نتائج البحث عن (عينة) 50 نتيجة

(الظعينة) الرَّاحِلَة يرتحل عَلَيْهَا والهودج وَالزَّوْجَة (ج) ظعائن وظعن وأظعان
(الْعينَة) جُزْء من الْمَادَّة يُؤْخَذ مِنْهَا نموذجا لسائرها (مج)
(الْعينَة) خِيَار الشَّيْء وَالسَّلَف ومادة الْحَرْب وَيُقَال ثوب عينة حسن المنظر
العينة: هي أن يأتي الرجل رجلًا ليستقرضه فلا يرغب المقرض في الإقراض طمعًا في الفضل الذي لا ينال بالقرض، فيقول: أبيعك هذا الثوب باثني عشر درهمًا إلى أجل، وقيمته عشرة، ويسمى: عينة؛ لأن المقرض أعرض عن القرض إلى بيع العين.
العينة:[في الانكليزية] Forward sale ،loaning without 2 L interest [ في الفرنسية] Vente a terme ،pret sans interet بالكسر وسكون الياء سبق ذكرها في لفظ البيع وهي أن يأتي الرجل رجلا ليستقرضه فلا يرغب المقرض في الإقراض طمعا في الفضل الذي لا ينال بالقرض، فيقول أبيعك هذا الثوب باثني عشر درهما إلى أجل وقيمته عشرة، فيستفيد درهمين بمقابلة الأجل ويسمّى عينة لأنّ المقرض أعرض عن القرض إلى بيع العين، كذا في كتب الفقه. (غ)
ذَرْعَيْنَةُ:
فتح أوّله، وسكون ثانيه، والعين مهملة:
من قرى بخارى، منها أبو زيد عمران بن موسى بن غرامش الذرعيني البخاري، روى عن إبراهيم بن فهد روى عنه أبو بكر بن أحمد بن سعد بن نصر الزاهد.
المَعِينَةُ:
بتقديم الياء على النون: من قرى مخلاف سنحان باليمن.
ضَعِينَة
صورة كتابية صوتية من ظعينة: الزوجة والراحلة ترتحل عليها والهودج.
جُعَيْنَة
من (ج ع ن) لعله تصغير ترخيم جعونة.
العينة: بالكسر، أن يبيع الرجل متاعه إلى أجل ثم يشتريه في المجلس بثمن حال ليسلم به من الربا. وقيل لهذا بيع العينة.
البيع العِينة: أن يأتي الرجل رجلاً ليستقرضه فلا يرغب المُقرِض في الإقراض طمعاً في الفضل الذي لا ينال بالقرضة فيقول: أبيعك هذا الثوب باثني عَشَرَ درهماً إلى أجل وقيمتُه عشرةٌ فيستفيد بمقابلة الأجل ويسمّى عينةً، لأن المقرض أعرض عن القرض إلى بيع العين.
الظَّعِينة: المرأة والزوجةُ ما دامت في الهودج وقد يراد بها المرأة مطلقاً في قولهم: هؤلاء ظغائنةُ" أي نساؤه.

الوسائل المعينة على اكتساب الإيثار

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الوسائل المعينة على اكتساب الإيثار.
الوسائل المعينة على اكتساب الإيثار المتعلق بالخالق:.
ذكر ابن القيم رحمه الله أمور تجعل من هذا الإيثار أمراً سهلاً على النفس خفيفاً على الروح فقال:.
(والذي يسهله على العبد أمور:.
- أحدها: أن تكون طبيعته لينة منقادة سلسة ليست بجافية ولا قاسية بل تنقاد معه بسهولة..
- الثاني: أن يكون إيمانه راسخاً ويقينه قوياً فإن هذا ثمرة الإيمان ونتيجته..
- الثالث: قوة صبره وثباته..
فبهذه الأمور الثلاثة ينهض إلى هذا المقام ويسهل عليه دركه)
(¬1)..
الوسائل المعينة على اكتساب الإيثار المتعلق بالخلق:.
قال الإمام ابن القيم: (فإن قيل فما الذي يسهل على النفس هذا الإيثار فإن النفس مجبولة على الأثرة لا على الإيثار قيل يسهله أمور:.
- أحدها: رغبة العبد في مكارم الأخلاق ومعاليها فإن من أفضل أخلاق الرجل وأشرفها وأعلاها الإيثار وقد جبل الله القلوب على تعظيم صاحبه ومحبته كما جبلها على بغض المستأثر ومقته لا تبديل لخلق الله.
- الثاني: النفرة من أخلاق اللئام ومقت الشح وكراهته له..
- الثالث: تعظيم الحقوق التي جعلها الله سبحانه وتعالى للمسلمين بعضهم على بعض فهو يرعاها حق رعايتها ويخاف من تضييعها ويعلم أنه إن لم يبذل فوق العدل لم يمكنه الوقوف مع حده فإن ذلك عسر جدا بل لا بد من مجاوزته إلى الفضل أو التقصير عنه إلى الظلم فهو لخوفه من تضييع الحق والدخول في الظلم يختار الإيثار بما لا ينقصه ولا يضره ويكتسب به جميل الذكر في الدنيا وجزيل الأجر في الآخرة مع ما يجلبه له الإيثار من البركة وفيضان الخير عليه فيعود عليه من إيثاره أفضل مما بذله ومن جرب هذا عرفه ومن لم يجربه فليستقرأ أحوال العالم والموفق من وفقه الله سبحانه وتعالى)
(¬2)..
¬_________.
(¬1) ((طريق الهجرتين وباب السعادتين)) لابن القيم (1/ 450).
(¬2) ((طريق الهجرتين وباب السعادتين)) لابن القيم (1/ 448).

الأسباب المعينة على اكتساب التعاون:

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الأسباب المعينة على اكتساب التعاون:.
هناك العديد من الطرق والسبل التي تعمل على تقوية التعاون وتثبيته بين المؤمنين ومن ذلك:.
1 - (التعارف..
2 - معرفة المسلم لحقوق المسلم عليه..
3 - احتساب الأجر..
4 - تنمية الروح الجماعية..
5 - فقه الواقع..
6 - تطهير القلب من الأمراض)
(¬1)..
7 - الإخلاص..
8 - إحسان الاختلاط بالناس..
¬_________.
(¬1) ((الرائد دروس في التربية والدعوة)) لمازن بن عبدالكريم الفريح (1/ 223 - 225) بتصرف.

الأسباب المعينة على الكرم والجود والسخاء

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الأسباب المعينة على الكرم والجود والسخاء.
دوافع البذل والعطاء عند الإنسان كثيرة؛ منها (¬1):.
1 - نفسه الطيبة..
2 - حب عمل الخير..
3 - توفيق الله له بالبذل والنفقة..
4 - حث أهل الخير له على النفقة والعطاء والكرم..
5 - مقتضيات المجتمع الإسلامي وحاجاته الملحة إلى التعاون؛ والتكامل لبناء الاقتصاد الإسلامي بناء قويًا وعزيزًا..
¬_________.
(¬1) ((التصوير النبوي للقيم الخلقية)) لعلي علي صبح (ص181) بتصرف.

الوسائل المعينة للتخلق بصفة الحلم

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الوسائل المعينة للتخلق بصفة الحلم.
السبب الأول من الأسباب التي تعين على التخلق بصفة الحلم: تذكر كثرة حلم الله على العبد، فالله سبحانه وتعالى حليم، يرى معصية العاصي ومخالفته لأمره فيمهله قال تعالى وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [البقرة: 235].
قال أبو حاتم: (الواجب على العاقل، إذا غضب واحتدَّ أن يذكر كثرة حلم الله عنه مع تواتر انتهاكه محارمه وتعديه حرماته، ثم يحلم، ولا يخرجه غيظه إلى الدخول في أسباب المعاصي) (¬1)..
وقال محمد بن السعدي لابنه عروة لما ولي اليمن: (إذا غضبت فانظر إلى السماء فوقك، وإلى الأرض تحتك، ثم عظم خالقهما) (¬2)..
السبب الثاني: تذكر الثواب من الله للعافين عن الناس، قال تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: 133 - 134]،.
عن أبي جعفر الخطمي أن جده عمير وكانت له صحبة أوصى بنيه: (يا بني إياكم ومجالسة السفهاء فإن مجالستهم دناءة من يحلم على السفيه يسر بحلمه ومن يجبه يندم ومن يصبر على ما يكره يدرك ما يحب وإذا أراد أحدكم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فليوطن نفسه على الصبر على الأذى ويثق بالثواب من الله فإن من وثق بالثواب لم يجد مس الأذى) (¬3)..
السبب الثالث: الرحمة بالجاهل، ومن ذلك ما جاء عن أنس بن مالك قال: ((بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد فقال أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مه مه. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تزرموه دعوه. فتركوه حتى بال. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن. أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال فأمر رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه)) (¬4)..
السبب الرابع: القدرة على الانتصار وهذا ناتج عن سعة الصدر والثقة بالنفس ومن ذلك عفوه صلى الله عليه وسلم عن حاطب بن أبي بلتعةرضي الله عنه..
قال أبو حاتم: (ولم يقرن شيء إلى شيء أحسن من عفو إلى مقدرة. والحلم أجمل ما يكون من المقتدر على الانتقام) (¬5)..
السبب الخامس: الترفّع عن المعاملة السيئة بالمثل، وهذا يدل على شرف النفس، وعلو الهمة ومن ذلك ما رواه جابر بن عبد الله، قال: ((غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة نجد فلما أدركته القائلة وهو في واد كثير العضاة فنزل تحت شجرة واستظل بها وعلق سيفه فتفرق الناس في الشجر يستظلون وبينا نحن كذلك إذ دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئنا فإذا أعرابي قاعد بين يديه فقال إن هذا أتاني وأنا نائم فاخترط سيفي فاستيقظت وهو قائم على رأسي مخترط صلتا قال من يمنعك مني قلت الله فشامه ثم قعد فهو هذا قال ولم يعاقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم)) (¬6)..
السبب السادس: التفضّل على المسيء، ومن ذلك ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركه أعرابي , فأخذ بردائه, فجبذه جبذةً شديدة .... ) والحديث تقدم..
¬_________.
(¬1) ((روضة العقلاء)) لابن حبان البستي (ص 212)..
(¬2) ((روضة العقلاء)) لابن حبان البستي (ص 212)..
(¬3) ((الحلم)) لابن أبي الدنيا (ص 30)..
(¬4) رواه مسلم (285) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه..
(¬5) ((روضة العقلاء)) (ص 208) لابن حبان البستي..
(¬6) رواه البخاري (4139) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

الوسائل المعينة على اكتساب الحياء

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الوسائل المعينة على اكتساب الحياء.
الحياء موجود في فطرة الإنسان، وعلينا أن نجعله رفيقاً لنا في كل أقوالنا وأفعالنا، وهناك بعض الوسائل التي تنمي هذه الصفة وتقويها في نفوسنا، ومن هذه الوسائل:.
- اتباع أوامر الله سبحانه والخوف منه ومراقبته في كل حين واستشعار معيته..
- اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به في حياته القولية والفعلية..
- غض البصر عما حرم الله سبحانه وتعالى، وعدم تتبع عورات الآخرين..
- الصبر عن المعصية: لأن الصبر على البعد عن المعصية تعين على ملازمة الحياء..
- تربية الأولاد على الحياء..
- مجالسة من يتصف بصفة الحياء.

الأسباب المعينة على التخلق بخلق الرحمة

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الأسباب المعينة على التخلق بخلق الرحمة.
يقول العلامة السعدي رحمه الله: (فلا يزال العبد يتعرف الأسباب التي يدرك بها هذا الوصف الجليل، ويجتهد في التحقق به، حتى يمتلئ قلبه من الرحمة، والحنان على الخلق. ويا حبذا هذا الخلق الفاضل، والوصف الجليل الكامل. وهذه الرحمة التي في القلوب، تظهر آثارها على الجوارح واللسان، في السعي في إيصال البر والخير والمنافع إلى الناس، وإزالة الأضرار والمكاره عنهم) (¬1)..
وهاك أخي الكريم بعض الأسباب المعينة على التخلق بهذا الخلق الكريم والسجية العظيمة:.
من أهم الأسباب المعينة على التخلق بهذا الخلق الكريم القراءة في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتدبر في معالمها, والتأسي به في مواقف رحمته صلى الله عليه وسلم..
مجالسة الرحماء ومخالطتهم, والابتعاد عن ذوي الغلظة والفضاضة, فالمرء يكتسب من جلسائه طباعهم وأخلاقهم..
تربية الأبناء على هذا الخلق العظيم ومحاولة غرسه في قلوبهم, ومتى نشأ الناشئ على الرحمة ثبتت في قلبه وأصبحت سجية له..
معرفة جزاء الرحماء وثوابهم , وأنهم هم الجديرون برحمة الله دون غيرهم, ومعرفة عقوبة الله لأصحاب القلوب القاسية, فإن هذا مما يدفع للرحمة ويردع عن القسوة..
معرفة الآثار المترتبة عن التحلي بهذا الخلق, والثمار التي يجنيها الرحماء في الدنيا قبل الآخرة..
الاختلاط بالضعفاء والمساكين وذوي الحاجة فإنه مما يرقق القلب ويدعو إلى الرحمة والشفقة بهؤلاء وغيرهم..
7 - التعرض لرحمة الله والسعي وراء أسبابها, فالله تبارك وتعالى لا يرحم إلا الرحماء..
¬_________.
(¬1) ((بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار)) (ص189).

الوسائل المعينة على اكتساب صفة الشهامة

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الوسائل المعينة على اكتساب صفة الشهامة.
1 - الصبر..
قال الراغب الأصفهاني: (الصبر يزيل الجزع ويورث الشهامة المختصة بالرجولية) (¬1)..
2 - الشجاعة..
3 - علو الهمة وشرف النفس..
قال الشيخ بكر أبو زيد: (كبر الهمة في العلم، من سجايا الإسلام التحلي بكبر الهمة، مركز السالب والموجب في شخصك، الرقيب على جوارحك، كبر الهمة يجلب لك بإذن الله خيراً غير مجذوذ، لترقى إلى درجات الكمال، فيجري في عروقك دم الشهامة والركض في ميدان العلم والعمل، فلا يراك الناس واقفاً إلا على أبواب الفضائل، ولا باسطاً يديك إلا لمهمات الأمور) (¬2)..
4 - العدل والإنصاف (¬3)..
5 - مصاحبة ذوي الشهامة والنجدة..
6 - الإيمان بالقضاء والقدر..
قال الشيخ صالح الفوزان: (ومن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر: أنه يدفع الإنسان إلى العمل والإنتاج والقوة والشهامة؛ فالمجاهد في سبيل الله يمضي في جهاده ولا يهاب الموت لأنه يعلم أن الموت لا بد منه، وأنه إذا جاء لا يؤخر؛ لا يمنع منه حصون ولا جنود، أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَة [النساء: 78] قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ [آل عمران: 154]، وهكذا حينما يستشعر المجاهد هذه الدفعات القوية من الإيمان بالقدر؛ يمضي في جهاده حتى يتحقق النصر على الأعداء وتتوفر القوة للإسلام والمسلمين) (¬4)..
¬_________.
(¬1) (([1371] ((الذريعة إلى مكارم الشريعة)) للراغب الأصفهاني (ص 115)..
(¬2) (([1372] ((حلية طالب العلم)) لبكر أبوزيد (ص 173)، ((مواد الظمآن لدروس الزمان)) لعبد العزيز السلمان (3/ 409).
(¬3) (([1373] ((بريقة محمودية)) لأبي سعيد الخادمي (3/ 154)..
(¬4) (([1374] ((الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد)) لصالح الفوزان (ص 303 – 304).
الوسائل المعينة على الصبر.
من الوسائل التي تعين على الصبر:.
1 - أن يتدبر المرء القرآن الكريم وينظر إلى آياته نظرة تأمل:.
قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْء مّنَ ?لْخَوفْ وَ?لْجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ ?لأمَوَالِ وَ?لأنفُسِ وَ?لثَّمَر?تِ وَبَشّرِ ?لصَّـ?بِرِينَ ?لَّذِينَ إِذَا أَصَـ?بَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ ر?جِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَو?تٌ مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ ?لْمُهْتَدُونَ [البقرة:155 - 157].
2 - أن يستعين بالله في مصابه:.
من أصيب بمصيبة أن حظّه من المصيبة ما يحدث له من رضا فمن رضي فله الرضا، ومن تسخط فله السخط..
3 - أن يعلم أن ما أصابه مقدر من الله:.
قال تعالى: مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ?لأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَـ?بٍ مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ?للَّهِ يَسِيرٌ لّكَيْلا تَأْسَوْاْ عَلَى? مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءاتَـ?كُمْ وَ?للَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد:22، 23]..
4 - أن يتذكر أعظم المصائب التي حلت بالأمة الإسلامية؛ وهي موت الرسول صلى الله عليه وسلم:.
قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا أصيب أحدكم بمصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها أعظم المصائب)) (¬1)..
5 - أن يتجنب الجزع وأنه لا ينفعه بل يزيد من مصابه:.
قال ابن القيم رحمه الله: (إن الجزع يشمت عدوه ويسوء صديقه ويغضب ربه ويسر شيطانه ويحبط أجره ويضعف نفسه وإذا صبر واحتسب أنضى شيطانه ورده خاسئا وأرضى ربه وسر صديقه وساء عدوه وحمل عن إخوانه وعزاهم هو قبل أن يعزوه فهذا هو الثبات والكمال الأعظم لا لطم الخدود وشق الجيوب والدعاء بالويل والثبور والسخط على المقدور) (¬2)..
6 - أن يتيقن بأن نعم الدنيا فانية ولا تستقر لأحد، فلا يفرح بإقبالها عليه، حتى لا يحزن بإدبارها عنه..
7 - أن يتسلى المصاب بمن هم أشد منه مصيبة..
قال ابن القيم رحمه الله: (ومن علاجه أن يطفئ نار مصيبته ببرد التأسي بأهل المصائب وليعلم أنه في كل واد بنو سعد ولينظر يمنة فهل يرى إلا محنة؟ ثم ليعطف يسرة فهل يرى إلا حسرة؟ وأنه لو فتش العالم لم ير فيهم إلا مبتلى إما بفوات محبوب أو حصول مكروه وأن شرور الدنيا أحلام نوم أو كظل زائل إن أضحكت قليلا أبكت كثيرا وإن سرت يوما ساءت دهرا وإن متعت قليلا خيرة إلا ملأتها عبرة ولا سرته بيوم سرور إلا خبأت له يوم شرور) (¬3)..
8 - أن يتسلى المصاب بأنه لله وأن مصيره إليه:.
قال ابن القيم رحمه الله: (إذا تحقق العبد بأنه لله وأن مصيره إليه تسلى عن مصيبته وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه له في عاجلته وآجلته فإنها تتضمن أصلين عظيمين إذا تحقق العبد بمعرفتهما تسلى عن مصيبته. أحدهما: أن العبد وأهله وماله ملك لله عز وجل حقيقة ... الثاني: أن مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق ولا بد أن يخلف الدنيا وراء ظهره ويجيء ربه فردا كما خلقه أول مرة بلا أهل ولا مال ولا عشيرة ولكن بالحسنات والسيئات فإذا كانت هذه بداية العبد وما خوله ونهايته فكيف يفرح بموجود أو يأسى على مفقود.) (¬4)..
9 - أن يعلم أن ابتلاء الله له هو امتحان لصبره:.
¬_________.
(¬1) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (7/ 167)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (9678)، والبغوي في ((معجم الصحابة)) (4/ 20)، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (3/ 1440) من حديث سابط القرشي رضي الله عنه. قالابن حجر العسقلاني في ((الإصابة)) (2/ 2): إسناده حسن، لكن اختلف فيه على علقمة..
(¬2) ((زاد المعاد)) لابن القيم (4/ 173)..
(¬3) ((زاد المعاد)) لابن القيم (4/ 173)..
(¬4) ((زاد المعاد)) لابن القيم – بتصرف- (4/ 173).
الوسائل المعينة على الصدق.
(الصدق شاق على النفس؛ ولهذا قال ابن القيم: فحمل الصدق كحمل الجبال الرواسي، لا يطيقه إلا أصحاب العزائم، فهم يتقلبون تحته تقلب الحامل بحمله الثقيل، والرياء والكذب خفيف كالريشة لا يجد له صاحبه ثقلاً البتة، فهو حامل له في أي موضع اتفق، بلا تعب ولا مشقة ولا كلفة، فهو لا يتقلب تحت حمله ولا يجد ثقله). ولكن مع هذا، فإن المرء إذا جد وجاهد أدرك وعد الله للمجاهدين: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت: 69]. ومما يعين على الصدق:.
1 - مراقبة الله تعالى:.
إن إيمان المرء بأن الله عز وجل معه، يبصره ويسمعه، يدفعه للخشية والتحفظ، قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة: 7]. وعندما يستحضر أن كلماته وخطراته، وحركاته وسكناته كلها محصية مكتوبة: مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 18]، وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ [الانفطار: 10 - 11]، فإن ذلك يقوده إلى رياض الصدق في الأقوال والأعمال والأحوال..
2 - الحياء:.
الحياء يحجب صاحبه عن كل ما هو مستقبح شرعاً وعرفاً وذوقاً، والمرء يستحيي أن يعرف بين الناس أنه كذاب، وهذا هو الذي حمل أبا سفيان – وهو يومئذ مشرك – أن يصدق هرقل وهو يسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو سفيان: (فوالله لولا الحياء من أن يأثروا عليّ كذباً لكذبت عنه) (¬1)، أي: ينقلوا عليَّ الكذب لكذبت عليه. قال ابن حجر: (وفيه دليل على أنهم كانوا يستقبحون الكذب، إما بالأخذ عن الشرع السابق، أو بالعرف .. وقد ترك الكذب استحياء وأنفة من أن يتحدثوا بذلك بعد أن يرجعوا فيصير عند سامعي ذلك كذاباً) (¬2). قلت: فالمسلم أولى بالحياء من ربه أن يسمعه يقول كذباً أو يطلع على عمل أو حال هو فيه كاذب..
3 - صحبة الصادقين:.
فقد أمر الله – عز وجل – المؤمنين أن يكونوا مع أهل الصدق، فقال –عز وجل-: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: 119]، أي: اقتدوا بهم واسلكوا سبيلهم، وهم الذين استوت ظواهرهم وبواطنهم، ووفوا بعهودهم وصدقوا في أقوالهم وأعمالهم..
4 - إشاعة الصدق في الأسرة:.
(الإسلام يوصي أن تغرس فضيلة الصدق في نفوس الأطفال، حتى يشبوا عليها، وقد ألفوها في أقوالهم وأحوالهم كلها)..
فعن عبد الله بن عامر قال: ((دعتني أمي يوماً ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في بيتنا، فقالت: تعال أعطك، فقال لها صلى الله عليه وسلم: ما أردت أن تعطيه؟ قالت: أردت أن أعطيه تمراً، فقال لها: أما لو لم تعطه شيئاً كتبت عليك كذبة!)) (¬3)..
5 - الدعاء:.
لما كان حمل النفس على الصدق في جميع أمورها شاق عليها، ولا يمكن لعبد أن يأتي به على وجهه إلا بإعانة الله له وتوفيقه إليه، أمر الله نبيه أن يسأله الصدق في المخرج والمدخل، فقال عز وجل: وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا [الإسراء: 80]. وقد ذكر المفسرون عدة أقوال في تأويلها..
6 - معرفة وعيد الله للكذابين وعذابه للمفترين:.
قد جاءت النصوص الكثيرة التي تحذر من الكذب وتبين سوء عاقبته في الدنيا والآخرة؛ ولهذا فإن تذكير النفس بها، مما يعين المرء على الصدق في أحواله كلها) (¬4)..
¬_________.
(¬1) رواه البخاري (7)..
(¬2) ((الفتح)): (1/ 35)، بتصرف يسير..
(¬3) رواه أبو داود (4991)، وأحمد (3/ 447) (15740). وسكت عنه أبو داود، وحسنه ابن حجر في ((تخريج المشكاة)) (4/ 395)، والألباني في ((صحيح أبي داود)) (4991)..
(¬4) ((الرائد .. دروس في التربية والدعوة)) لمازن بن عبد الكريم الفريح (3/ 251). بتصرف يسير.

الوسائل المعينة على اكتساب الصمت

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الوسائل المعينة على اكتساب الصمت.
الوسائل المعينة على اكتساب صفة الصمت كثيرة نذكر منها ما يلي:.
1 - النظر في سيرة السلف الصالح والاقتداء بهم في صمتهم..
2 - التأمل في العواقب الوخيمة والسيئة للكلام الذي لا فائدة فيه والذي يفضي إلى الكلام الباطل..
3 - الابتعاد عن المجالس التي يكثر فيها اللغط والفحش والكلام البذيء..
قال الغزالي: (وأما الصمت فإنه تسهله العزلة ولكن المعتزل لا يخلو عن مشاهدة من يقوم له بطعامه وشرابه وتدبير أمره فينبغي أن لا يتكلم إلا بقدر الضرورة فإن الكلام يشغل القلب وشره القلوب إلى الكلام عظيم فإنه يستروح إليه ويستثقل التجرد للذكر والفكر فيستريح إليه فالصمت يلقح العقل ويجلب الورع ويعلم التقوى) (¬1)..
¬_________.
(¬1) ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (3/ 76).

الوسائل المعينة على تقوية العزم والعزيمة

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الوسائل المعينة على تقوية العزم والعزيمة.
- التوكل على الله وحسن الظن به سبحانه في الوصول للهدف..
أرشدنا الله سبحانه لهذا بقوله سبحانه: فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران: 159] (ذكر الأستاذ المودودي في كتابه القيم: مبادئ الإسلام آثار عقيدة التوحيد ... قوة العزم والصبر والثبات لعلمه أن الله معه وأنه مؤيده وناصره، ذاكرا قول الله تعالى: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران: 173] التي قالها إبراهيم عندما أريد إلقاءه في النار، ومحمد صلى الله عليه وسلم عندما خوف بصناديد المشركين، وقول هود عليه السلام لقومه: فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّه [هود: 55 - 56]) (¬1)..
1 - الدعاء:.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بأن يهدى لأحسن الأخلاق والعزم والعزيمة من الأخلاق الحسنة فكان من دعائه: ((واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت)) (¬2)..
2 - صدق الإيمان وسلامة العقيدة:.
قال محمد الغزالي: (العقيدة المكينة معين لا ينضب للنشاط الموصول والحماسة المذخورة واحتمال الصعاب ومواجهة الأخطار بل هي سائق حثيث يدفع إلى لقاء الموت دون تهيب إن لم يكن لقاء محب مشتاق!!.
تلك طبيعة الإيمان إذا تغلغل واستمكن إنه يضفي على صاحبه قوة تنطبع في سلوكه كله فإذا تكلم كان واثقا من قوله وإذا اشتغل كان راسخا في عمله وإذا اتجه كان واضحا في هدفه)
(¬3)..
3 - الاقتداء بذوي العزم والعزيمة من أهل الصلاح والدين:.
قال تعالى: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف: 35]..
وقال تعالى في الاقتداء بالصالحين قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة: 4]..
4 - مصاحبة أهل العزائم القوية والهمم العالية:.
فالمرء على دين خليله قال ابن تيمية: (الناس كأسراب القطا مجبولون على تشبه بعضهم ببعض) (¬4)، وقال لقمان الحكيم لابنه: (من يُقارِنْ قَرِينَ السّوء لا يَسْلَمْ، ومن لا يَمْلِكْ لِسانَه يَنْدَم. يا بني كُنْ عبداً للأَخيار ولا تكن خَليلاً للأَشْرار) (¬5)..
أحب الصالحين ولست منهم ... عسى أن يدركني بحبهم شفاعة.
وأكره من تجارته المعاصي ... وإن كنا سواءً في البضاعة.
5 - المسارعة في التنفيذ وعدم التردد بعد عقد العزم على العمل:.
قال تعالى: فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ [محمد: 21]..
6 - الثبات والصبر على الصعوبات أثناء العمل:.
قال تعالى: وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لقمان: 17]..
7 - أخذ الأمور بجدية:.
الجدية في الحياة كلها وإلزام النفس بما يراد تحقيقه طريق الناجحين في حياتهم ومن جد وجد ومن زرع حصد , قال تعالى: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [مريم: 12]، وقال تعالى: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 63]..
¬_________.
(¬1) ((مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة))، العدد 32 توحيد الله (12/ 36)..
(¬2) رواه مسلم (771)..
(¬3) ((خلق المسلم)) محمد الغزالي (86)..
(¬4) ((مجموع الفتاوى)) ابن تيمية (28/ 150) ...
(¬5) ((بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز))، الفيروز آبادي (6/ 91).
الوسائل المعينة للعفة.
1 - أن يتقي الله في سره وعلانيته:.
قال الله تعالى: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ [الأنعام:3] ويقول تعالى: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر: 19] قال ابن عباس في قوله تعالى: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ قال: (هو الرجل يكون بين الرجال، فتمر بهم امرأة فينظر إليها، فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره) (¬1)..
2 - أن يدعو الله بأن يصرف عنه السوء والفحشاء:.
قال سبحانه وتعالى عن نبيه يوسف عليه السلام وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [يوسف: 33]، قال ابن تيمية رحمه الله: (فلا بد من التقوى بفعل المأمور والصبر على المقدور كما فعل يوسف عليه السلام اتقى الله بالعفة عن الفاحشة وصبر على أذاهم له بالمراودة والحبس واستعان الله ودعاه حتى يثبته على العفة فتوكل عليه أن يصرف عنه كيدهن وصبر على الحبس) (¬2)..
3 - تنشئة الأبناء على التربية الإسلامية:.
التربية الإسلامية تغرس الفضيلة والعفة في الأبناء، وتربيهم على الالتزام بالأحكام الشرعية منذ صغرهم.
4 - الزواج:.
الزواج المبكر من أقوى الوسائل المعينة للعفاف، قال صلى الله عليه وسلم: ((يا معشر الشاب من استطاع منكم الباءة؛ فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء)) (¬3)..
5 - سد الذرائع التي تؤدي إلى الفساد:.
- عدم الخلوة بالمرأة الأجنبية..
قال صلى الله عليه وسلم: ((الحمو الموت))، وقال: ((ما خلى رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)) (¬4)..
قال ابن تيمية رحمه الله: (ولهذا حرمت الخلوة بالأجنبية لأنها مظنة الفتنة والأصل أن كل ما كان سببا للفتنة فإنه لا يجوز؛ فإن الذريعة إلى الفساد يجب سدها إذا لم يعارضها مصلحة راجحة؛ ولهذا كان النظر الذي يفضي إلى الفتنة محرما إلا إذا كان لمصلحة راجحة مثل نظر الخاطب والطبيب وغيرهما فإنه يباح النظر للحاجة لكن مع عدم الشهوة) (¬5)..
- عدم التبرج:.
قال تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33]..
- الاستئذان عند الدخول:.
وقد جعل الاستئذان من أجل البصر كما قال صلى الله عليه وسلم، وقال سبحانه يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا [النور: 27]..
- غض البصر:.
قال تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ [النور: 30]..
قال ابن القيم: (فلما كان غض البصر أصلا لحفظ الفرج بدأ بذكره ... وقد جعل الله سبحانه العين مرآة القلب فإذا غض العبد بصره غض القلب شهوته وإرادته وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته) (¬6)..
¬_________.
(¬1) ((تفسير القرآن)) لأبي المظفر السمعاني (5/ 13).
(¬2) ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/ 131).
(¬3) رواه البخاري (5065)، ومسلم (1400) واللفظ له، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه..
(¬4) رواه البخاري (5232)، ومسلم (2172)..
(¬5) ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (21/ 251).
(¬6) ((روضة المحبين)) لابن القيم (ص 92)

الوسائل المعينة لتنمية الغيرة

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الوسائل المعينة لتنمية الغيرة.
يمكن أن تنمى الغيرة بأمور كثيرة ومنها:.
1 - تربية البنات الصغار على الحشمة والحياء في اللباس وغيره..
2 - تربية الأولاد على الغيرة، بأن نجعل الولد هو الذي يقوم بالحديث مع البائع وليست البنت أو المرأة..
3 - عدم ترك الأسباب التي تدمر الغيرة، فنخرج الأطباق والشاشات والمجلات الهابطة من البيوت وغيرها من وسائل الهدم..
4 - الرجوع إلى قيم الدين وغرسها في نفوس الناس..
5 - التأكيد على دور الرجل..
6 - توعية المجتمع توعية شاملة بجميع وسائل الإعلام والخطب والمحاضرات..
7 - تعظيم قدر الأعراض والتوضيح أن المساس بها هلاك وضياع (¬1)..
¬_________.
(¬1) انظر ((الغيرة على المرأة)) لعبد الله المانع (ص: 235) نقلا عن شريط (الغيرة على الأعراض)) لخالد السبت، بتصرف.

الأسباب المعينة على اكتساب القناعة:

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الأسباب المعينة على اكتساب القناعة:.
1. اكتفاء الإنسان بما رزق، وعدم الاهتمام بالمستقبل..
2. الاطلاع على سيرة السلف الصالح، وزهدهم وقناعتهم في الدنيا، والاقتداء بهم..
3. الاقتصاد في الإنفاق، وعدم الإسراف والتبذير..
4. الإلحاح في الدعاء بأن يرزقه الله القناعة، كما فعل ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم..
5. الإيمان الجازم بأن الله قد كتب الأرزاق قبل أن يخلقنا، ولن تموت نفس حتى تستوفي رزقها..
6. تعويد النفس على القناعة والبعد عن الطمع..
7. تقوية الإيمان بالله تعالى..
8. النظر إلى من هو أقل منه في الرزق، ولا ينظر إلى من هو أعلى منه..
9. الاعتقاد بأن الله سبحانه جعل التفاوت في الأرزاق بين الناس لحكمة يعلمها..
10. تذكر الموت وزيارة القبور..
11. قراءة القرآن والتأمل في الآيات القرآنية التي تناولت قضية الرزق والمعيشة..
12. أن يعلم أن في القناعة عزة للنفس، وفي الطمع ذل ومهانة..
13. أن يعرف أن في جمع المال انشغال للقلب؛ من هم وغم وخوف عليه.

الوسائل المعينة على اكتساب صفة المداراة

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الوسائل المعينة على اكتساب صفة المداراة.
1. التحلي بخلق الصبر:.
قال ابن تيمية: (المؤمن مشروع له مع القدرة أن يقيم دين الله بحسب الإمكان بالمحاربة وغيرها ومع العجز يمسك عما عجز عنه من الانتصار ويصبر على ما يصيبه من البلاء من غير منافقة، بل يشرع له من المداراة ومن التكلم بما يكره عليه ما جعل الله له فرجا ومخرجا) (¬1)..
2. النظر للمصالح المترتبة على المداراة (¬2)..
3. التحلي بخلق الرفق والرحمة..
فإن المداراة قائمة على الرفق لتحقيق المراد من صلاح معوج أو كفاية شر عدو ونحوه (¬3)..
4. فهم الواقع ومعرفة طبائع الناس..
قال ابن الجوزي: (لينظر المالك في طبع المملوك، فمنهم: من لا يأتي إلا على الإكرام، فليكرمه، فإنه يربح محبته. ومنهم: من لا يأتي إلا على الإهانة، فليداره، وليعرض عن الذنوب؛ فإن لم يكن، عاتب بلطف، وليحذر العقوبة ما أمكن. وليجعل للمماليك زمن راحة. والعجب من يعني بدابته، وينسى مداراة جاريته) (¬4)..
قال بشر بن الحارث: (من عرف الناس استراح) (¬5)..
5. احتساب الأجر في دعوة الخلق:.
من يتصدر لدعوة العصاة وأهل الشرور والكفر لابد أن يناله منهم أذى مما قد يدفع الداعية لترك دعوتهم لذا فاحتساب الداعية للأجر عند الله في مداراته لأهل الكفر والفجور والتحبب لهم من غير إقرار بمعصية أملا في هدايتهم مما يعين الداعية على تحمل الأذى..
6. تقديم ترك الانتصار للنفس في حال القدرة وحفظ النفس في حال العجز:.
في الحالة الأولى استبقاءا ً للود والمسير قدما في الإصلاح وفي الحالة الثانية عصمة النفس ودفع الشرور..
قصص في المداراة:.
- عن المسور بن مخرمة، قال: ((قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبية ولم يعط مخرمة شيئا، فقال مخرمة: يا بني انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلقت معه، فقال: ادخل فادعه لي، قال: فدعوته له، فخرج إليه وعليه قباء منها، فقال: خبأت هذا لك قال: فنظر إليه، فقال: رضي مخرمة)) (¬6)..
- وشكا رجل إلى مخلد بن الحسين رجلا من أهل الكوفة فقال: (أين أنت عن المداراة , فإني أداري حتى أدارى، هذه جارية حبشية تغربل شعير الفرس له , ثم قال: ما تكلمت بكلمة أريد أن أعتذر منها منذ خمسين سنة) (¬7)..
- وقال ابن الأزرق – كان -: (الأمير شمس المعالي كان من محاسن الدنيا وبهجتها غير أنه كان شديد السطوة وما زال على هذا الخلق حتى استوحشت النفوس منه وانقلبت القلوب عنه فأجمع أعيان عسكره على خلعه ونزع الأيدي عن طاعته فوافق هذا التدبير منهم غيبته عن جرمان بلده فلم يشعر بذلك ولم يخبر حتى قصدوه وأرادوا القبض عليه فحامى عنه بعض من كان في صحبته من خواصه فنهبوا فيله وأمواله ورجعوا إلى جرجان فملكوها وبعثوا إلى ولده أبي منصور وقهروه على الوصول إليهم لعقد البيعة له فأسرع في الحضور فلما وصل إليهم أجمعوا على طاعته وخلع أبيه فلم يسعه في تلك الحال إلا المداراة والإجابة خوفا على خروج الملك عن بيتهم ولما رأى الأمير شمس المعالي تلك الحال توجه إلى ناحية بسطام بمن معه من الخواص لينظر ما يستقر عليه الأمر فلما سمع الخارجون عليه انحيازه إلى تلك الجهة حملوا ولده متوجهين قصده وإزعاجه عن مكانه فسار معهم مضطرا فلما وصل إلى أبيه اجتمع به وتباكيا وتشاكيا وغرض الولد أن يكون حجابا بينه وبين أعدائه ولو ذهبت نفسه فيه ورأى الوالد أن ذلك لا يجدي وأنه أحق بالملك من بعده فسلم المملكة) (¬8)..
- قال ابن الجوزي: (كنت قد رزقت قلبا طيبا، ومناجاة خلو، فأحضرني بعض أرباب المناصب إلى طعامه، فما أمكن خلافه، فتناولت، وأكلت منه؛ فلقيت الشدائد، ورأيت العقوبة في الحال، واستمرت مدة، وغضبت على قلبي، وفقدت كل ما كنت أجده، فقلت: وا عجبا! لقد كنت في هذا كالمكره فتفكرت، وإذا به قد يمكن مداراة الأمر بلقيمات يسيرة؛ وإنما التأويل جعل تناول هذا الطعام بشهوة أكثر مما يدفع بالمداراة، فقالت النفس: ومن أين لي أن عين هذا الطعام حرام؟! فقالت اليقظة: وأين الورع عن الشبهات؟! فلما تناولت بالتأويل لقمة، واستجلبتها بالطبع، لقيت الأمرين بفقد القلب: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ) (¬9)..
¬_________.
(¬1) ((الفتاوى الكبرى)) لابن تيمية (6/ 528)..
(¬2) انظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (10/ 453)..
(¬3) انظر: ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح))، للملا علي القاري (7/ 2941).
(¬4) ((صيد الخاطر)) لابن الجوزي (ص 256)..
(¬5) ((قوت القلوب)) لأبي طالب المكي (2/ 239).
(¬6) رواه البخاري (5800)، ومسلم (1058)..
(¬7) ((حلية الأولياء)) لأبي نعيم (8/ 266).
(¬8) ((بدائع السلك في طبائع الملك))، لابن الأزرق (1/ 457)..
(¬9) ((صيد الخاطر)) لابن الجوزي (ص 410 - 411)

الوسائل المعينة على اكتساب المروءة

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الوسائل المعينة على اكتساب المروءة.
يقول ابن حبان البستي رحمه الله: (الواجب على العاقل أن يلزم إقامة المروءة بما قدر عليه من الخصال المحمودة وترك الخلال المذمومة, وقد نبغت نابغة اتكلوا على آبائهم واتكلوا على أجدادهم في الذكر والمروءات وبعدوا عن القيام بإقامتها بأنفسهم, ولقد أنشدني منصور بن محمد في ذم من هذا نعته:.
إن المروءة ليس يدركها امرؤ ... ورث المروءة عن أب فأضاعها.
أمرته نفس بالدناءة والخنا ... ونهته عن طلب العلى فأطاعها.
فإذا أصاب من الأمور عظيمة ... يبني الكريم بها المروءة باعها.
... إلى أن قال رحمه الله: (ما رأيت أحدا أخسر صفقة ولا أظهر حسرة ولا أخيب قصدا ولا أقل رشدا ولا أحمق شعارا ولا أدنس دثاراً من المفتخر بالآباء الكرام وأخلاقهم الجسام مع تعريه عن سلوك أمثالهم وقصد أشباههم متوهما أنهم ارتفعوا بمن قبلهم وسادوا بمن تقدمهم وهيهات أنى يسود المرء على الحقيقة إلا بنفسه وأنى ينبل في الدارين إلا بكده)
(¬1)..
فإذا كانت المروءة لا تنال بالميراث ولا تنتقل عبر المورثات الجينية من الآباء إلى الأبناء فكيف ينالها الشخص وكيف يصل إليها؟.
هناك وسائل تعين المرء إلى الوصول إلى المروءة المبتغاة نذكر بعضها فيما يلي:.
أولاً: علو الهمة والتطلع إلى السمو بالنفس, والترقي بها إلى المعالي..
ثانياً: منافسة أصحاب المروءات ومسابقة أصحاب الأخلاق العالية وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين: 26]..
ثالثاً: ومما يعين على تحصيل المروءات شرف النفس واستعفافها ونزاهتها وصيانتها..
رابعاً: المال الصالح خير معين على بلوغ المروءات, قال أبو حاتم رحمه الله: ومن أحسن ما يستعين به المرء على إقامة مروءته المال الصالح ولقد أنشدني منصور بن محمد الكريزي:.
احتل لنفسك أيها المحتال ... فمن المروءة أن يرى لك مال.
كم ناطق وسط الرجال وإنما ... عنهم هناك تكلم الأموال.
فالواجب على العاقل أن يقيم مروءته بما قدر عليه ولا سبيل إلى إقامة مروءته إلا باليسار من المال فمن رزق ذلك وضن بإنفاقه في إقامة مروءته فهو الذي خسر الدنيا والآخرة ولا آمن أن تفجأه المنية فتسلبه عما ملك كريها وتودعه قبرا وحيدا ثم يرث المال بعد من يأكله ولا يحمده وينفقه ولا يشكره فأي ندامة تشبه هذه وأي حسرة تزيد عليها (¬2)..
ولذا قال بعض العرب: (المروءة طعام مأكول, ونائل مبذول, وبشر مقبول, وكلام معسول) وقيل: (لا مروءة لمقل) وقال بعضهم: (المال والمروءة رضيعا لبان, وشريكا عنان, وغزيا حصان, وفرسا رهان)) وقال بعضهم: (لا مروءة إلا بالمال والفعال) ورفع إلى المنصور كثرة نفقات محمد بن سليمان (والي البصرة) فوقع: (أعظم الناس مروءة أكثرهم مؤنة) (¬3).
خامساً: ومما يعين على تحصيل المروءة اختيار الزوجة الصالحة ((فاظفر بذات الدين تربت يداك)) (¬4)..
قال مسلمة بن عبد الملك: (ما أعان على مروءة المرء كالمرأة الصالحة).
قال الشاعر:.
إذا لم يكن في منزل المرء حرة ... مدبرة ضاعت مروءة داره.
سادساً: ومما يعين على المروءة مجالسة أهل المروءات ومجانبة السفهاء وأهل السوء..
أسند ابن حبان عن بعضهم قال: (كان يقال مجالسة أهل الديانة تجلو عن القلب صدأ الذنوب ومجالسة ذوي المروءات تدل على مكارم الأخلاق ومجالسة العلماء تذكي القلوب) (¬5)..
ومتى جالس المرء أهل المروءات اكتسب منهم صالح الأخلاق والصفات: قال ابن عبد البر: (فلا تكاد تجد حسن الخلق إلا ذا مروءة وصبر) (¬6)..
وكذلك إن عاشر المرء إخوان السوء وقليلي المروءة أخذ عنهم أخلاقهم وكان ذلك سبباً في القدح بمروءته: قال معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه: (آفة المروءة إخوان السوء) (¬7)..
¬_________.
(¬1) ((روضة العقلاء ونزهة الفضلاء)) (ص230)..
(¬2) ((روضة العقلاء ونزهة الفضلاء)) (ص233)..
(¬3) ((عين الأدب والسياسة)) (ص142 - 143)..
(¬4) رواه البخاري (5090) ومسلم (1466)..
(¬5) ((روضة العقلاء ونزهة الفضلاء)) (ص234)..
(¬6) ((الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار)) (5/ 105)..
(¬7) ((المروءة)) للمرزبان (ص117)، و ((روضة العقلاء)) لابن حبان (234).

الوسائل المعينة لترك الإسراف والتبذير

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الوسائل المعينة لترك الإسراف والتبذير.
1 - الاعتدال في السرف:.
قال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان: 67]..
قال ابن كثير: (أي: ليسوا بمبذرين في إنفاقهم فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عدلا خيارا، وخير الأمور أوسطها) (¬1)..
2 - البعد عن مجالسة المسرفين والمبذرين:.
ويكون بـ (الانقطاع عن صحبة المسرفين، مع الارتماء في أحضان ذوى الهمم العالية والنفوس الكبيرة، الذين طرحوا الدنيا وراء ظهورهم، وكرسوا كل حياتهم من أجل استئناف حياة إسلامية كريمة، تصان فيها الدماء والأموال والأعراض، ويقام فيها حكم الله عز وجل في الأرض، غير مبالين بما أصابهم ويصيبهم في ذات الله، فإن ذلك من شأنه أن يقضي على كل مظاهر السرف والدعة والراحة، بل ويجنبنا الوقوع فيها مرة أخرى، لنكون ضمن قافلة المجاهدين وفي موكب السائرين) (¬2)..
3 - قراءة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم:.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم زاهداً عن هذه الدنيا وكان يحذر أمته عن الإسراف والتبذير، ويحثهم على المثابرة والتقشف، فعن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت لعروة: ((ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار، فقلت يا خالة: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار، كانت لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألبانهم، فيسقينا)) (¬3)..
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من طعام ثلاثة أيام حتى قبض)) (¬4)..
4 - قراءة سيرة السلف الصالح:.
فالصحابة من سلف هذه الأمة والتابعين لهم كانت نظرتهم لهذه الدنيا أنها دار ممر لا دار مقر، وأنهم غرباء مسافرون عنها ولذلك كان عيشهم كفافاً، فقد روي عن عمر بن الخطاب أنه دخل على ابنه عبد الله رضي الله تعالى عنهما فرأي عنده لحماً، فقال: (ما هذا اللحم؟ قال: أشتهيه قال: وكلما اشتهيت شيئاً أكلته؟ كفي بالمرء سرفاً أن يأكل كل ما اشتهاه)..
ودخل سلمان على أبي بكر وهو في سكرات الموت، فقال: أوصني، فقال: (إن الله فاتح عليكم الدنيا فلا تأخذن منها إلا بلاغا) (¬5)..
5 - أن يفكر في عواقب الإسراف والتبذير:.
فالذي يعلم أن عاقبة الإسراف والتبذير سيئة وغير محمودة يتجنبه ولا يتمادى في هذا الطريق..
6 - تذكر الموت والدار الآخرة:.
فالمسلم حينما يتذكر الموت وأهوال يوم القيامة لا شك أنه سيعينه على ترك الإسراف والبذخ، وسيتقرب إلى الله بإنفاق ما زاد عن حاجاته، والاستعداد ليوم القيامة..
¬_________.
(¬1) ((تفسير القرآن العظيم)) لابن كثير (6/ 124)..
(¬2) ((آفات على الطريق)) للسيد محمد نوح..
(¬3) رواه البخاري (2567).
(¬4) رواه البخاري (5374).
(¬5) ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (4/ 476)

الأسباب المعينة على ترك إفشاء السر

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الأسباب المعينة على ترك إفشاء السر.
1 - إدراك خطورة اللسان..
2 - تذكر عاقبة كشف السر..
3 - تعويد النفس على الصبر..
4 - أن لا نحمل ما لا نطيق من الأسرار..
5 - التزام ضوابط كشف السر..
6 - لا تنس الوصايا:.
- لا تحدث بكل ما سمعت: قال صلى الله عليه وسلم: ((كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع)) (¬1).
- لا تبحث عن الأسرار: قال صلى الله عليه وسلم: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) (¬2)..
- ستر المسلم فضيلة: قال صلى الله عليه وسلم: ((لا يستر عبد عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة)) (¬3)..
- الأسرار أمانات فلا تخن من ائتمنك: قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت فهي أمانة)) (¬4)..
- لا تكن أسير سرك: قال علي رضي الله عنه: (سرك أسيرك، فإن تكلمت به صرت أسيره) (¬5)..
- لا تنكح خاطب سرك، قال الماوردي رحمه الله: (وليحذر صاحب السر أن يودع سره من يتطلع إليه، وقد يؤثر الوقوف عليه، فإن طالب الوديعة خائن)..
- احذر كثرة المستودعين، قال الماوردي: (وليحذر كثرة المستودعين لسره، فإن كثرتهم سبب الإذاعة، وطريق الإشاعة لأمرين:.
أحدهما: أن اجتماع هذه الشروط في العدد الكثير معوز، ولابد إذا كثروا أن يكون فيهم من أخل ببعضها..
الثاني: أن كل واحد منهم يجد سبيلاً إلى نفي الإذاعة عن نفسه، وإحالة ذلك إلى غيره، فلا يضاف إليه ذنب، ولا يتوجه عليه عتب، وقد قال بعض الحكماء: (كلما كثرت خزان الأسرار ازدادت ضياعاً)
أ. هـ. (¬6)..
¬_________.
(¬1) رواه مسلم في المقدمة في (باب النهي عن الحديث بكل ما سمع)..
(¬2) رواه الترمذي (2317)، وابن ماجه (3976)، وأحمد (1/ 201) (1737). قال الترمذي: غريب لا نعرفه من حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه. وصححه السيوطي في ((الجامع الصغير)) (8243)، والألباني في ((صحيح الجامع)) (5911)..
(¬3) رواه مسلم (2590)..
(¬4) رواه أبو داود (4868)، والترمذي (1959)، وأحمد (3/ 379) (15104). وحسنه الترمذي، وصححه السيوطي في ((الجامع الصغير)) (561)، وحسنه الألباني في ((صحيح الجامع)) (486)..
(¬5) ((أدب الدنيا والدين)) للماوردي (ص306)..
(¬6) ((الرائد دروس في التربية والدعوة)) لمازن عبد الكريم الفريح (4/ 227 - 230) بتصرف.

الوسائل المعينة على ترك البخل والشح

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الوسائل المعينة على ترك البخل والشح.
1. أن يحسن المرء الظن بالله عز وجل, وليعلم أن الله الذي أمره بالإنفاق قد تكفل له بالزيادة. وقد قيل: (قلة الجود سوء ظن بالمعبود)..
2. الإكثار من الصدقة وإن كان ذلك ثقيلاً على من اتصف بهذه الصفة, وبذلك يعتاد على صفة الكرم والإنفاق قال ابن القيم رحمه الله: (فالفقير الآخذ لصدقتك يستخرج منك داء البخل كالحجام يستخرج منك الدم المهلك) (¬1)..
3. معرفة أن الإيحاء بالفقر والتخويف منه إنما هو وعد شيطاني, وأن وعد الله هو المغفرة للذنوب وزيادة الفضل يقول الله تعالى: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: 268]..
4. الاستعاذة بالله من البخل, كما كان يفعل أكرم الخلق وأجودهم صلى الله عليه وسلم حيث كان يستعيذ من البخل فيقول: ((اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر)) (¬2)..
5. معالجة طول الأمل بالإكثار من ذكر الموت والنظر في موت الأقران..
6. التأمل في حال البخلاء الذين تعبوا في جمع المال والحرص عليه ثم تركهم له يتقاسمه الورثة, وربما استخدموه في غير طاعة الله فكان وبالاً عليهم..
7. التأمل في الآيات الواردة في ذم البخل, وما أعده الله للمتصفين بهذه الصفة القبيحة..
8. صرف القلب إلى عبادة المولى تبارك وتعالى, حتى لا ينشغل بعبادة المال والحرص عليه..
9. علاج حب الشهوات بالقناعة باليسير والصبر..
10. عدم الخوف من المستقبل, ومعرفة أن المستقبل بيد الله إن شاء أغناك وإن شاء أفقرك وإن كنت أحرص الناس..
11. عدم الخوف على مستقبل الأبناء, والتيقن أن من خلقهم قد خلق أرزاقهم معهم ولن يضيعهم. فكم من ولد لم يرث من والده مالا صار أحسن حالاً ممن ورث الأموال الطائلة..
12. علاج القلب بكثرة التأمل في الأخبار الواردة في ذم البخل ومدح السخاء وما توعد الله به البخيل من العقاب العظيم..
13. التأمل في أحوال البخلاء ونفرة الطبع منهم وبغض الناس لهم وبقاء الذكر السيئ من بعدهم..
¬_________.
(¬1) ((عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين)) لابن القيم (22/ 6)..
(¬2) رواه البخاري (6365)

الوسائل المعينة على ترك التجسس

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الوسائل المعينة على ترك التجسس.
لا بد لكل داء من دواء ولكل صفة سيئة من علاج ونذكر من علاج التجسس ما يلي:.
1. أن يراقب الله تبارك وتعالى قبل كل شيء, ويخشى أليم عقابه, وقوة انتقامه الذي أعده للمتجسسين على عورات الناس, فإن في ذلك زاجر له عن هذه الخلة القبيحة..
2. أن يترك الإنسان فضوله وحبه للتفتيش والاستطلاع على الآخرين وذلك بأن يشغل نفسه بما يهمه في دنياه وأخراه, ويعلق نفسه بمعالي الأمور ويبعدها عن سفاسفها, ويعمل بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) (¬1)..
3. أن ينمي في نفسه الحرص على وحدة المسلمين وترابطهم والخوف من تفككهم وتقطع الأواصر بينهم, فإن هذا يجعله يبتعد عن كل ما يكون سبباً في تهديد هذه الوحدة والترابط سواء كان ذلك السبب هو التجسس أو غيره من الأخلاق السيئة..
4. أن يتدبر الشخص في النصوص القرآنية والأحاديث النبوية وآثار السلف التي تحذر من هذه الصفة فإن في ذلك رادع قوي وعلاج ناجع..
5. أن يعرف أن ما يفعله هو أذية للمسلمين بكل المقاييس وأن أذيتهم لا تجوز شرعاً..
6. أن يخشى المتجسس من الفضيحة التي توعد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يتتبعون عورات الناس وأن الله سيفضحهم ولو في قعر دورهم..
¬_________.
(¬1) رواه الترمذي (2317)، وابن ماجه (3976)، وابن حبان (1/ 466) (229)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (3/ 188) (2881)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (4/ 255) (4987). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال الترمذي: غريب، وقال ابن عدي في ((الكامل في الضعفاء)) (7/ 184): [فيه] قرة بن عبد الرحمن أرجو أنه لا بأس به، وقال الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (12/ 64): الصحيح مرسل، وقال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (4/ 29): رواته ثقات إلا قرة ففيه خلاف، وحسنه النووي في ((تحقيق رياض الصالحين)) (67)، وصححه السيوطي في ((الجامع الصغير)) (8234)، وحسنه البهوتي في ((كشاف القناع)) (2/ 449)، وقال السفاريني في ((شرح كتاب الشهاب)) (292): الصحيح أنه حديث حسن، وصححه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)).

الوسائل المعينة على ترك الحسد

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الوسائل المعينة على ترك الحسد.
ذكر العلماء وسائل للحاسد الذي يريد النجاة من مغبة هذا الخلق الذميم، ويود الخلاص من آفته التي أقضت مضجعه، ومن تلك الوسائل:.
1 – أن يتبع أمر الله جل وعلا، فيترك ما نهاه الله عنه من الحسد، ويقهر نفسه عن هذا الظلم، وتغيير أخلاق النفس وإن كان صعبا إلا أنه يسير على من يسره الله عليه، متذكرا قوله تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات: 40 - 41]..
2 - الرضا بقضاء الله وقدره، والتسليم لحكمه، فهو الذي يعطي النعم ويسلبها، قال تعالى: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ [الزخرف:32]..
3 - التفكر في نتائج الحسد، والنظر في عواقبه الوخيمة عليه وعلى من حوله؛ فهو يتألم بحسده ويتنغص في نفسه، فيبقى مغموما، محروما، متشعب القلب، ضيق الصدر، قد نزل به ما يشتهيه الأعداء له ويشتهيه لأعدائه، قال تعالى: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ [فاطر: 43]..
4 – أن يحذر نفور الناس منه، وبعدهم عنه، وبغضهم له؛ لأن الحسد يظهر في أعمال الجوارح، قال تعالى: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران: 118] فيخاف عداوتهم له وملامتهم إياه، فيتألفهم بمعالجة نفسه وسلامة صدره..
5 – أن يعمل بنقيض ما يأمره به الحسد؛ فإن حمله الحسد على القدح في محسوده كلف لسانه المدح له والثناء عليه، وإن حمله على التكبر عليه ألزم نفسه التواضع له والاعتذار إليه، وإن بعثه على كف الإنعام عليه ألزم نفسه الزيادة في الإنعام عليه..
6 – أن يصرف شهوة قلبه في مرضاة الله تعالى: فقد جعل الله في الطاعة والحلال ما يملأ القلب بالخير، وما من صفة من الصفات إلا وجعل لها مصرفا ومحلا ينفذها فيه، فجعل لصفة الحسد مصرفا وهو المنافسة في فعل الخير والغبطة عليه والمسابقة إليه، وجعل لصفة الكبر التي تؤدي للحسد مصرفا هو التكبر على أعداء الله تعالى وإهانتهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن رآه يختال بين الصفين في الحرب: ((إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن)) (¬1)، وجعل لقوة الحرص مصرفا وهو الحرص على ما ينفع، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((احرص على ما ينفعك)) (¬2) (¬3)..
¬_________.
(¬1) ((السيرة والمغازي)) لابن إسحاق (326)..
(¬2) رواه مسلم (2664)..
(¬3) انظر ((أدب الدنيا والدين)) (1/ 269 - 270)، و ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (3/ 196 - 199)، و ((التبيان في أقسام القرآن)) لابن قيم الجوزية (ص415).

الوسائل المعينة على دفع شر الحاسد عن المحسود

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الوسائل المعينة على دفع شر الحاسد عن المحسود.
ذكر ابن القيم عشرة أسباب تدفع شر الحاسد عن المحسود:.
1 - التعوذ بالله تعالى من شره، واللجوء والتحصن به، والله تعالى سميع لاستعاذته، عليم بما يستعيذ منه، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [سورة الفلق]..
2 - تقوى الله، وحفظه عند أمره ونهيه؛ فمن اتقى الله تولى الله حفظه ولم يكله إلى غيره، قال تعالى: وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [آل عمران: 120] وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: ((احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك)) (¬1). فمن حفظ الله حفظه الله ووجده أمامه أينما توجه، ومن كان الله حافظه وأمامه فممن يخاف..
3 - الصبر على عدوه، وألا يقاتله، ولا يشكوه، ولا يحدث نفسه بأذاه أصلا، فما نصر على حاسده وعدوه بمثل الصبر عليه والتوكل على الله، ولا يستطل تأخيره وبغيه، فإنه كلما بغى عليه كان بغيه جندا وقوة للمبغي عليه المحسود، يقاتل به الباغي نفسه وهو لا يشعر، فبغيه سهام يرميها من نفسه، وقد قال تعالى: وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ [الحج: 60] فإذا كان الله قد ضمن له النصر مع أنه قد استوفى حقه أولا، فكيف بمن لم يستوف شيئا من حقه؟.
4 - التوكل على الله: مَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: 3] والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم، فإن الله حسبه أي كافيه، ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه، ولا يضره إلا أذى لا بد منه كالحر والبرد والجوع والعطش، وأما أن يضره بما يبلغ منه مراده فلا يكون أبدا، وفرق بين الأذى الذي هو في الظاهر إيذاء له وهو في الحقيقة إحسان إليه وإضرار بنفسه، وبين الضرر الذي يتشفى به منه..
5 - فراغ القلب من الاشتغال به والفكر فيه، وأن يقصد أن يمحوه من باله كلما خطر له، فلا يلتفت إليه، ولا يخافه، ولا يملأ قلبه بالفكر فيه، ولا يجعل قلبه معمورا بالفكر في حاسده والباغي عليه والطريق إلى الانتقام منه، فهذا التفكير مما لا يتسع له إلا قلب خراب لم تسكن فيه محبة الله وإجلاله وطلب مرضاته، وهذا العلاج من أنفع الأدوية وأقوى الأسباب المعينة على اندفاع شره..
6 - الإقبال على الله والإخلاص له، وجعل محبته وترضيه والإنابة إليه في محل خواطر نفسه وأمانيها، تدب فيها دبيب الخواطر شيئا فشيئا، حتى يقهرها ويغمرها ويذهبها بالكلية، فتبقى خواطره وهواجسه وأمانيه كلها في محاب الرب، والتقرب إليه، وتملقه، وترضيه، واستعطافه، وذكره..
¬_________.
(¬1) رواه أحمد (1/ 307) (2803)، والطبراني (11/ 123) (11243)، والبيهقي في ((الاعتقاد)) (147)، والضياء في ((الأحاديث المختارة)) (10/ 23) (13). من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. قال البيهقي في ((الاعتقاد)): [له] شواهد عن ابن عباس، وصححه عبدالحق الإشبيلي في ((الأحكام الشرعية الكبرى)) (3/ 333)، وقال ابن رجب في ((جامع العلوم والحكم)) (1/ 459): حسن جيد، وحسنه ابن حجر في ((موافقة الخبر الخبر)) (1/ 327)، وقال السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (188): حسن وله شاهد، وحسنه محمد الغزي في ((إتقان ما يحسن)) (1/ 200)، وقال السفاريني في ((شرح كتاب الشهاب)) (111): بمجموع أسانيده يصل إلى درجة الحسن، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيق ((مسند أحمد)) (4/ 287).

الوسائل المعينة على التخلص من الذل

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الوسائل المعينة على التخلص من الذل.
1 - الإيمان بالله والمداومة على العمل الصالح:.
قال تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [يونس: 26]..
قال ابن كثير: (يخبر تعالى أن لمن أحسن العمل في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح أبدله الحسنى في الدار الآخرة .. وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ أي: قتام وسواد في عرصات المحشر، كما يعتري وجوه الكفرة الفجرة من القترة والغبرة، وَلا ذِلَّةٌ أي: هوان وصغار، أي: لا يحصل لهم إهانة في الباطن، ولا في الظاهر بل هم كما قال تعالى في حقهم: فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا [الإنسان: 11] أي: نضرة في وجوههم، وسرورا في قلوبهم) (¬1)..
2 - الاعتزاز بالله والتمسك بدينه وتطبيق شريعته:.
قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله) (¬2)..
وقال الحسن بن عليّ- رضي الله عنهما-: علّمني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كلمات أقولهنّ في قنوت الوتر- وفيه -: ((إنّه لا يذلّ من واليت، تباركت ربّنا وتعاليت)) (¬3)..
قال بدر الدين العيني: (قوله: ((من واليت)) فاعل ((لا يذل)) أي: من واليته بمعنى: لا يذل من كنت له ولنا حافظا وناصرا) (¬4)..
قال قتادة: (قوله: وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ [آل عمران: 103] كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلا، وأشقاه عيشا، وأبينه ضلالة، وأعراه جلودا، وأجوعه بطونا، مكعومين على رأس حجر بين الأسدين: فارس، والروم، لا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه، من عاش منهم عاش شقيا ومن مات ردي في النار، يؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلا يومئذ من حاضر الأرض، كانوا فيها أصغر حظا وأدق فيها شأنا منهم، حتى جاء الله عز وجل بالإسلام، فورثكم به الكتاب، وأحل لكم به دار الجهاد، ووضع لكم به من الرزق، وجعلكم به ملوكا على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا نعمه، فإن ربكم منعم يحب الشاكرين، وإن أهل الشكر في مزيد الله، فتعالى ربنا وتبارك) (¬5)..
3 - الدعاء بارتفاع الذل وحصول العز:.
¬_________.
(¬1) [3626])) ((تفسير القرآن العظيم)) لابن كثير (4/ 262 - 263).
(¬2) [3627])) رواه الحاكم (1/ 103). قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين لاحتجاجهما جميعا بأيوب بن عائذ الطائي وسائر رواته ولم يخرجاه وله شاهد، وقال الألباني في ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) (1/ 117): صحيح على شرط الشيخين..
(¬3) [3628])) رواه أبو داود (1425)، والترمذي (464)، والنسائي (3/ 248)، وابن ماجه (1178)، وأحمد (1/ 200) (1727)، قال الترمذي: حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقال الدارقطني في ((الإلزامات والتتبع)) (113): [يلزمهما إخراجه] البخاري ومسلم، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وصححه ابن الملقن في ((البدر المنير)) (3/ 630)، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (2/ 247): رجاله ثقات، وقال البوصيري في ((إتحاف الخيرة المهرة)) (2/ 395): سنده رجاله ثقات وله شاهد، وقال ابن حجر في ((الفتوحات الربانية)) (2/ 294): حسن صحيح، وصححه أحمد شاكر في ((المحلى)) (4/ 147)، والألباني في ((صحيح سنن الترمذي))..
(¬4) [3629])) ((شرح سنن أبي داود،)) لبدر الدين العيني (5/ 336).
(¬5) [3630])) ((جامع البيان في تأويل القرآن)) للطبري (5/ 659)

الوسائل المعينة على ترك سوء الظن

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الوسائل المعينة على ترك سوء الظن.
1 - الاستعاذة بالله والتوقف عن الاسترسال في الظنون:.
إذا كان سوء الظن الوارد متعلق بالله سبحانه وتعالى فمما ورد في علاج ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا، من خلق كذا، حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته)) (¬1)..
2 - معرفة أسماء الله وصفاته على منهج السلف الصالح:.
قال ابن القيم: (أكثر الناس يظنون بالله غير الحق ظن السوء فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم عن ذلك إلا من عرف الله وعرف أسماءه وصفاته، وعرف موجب حمده وحكمته، فمن قنط من رحمته وأيس من روحه، فقد ظن به ظن السوء) (¬2)..
3 - الخوف من عقوبة من يسيء الظن:.
قال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا [الأحزاب: 58]..
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع، فقال ((يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله)) (¬3)..
قال ابن عثيمين: (أما من فُتن ـ والعياذ بالله ـ وصار يتتبع عورات الناس، ويبحث عنها، وإذا رأى شيئاً يحتمل الشر ولو من وجه بعيد طار به فرحاً ونشره، فليبشر بأن من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في جحر بيته) (¬4)..
4 - سوء الظن بالنفس واتهامها بالتقصير:.
قال ابن القيم: (ليظن – العبد - السوء بنفسه التي هي مأوى كل سوء، ومنبع كل شر المركبة على الجهل والظلم، فهي أولى بظن السوء من أحكم الحاكمين وأعدل العادلين وأرحم الراحمين، الغني الحميد الذي له الغنى التام والحمد التام والحكمة التامة، المنزه عن كل سوء في ذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه، فذاته لها الكمال المطلق من كل وجه، وصفاته كذلك، وأفعاله كذلك، كلها حكمة ومصلحة ورحمة وعدل، وأسماؤه كلها حسنى) (¬5)..
5 - المداومة على محاسبة النفس والاستغفار:.
قال ابن القيم: (فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا الموضع وليتب إلى الله تعالى، وليستغفره كل وقت من ظنه بربه ظن السوء) (¬6)..
6 - معرفة حكم سوء الظن بالمسلم:.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى هاهنا. ويشير إلى صدره ثلاث مرات: بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه)) (¬7)..
7 - ترك التحقق من الظنون السيئة:.
¬_________.
(¬1) رواه البخاري (3276)، ومسلم (134)..
(¬2) ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) لابن القيم (3/ 206)..
(¬3) رواه الترمذي (2032)، وابن حبان (13/ 75) (5763). قال الترمذي: حسن غريب، وصحح إسناده الزيلعي في ((تخريج الكشاف)) (3/ 344)، وحسنه ابن حجر في ((تخريج مشكاة المصابيح)) (4/ 451) كما قال في المقدمة، والألباني في ((صحيح سنن الترمذي))..
(¬4) ((الشرح الممتع على زاد المستقنع)) لابن عثيمين (5/ 301)..
(¬5) ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) لابن القيم (3/ 211)..
(¬6) ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) لابن القيم (3/ 211)..
(¬7) رواه مسلم (2564).

الوسائل المعينة على ترك الطمع

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الوسائل المعينة على ترك الطمع.
1. الاهتمام بتهذيب النفس وترويضها على الصبر في الطاعات..
2. التأمل في العواقب الوخيمة التي تنتج عن الطمع..
3. التأمل في نعم الله الكثيرة والمختلفة، وشكره عليها..
4. التحلي بالورع عند الميل إلى الطمع..
5. التسليم بقضاء الله وقدره..
6. الطمع في الجنة وما عند الله من نعيم في الدار الآخرة..
7. اللجوء إلى الله والاستعانة به في الابتعاد عن الطمع..
8. مجاهدة النفس وتعويدها على القناعة والتعفف..
9. مطالعة سير السلف وأحوال الصالحين..
10. العلم بأن الإنسان لن يأخذ من رزقه أكثر مما كُتِب له، مهما طمع وحرص على الدنيا..
11. أن يعلم بأنَّ الدنيا دنيئة وحقيرة..
12. معرفة أن القناعة طمأنينة للقلب وراحة للنفس..
13. نشر العلم بين أفراد المجتمع والقضاء على الجهل..
14. النظر إلى من هو أدنى في أمور الدنيا؛ كالفقراء والمبتلين والمرضى..
15. اليقين بأن الإنسان لن يموت حتى يستكمل رزقه..
16. تذكر الموت والدار الآخرة..
17. مجالسة ومصاحبة القنوع..
18. إخراج الزكاة والصدقة والإنفاق في وجوه الخير.

الوسائل المعينة على ترك العجب

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الوسائل المعينة على ترك العجب.
يتكلم الإمام ابن حزم رحمه الله عن علاج العجب فيجعل له علاجاً عاماً يتداوى به كل من أصيب بهذا الداء العضال والآفة القاتلة, وهذا العلاج يكمن في التفكر في عيوب النفس والنظر إلى نقصها وضعفها فيقول رحمه الله تعالى: (من امتحن بالعجب فليفكر في عيوبه. فإن أعجب بفضائله فليفتش ما فيه من الأخلاق الدنية، فإن خفيت عليه عيوبه جملة حتى يظن أنه لا عيب فيه، فليعلم أنه مصيبة للأبد وأنه أتم الناس نقصاً وأعظمهم عيوباً وأضعفهم تمييزاً ... فليتدارك نفسه بالبحث عن عيوبه والاشتغال بذلك عن الإعجاب بها وعن عيوب غيره التي لا تضره لا في الدنيا ولا في الآخرة ....
ثم تقول للمعجب: ارجع إلى نفسك، فإذا ميزت عيوبها فقد داويت عجبك، ولا تميل بين نفسك وبين من هو أكثر منها عيوباً فتستسهل الرذائل وتكون مقلداً لأهل الشر)
(¬1)..
ثم يتكلم رحمه الله عن علاج لبعض الحالات الخاصة من حالات العجب ننقلها هنا بتصرف يسير:.
- (علاج من أعجب بعقله:.
فإن أعجبت بعقلك، ففكر في كل فكرة سوء تمر بخاطرك وفي أضاليل الأماني الطائفة بك، فإنك تعلم نقص عقلك حينئذ..
- علاج من أعجب برأيه:.
وإن أعجبت بآرائك، فتفكر في سقطاتك واحفظها ولا تنسها، وفي كل رأي قدرته صواباً فخرج بخلاف تقديرك، وأصاب غيرك وأخطأت أنت، فإنك إن فعلت ذلك فأقل أحوالك أن يوازن سقوط رأيك صوابه فتخرج لا لك ولا عليك، والأغلب أن خطأك أكثر من صوابك. وهكذا كل أحد من الناس بعد النبيين صلوات الله عليهم..
- علاج من أعجب بما يقدمه من الخير:.
وإن أعجبت بخيرك فتفكر في معاصيك وتقصيرك وفي معايبك ووجوهها، فوالله لتجدن من ذلك ما يغلب على خيرك ويعفي على حسناتك، فليطل همك حينئذ من ذلك، وأبدل من العجب تنقيصاً لنفسك..
- علاج من أعجب بعلمه:.
وإن أعجبت بعلمك فاعلم أنه لا خصلة لك فيه وأنه موهبة من الله مجردة وهبك إياها ربك تعالى فلا تقابلها بما يسخطه، فلعله ينسيك ذلك بعلة يمتحنك بها، تولد عليك نسيان ما علمت وحفظت ....
واعلم أن كثيراً من أهل الحرص على العلم يجدون في القراءة والإكباب على الدرس والطلب ثم لا يرزقون منه حظاً، فليعلم ذو العلم أنه لو كان بالإكباب وحده لكان غيره فوقه، فصح أنه موهبة من الله تعالى، فأي مكان للعجب ها هنا ما هذا إلا موضع تواضع وشكر لله تعالى واستزادة من نعمه واستعاذة من سلبها..
ثم تفكر أيضاً في أن ما خفي عليك وجهلته من أنواع العلم الذي تختص به والذي أعجبت بنفاذك فيه، أكثر مما تعلم من ذلك، فاجعل مكان العجب استنقاصاً لنفسك واستقصاراً لها، فهو أولى. وتفكر فيمن كان أعلم منك تجدهم كثيراً، فلتهن نفسك عندك حينئذ..
وتفكر في إخلالك بعلمك، فإنك لا تعمل بما علمت منه فعلمك عليك حجة حينئذ، لقد كان أسلم لك لو لم تكن عالماً. واعلم أن الجاهل حينئذ أعقل منك وأحسن حالاً وأعذر، فليسقط عجبك بالكلية..
ثم لعل علمك الذي تعجب بنفاذك فيه من العلوم المتأخرة التي لا كبير خصلة فيها كالشعر وما جرى مجراه، فانظر حينئذ إلى من علمه أجل من علمك في مراتب الدنيا والآخرة، فتهون نفسك عليك..
- علاج من أعجب بشجاعته:.
وإن أعجبت بشجاعتك فتفكر فيمن هو أشجع منك ثم انظر في تلك النجدة التي منحك الله تعالى فيما صرفتها، فإن كنت صرفتها في معصية فأنت أحمق، لأنك بذلت نفسك فيما ليس بثمن لها. وإن كنت صرفتها في طاعة فقد أفسدتها بعجبك، ثم تفكر في زوالها عنك بالشيخ، وإنك إن عشت فستصير في عداد العيال وكالصبي ضعفاً ....
- علاج من أعجب بجاهه:.
¬_________.
(¬1)
((رسائل ابن حزم)) (1/ 387).

الوسائل المعينة على ترك الغدر

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الوسائل المعينة على ترك الغدر.
1 - إخلاص الإيمان لله سبحانه وتعالى وتقويته..
2 - أن لا يحمل الإنسان نفسه من الأعمال ما لا تطيق..
3 - التأمل في الآثار الوخيمة للغدر على الفرد والمجتمع..
4 - تدبر الآيات القرآنية التي حذرت من الغدر وعدم الوفاء..
5 - ترك الطمع واللهث وراء الدنيا..
6 - مجاهدة النفس وتربيتها على التحلي بالوفاء والصدق..
7 - البعد عن أصدقاء السوء ومجالسة أهل الصلاح.

الأسباب المعينة على ترك الغش

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الأسباب المعينة على ترك الغش.
1 - الابتهال والتضرع إلى الله بالدعاء بأن يغنيه الله بحلاله عن حرامه..
2 - إخلاص العمل لله جل وعلا..
3 - تفعيل فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..
4 - تربية الفرد تربية سليمة قائمة على الالتزام بأحكام الشرع الحنيف وآدابه..
5 - تقوية الثقة بالله واستشعار مراقبته..
6 - زيارة القبور وتذكر الموت واليوم الآخر..
7 - الصبر في تحصيل الرزق الحلال بالوسائل المباحة..
8 - القناعة بما رزق..
9 - مجالسة الرفقة الصالحة..
10 - معاقبة مرتكبي الغش لردعهم عن ذلك..
11 - العلم بالحكم الشرعي بأن الغش حرام..
12 - تعليم الناس بخطر الغش وتبيين صوره..
13 - النظر للعواقب الوخيمة للغش في الدنيا والآخرة.

الوسائل المعينة على ترك الغيبة

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الوسائل المعينة على ترك الغيبة.
من الوسائل المعينة على ترك الغيبة والبعد عنها ما يلي:.
1 - التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بكثرة الأعمال الصالحة وتقديم رضاه على رضا المخلوقين..
2 - زيادة رصيد الإيمان وتقويته بالعلم النافع والعمل الصالح..
3 - أن ينشغل الإنسان بالبحث عن عيوبه، ويكف عن عيوب الآخرين وتتبعها..
4 - اختيار الصحبة الصالحة التي تقربك من الله وتبعدك عن المعاصي والابتعاد عن رفاق السوء..
5 - تربية الفرد تربية إسلامية سليمة قائمة على الآداب والتعاليم الإسلامية..
6 - استغلال وقت الفراغ، بما ينفع الفرد ويقوي إيمانه ويقربه إلى الله سبحانه وتعالى، من طاعات وعبادات وعلم وتعلم..
7 - قناعة الإنسان بما رزقه الله، وشكره على هذه النعم، وأن يعلم أن ما عند الله خير وأبقى..
8 - أن يضع الإنسان نفسه مكان الشخص الذي اغتيب، ليجد أنه لن يرضى هذا لنفسه..
9 - كظم الغيظ والصبر على الغضب، كي لا يكونا دافعاً للغيبة..
10 - الابتعاد عن كل ما من شأنه أن يؤدي به إلى الغيبة.

الوسائل المعينة لترك الفحش والبذاءة

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الوسائل المعينة لترك الفحش والبذاءة.
1 - أن يكثر من ذكر الله:.
أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأنبئني منها بشيء أتشبث به قال: لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله عز وجل)) (¬1)..
وذكر ابن القيم من فوائد الذكر (أنه سبب اشتغال اللسان عن الغيبة والنميمة والكذب والفحش والباطل فإن العبد لا بد له من أن يتكلم فإن لم يتكلم بذكر الله تعالى وذكر أوامره تكلم بهذه المحرمات أو بعضها ولا سبيل إلى السلامة منها البتة إلا بذكر الله تعالى والمشاهدة والتجربة شاهدان بذلك فمن عود لسانه ذكر الله صان لسانه عن الباطل واللغو ومن يبس لسانه عن ذكر الله تعالى ترطب بكل باطل ولغو وفحش ولا حول ولا قوة إلا بالله) (¬2)..
2 - أن يلزم الصمت:.
قال تعالى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً [الإسراء: 36]..
وقال صلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت)) (¬3)..
وأوصى صلى الله عليه وسلم أبا ذر فقال: ((يا أبا ذر ألا أدلك على خصلتين هما أخف على الظهر وأثقل في الميزان من غيرهما قال بلى يا رسول الله قال عليك بحسن الخلق وطول الصمت فوالذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما)) (¬4)..
3 - تعويد اللسان على الكلام الجميل:.
فعن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال: ((تقوى الله وحسن الخلق، وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: الفم والفرج)) (¬5)..
4 - أن يتجنب في عباراته الألفاظ المستقبحة وإن كانت صدقاً ويكني بدلاً عنها:.
قال الماوردي: (يتجافى هجر القول ومستقبح الكلام، وليعدل إلى الكناية عما يستقبح صريحه ويستهجن فصيحه؛ ليبلغ الغرض ولسانه نزه وأدبه مصون) (¬6)..
وقال العلاء بن هارون: (كان عمر بن عبد العزيز يتحفظ في منطقه فخرج تحت إبطه خراج فأتيناه نسأله لنرى ما يقول فقلنا من أين خرج فقال من باطن اليد) (¬7)..
5 - أن لا يتحدث فيما لا يعنيه:.
قال صلى الله عليه وسلم: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) (¬8)..
وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: ((توفي رجل من أصحابه - يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال رجل: أبشر بالجنة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أولا تدري، فلعله تكلم بما لا يعنيه، أو بخل بما لا يغنيه)) (¬9)..
¬_________.
(¬1) رواه الترمذي (3375)، وابن ماجه (3793)، وأحمد (4/ 190) (17734). قال الترمذي: حسن غريب. وصحح إسناده الحاكم. وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (7700)..
(¬2) ((الوابل الصيب)) لابن القيم (ص 64)..
(¬3) رواه البخاري (6018)، ومسلم (47)..
(¬4) رواه البزار (13/ 359)، وأبو يعلى (6/ 53)، والطبراني في ((الأوسط)) (7/ 140). وجوَّد إسناده المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (3/ 274)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) (8/ 22): رجاله ثقات. وقال البوصيري في ((إتحاف الخيرة)) (6/ 18): هذا إسناد رجاله ثقات..
(¬5) رواه الترمذي (2004)، وأحمد (2/ 442) (9694)، وابن حبان (2/ 224). قال الترمذي: صحيح غريب. وحسنه الألباني في ((صحيح الترغيب)) (2642)..
(¬6) ((أدب الدنيا والدين)) (ص 284)..
(¬7) ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (3/ 122)..
(¬8) رواه الترمذي (2317)، وابن ماجه (3976)، وأحمد (1/ 201) (1737). قال الترمذي: غريب لا نعرفه من حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه. وصححه السيوطي في ((الجامع الصغير)) (8243)، والألباني في ((صحيح الجامع)) (5911)..
(¬9) رواه الترمذي (2316)، وقال: غريب. وضعفه الألباني في ((ضعيف الجامع)) (2151).

الوسائل المعينة للتخلص من قسوة القلب والغلظة والفظاظة:

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الوسائل المعينة للتخلص من قسوة القلب والغلظة والفظاظة:.
قال ابن القيم: (القلب يمرض كما يمرض البدن وشفاؤه في التوبة والحمية ويصدأ كما تصدأ المرآة وجلاؤه بالذكر ويعري كما يعري الجسم وزينته التقوى ويجوع ويظمأ كما يجوع البدن وطعامه وشرابه المعرفة والمحبة والتوكل والإنابة والخدمة) (¬1)..
ومن هذه الوسائل:.
1 - الدعاء:.
قال تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة: 186]..
قال ابن القيم: (قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إني لا أحمل هم الإجابة ولكن هم الدعاء فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه (¬2). وعلى قدر نية العبد وهمته ومراده ورغبته في ذلك يكون توفيقه سبحانه وإعانته فالمعونة من الله تنزل على العباد على قدر هممهم وثباتهم ورغبتهم ورهبتهم والخذلان ينزل عليهم على حسب ذلك فالله سبحانه أحكم الحاكمين وأعلم العالمين يضع التوفيق في مواضعه اللائقة به والخذلان في مواضعه اللائقة به هو العليم الحكيم وما أتي من أتي إلا من قبل إضاعة الشكر وإهمال الافتقار والدعاء ولا ظفر من ظفر بمشيئة الله وعونه إلا بقيامه بالشكر وصدق الافتقار والدعاء وملاك ذلك الصبر) (¬3)..
حيث كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم التعوذ من جمود العين وعدم خشوع القلب كما في حديث زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وفيه كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ (( ... ومن قلب لا يخشع)) (¬4)..
2 - قراءة القرآن وتدبر آياته:.
قال تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف: 204]..
قال السعدي: (الاستماع له، فهو أن يلقي سمعه، ويحضر قلبه ويتدبر ما يستمع،، .. فإنه ينال خيرا كثيرا وعلما غزيرا، وإيمانا مستمرا متجددا، وهدى متزايدا، وبصيرة في دينه، ولهذا رتب الله حصول الرحمة عليهما، فدل ذلك على أن من تُلِيَ عليه الكتاب، فلم يستمع له وينصت، أنه محروم الحظ من الرحمة، قد فاته خير كثير) (¬5).
وقال تعالى: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: 21]..
هذه دعوة من الله سبحانه وتعالى لعباده بتدبر القرآن (وإن كانوا في القسوة وصلابة القلوب كالجبال الرواسي، فإن هذا القرآن لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله لكمال تأثيره في القلوب، فإن مواعظ القرآن أعظم المواعظ على الإطلاق، وأوامره ونواهيه محتوية على الحكم والمصالح المقرونة بها، وهي من أسهل شيء على النفوس، وأيسرها على الأبدان، خالية من التكلف لا تناقض فيها ولا اختلاف، ولا صعوبة فيها ولا اعتساف، تصلح لكل زمان ومكان، ولا أنفع للعبد من التفكر في القرآن والتدبر لمعانيه، فإن التفكر فيها يفتح للعبد خزائن العلم، ويبين له طرق الخير والشر، ويحثه على مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، ويزجره عن مساوئ الأخلاق) (¬6)..
3 - الإكثار من ذكر الله:.
قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: 28]..
¬_________.
(¬1) ((الفوائد)) لابن القيم (1/ 98)..
(¬2) ذكره ابن تيمية في ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (ص 229)..
(¬3) ((الفوائد)) لابن القيم (1/ 97)..
(¬4) جزء من حديث رواه مسلم (2722)..
(¬5) انظر: ((تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان)) للسعدي (1/ 314)..
(¬6) انظر: ((تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان)) للسعدي (1/ 853).

الوسائل المعينة على ترك الكبر

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الوسائل المعينة على ترك الكبر.
هذا وعلاج التكبر - بحيث تطهر منه النفس، ولا يعود إليها مرة أخرى - إنما يكون باتباع الأساليب والوسائل التالية:.
1. تذكير النفس بالعواقب والآثار المترتبة على التكبر، سواء كانت عواقب ذاتية أو متصلة بالعمل الإسلامي، وسواء كانت دنيوية أو أخروية على النحو الذي قدمنا، فلعل هذا التذكير يحرك النفس من داخلها، ويحملها على أن تتوب، وتتدارك أمرها قبل ضياع العمر وفوات الأوان..
2. عيادة المرضى، ومشاهدة المحتضرين وأهل البلاء وتشييع الجنائز، وزيارة القبور، فلعل ذلك أيضاً يحركه من داخله، ويجعله يرجع إلى ربه بالإخبات، والتواضع..
3. الانسلاخ من صحبة المتكبرين، والارتماء في أحضان المتواضعين المخبتين، فربما تعكس هذه الصحبة بمرور الأيام شعاعها عليه، فيعود له سناؤه، وضياؤه الفطري كما كان عند ولادته..
4. مجالسة ضعاف الناس وفقرائهم، وذوى العاهات منهم، بل ومؤاكلتهم ومشاربتهم، كما كان يصنع النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحبه الكرام، وكثير من السلف، فإن هذا مما يهذب النفس ويجعلها تقلع عن غيها، وتعود إلى رشدها..
5. التفكر في النفس، وفي الكون، بل وفي كل النعم التي تحيط به من أعلاه إلى أدناه، مَن مصدر ذلك كله؟ ومن ممسكه؟ وبأي شيء استحقه العباد؟ وكيف تكون حاله لو سلبت منه نعمة واحدة فضلاً عن باقي النعم؟؟؟ فإن ذلك التفكر لو كانت معه جدية، يحرك النفس ويجعلها تشعر بخطر ما هي فيه، إن لم تبادر بالتوبة والرجوع إلى ربها..
6. النظر في سير وأخبار المتكبرين، كيف كانوا؟ وإلى أي شيء صاروا؟ من إبليس والنمرود إلى فرعون، إلى هامان، إلى قارون، إلى أبي جهل، إلى أبي بن خلف، إلى سائر الطغاة والجبارين والمجرمين، في كل العصور والبيئات فإن ذلك مما يخوف النفس ويحملها على التوبة والإقلاع، خشية أن تصير إلى نفس المصير، وكتاب الله - عز وجل - وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وكتب التراجم والتاريخ خير ما يعين على ذلك..
7. حضور مجالس العلم التي يقوم عليها علماء ثقات نابهون، لاسيما مجالس التذكير والتزكية، فإن هذه المجالس لا تزال بالقلوب حتى ترق وتلين وتعود إليها الحياة من جديد..
8. حمل النفس على ممارسة بعض الأعمال التي يتأفف منها كثير من الناس ممارسة ذاتية ما دامت مشروعة، كأن يقوم هذا المتكبر بشراء طعامه وشرابه وسائر ما يلزمه بنفسه، ويحرص على حمله.
والمشي به بين الناس، حتى لو كان له خادم، على نحو ما كان يصنع النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحبه والسلف، فإن هذا يساعد كثيراً في تهذيب النفس وتأديبها، والرجوع بها إلى سيرتها الأولى الفطرية، بعيداً عن أي التواء أو اعوجاج..
9. الاعتذار لمن تعالى وتطاول عليهم بسخرية أو استهزاء، بل ووضع الخد على التراب وإلصاقه به، وتمكينه من القصاص على نحو ما صنع أبو ذر مع بلال لما عاب عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - تعييره بسواد أمه..
10. إظهار الآخرين بنعمة الله عليهم، وتحدثهم بها - لاسيما أمام المستكبرين - علهم يثوبون إلى رشدهم وصوابهم، ويتوبون ويرجعون إلى ربهم، قبل أن يأتيهم أمر الله..
11. التذكير دوماً بمعايير التفاضل والتقدم في الإسلام:.
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: 13]..
((كلكم بنو آدم، وآدم خلق من تراب، ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم، أو ليكونن أهون على الله - تعالى - من الجعلان)) (¬1)..
¬_________.
(¬1) رواه البزار (2938) من حديث حذيفة رضي الله عنه. وقال: لا نعلمه يروى عن حذيفة إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (8/ 89): فيه الحسن بن الحسين العرني وهو ضعيف.

الوسائل المعينة على ترك نقض العهد

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الوسائل المعينة على ترك نقض العهد.
8 - إخلاص الإيمان لله سبحانه وتعالى وتقويته..
9 - تأمل الآثار السيئة لنقض العهد على الفرد والمجتمع..
10 - تحلي أفراد المجتمع بالوفاء بالعهد..
11 - تأمل الآيات القرآنية التي حذرت من نقض العهد والميثاق..
12 - ترك الطمع واللهث وراء الدنيا..
13 - مجاهدة النفس وتربيتها على التحلي بالوفاء بالعهد.

الوسائل المعينة للتخلص من اليأس والقنوط

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الوسائل المعينة للتخلص من اليأس والقنوط.
1 - الإيمان بأسماء الله وصفاته:.
أن العلم والإيمان بأسماء الله وصفاته وخاصة التي تدل على الرحمة والمغفرة والكرم والجود تجعل المسلم لا ييأس من رحمة الله وفضله، قال علوي السقاف: (إذا علم العبد وآمن بصفات الله من الرحمة، والرأفة، والتَّوْب، واللطف، والعفو، والمغفرة، والستر، وإجابة الدعاء؛ فإنه كلما وقع في ذنب؛ دعا الله أن يرحمه ويغفر له ويتوب عليه، وطمع فيما عند الله من سترٍ ولطفٍ بعباده المؤمنين، فأكسبه هذا رجعة وأوبة إلى الله كلما أذنب، ولا يجد اليأس إلى قلبه سبيلاً، كيف ييأس من يؤمن بصفات الصبر، والحلم؟! كيف ييأس من رحمة الله من علم أن الله يتصف بصفة الكرم، والجود، والعطاء) (¬1)..
2 - حسن الظن بالله ورجاء رحمته:.
قال السفاريني: (حال السلف رجاء بلا إهمال، وخوف بلا قنوط. ولابد من حسن الظن بالله تعالى) (¬2)..
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني، والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة، ومن تقرب إلي شبرا، تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا، تقربت إليه باعا، وإذا أقبل إلي يمشي، أقبلت إليه أهرول)) (¬3)..
وعن أنس - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((قال الله تعالى: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني، غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة)) (¬4)..
قال الشافعي:.
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت رجائي دون عفوك سلما.
تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما.
فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل ... تجود وتعفو منة وتكرما.
فإن تنتقم مني فلست بآيس ... ولو دخلت نفسي بجرمي جهنما.
ولولاك لم يغوى بإبليس عابد ... فكيف وقد أغوى صفيك آدما.
وإني لآتي الذنب أعرف قدره ... وأعلم أن الله يعفو ترحما (¬5).
3 - تعلق القلب بالله والثقة به:.
لا بد على المرء أن يعلق قلبه بالله ويجعل الثقة به سبحانه وتعالى في كل أحواله و (لا يليق بالمسلم أن ييأس من روح الله ولا يقنط من رحمته، ولا يكون نظره مقصوراً على الأمور المادية والأسباب الظاهرة، بل يكون متلفتا في قلبه في كل وقت إلى مسبب الأسباب إلى الكريم الوهاب متحريا للفرج واثقا بأن الله سيجعل بعد العسر يسرا ومن هنا ينبعث للقيام بما يقدر عليه من النصح والإرشاد والدعوة ويقنع باليسير إذا لم يمكن الكثير وبزوال بعض الشر وتخفيفه إذا تعذر غير ذلك) (¬6)..
4 - أن يكون بين الخوف والرجاء:.
قال تعالى في مدح عباده المؤمنين: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء: 90]..
¬_________.
(¬1) ((صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة)) لعلوي السَّقَّاف (1/ 36)..
(¬2) ((غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب)) للسفاريني (1/ 466)..
(¬3) رواه البخاري (7405)، مسلم (2675) واللفظ له..
(¬4) رواه الترمذي (3540)، وأحمد (5/ 167) (21510). قال الترمذي: حسن غريب. وصحح إسناده الضياء في ((المختارة)) (4/ 399)، وصححه السيوطي في ((الجامع الصغير)) (6065)..
(¬5) ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (10/ 76)..
(¬6) انظر: ((الهمة العالية)) لمحمد الحمد (1/ 50).

الجماعات اليهودية إشكاليات - عداء الأغيار الأزلي لليهود واليهودية - بعض التجليات المتعينة لمعاداة اليهود

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

بعض التجليات المتعيِّنة لمعاداة اليهود
‏Some Concrete Manifestations of Anti-Semitism
يمكن تفسير ظاهرة معاداة اليهود من خلال نموذج تفسيري وتصنيفي واحد مركب تتفرع عنه عدة نماذج فرعية تتبدَّى، هي بدورها، في أحداث ووقائع ومؤلفات بعينها، مثل: اضطرابات فيتميلخ، وحادثة دريفوس، وتهمة الدم، وبروتوكولات حكماء صهيون. وفي كل مدخل، سنحاول أن نعرض لموقف كلٍّ من الرؤية العرْقية المعادية لليهود والرؤية الصهيونية من الظاهرة أو القضية موضوع الدراسة ثم نحاول أن نقدم تفسيراً أكثر تركيباً وأقل اختزالية.
طرد اليهود
‏Expulsion of Jews
يُشير مصطلح «طرد اليهود» في الكتابات الصهيونية إلى مجموعة من الوقائع التاريخية التي حدثت في مجتمعات وتشكيلات حضارية مختلفة تحت ظروف مختلفة لا يربطها أي رابط. والواقع أن الحديث عن «طرد اليهود» ، كما لو كان ظاهرة تاريخية واحدة، هو تعبير عن الإيمان بوجود تاريخ يهودي واحد يُعبِّر عن هوية يهودية واحدة (منبوذة من الأغيار) ، وأن اليهود شعب عضوي منبوذ.
وفيما يلي بعض تواريخ الطرد المهمة:

724 ق. م التهجير (النفي) الآشوري.
586 ق. م التهجير (النفي) البابلي.
139 ق. م القاضي (برائيتور) ، هسبالوس يطرد اليهود من روما.
19 ق. م تايبريوس ينفي الأجانب (ومن بينهم اليهود) .
50 م كلوديوس يأمر بطرد اليهود من روما.
70 م هدم الهيكل على يد تيتوس وطرد اليهود من فلسطين (وتعد هذه هي أهم حادثة طرد من المنظور اليهودي والمسيحي) .
94م دوميتان يطرد المسيحيين واليهود.
135 م طرد اليهود من القدس وتحريم دخولها عليهم.
415 م الطرد من الإسكندرية
624 - 628 م الطرد من الجزيرة العربية أيام الرسول.
1467 م الطرد من تلمسان
ولكن أهم وقائع الطرد توجد داخل التشكيل الحضاري الغربي في العصور الوسطى وبعدها:
1290 م إنجلترا
1492 م إسبانيا
1306 - 1394 م فرنسا
1495 م ليتوانيا
1367 م المجر
1497 م البرتغال
وقد شهد القرنان الرابع عشر والخامس عشر حوادث طرد من مدن إيطاليا وألمانيا:
1426 م كولونيا
1453 م برسلاو
1439 م أونسبرج
1648 م ثورة شميلنكي في أوكرانيا
واستمر الطرد حتى العصر الحديث:
1744 - 1752 م براغ
وبعد ذلك التاريخ، تأسَّست منطقة الاستيطان، وهو ما كان يعني:
1772 م الطرد من بقية روسيا
1891 م الطرد من موسكو
وقام الروس بعد الثورة البلشفية، والنازيون بعد استيلائهم على الحكم، بنقل أعداد من اليهود من أماكن إقامتهم إلى أماكن أخرى. كما هاجر يهود البلاد العربية إلى إسرائيل وأوربا بعد عام 1948. وتُصنِّف الموسوعة اليهودية هذه الأحداث التاريخية كافة باعتبارها «حوادث طرد» . وتذكر أنه يمكن تصنيفها على أسس مختلفة إلا أن الدافع الجذري وراءها جميعاً هو كُره اليهود «ومعاداتهم» !

وغني عن القول أن هذه الوقائع لا يربطها رابط، فالتهجير الآشوري والبابلي شملا أقواماً عديدة أخرى لضمان أمن منطقة عبر النهر، أي منطقة الشام. وفي كثير من الأحيان، لم يكن الحكام الآشوريون أو البابليون يعرفون شيئاً عن العبرانيين، فكانت تَصدُر الأوامر بهدم منطقة أو تهدئتها، الأمر الذي كان يعني إخلاءها من معظم سكانها وأقوامها، وبخاصة من أعضاء النخبة. وقد شهد عام 139 ق. م أول عملية طرد لأعضاء إحدى الجماعات اليهودية، بالمعنى الحرفي للكلمة، حيث إنها لم تكن تهجيراً كالتهجير البابلي مثلاً، وليست فراراً كما حدث مع ثورة شميلنكي. ويبدو أن سبب عملية الطرد من روما هذه هو الخوف من تحوُّل المواطنين الرومان إلى العقيدة اليهودية. ويبدو، بالفعل، أن كثيراً من الرومان المتعلمين كانوا يعجبون باليهودية نظراً لطبيعتها التوحيدية بالقياس إلى التعددية والشرك اللذين يسمان العبادة الوثنية في روما. أما طرد اليهود عام 19 ميلادية، فقد تم بتحريض من سيجانوس رئيس الحرس الإمبراطوري، غير أن الإمبراطور تايبريوس الذي أصدر أمر الطرد عاد وألغاه بعد اثنى عشر عاماً، وأمر بألا يُساء إلى اليهود أو إلى شعائرهم الدينية، وأعلن أن سيجانوس كان قد ضلله لتحقيق مآربه الخاصة. ورغم أن روما اتسمت بالتسامح، فإن التهود بأعداد كبيرة كان يهدد سلطة الدولة، ذلك أن شرعية الدولة تستند إلى العبادة الوثنية، كما أن كثيراً من الوظائف الإدارية كان مرتبطاً بهذه العبادة، وبالتالي فإن التهود كان يعني ضعف الولاء وأزمة الشرعية، كما كان يهدد ثبات موارد الهياكل المقدَّسة من هبات وقرابين. ويبدو أن رجال المال الرومان كانوا أيضاً وراء طرد اليهود، حيث كانوا يمارسون الربا بالتحايل على القانون ويودون التخلص من المرابين اليهود الذين يشكلون منافساً قوياً لهم.

أما طرد اليهود من القدس، فلم يكن جزءاً من سياسة روما الداخلية وإنما جاء في إطار سياستها الإمبراطورية وكمحاولة لتهدئة المنطقة. وكان طرد اليهود من المدينة المنورة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم يعود إلى أسباب خاصة بحركيات الدين الجديد ومحاولة الدولة الإسلامية الجديدة تأمين مركزها وقلبها بضمان عدم وجود أقليات لا تدين لها بالولاء. وحينما قام شميلنكي بالهجوم على الجماعات اليهودية، فإنه كان يفعل ذلك في إطار حركة تحرُّر وطني وثورة فلاحية ضد المستغلين البولنديين الذين تَصادَف وجود اليهود كوكلاء لهم. وحينما كتب شميلنكي إلى كرومويل، في محاولة لتوحيد القوى الأرثوذكسية والبروتستانتية ضد الكاثوليكية، فإنه لم يذكر اليهود من قريب أو بعيد.
وإن أردنا أن نجد نمطاً متكرراً في ظاهرة طرد اليهود، فإننا لن نجده على صعيد العالم وإنما داخل التشكيل الحضاري الغربي، وبخاصة في العصر الوسيط. وسنجد أن السبب وراء طرد اليهود لم يكن كُرههم وإنما كونهم جماعة وظيفية وسيطة تشكل عنصراً استيطانياً غريباً، يُوطَّن (أي يُستورَد) ويُصدَّر ولا يضرب بجذوره في أي مكان، تماماً مثل الجنود المرتزقة. والجماعة الوظيفية الوسيطة تلعب دورها، ثم يستغنى عنها المجتمع فينبذها، فتنتقل إلى مجتمع آخر، وهكذا. وعادةً ما تستغني المجتمعات عن الجماعة الوظيفية الوسيطة حينما تظهر هياكل مركزية للإدارة (وهذا ما حدث في حالة إنجلترا عام 1290 وفي فرنسا في أواخر القرن الرابع عشر وفي إسبانيا في أواخر القرن الخامس عشر) أو حينما تظهر طبقات محلية بديلة (وهذا ما حدث في معظم أوربا بالتدريج ابتداءً من القرن الثاني عشر) .

والجدير بالملاحظة أن المدن في العصور الوسطى كانت صغيرة للغاية وأن عدد أعضاء الجماعات اليهودية في كل مدينة كان صغيراً ولا يُُعتد به من الناحية الإحصائية. إذ كان عدد يهود إنجلترا لا يزيد، حسب إحدى الروايات، على أربعة آلاف. وكانت أية جماعة يهودية لا تزيد على ألفين، وكانت الجماعة اليهودية تُعدُّ كبيرة إن زاد عدد أعضائها على بضع مئات. ومن هنا، فإن الحديث عن الطرد هو حديث عن طرد بضع مئات من التجار الغرباء. وكان الاستثناء الوحيد من القاعدة هو طرد اليهود من شبه الجزيرة الأيبيرية، حيث بلغ عددهم مائة وخمسين أو مائة وعشرين ألفاً، وقد طُردوا مع مئات الألوف (ويُقال أكثر من مليونين) من المسلمين الذين رفضوا التنصر وفاقت أعدادهم أعداد اليهود. ويُلاحَظ أن اليهود كانوا، في كثير من الأحيان، يُطردون أو يفرون لبضعة أشهر ثم يعودون إلى مواقعهم مرة أخرى. ولابد من الإشارة إلى أن اليهود لم يكونوا الجماعة الوحيدة التي يتم طردها، فقد كان يتم طرد مختلف أعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة الأخرى، مثل اللومبارد والكوهارسين. وأحياناً، كان يتم طرد إحدى الجماعات لتحل محلها جماعة أخرى تقدم شروطاً ائتمانية أفضل، فهذه الجماعات لم يكن يُنظَر إلى أعضائها باعتبارهم بشراً وإنما كان يُنظَر إليهم كأدوات إنتاج يمكن أن تحل الواحدة محل الأخرى.

وقد عمَّقت عمليات الطرد عدم تجذر اليهود في الحضارة الغربية وزادت هامشيتهم، وهي التي حددت إدراك العالم الغربي لهم. وتبدَّى هذا الإدراك في صورة «اليهودي التائه» . ومن هنا، فإن الحل الصهيوني للمسألة اليهودية (الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة) يَصدُر عن قبول فكرة طرد اليهود من أوربا وحتميتها. ويُعَدُّ وعد بلفور النقطة التي اتفقت فيها أوربا مع قيادات الجماعة اليهودية على أن يتم نقل اليهود من العالم الغربي إلى فلسطين (أي طردهم بطريقة سلمية مؤسسية) باعتبارهم عنصراً نافعاً يمكنه الاضطلاع بوظيفة قتالية دفاعاً عن المصالح الإمبريالية الغربية داخل إطار الدولة الوظيفية. كما أن الإبادة على يد النازيين، هي الأخرى، شكل من أشكال الطرد (من العالم الغربي إلى العالم الآخر) أخذ شكل التصفية الجسدية، وذلك بسبب عدم وجود مستعمرات ألمانية يُطرَدون إليها، وبسبب رفض بولندا السماح بدخول قطارات اليهود المطرودين إليها.
ويتضح قبول الطرد، كنقطة انطلاق في صهيونية يهود الغرب التوطينية، من واقع أن اللجان (الأليانس وغيرها) كانت تُشكَّل لنقل اليهود إلى أي مكان في العالم ماعدا المكان الذي استوطنوا فيه بالفعل (في بلاد غرب أوربا) . وقد أيد يهود الغرب الصهيونية الاستيطانية من منظور توطيني. كما أن المنظمات الصهيونية مازالت تشجع اليهود على الهجرة من روسيا وأوكرانيا بدلاً من الدفاع عن حقوقهم السياسية والمدنية وحقهم في التمتع بحياة كريمة في أوطانهم. ومن ثم، يمكن أيضاً تصنيف ذلك على أنه تقبُّل لحتمية خروج أو طرد اليهود من تلك البلدان، ويمكننا تصنيف الصهيونية على أنها حركة طاردة لليهود من أوطانهم المختلفة بهدف تجميعهم في بلد واحد، ويُطلَق على هذه العملية مصطلح «تجميع المنفيين» .

ومما يجدر ذكره أن أعضاء الجماعات اليهودية أنفسهم اشتركوا، أحياناً، في عملية طرد اليهود. وكان ضمن حقوق الجيتوات، في العصور الوسطى، ما يُسمَّى «تحريم الاستيطان» (بالعبرية: حيريم هايشوف) ، أي تحريم استيطان أي يهودي غريب على الجيتو فيه. ومن ثم، كانت هذه الجيتوات تطرد اليهود الغرباء منها. كما كانت هناك حالات في القرن الثامن عشر طالب فيها اليهود بطرد جماعات يهودية أخرى. فقد قدم يعقوب رودريجيز في عام 1760 التماساً إلى لويس الخامس عشر لطرد اليهود الألمان (الإشكناز) ، وأيده في ذلك الطلب المفكِّر والمموِّل اليهودي السفاردي إسحق دي بنتو. ووافقت الحكومة الفرنسية على الطلب ونُفِّذ الاقتراح في العام التالي.
ومن الظواهر التي تُفسَّر على أنها طرد لليهود، نتيجة العداء الكامن تجاههم، خروج اليهود من بلاد تأخذ بالنمط الاشتراكي في التنمية. ولعل أكثر الأمثلة بروزاً في هذا المجال هو كوبا. فبعد استيلاء كاسترو على الحكم، خرجت أعداد هائلة من اليهود حتى أوشكت الجماعة اليهودية على الاختفاء الكامل. وقد حدث الشيء نفسه في البلاد العربية التي نحت منحى اشتراكياً.
وإذا وضعنا هذه الظاهرة في سياقها التاريخي، يمكننا أن نفسر خروج اليهود بالأسباب التالية:
1 ـ يُلاحَظ أن النمط التنموي الاشتراكي يلجأ إلى تأميم قطاعات من الاقتصاد مثل المصارف ومنافذ التسويق حتى يمكنه التحكم في آليات السوق. ومثل هذه القطاعات هي التي يتركز فيها عادة أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة، ومن بينهم أعضاء الجماعة اليهودية بطبيعة الحال. كما أن الوضع نفسه ينشأ حينما تظهر الطبقات المحلية الوطنية وتشارك في العملية الاقتصادية وتُسيِّرها كما ترغب.

2 ـ ويُلاحَظ أن الهجرة اليهودية في العالم، منذ نهاية القرن الماضي، تتجه من بلاد متخلفة مثل روسيا إلى بلاد متقدمة تتبع الاقتصاد الحر مثل الولايات المتحدة وغيرها من البلاد الاستيطانية (أستراليا وكندا وجنوب أفريقيا) . ومن هنا يمكن تفسير خروج يهود كوبا.
3 ـ كما يُلاحَظ أن دول العالم الثالث، التي تخرج عن المسار الغربي، تمارس نوعاً من التضامن فيما بينها، وبالتالي فهي تأخذ موقفاً متعاطفاً من الدول العربية ومن منظمة التحرير الفلسطينية ومن كفاح الشعب الفلسطيني ضد الاستعمار الغربي والصهيوني. وقد نجحت المنظمة من جانبها في أن تقيم علاقات مع الحركات الثورية في الأرجنتين ونيكاراجوا واليابان، وهو ما يخلق خطاباً سياسياً يولد إحساساً بعدم الأمن لدى أعضاء الجماعات اليهودية فتهاجر أعداد منهم، وتقع كوبا داخل هذا النمط. ومن المعروف أن نظام كاسترو بذل جهوداً غير عادية للدفاع عن حقوق المواطنين اليهود في كوبا، ولتيسير السبل لهم للتعبير عن هويتهم الدينية، وهذا يبين مدى تهافت فكرة كره اليهود.

وإذا قبلنا المقولة السابقة، فمن الممكن إعادة تفسير خروج اليهود من بعض البلاد العربية، مثل مصر وسوريا والجزائر، لا باعتباره طرداً وإنما باعتباره اتجاهاً ينتمي إلى الظاهرة نفسها، أي ظهور حكومات قومية محلية تستولي على الحكم وتعادي الاستعمار. والواقع أن ظهور مثل هذه الحكومات يجىء عادةً تعبيراً عن ظهور قوى محلية تشارك بشكل أكثر نشاطاً في الاقتصاد الوطني، وهو ما نجم عنه تأميم (تمصير وتعريب) بعض القطاعات التي كان يتركز فيها أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة (اليهود، واليونانيون، والإيطاليون) . كما أن كثيراً من الدول العربية دخلت في صراع ضد الاستعمار الغربي وضد الدولة الصهيونية حليفته الأساسية في المنطقة، الأمر الذي خلق توتراً شديداً بين الأغلبية وأعضاء الجماعة اليهودية الذين تدَّعي الدولة الصهيونية تمثيلهم. وفي بعض الأحيان، كان أعضاء الجماعة اليهودية يتعاونون مع الدولة الصهيونية ـ كما حدث في حادثة لافون ـ كما أن الأغلبية العظمى من يهود العالم العربي، جاءوا إما من العالم الغربي (أساساً) مع الموجة الاستعمارية أو حصلوا على جوازات غربية للاستفادة من قوانين الامتيازات، ليلعبوا دور الجماعة الوسيطة بين الاستعمار والسكان المحليين. ومع تراجُع الاستعمار، كان لابد لهذه الجماعات (مثل اليونانيين والإيطاليين) أن يخرجوا معه. كما أن الدولة الصهيونية، بالقياس إلى كثير من دول العالم، تتمتع باقتصاد متقدم توجد فيه فرص كثيرة للنشاطات الاقتصادية المرتبطة بالاقتصاد الحر، وبالتالي فهي تمثل نقطة جذب بالنسبة إلى يهود العالم العربي، تماماً كما تمثل الولايات المتحدة نقطة جذب بالنسبة إلى اليهود الروس (ولذا، فهم لا يهاجرون إلى إسرائيل التي لا يمكنها أن تحقق لهم حراكاً اجتماعياً مماثلاً) . والواقع أن خروج اليهود من البلاد العربية هو جزء من حركية مركبة ولا يمكن أن يُسمَّى «طرداً» ببساطة وآلية.

أما يهود العراق، فإن الأوضاع نفسها السابقة تنطبق عليهم، إلى جانب قيام العملاء الصهاينة بارتكاب أعمال تخريبية لإجبارهم على الهجرة. وقد نجحت المنظمة الصهيونية، بسعيها الحثيث، في تهجير يهود اليمن. ولا يمكن أن نعتبر كل هذه العمليات عمليات طرد!
تدنيس خبز القربان المقدَّس
‏Desecration of the Host
«تدنيس خبز القربان المقدَّس» عبارة تعني اتهام اليهود بأنهم لم يندموا على قيامهم بصلب المسيح (عيسى بن مريم) بل ويدنسون خبز القربان (الذي يتحول إلى جسد المسيح في القداس المسيحي) فيدوسونه بأقدامهم ثم يضربونه بوخزه وطعنه حتى يجددوا عذاب المسيح. كما تعني اتهام اليهود بالحصول على هذا الخبز عن طريق سرقته. وقد شاع هذا الاتهام في أوائل القرن الثالث عشر بعد أن اعترف المجمع اللاتراني الرابع عام 1215 بمبدأ تحوُّل خبز القربان وخمره إلى جسد المسيح ودمه. والاتهام مضحك وسخيف، فهو يفترض أن اليهود يؤمنون بمبدأ تحوُّل خبز القربان، وهو أمر بطبيعة الحال مستحيل. ولكن من منظور عنصري، لا يُعَدُّ عدم الاتساق أمراً مهماً، بل إن عدم الاتساق ذاته قد يُوظَّف لتأكيد صورة اليهودي لا من حيث هو منكر للمسيح وإنما من حيث هو شخص يؤمن فعلاً بالمسيح بل ويرى بنفسه ألوهيته ولكنه، مع هذا، ينكره ويتمادى في تعذيبه بعد أن قام بصلبه.
وتهمة تدنيس خبز القربان، مثل تهمة الدم والتهم الأخرى التي تعبِّر عن معاداة اليهود، هي نتاج الوجدان الشعبي في لحظات إحباطه وحيرته. فالجماهير البائسة لم تكن تفهم مصدر بؤسها، فكانت تفسره على أساس أنه من صنع اليهود الأشرار أعداء المسيح، خصوصاً وأن هؤلاء الأشرار كانوا أيضاً يشتغلون بالتجارة والربا، كما كانوا قريبين من النخبة الحاكمة التي تستخدمها كأدوات لها.
تهمة الدم
‏Blood Libel

«تهمة الدم» هي اتهام اليهود بأنهم يقتلون صبياً مسيحياً في عيد الفصح سخرية واستهزاء من صلب المسيح. ونظراً لأن عيدي الفصح المسيحي واليهودي قريبان، فقد تطورت التهمة وأصبح الاعتقاد أن اليهود يستعملون دماء ضحيتهم في شعائرهم الدينية وفي أعيادهم، وبخاصة في عيد الفصح اليهودي، حيث أُشيع أن خبز الفطير غير المخمر (ماتزوت) الذي يُؤكل فيه يُعجَن بهذه الدماء. وقد تطورت الإشاعة، فكان يُقال إن اليهود يُصَفّون دم ضحاياهم لأسباب طبية أو لاستخدامه في علاج الجروح الناجمة عن عملية الختان، بل ولاستخدامه كمنشط جنسي.
وتمتد جذور تهمة الدم إلى عصر اليونان والرومان، أي إلى ما قبل العصور المسيحية، فقد أتى في كتابات كلٍّ من الكاتبين اليونانيين آبيون (السكندري) وديموقريطس إشارة إلى أن اليهود يقدمون ضحايا بشرية إلى آلهتهم. ولكن هذا الادعاء لم يصبح جزءاً من الصورة الإدراكية العامة في الوجدان الغربي لليهود، ولم تُوجَّه هذه التهمة إليهم بشكل متكرر إلا في العصور الوسطى.

وقد وُجِّهت أول تهمة دم لأعضاء الجماعات اليهودية في إنجلترا في القرن الثاني عشر، في وقت كانوا يمارسون فيه نشاطهم التجاري والمالي والربوي، وهو ما كان يعني أن هناك أفراداً كثيرين اقترضوا أمولاً من المرابي اليهودي ولم ينجحوا في تسديدها وأن ملكية بعض أراضيهم أو ربما منازلهم قد آلت إليه. ففي عام 1144، اتُهم أعضاء الجماعة اليهودية في نورويتش بأنهم ذبحوا طفلاً يُدعَى ويليام عمره أربعة أعوام ونصف في الجمعة الحزينة (وقد نُصِّب قديساً فيما بعد) . كما ذكر أحد اليهود المتنصرين أن من المعتاد أن تقوم إحدى الجماعات اليهودية في إحدى مدن أوربا بذبح طفل مسيحي في يوم عيد الفصح المسيحي (إيستر) الذي يقع عادةً في التاريخ نفسه الذي يقع فيه عيد الفصح اليهودي (بيساح) . ثم وُجِّهت تهم دم أخرى في مناطق مختلفة من إنجلترا بين عامي 1168 و1192. أما في فرنسا، فقد وُجِّهت التهمة إلى الجماعة اليهودية في بلوا عام 1171. كما وُجِّهت خمس عشرة مرة في القرن الثالث عشر، ومن بينها حالة هيو من بلدة لنكولن عام 1255 والتي يذكرها تشوسر في حكايات كانتربري. وقد استمر توجيه التهمة حتى منتصف القرن العشرين، ومن أشهرها حادثة دمشق عام 1840، وقضية بيليس عام 1911. وتُعَدُّ حادثة دمشق التي حدثت في العالم الإسلامي استثناءً، إذ أن الظاهرة تكاد تكون مقصورة على العالم المسيحي.
وكانت تهمة الدم تأخذ الشكل التالي: يختفي شخص مسيحي (في العادة طفل) ، أو يوجد مقتولاً، فيتذكر أحد الأشخاص أن هذا الطفل أو الشخص شُوهد آخر مرة بجوار الحي اليهودي، أو أن هناك عيداً يهودياً (عادةً عيد الفصح) تتطلب شعائره دم نصراني، ومن ثم، كانت تُوجَّه لأعضاء الجماعة اليهودية تهمة قتله ويُقبَض على بعضهم، ويتم تعذيبهم ثم يُشنَق عدد منهم أحياناً.

ويُشير الصهاينة إلى تهمة الدم باعتبارها أكبر دليل على أن عالم الأغيار يرفض اليهود ويفتك بهم، وبالتالي لابد أن يكون لهم وطن قومي. ولكننا لو وضعنا هذه الوقائع في سياقها التاريخي، فإنها ستكتسب دلالة جديدة وسيمكننا فهمها بشكل أعمق.
لقد ظهرت تهمة الدم بعد تحوُّل اليهود في العالم الغربي إلى جماعة وظيفية وسيطة تشتغل بالتجارة والربا. وكانوا يُشبَّهون آنذاك بالإسفنجة التي تمتص نقود الطبقات كافة، والطبقات الشعبية على وجه الخصوص، ثم يقوم الإمبراطور أو الأمير أو الحاكم باعتصارهم لحسابه بعد ذلك (وهو الأمر الذي لم تكن تدركه هذه الطبقات الشعبية بطبيعة الحال) . ومن هنا، كانت الإشارة إلى اليهود (كجماعة وظيفية وسيطة لا كيهود) على أنهم مصاصو دماء، ولم يكن من الصعب على الوجدان الشعبي أن يسقط في الحرفية ويحوِّل المجاز إلى حقيقة واقعة.
وكان توجيه تهمة الدم يعني، في واقع الأمر، شنق بعض اليهود من بينهم عدد كبير من المرابين، حيث كان الربا من أهم الوظائف التي اضطلع بها اليهود في التشكيل الحضاري الغربي. وكان هذا يعني، في كثير من الأحيان، إسقاط الديون، أي أن توجيه تهمة الدم يشبه، من بعض الوجوه، التخطيط لسرقة بنك من البنوك على يد عصابة شعبية، وكان شنق اليهود بمثابة النجاح في هذه العملية، وهي عملية تشبه أيضاً عمليات روبين هود الذي كان يسرق من الأثرياء ليعطي الفقراء، وهو ما جعل جرائمه تحظى بشعبية كبيرة، بل وكانت الجماهير تحيطه بحمايتها.
وكانت الخزانة الملكية ذاتها تستفيد أحياناً من تهمة الدم حيث ترث ديون المرابي الذي يُشنَق أو يُطرَد، كما أن النخبة الحاكمة كانت تنتهز مثل هذه الفرصة لتعرض على اليهود تجديد المواثيق الممنوحة لهم والتي تتضمن حمايتهم وتكفل لهم المزايا نظير مبالغ جديدة يدفعونها.

ويبدو أن تهمة الدم صورة نمطية تتكرر في الوجدان الشعبي حينما يدرك «الآخر» ، وهي عادةً اتهام يستخدمه فريق ضد أعدائه ليسقط عنهم إنسانيتهم. فقد اتُهم الغجر بأنهم يخطفون الأطفال ويمصون دمهم. كما وجَّه اليهود التهمة نفسها إلى المسيحيين الأوائل (حسبما جاء في كتابات أوريجين) . وجاء في أحد كتب المدراش أن فرعون مصر حاول أن يحصل على الشفاء من البرص بذبح مائة وخمسين طفلاً يهودياً كل صباح وكل ظهر ليستحم في دمهم. كما أن بعض كتب الهاجاداه محلاة بصور لتهمة الدم الموجهة إلى فرعون مصر. وقد وُجِّهت التهمة كذلك إلى الغنوصيين من قبَل المسيحيين، وإلى إحدى الفرق الدينية الإيطالية عام 1466 من قبل الجماهير. واتُهِم المبشرون المسيحيون في الصين عام 1870 بأنهم يسرقون الأطفال الصينيين ليصنعوا من دمهم دواء سحرياً. واتُهم الأجانب في مدغشقر عام 1891 بابتلاع قلوب بعض السكان المحليين. أما الرهبان الدومينكان، فقد اتهمهم خصومهم من الرهبان الفرنسيسكان باستخدام دم وحواجب طفل يهودي في بعض شعائرهم السرية! ومعنى هذا كله أن تهمة الدم لم تكن مقصورة على اليهود. وإذا كان مرابون آخرون، مثل اللومبارد والكوهارسين (وهم مسيحيون) ، لم تُوجَّه إليهم (بحسب علمنا) تهمة الدم، فقد وُجِّهت إليهم تهم أخرى لا تقل عنها سوءاً، كما أنهم كانوا أيضاً عرضة للطرد والمصادرة والشنق.
وساعد تكرار تصوير الدم والقتل في العهد القديم على إلصاق التهمة باليهود دون المرابين المسيحيين. كما أن شعائر اليهود الدينية، وخصوصاً شعائر عيد الفصح، كانت تثير الريبة في نفوس أعضاء الأغلبية، الأمر الذي كان يجعلهم يبحثون عن تفسير لها. هذا، مع العلم بأن قوانين الطعام اليهودية تمنع شرب الدم كما تمنع أكل اللحم قبل تصفية الدم منه. ويبدو أن ممارسة الختان والذبح الشرعي غذيا هذه الأوهام، حتى سُمِّي اليهود «أهل السكين» .

ولم يكن اليهود يقفون في مجابهة مع كل الأغيار كما يدَّعي الصهاينة، فقد كانت النخبة الحاكمة (الكنيسة والإمبراطور والملوك) تدافع عن أعضاء الجماعة ضد هذه التهم التي كان يوجهها إليهم عامة الشعب. فبيَّن البابا إنوسنت الرابع، في مرسوم صدر عام 1245، أن التهمة باطلة وحرم على المسيحيين توجيهها إلى اليهود. ودافع البابا جريجوري العاشر، في مرسوم صدر عام 1274، عن اليهود، كما فعل بابوات آخرون الشيء نفسه. وفي عام 1758، أصدر الكاردينال لورنز جانجانلي (البابا كليمنت الرابع عشر فيما بعد) مذكرة يدين فيها تهمة الدم. وقد أصدر التحريم نفسه الإمبراطور الألماني فريدريك الثاني (1194 ـ 1250) ، وإمبراطور النمسا رودولف من أسرة الهابسبرج عام 1275. وحاول الكثير من المسيحيين والعلماء تفنيد التهمة وإقناع الناس ببطلانها، ولكنهم فشلوا في مسعاهم واستمرت تهمة الدم مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بصورة اليهودي حتى عهد قريب.
أما في حادثة دمشق، فقد كانت تهمة الدم مرتبطة بالصراع بين الاستعمارين الإنجليزي والفرنسي اللذين كانا يتنافسان على مد نفوذهما عن طريق حماية أعضاء الأقليات الدينية. فكان الفرنسيون يحمون الكاثوليك والمارونيين الذين وجهوا تهمة الدم. أما الإنجليز، فإنهم نظراً لعدم وجود مسيحيين بروتستانت بأعداد كبيرة في العالم العربي كانوا يقومون بحماية اليهود! خصوصاً وأن روسيا، وهي بلدهم الأصلي، لم تكن مهتمة بهم كثيراً بسبب وجود المسيحيين الأرثوذكس، كما أن روسيا لم يكن لها أطماع في الشرق الأوسط إذ أن مشروعها الاستعماري كان موجَّهاً إلى مناطق أخرى. وقد أصدر السلطان العثماني فرماناً جرَّم فيه تهمة الدم.
حادثة دمشق
‏Damascus Affair

تُعتبَر حادثة دمشق من أشهر تهم الدم، وقد وقعت عام 1840 حين كانت سوريا تحت الحكم المصري. وتكاد تكون هذه الحالة المرة الوحيدة التي وجِّهت فيها تهمة دم لأعضاء الجماعات اليهودية في العالم الإسلامي. فقد اتُهم يهود دمشق بقتل راهب من الفرنسيسكان يُدعَى الأب توماس الكبوشي وخادمه المسلم إبراهيم عمارة لاستخدام دمائهما في أغراض شعائرية وفي صنع خبز عيد الفصح غير المخمر (ماتزوت) . وقد أُشيع أن الأب توماس شوهد آخر مرة وهو يهم بالدخول إلى حارة اليهود، فتم تفتيش الحي اليهودي بتحريض من الكاثوليك المحليين يتزعمهم القنصل الفرنسي، وقُبض على زعماء اليهود ومات منهم اثنان أثناء التحقيق، وأشهر واحد إسلامه وحُكم على الباقين بالإعدام.
وقد تفاقمت ردود فعل هذه القضية بسبب الصراع السياسي للأوربيين للحصول على النفوذ في الشرق الأوسط. ولا يمكن رؤية هذه الحادثة إلا في إطار النشاط التبشيري الاستعماري في فلسطين والشام، والذي كان تعبيراً عن الصراع بين الدول الاستعمارية الكبرى. إذ كانت كل دولة تحمي أعضاء جماعة دينية بعينها، فكان الروس يحمون الأرثوذكس وكان الفرنسيون يحمون الكاثوليك. وربما لعدم وجود عدد كبير من البروتستانت، قام الإنجليز «بحماية» اليهود. ومن هنا، يُعَد الصراع بين الكاثوليك المحليين (بزعامة القنصل الفرنسي) واليهود تعبيراً عن الصراع على النفوذ. ومما له دلالته أن احتجاج يهود فرنسا ومناشدتهم لحكومتهم لم يأت بنتيجة، في حين أدى احتجاج يهود إنجلترا إلى تحرك بالمرستون ومطالبته محمد علي بأن يعامل اليهود معاملة حسنة (باعتبارهم عنصراً يهدف إلى حمايته) ، وأدى تدخُّل أدولف كريميه وموسى مونتفيوري ومقابلتهما لمحمد علي في الإسكندرية، ثم لقاؤهما مع السلطان عبد الحميد في إستنبول إلى الإفراج عن المتهمين وإسقاط التهمة عنهم.
وقد أصدر السلطان العثماني فرماناً يدين تهمة الدم ويعتبرها قذفاً في حق اليهود.

مندل بيليس (1874-1934 (
‏Mendel Beilis
عامل بناء روسي وجِّهت إليه تهمة الدم، حيث اتُهم عام 1911 بأنه استدرج طفلاً روسياً إلى أحد الكهوف خارج المدينة وقتله بطعنه أربعاً وسبعين طعنة، ثم صفى كل دمه كما جاء في تقرير الطبيب الشرعي. وكان الجو مواتياً في روسيا لتصديق مثل هذه الافتراءات، إذ كانت الحكومة القيصرية تلقي باللوم على اليهود في محاولتها تبرير كثير من المشاكل. وتم القبض على بيليس وأُحضر سكيران ليشهدا بأنهما رأياه يختطف الطفل، واستمر التحقيق عامين. ولكن رئيس البوليس السري الروسي في كييف توصَّل إلى أن عدداً من المجرمين غير اليهود تترأسهم إمرأة هم الذين قاموا بارتكاب الجريمة لأن الطفل كان قد أخبر الشرطة عن جرائم ارتكبوها. ومع هذا، استمرت المحاكمة لمدة شهر وتحولت إلى قضية تشغل الرأي العام. وبعد أن استجوب محامو المتهم الشاهدين، تراجع الشاهدان عن أقوالهما، واعترفت رئيسة العصابة التي قتلت الطفل بالجريمة. وفي عام 1913، أُفرج عن بيليس الذي هاجر إلى فلسطين ولكنه لم يستطع الاستمرار فيها، مثله مثل كثيرين غيره من اليهود، فهاجر إلى الولايات المتحدة عام 1920 ومات هناك.
هجوم أو مذبحة (بوجروم (
‏Pogrom or Massacre
«بوجروم» كلمة روسية معناها «تدمير» أو «هجوم» أو «فتك» أو «مذبحة» . وعادةً ما تكون هذه المذبحة منظمة لتدمير جماعة أو طبقة معيَّنة. وقد دخلت الكلمة اللغات الأوربية بمنطوقها الروسي، وضاق مجالها الدلالي بحيث أصبحت تشير أساساً إلى الهجوم على أعضاء الجماعة اليهودية، ولكنها تُستعمل مجازاً للإشارة إلى الهجوم على أعضاء الجماعات والأقليات الأخرى. وقد استُخدمت الكلمة للمرة الأولى في الإنجليزية عام 1905.

وقد عرف التاريخ القديم والوسيط والحديث مثل هذه الهجمات على أعضاء الجماعة اليهودية. ويمكن القول بأن أول بوجروم في التاريخ الإنساني هو هجوم المصريين على أعضاء الجماعة اليهودية (المرتزقة) في جزيرة إلفنتاين. ومن أشهر الهجمات الأخرى، هجمات بعض جيوش الفرنجة على أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب، وهجمات شميلنكي في بولندا في القرن السابع عشر على أعضاء الجماعة اليهودية في أوكرانيا. وتُعدُّ أهم الهجمات في العصر الحديث تلك التي نظمتها العناصر الرجعية الروسية في أواخر القرن التاسع عشر (خصوصاً جماعة المائة السود) والتي يُقال إنها كانت تتم بموافقة النظام القيصري وممالأة وزراة الداخلية. وقد تصاعدت الهجمات قبل وبعد صدور قوانين مايو عام 1881، ومن أهمها مذبحة كيشينيف. كما نظَّم النازيون هجوم ليلة الزجاج المحطم (كريستال ناخت) في 9 - 10 نوفمبر 1938.
وتجب الإشارة إلى أن معظم هذه الهجمات كانت ذات طابع شعبي وتُعبِّر بشكل مشوه وغير مشروع عن تطلعات مشروعة للجماهير التي لم تكن تفهم آليات الاستغلال. فالهجوم على الحامية اليهودية في إلفنتاين هو هجوم على جماعة وظيفية قتالية موالية لقوة أجنبية غازية (الفرس) . كما أن هجمات الجماهير على اليهود في العصور الوسطى في الغرب كانت هجمات على واحدة من أهم أدوات السلطة في استغلال الجماهير، إذ كان اليهود هم المرابون وجامعو الضرائب. وتميل الأدبيات اليهودية المعاصرة إلى المبالغة في أعداد ضحايا هذه الهجمات، بينما تميل الدراسات الحديثة عن هذه الظاهرة إلى الأخذ بأرقام أقل كثيراً.

لكن الهجمات ليست أمراً مقصوراً على أعضاء الجماعة اليهودية، فمن المعروف أن الهجمات ظاهرة لها أسباب اقتصادية واجتماعية وحضارية تسم علاقة الأغلبية بالأقلية في لحظات التطاحن الاجتماعي وفي أوقات الانتقال والانحلال الاقتصادي والاجتماعي. وتُدبَّر هذه الهجمات ضد مختلف الغرباء، خصوصاً إذا كانوا يشكلون جماعة وظيفية وسيطة مرتبطة بالنخبة الحاكمة وتقوم على خدمتها. فقد نُظِّمت هجمات ضد المرابين غير اليهود في العصور الوسطى مثل الكوهارسين واللومبارد، وضد الصينيين في جنوب شرق آسيا عبر تاريخهم، وقام الفرنسيون في أواخر القرن التاسع عشر بتنظيم هجمات على العمال الإيطاليين المهاجرين. وقد نظم الأفارقة السود المسلمون هجوماً (إبادة) على المسلمين الأفارقة من أصل عربي في موزمبيق في العصر الحديث، ونظم السنغاليون هجمات على الموريتانيين واللبنانيين في الآونة الأخيرة.
وبالمثل، تورَّط أعضاء الجماعات اليهودية في شن هجمات على كتل بشرية أخرى معادية لهم، فقد دبر اليهود مذبحة ضد اليونانيين في الإسكندرية في العصر الهيليني، ورد اليونانيون بدورهم على هذه المذبحة. كما قام الصهاينة العلمانيون في الدولة الصهيونية بحرق معبد يهودي في إسرائيل احتجاجاً على تشدد الدينيين. ويقوم المستوطنون الإسرائيليون بالهجوم على قرى الفلسطينيين وتدبير المذابح ضدهم.

وتتجه الكتابات الصهيونية إلى تصوير الهجمات على أعضاء الجماعات اليهودية باعتبار أنها أمر فريد يحدث لهم وحدهم، وأنها تعبير عن كُره أزلي لليهود، ونتيجة حتمية لوضع أعضاء الجماعات خارج فلسطين، وهو وضع يتسم (بحسب تصورهم) بخلل بنيوي أساسي. وتُحوِّل الصهيونية هذه الهجمات إلى مصدر أساسي للهوية اليهودية والوعي اليهودي، وتبين في الوقت نفسه أن تاريخ اليهود في المنفى لا قيمة له. وقد حاول المدعي العام الإسرائيلي في قضية أيخمان أن يستدر العطف على الشعب اليهودي بأن تلا قائمة بالهجمات التي دُبرت ضد اليهود عبر تاريخهم ولكن بعد عزلها عن سياقها التاريخي، فما كان من محامي أيخمان إلا أن أثار تساؤلاً مفاده: لمَ يستفز هذا الشعب كل الشعوب الأخرى عبر التاريخ؟ أوَ لا يدعو هذا الوضع إلى طرح احتمال أن يكون هذا الشعب مسئولاً عما يلحق به من مذابح؟

وتُثار، من آونة إلى أخرى، قضية دور الدولة اليهودية في صد الهجمات الموجهة ضد اليهود وهل يمكنها أن تقوم بذلك؟ ولكن النقاش حُسم مؤخراً حين صرح شامير بأن الدولة لا يمكنها أن تدافع عن اليهود أينما كانوا، كما كانوا يدَّعون، فأدواتها قاصرة، كما أن لها أولوياتها التي من أهمها الدفاع عن نفسها. وقد كتب أحد الدراسين بحثاً عن " ليلة الزجاج المحطم " وقد وصفها بأنها كانت هجوماً (بوجروم) تقليدياً إذ قامت السلطات النازية باستثارة غيظ الجماهير وحنقهم على اليهود وتركتهم يقتلون ويحطمون. ويستطرد الكاتب قائلاً إن الهدف من الهجوم (البوجروم) التقليدي هو إرهاب أعضاء الأقلية ووضعهم في مكانهم، ولكن الدولة النازية كانت تهدف لشيء مغاير تماماً وهو إبادة اليهود، ومن ثم فإن البوجروم لا يصلح بتاتاً أداة لإنجاز هذا الهدف فإذا كان عدد يهود بولندا ثلاثة ملايين، فإن إبادتهم تتطلب عدة مئات من السنين باعتبار أن عدد القتلى في ليلة الزجاج المحطم لم يتجاوز الخمسين. فإذا أضفنا إلى ذلك ملايين البولنديين والغجر، يتضح أن الهجمات العادية غير فعالة على الإطلاق لإنجاز مثل هذا المشروع الإبادي. كما لاحَظ الكاتب أن من المستحيل استثارة عاطفة الكره لدى الجماهير لمدة طويلة إذ لابد أن تفتر أية عاطفة بعد فترة، ومن المحتمل أن تتحول الاستجابة العاطفية من الكُره إلى التعاطف، خصوصاً إذا كان الضحايا من الأطفال أو العجزة أو الجيران.

لكل هذا، استبعدت الدولة النازية نظام الهجمات وتبنت بدلاً منه نموذجاً مختلفاً. فحل محل التلقائية والعاطفية التخطيط والحياد، وحل محل الهجوم المتقطع (الذي لا شكل محدد له) العمل المستمر المتكامل الذي يتبع منهجاً صارماً. وبدلاً من الغوغاء المتعصبة التي تطلق العنان لعواطفها، ظهرت البيروقراطية التي تكبح عواطفها ولا تكترث بالضحية لا حباً ولا كرهاً وتتبع أحدث أشكال الإدارة. ومن ثم، فإن الهجوم (البوجروم) ، رغم قسوته، يختلف في هدفه ومجاله وطبيعته عن عمليات الإبادة.
اضطرابات فيتميلخ
‏Fettmilch Riots

أحداث شغب مناهضة لليهود جرت في مدينة فرانكفورت الألمانية في أوائل القرن السابع عشر. وقد اندلعت هذه الأحداث في الفترة التي أعقبت اندلاع حرب الثلاثين عاماً والتي نتج عنها تدهوُّر حاد في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في البلاد. حيث وجَّه أفراد الشعب، وخصوصاً نقابات التجار والصناع، سخطهم لأعضاء الجماعة اليهودية في المدينة. فاليهود باعتبارهم جماعة وظيفية وسيطة مرتبطة بالنخبة الحاكمة، خصوصاً الإمبراطور، كانوا محط كراهية مختلف الفئات والطبقات في المجتمع. ومع تأزم الأوضاع الاقتصادية، ازدادت حدة السخط والكراهية. وقد تزعم فنسنت فيتميلخ زعيم النقابات في فرانكفورت الحملة المناهضة لليهود، فقدَّم عام 1612 التماساً للإمبراطور يتهم فيه برلمان فرانكفورت بالفساد ومحاباة اليهود وطالب بفرض قيود اقتصادية على اليهود وتقليص عددهم في المدينة، ولكن الإمبراطور رفض هذا الالتماس. وفي عام 1614، دخلت بعض العناصر المؤيدة لفيتميلخ مجلس المدينة وطالبت بفرض قيود صارمة على اليهود من بينها طرد كل اليهود الذين يمتلكون أقل من 1500 فلورين فوراً. وقد رفض الإمبراطور مرة ثانية هذه المطالب، ولكن تم طرد 60 أسرة يهودية فقيرة. وإزاء ذلك، قام فيتميلخ على رأس أنصاره بمهاجمة الجيتو اليهودي وقاموا بنهبه وطرد 1380 من اليهود خارج المدينة. وفي أعقاب ذلك، أصدر الإمبراطور أوامره بإلقاء القبض على فيتميلخ. وفي عام 1616، تم إعدامه مع ستة من أعوانه، وقُطِّعت أجسادهم إلى أربعة أجزاء وعُلِّق رأس فيتميلخ على مسمار ضخم (ليكون عبرة للجميع) كما دُمِّر منزله وسُوِّي بالأرض وطُردت عائلته من المدينة. وسمح الإمبراطور بعودة اليهود المطرودين للمدينة وأمر بدفع تعويض لهم قدره 176.919 فلوريناً. وفي أعقاب ذلك، كان أعضاء الجماعة اليهودية يحرصون على الاحتفال سنوياً بيوم عودتهم إلى المدينة وأطلقوا على هذا اليوم اسم «بوريم فنسنت» .

وتدل هذه الحادثة على مدى ارتباط أعضاء الجماعات اليهودية كجماعات وظفية ووسيطة بالطبقات الحاكمة والملوك. فقد رفض الإمبراطور الإذعان لمطالب فيتميلخ ولمطالب الجماهير في فرانكفورت، ثم أنزل أشد العقاب بفيتميلخ وأعوانه. ويعود كل هذا إلى حوسلة أعضاء الجماعات اليهودية، حيث كانوا عنصراً نافعاً يؤدي وظيفة اقتصادية مهمة، وكانوا أداة في يد الطبقة الحاكمة التي استفادت من خدماتهم التجارية والمالية لتكديس الثروات وتدعيم السلطان واستنزاف الجماهير، ومقابل ذلك كانت الطبقة الحاكمة تزودهم بالحماية والامتيازات التي تؤهلهم للاضطلاع بدورهم الوظيفي بكفاءة عالية.
كيشينيف
‏Kishinev
«كيشينيف» مدينة روسية في بيساربيا (التي ضُمت إلى روسيا عام 1812) وأصبحت مركزاً تجارياً وصناعياً مهماً، وكانت توجد فيها أقلية يهودية كبيرة وصل عددها عام 1847 إلى عشرة آلاف، أي 12% من مجموع سكان المدينة، ثم إلى ثمانية عشر ألفاً عام 1867، أي 21% من مجموع السكان، وخمسين ألفاً بعد ذلك التاريخ. وكانت أغلبية اليهود في هذه المدينة تعمل بالتجارة وصناعة الملابس والأخشاب والاتجار في المنتجات الزراعية، وهي قطاعات اقتصادية كانت مركزة في أيديهم. ومع هذا، كانت توجد نسبة كبيرة من المتسولين اليهود. وكان سكان كيشينيف من اليهود ينقسمون إلى أغلبية أرثوذكسية ونخبة مثقفة روسية. وقد افتُتحت أول مدرسة يهودية حديثة في روسيا عام 1836. وفي عام 1903 (يومي 19 ـ 20 إبريل) ، وقع هجوم (بوجروم) ضد أعضاء الجماعة اليهودية، إثر توجيه تهمة دم لبعضهم، قُتل فيها واحد وأربعون (32 رجل ـ 6 نساء ـ 3 أطفال) وجُرح خمسة وتسعون ودُمر سبعمائة وخمسة وخمسون منزلاً، ونُهب ستمائة محل، وحدثت بعض حالات اغتصاب. ويُقال إن الشرطة القيصرية لم تتدخل لحماية أعضاء الجماعة اليهودية.

ويتواتر ذكر هذه الحادثة في الكتابات الصهيونية، وتُصوَّر كما لو كانت جزءاً من مؤامرة الأغيار ضد اليهود. ولكن قارئ التاريخ الروسي يعرف أن القمع والإرهاب القيصريين كانا موجهين ضد مختلف الأقليات الدينية والعرْقية في روسيا، بل وضد الجماهير الروسية التي كان الحرس القيصري يطلق عليها النار بدون رحمة أو هوادة (كما حدث في مظاهرة الأب جابون التي وقعت في الفترة نفسها عام 1905) . ورغم تباكي الصهاينة على ما حدث، فإن الواقعة حدثت في عهد وزير الداخلية الروسي فون بليفيه الذي تفاوض معه الزعيم الصهيوني هرتزل (في العام نفسه الذي شهد وقوع الحادثة) للحصول على تأييد روسيا للمشروع الصهيوني. ولذا، يُلاحَظ أن المؤتمرات الصهيونية التي عُقدت آنذاك لم تذكر الحادث من قريب أو بعيد، ولم تحتج عليها، بل لزمت الصمت الكامل تجاهها حتى تضمن التأييد الروسي. ولا تزال هناك أقلية يهودية كبيرة نسبياً في كيشينيف في الوقت الحاضر يبلغ عددها اثنين وأربعين ألفاً.
ليو فرانك (1884-1915)
‏Leo Frank
أمريكي يهودي وُلد في تكساس بالولايات المتحدة الأمريكية، ونشأ في بروكلين، أحد أحياء اليهود المهمة في مدينة نيويورك. اتُهم ليو فرانك في قضية عام 1908، ويُقال إن انتماءه اليهودي كان عنصراً مهماً أثر في محاكمته وفي الأحداث التي تلتها. كان فرانك يعمل مديراً لمصنع أقلام في أتلانتا (ولاية جورجيا) حيث قُبض عليه بتهمة قتل فتاة بيضاء عمرها ثلاثة عشر عاماً تُدعَى ماري فيجان، بعد محاولة اغتصابها. وقد حُوكم فرانك وصدر حكم بإعدامه. وحينما خفف حاكم الولاية الحكم إلى السجن مدى الحياة، هاجمت مجموعة من المواطنين السجن واختطفوا فرانك وشنقوه في المدينة التي وُلدت ودُفنت فيها ضحيته المفترضة، وهو ما يُسمَّى في اللهجة الإنجليزية الأمريكية «لينشنج Lynching» وهي عملية الاختطاف والشنق. وقد صدر عفو عن فرانك عام 1986 وبُرئ اسمه من الجريمة التي نُسبت إليه.

ويُجرد الصهاينة هذه الواقعة من سياقها التاريخي ليفرضوا عليها معنى صهيونياً بحيث يظهر اليهودي وكأنه ضحية عنف الأغيار. ولو نظرنا إلى واقعة ليو فرانك بمنظار تاريخي، فسنكتشف أنه لم يكن يُنظَر إليه باعتباره يهودياً أساساً وإنما باعتباره رمزاً متبلوراً لعدة عناصر تاريخية واجتماعية وثقافية ليس لها علاقة وثيقة بيهوديته، شأنه في هذا شأن دريفوس. وأهم هذه العناصر على الإطلاق هو أن المجتمع، مسرح الواقعة، كان يخوض ثورة صناعية حقيقية متأخرة، مع كل ما يصاحب مثل هذه الانقلابات من ظروف صحية سيئة وأمراض اجتماعية عاش في ظلها أعضاء الطبقة العاملة من البيض المحليين أو المهاجرين المُقتلَعين من جذورهم الزراعية، سواء في أوربا أو جنوب الولايات المتحدة. والواقع أن من أهم مظاهر الثورة الصناعية تركُّز السكان في المدن، وقد تضاعف عدد سكان مدينة أتلانتا بين عامي 1900 و1913، إذ زاد من نحو 89.870 إلى نحو 173.713، وهو يُعَدُّ أعلى معدل ارتفاع لأي مدينة أمريكية في الفترة نفسها باستثناء برمنجمهم (بولاية ألاباما) . وكان نمو المدينة عشوائياً، ولذلك لم تكن هناك المؤسسات اللازمة للحياة الإنسانية الكريمة، مثل: أماكن الترويح، أو أماكن السكن، أو ما يكفي من المستشفيات العامة ... إلخ. وكانت أتلانتا تعاني من أزمة مساكن، فقد كان هناك حوالي 30.308 من المساكن لنحو 35.813 أسرة، وكان نصف المساكن بلا مياه، وكان نحو 50 ألف شخص يعيشون في منازل لا يوجد بها نظام للصرف الصحي. وكانت نسبة تلوث الجو عالية للغاية، ولهذا انتشرت الأمراض مثل التيفود وغيره من الأمراض، وارتفعت معدلات الوفاة، ويُقال إن 90% من المساجين كانوا يُعانون من مرض الزهري. وقد زاد فقر سكان أتلانتا بشكل رهيب، وكان الأجر اليومي للطفل لا يزيد عن 20 سنتاً، وكان الأجر الأسبوعي لماري فيجان دولاراً وعشرين سنتاً.

ولم يكن الجو موبوءاً من الناحية المادية وحسب، وإنما كان موبوءاً من الناحية الأخلاقية أيضاً، وهذا أمر متوقع في مثل هذا المجتمع، حيث انتشرت مختلف أنواع الجرائم: السرقة والقتل والدعارة والسُكْر. وكانت نسبة الجريمة في أتلانتا من أعلى النسب في الولايات المتحدة وتُعادل نسبتها في شيكاغو عاصمة الجريمة في العالم. وقد قبض البوليس عام 1907 على 17 ألف شخص من مجموع السكان البالغ عددهم 102.700 في ذلك العام. ومع هذا، كان جهاز الشرطة هزيلاً للغاية، إذ أن مجموع عدد العاملين في قوة الشرطة لم يكن يزيد على مائتي شرطي. وكانت توجد في هذه المدينة الواسعة نقطة شرطة واحدة، ولذا، كان كثير من المجرمين يفرون من قبضة القانون. وفي عام 1912/1913 بالذات، كانت هناك اثنتا عشرة جريمة قتل، لم يتم الاهتداء إلى مرتكبيها.

هذه هي بعض مظاهر الثورة الصناعية في أتلانتا. ولنا أن نلاحظ أن هذه الثورة كانت في الواقع جزءاً من عملية غزو واسعة، فالجنوب الأمريكي، مسرح الواقعة، كان لا يزال يشعر بمذاق الهزيمة في الحرب الأهلية (1861 ـ 1865) حين هزمه الشمال الصناعي وأكد سلطة الحكومة الفيدرالية على حساب استقلال الولايات. وقد فقد ما يقرب من 600.000 شخص حياتهم إبَّان هذه الحرب. وبعد انتصار الشمال فُتحت الولايات الجنوبية (المتخلفة نسبياً وذات الاقتصاد الزراعي) لرأس المال الشمالي والنخبة الشمالية التي أسست الصناعات وغزت السوق. ويرى بعض المؤرخين أن العلاقة بين الشمال والجنوب كانت علاقة شبه كولونيالية، وأن ما يسميه الشماليون «توحيد» الولايات المتحدة هو في واقع الأمر «غزو» شمالي للجنوب وهيمنة عليه. وهو غزو لمجتمع زراعي كانت تسوده علاقات شبه إقطاعية توجد على قمته أرستقراطية تعتز بمكانتها الرفيعة وبقيم الشرف والالتزام الإقطاعي، وقد كان ذلك المجتمع مجتمعاً أنجلو ساكسونياً بروتستانتياً متجانساً لم يستوطن فيه ملايين المهاجرين كما حدث في بقية الولايات المتحدة، وبخاصة في الساحل الشرقي. وكانت مؤسسة الأسرة قوية جداً في مجتمع الجنوب وتتسم بقدر كبير من التماسك. وكانت المرأة رمز هذا التماسُك الأسري، ومحط تقديس المجتمع. لكن أعضاء مثل هذا المجتمع الزراعي الأرستقراطي عادةً ما ينظرون بقدر من الاحتقار، بل والبغض أحياناً، إلى الاقتصاد النقدي المبني على التعاقد وعلى آليات العرض والطلب.

وقد كانت شكوكهم في محلها، فبعد توحيد الشمال مع الجنوب فُتح الجنوب أمام الصناعات الشمالية التي هاجرت لتستفيد من العمالة الرخيصة والأراضي قليلة التكاليف والسوق البكر، وهي صناعات لم تخدم تقاليد المجتمع كثيراً، بل ساهمت في تفكيك نسيجه المجتمعي وفي تحطيم بناء الأسرة، فكان الأطفال يعملون في المصانع ساعات طويلة، وكذا النساء. وأدَّى دخول الصناعات إلى تزايد معدلات التحديث والعلمنة بكل ما يتبع ذلك من تفكك اجتماعي، في المراحل الأولى على الأقل، خصوصاً وأن هذه الصناعات لم تظهر نتيجة تطوُّر عضوي وتفاعُل عناصر محلية وظهور بورجوازية في رحم المجتمع ذاته، وإنما فُرضت عليها فرضاً من مجتمع اليانكي الشمالي.
كان ليو فرانك رمزاً لهذه القوة الغازية، فقد كان شمالياً في الجنوب، صاحب ومدير مصنع في مجتمع زراعي ينظر بعين الشك إلى الصناعة، يقوم باستئجار النساء والأطفال كعمالة رخيصة في ظل مجتمع يقدس الأسرة حتى عهد قريب. وكان يُشار إلى ماري فيجان على أنها «عاملة المصنع الصغيرة» ، أي أنها تحوَّلت إلى رمز الطفولة البريئة التي استغلها المستثمرون من الشمال. وكان فرانك عضواً في النخبة العلمانية المهيمنة التي لا تكترث كثيراً بالقيم التقليدية في وسط بيئة جنوبية عمالية مقتلعة من بيئتها الزراعية، لا تزال تؤمن بالقيم التقليدية والمسيحية وتحلم بالمجتمع المتماسك الذي دُمِّر إبَّان الحرب الأهلية. ولم تكن يهودية فرانك سوى البؤرة التي جمعت كل هذه العناصر السابقة وبلورتها، إذ أن المعركة الحقيقية كانت بين الشمال الصناعي الغازي والجنوب الزراعي الذي تم غزوه، وبين ضحايا التقدم من ناحية والصناعة وممثلي هذا المجتمع الجديد الرهيب من ناحية أخرى.

وقد يكون من المفيد، عند هذه النقطة، أن نتناول الانتماء اليهودي لفرانك. كان فرانك يشغل منصب رئيس فرع جماعة أبناء العهد (بناي بريت) اليهودية في المدينة. كذلك لابد أن نعرف، على وجه الدقة، موقف الجنوب الأمريكي من اليهود. لقد حدد الجنوب الأمريكي التضامن على أساس عرْقي بسيط (الأبيض مقابل الأسود) ، على عكس الشمال الذي حدده على أساس عرْقي ديني إثني مركب: أبيض بروتستانتي من أصل أنجلو ساكسوني، يليه أبيض كاثوليكي من أصل إيطالي وأيرلندي، ثم يليهم اليهودي الأبيض في المنزلة، ثم يأتي الأسود، كاثوليكياً كان أم بروتستانتياً في أسفل السلم العرْقي. ومن الواضح أن التعريف الجنوبي لم يستبعد اليهود وإنما صنفهم ضمن البيض، تماماً كما حدث في جنوب أفريقيا. الأمر الذي سمح لهم بدرجة عالية من الاندماج والحراك الاجتماعي، فأصبحوا جزءاً عضوياً من المجتمع، كما أصبحوا أعضاء في النخبة الحاكمة وامتلكوا الرقيق وتاجروا فيه، ولم تكن هناك صورة مستقلة لليهودي في الوجدان الأمريكي الجنوبي التقليدي.

لقد أشرنا من قبل إلى أن ليو فرانك كان رمزاً للقوة الغازية الشمالية. ويمكن أن نضيف هنا أنه، مع التحولات التي دخلت على الجنوب، اكتسبت كلمة «يهودي» مدلولاً جديداً. فلم يكن يهود جورجيا هم يهود الجنوب التقليديين القدامى وإنما كانوا عنصراً غريباً جديداً وافداً. وفي عام 1910، كان اليهود في أتلانتا (جورجيا) يشكلون أكبر جماعة من المهاجرين الأجانب، إذ بلغ عددهم 1342، أي 25% من مجموع الأجانب. ورغم أن نسبتهم لم تتجاوز 1% من عدد السكان، فإنهم كانوا يشكلون جماعة وظيفية وسيطة حققت بروزاً مشيناً. فقد كانوا يمتلكون معظم الحانات ومحلات الرهونات وبيوت الدعارة، وهذا جزء من ميراثهم الاقتصادي الأوربي، وكان زبائنهم من الزنوج أساساً. ويُقال إن بيوت الدعارة التي امتلكها اليهود كانت تزينها «صور نساء بيض لإثارة شهوة الزنوج الذين كانوا يحتسون الخمر في الحانات اليهودية وينطلقون بعدها كالوحوش» ، وهذه صورة إدراكية عنصرية، ولكنها على أية حال ربطت الجرائم الجنسية في ذهن سكان أتلانتا باليهود. وكان فرانك نفسه مشهوراً بمغازلة العاملات وملاحقتهن، ويُقال إن ماري فيجان نفسها اشتكت إلى صديقاتها من محاولات فرانك الإباحية. وقد تكون هذه الاتهامات باطلة تماماً، وقد يكون السلوك الإباحي المنسوب إلى فرانك لا يختلف عن سلوك أو حركات أي شخص جاء من مجتمع حضري مفتوح يتصرف بتلقائية في مجتمع مغلق فيُساء فهم سلوكه وحركاته. ولكن المهم إدراك الناس له ولسلوكه، خصوصاً وأن اشتغال اليهود بالمهن المشينة يدعم هذا الإدراك.
وإلى جانب هذه الخلفية الاجتماعية والتاريخية والثقافية، ثمة جانب إحصائي مهم. فالدراسات الصهيونية لا تكف عن الإشارة إلى قضية ليو فرانك وإلى الظلم الذي حاق به نتيجة اختطافه من السجن وشنقه بعد أن خفف الحاكم الحكم عليه. ولكن هذه الدراسات لا تذكر الحقائق التالية:

1 ـ لم يكن احترام القانون سمة سائدة في المجتمع الأمريكي ككل، وفي مجتمع أتلانتا على وجه الخصوص. فعلى سبيل المثال، قبضت الشرطة ذات مرة على كل الذكور القادرين لأن أتلانتا كانت تعاني من نقص في العمالة. ومن المعروف أن الشرطة اتُهمت عام 1909 بضرب أحد الزنوج ضرباً أفضى إلى موته، وأنهم قاموا بتقييد إمرأة بيضاء إلى الحائط حتى زهقت روحها.
2 ـ اندلعت عام 1906 اضطرابات، فهاجم السكان البيض حي السود لعدة أيام واشتبكوا معهم، فقتلوا عشرة زنوج وجرحوا ستين في حين قُتل من بينهم رجلان وجُرح عشرة، واضطرت المدينة إلى استدعاء الحرس الوطني. ويُقال إن الاضطرابات اندلعت نتيجة تقارير مثيرة نشرت في الصحف عن اعتداء السود على النساء البيض.
3 ـ كانت المدينة محتاجة إلى مزيد من الأيدي العاملة، وبالتالي إلى مزيد من المهاجرين. ولكن كلما زاد عدد المهاجرين، كانت تزداد نسبة غضب السكان المحليين المقتلعين. ففي عام 1891، تم اختطاف وشنق أحد عشر مهاجراً إيطالياً. وفي عام 1899، اختُطف خمسة آخرون. وفي عام 1900، اختفى ثلاثة آخرون في ظروف غامضة.
4 ـ شهدت الفترة من 1889 إلى 1918 ألفين وخمسمائة حالة اختطاف وشنق (لينشنج) أخرى. وكان معظم ضحايا الاختطاف من السود، كما تم اختطاف قلة من أعضاء الأقليات الأخرى. ولكن لم يكن هناك سوى حالة واحدة فقط اختطف فيها يهودي وشنق، وهي حالة ليو فرانك وهي الحالة التي يرد ذكرها في الأدبيات الاختزالية الصهيونية وكأنها ظاهرة عامة متواترة! وهكذا يتحول الاستثناء إلى قاعدة، ويتحول الخاص إلى عام، وتتحول الواقعة العابرة إلى رمز عالمي مركزي!
حادثة دريفوس
‏Dreyfus Affair

«حادثة دريفوس» يُشار إليها أيضاً بعبارة «واقعة دريفوس» ، وبطلها هو ألفريد دريفوس (1856 ـ 1935) الذي كان من كبار الضباط الفرنسيين، واليهودي الوحيد في هيئة أركان الجيش الفرنسي. وُلد في مقاطعة الألزاس باسم «مولهاوزن» لأسرة يهودية ثرية مندمجة في محيطها الفرنسي. ونظراً لأن اسمه ألماني الطابع، فقد غيره إلى اسمه الذي اشتهر به. وقد اتُهم دريفوس بسرقة وثائق سرية عسكرية بمساعدة الماسونيين، وتسليمها إلى الملحق العسكري الألماني في باريس، فوُجِّهت إليه تهمة الخيانة العظمى والتجسس لحساب ألمانيا عام 1894. وقامت السلطات العسكرية بمحاكمته، وتابعت الصحافة المعادية لليهود آنذاك الأحداث وعبأت الرأي العام ضده، الأمر الذي خلق جواً غير ملائم لضمان حياد المحاكمة. وفي نهاية الأمر، قضت المحكمة عليه بالسجن مدى الحياة، وجُرِّد من رتبته علناً أمام الجماهير، ونُفي إلى جزيرة الشيطان (ديفلز أيلاند) التي تقع على الساحل الأفريقي (وكانت مستعمرة فرنسية) . ورحبت الصحافة المعادية لليهود بالحكم.
ويُقال إن واقعة دريفوس تركت أثراً عميقاً في تيودور هرتزل لدرجة أنه اكتشف عبث محاولة الاندماج، فتبنَّى بدلاً من ذلك الحل الصهيوني. ولكن هذه الفكرة في حد ذاتها عملية تبسيط فجة للعوامل التي أدَّت بهرتزل إلى اقتراح الدولة الصهيونية حلاًّ للمسألة اليهودية. والحقيقة التي لا توردها المراجع الصهيونية هي أن هرتزل نفسه كان مقتنعاً في بادئ الأمر بأن دريفوس كان مذنباً وخائناً، ولا أحد يدري ما الذي جعله يغيِّر رأيه فيما بعد، ولكن هذا ليس هو موضوعنا الأساسي. وقد يكون من الأجدى وضع واقعة دريفوس في إطارها التاريخي والاجتماعي والإنساني.

ابتداءً، كان دريفوس محل شك المخابرات الفرنسية لأسباب وجيهة. فالقوات الفرنسية ذاتها كانت تجند كثيراً من يهود ألمانيا ويهود الألزاس واللورين للعمل كجواسيس لحسابها. ولذا، ساد الاعتقاد بأن ألمانيا أيضاً كانت تقوم بالشيء نفسه، وهو أمر متوقع. والجدير بالذكر أن هذا جزء من الإدراك الأوربي لأعضاء الجماعات اليهودية، وهو إدراك كانت تدعمه بعض الممارسات التاريخية. ففي القرن السابع عشر، لعب أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا دوراً أساسياً في عملية التجسس بين الدول. كما حاول أوليفر كرومويل أن يخطب ود أعضاء الجماعات اليهودية ويوطنهم في إنجلترا حتى يستفيد من خدماتهم كجواسيس له.
ويُلاحَظ أن هذه الفترة شهدت كساداً اقتصادياً في أوربا، الأمر الذي أدَّى إلى انتقال أعداد كبيرة من المهاجرين إلى فرنسا، فجاء مهاجرون من إيطاليا وغيرها من البلدان الأوربية. وكان عدد العمال الإيطاليين عام 1872 نحو 112 ألفاً، فأصبح 300 ألف عام 1890، وجاء معهم قرويون (من القرى الفرنسية) يتحدثون لهجاتهم المحلية، مثل البريتون والأفيرنيان. كما هاجرت أعداد كبيرة من يهود الألزاس واللورين الذين لم يكونوا قد اصطبغوا بعد بالصبغة الفرنسية. ووصلت أعداد كبيرة كذلك من يهود شرق أوربا الذين يتحدثون اليديشية (وهي رطانة ألمانية) . وقد أدَّى كل هذا إلى زيادة عدد الأجانب. كما أن تزايُد يهود شرق أوربا ويهود الألزاس واللورين، على حساب العنصر اليهودي الفرنسي المحلي، أدَّى إلى تصنيف كل أعضاء الجماعة اليهودية على أنهم أجانب. ومن المعروف أن العناصر الأجنبية عادةً ما تتعرض في فترات الكساد الاقتصادي للهجوم من قبل أعضاء الأغلبية المحليين الذين يتهمون العناصر الوافدة بأنهم سبب الأزمة. كما أن العامل الأجنبي يرضى بأجر أقل ومستوى معيشي أكثر انخفاضاً، الأمر الذي يثير الحقد عليه.

وعلاوة على هذا، كان الجو العام في فرنسا آنذاك متوتراً، وخصوصاً إزاء أعضاء الجماعة اليهودية، بعد هزيمة الجيش الفرنسي على يد بروسيا عام 1870. وكانت العناصر الليبرالية التي تضم نسبة عالية من أعضاء الجماعة اليهودية تقف ضد فكرة الانتقام من ألمانيا. كما كان المد العلماني آخذاً في التزايد وفي الإصرار على فصل الدين عن الدولة. هذا إلى جانب أن الثورة الصناعية اقتلعت الكثيرين من جذورهم وأدَّت إلى إفقارهم وقذفت بهم في المدن الكبرى (مثل باريس) . وكان هؤلاء المُقتلَعون يشعرون بانعدام الأمان في المجتمع الجديد (بعلمانيته وثوريته وقيمه التجارية) والذي كان اليهود يوجدون في مركزه. وإلى جانب كل ذلك، كان هناك أيضاً عدد كبير من اليهود بين قيادة كومونة باريس في عام 1871. وأدَّى هذا كله إلى الربط بين الجماعة اليهودية والعناصر الثورية والعلمانية والفوضوية في المجتمع. ولكن من المفارقات التي تستحق التأمل أن أعضاء الجماعات اليهودية ارتبطوا في الوقت نفسه في الوجدان الأوربي، منذ العصور الوسطى حتى العصر الحديث، بالمصالح المالية الكبيرة، والبنوك والشبكات المالية والتجارية، وهي صورة دعمها بروز أسرة روتشيلد في عالم التجارة والمال.
وهكذا، أصبح اليهودي رمزاً متبلوراً لكثير من العناصر محط شك الجماهير وكرهها، فهو الأجنبي البغيض، وهو الثوري العلماني التقدمي الذي يحمل لواء المجتمع الجديد المدمر، وهو أيضاً رجل المال الذي لا يكترث بأية قيم سوى الربح، ولا يرتبط بأي أرض سوى السوق. وقد كانت الصحف المعادية لليهود تشير إلى دريفوس باعتباره ألزاسياً وأجنبياً وعضواً في طبقة المموِّلين الأثرياء.

وقد انضمت أعداد كبيرة من ضحايا الثورة الصناعية إلى التنظميات المعادية لليهود التي كانت تستخدم خليطاً جذاباً ومريحاً من الديباجات المسيحية والاشتراكية والعرْقية وتطرح صورة للمجتمع المبني على التضامن المسيحي والتكافل الاجتماعي والتعاون الاقتصادي (جماينشافت) ، تلك الصورة التي تقف على الطرف النقيض من المجتمع الصناعي الجديد المبني على التنافس والتفاؤل، الذي يؤمن بإمكانية البقاء للأصلح والأقوى وحسب (جيسيلشافت) . وقد انضمت أغلبية أعضاء الجماعة اليهودية المتركزون في العاصمة إلى القوى العلمانية والتقدمية التي أدارت المعركة مع العناصر الدينية والمحافظة. فاليهودي كان رمزاً مهماً بلا شك للقوى الجديدة، ولكنه لم يكن قط أحد أطراف المعركة بل كان جزءاً من كل، فهو جزءٌ من القوى الاجتماعية المتصارعة في المجتمع الفرنسي في أواخر القرن التاسع عشر والتي كانت كل واحدة منها تحاول أن تصوغ المجتمع حسب رؤيتها. وقد حولت هذه القوى قضية دريفوس إلى حلبة للصراع فيما بينها.
ففي عام 1896، اكتشف جورج بيكار رئيس مخابرات الجيش الفرنسي، وبطل واقعة دريفوس الحقيقي، أدلة تثبت براءته من التهمة المنسوبة إليه، وتشير بأصابع الاتهام إلى شخص آخر هو الميجور إسترهازي الذي لعب دوراً مهماً في سير أحداث القضية بحيث انتهت إلى الإدانة التامة للكابتن دريفوس. وحاول بيكار إقناع المسئولين بإعادة المحاكمة، ولكنه أُمر بالتزام الصمت ونُقل إلى تونس بسبب ذلك.

وقد شُنت حملة إعلامية مكثفة قادها المفكر الفرنسي اليهودي برنارد لازار للمطالبة بإعادة النظر في القضية حيث كتب عدة مقالات دافع فيها بحماس عن دريفوس، كما طالب رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي بإعادة النظر في القضية لاقتناعه ببراءته. وتحت إلحاح الموقف المتفجر وإصرار بيكار، قُبض على الميجور إسترهازي وحوكم ذراً للرماد في العيون ولكن سرعان ما بُرئ لعدم كفاية الأدلة. فكتب الروائي الفرنسي إميل زولا سلسلة مقالات تحت عنوان «إني أتهم» هاجم فيها المحاكمتين، وكانت النتيجة أن اتُهم زولا بالقذف العلني وحكم عليه بالسجن ففر إلى إنجلترا.
وفجأة، برزت أحداث جديدة غيرت مجرى القضية، فقد انتحر الكولونيل هيوبرت جوزيف هنري أثناء استجوابه، وهو شاهد الإثبات الأول في القضية، بعد أن اعترف بتزويره الوثائق التي أدَّت إلى إدانة دريفوس. وعندما علم إسترهازي بحادث الانتحار اعترف بجريمته وفر إلى إنجلترا. وفي صيف عام 1899، أمرت محكمة النقض بإعادة محاكمة دريفوس على ضوء الأحداث التي استجدت. وتحت ضغط بعض الشخصيات من ذوي النفوذ في الجيش، أُعلن مرة أخرى أنه مذنب. وفي هذه المرة حُكم عليه، مع مراعاة الظروف المخففة، بالحبس عشر سنوات كان قد قضى خمساً منها في المنفى. وبعد عدة أيام أمر الرئيس الفرنسي إميل لوبيه بالعفو عنه. وقد حثه كثير من أصدقائه والمدافعين عنه على استئناف المعركة لإثبات براءته التامة، وذلك لأن القضية قضية مبدئية تتجاوز الأشخاص. غير أن ألفريد دريفوس نفسه لم يكن مدركاً للأبعاد السياسية التي اتخذتها هذه القضية، فكان كل ما يتمناه وتتمناه عائلته الثرية المندمجة هو الإفراج عنه سواء عن طريق العفو أو التبرئة، ولهذا، قبل قرار العفو. أما بيكار، فأصبح بطلاً قومياً ورقاه رئيس الجمهورية إلى مرتبة بريجادير جنرال، وعُيِّن فيما بعد وزيراً للحرب.

ثم فتحت محاكمة دريفوس، مرة أخرى، عام 1903 بضغط من القوى العلمانية والثورية وصدر الحكم بتبرئته، وأُعيدت له حقوقه السابقة، وعُيِّن في هيئة الأركان مرة أخرى بوظيفة ميجور ومنح نوط الشرف، ولكنه ما لبث أن ترك الخدمة. وقد عُيِّن أثناء الحرب العالمية الأولى قائداً لأحد قطاعات باريس برتبة كولونيل. ثم اعتزل الحياة العامة تماماً بعد ذلك وعاش في منزله بقية حياته غير مدرك للدلالات التاريخية والسياسية للواقعة التي ارتبطت باسمه (حسبما أخبرني أحد أفراد أسرتي الذي قابله في منزله عام 1934 حيث كان صديقاً لابنه) .
وقد عمقت هذه القضية الخلافات الموجودة بين مؤيدي وخصوم النظام الجمهوري في فرنسا، وأدَّت إلى تقوية الأحزاب الاشتراكية، كما كانت وراء القانون الذي صدر عام 1905 بفصل بقايا الدين عن الدولة.
المؤامرة اليهودية الكبرى أو العالمية
‏Grand or World Jewish Conspiracy

يميل العقل الإنساني، إن لم يجد نموذجاً تفسيرياً ملائماً لواقعة ما، إلى ردها إلى يد أو أياد خفية تُنسَب إليها التغييرات والأحداث كافة. فالأحداث ـ حسب هذا المنظور ـ ليست نتيجة تفاعل بين مركب من الظروف والمصالح والتطلعات والعناصر المعروفة والمجهولة من جهة وإرادة إنسانية من جهة أخرى، وإنما هي نتاج عقل واحد وضع مخططاً جباراً وصاغ الواقع حسب هواه، وهو ما يعني أن بقية البشر إن هم إلا أدوات. ومن أهم تجليات هذا النموذج الاختزالي ما يُقال له «المؤامرة اليهودية الكبرى» أو «المؤامرة اليهودية العالمية» والتي تفترض أن أعضاء الجماعات اليهودية يُكوِّنون كلاًّ واحداً متكاملاً متجانساً، وأن لهم طبيعة واحدة، وأن اليهودي شخص فريد لا يخضع للحركيات الاجتماعية التي يوجد فيها، ولا ينتمي إلى الأمة التي يعيش بين ظهرانيها. وهو يقف دائماً مقابل الأغيار (غير اليهود) ، إذ أن ثمة خاصية ما في اليهود، وخصوصية كامنة فيهم، تجعل من العسير على كل المجتمعات الإنسانية دمجهم، أو استيعابهم، وتجعل اندماجهم فيها عسيراً.

ويتسم اليهود (حسب نموذج المؤامرة الكبرى) بالشر والمكر والرغبة في التدمير (فهذه أمور وُجدت في عقولهم بالفطرة وهي بُعد أساسي وثابت في طبيعتهم) ، وسلوكهم هو تعبير عن مخطط جبار وضعه العقل اليهودي الذي يخطط ويدبر منذ بداية التاريخ، والذي وضع تفاصيل المؤامرة الكبرى العالمية لتخريب الأخلاق وإفساد النفوس حتى تزداد كل الشعوب ضعفاً ووهناً بينما يزداد اليهود قوة، وذلك بهدف السيطرة على العالم (وربما لإنشاء حكومة عالمية يكون مركزها أورشليم القدس) . والتاريخ اليهودي بأسره إن هو إلا تعبير عن هذا النموذج وعن هذه المؤامرة الأزلية المستمرة، واليهود من ثم هم المسئولون في كل الأزمنة والأمكنة عن كل الشرور والمنكرات. فهم، على سبيل المثال، الذين أراقوا دم المسيح (حسب الرواية المسيحية) ، وهم الذين وضعوا السم للرسول عليه الصلاة والسلام، وهم وراء مؤامرة عبد الله بن سبأ (ثم أتباعه من بعده) للقضاء على الإسلام، وهم الذين قاموا بدس الإسرائيليات دساً على الدين الحنيف، بل يُنسَب إليهم ذبح الأطفال واستخدام دمهم في صنع خبز الفطير الذي يأكلونه في عيد الفصح.

وفي العصر الحديث يرى التآمريون أن اليهود وراء أشكال الانحلال المعروفة والعلنية (وغير المعروفة والخفية) في العالم الغربي والعربي، بل وفي كل أرجاء العالم. فهم وراء المحافل الماسونية التي أسسوها أداة لمؤامراتهم، وهم وراء البهائية التي تسعى لإفساد الإسلام وكل العقائد، وهم الذين أدوا إلى ظهور الرأسمالية بكل بشاعتها، والبلشفية بكل إرهابها، والإباحية بكل تدميرها، وهم يسيطرون على رأس المال العالمي والحركة الشيوعية ويتحكمون في الصحافة ووسائل الإعلام. وهم الذين ضغطوا على الإمبراطورية الإنجليزية وجعلوها تُصدر وعد بلفور. وهم الذين أسقطوا الدولة العثمانية من خلال يهود الدونمه وهم الذين يحركون الآن اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية ويوجهون الإعلام الأمريكي ويجندون الصوت اليهودي، وذلك حتى يُسخِّروا الولايات المتحدة ويُرغموها، بما لديهم من نفوذ وسطوة وهيمنة، على تحقيق مآربهم وتنفيذ مصالحهم. وهم على اتصال بعالم الجريمة للمساعدة في إفساد العالم. والصهيونية ليست ظاهرة مرتبطة بحركيات التاريخ والفكر الغربي، وليست مرتبطة بظهور الإمبريالية الغربية وهيمنتها على العالم، وإنما هي مجرد تعبير عن هذا الشر الأزلي الكامن في النفس اليهودية الذي يتبدَّى في الغزو الصهيوني لفلسطين، وضرب المفاعل الذري العراقي وغزو لبنان وقمع الانتفاضة والهجرة اليهودية السوفيتية إلى فلسطين والسوق الشرق أوسطية ... إلخ. ومن أهم إفرازات هذا التصور الاختزالي الوثيقة المسماة بروتوكولات حكماء صهيون.

وقد ساعد على نشر التصورات التآمرية عن اليهود، شعائرهم الدينية المركبة التي لا يستطيع كثير من الناس فهمها. كما ساهمت النزعة الحلولية الانعزالية في الدين اليهودي، والتصورات اليهودية الخاصة بالشعب المختار، والمركزية الكونية والتاريخية التي يضفيها اليهود على أنفسهم، في تعميق شكوك غير اليهود فيهم. ومما لا شك فيه أن وجود اليهود، بوصفهم جماعات وظيفية متفرقة، داخل عديد من المجتمعات الغربية، تنتظمها شبكة من العلاقات التجارية الوثيقة التي تحقق من خلالها قدراً كبيراً من النجاح التجاري والمالي قد عمَّق الرؤية التآمرية لليهود. وقد بلغت هذه الشبكة قمة تماسكها وقوتها في القرن السابع عشر حين كانت تنتظم يهود الأرندا في شرق أوربا، ويهود البلاط في وسطها وغربها، ويهود السفارد في البحر الأبيض والدولة العثمانية وشبه جزيرة أيبيريا والعالم الجديد، وخلق هذا الوجود الإحساس بالتنسيق فيما بينهم. ومع ضعف المجتمعات الغربية وبنائها القيمي، بسبب انتشار قيم النفعية والعلمانية، ومع تركُّز اليهود في كثير من الحركات العلمانية والفوضوية، تعمَّق الإحساس بأن ثمة مؤامرة يهودية تهدف إلى السيطرة على العالم كما تهدف إلى إفساده.

والباحث المدقق سيكتشف أن الرؤية الاختزالية التآمرية لليهود لا تختلف في أساسياتها مطلقاً عن الرؤية الاختزالية الصهيونية لليهود. فكلا الفريقين يرى اليهود من خلال رؤية واحدية اختزالية ساذجة، تقوم بتبسيط دوافعهم ووجودهم في التاريخ إذ أنها تسقط عنهم زمنيتهم وتركيبيتهم وإنسانيتهم. فبدلاً من رؤية أعضاء الجماعات اليهودية كجزء من تواريخ بلادهم وحضاراتهم، فإنها تنظر إليهم باعتبارهم كياناً واحداً متماسكاً فريداً يتحرك داخل تاريخه اليهودي الخاص بمعزل عن المجتمعات التي يعيشون فيها. وبسبب هذا الاتفاق بين الفريقين نجد أن كلاًّ من التآمريين والصهاينة يتحدثون عن «الشعب اليهودي عبر التاريخ» وعن «الشخصية اليهودي في كل العصور» وعن «العبقرية أو الجريمة اليهودية في كل زمان ومكان» وهكذا.
ويُقدِّم كلا الفريقين تصوُّراً لليهود باعتبارهم كيانات بسيطة دوافعها وغاياتها بسيطة. فأعضاء الشعب اليهودي هذا، حسب رؤية التآمريين والصهاينة، لا يشعرون بالانتماء لأوطانهم، إذ أنهم أينما وُجدوا يحنون لصهيون ويدينون لها وحدها أو لحكومتهم اليهودية بالولاء، ومن ثم فاليهودي عادةً يعاني من ازدواج الولاء ولا يشعر بالاستقرار في وطنه، ونتيجةً لهذا يصبح شخصية مريضة لا تخضع للقوانين الإنسانية العامة، يقاوم الاندماج في الأغيار ويقع ضحية فريدة لعنفهم.

والخلاف بين التآمريين والصهاينة لا يوجد في التشخيص أو في الوصف أو في المنطلقات أو المسلمات ولا حتى في الحل وإنما في آليات الحل وحسب، أي أن الاختلاف بينهم اختلاف إجرائي بسيط وليس كلياً وشاملاً، فكلا الفريقين يطرح حلاًّ بسيطاً لمشكلة الكيان اليهودي المتماسك الفريد الذي يرفض الاندماج، ألا وهو ضرورة «خروج» اليهود من أوطانهم. ولكن بينما يرى التآمريون وأعداء اليهود أنه لا مناص من استخدام العنف في هذه العملية (من طرد وإبادة) ،فإن الصهاينة يرون أن الحركة الصهيونية يمكنها أن تشرف على عملية الخروج هذه بطريقة منهجية منظمة، بحيث لا يوجد أي مبرر للعنف. ومع هذا، لا يستبعد الصهاينة استخدام العنف كآلية لإخراج اليهود من أوطانهم، كما حدث عام 1951،حينما ألقى عملاء إسرائيل القنابل على أماكن تجمُّع أعضاء الجماعة اليهودية في العراق حتى يضطروهم للهجرة منها إلى الدولة الصهيونية الناشئة، وكما يحدث الآن حينما تضغط الحركة الصهيونية على الولايات المتحدة لتغلق أبوابها أمام اليهود السوفييت حتى يضطروا إلى الهجرة إلى إسرائيل.
وفكرة المؤامرة أكذوبة تلائم معظم الأطراف المشتركة في الصراع الإسرائيلي، فإسرائيل تستفيد كثيراً من هذا الفكر التآمري لأنه يضفي عليها من القوة ما ليس لها، ومن الرهبة ما لا تستحق، وهو في نهاية الأمر يجعلها تكسب معارك لم تدخلها قط.
كما أن الحكومات الأمريكية المختلفة تفسر للزعماء العرب عجزها عن مساعدة الحق العربي بتعاظم النفوذ الصهيوني في الكونجرس. أما الحكومات العربية، فإنها تُفسِّر تخاذلها وهزيمتها أمام العدو الصهيوني على أساس الأسطورة المريحة نفسها. وبالتالي، يجد كل من أطراف الصراع تفسيراً يبدو معقولاً ومقبولاً لوضعه أمام نفسه وأمام جماهيره.
اليهود كشياطين
‏Demonization of the Jews

من الصور الأساسية المتواترة في أدبيات معاداة اليهود تصويرهم على أنهم شياطين، فالشر لصيق بطبيعتهم، فهم يخربون أي مجتمع يعيشون في كنفه، ويحيكون المؤامرات عبر التاريخ للقضاء على الجنس البشري (ربما مثل إبليس منذ أن خرج من الجنة) . وهذا هو المفهوم الكامن وراء بروتوكولات حكماء صهيون ووراء فكرة المؤامرة اليهودية العالمية. وهذه الفكرة تفترض وحدة اليهود عبر التاريخ وأنهم يمتلكون قوة سحرية (تماماً مثل الشيطان) ، ولذا فهم لا يُقهرون أو لا يمكن قهرهم إلا باللجوء للحلول السحرية، إذ لا يهزم السحر إلا السحر. كما لا يمكن هزيمة الشياطين بالجهد البشري العادي، جهاداً كان أو اجتهاداً، ولذا في مجابهة الشيطان لا يملك المرء إلا أن يستعيذ بالله أو يفر من الشيطان أو يستسلم له، ويوقِّع معاهدة سلام واستسلام.

والإيمان بأن اليهود وحدة صلبة متماسكة لا تُقهر، أو بأن إلحاق الهزيمة بهم في حكم المستحيل، هي فكرة تروج لها الدعاية الصهيونية الواعية (والدعاية المعادية لليهود غير الواعية) . وتظهر في شعارات مثل «جيش الدفاع الإسرائيلي الذي لا يُقهر» . وفكرة اليهود كشياطين هي مقلوب فكرة اليهود ككتلة صلبة لا تُكسر، وكلاهما يدور في إطار الحلولية الكمونية الواحدية. فكما أن الفكر الحلولي (الصهيوني) يجعل اليهود موضعاً للحلول الإلهي (باعتبارهم الشعب المختار صاحب الحقوق المطلقة) ، فإن مفهوم اليهود كشياطين يجعلهم موضع الشر الكوني الذي لا يتحول، فالأول يجعل منهم شعباً مقدَّساً يتجاوز الخير والشر، والثاني يجعل منهم شعباً شيطانياً يتجاوز الخير والشر أيضاً. وهذه الفكرة لها امتدادها في التراث المسيحي الذي يجعل من اليهودي مركزاً للدراما المسيحية الكونية التي تدور حول صلب المسيح وقيامه والتي يلعب فيها اليهود دور قاتل الرب الذي يقف بعد ذلك، في ضعته وتدنيه، شاهداً على انتصار الكنيسة وعظمتها. وقد وجدت هذه الفكرة طريقها إلى العالم الإسلامي وحلّت محل فكرة الفطرة الخيرة التي يولد الإنسان بها.
وإضفاء صفة الإنسانية على أعضاء الجماعات اليهودية (بدلاً من الشيطانية) يعني إمكانية دراستهم وفهمهم والتمييز بين الخيِّر والشرير فيهم، وبين العدو والصديق، وفي نهاية الأمر طرح إمكانية الجهاد ضد من يعادينا ويغتصب أرضنا منهم وإلحاق الهزيمة به.
بروتوكولات حكماء صهيون
‏Protocols of the Elders of Zion

كلمة «بروتوكول» كلمة إنجليزية تعني «اتفاقية» ، وبروتوكولات حكماء صهيون وثيقة يُقال إنها كتبت عام 1897 في بازل بسويسرا، أي في العام نفسه الذي عقد فيه المؤتمر الصهيوني الأول. بل يزعم البعض أن تيودور هرتزل تلاها على المؤتمر، وأنها نوقشت فيه، بل وتذهب بعض الآراء إلى التأكيد على أن المؤتمرات الصهيونية المختلفة إن هي إلا مؤتمرات حكماء صهيون هذه، وأن الهدف من المؤتمر السري الأساسي الأول الذي ضم حاخامات اليهود هو وضع خطة محكمة (بالتعاون مع الماسونيين الأحرار والليبراليين والعلمانيين والملحدين) لإقامة إمبراطورية عالمية تخضع لسلطان اليهود وتديرها حكومة عالمية يكون مقرها القدس. وتقع البروتوكولات البالغ عددها أربعاً وعشرين بروتوكولاً في نحو مائة وعشر صفحات، ونشرت لأول مرة عام 1905 ملحقاً لكتاب من تأليف سيرجي نيلوس وهو مواطن روسي ادعى أنه تسلَّم المخطوطة عام 1901 من صديق له حصل عليها من امرأة (مدام ك) ادعت أنها سرقتها من أحد أقطاب الماسونية في فرنسا. لكن نيلوس نفسه أخبر أحد النبلاء الروس بأن هذه المرأة أخذتها من رئيس البوليس السري الروسي في فرنسا، وأن الأخير هو الذي سرقها من أرشيف المحفل الماسوني. وقد كانت لنيلوس اهتمامات صوفية متطرفة، كما كان غارقاً في الدراسات الخاصة بالدلالات الصوفية للأشكال الهندسية.
وقد لاقت البروتوكولات رواجاً كبيراً بعد نشوب الثورة البلشفية التي أسماها البعض آنذاك «الثورة اليهودية» ، إذ عزا الكثيرون الانتفاضات الاجتماعية التي اجتاحت كثيراً من البلدان الأوربية إلى اليهود.

وانتقلت البروتوكولات إلى غرب أوربا عام 1919 حيث حملها بعض المهاجرين الروس. وبلغت البروتوكولات قمة رواجها في الفترة الواقعة بين الحربين، حينما حاول كثير من الألمان تبرير هزيمتهم بأنها طعنة نجلاء من الخلف قام بها اليهود المشتركون في المؤامرة اليهودية الكبرى أو العالمية. وقد أصبحت البروتوكولات من أكثر الكتب رواجاً في العالم الغربي بعد الإنجيل، وتُرجمت إلى معظم لغات العالم وضمن ذلك العربية حيث ظهرت عدة طبعات منها. وحازت البروتوكولات اهتمام بعض المشتغلين بالتأليف وبالإعلام حيث أشاروا إليها باستحسان كبير، وكأنها وثيقة ذات شأن كبير. ولحسن الحظ، لا يوجد مركز دراسات عربي واحد أعارها أي اهتمام، ولا يتم نشرها إلا من خلال دور نشر تجارية.
والرأي السائد الآن في الأوساط العلمية التي قامت بدراسة البروتوكولات دراسة علمية متعمقة هو أن البروتوكولات وثيقة مزورة، استفاد كاتبها من كتيب فرنسي كتبه صحفي يدعى موريس جولي يسخر فيه من نابليون الثالث بعنوان حوار في الجحيم بين ماكيافللي ومونتسيكو، أو السياسة في القرن التاسع عشر، نُشر في بروكسل عام 1864، فتحول الحوار إلى مؤتمر وتحول الفيلسوف إلى حكماء صهيون. وقد اكتُشفت أوجه الشبه بين الكتيب والبروتوكولات حيث تضمنت هذه الأخيرة اقتباسات حرفية من الكتاب المذكور، وأحياناً تعبيرات مجازية وصوراً منه. والرأي السائد الآن أن نشر البروتوكولات وإشاعتها إنما تم بإيعاز من الشرطة السياسية الروسية للنيل من الحركات الثورية والليبرالية ومن أجل زيادة التفاف الشعب حول القيصر والأرستقراطية والكنيسة وبتخويفهم من المؤامرة اليهودية الخفية العالمية.
وقد قمنا بدراسة سريعة لعناصر خطاب البروتوكولات (الأسلوب والمفردات والصور ... إلخ) ، فوجدنا أن هناك من الدلائل ما يدعم وجهة النظر القائلة بأنها وثيقة مزيفة:
1 ـ يُلاحَظ أن البروتوكولات وثيقة روسية بالدرجة الأولى والأخيرة:

أ) فكاتب الوثيقة لا يعرف شيئاً عن المصطلح الديني اليهودي ولا يستخدم أية كلمات عبرية أو يديشية. وهناك إشارتان للإله الهندي فشنو، وإشارة واحدة لأسرة داود. وبطبيعة الحال، يمكن إثارة القضية التالية: إذا كانت البروتوكولات وثيقة سرية، فلماذا لم يكتبها حاخامات اليهود بالعبرية أو الآرامية أو اليديشية ليضمنوا عدم تَسرُّبها؟ ومما يجدر ذكره أن كثيراً من يهود روسيا آنذاك كانوا يتحدثون اليديشية ولا يعرفون الروسية. وكان حزب البوند، أكبر الأحزاب العمالية في أوربا يدافع عن حقوق العمال من أعضاء الجماعة اليهودية ويُطالب بالاعتراف باليديشية باعتبارها لغتهم القومية (باعتبارهم أحد «شعوب» الإمبراطورية الروسية) .
ب) الموضوعات الأساسية المتواترة في البروتوكولات موضوعات روسية، فهناك دفاع عن الاستبداد المطلق وعما يُسمَّى «الأرستقراطية الطبيعية الوراثية» ، وهجوم شرس على الليبرالية والاشتراكية، وهو ما يبيِّن أن اهتمامات الكاتب روسية تماماً وتعكس رؤية الطبقة الحاكمة الروسية في السنين الأخيرة من حكم النظام القيصري.
جـ) هناك هجوم على الكنيسة الكاثوليكية واليسوعية، وهو ما يدل على أثر التربة المسيحية الأرثوذكسية السلافية التي كانت تناصب الكاثوليكية العداء.
د) ثمة هجوم شرس على الماسونية، التي كانت آنذاك جزءاً لا يتجزأ من الحركة الليبرالية والثورية الروسية.
هـ) هناك هجوم شديد على دزرائيلي، الذي كان شخصية مكروهة تماماً من النخبة الحاكمة في روسيا لأنه كان يساند الدولة العثمانية حتى تظل حاجزاً منيعاً ضد توسُّع الإمبراطورية الروسية.

2 ـ كما أن نبرة البروتوكولات ساذجة للغاية، فمن الواضح أن كاتبها الذي زيفها، لا يجيد التزييف، فقد حاول أن يبيِّن الخطر العالمي لليهود. وحتى يعطي وثيقته درجة من المصداقية، جعل حكماء صهيون (لا أحد سواهم) يتحدثون عن الخطر اليهودي، حتى يبدو الأمر كله وكأنه «شهد شاهد من أهلها» ، غير أنه لم يكن على درجة كبيرة من الذكاء في عملية تزييفه هذه:
أ) ففي الصفحة الأولى من البروتوكول الأول ينطق حكيم صهيون الأول بالكلمات التالية: "يجب أن يُلاحَظ أن ذوي الطبائع الفاسدة من الناس أكثر عدداً من ذوي الطبائع النبيلة". وهذه ملحوظة تبين الشر المتأصل في صاحبها. ولكن السؤال البدهي الذي يطرح نفسه هو: لماذا يصر كبير حكماء صهيون على نقل هذه الآراء لحكماء صهيون؟ أليس كل الحاضرين من الأشرار الذين لا توجد شبهة في شرهم؟ والسذاجة نفسها تتبدَّى في الملاحظة التي ترد بعد عدة صفحات حيث يقول كبير الحكماء: "إن الغاية تبرر الوسيلة، وعلينا (ونحن نضع خططنا) ألا نلتفت إلى ما هو خيِّر وأخلاقي بقدر ما نلتفت إلى ما هو ضروري ومفيد! " ومرة أخرى لماذا يكلف كبير الحكماء نفسه بتذكير الحاضرين من الحاخامات بمثل هذه البدهيات المتداولة بين الأشرار في كل زمان ومكان؟ أم أنه لاحَظ بعض علامات الخير بينهم فأراد أن يحذرهم منها؟

ب) يحاول واضع البروتوكولات أن يضخم اليهود وقوتهم ليخيف الناس منهم فيجعلهم ينسبون إلى أنفسهم في البروتوكول الثاني كل شر فيقول: "نجاح داروين وماركس ونيتشة قد رتبناه من قبل". ولكنه ينسى نفسه بعد قليل وتتبدل النبرة إذ يبدأ اليهود في توجيه الاتهامات لأنفسهم في البروتوكول الثاني نفسه: "من خلال الصحافة اكتسبنا نقودنا، وبقينا نحن وراء الستار، وبفضل الصحافة كدَّسنا الذهب، ولو أن ذلك سبَّب أنهاراً من الدم". وهذه في الواقع عريضة اتهام موجهة للذات؛ فلماذا يكلف كبير الحكماء خاطره ليقدمها لبقية أعضاء المجتمع الذين يعرفون ذلك مسبقاً؟ ولماذا يُصر على أن يُخبرهم في البروتوكول الثالث أن "أسرار تنظيم الثورة الفرنسية معروفة لنا جيداً لأنها من صنع أيدينا، ونحن من ذلك الحين نقود الأمم قدماً من فشل إلى فشل، حتى أنهم سوف يتبرأون منا " فمن يمكن أن يصف حركته بأنها حركة لقيادة الأمم من "فشل إلى فشل"، ويصر على أن هذه الحركة ستودي بهم؟ ثم يضيف في البروتوكول التاسع: "إن لنا طموحاً لا يُحدّ، وشرّهاً لا يُشبع، ونقمة لا تَرحم، وبغضاء لا تُحس. إننا مصدر إرهاب بعيد المدى. وإننا نُسخِّر في خدمتنا أناساً من جميع المذاهب والأحزاب". ثم يتطوع بالتأكيد على ما يلي: «لقد خدعنا الجيل الناشيء من الأمميِّين، وجعلناه فاسداً متعفناً بما علمناه من مبادئ» . ومن الواضح أن التزييف لم يبق منه سوى صيغة المتكلم الجمع، أما الباقي فهو اتهامات موجهة بالتآمر لليهود، ينسبها كاتبها لهم حتى تبدو كما لو كانت صادقة.

ويمكننا الآن أن نعرض للأفكار الأساسية في البروتوكولات التي تؤكد أن السياسة لا تخضع للأخلاق، وأن اليهود سينفذون مخططهم الإرهابي عن طريق الغش والخداع. فعلى مستوى المجتمع، سيقومون بتقويض دعائم الأسرة وصلات القرابة، وإشاعة الإباحية، واستغلال الحريات العامة، وتخريب المؤسسات المسيحية، وإفساد أخلاق العالم المسيحي الأوربي. أما على مستوى الدولة، فإنهم سيسعون إلى تقويض كيان الدول عن طريق الإيقاع بينها بحيث تندلع الحروب، على ألا تؤدي هذه الحروب إلى تعديلات في حدود الدول أو إلى مكاسب إقليمية، ليتمكن رأس المال فقط من الخروج بالغنائم. وينبغي التركيز على المنافسة في المجتمع، وعلى تصعيد الصراع الطبقي، ليجري الجميع نحو الذهب الذي لابد أن اليهود سيحتكرونه، وتُصاب المؤسسات الدينية والسياسية بالاهتراء ويسود رأس المال كل شيء.
وتهتم البروتوكولات في المراحل الأولى من المخطَّط بأن يسيطر اليهود على الصحافة ودور النشر وسائر وسائل الإعلام، حتى لا يتسرب إلى الرأي العام العالمي إلا ما يريدونه. كما أنها ترى ضرورة أن يسيطر اليهود على الدول الاستعمارية وأن يسخروها حسب أهوائهم. كما أنهم سيسيطرون أيضاً، بطبيعة الحال، على الدول الاشتراكية المعادية للاستعمار. والبروتوكولات تجعل اليهود مسئولين عن كل شيء: عن الخير والشر، والثورة والثورة المضادة، والاشتراكية والرأسمالية. فالبروتوكول السادس، مثلاً، يقول: «كي نخرب [أي نحن اليهود] صناعة الأغيار سنزيد من أجور العمال [اتجاهات اشتراكية] ونعرِّض الصناعة للخراب والعمال للفوضى [اتجاهات فوضوية [» .

ومن الواضح أن البروتوكولات ليست نقداً لليهود بمقدار ما هي تعبير عن إحساس الإنسان الأوربي في أواخر القرن التاسع عشر بأزمته، وبقدر ما هي تعبير عن إدراكه السطحي المباشر لها بعد تزايد معدلات العلمنة في الغرب وبعد تفكك المجتمع التقليدي الذي كان يوفر له قدراً كبيراً من الطمأنينة، حتى وإن سلبه حريته وفرصه في الحراك الاقتصادي. فالمجتمع الذي يحاول اليهود فرضه على العالم، حسبما جاء في البروتوكولات، ليس عالماً شريراً بشكل شيطاني ميتافيزيقي، وإنما هو في الواقع العالم الغربي الصناعي الذي سادت فيه قيم العلمانية والنفعية، ومن هنا كان الجمع بين الرأسمالية والاشتراكية باعتبارهما نظامين يبشر بهما اليهود، كما كان الجمع بين نتيشه وماركس باعتبارهما فيلسوفين يبشر اليهود بفكرهما. فبرغم الاختلافات العميقة بين النظامين المذكورين، والاختلاف بين الفيلسوفين، فإن العامل المشترك الأعظم (أو نقطة البدء أو التلاقي) هو تأسيس مجتمع علماني يستند إلى قيمتي المنفعة واللذة لا إلى القيم الدينية الأخلاقية المطلقة.

وقد وُجد أعضاء الجماعات اليهودية في مختلف القطاعات والاتجاهات، شأنهم في ذلك شأن أعضاء أية أقلية أخرى، فكانت توجد أعداد كبيرة من كبار المموِّلين الرأسماليين اليهود، كما كان كثير من أعضاء الجماعات اليهودية يشتغلون بالتجارة الصغيرة والربا، وكان من بينهم عدد كبير من المفكرين الليبراليين بل والرجعيين الذين يدافعون عن حرية التجارة وعن أكثر الأفكار الداروينية الاجتماعية تطرفاً. بل ونجد أن بعض اليهود ارتبطوا بالتجارب الاستعمارية الغربية غير الصهيونية كما حدث في جنوب أفريقيا (في صناعة التعدين) ، أو في شركة الهند الشرقية الهولندية، أو في شركة قناة بنما. كما تركَّز أعضاء الجماعات اليهودية بأعداد كبيرة في قطاعات اقتصادية مشينة مثل البغاء (قوادين وعاهرات) ونشر المجلات والمطبوعات الإباحية. وقد ربط هذا بين اليهودي من جهة وكلٍّ من «اليمين» و «التحلل الرأسمالي» و «التفكك الليبرالي» من جهة أخرى.
ولكن، إلى جانب ذلك، كانت هناك أعداد كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية في حركة اليسار أيضاً: فقد كان أكبر حزب اشتراكي في أوربا هو حزب البوند اليهودي. وقد انخرط الشباب اليهودي بأعداد كبيرة في الحركات الثورية، حتى أن 30% من أعضاء الحركات الثورية في روسيا القيصرية كانوا من الشباب اليهودي. وحينما قامت جمهورية بلشفية في المجر عام 1919، كان رئيس الدولة يهودياً، وكان عدد اليهود من الوزراء كبيراً لدرجة مدهشة، وكانت هناك أعداد كبيرة من المفكرين الاشتراكيين والشيوعيين من أصل يهودي. كما كان لليهود حضور واضح في الفكر الفوضوي. وفي نهاية الأمر، كان كل من روتشيلد رمزاً للارتباط العضوي بين اليهود والرأسمالية، وماركس رمزاً للارتباط العضوي أيضاً بين اليهود والاشتراكية. ولذا، كان من الممكن تفسير كل شيء بالرجوع إلى مقولة «يد اليهود الخفية» .

ولعل ما ساعد على إشاعة هذا النموذج التفسيري الساذج أن الوجدان المسيحي كان يجعل من اليهودي قاتل الرب رمزاً لكل الشرور. وقد شهدت نهاية القرن التاسع عشر عصر الهجرة اليهودية الكبرى، ولذا كان هناك يهود في كل مكان، يهود لا جذور لهم في طريقهم من شرق أوربا إلى الولايات المتحدة. وكما هو معروف، فإن الإنسان المهاجر المتنقل لا يلتزم بكثير من القيم. ولكل هذا، أصبح اليهودي رمزاً متعيناً لعملية ضخمة لم يكن الإنسان الأوربي يفهمها جيداً رغم شقائه الناجم عنها، وهي الثورة العلمانية الشاملة الكبرى (بشقيها الاشتراكي والرأسمالي) ، وهي ثورة لم يكن اليهودي يشكل فيها سوى جزء بسيط من كلٍّ ضخم مُركَّب. بل إن العقيدة اليهودية ذاتها سقطت ضحية هذه الثورة، وفقدت قطاعات كبيرة من الجماعات اليهودية هويتها نتيجةً لها.
والفكرة الأساسية في البروتوكولات هي فكرة الحكومة اليهودية العالمية. لكن المعروف تاريخياً أنه لم تكن هناك سلطة مركزية تجمع سائر يهود العالم بعد تحطيم الهيكل على يد نبختنصر عام 586 ق. م، وذلك بسبب طبيعة الوجود اليهودي في العالم حيث انتشر اليهود على هيئة أقليات دينية لا يربطها رباط قومي، وقد كان لكل أقلية محاكمها وهيئاتها الخاصة التي تقوم برعاية شئونها. ولكن اليهود لا يختلفون في هذا عن أية أقلية دينية أو جماعة وظيفية أخرى.
وهنا، يمكن أن نثير قضية مهمة هي قضية الوسائل: هل للجماعات اليهودية في العالم من القوة ما يمكنها من تنفيذ هذا المخطط الإرهابي العالمي الضخم؟ إن الدارس لتواريخ الجماعات اليهودية يعرف أنها كانت دائماً قريبة من النخبة الحاكمة لا بسبب سطوتها أو سلطانها وإنما بسبب كونها أداة في يد النُخب ولأنها لم تكن قط قوة مستقلة أو صاحبة قرار مستقل.

والإشارة إلى البروتوكولات واستخدامها في الإعلام المضاد للصهيونية أمر غير أخلاقي لأنها وثيقة مزوَّرة، ولا توجد دراسة علمية واحدة (سواء بالعربية أو بغيرها من اللغات) تثبت أنها وثيقة صحيحة. ولكن، وحتى ولو كانت البروتوكولات وثيقة صحيحة، فإن من يستخدمها يفقد مصداقيته وفعاليته أمام الرأي العام الغربي الذي لا يؤمن بصحتها. كما لا يمكن إثبات أن هذه الوثيقة تعبر تعبيراً حقيقياً عن دوافع أغلبية أعضاء الجماعات اليهودية في العالم، أو أنهم يأخذون بها كوثيقة ملزمة تحدد سلوكهم وأهدافهم. وبسبب السمعة الشائنة للبرتوكولات، فإن الصهاينة يصفون أي نقد موجَّه إليهم بأنه وقوع في أحابيل البروتوكولات. ومن الطريف أن هناك وثائق يتداولها بعض أعضاء الجماعات اليهودية تحتوي على آراء أكثر تآمرية من البروتوكولات مثل ما يُسمَّى كتاب التربية الذي يوزع في إسرائيل في الوقت الحالي. كما يحوي التلمود وتراث القبَّالاه (وهي كتابات يهودية لا شك فيها) مقطوعات عنصرية إلى أقصى درجة، ولكن يبدو أن مروِّجي البروتوكولات لا يعرفون عنها شيئاً، وهي على كلٍّ كتابات لا يعرف عنها معظم أعضاء الجماعات اليهودية بدورهم شيئاً، ولا يتداولها في الغالب إلا بعض العنصريين الموجودين في كل المجتمعات وبين أتباع كل العقائد.
وثمة رأي يذهب إلى أن الصهاينة يقومون بالترويج لهذه البروتوكولات لأنها تخدم المشروع الصهيوني الذي يهدف إلي ضرب العزلة على اليهود وتحويلهم إلى مادة خام صالحة للتهجير والتوطين في فلسطين المحتلة. كما أن كثيراً من الافتراضات الكامنة في البروتوكولات، مثل «الشعب اليهودي» و «الشخصية اليهودية» و «المصالح اليهودية» ، هي جميعاً افتراضات صهيونية أساسية والهجوم عليها هو في واقع الأمر تسليم غير مباشر بوجودها.

وسواء أكان هذا الرأي الأخير صحيحاً أم كاذباً، فإن ترويج البروتوكولات يخدم المصالح الصهيونية من الناحية العملية. ويتم الآن، في العالم العربي، تداول كم هائل من الكتابات (مثل أحجار على رقعة الشطرنج وغيرها) كل هدفها إشاعة الخوف من اليهود والصهيونية بتبنِّي رؤية بروتوكولية تنسب إلى اليهود قوى عجائبية. ويساهم بعض أعضاء النخب الحاكمة في الترويج لهذه البروتوكولات لتبرير العجز العربي والتخاذل أمام العدو الصهيوني، دون أن يدركوا أنهم بهذا إنما يخدمون مصلحة العدو. وقد صرح المعلق السياسي الإسرائيلي يوئيل ماركوس في جريدة هآرتس (31 ديسمبر 1993) بأن كثيراً من الدول تغازل إسرائيل وتحاول أن تخطب ودها نظراً لأن حكام هذه الدول يؤمنون بأن البروتوكولات وثيقة صحيحة وأن ما جاء فيها هو المخطط الذي يتحقق في العالم والذي سيؤدي إلى سيطرة اليهود وأن اليهود يتحكمون بالفعل في رأس المال العالمي وفي حكومة الولايات المتحدة. ومن ثم فالطريق إلى المعونة الأمريكية يمر من خلال اللوبي الصهيوني والدولة الصهيونية. ويضيف ماركوس معلقاً على هذه المفارقة: "إن البروتوكولات [بسبب أثرها هذا الذي يولِّد الرهبة في النفوس ويدفع الناس لمغازلة إسرائيل واليهود] تبدو كأن الذي كتبها لم يكن شخصاً معادياً لليهود، وإنما يهودي ذكي يتسم ببعد النظر". وقد أثبتت الانتفاضة الفلسطينية أن اليهود بشر وأن إلحاق الأذى بهم وهزيمتهم أمر ممكن، وأنهم قد يهاجمون عدوهم كالصقور حينما تسنح الفرصة ثم يفرون كالدجاج حينما يدركون مدى قوته وإصراره. والاستمرار في إشاعة الرؤية البروتوكولية هو نوع من الإصرار على مد يد العون للعدو الصهيوني، وعلى التنكر لإنجازات الانتفاضة.

ولا يمكن للمسلم الملتزم بتعاليم دينه أن يوجه الاتهام إلى أي إنسان جزافاً ودون قرائن، كما لا يمكن لرؤية دينية حقة أن تحكم على الفرد باعتباره تجسداً لفكرة، إذ يظل كل إنسان مسئولاً عن أفعاله. وقد عرَّف الإسلام حقوق أعضاء الأقليات، خصوصاً أهل الكتاب، فحدّد أن لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وهي حقوق مطلقة لا يمكن التهاون فيها. وفي الواقع، فإن استخدام البروتوكولات لاتهام اليهود فيه سقوط في العنصرية والعرْقية التي تصنف الناس لا على أساس أفعالهم وإنما على أساس مادي لاديني (علماني) مسبق وحتمي. ولذا، فهي لا تميِّز بين ما هو خيّر وما هو شر.
اليهودي الدولي
‏International Jew
شهدت أوائل العشرينيات في الولايات المتحدة نشر عدة كتب معادية لليهود من بينها بروتوكولات حكماء صهيون وكتيب سبب عدم الاستقرار في العالم الذي سبق نشره على هيئة سلسلة مقالات في جريدة المورننج بوست اللندنية. وقد نشرت مجلة الديربورن إند بندانت (1920) ، التي كان يمتلكها هنري فورد صاحب مصنع السيارات الشهير، بعض هذه الأدبيات وغيرها في سلسلة مقالات بعنوان «اليهودي الدولي» . وبدأ نشر المقالات ابتداءً من 22 مايو 1922 واستمر لمدة سبع سنوات ثم نُشرت المقالات بعد ذلك على هيئة كتيبات. واتهمت هذه المقالات اليهود بأنهم يحاولون هدم أسس الحياة الأمريكية وأنهم وراء مؤامرة عالمية لتحطيم المسيحية والهيمنة على العالم وأن الثورة البلشفية ما هي إلا تعبير عن هذه الثورة المستمرة.
والكتاب، مثله مثل كثير من أدبيات معاداة اليهود في الغرب، يرى اليهودي ممثلاً للثوري المتطرف والثري فاحش الثراء (البلشفي - الصيرفي، تروتسكي ـ روتشيلد) ، وهو في نهاية الأمر خليط من شيلوك وعدو المسيح وقاتل الإله واليهودي التائه.

وقد وجدت هذه الدعاية العنصرية قبولاً واسعاً في الأوساط القروية الريفية وفي المدن الصغيرة وبين بعض أعضاء النخبة الحاكمة. ولكن غالبية أعضاء النخبة والجهاز السياسي في المدن كانوا يعارضون هذه الحملة إذ أنهم أدركوا أن المهاجرين اليهود بدأوا يتخلون عن رؤيتهم وعقائدهم وهويتهم ويندمجون في المجتمع الأمريكي ويتأمركون أسرع من غيرهم، ولذلك، نُظِّمت حملة مضادة اضطر هنري فورد بعدها للاعتذار عن الحملة التي شنها، وذلك من خلال لويس مارشال رئيس اللجنة الأمريكية اليهودية.
جيكوب برافمان (1825-1879 (
‏Jacob Brafman
روسي يهودي متنصر. وُلد لأسرة يهودية وتيتم في سن مبكرة، ويبدو أن قيادة الجماعة اليهودية (القهال) في المدينة قرروا أن يرسلوا به ليُجنَّد في القوات القيصرية (ربما بسبب يتمه) الأمر الذي ولَّد في نفسه حقداً كبيراً على اليهود واليهودية. تنصَّر برافمان وهو في سن الرابعة والثلاثين، وعُيِّن أستاذاً للعبرية في إحدى المدارس الدينية اليهودية التابعة للحكومة القيصرية، كما عُيِّن رقيباً على الكتب العبرية واليديشية.
هاجم برافمان مؤسة القهال بشراسة ووصفها هي والمؤسسات اليهودية الأخرى بأنها «دولة داخل دولة» وبأنها جزء من مؤامرة دولية. وفي عام 1869، أصدر برافمان كتاب القهال، ثم نشر طبعة ثانية موسعة عام 1875. وقد تُرجم الكتاب إلى الفرنسية والبولندية والألمانية. ويهدف الكتاب إلى إعطاء القراء الروس فكرة عن ممارسات اليهود السرية والتي يستخدمونها للهيمنة على الأغيار. وقد أصبح الكتاب من كلاسيكيات العداء لليهود في الغرب.
والكتاب يتكون أساساً من ترجمات لمحاضر جلسات بعض مجالس القهال. وقد اتُّهم برافمان بالتزوير، ولكن (حسبما جاء في الموسوعة اليهودية [جودايكا] ) ثبت أن ما ورد في الكتاب هو ترجمة دقيقة لبعض الجلسات ولذا أصبح الكتاب من أهم المراجع العلمية لدراسة حياة الجماعة اليهودية في روسيا القيصرية.

اليهودي التائه
‏Wandering Jew
«اليهودي التائه» شخصية أسطورية في التراث الشعبي الغربي، وهو إسكافي يهودي يُدعَى كارتافيلوس، طلب منه المسيح عليه السلام، وهو يحمل صليبه، جرعة ماء ليروي بها عطشه، ولكن الإسكافي ضربه بدلاً من أن يسقيه، وقال له: «فلتسرع يا يسوع، ماذا تنتظر؟» ، فأجاب المسيح: «أنا ذاهب ولكنك ستنتظر حتى أعود» ، فحلت على اليهودي لعنة جعلته يجوب بقاع الأرض إلى أن يعود المسيح مرة أخرى، ومن هنا سُمِّي «اليهودي التائه» . وقد بدأت الأساطير المستوحاة من هذه الشخصية الغريبة في الظهور في القرن الثالث عشر وتحولت إلى إحدى الصور الإدراكية النمطية التي يدرك العالم الغربي اليهود من خلالها. ومن الكتب الأولى التي أشارت إليه كتاب زهور التاريخ للراهب الإنجليزي روجر (من وندوفر) عام 1228. وكانت الشائعات تظهر من آونة إلى أخرى، ومن مكان إلى آخر، أن اليهودي التائه قد شُوهد يتجول في هذا المكان أو ذاك بلحيته الطويلة البيضاء وعيونه اللامعة الشريرة وعصاه الطويلة. وكانت آخر مرة قيل إنه شُوهد فيها خلال القرن التاسع عشر.
وقد وجدت هذه الأساطير سنداً لها في سفر ماثيو في كلمات المسيح التي تقول: «الحق أقول إن من القيام ها هنا قوماً لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتياً في ملكوته» (إنجيل متى 16: 28) .
وقد ظل اليهودي التائه رمزاً للشعب اليهودي، هذا الشعب الشاهد الذي يقف خارج التاريخ شاهداً مقدَّساً على التاريخ من وجهة نظر اليهود، منبوذاً من الجميع، ومن وجهة نظر المعادين لليهود شعباً عضوياً منبوذاً. وأساس هذه الصورة هو اشتغال أعضاء الجماعات اليهودية بالتجارة والربا كجماعة وظيفية وسيطة، ووقوفهم خارج العملية الإنتاجية على هامش المجتمع، وانتقالهم من بلد إلى بلد بسبب طردهم أو سعياً وراء الربح. كما كان أبطال اليهود في العهد القديم رجالاً جوَّالين لا منزل لهم بسبب البيئة الرعوية التي كانوا يتحركون فيها.

وقد استغل تراث معاداة اليهود في الغرب هذه الصورة في ترسيخ سلبيات ما يُسمَّى «الشخصية اليهودية» في الوجدان الشعبي. ورغم أن أسطورة اليهودي التائه اختفت بعض الوقت، إلا أنها عاودت الظهور في القرن السادس عشر، مع تصاعد الحمى المشيحانية وانتشار العقيدة الألفية أو الاسترجاعية، بعدة أسماء من بينها اسم أهازويروس. وبظهور الرؤية الرومانتيكية للعالم وظهور الفلسفات العبثية والعدمية أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وتحوُّل الاغتراب إلى إحدى علامات التميز والتفوق في الخطاب الفلسفي، تحوَّل اليهودي التائه بدوره إلى رمز لهذا الإنسان المغترب الذي يرفضه المجتمع بسبب تميُّزه ويتعاطف معه المثقفون الثائرون على مجتمعاتهم، وهو الأمر الذي أدَّى إلى خلق جوٍّ من التعاطف الرومانسي مع اليهود.
وتجدر الإشارة إلى أن اليهودي التائه، سواء أكان شخصية سلبية مخربة أم كان شخصية إيجابية عبقرية، يقف دائماً خارج التاريخ وخارج نطاق ما هو إنساني وسويّ. ومن هنا، يمكننا أن نرى كيف يمكن أن تتحول الصورة من صورة يستخدمها المعادون لليهود إلى صورة يستخدمها المحبون لليهود، وذلك دون إدخال أية تغييرات على بنيتها العامة.
هب هب
‏Hep, Hep

» هب هب» صيحة استهزاء كانت شائعة في ألمانيا والنمسا. ويُقال إنها اختصار للعبارة اللاتينية «هيروسوليما إست برديتاhierosolyma est perdita» ، ومعناها «لقد ضاعت القدس» التي شاعت أثناء حروب الفرنجة. وهناك رأي يذهب إلى أنها مجرد صوت يستخدم لقيادة الحيوانات المستأنسة، وخصوصاً الكباش والماعز في مقاطعة فراكونيا، مع افتراض أن اليهود هم الماعز بسبب لحيتهم الطويلة. وهناك نظرية ثالثة ترى أنها اختصار لكلمة «هبرايرhebraer» أي «عبرانيون» . وقد استُخدمت العبارة في اضطرابات عام 1819 التي يُطلَق عليها «اضطرابات هب هب» والتي كانت تعبيراً عن احتجاج بعض قطاعات الشعب ضد إعتاق اليهود. وتعود الاضطرابات إلى عدة أسباب من بينها أن عام 1816 كان عام مجاعة للفلاحين، فاضطروا إلى الاستدانة من المرابين اليهود، كما عمت البطالة صفوف العمال في ألمانيا آنذاك. وقد رأت العناصر الثورية أن اليهود صنائع لمترنيخ (الذي أشيع عنه أنه كان يتسلم راتباً من كبار المموِّلين اليهود) ، وأن مؤتمر فيينا (1814ـ 1815) الذي أوصى بزيادة حقوق اليهود في ألمانيا هو ثمرة هذه العلاقة.
كايك وشيني
‏Kike and Sheeny
«كايك» هي كلمة تحقير إنجليزية أمريكية ذات نبرة عنصرية فاقعة يستخدمها أعداء اليهود للإشارة إليهم. وقد نحت الكلمة، في القرن التاسع عشر، يهود أمريكيون من أصل ألماني لوصف اليهود المهاجرين من شرق أوربا، وهي إشارة واضحة إلى اللغة اليديشية التي تضم كلمات سلافية كثيرة وإلى اللغة الروسية التي كان يتحدث بها بعضهم، والتي تحتوي على عدد كبير من الكلمات تنتهي بحرف الكاف، مثل «تشرنحوفسكي» و «مالينوفسكي» ... إلخ. كما نحت اليهود من أصل ألماني كلمة «شيني» وهي أيضاً كلمة تحقير أخرى لوصف يهود اليديشية.
إسرائيل ويست
‏Israel West

«إسرائيل ويست» مصطلح يستخدمه المعادون لليهود في الولايات المتحدة ومعناه «إسرائيل غرب» . وفي الولايات المتحدة، عادةً ما يشير بعض أعضاء الأغلبية أو أعضاء الأقليات الأخرى إلى المناطق التي يسكن فيها أعضاء الجماعة اليهودية على أنها «إسرائيل» (تماماً كما يُشار إلى أحياء الأمريكيين السود بأنها «أفريقيا» ) . وقد أشار أحد المتحدثين مرة إلى ما سماه «ذي جويش ستيت أوف نيويورك The Jewish State of New York» أي «ولاية نيويورك اليهودية» . وهو لعب على لفظ «ستيت state» الإنجليزي والذي يعني «ولاية» و «دولة» في آن واحد (وأحياناً لا تحمل الإشارة أي مضمون قدحي بل تكون كما في الإشارة إلى «تشينا تاونChinatown» أي «مدينة الصينيين» وإلى «ليتل إيجيبت Little Egypt» أي مصر الصغرى) .
وأخيراً، قام ديفيد ديوك، أحد زعماء جماعة الكو كلوكس كلان المعادية للأمريكيين السود، بطرح فكرة بشأن الأقليات التي «لا يمكن دمجها» حسب تعبيره. وسيتم بموجب هذه الخطة نقل (ترانسفير) كل يهود أمريكا إلى «إسرائيل غرب» ، أي في ولاية لونج أيلاند وفي حي مانهاتن في نيويورك (باعتبار أن فلسطين هي إسرائيل شرق) . وقد أشار ديوك إلى أن عملية الترانسفير هذه قد لا تكون مناسبة بالنسبة لبعض اليهود، ولكنها ـ حسب قوله ـ لن تمس سوى مليوني يهودي، وهو رقم أقل من الثمانية ملايين من الأمريكيين الذين أُرسلوا إلى خارج الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية. وفي إشارة واضحة إلى الدولة الصهيونية، قال ديوك: "إن هذا العدد أقل بكثير من الثلاثة ملايين ونصف مليون فلسطيني التي قامت «إسرائيل شرق» بطردهم من ديارهم".

بَيْعُ الْعِينَةِ

الموسوعة الفقهية الكويتية

التَّعْرِيفُ:
1 - الْعِينَةُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ. مَعْنَاهَا فِي اللُّغَةِ: السَّلَفُ. يُقَال: اعْتَانَ الرَّجُل: إِذَا اشْتَرَى الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ نَسِيئَةً (1) أَوِ اشْتَرَى بِنَسِيئَةٍ - كَمَا يَقُول الرَّازِيُّ (2) .
وَقِيل: لِهَذَا الْبَيْعِ عِينَةٌ؛ لأَِنَّ مُشْتَرِيَ السِّلْعَةِ إِلَى أَجَلٍ يَأْخُذُ بَدَلَهَا (أَيْ مِنَ الْبَائِعِ) عَيْنًا، أَيْ نَقْدًا حَاضِرًا (3)
وَالْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ يَرَى أَنَّهُ سُمِّيَ بَيْعَ الْعِينَةِ: لأَِنَّهُ مِنَ الْعَيْنِ الْمُسْتَرْجَعَةِ (4) .
وَاسْتَحْسَنَ الدُّسُوقِيُّ أَنْ يُقَال: إِنَّمَا سُمِّيَتْ عِينَةً، لإِِعَانَةِ أَهْلِهَا لِلْمُضْطَرِّ عَلَى تَحْصِيل مَطْلُوبِهِ، عَلَى وَجْهِ التَّحَيُّل، بِدَفْعِ قَلِيلٍ فِي كَثِيرٍ (5) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ الْفِقْهِيِّ، عُرِّفَتْ بِتَعْرِيفَاتٍ:
أ - فَفِي رَدِّ الْمُحْتَارِ: هِيَ بَيْعُ الْعَيْنِ بِثَمَنٍ زَائِدٍ نَسِيئَةً، لِيَبِيعَهَا الْمُسْتَقْرِضُ بِثَمَنٍ حَاضِرٍ أَقَل، لِيَقْضِيَ دَيْنَهُ (6) .
ب - وَعَرَّفَهَا الرَّافِعِيُّ: بِأَنْ يَبِيعَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِهِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، وَيُسَلِّمَهُ إِلَى الْمُشْتَرِي، ثُمَّ يَشْتَرِيَهُ بَائِعُهُ قَبْل قَبْضِ الثَّمَنِ بِثَمَنِ نَقْدٍ أَقَل مِنْ ذَلِكَ الْقَدْرِ (7) . وَقَرِيبٌ مِنْهُ تَعْرِيفُ الْحَنَابِلَةِ.
ج - وَعَرَّفَهَا الْمَالِكِيَّةُ كَمَا فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ: بِأَنَّهَا بَيْعُ مَنْ طُلِبَتْ مِنْهُ سِلْعَةٌ قَبْل مِلْكِهِ إِيَّاهَا لِطَالِبِهَا بَعْدَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا.
وَيُمْكِنُ تَعْرِيفُهَا - أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي - بِأَنَّهَا: قَرْضٌ فِي صُورَةِ بَيْعٍ، لاِسْتِحْلاَل الْفَضْل.
صُورَتُهَا:
2 - لِلْعِينَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا تَفْسِيرَاتٌ أَشْهَرُهَا: أَنْ يَبِيعَ سِلْعَةً بِثَمَنٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا نَفْسَهَا نَقْدًا بِثَمَنٍ أَقَل، وَفِي نِهَايَةِ الأَْجَل يَدْفَعُ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ الأَْوَّل، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الثَّمَنَيْنِ فَضْلٌ هُوَ رِبًا، لِلْبَائِعِ الأَْوَّل.
وَتَئُول الْعَمَلِيَّةُ إِلَى قَرْضِ عَشَرَةٍ، لِرَدِّ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَالْبَيْعُ وَسِيلَةٌ صُورِيَّةٌ إِلَى الرِّبَا.
حُكْمُهَا:
3 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهَا بِهَذِهِ الصُّورَةِ: فَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ: لاَ يَجُوزُ هَذَا الْبَيْعُ. وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: هَذَا الْبَيْعُ فِي قَلْبِي كَأَمْثَال الْجِبَال، اخْتَرَعَهُ أَكَلَةُ الرِّبَا (8) .
وَنُقِل عَنِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - جَوَازُ الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ (كَأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى ظَاهِرِ الْعَقْدِ، وَتَوَافُرِ الرُّكْنِيَّةِ، فَلَمْ يَعْتَبِرِ النِّيَّةَ) .
وَفِي هَذَا اسْتَدَل لَهُ ابْنُ قُدَامَةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ بِأَنَّهُ ثَمَنٌ يَجُوزُ بَيْعُ السِّلْعَةِ بِهِ مِنْ غَيْرِ بَائِعِهَا، فَيَجُوزُ مِنْ بَائِعِهَا، كَمَا لَوْ بَاعَهَا بِثَمَنِ مِثْلِهَا (9) .
4 - وَعَلَّل الْمَالِكِيَّةُ عَدَمَ الْجَوَازِ بِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا (10) .
وَوَجْهُ الرِّبَا فِيهِ - كَمَا يَقُول الزَّيْلَعِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - أَنَّ الثَّمَنَ لَمْ يَدْخُل فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ قَبْل قَبْضِهِ، فَإِذَا أَعَادَ إِلَيْهِ عَيْنَ مَالِهِ بِالصِّفَةِ الَّتِي خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ، وَصَارَ بَعْضُ الثَّمَنِ قِصَاصًا بِبَعْضٍ، بَقِيَ لَهُ عَلَيْهِ فَضْلٌ بِلاَ عِوَضٍ، فَكَانَ ذَلِكَ رِبْحَ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَهُوَ حَرَامٌ بِالنَّصِّ (11) .
5 - وَاسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ عَلَى التَّحْرِيمِ بِالآْتِي:
أ - بِمَا رَوَى غُنْدَرُ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنِ امْرَأَتِهِ الْعَالِيَةِ،
قَالَتْ: " دَخَلْتُ أَنَا وَأُمُّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَقَالَتْ أُمُّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: إِنِّي بِعْتُ غُلاَمًا مِنْ زَيْدٍ، بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ إِلَى الْعَطَاءِ، ثُمَّ اشْتَرَيْتُهُ مِنْهُ بِسِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ نَقْدًا. فَقَالَتْ لَهَا: بِئْسَ مَا اشْتَرَيْتِ، وَبِئْسَ مَا شَرَيْتِ، أَبْلِغِي زَيْدًا: أَنَّ جِهَادَهُ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بَطَل، إِلاَّ أَنْ يَتُوبَ (12) . قَالُوا: وَلاَ تَقُول مِثْل ذَلِكَ إِلاَّ تَوْقِيفًا.
ب - وَلأَِنَّهُ ذَرِيعَةٌ إِلَى الرِّبَا، لِيَسْتَبِيحَ بَيْعَ أَلْفٍ بِنَحْوِ خَمْسِمِائَةٍ إِلَى أَجَلٍ، وَالذَّرِيعَةُ مُعْتَبَرَةٌ فِي الشَّرْعِ، بِدَلِيل مَنْعِ الْقَاتِل مِنَ الإِْرْثِ (13) .
ج - وَبِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا ضَنَّ النَّاسُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، وَتَبَايَعُوا بِالْعِينَةِ، وَاتَّبَعُوا أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَتَرَكُوا الْجِهَادَ فِي سَبِيل اللَّهِ، أَنْزَل اللَّهُ بِهِمْ بَلاَءً، فَلاَ يَرْفَعُهُ حَتَّى يُرَاجِعُوا دِينَهُمْ (14)
وَفِي رِوَايَةٍ: إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ
أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا، لاَ يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ. (15)
__________
(1) المصباح المنير مادة: "
عين "
(2) مختار الصحاح مادة "
عين "
(3) المصباح المنير في المادة نفسها، وكشاف القناع 3 / 186
(4) رد المحتار 4 / 279
(5) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير 3 / 88
(6) الدر المختار ورد المحتار 4 / 279
(7) نيل الأوطار 5 / 207
(8) القوانين الفقهية ص 171
(9) المغني 4 / 256
(10) الشرح الكبير للدردير 3 / 89
(11) رد المحتار 4 / 115
(12) حديث عائشة: "
أبلغني زيدا. . . . " أخرجه الدارقطني 3 / 52 ط المحاسن، وقال: أم محبة والعالية مجهولتان لا يحتج بهما، يعني بهما: الموجودتين في إسناده
(13) كشاف القناع 3 / 185، والمغني 4 / 257
(14) حديث: "
إذا ضن الناس بالدينار والدرهم. . . ". أخرجه أحمد في مسنده 2 / 28 ط الميمنية، وصححه ابن القطان كما نقله عنه الزيلعي في نصب الراية 3 / 17 ط المجلس العلمي
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت