيَ بِهِ عَلَيْهِ، وَقَطْعُ عُذْرِهِ لِئَلاَّ يَقُول بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ بِأَنَّ الأَْمْرَ سَيُؤَدِّي إِلَى مَا أَدَّى إِلَيْهِ مِنْ تَطْلِيقِ زَوْجَتِهِ، أَوْ إِلْزَامِهِ بِمَا ادُّعِيَ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
أَمَّا الْوَسَائِل الَّتِي ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ لِلإِْعْذَارِ، وَكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ فَإِنَّهَا تَتَّفِقُ وَمَا عُهِدَ فِي أَيَّامِهِمْ مِنْ إِجْرَاءَاتٍ، فَلَيْسَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى نُصُوصٍ شَرْعِيَّةٍ وَاجِبَةِ الاِتِّبَاعِ، بَل هِيَ بِاجْتِهَادِهِمْ. وَقَدِ اسْتُحْدِثَتْ فِي هَذَا الْعَصْرِ وَسَائِل يُعْمَل بِهَا فِي الْمَحَاكِمِ، وَهِيَ تَتَّفِقُ وَمَا قَرَّرَهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ قَصْدِ إِعْلاَمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. فَتُنِيطُ بِمُوَظَّفِينَ طَلَبَ إِعْلاَنِ الْخُصُومِ بِأَوْرَاقٍ رَسْمِيَّةٍ يُوَقِّعُ عَلَيْهَا نَفْسُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ مَنْ يُقِيمُ مَعَهُ مِنْ زَوْجٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ خَادِمٍ، وَهُنَاكَ حَالاَتٌ يُسْتَدْعَى فِيهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِوَاسِطَةِ الشُّرْطَةِ إِذَا امْتَنَعَ مِنَ الْحُضُورِ، وَحَالاَتٌ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِغَرَامَةٍ مَالِيَّةٍ، وَالأَْصْل فِيهَا أَنَّهَا وَسَائِل مَشْرُوعَةٌ فَلاَ بَأْسَ مِنَ الْعَمَل بِهَا وَالسَّيْرِ عَلَيْهَا.
__________
(1) الفتاوى البزازية هامش الهندية 2 / 366، وحاشية البناني 7 / 155، والمغني 9 / 61 - 62.

أعذار ترك الجمعة والجماعة

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

* أعذار ترك الجمعة والجماعة:
يعذر بترك جمعة وجماعة:
* مريض يشق عليه أن يصلي مع الجماعة، ومدافع أحد الأخبثين، ومن خشي فوات رفقة، ومن خاف ضرر نفسه أو ماله، أو رفيقه، أو تأذى بمطر، أو وحل، أو ريح شديدة، ومن بحضرة طعام محتاج إليه متمكن من تناوله، ولا يجعل ذلك عادة له، وكذا طبيب، وحارس، ورجال الأمن، والمطافئ، وغيرهم ممن يشتغل بمصالح المسلمين الضرورية إذا جاء وقت الصلاة وهم يؤدون عملهم صلوا في مكانهم، ولهم أن يصلوا بدل الجمعة ظهراً عند الحاجة.
* كل ما ألهى عن الصلاة أو كان فيه إضاعة للوقت أو ضرر للبدن أو العقل فهو محرم كلعب الورق، وشرب الدخان، والشيشة، والمسكر، والمخدر، ونحو ذلك كالجلوس أمام شاشات التلفاز وغيره مما يعرض فيه الكفر والخنا والرذيلة.
* إذا صلى الإمام بالجماعة بنجاسة يجهلها وانقضت الصلاة فصلاتهم جميعاً صحيحة.
وإن علم بالنجاسة أثناء الصلاة، فإن أمكن إبعادها أو إزالتها فعل ذلك وأتم صلاته، وإن كان لا يمكنه انصرف واستخلف من يتم بالمأمومين صلاتهم.
* من زار قوماً فلا يؤمهم، ولكن يؤمهم رجل منهم.
* الصف الأول أفضل من الصف الثاني، ويمين الصف أفضل من يساره، فالله عز وجل وملائكته يصلون على الصف الأول، وعلى ميامن الصفوف، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم للصف الأول ثلاثاً، وللثاني واحدة.
13 - صلاة أهل الأعذار
* أهل الأعذار هم: المرضى، والمسافرون، والخائفون الذين لا يستطيعون أداء الصلاة على صفتها التي يؤديها غير المعذور، ومن رحمة الله أن يسَّر لهم ورفع عنهم الحرج، ولم يحرمهم كسب الأجر، فأمرهم أن يصلوا حسب استطاعتهم على ما جاءت به السنة، كما يلي:

16 - صلاة أهل الأعذار

موسوعة الفقه الإسلامي

16 - صلاة أهل الأعذار
صلاة المريض .. صلاة المسافر .. صلاة الخوف

1 - صلاة المريض
- أهل الأعذار:
أهل الأعذار هم المرضى، والمسافرون، والخائفون ونحوهم ممن لا يستطيع أداء الصلاة على صفتها التي يؤديها غير المعذور.
ومن رحمة الله أن يسر لهم، وخفف عنهم، ورفع عنهم الحرج، ولم يحرمهم كسب الأجر، فأمرهم أن يصلوا حسب استطاعتهم، ولم ينقص أجورهم.
- صفة طهارة المريض:
يجب على المريض أن يتطهر ويتوضأ للصلاة، فإن لم يستطع غسل ما يقدر عليه من الأعضاء، وتيمم للباقي، فإن لم يستطع تيمم، فإن لم يستطع سقطت الطهارة، وصلى حسب حاله.
- حكم صلاة المريض:
يجب على المريض أن يصلي الصلوات الخمس في أوقاتها مع الجماعة في المسجد، فإن لم يستطع صلاها في مكانه جماعة.
فإن لم يستطع صلاها في مكانه منفرداً.
فإن شق عليه أن يصلي كل صلاة في وقتها جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، جمع تقديم أو تأخير حسب الأرفق به، ولا يقصر الصلاة،

12 - أسباب سقوط العذاب في الآخرة

موسوعة الفقه الإسلامي

12 - أسباب سقوط العذاب في الآخرة
- فقه التكليف:
الله عز وجل هو الملك الغني، الذي له الغنى التام من كل وجه، والخلق كلهم فقراء إليه من كل وجه.
فهم فقراء إلى ربهم في خلقهم .. وبقائهم .. وإمدادهم .. وهدايتهم.
قال الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15)}} [فاطر:15].
وحين يكلف الله عباده بالدين فذلك من أجل تحصيل مصالح يعود نفعها كله إليهم، فالله غني لا تنفعه طاعات الطائعين، ولا تضره معاصي العاصين، كما قال سبحانه: {{وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6)}} ... [العنكبوت: 6].
وحاجة العباد إلى دين الله فوق كل حاجة، فلا صلاح ولا سعادة في الدنيا والآخرة إلا بالإيمان بالله، والعمل بشرعه.
وقد خلق الله الجن والإنس لعبادته وحده لا شريك له.
ومن أجل تحقيق هذه العبودية أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، كما قال سبحانه: {{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}} [النحل: 36].
وهذا التوحيد يقتضي من الخلق حقوقاً كثيرة يجمعها أمران هما:
فعل الأوامر .. واجتناب النواهي.
15 - عذاب القبر
اصطلاحا: من السمعيات التى ورد بها الشرع، ويجب على المسلم الإيمان بها "نعيم القبر وعذابه "- فى حياة تسمى بحياة "البرزخ " وهى ما بين الموت والبعث.

وقد تضافرت الأدلة من القرآن الكريم والسنة وإجماع الأمة علّى أن "القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار"- وهذا حديث نبوى متواتر المعنى- وفى القرآن الكريم يقول الله تعالى فى "آل فرعون" {{النار يعرضون عليها غدوا وعشيا}} (غافر 46) أى قبل يوم القيامة- وذلك إنما يكون فى القبر، بدليل قوله تعالى عقب ذلك: {{ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب}} (غافر 46)؛ وفى حق قوم نوح - عليه السلام - {{أغرقوا فأدخلوا نارا}} (نوح 25) ومعلوم أن الفاء للتعقيب؛ وقوله: {{ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين}} (غافر 11) فالإماتة الأولى تقع فى الدنيا، والثانية تقع عند النفخة الأولى فى الصور، والإحياء الأول يكون فى الدنيا قبل الموت، والإحياء الثانى يكون فى حياة البرزخ فى القبر حيث النعيم أو العذاب؛ وقد ترك ما فى الآخر من إحياء لأن القائلين "ربنا .. الخ " يشاهدون ذلك ويعاينونه عند مقالتهم تلك- كما تواتر عن النبى - صلى الله عليه وسلم - استعاذته من عذاب القبر، والأحاديث فى هذا الباب كثيرة.

وقد أنكر نعيم القبر وعذابه فريق ممن ينتسبون إلى الإسلام ـ وقد نسب ذلك إلى " المعتزلة " ولكن هذا ادعاء باطل فالمعتزلة لا ينكرون نعيم القبر وعذابه، إنما الذى أنكر ذلك هو ضرار بن عمرو ـ وهو ليس من المعتزلة، ولكنه كان يتردد عليهم فنسب إليهم وليس منهم.

والشبهات التى استند إليها المنكرون تتلخص فى أن بعض الناس يموتون ولا يقبرون ـ كمن غرق

فى البحر وأكلته الحيتان، ومن أحرقته النار فصار رمادا ـ فكيف يسأل هؤلاء وكيف ينعمون أو

يعذبون ـ مع أنهم لم يدفنوا فى قبور؛ ومن شبههم أيضا أن المصلوب يبقى مصلوبا أياما بعد

موته من غير أن يظهر عليه أثر للنعيم والعذاب ـ كما أننا لو فتحنا قبر ميت بعد دفنه بفترة من

الزمن لوجدناه على وصفه الذى كان عليه عند دفنه ـ بدون أن يظهر عليه أثر للنعيم أو العذاب

حتى لو وضعنا على صدره ـ عند دفنه ـ حبات من خردل ـ لوجدناها كما هى ـ مما يدل على

أنه لم يتحرك ـ إلى نحو ذلك من شبهات.

ويقال فى الرد على هذه الشبهات:
1ـ أنه إنما سمى بعذاب القبر ونعيمه؛ لأن الغالب على الموتى أنهم يقبرون- ولكن المراد به "حياة البرزخ "- فكل ميت يناله من النعيم والعذاب- فى حياة البرزخ- ما قدر له – وإن لم يدفن فى قبر.
2 - أن ما يخبر به الرسل إما أن يكون مما تشهد له العقول والفطر، وإما أن يكون مما لا تدركه العقول بمفردها- كالغيبيات- التى أخبروا بها عن حياة البرزخ واليوم الآخر وما فيه- وهى أمور لا تحكم العقول بأنها مستحيلة، وإن كانت لا تصل إلى إدراكها بمفردها- غير أنها أمور ممكنة فى ذاتها- أخبر بها الصادق الذى ثبت صدقه بالمعجزة، فتكون حقا لا ينبغى لعاقل أن يمارى فيه- وإذا حكم العقل باستحالة شيء من هذا القبيل فإن ذلك يرجع إما إلى خلل فى حكم العقل، أو كذب فى النقل عن الرسل.
3 - أن دار الدنيا لها أحكامها وقوانينها التى تجرى على الأبدان؛ وأما دار "البرزخ" فلها أحكامها التى تجرى على الأرواح - ونحن نرى مثالا لذلك فى الدنيا- وهو النائم الذى ينعم أو يعذب فى منامه بينما الملاصق له فى سريره لا يرى شيئا من ذلك ولا يحس به؛ مما أخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن عذاب القبر ونعيمه وضيقه وسعته وكونه روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار- هو أمر لا يحكم العقل باستحالته، وقد أخبر به الصادق المؤيد بالمعجزة؛ فيكون حقا لا ريب فيه، ولا مستند لمن ينفيه.
هذا وقد اتفق المثبتون لنعيم القبر وعذابه أن الله يعيد إلى الميت فى القبر نوع حياة قدر ما يتلذذ ويتألم- ولكنهم توقفوا فى إعادة الروح إليه- وما يقال من أنه لا حياة بدون الروح فإنما يكون ذلك فى الحياة الكاملة- وهى المصحوبة بالقدرة والفعل الاختيارى- وقد اتفقوا على أن الميت لا يتمتع بذلك.
أ. د/ صفوت حامد مبارك
__________
المراجع
1 - شرح المقاصد لسعد الدين التفنازانى.
2 - الروح لابن القيم.
3 - شرح العقائد النسفية.
4 - شرح العقيدة "الطحاوية لابن أبى العز الحنفى ط مؤسسة الرسالة بيروت

72 - م 4 خت: داود بن أبي هند أبو محمد بن دينار بن عذافر البصري.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

72 - م 4 خت: دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ دِينَارِ بْنِ عَذَافِرَ الْبَصْرِيُّ. [الوفاة: 131 - 140 ه]
مِنَ الْمَوَالِي، أَصْلُهُ مِنْ خُرَاسَانَ، وَكَانَ مِنَ الأَئِمَّةِ الأَعْلامِ، وَيُقَالُ: اسْمُ أَبِيهِ طَهْمَانُ، وَيُقَالُ: وَلاؤُهُ لِبَنِي قُشَيْرٍ، وَيُقَالُ: كُنْيَتُهُ أَبُو بَكْرٍ.
رَوَى عَنْ: سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ (م)، وَأَبِي الْعَالِيَةَ (م ق)، وَأَبِي مُنِيبٍ -[644]- الْجُرَشِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ (م 4)، وَأَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ (م ن)، وَمَكْحُولٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ (م)، وَجَمَاعَةٍ، وَرَأَى أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ.
وَعَنْهُ: شُعْبَةُ، وَسُفْيَانُ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَهُشَيْمٌ، وَابْنُ عُلَيَّةَ، وَيَحْيَى الْقَطَّانُ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَبِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، وَخَلْقٌ، سَمِعَ مِنْهُ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ حَدِيثًا.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ الضُّبَعِيُّ قَالَ: قَالَ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ: أَتَيْتُ الشَّامَ فَلَقِيَنِي غَيْلانُ فَقَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أسألك عن مسائل، قلت: سَلْنِي عَنْ خَمْسِينَ مَسْأَلَةً وَأَسْأَلُكَ عَنْ مَسْأَلَتَيْنِ، قَالَ: سَلْ يَا دَاوُدُ، قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ أَفْضَلِ مَا أُعْطِيَ ابْنُ آدَمَ، قَالَ: الْعَقْلَ، قُلْتُ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْعَقْلِ مَا هُوَ، شَيْءٌ مُبَاحٌ لِلنَّاسِ مَنْ شَاءَ أَخَذَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ، أَوْ هُوَ مَقْسُومٌ؟ قَالَ: فَمَضَى وَلَمْ يُجِبْنِي.
ذَكَرَ كُنْيَتَهُ النَّسَائِيُّ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ معين، وغيرهما: ثقة.
وقال حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَفْقَهَ مِنْ دَاوُدَ.
وَعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: عَجَبًا لِأَهْلِ الْبَصْرَةِ يَسْأَلُونَ عُثْمَانَ الْبَتِّيَّ، وَعِنْدَهُمْ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ.
وَقَالَ وُهَيْبٌ: دَارَ الأَمْرُ بِالْبَصْرَةِ عَلَى أَرْبَعَةٍ: أَيُّوبَ، وَيُونُسَ، وَابْنِ عَوْنٍ، وَسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، فَقَالَ قَائِلٌ: فَأَيْنَ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ.
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ دَاوُدَ بْنِ أبي هند، إن كان ليفرع العلم فرعاً.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، فَقَالَ: مِثْلُ دَاوُدَ يُسْأَلُ عَنْهُ، ثِقَةٌ ثِقَةٌ. -[645]-
وَقَالَ أَحْمَدُ الْعِجْلِيُّ: كَانَ صَالِحًا ثِقَةً خَيَّاطًا.
وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ: كَانَ دَاوُدُ مُفْتِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ فَقَالَ: يَا فِتْيَانُ أُخْبِرُكُمْ لَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ: كُنْتُ وَأَنَا غُلامٌ أَخْتَلِفُ إِلَى السُّوقِ فَإِذَا انْقَلْبَتُ إِلَى الْبَيْتِ جَعَلْتُ عَلَى نَفْسِي أن أذكر الله إلى مكان كذا وكذا، فَإِذَا بَلَغْتُ ذَلِكَ الْمَكَانَ جَعَلْتُ عَلَى نَفْسِي أن أذكر الله إلى مكان كذا وكذا، حَتَّى آتِي الْمَنْزِلَ.
وَقَالَ الْفَلاسُ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي عَدِيٍّ يَقُولُ: صَامَ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ أَرْبَعِينَ سَنَةً لا يَعْلَمُ بِهِ أَهْلُهُ، كان خزازاً يحمل معه غداءه فَيَتَصَدَّقُ بِهِ فِي الطَّرِيقِ وَيَرْجِعُ عِشَاءً، فَيُفْطِرُ معهم.
وقال علي ابن المديني: حدثنا سفيان، قال: سَمِعْتُ دَاوُدَ بْنَ أَبِي هِنْدٍ يَقُولُ: أَصَابَنِي الطَّاعُونَ فَأُغْمِيَ عَلَيَّ، فَكَأَنّ اثْنَيْنِ أَتَيَانِي فَغَمَزَ أَحَدُهُمَا عِكْوَةَ لِسَانِي وَغَمَزَ الآخَرُ أَخْمَصَ قَدَمَيَّ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ تَجِدُ قَالَ: اجْدُ تَسْبِيحًا وَتَكْبِيرًا وَشَيْئًا مِنْ خَطْوٍ إِلَى الْمَسْجِدِ وَشَيْئًا مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، قَالَ: وَلَمْ أَكُنْ أَخَذْتُ الْقُرْآنَ حِينَئِذٍ قَالَ: فَكُنْتُ أَذْهَبُ فِي الْحَاجَةِ فَأَقُولُ: لَوْ ذَكَرْتُ اللَّهَ حَتَّى آتِي حَاجَتِي قَالَ: فَعُوفِيتُ فَأَقْبَلْتُ عَلَى الْقُرْآنِ، فَتَعَلَّمْتُهُ.
وَعَنْ دَاوُدَ قَالَ: اثْنَتَانِ لَوْ لَمْ يَكُونَا لَمْ يَنْتَفِعْ أَهْلُ الدُّنْيَا بِدُنْيَاهُمْ: الْمَوْتُ، وَالأَرْضُ تُنَشِّفُ النَّدَى.
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: دَخَلْتُ عَلَى دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ فَرَأَيْتُ ثِيَابَ بَيْتِهِ مُعْصَفَرَةً.
قَالَ دَاوُدُ: وُلِدْتُ بِمَرْوٍ.
وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَالقَطَّانُ وَطَائِفَةٌ: مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلاثِينَ وَمِائَةٍ.
قَالَ خَلِيفَةُ: مَاتَ مَصْدَرَ النَّاسِ من الحج. -[646]-
وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَغَيْرُهُ: مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ ومائة.

بحث: المولى العذاري والمولى لطفي

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

بحث: المولى العذاري، والمولى لطفي
في السبع الشداد له، وأجوبته للعذارى.
جرى ذلك في مجلس قد عقده بعض الوزراء لذلك، فظهر العذاري عليه غلبة فاحشة؛ ثم عقد بعده مجالس للمباحثة من مواضع آخر، لكن العذاري أجاب عن الأسئلة المذكورة في رسالته، ولم يقدر على دفعها، كذا قال صاحب (الشقائق) .

خلع العذار في وصف العذار

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

خلع العذار، في وصف العذار
لصلاح الدين: خليل بن أيبك الصفدي.
ذكره صاحب (سحر العيون) ، وقال: لبس ثوب الخلاعة، حيث خلع عذاره في الاستطاعة.
تأليف: شمس الدين: محمد بن السحن بن علي بن عثمان النواجي، المصري، الأديب، الشافعي.
المتوفى: سنة 859.
أوله: (الحمد لله، الذي نزه من شاء في رياض الأدب ... الخ) .

الهلال المستنير في العذاء المستدير

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

الهلال المستنير، في العذاء المستدير
للشيخ، أبي ذر: أحمد بن إبراهيم الحلبي.
المتوفى: سنة 884، أربع وثمانين وثمانمائة.
يقال: إنه أذهبه في آخر عمره.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت