نتائج البحث عن (قَسَمَ ) 50 نتيجة

قسم الشَّيْء: مَا يكون مندرجا تَحْتَهُ كالاسم للكلمة.
قسم الشيء: ما يكون مندرجا تحته وأخص منه الاسم فإنه أخص من الكلمة ومندرج تحتها. قسيم الشيء ما يكون مقابلا للشيء ومندرجا معه تحت شيء آخر كالاسم فإنه مقابل للفعل مندرجا تحت شيء آخر وهو الكلمة التي هي أعم منها.
أَقْسَم بأن يعودالجذر: ق س م

مثال: أَقْسَم بأن يعود إلى فلسطينالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لأن الباء لا تدخل على المقسم عليه.

الصواب والرتبة: -أقسم أن يعود إلى فلسطين [فصيحة]-أقسم على أن يعود إلى فلسطين [فصيحة] التعليق: الثابت في المعاجم والاستعمال العربي لأسلوب القسم دخول الباء على المقسم به أما الشيء المقسَم عليه فتستعمل معه «عَلَى» كما بالمثال الثاني، ويجوز - كما في المثال الأول - حذف حرف الجر قياسًا قبل «أن».
أَقْسَم علىالجذر: ق س م

مثال: أَقْسَم على المصحفالرأي: مرفوضةالسبب: لأنّ الفعل «أَقْسَمَ» لا يتعدّى بـ «على».

الصواب والرتبة: -أَقْسَمَ بالمصحف [فصيحة]-أَقْسَمَ على المصحف [صحيحة] التعليق: الفعل «أَقْسَمَ» يتعدّى إلى مفعولين، أحدهما بـ «الباء»، وهو المقسم به، والآخر بـ «على»، وهو المقسم عليه، أو الشيء المراد تأكيده، فيقال: «أقسم بالله على أن يقلع عن ذنبه»، ولكن أجاز اللغويون نيابة حروف الجر بعضها عن بعض، كما أجازوا تضمين فعل معنى فعل آخر فيتعدى تعديته، وفي المصباح (طرح): «الفعل إذا تضمَّن معنى فعل جاز أن يعمل عمله». وقد أقرَّ مجمع اللغة المصري هذا وذاك؛ ومن ثَمَّ يجوز مجيء «على» بمعنى الباء في الدلالة، كما يجوز تخريج المثال المرفوض على عدم تعلق الجار والمجرور فيه بالفعل «أقسم» وإنما بمحذوف، والتقدير: واضعًا يده على المصحف، وهو تصوير للهيئة التي يفعلها الحالف.
يَنْقَسِم إلىالجذر: ق س م

مثال: يَنْقَسِم الناس إلى قسمينالرأي: مرفوضةالسبب: لأنّ الفعل «ينقسم» لا يتعدّى بـ «إلى».

الصواب والرتبة: -يَنْقَسِم الناس على قسمين [فصيحة]-يَنْقَسِم الناس إلى قسمين [صحيحة] التعليق: أوردت المعاجم الفعل «انقسم» متعديًا بـ «على»، ولكن أجاز اللغويون نيابة حروف الجر بعضها عن بعض، كما أجازوا تضمين فعل معنى فعل آخر فيتعدى تعديته، وفي المصباح (طرح): «الفعل إذا تضمَّن معنى فعل جاز أن يعمل عمله»، وقد أقرَّ مجمع اللغة المصري هذا وذاك؛ ومن ثمَّ يمكن تصحيح الاستعمال المرفوض على تضمينه معنى الفعل «تجزّأ»، أو على إرادة معنى التبيين الذي يدل عليه حرف الجرّ «إلى». وقد وردت تعديته بـ «إلى» في عدد من المعاجم الحديثة.

الفَصْل بالقسم بين أداة النصب «لن» والفعل المنصوب

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

الفَصْل بالقسم بين أداة النصب «لن» والفعل المنصوب

مثال: لَنْ والله أجامل الكسولالرأي: مرفوضةالسبب: للفصل بالقسم بين «لَنْ» والفعل المنصوب بها.

الصواب والرتبة: -والله لن أجامل الكسول [فصيحة]-لن والله أجامل الكسول [صحيحة] التعليق: لا يجيز جمهور النحويين الفصل بين لن والفعل بفاصل، ولكن يمكن تصحيح الاستعمال المرفوض لإجازة بعض أئمة النحويين له كالكسائي، والفراء.

الفَصْل بالقسم بين الصلة والموصول

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

الفَصْل بالقسم بين الصلة والموصول

مثال: قَدِمَ الَّذي- والله- أدَّى واجبهالرأي: مرفوضةالسبب: للفصل بالقسم بين الصلة والموصول.

الصواب والرتبة: -قَدِم الذي- والله- أدَّى واجبه [فصيحة] التعليق: منع النحاة الفصل بين الموصول وصلته، ولكنهم استثنوا أشياء يجوز الفصل بها بين الموصولات الاسمية وصلتها، من هذه الأشياء جملة القسم، وقد أقر مجمع اللغة المصريّ هذا في الدورتين الستين والحادية والستين.

مَجِيء الجواب للشرط مع تقدم القسم وعدم سبقهما بما يحتاج إلى خبر

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

مَجِيء الجواب للشرط مع تقدم القسم وعدم سبقهما بما يحتاج إلى خبر

مثال: والله إن صدقتني فسأصدقكالرأي: مرفوضةالسبب: لأن الجواب جاء للشرط، بالرغم من تأخره وعدم سبقهما بما يحتاج إلى خبر.

الصواب والرتبة: -والله إن صدقتني لأصدقنَّك [فصيحة]-والله إن صدقتني فسأصدقك [صحيحة] التعليق: يرى فريق من النحاة أن الجواب في الحال المذكورة يجب أن يكون للقسم ويؤوِّلون ما جاء مخالفًا لرأيهم، أو يحكمون عليه بالشذوذ ففي قول الشاعر:لئن كان ما حُدّثتَه اليوم صادقًا أصُمْ في نهار القيظ للشمس باديًاجاءَ المضارع «أصم» مجزومًا جوابًا للشرط على الرغم من تقدم لام القسم، ويرى فريق آخر أنّ الراجح أن يكون الجواب للقسم مع جواز أن يكون للشرط، وأخذ بهذا الرأي مجمع اللغة المصري في الدورة السادسة والستين.
قِسم الشيء: ما يكون مندرجاً تحته وأخصُّ منه كالاسم فإنه أخصُّ من الكلمة مندرج تحتها.

المُقْسَم عليها وجواب القسم

التعريفات الفقهيّة للبركتي

المُقْسَم عليها وجواب القسم: ما يساق القسم لإثباته أو نفيه.
(قَسَمَ)الْقَافُ وَالسِّينُ وَالْمِيمُ أَصْلَانِ صَحِيحَانِ، يَدُلُّ أَحَدُهُمَا عَلَى جَمَالٍ وَحُسْنٍ وَالْآخَرُ عَلَى تَجْزِئَةِ شَيْءٍ.

فَالْأَوَّلُ الْقَسَامُ، وَهُوَ الْحُسْنُ وَالْجَمَالُ، وَفُلَانٌ مُقَسَّمُ الْوَجْهِ، أَيْ ذُو جَمَالٍ. وَالْقَسِمَةُ: الْوَجْهُ، وَهُوَ أَحْسَنُ مَا فِي الْإِنْسَانِ. قَالَ:

كَأَنَّ دَنَانِيرًا عَلَى قَسِمَاتِهِمْ وَإِنْ كَانَ قَدْ شَفَّ الْوُجُوهَ لِقَاءُ وَالْقَسَامُ، فِي شِعْرِ النَّابِغَةِ: [شِدَّةُ الْحَرِّ] . وَالْأَصْلُ الْآخَرُ الْقَسْمُ: مَصْدَرُ قَسَمْتُ الشَّيْءَ قَسْمًا. وَالنَّصِيبُ قِسْمٌ بِكَسْرِ الْقَافِ. فَأَمَّا الْيَمِينُ فَالْقَسَمُ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: أَصْلُ ذَلِكَ مِنَ الْقَسَامَةِ، وَهِيَ الْأَيْمَانُ تُقْسَمُ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ إِذَا ادَّعَوْا دَمَ مَقْتُولِهِمْ عَلَى نَاسٍ اتَّهَمُوهُمْ بِهِ. وَأَمْسَى فُلَانٌ مُتَقَسِّمًا، أَيْ كَأَنَّ خَوَاطِرَ الْهُمُومِ تَقَسَّمَتْهُ.وَمِمَّا شَذَّ عَنْ هَذَا الْبَابِ: الْقَسَامِيُّ، وَهُوَ الَّذِي يَطْوِي الثِّيَابَ أَوَّلَ طَيِّهَا، ثُمَّ تُطْوَى عَلَى طَيِّهِ. قَالَ:

طَيَّ الْقَسَامِيُّ بُرُودَ الْعَصَّابْ

يُقَالُ إِنَّ الْعَصَّابَ: الْغَزَّالُ.
5078- مقسم زوج بريرة
س: مقسم زوج بريرة أورده جَعْفَر المستغفري.
2591 وروى عن مُحَمَّدِ بْنِ عجلان، عن يَحْيَى بْن عروة بْن الزبير، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كَانَ فِي بريرة ثلاث سنن، قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيها: " الولاء لمن أعتق "، وَكَانَ زوجها عبدا يقال لَهُ: مقسم، فلما عتقت قلت لَهَا: ألم تعلمي أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إنك أملك بأمرك ما لَمْ يطأك "، وما أحب أن تفعلي، قالت: لا حاجة لي بِهِ.
والأخرى شأن الصدقة حين قَالَ: " بلغت محلها ".
كذا سماه فِي هَذَا الحديث، والمشهور فِي اسمه أَنَّهُ مغيث.
والله أعلم.
أخرجه أَبُو موسى.
يقسم القسم الأول بأنه خاص بتراجم الذين وردت صحبتهم بطريق الرواية عنهم أو عن غيرهم، ومهما كانت الطريق صحيحة أو حسنة أو ضعيفة، وشملت تراجم هذا القسم أولئك الذين وقع ذكرهم بما يدل على الصحبة بأي طريق كان.
وكان قد رتّب هذا القسم بادئ ذي بدء على ثلاثة أقسام، ثمّ بدا له أن يجعله قسما واحدا، على أنّه ميّز في كل ترجمة ما إذا كانت الطريق التي وردت بها صحبة الصحابي صحيحة أو حسنة أو ضعيفة، ولذلك فالقراءة في كتاب الإصابة تستوجب يقظة وتركيزا وإمعانا والقارئ مطالب بذلك إن شاء الوصول إلى الدقة والصواب.
2 القسم الثّاني:
وخصّص القسم الثاني لتراجم من ذكر في الصحابة من الأطفال الذين ولدوا في عهد النبي ﷺ لبعض الصحابة من النساء والرجال وقد مات النبي ﷺ وهم دون سن التمييز وبين أن ذكر هؤلاء الصحابة إنما هو على سبيل الإلحاق لغلبة الظنّ على أنه- ﷺ رآهم، وهذه الفكرة إنما تستند إلى أنّ الصحابة- رضي اللَّه عنهم- كانوا حريصين على إحضار أولادهم عنده عند ولادتهم ليحنكهم ويسميهم تبركا به، والأخبار بذلك شهيرة، واستند ابن حجر في
تثبيت هذه الفكرة على أحاديث صحيحة وردت في صحيح مسلم وفي مستدرك الحاكم، وكتاب الصحابة لابن شاهين.
وأعطى المبرر الّذي دعاه إلى إفرادهم عن أهل القسم الأول بقوله: «لكن أحاديث هؤلاء عنه- أي عن النبي ﷺ- من قبيل المراسيل عند المحققين من أهل العلم بالحديث.
3، القسم الثّالث:
والقسم الثالث خاصّ بتراجم أولئك الذين ذكروا في الكتب من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، ولم يرد في خبر قط أنهم اجتمعوا بالنبيّ ﷺ ولا رأوه، سواء أسلموا في حياته أم لا. وهؤلاء ليسوا أصحابه باتفاق أهل العلم بالحديث على الرغم من أن بعضهم قد ذكر في كتب معرفة الصحابة، لكن مصنفيها أفصحوا بأنهم لم يذكروهم إلّا بمقاربتهم لتلك الطبقة، ولم يجزموا بأنهم من أهلها. ومن هؤلاء المصنّفين أبي حفص بن شاهين (ت 385 هـ) وأبي عمر بن عبد البر (ت 463 هـ) .
وأحاديث هؤلاء عن النبي ﷺ مرسلة بالاتفاق بين أهل العلم بالحديث.
4 القسم الرّابع:
وهو خاص بتراجم أولئك الذين ذكروا في الكتب على سبيل الوهم والغلط وبيان ذلك بالأدلة وبأسلوب أهل الحديث وطرائقهم.
ولم يذكر فيه إلّا ما كان الوهم فيه بيّنا، وأمّا مع وجود احتمال عدم الوهم فلم يلجأ إلى ذكره، إلّا إذا كان ذلك الاحتمال يغلب على ظنّه بطلانه قال ابن حجر: «وهذا القسم الرابع لا أعلم من سبقني إليه، ولا من حام طائر فكره عليه، وهو الضالة المطلوبة في هذا الباب الزاهر، وزبدة ما يمخضه من هذا الفن اللبيب الماهر.
والحق أنّ ابن حجر لم يسبق في إفراد تراجم الذين ذكروا على سبيل الوهم، إلّا أن الذين سبقوه أشاروا إلى بعض هؤلاء من خلال ترجمتهم في الصحابة، لكنه لم يسبق أيضا في بيان سبب الوهم أو الذهول مع تحقيق فريد. ولقد حدّد تلميذه البقاعي ذلك بقوله:
«.... بما لم يسبق إلى غالبة»
.
وهذا نهج جديد أدخله ابن حجر على التصنيف في علم معرفة الصحابة تمخّض عن نتائج خطيرة.
ميزات القسم الرّابع في كتاب «الإصابة»
يتمثل في هذا القسم جانب الأصالة والإبداع، كما تتجلّى فيه قابلية ابن حجر النقدية وقراءاته الواسعة.
وفيه صحّح أوهاما، وحلّ معضلات فكرية، قد تكون صغيرة ولكنها مهمة، تواردت على ألسنة الحفاظ، وصفحات كتب المصنفين.
أما أنواع الأخطاء التي صححها فهي كثيرة يمكن حصرها بالآتي:
1- الكشف عن التّحريف والتّصحيف في الأسماء أشار إلى التحريف أو التصحيف الّذي اعترى الأسماء، ولا يسع الباحث هنا إلّا إعطاء نماذج منها فقط في ترجمة سديد مولى أبي بكر (الترجمة/ 3740) قال: «هكذا وقع في «التجريد» وإنما هو بالمعجمة. فترجم لها ابن حجر في حرف الشين المعجمة. وأن اسمه عامر بن مالك بن صفوان، فورد عند السابقين (عن صفوان) أو أن لفظة (ابن) تصحفت واوا فصار الواحد اثنين. كما أشار إلى التصحيف السمعي، والخط السمعي معا.
2- سقوط اسم من السند، أو سقوط أداة الكنية، أو حرف جر أو زيادة اسم في النسب، وفي كل هذه الحالات تظهر أسماء تؤدي إلى الوهم.
3- توهم الرّواة صحبة الرجل، لأنه أرسل حديثا، وعدم التمييز بين المسند والمرسل.
4- تعدد الأسماء أو الكنى، وعدم التمييز بينها، فيذكر الرجل المترجم مرة بالكنية، ومرة بالاسم أو اللقب، فتتكرر ترجمة الصحابي على أنه اثنين وهو في الحقيقة واحد وكذلك المغايرة بين اسمين أو كنيتين، أو الجهل بوجود لقبين للمترجم مثل عامر بن مالك الكعبي هو القشيري.
أو أن ينسب الراويّ إلى جدّه أو اعتماد المنصفين السابقين ل «ابن حجر» على نسخ محرفة فنشأ الخطأ عن تغيير في الاسم، فيتغير «محمية» إلى «محمد» أو اسم رجل ذكروه في النساء أو خطأ نشأ عن زيادة اسم وتغيير آخر.
5- منهم من مات قبل المبعث، وذكر في الكتب على أنه صحابي مثل «سيف بن ذي يزن» .
6- الأخطاء الناجمة عن سقط وقلب، كما في ترجمة «عمرو السعدي» الّذي ذكره المصنفون السابقون،
وأوردوا من طريق إسماعيل بن عبد اللَّه بن أبي المهاجر عن عطية بن عمرو السعدي عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «لا تسأل الناس شيئا وسل اللَّه مسئول ومنطي»
وهذا هو عطية بن عمرو السّعديّ عن أبيه.
7 تشابه الأسماء أدّى إلى الوهم أحيانا.
8- أخطاء نشأت عند عدم تأمل أو سوء فهم أو أن حقه أن يذكر في «المبهمات» فذكر في المصنفات السابقة في الأسماء كما في حديث من طريق يزيد بن نمران قال: «رأيت بتبوك رجلا مقعدا» فأورده جعفر المستغفري في الأسماء باسم «المقعد» فرد عليه ابن حجر هذا وهم، وإنّما هي صفة، ومحله أن يذكر في «المبهمات» أو هو اسم جنس فيظن أنه اسم رجل، وليس كذلك كما في ترجمة «هديل» .
9- اختلاف الأسماء من قبل بعض الكذابين مثل معمّر، وعبد النور الجني، وأبو الحسن الراعي، ومكلبة الخوارزمي، وغيرهم.
10- وأشار ابن حجر في القسم الرابع إلى أخطاء تدل على انتباه شديد، ويلاحظ ذلك في ترجمة آبي اللحم الغفاريّ الّذي توهم الترمذي وأبو عمر بجعل «آبي اللحم» كنية، وهي ليست كنية، لكنها صارت كالكنية، وقيل: إنما قيل له ذلك، لأنه كان لا يأكل اللحم ثم قال بعد أن ذكر الذين ترجموه أو ذكروه: «وكل ذلك خطأ وجعله في حرف الهمزة على تقدير أن يكون خطأ آخر وإنما حقه أن يكون في اللام، لأن الألف والباء إن كانت أداة الكنية فالاعتبار في ترتيب الحروف بما بعدها وقد مشى على ذلك «الدولابي» و «ابن السكن» و «ابن مندة» فذكروه في حرف اللام من الكنى، وأنكر ذلك أبو نعيم على ابن مندة فأصاب.
وهكذا جاء القسم الرابع من كل حرف في كتاب «الإصابة» نهجا جديدا فأوضح اللبس وأزال الغموض الّذي رافق الكثيرين من المصنفين، وارتفع بمستوى الكتابة في علم معرفة الصحابة إلى درجة عالية، ويمكن اعتباره مرحلة أعلى متطورة في هذا اللون من التصنيف.
وقال الأستاذ الدكتور شاكر محمود عبد المنعم:
وفي هذه المرحلة من البحث يبرز السؤال الآتي: إلى أي مدى استوعب كتاب «الإصابة» تراجم الصحابة؟
لقد ذكر ابن حجر في مقدمته الوجيزة ل «الإصابة» عددا من المصنفين في هذا الباب، وانتقد قسما منهم، فذكر ابن عبد البر وكتابه الّذي سماه «الاستيعاب» لظنه أنه استوعب ما في كتب السابقين، ومع ذلك ففاته شيء كثير، وذكر الذيول عليه، ثم ذكر كتاب «أسد الغابة» ل «ابن الأثير» وانتقده إلى أن قال: «ثم جرد الأسماء التي في كتابه مع زيادات عليها الحافظ أبو عبد اللَّه الذهبيّ، وعلم لمن ذكر غلطا، ولمن لا تصح صحبته، ولم يستوعب ذلك ولا قارب» .
وقد وقع ل «ابن حجر» كثير من الأسماء ليست في كتاب «الذهبي» ولا أصله، فجمع كتابا كبيرا في ذلك ميز فيه الصحابة من غيرهم وكما مر آنفا إلا أنه قال: «ومع ذلك فلم يحصل
لنا من ذلك جميعا الوقوف على العشر من أسماء الصحابة بالنسبة إلى ما جاء عن أبي زرعة الرازيّ قال: توفّي النبي ﷺ ومن رآه وسمع منه زيادة على مائة ألف إنسان من رجل وامرأة كلهم قد روى عنه سماعا أو رؤية»
.
علما بأن أبا زرعة أجاب بذلك عن سؤال من سأله عن الرواة خاصة فكيف بغيرهم؟
ومع هذا فجميع من في «الاستيعاب» يعني ممن ذكر فيه باسم أو كنية أو وهما ثلاثة آلاف وخمسمائة واستدرك عليه ابن فتحون على شرطه قريبا من هذا العدد.
وقرأ ابن حجر بخط «الذهبي» من ظهر كتابه «التجريد» لعل الجميع ثمانية آلاف إن لم يزيدوا لم ينقصوا، ثم رأى بخطه أن جميع من في «أسد الغابة» سبعة آلاف وخمسمائة وأربعة وخمسون نفسا.
على أن قول أبي زرعة وجد له تأييدا في رواية عن كعب بن مالك في قصة «تبوك» الواردة في الصحيحين وهي قوله: «والناس كثير لا يحصيهم ديوان» .
وثبت عن الثوري فيما أخرجه الخطيب بسنده الصحيح إليه قال: من قدم عليّا على عثمان فقد أزرى على اثني عشر ألفا، مات رسول اللَّه ﷺ وهو عنهم راض فقال النّوويّ:
وذلك بعد النبي ﷺ باثني عشر عاما بعد أن مات في خلافة أبي بكر في الرّدة والفتوح الكثير ممن لم تضبط أسماؤهم، ثم مات في خلافة عمر في «الفتوح» وفي الطاعون العام وعمواس وغير ذلك من لا يحصى كثرة وسبب خفاء أسمائهم أن أكثرهم أعراب، وأكثرهم حضروا حجة الوداع واللَّه أعلم.
على أن عدد تراجم الإصابة يزيد على 12304 بما في ذلك المكرر بسبب الاختلاف بالاسم أو الكنية أو اللقب وكذلك يشمل هذا العدد أولئك الذين ذكروا في الصحابة على سبيل الوهم.
مما تقدّم يتضح بأن ليس بمقدور أحد أن يستوعب تراجم الصحابة ولا خمس عددهم للأسباب المشار إليها آنفا.
وتجدر الإشارة إلى أن ما شهده حقل معرفة الصحابة من ظهور الاستدراكات والتذييل وبيان الأوهام على المصنفات فيه يعطي دليلا على شعور المهتمين بهذا اللون من التصنيف بأن هناك حيزا لا بد أن يملأ ولكن بعد أن نشر الحافظ ابن حجر كتاب «الإصابة» في نهاية النصف الأول من القرن التاسع الهجريّ لم تشر المصادر إلى كتاب ألف عن معرفة الصحابة، كما لم يظهر تذييل ولا استدراك على الإصابة، وهذا قد يفسر الجهد الضخم
المبذول فيه، والاستقصاء الفريد الّذي قام به ابن حجر وقال السيوطي عند ما ذكر «الإصابة» :
«كتاب حافل، وقد اختصرته وللَّه الحمد» . وسماه حاجي خليفة: «عين الإصابة» .
وقيل وقبل أن يشرع بأبواب الكتاب التي تضم باب الأسماء وباب الكنى، وباب النساء، وباب كنى النساء ذكر ثلاثة فصول مهمة تمس الحاجة إليها بمثل تصنيفه وتقع الفصول الثلاثة في ثماني صفحات، خصص الفصل الأول منها لتعريف الصّحابي، وبيّن أصح ما وقف عليه من ذلك وهو أن الصحابي: «من لقي النبي ﷺ مؤمنا به ومات على الإسلام» .
وشرح هذا التعريف بصفحتين ونصف شرحا وافيا جاء فيه على جميع الملابسات المحتملة من حيث لقيا النبي ﷺ أو الرّواية عنه أو عدمها، ومن لقيه كافرا ولو أسلم بعد ذلك؟ والإيمان به من الجن والإنس وماذا بشأن الملائكة؟ أو الّذي لقيه مؤمنا ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام كما ناقش الاحتمالات الأخرى إلى أن قال: «وهذا التعريف مبني على الأصح المختار عند المحققين كالبخاري وشيخه أحمد بن حنبل ومن تبعهما ووراء ذلك أقوال أخرى شاذّة» . كما أشار إلى تعريفات أخرى.
ثم بين ما جاء عن الأئمة من الأقوال المجملة في الصفة التي يعرف بها كون الرّجل صحابيّا، وإن لم يرد التنصيص على ذلك، وهي ثلاثة آثار:
1- أنهم كانوا في الفتوح لا يؤمّرون إلا الصحابة وقد استدل ابن حجر بهذا الرأي في أكثر من أربعين موضعا على أنه قال في موضع: «كانوا لا يؤمّرون في زمن الفتح إلا من كان صحابيّا، لكن إنما فعلوا ذلك في فتوح «العراق» فلذلك أذكر أمثال هذا في هذا القسم «وهو الثالث» .
2- لم يبق بمكة ولا الطائف أحد في سنة عشر إلا أسلم وشهد مع النبيّ ﷺ حجة الوداع واستدل ابن حجر بهذا الرّأي في أكثر من ستة وثلاثين موضعا، وقال في موضع:
«وقد ذكرنا غير مرّة أن من كان في عصر أبي بكر وعمر رجلا وهو من قريش فهو على شرط الصّحبة، لأنه لم يبق بعد «حجة الوداع» منهم أحد على الشرك وشهدوا «حجّة الوداع» مع النبي جميعا» .
وقال في موضع آخر: «ولم يبق بمكّة بعد الفتح قرشي كافرا كما مر، بل شهدوا «حجة الوداع» كلهم مع النبي ﷺ كما صرح به ابن عبد البرّ» .
وقال في موضع آخر: «وقد ذكرنا غير مرّة أنه لم يبق من قريش وثقيف ممن كان بمكة والطائف في «حجة الوداع» أحد إلّا أسلم وشهدها» .
وفي موضع آخر قال: «لم يبق بالحرمين ولا الطائف أحد في «حجّة الوداع» إلا أسلم وشهدها» .
وقال أيضا: «وقد تقدّم لم يبق ب «مكة» قرشي في سنة عشر إلا شهد «حجّة الوداع» كما قال: «وقد قدّمنا غير مرّة أن من أدرك النبي ﷺ وبقي بعده، وكان قرشيا أو حليفا لهم فقد شهد مع النبي ﷺ حجة الوداع» .
3- لم يبق من الأوس والخزرج في آخر عهد النبي ﷺ إلا من دخل الإسلام، وما مات النبي ﷺ وأحد منهم يظهر الكفر.
واستدل ابن حجر بهذا الرأي فيما يتعلق بتراجم الأنصار خاصة في القسم الثالث من كتاب «الإصابة» .
أما الفصل الثّاني فقد جعل عنوانه: «في الطريق إلى معرفة كون الشخص صحابيّا» .
وذلك بأشياء منها:
- أن يثبت بطريق التواتر أنه صحابي بالاستفاضة والشهرة، ثم بأن يروي عن آحاد من الصحابة أن فلانا له صحبة مثلا، وكذلك عن آحاد التابعين بناء على قبول التزكية من واحد وهو الراجح، ثم بأن يقول هو إذا كان ثابت العدالة والمعاصرة: أنا صحابي.
وحدد معنى العدالة والمعاصرة، وبين رأي الآمدي وأبي الحسن القطان، وابن عبد البر في هذين الشرطين وضرب الأمثلة لذلك.
وختم هذا الفصل بما أطلق عليه:
«ضابط يستفاد من معرفته صحبة جمع كثير يكتفي فيهم بوصف يتضمن أنهم صحابة وهو مأخوذ من ثلاثة آثار» .
وقد ذكرنا أنّهم كانوا لا يؤمّرون في المغازي إلا الصحابة وكان لا يولد مولود للصحابة إلا جاءوا به إلى النبي ﷺ فيحنكه ويسميه، ولم يبق بمكة والطائف أحد في سنة عشر إلا أسلم وشهد حجة الوداع.
أما الفصل الثّالث فقد خصصه ل «بيان حال الصّحابة من العدالة» .
وقد اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة، وأحال إلى الفصل الّذي كتبه الخطيب البغدادي في «الكفاية» في علم الرواية عن ثبوت عدالة الصحابة- رضوان اللَّه عليهم- بتعديل اللَّه لهم في القرآن، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم بآيات كثيرة يطول شرحها، وأحاديث شهيرة يكثر تعدادها، وجميع
ذلك يقتضي القطع بتعديلهم، ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل اللَّه له إلى تعديل أحد من الخلق.
على أنه لو لم يرد من اللَّه ورسوله فيهم شيء عن عدالتهم لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد ونصرة الإسلام، وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأبناء والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين القطع على تعديلهم، وأنهم أفضل من جميع الخالفين بعدهم والمعدلين الذين يجيئون من بعدهم.
هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتمد قوله ولا ينتقص منهم إلا زنديق، لأن الرسول حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة، وتجريحهم أو الانتقاص منهم يستهدف إبطال الكتاب والسنّة.
وذكر بعض الآيات والأحاديث في تفضيلهم، ومن الأخبار الدالّة على تعظيمهم عند الخلفاء الراشدين وغيرهم.
وختم الفصل بفائدة بين فيها أن أكثر الصحابة فتوى مطلقا سبعة فذكرهم، ثم أورد قولا لابن حزم يتعلق بإمكان جمع مجلد ضخم من فتيا كل واحد منهم جزء صغير وأن في الصحابة مائة وعشرين نفسا مقلّون في الفتيا يمكن أن يجمع من فتيا جميعهم جزء صغير بعد البحث وهؤلاء من فقهاء الصحابة.
ونبه إلى أنه جعل على كل اسم أورده زائدا على ما في تجريد الذّهبيّ، وأصله الحرف «ز» .
وبعد تحليل مقدمة «الإصابة» أورد الحديث عن السمات الرئيسية في منهجه.
الدّقّة في التّرتيب على حروف المعجم
قسم ابن حجر «الإصابة» على أربعة أقسام في كل حرف من حروف المعجم، فحرف الألف مثلا أربعة أقسام وكذلك الباء والتاء وهلم جرا إلى الياء آخر الحروف.
وتظهر الأقسام الأربعة في أسماء وكنى الرجال وأسماء وكنى النساء مرتبة على حروف المعجم أيضا.
وفي داخل القسم الواحد من كل حرف يظهر الترتيب الهجائي مراعيا الحرف الأول والثاني والثالث والرابع في اسم المترجم، واسم أبيه واسم جده، ولم يشذ عن ذلك إلا في حالات نادرة جدا.
وعند ما ذكر الأسماء المبدوءة ب «ذو» مثلا رتبهم على حروف المعجم بعد لفظ «ذو» .
وانتقد ابن حجر بعض من صنف في «الصحابة» لذكرهم جماعة من النساء في الكنى من غير أن يرد أن تلك الكنية موضوعة على تلك المرأة بل إذا ورد في خبر عنها أو عن غيرها أن لها ابنا اسمه «فلان» فيذكرونها بلفظ «أم فلان» .
قال ابن حجر: ومن حق ما هذا سبيله أن يقال: والدة فلان، ولا يقال «أم فلان» إلا إذا ورد أنها كنيت به، وقد كنى ابن حجر أسماءهن تبعا للمصنفين السابقين له، لكنه نبه على ذلك في كل ترجمة، ومن وضح أن لها اسما نبّه عليه أيضا، ومن ورد أن لها كنية تختص بها أعاد ترجمتها في القسم الرابع، وهذا واحد من الأسباب التي أفضت إلى التكرار في التراجم.
الضّبط بالحروف والتّعريف بالمواضع
ضبط ابن حجر الأسماء والألفاظ بالقلم في الغالب وكأنه أحس بضرورة تقييد بعضها بالحروف وخاصة أن كثيرا من الأسماء جاهلية أو غريبة تصعب قراءتها ولا يؤمن التحريف أو التصحيف فيها، على أنه لم يضبط جميع ما يحتاج إلى الضبط، ولعل ذلك يرجع إلى حرصه على الاختصار من جهة وتصنيفه كتابا في المشتبه الّذي سماه «تبصير المنتبه بتحرير المشتبه» والّذي انتهى من تحريره في سنة 816 هـ، وقد يشير إلى أن اللفظ المعين قد ضبطه الأمير ابن ماكولا أو غيره.
ومع ذلك فإنه قيد بالحروف بعض الأعلام والألفاظ وهي إما أن تكون أسماء في سلسلة نسب المترجم أو أسماء أو ألفاظا تمر أثناء حديثه عرضا، وقد تكون أسماء لمواضع.
وفي مواضع قليلة عرف بالأعلام البلدانية والمواضع التي يرد ذكرها في أثناء التراجم، وقد يفسر بعض الألفاظ من الناحية اللغوية أو البلاغية.
التّكرار في تراجم الإصابة
أسفرت طبيعة المنهج الّذي التزم به ابن حجر في «الإصابة» عن ظاهرتين برزتا في كتاب «الإصابة» .
الأولى: التكرار في بعض التراجم.
والثّانية: خلو بعض الأقسام في بعض الحروف من التراجم أما بالنسبة لتكرار التراجم
فذلك لأسباب عدة، منها أن ابن حجر التزم أن يذكر في القسم الأول كل من وردت صحبته بطريق الرواية عنه أو عن غيره، سواء أكانت الطريق صحيحة أم حسنة أم ضعيفة أو وقع ذكره بما يدل على الصحبة وبأي طريق كان، فهو يورد لذلك الترجمة في القسم الأول على هذا الأساس، ولكنه يناقش خلال ذلك الطرق وتثبت منها ويكتشف الذين ذكروا في الصحابة على سبيل الوهم، فهو يعيد ترجمة المذكور في الصحابة وهما في القسم الرابع في الغالب، ولكن إذا أدى فحصه للروايات إلى أن صحبة المترجم محتمله فإنه لا يكرر الترجمة ويكتفي بمناقشته للجوانب الضعيفة فيها.
وممّا أدى إلى التكرار أن لبعضهم اسمين أو ثلاثة أسماء قد تكون حقيقية، وقد يكون التصحيف أو التحريف أو الوهم قد وجد سبيله إلى واحد منها فصيره اثنين أو ثلاثة. فترى ابن حجر يترجمه في موضعين أو ثلاثة تبعا لتصحيفه في الحرف الّذي يبدأ به اسمه، لكنه يوضح ذلك ويحيل إلى ما أورده سابقا أو سيأتي به لاحقا مما يتعلق بالمترجم، وهنا لا بد من التوضيح أن ضبط أسماء الصحابة وأنسابهم يتطلب يقظة وحذرا أكثر من غيرهم، لأن أسماءهم لم تدوّن إلا في فترة متأخرة ناهيك بأن بعض أسمائهم أو أسماء آبائهم جاهلية وقد تكون غير مألوفة بالنسبة للمتأخرين، وهذا مما يجعل مسألة اللبس أو الوهم فيهم محتملة، وهذا ما لاحظته في دراسة «الإصابة» .
وقد يكون بعض من صنف من السابقين لابن حجر قد أفرد ترجمتين لاثنين بناء على اختلاف اسميهما وهما في الحقيقة واحد.
وفعل مثل ذلك بالنسبة للمشهورين بكناهم فترجمهم في الأسماء وفي الكنى، وأحال إلى مواضع ورود تراجمهم في الكتاب رجالا كانوا أم نساء.
وقد يترجم لصحابي مثل حذيفة بن اليمان- رضي اللَّه عنه- ولكن ورد أن النبي ﷺ خاطبه باسم «خاطب» فإنه يكرر ترجمته تحت الاسمين.
وكذلك إذا ورد أن للمترجم رؤية والمشهور أنه من المخضرمين فإنه يكرر ترجمته مثل قيس بن أبي حازم الأحمسي الّذي ترجم له في القسم الثاني فيمن له رؤية وفي القسم الثالث مع المخضرمين، أو من لهم إدراك.
وقد تتكرر الترجمة حرفيّا، وقد يختلف فيها اللفظ ومخارج الحديث، وقد تقتصر الترجمة على ذكر الاسم كاملا أو الاسم والكنية فقط- كما في الترجمتين 2562، 2722- وهو في كل ذلك ينبه إلى ما تقدم أو إلى ما سيأتي لاحقا.
ورغم ذلك فإنه لم يكرر القصص أو الحوادث التي أوردها خلال ترجمة ما مكتفيا بالإحالة إليها وتحديد موضع ذكره لها من كتابه، بل لم يكرر النسب بطوله عند ما يترجم للإخوة والأخوات أو الآباء والأبناء.
أما الظاهرة الثانية التي ظهرت في منهج الحافظ ابن حجر في كتاب «الإصابة» فهي خلوّ بعض الأقسام في بعض الحروف من التراجم.
(والأمثلة على ذلك كثيرة منها مثلا: القسم الثّاني من حرف الذال، لم يذكر فيه أحد من الرجال والقسم الثاني من حرف الظاء لم يذكر فيه أحد من الرجال) أو اقتصار عدد التراجم على ترجمة واحدة أو ترجمتين- كما في القسم الثاني من حرف الشين المعجمة- ويلاحظ أن خلو بعض الأقسام في بعض الحروف من تراجم النساء وكناهن بدرجة أكبر.
فمثلا جاءت جميع الأقسام في حرف الذّال المعجمة من تراجم النساء خالية عدا ترجمة واحدة في القسم الأوّل، على حين وردت الإشارة إلى أن هذا الحرف في «الاستيعاب» خال من النساء.
الحوالات في «الإصابة»
لقد حرص ابن حجر على الاحالة إلى ما سبق ذكره وإلى ما سوف يأتي لاحقا في «الإصابة» ولا يفتأ ينبه القارئ على ذلك.
فقد يذكر طرفا من خبر أو قصّة احتاج إليه في موضع ثم يحيل إلى الموضع الّذي وردت فيه كاملة.
وعند ما يترجم ل «إبراهيم» مثلا في القسم الأول، ويوجد غيره بنفس الاسم، لكنه يقع منهجيا ضمن تراجم القسم الثاني فإنه يذكره ويشير إلى أن ترجمته تأتي في القسم الثاني وكذا فعل بالنسبة للذين يترجم لهم ضمن القسم الواحد إلا أنه رتبهم منهجيّا في الكنى- كما فعل في ترجمة إبراهيم أبو رافع مولى النبي ﷺ.
وذكر ترجمة رباح بن قصير اللخمي في القسم الأول ثم أورده في القسم الثالث وقال:
«تقدم في القسم الأول وهو من هذا القسم على الصحيح أما عن إحالته إلى التراجم التي سبقت أو التي ستأتي فهي كثيرة مما يشعر بالدّقة والاحتياط، وممّا يقوي هذا الرأي أنه يحدد الموضع الّذي يحيل إليه كأن يقول: تقدّم في أكثم» من القسم الثالث أو يأتي في عديد أو عفيف، أو قوله عن النجاشي ملك الحبشة: «اسمه أصحمة تقدم في حرف الألف» ، أو عن قرظة بن عبد القرشي قال: «ينظر في ترجمة ابنته فاختة زوج معاوية في كتاب النساء» أو
يأتي في حرف النون في ترجمة والده بعد أن ذكر اسمه أو كقوله «ووقع ذكر الشريد من بني سليم في شعر هوذة الآتي ذكره في حرف الهاء» .
وفي ترجمة سويبق بن حاجب بن الحارث قال: «وهو سبيع الّذي تقدّم ذكره ولم ينبه عليه» .
وفي تراجم الإخوة والأخوات والآباء والأبناء ذكر النسب في موضع واحد وأحال عليه.
وإذا سبق في التراجم اسم بشكل عرضي فإنه يحيل إلى ترجمته ويبين موضعها، وكذلك الحديث أو الرواية المتشابهة، كما استعمل في الإحالة عبارات مثل: «سيأتي في القسم الثالث» ، أو سأوضح ... ذلك في العبادلة» أو «قد مضى القول فيه في القسم الأوّل» .
وأحال إلى بعض مصنفاته مثل شرح البخاري «فتح الباري» وكتاب «الأوائل» و «تعليق التعليق» و «لسان الميزان» و «أسباب النزول» و «تهذيب التهذيب» وكتاب «المعمرين» و «العشرة العشارية» و «الأربعين المتباينة» وكتاب «معرفة المدرج والبناء الجليل بحكم بلد الخليل» و «مبهمات القرآن» وبعض الأجزاء المفردة.
وجميع هذه الإحالات توضح حرصه على الاختصار، لأنه يذكر طرفا من الحديث أو القصة أو الخبر ثم يشير إلى أنه قد استوفاه في مصنف آخر.
اعتماد الحافظ ابن حجر على مؤلّفات من سبقه في كتابه «الإصابة»
وقف ابن حجر في نهاية تطور طويل لعلم معرفة الصحابة وقد سبقه عدد كبير من المصنفين في هذا الباب، وأشار هو في مقدمة كتابه، «الإصابة» إلى سبعة وعشرين منهم، ثم قال: «وفي أعصار هؤلاء خلائق يتعسر حصرهم» وكان ذلك إلى أوائل القرن السابع الهجريّ ثم ظهرت مصنفات أخرى كثيرة، فاستفاد ابن حجر من المصنفات السابقة له في هذا الباب، سواء أكانت خاصة بالصحابة أم تحدثت عنهم بشكل عرضي في المصنفات الخاصة بالعلوم والآداب المختلفة، على أنه اقتبس من موارد تزيد على ستين مصنفا منفردا عن الصحابة وأغلبها تملك حق روايتها بالسماع وبالإجازة الخاصة كما يبين ذلك في كتابه «المعجم المفهرس» و «المعجم المؤسس» .
وقد بذل جهدا عظيما في استقصاء أسماء الصحابة من المصنفات وتخريج تراجمهم بصرف النظر عن كون المصنفات موثقة أو ضعيفة، وفي أي فرع كانت من فروعه المعرفة وذلك بسبب التقسيم الّذي ابتكره، وتخصيصه القسم الرابع من كل حرف لتراجم الذين ذكروا على سبيل الوهم في الصحابة، فجمع مادة كتابه من المصنفات والأجزاء الحديثية والنسخ، وحواشي الكتب والتعليقات، وكل ما يخطر على البال.
على أنه انتقد المصادر التي اعتمد عليها، وبين جوانب الضعف والقوّة فيها كما نقد الأسانيد والروايات فهو يورد الرواية الضعيفة أحيانا ليستدل بها على عنصر من عناصر الترجمة كوفاة صاحبها مثلا فيقول: «وهذه الرواية وإن كان فيها خطأ في التسمية لكن يستفاد منها أن صاحب القصة عاش إلى أن سمع منه القاسم واللَّه أعلم» .
وذكر حديثا ثم قال: «وفي سنده الواقدي وهو واه» أو كقوله: «رواه الواقديّ وهو كذّاب» .
وعند ما يقتبس من ابن سعد صاحب «الطبقات» يقول: «روى ابن سعد بسند فيه الواقديّ» وقد كرر ذلك كثيرا خلال اقتباسه من كتاب «الطبقات» واقتبس من كتاب «الضعفاء» ومن نسخ وأجزاء اشتملت على أحاديث موضوعة، ولكن لغرض مناقشتها والتنبيه عليها.
ويبين وجه الوهم ومن الّذي وهم فيه؟ كما في ترجمة «ديلم الحميري» 2412 ثم سبب الوهم، فهو لا يكتفي بالإشارة إليه فقط، وللاستدلال على ذلك يمكن الرجوع إلى تراجم القسم الرابع من كل حرف ولقد بيّن أوهام عدد من العلماء الأفذاذ مثل محمد بن إسحاق المطلبي، ومحمد بن عمر الواقدي، وأبي حاتم محمد بن عمر بن إدريس الرازيّ، وعبد اللَّه بن مسلم بن قتيبة، وعبد اللَّه بن محمد المروزي الملقب عبدان، وأبي القاسم عبد اللَّه بن محمد البغوي، وأبي القاسم الطبراني، وأبي أحمد الحاكم، وأبي عبد اللَّه الحاكم النيسابورىّ وأبي نعيم الأصبهاني، وأبي العباس جعفر بن محمد المستغفري، وأبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي وأبي عمر بن عبد البر، وأبي القاسم بن عساكر، وأبي موسى المديني، وأبي الحسن بن الأثير، وأبي عبد اللَّه الذهبي وغيرهم كثير.
تلك نماذج قليلة لتوضيح بعض ما صحح ابن حجر من أوهام الذين سبقوه، وهم أفذاذ لهم مكانتهم المرموقة في أعصارهم، وفي هذا دلالة بيّنة على رسوخ قدمه وسعة أفق تفكيره.
فذكر ما قاله البغوي وابن شاهين وابن عبد البر وأبو موسى وابن الأثير وقال: «وقد تم
الوهم عليهم جميعا، وسببه أن الإسناد الّذي ساقه البغوي سقط منه والد أزهر واسم الصحابي.. إلخ»
.
وفي موضع آخر أورد رأي جعفر المستغفري ثم قال: هكذا أورده أبو موسى وهو وهم ابتدأ به جعفر وتبعه أبو موسى، وراج على ابن الأثير مع تحققه بمعرفة النسب وقلّده الذهبي» ثم بين وجه ذلك الوهم.
وأشار إلى أنواع من الأخطاء منها ما يتعلق بالتحريف والتصحيف، وهذا ما يبرز بوضوح في تراجم القسم الرابع من كل حرف، ومنها ما يتعلق بقراءة الاسم كأن يكون أحد المصنفين قرأه بالجر وهو بالرفع، وبنى على قراءته المغلوطة حكما يستوجب التصحيح.
وقد بيّن تناقض الروايات وتدافعها، وميز الروايات الشاذّة التي تفرد بها شخص معين وذكره بالاسم، وأزال بعض الإشكال الوارد في الروايات.
ورد أحكاما لابن الفرضيّ على ابن وهب في رواية حديث الخليطين، وتحريم المسكر، ولابن الأثير على الشعبي في رواية أخبار المختار الثقفي، ولابن عبد البرّ في حديث زعم أنه مضطرب، وليس كما قال، لأن «شرط الاضطراب أن تتساوى الوجوه في الاختلاف وأما إذا تفاوتت فالحكم للراجح بلا خلاف» .
كما تعقب كثيرا من المصنفين، فمثلا في ترجمة سويد بن حنظلة قال قال أبو عمر: لا أعلم له غير هذا الحديث، فقال ابن حجر: «قلت:
أخرجه أبو داود وابن ماجة ولفظه: «المسلم أخو المسلم»
[ (1) ] :
وقال ابن عبد البرّ، لا أعلم له نسبا، قال ابن حجر: «قلت: قد زعم ابن حبان أنه جعفي..» .
وفي ترجمة شطب المدود ذكر سؤاله للنّبيّ ﷺ ثم أورد رأي ابن السكن في أن الحديث المشار إليه لم يروه غير أبي نشيط فقال ابن حجر «وهو حصر مردود» .
ثم بين من أخرجه.
وقال في موضع من الإصابة:
قال البغويّ وابن السكن: ليس للأسود غير هذين الحديثين لكنه قال: وقد وجدت له ثالثا أخرجه البزّار ... وله رابع، قال البخاري في تاريخه ...
ويسترسل أحيانا بذكر القصة أو الخبر ومن أخرجها من المصنفين، وقد تكون القصة واحدة لواحد اختلف في اسمه واسم أبيه على أكثر من عشرة أوجه، فتراه يشير إلى هذه الأوجه، وقد يورد قصصا ثم يبين التغاير بينها فيظهر فيها الإشكال ثم يناقشها ويرجح ما استطاع.
وفي ترجمة عروة بن مسعود الثقفي أشار إلى ترجمة ابن عبد البر له وقوله بأنه شهد الحديبيّة وهو كذلك غير أن ابن حجر قال: «لكن في العرف إذا أطلق على الصحابي أنه شهد غزوة كذا يتبادر أن المراد أنه شهدها مسلما فلا يقال: شهد معاوية بدرا، لأنه لو أطلق ذلك ظن من لا خبرة له لكونه عرف أنه صحابي أنه شهدها مع المسلمين» .
وعند ما ذكر أبا بشر السّلمي وساق حديثا أشار إلى أن أبا موسى ذكر أنه- أي الحديث- مشهور عن أبي اليسر ثم قال: «قال: لكن مخرج الحديث مختلف وإذا تعددت المخارج كان قرينة على تعدد الرّاوي بخلاف ما إذا اتحدت ولا مانع أن يروى الحكم عن صحابيين وقرينة اختلاف السياقين أيضا ترشد إلى التعدد واللَّه أعلم.
وناقش الأحاديث سندا ومتنا وبين درجتها، وقد يحيل إلى أن بيان علة الحديث في مكانه غير الّذي ذكره فيه من كتابه ونقد طرق الأحاديث.
واستعمل عبارات للتوهية والتضعيف كقوله: واهي الحديث، أو ضعيف، أو هالك، واستل أحيانا بعض الضعفاء من السند مشيرا إليهم بالضعف، وبين الاختلال أو الاضطراب في بعض الأسانيد ككل.
وناقش صحبة الصحابي كما في مناقشته لصحبة مروان بن الحكم، وقد يناقش الصحبة مناقشة طويلة ثم يقول: «فما أدري أله صحبة أم لا»
.
وفي ترجمة رحضة الغفاريّ أبدى بعض التحفظ في إثبات صحبته وقال: «لا أعرف لأبي عمر مستندا في إثبات صحبة رحضة، وابنه إيماء، وابنه خفاف وقد ثبت في صحيح البخاري، عن عمر ما يدلّ على أن لابن خفاف صحبة، فإن ثبت ذكر أبو عمر فهؤلاء أربعة في تسعة لهم صحبة، رحضة وابن إيماء وابن خفاف فهم نظير ابن أسامة بن زيد بن حارثة، وابن سلمة بن عمرو بن الأكوع ... » .
وقد يسوق حديثا في أثناء الترجمة ثم يقول: «ليس في سياق الحديث ما يدل على صحبته» كأن يكون الحديث مرسلا أو يعتمد على المصنفين السابقين بذكر حديثين في الترجمة الواحدة وليس في واحد منهما تصريح بسماعه النبي ﷺ ولا بوفادته.
ثم ناقش رأي بعض المتقدّمين عن إبراهيم بن سيد البشر ﷺ «أنه لو عاش لكان نبيّا» فوصفه بأنه باطل وجسارة على الكلام على المغيبات ومجازفة وهجوم على عظيم ثم قال:
«وهو عجيب مع وروده عن ثلاثة من الصحابة، وكأنه لم يظهر له وجه تأويله فبالغ في إنكاره، وجوابه أن القضية الشرطية لا تستلزم الوقوع ولا تظن بالصحابي أنه يهجم على مثل هذا بظنه واللَّه أعلم» .
وكثيرا ما استعمل عبارة واللَّه أعلم أو العلم عند اللَّه تعالى.
ودلت مناقشاته للأنساب على معرفة كبيرة بها، كما نقد أحيانا الشعر الّذي يورده فيبين من أين استقى الشاعر معانيه وأوضح بعد ألفاظه وبين أبلغها.
وإذا ما كان ابن حجر قد اعتمد على المصنفات السابقة وأثبت بالأدلة الذين ذكروا فيها على أنهم صحابة وليسوا كذلك فإنه أضاف قائمة جديدة من الصحابة أو أسمائهم وقعت له بالتتبع غابت عن أذهان الكثيرين، كأن يكون الاسم ورد في شعر أو في قصّة أو لم يذكروه في الصحابة وهو على شرطهم، أو لا رواية له لكونه شهد فتح مصر أو لا رواية له إنما استخرج من المغازي أو لم ير من ذكره في الصحابة إلا أنه وجد ما يدل على ذلك بقراءته في كتاب «الأمثال» للمفضل الضّبي، أو في تعليقة القاضي حسين بن محمد الشافعيّ شيخ المراوزة أو في تاريخ جمعه العباس بن محمد الأندلسي للمعتصم بن صمادح أو في ديوان حسان صنعة أبي سعيد السكري كما في الترجمة 2624 ز أو استنتج ما يدل على كون المترجم صحابيّا وأغفلوا ذكره في الصحابة.
واقتصر بعض المصنفين السابقين (ابن حجر) في الصحابة على ذكر بعض الصحابة أو الصحابيات مع بعضهم لعلاقة ما تربطهم على حين أفرد هو لهم تراجم مستقلّة.
تلك أمثلة توضيحية فقط، لكنه استعان في إثبات صحبة الصحابي بما يمكن أن نسميه قواعد هي في حقيقتها ثلاثة آثار أشار إليها في الفصل الثالث من مقدمته للإصابة، وقد تقدّم الحديث عنها. وهي:
1- كانوا لا يؤمّرون في المغازي إلا الصحابة، ومن تتبع الأخبار الواردة في «الردّة» والفتوح وجد من ذلك شيئا كثيرا، وهم من القسم الأول.
2- كان لا يولد لأحد مولود إلا أتى به إلى النبي ﷺ فدعا له، وهذا يؤخذ منه شيء كثير أيضا وهم من القسم الثّاني.
3- لم يبق بمكة والطائف أحد في سنة عشر إلا أسلم وشهد حجة الوداع.. ويعرف الواحد منهم بوجود ما يقتضي أنه كان في ذلك الوقت موجودا، وأن الأنصار لم يكن منهم لما مات النبي ﷺ أحد إلا أسلم.
ولذلك فإنه استعان بهذه القواعد في تحديد صحبة الصحابي، وأشار إلى ذلك كثيرا في تضاعيف كتابه الإصابة، ونبه إلى صحابة لم يترجم لهم المصنفون السابقون له من قبل.
إن هذه الإضافات أو الاستدراكات تعطي للإصابة- مع غيرها- صفات الإبداع بلا شك.
وصف نسخ الكتاب ومنهج التحقيق
اعتمدنا في نص الكتاب على النسخ الآتية:
الأولى: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (2) مصطلح حديث طلعت، تقع في خمسة أجزاء مسطرتها (3) سطرا ورمزنا لها بالرمز (أ) .
الثانية: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (4) مصطلح حديث، تقع في ثلاثة أجزاء بها ينص في مواضع منها مسطرتها (5) سطرا رمزنا لها الرمز (ب) .
الثالثة: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (6) مصطلح حديث، تقع في ثلاثة أجزاء مسطرتها (7) سطرا رمزنا لها بالرمز (ج) .
الرابعة: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (8) حديث، مكتوبة بخط واضح، تقع في ثلاثة أجزاء ورمزنا لها بالرمز (د) .
الخامسة: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (9) تاريخ تيمور، مسطرتها (10) سطرا، تقع في مجلدين رمزنا لها برمز (ت) .
السادسة: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (11) تقع في ثلاثة أجزاء ورمزنا لها بالرمز (ع) .
السابعة: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (12) تقع في مجلدين تقع في مجلدين، رمزنا لها بالرمز (هـ) .
الثامنة: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (13) مسطرتها (14) سطرا مكتوبة بخط مغربي، الموجود منها جزء واحد، رمزنا لها بالرمز (م) .
التاسعة: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (15) مسطرتها (16) سطرا، ورمزنا لها بالرمز (ل) .
وبعد فقد اعتمدنا أيضا على مطبوعتين:
الأولى: طبعة دار نهضة مصر.
الثانية: طبعة مطبعة السعادة.
وبعد مقابلة النسخ وإثبات فروقها غالبا قمنا بالآتي:
1 عزو الآيات إلى مواضعها.
2 تخريج الأحاديث ودرنا في ذلك على متن الحديث.
3 توثيق التراجم.
4 شرح للمعاني اللغوية بالرجوع إلى مصادر اللغة.
5 توثيق الأشعار مع ذكر بحر كل بيت.
6 الضبط الكامل للأحاديث والأشعار.
7 الكلام على البلدان المذكورة في النص.
8 وضع فهارس عامة للكتاب.
هذا وآخر دعوانا أن الحمد للَّه رب العالمين.
مقدمة
[قال شيخنا الإمام شيخ الإسلام، ملك العلماء الأعلام، حافظ العصر وممليه، وحامل لواء السنّة فيه، إمام المعدلين والمخرجين: أبو الفضل شهاب الدّين أحمد بن عليّ ابن محمّد بن محمّد بن عليّ بن أحمد بن حجر العسقلانيّ الشّافعيّ. أبقاه اللَّه [ (17) ] في خير وعافية] [ (18) ] .
الحمد للَّه الّذي أحصى كلّ شيء عددا، ورفع بعض خلقه على بعض، فكانوا طرائق قددا، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولم يكن له شريك في الملك ولا يكون أبدا، وأشهد أن [ (19) ] محمدا عبده ورسوله وصفيّه [ (20) ] وخليله. أكرم به عبدا سيّدا، وأعظم به حبيبا مؤيدا، فما أزكاه أصلا ومحتدا، وأطهره مضجعا ومولدا، وأكرمه أصحابا، كانوا نجوم الاهتداء، وأئمة الاقتداء، صلى اللَّه عليه وعليهم صلاة خالدة [ (21) ] ، وسلاما مؤبّدا [وسلّم تسليما] [ (22) ] .
أما بعد، فإن من أشرف العلوم الدينية علم الحديث النبويّ، ومن أجلّ معارفه تمييز أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ممن خلف بعدهم.
وقد جمع في ذلك جمع من الحفاظ تصانيف [ (23) ] بحسب ما وصل إليه اطلاع كل منهم، فأول من عرفته صنف في ذلك أبو عبد اللَّه البخاريّ: أفرد في ذلك تصنيفا، ينقل منه أبو القاسم البغويّ وغيره، وجمع أسماء الصحابة مضموما إلى من بعدهم جماعة من طبقة مشايخه، كخليفة بن خيّاط، ومحمّد بن سعد، ومن قرنائه كيعقوب بن سفيان، وأبي بكر ابن أبي [ (24) ] خيثمة، وصنف في ذلك جمع بعدهم كأبي القاسم البغويّ، وأبي بكر بن أبي
داود، وعبدان، ومن قبلهم بقليل كمطين، ثم كأبي عليّ بن السّكن، وأبي حفص بن شاهين، وأبي منصور الماورديّ، وأبي حاتم بن حبّان، وكالطّبرانيّ ضمن معجمه الكبير، ثم كأبي عبد اللَّه بن مندة، وأبي نعيم، ثم كأبي عمر بن عبد البرّ، وسمّى كتابه «الاستيعاب» ، لظنه أنه استوعب ما في كتب من قبله، ومع ذلك ففاته شيء كثير، فذيّل عليه أبو بكر بن فتحون ذيلا حافلا، وذيل عليه جماعة في تصانيف لطيفة، وذيل أبو موسى المديني على ابن مندة ذيلا كبيرا.
وفي أعصار هؤلاء خلائق يتعسّر حصرهم ممن صنف في ذلك أيضا إلى أن كان في أوائل القرن السابع، فجمع عزّ الدّين بن الأثير كتابا حافلا سماه «أسد الغابة» جمع فيه كثيرا من التصانيف المتقدمة، إلا أنه تبع من قبله، فخلط من ليس صحابيا بهم، وأغفل كثيرا من التنبيه على كثير من الأوهام الواقعة في كتبهم، ثم جرّد الأسماء التي في كتابه مع زيادات عليها الحافظ أبو عبد اللَّه الذّهبيّ، وعلم لمن ذكر غلطا [ (25) ] ولمن لا تصح صحبته، ولم يستوعب ذلك ولا قارب.
وقد وقع لي بالتّتبّع كثير من الأسماء التي ليست في كتابه ولا أصله على شرطهما، فجمعت كتابا كبيرا في ذلك ميزت فيه الصحابة من غيرهم، ومع ذلك فلم يحصل لنا [من ذلك] [ (26) ] جميعا الوقوف [ (27) ] على العشر من أسامي الصحابة بالنسبة إلى ما جاء عن أبي زرعة الرّازيّ، قال: توفي النبي ﷺ ومن رآه وسمع منه زيادة على مائة ألف إنسان من رجل وامرأة، كلهم قد روى عنه سماعا أو رؤية.
قال ابن فتحون في ذيل «الاستيعاب» - بعد أن ذكر ذلك: أجاب أبو زرعة بهذا سؤال من سأله عن الرّواة خاصة، فكيف بغيرهم؟ ومع هذا فجميع من [في الاستيعاب يعني ممن [ (28) ] ذكر فيه] [ (29) ] باسم أو كنية [ (30) ] ، وهما ثلاثة آلاف وخمسمائة، وذكر أنه استدرك عليه على شرطه قريبا ممن ذكره.
قلت: وقرأت بخط الحافظ الذهبي من ظهر كتابه «التجريد» : لعل الجميع ثمانية آلاف إن لم يزيدوا لم ينقصوا، ثم رأيت بخطه أنّ جميع من [في «أسد الغابة» سبعة آلاف] [ (31) ] وخمسمائة [وأربعة وخمسون نفسا] [ (32) ] .
ومما يؤيد قول أبي زرعة ما ثبت في [الصحيحين عن كعب بن مالك في قصة] [ (33) ] تبوك: والناس كثير لا يحصيهم ديوان.
وثبت عن الثّوريّ فيما [أخرجه الخطيب بسنده الصحيح إليه [ (34) ] ، قال:] [ (35) ] من قدّم عليا على عثمان فقد أزرى على اثني عشر ألفا [مات رسول اللَّه ﷺ وهو عنهم راض،] [ (36) ] فقال النووي: وذلك بعد النبي ﷺ باثني عشر عاما بعد أن مات في خلافة أبي بكر في الردّة والفتوح- الكثير ممن لم يضبط أسماؤهم، ثم مات في خلافة عمر في الفتوح وفي الطاعون العام وعمواس وغير ذلك من لا يحصى كثرة.
وسبب خفاء أسمائهم أن أكثرهم أعراب، وأكثرهم حضروا حجّة الوداع. واللَّه أعلم.
وقد كثر سؤال جماعة من الإخوان في تبييضه، فاستخرت اللَّه تعالى في ذلك، ورتبته على أربعة أقسام في كل حرف منه:
فالقسم الأول- فيمن وردت صحبته بطريق الرواي

ز عبيد اللَّه بن مقسم

الإصابة في تمييز الصحابة

ذكره الطّبريّ في الصّحابة. واستدركه ابن فتحون. وفي التابعين عبيد بن مقسم ثقة مشهور يروي عن جابر وأبي هريرة وغيرهما.
يقسم القسم الأول بأنه خاص بتراجم الذين وردت صحبتهم بطريق الرواية عنهم أو عن غيرهم، ومهما كانت الطريق صحيحة أو حسنة أو ضعيفة، وشملت تراجم هذا القسم أولئك الذين وقع ذكرهم بما يدل على الصحبة بأي طريق كان.
وكان قد رتّب هذا القسم بادئ ذي بدء على ثلاثة أقسام، ثمّ بدا له أن يجعله قسما واحدا، على أنّه ميّز في كل ترجمة ما إذا كانت الطريق التي وردت بها صحبة الصحابي صحيحة أو حسنة أو ضعيفة، ولذلك فالقراءة في كتاب الإصابة تستوجب يقظة وتركيزا وإمعانا والقارئ مطالب بذلك إن شاء الوصول إلى الدقة والصواب.
وخصّص القسم الثاني لتراجم من ذكر في الصحابة من الأطفال الذين ولدوا في عهد النبي ﷺ لبعض الصحابة من النساء والرجال وقد مات النبي ﷺ وهم دون سن التمييز وبين أن ذكر هؤلاء الصحابة إنما هو على سبيل الإلحاق لغلبة الظنّ على أنه- ﷺ رآهم، وهذه الفكرة إنما تستند إلى أنّ الصحابة- رضي اللَّه عنهم- كانوا حريصين على إحضار أولادهم عنده عند ولادتهم ليحنكهم ويسميهم تبركا به، والأخبار بذلك شهيرة، واستند ابن حجر في
تثبيت هذه الفكرة على أحاديث صحيحة وردت في صحيح مسلم وفي مستدرك الحاكم، وكتاب الصحابة لابن شاهين.
وأعطى المبرر الّذي دعاه إلى إفرادهم عن أهل القسم الأول بقوله: «لكن أحاديث هؤلاء عنه- أي عن النبي ﷺ- من قبيل المراسيل عند المحققين من أهل العلم بالحديث.
3، القسم الثّالث:
والقسم الثالث خاصّ بتراجم أولئك الذين ذكروا في الكتب من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، ولم يرد في خبر قط أنهم اجتمعوا بالنبيّ ﷺ ولا رأوه، سواء أسلموا في حياته أم لا. وهؤلاء ليسوا أصحابه باتفاق أهل العلم بالحديث على الرغم من أن بعضهم قد ذكر في كتب معرفة الصحابة، لكن مصنفيها أفصحوا بأنهم لم يذكروهم إلّا بمقاربتهم لتلك الطبقة، ولم يجزموا بأنهم من أهلها. ومن هؤلاء المصنّفين أبي حفص بن شاهين (ت 385 هـ) وأبي عمر بن عبد البر (ت 463 هـ) .
وأحاديث هؤلاء عن النبي ﷺ مرسلة بالاتفاق بين أهل العلم بالحديث.
وهو خاص بتراجم أولئك الذين ذكروا في الكتب على سبيل الوهم والغلط وبيان ذلك بالأدلة وبأسلوب أهل الحديث وطرائقهم.
ولم يذكر فيه إلّا ما كان الوهم فيه بيّنا، وأمّا مع وجود احتمال عدم الوهم فلم يلجأ إلى ذكره، إلّا إذا كان ذلك الاحتمال يغلب على ظنّه بطلانه قال ابن حجر: «وهذا القسم الرابع لا أعلم من سبقني إليه، ولا من حام طائر فكره عليه، وهو الضالة المطلوبة في هذا الباب الزاهر، وزبدة ما يمخضه من هذا الفن اللبيب الماهر.
والحق أنّ ابن حجر لم يسبق في إفراد تراجم الذين ذكروا على سبيل الوهم، إلّا أن الذين سبقوه أشاروا إلى بعض هؤلاء من خلال ترجمتهم في الصحابة، لكنه لم يسبق أيضا في بيان سبب الوهم أو الذهول مع تحقيق فريد. ولقد حدّد تلميذه البقاعي ذلك بقوله:
«.... بما لم يسبق إلى غالبة»
.
وهذا نهج جديد أدخله ابن حجر على التصنيف في علم معرفة الصحابة تمخّض عن نتائج خطيرة.
ميزات القسم الرّابع في كتاب «الإصابة»
يتمثل في هذا القسم جانب الأصالة والإبداع، كما تتجلّى فيه قابلية ابن حجر النقدية وقراءاته الواسعة.
وفيه صحّح أوهاما، وحلّ معضلات فكرية، قد تكون صغيرة ولكنها مهمة، تواردت على ألسنة الحفاظ، وصفحات كتب المصنفين.
أما أنواع الأخطاء التي صححها فهي كثيرة يمكن حصرها بالآتي:
1- الكشف عن التّحريف والتّصحيف في الأسماء أشار إلى التحريف أو التصحيف الّذي اعترى الأسماء، ولا يسع الباحث هنا إلّا إعطاء نماذج منها فقط في ترجمة سديد مولى أبي بكر (الترجمة/ 3740) قال: «هكذا وقع في «التجريد» وإنما هو بالمعجمة. فترجم لها ابن حجر في حرف الشين المعجمة. وأن اسمه عامر بن مالك بن صفوان، فورد عند السابقين (عن صفوان) أو أن لفظة (ابن) تصحفت واوا فصار الواحد اثنين. كما أشار إلى التصحيف السمعي، والخط السمعي معا.
2- سقوط اسم من السند، أو سقوط أداة الكنية، أو حرف جر أو زيادة اسم في النسب، وفي كل هذه الحالات تظهر أسماء تؤدي إلى الوهم.
3- توهم الرّواة صحبة الرجل، لأنه أرسل حديثا، وعدم التمييز بين المسند والمرسل.
4- تعدد الأسماء أو الكنى، وعدم التمييز بينها، فيذكر الرجل المترجم مرة بالكنية، ومرة بالاسم أو اللقب، فتتكرر ترجمة الصحابي على أنه اثنين وهو في الحقيقة واحد وكذلك المغايرة بين اسمين أو كنيتين، أو الجهل بوجود لقبين للمترجم مثل عامر بن مالك الكعبي هو القشيري.
أو أن ينسب الراويّ إلى جدّه أو اعتماد المنصفين السابقين ل «ابن حجر» على نسخ محرفة فنشأ الخطأ عن تغيير في الاسم، فيتغير «محمية» إلى «محمد» أو اسم رجل ذكروه في النساء أو خطأ نشأ عن زيادة اسم وتغيير آخر.
5- منهم من مات قبل المبعث، وذكر في الكتب على أنه صحابي مثل «سيف بن ذي يزن» .
6- الأخطاء الناجمة عن سقط وقلب، كما في ترجمة «عمرو السعدي» الّذي ذكره المصنفون السابقون،
وأوردوا من طريق إسماعيل بن عبد اللَّه بن أبي المهاجر عن عطية بن عمرو السعدي عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «لا تسأل الناس شيئا وسل اللَّه مسئول ومنطي»
وهذا هو عطية بن عمرو السّعديّ عن أبيه.

ز عبيد اللَّه بن مقسم

الإصابة في تمييز الصحابة

ذكره الطّبريّ في الصّحابة. واستدركه ابن فتحون. وفي التابعين عبيد بن مقسم ثقة مشهور يروي عن جابر وأبي هريرة وغيرهما.
: بضم الموحدة وسكون الجيم بن حارثة بن قتيرة، بقاف ومثناة مصغرا، الكنديّ ثم التّجيبي النخعيّ.
ذكره أبو سعيد بن يونس، وقال: أسلم في حياة النبيّ صلى اللَّه عليه وآله وسلم، وبايع معاذا باليمن، ويقال: إن له صحبة، وشهد فتح مصر، وكان قاتل أهل الردة مع زياد بن لبيد.
وروى عن عليّ بن أبي طالب، ثم أخرج من طريق عليّ بن رباح، قال: كنا في غزوة البحرين وعلينا فضالة بن عبيد، فجعلت أدعو على العدو: اللَّهمّ أهلكهم، واستأصل شأفتهم، فضرب مقسم بن بجرة على منكبي، وقال: ويحك يا أحمق! قل: «اللَّهمّ انصرنا عليهم، فلولا هؤلاء ما أعطينا عطاء» .
ذكره الطبرانيّ في الصّحابة. واستدركه ابن فتحون.

قسم غنائم حنين وغير ذلك

سير أعلام النبلاء

قسم غنائم حنين وغير ذلك:
قال ابن إسحاق: ثم خَرَجَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى رحيل، حتى نزل بالناس بالجعرانة، وكان معه من سبي هوازن ستة آلاف من الذرية، ومن الإبل والشاء ما لا يدرى عدته.
وقال معتمر بن سليمان، عن أبيه: حدثنا السميط، عن أنس، قال: افتتحنا مكة، ثم إنا غزونا حنينا، فجاء المشركون بأحسن صفوت رأيت. قال: فصف الخيل، ثم صفت المقاتلة، ثم صف النساء من وراء ذلك، ثم صف الغنم، ثم صف النعم. قال: ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف؛ أظنه يريد الأنصار. قال: وعلي مجنبة خيلنا خالد بن الوليد، فجعلت خيلنا تلوذ خلف ظهورنا، فلم نلبث أن انكشفت خيلنا وفرت الأعراب، فنادى رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا للمهاجرين يا للمهاجرين، يا للأنصار يا للأنصار". قال أنس: هذا حديث عمية. قلنا: لبيك، يا رسول الله. فتقدم، فايم الله ما أتيناهم حتى هزمهم الله. وقال: فقبضنا ذلك المال، ثم انطلقنا إلى الطائف. قال فحاصرناهم أربعين ليلة، ثم رجعنا إلى مكة ونزلنا. فَجَعَلَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعطي الرجل المائة، ويعطي الرجل المائة. فتحدثت الأنصار بينهم: أما من قاتله فيعطيه، وأما من لم يقاتله فلا يعطيه. قال: ثم أمر بسراة المهاجرين والأنصار -لما بلغه الحديث- أن يدخلوا عليه. فدخلنا القبة حتى ملأناها. فقال: "يا معشر الأنصار؛ -ثلاث مرات، أو كما قال- ما حديث أتاني"؟ قالوا: ما أتاك يا رسول الله؟ قال: "أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبوا برسول الله حتى تدخلوه بيوتكم"؟ قالوا: رضينا. فقال:
النحوي، المفسر المقرئ: محمّد بن الحسن بن يعقوب بن الحسن بن مِقسم، أَبو بكر البغدادي العطار.
ولد: سنة (265 هـ) خمس وستين ومائتين، وقيل: (250 هـ) خمسين ومائتين.
من مشايخه: أَبو مسلم الكجي، وجعفر الفريابي، وثعلب وغيرهم.
من تلامذته: ابن رزقويه، وأَبو علي بن شاذان، وإبراهيم بن أحمد الطبري وغيرهم.
كلام العلماء فيه:
* تاريخ بغداد: "كان ثقة.
كان ابن مقسم من أحفظ الناس لنحو الكوفيين وأعرضهم بالقراءات وله في التفسير ومعاني القرآن كتاب ... وله أيضًا في القراءات وعلوم النحو تصانيف عدة. ومما طعن عليه به أنه عمد إلى حروف من القرآن مخالف الإجماع منها وقرأها وأقرأها على وجوه ذكر أنها تجوز في اللغة والعربية، وشاع ذلك عنه عند أهل العلم فأنكروا عليه وارتفع الأمر إلى السلطان فأحضره واستتابه محضرة القراء والفقهاء فأذعن بالتوبة وكتب محضر ثوبته وقيل إنه لم ينزع عن تلك الحروف وكان يقرئ بها إلى حين وفاته.
قال ابن أبي هاشم: نبغ في عصرنا من زعم أن كل ما صح له وجه في العربية لحرف يوافق خط المصحف فقراءتُهُ جائزة في الصلاة (وغيرها) "
أ. هـ.
* المنتظم: "قال أَبو طاهر عبد الواحد بن عمر بن أبي هاشم: وقد نبغ نابغ في عصرنا هذا فزعم أن كل ما صح عنده وجه في العربية لحروف من القرآن يوافق خط المصحف فقراءته جائزة في الصلاة.
فابتدع بقوله ذلك بدعة ضل بها عن قصد السبيل وأورط نفسه في مزلة عظمت بها جنايته على الإسلام وأهله وحاول إلحاق كتاب الله من الباطل ما لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه إذ جعل لأهل الإلحاد في دين الله بسيء رأيه طريقًا إلى مغالطة أهل الحق بتخير القراءات من جهة البحث والاستخراج بالآراء دون التمسك
¬__________
* تاريخ بغداد (2/ 206)، المنتظم (14/ 170)، معجم الأدباء (6/ 2503)، الكامل (8/ 566)، إنباه الرواة (3/ 100)، ميزان الاعتدال (6/ 114)، تاريخ الإسلام (وفيات 354) ط. تدمري، العبر (2/ 301)، السير (16/ 105)، الوافي (2/ 337)، البداية والنهاية (11/ 276)، غاية النهاية (2/ 123)، لسان الميزان (5/ 136)، النجوم (3/ 343)، بغية الوعاة (1/ 89)، طبقات المفسرين للداودي (2/ 131)، الشذرات (4/ 286)، الأعلام (6/ 81)، معجم المؤلفين (3/ 242)، كشف الظنون (1/ 15، 172)، هدية العارفين (2/ 47).

بالأثر .. "
أ. هـ.
* البداية: "لكن تكلم الناس فيه بسبب تفرده بقراءات لا تجوز عند الجميع. وكان يذهب إلى أن كل ما لا يخالف الرسم ويسوغ من حيث المعنى تجوز القراءة به كقوله تعالى {{فَلَمَّا اسْتَيأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا}} أي يتناجون: قال لو قرى نجبا من النجابة لكان قويًّا وقد ادعى عليه وكتب عليه مكتوب أنه قد رجع عن مثل ذلك. ومع هذا لم ينته عما كان يذهب إليه حتى مات" أ. هـ.
وفاته: سنة (354 هـ)، وقيل: (355 هـ) أربع وقيل خمس وخمسن وثلاثمانة.
من مصنفاته: "الأنوار في علم القرآن"، و"المصاحف"، و"الوقف والابتداء"، و"الرد على المعتزلة".

أقسام سوء الظن وحكم كل قسم منها

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

أقسام سوء الظن وحكم كل قسم منها.
الحكم على سوء الظن يشمل قسمين: سوء ظن الذي يؤاخذ به صاحبه. وسوء الظن الذي لا يؤاخذ به صاحبه..
القسم الأول: سوء الظن الذي يؤاخذ به صاحبه:.
وضابط هذا النوع: هو كل ظن ليس عليه دليل صحيح معتبر شرعا استقر في النفس وصدقه صاحبه واستمر عليه وتكلم به وسعى في التحقق منه (¬1)..
وهو أنواع ولكل نوع حكم خاص وهو كالتالي:.
1 - سوء الظن المحرم: ويشمل سوء الظن بالله تعالى، وسوء الظن بالمؤمنين..
فسوء الظن بالله تعالى من أعظم الذنوب: قال ابن القيم: (أعظم الذنوب عند الله إساءة الظن به) (¬2). وقال الماوردي: (سوء الظن هو عدم الثقة بمن هو لها أهل، فإن كان بالخالق كان شكا يؤول إلى ضلال) (¬3)..
أما سوء الظن بالمؤمنين: ويشمل سوء الظن بالأنبياء وهو كفر، قال النووي: (ظن السوء بالأنبياء كفر بالإجماع) (¬4). وسوء الظن بمن ظاهره العدالة من المسلمين. وقد عد الهيثمي سوء الظن بالمسلم الذي ظاهره العدالة من الكبائر (¬5)..
2 - سوء الظن الجائز: (¬6) ويشمل: سوء الظن بمن اشتهر بين الناس بمخالطة الريب، والمجاهرة بالمعاصي. وسوء الظن بالكافر. قال ابن عثيمين: (يحرم سوء الظن بمسلم، أما الكافر فلا يحرم سوء الظن فيه؛ لأنه أهل لذلك، وأما من عُرف بالفسوق والفجور، فلا حرج أن نسيء الظن به؛ لأنه أهل لذلك، ومع هذا لا ينبغي للإنسان أن يتتبع عورات الناس، ويبحث عنها؛ لأنه قد يكون متجسساً بهذا العمل) (¬7)..
3 - سوء الظن المستحب: وهو ما كان بين الإنسان وعدوه، قال أبو حاتم البستي:- ما - (يستحب من سوء الظن .. كمن بينه وبينه عداوة أو شحناء في دين أو دنيا يخاف على نفسه مكره فحينئذ يلزمه سوء الظن بمكائده ومكره لئلا يصادفه على غرة بمكره فيهلكه) (¬8)..
4 - سوء الظن الواجب: وهو ما احتيج لتحقيق مصلحة شرعية كجرح الشهود ورواة الحديث (¬9)..
حكم سوء الظن بالنفس:.
سوء الظن بالنفس اختلف فيه العلماء، فمنهم من رأى الاستحباب. قال ابن القيم: (أما سوء الظن بالنفس فإنما احتاج إليه؛ لأن حسن الظن بالنفس يمنع من كمال التفتيش ويلبس عليه، فيرى المساوئ محاسن، والعيوب كمالا، فإن المحب يرى مساوئ محبوبه وعيوبه كذلك..
فعين الرضى عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا.
ولا يسيء الظن بنفسه إلا من عرفها، ومن أحسن ظنه بنفسه فهو من أجهل الناس بنفسه)
(¬10)..
¬_________.
(¬1) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (4/ 123)، ((المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج)) للنووي (16/ 119)..
(¬2) ((الداء والدواء)) لابن القيم (1/ 138)، ((الزواجر عن اقتراف الكبائر)) لابن حجر الهيتمي (1/ 150).
(¬3) انظر: ((أدب الدنيا والدين)) للماوردي (1/ 186)..
(¬4) ((إكمال المعلم بفوائد مسلم)) للقاضي عياض (7/ 63)، ((المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج))، للنووي (14/ 156 - 157)..
(¬5) انظر: ((الزواجر عن اقتراف الكبائر)) لابن حجر الهيتمي (1/ 130)..
(¬6) ((الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل)) للزمخشري (4/ 371 - 372) ((الشرح الممتع على زاد المستقنع)) لابن عثيمين (5/ 300)، ا ((لأذكار)) للنووي (1/ 344)..
(¬7) ((الشرح الممتع على زاد المستقنع)) لابن عثيمين (5/ 300)..
(¬8) ((روضة العقلاء ونزهة الفضلاء)) لأبي حاتم البُستي (1/ 127)..
(¬9) ((الأذكار)) للنووي (1/ 341)..
(¬10) ((مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين)) لابن القيم (1/ 189)، ((أدب الدنيا والدين)) للماوردي (1/ 235 - 236).

الشَّرْطُ والقَسَمُ وجَوابُهُما

معجم القواعد العربية

(راجع: جوازم المضارع 11).

قَسْمٌ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ

الموسوعة الفقهية الكويتية

التَّعْرِيفُ:
1 - الْقَسْمُ - بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ السِّينِ - لُغَةً: الْفَرْزُ وَالتَّفْرِيقُ، يُقَال: قَسَمْتُ الشَّيْءَ قَسْمًا: فَرَزْتُهُ أَجْزَاءً، وَالْقِسْمُ - بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ السِّينِ - الاِسْمُ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْحِصَّةِ وَالنَّصِيبِ، وَالْقَسَمُ - بِفَتْحِ الْقَافِ وَالسِّينِ - الْيَمِينُ (1) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ قَال الْجُرْجَانِيُّ: قِسْمَةُ الزَّوْجِ: بَيْتُوتَتُهُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ النِّسَاءِ، أَوْ كَمَا قَال الْبُهُوتِيُّ: هُوَ تَوْزِيعُ الزَّمَانِ عَلَى زَوْجَاتِهِ إِنْ كُنَّ ثِنْتَيْنِ فَأَكْثَرَ (2) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْعَدْل بَيْنَ الزَّوْجَاتِ:
2 - مِنْ مَعَانِي الْعَدْل فِي اللُّغَةِ: الْقَصْدُ فِي الأُْمُورِ وَالاِسْتِقَامَةُ، وَهُوَ خِلاَفُ الْجَوْرِ، يُقَال: عَدَل فِي أَمْرِهِ عَدْلاً وَعَدَالَةً وَمَعْدِلَةً: اسْتَقَامَ،
__________
(1) المصباح المنير.
(2) التعريفات للجرجاني، وحاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب 2 / 280، وكشاف القناع 5 / 198.

وَعَدَل فِي حُكْمِهِ: حَكَمَ بِالْعَدْل (1) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي حُقُوقِهِنَّ مِنَ الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ (2) .
وَالْقَسْمُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الْعَدْل وَلَوَازِمِهِ.

ب - الْعِشْرَةُ بِالْمَعْرُوفِ:
3 - الْعِشْرَةُ اسْمٌ مِنَ الْمُعَاشَرَةِ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ الْمُخَالَطَةُ (3) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: مَا يَكُونُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الأُْلْفَةِ وَالاِنْضِمَامِ (4) .
وَالْقَسْمُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ مِنَ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ.

ج - الْبَيْتُوتَةُ:
4 - الْبَيْتُوتَةُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ " بَاتَ " وَهِيَ فِي الأَْعَمِّ الأَْغْلَبِ بِمَعْنَى فِعْل الْفِعْل بِاللَّيْل، يُقَال: بَاتَ يَفْعَل كَذَا أَيْ فَعَلَهُ بِاللَّيْل، وَلاَ يَكُونُ إِلاَّ مَعَ سَهَرِ اللَّيْل، وَعَلَيْهِ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} (5) .
وَقَدْ تَأْتِي نَادِرًا بِمَعْنَى نَامَ لَيْلاً.
وَقَدْ تَأْتِي بَاتَ بِمَعْنَى صَارَ، يُقَال: بَاتَ بِمَوْضِعِ كَذَا أَيْ صَارَ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي لَيْلٍ أَوْ
__________
(1) المصباح المنير، والمعجم الوسيط.
(2) بدائع الصنائع 2 / 332.
(3) الصحاح للجوهري.
(4) مطالب أولي النهى 5 / 254.
(5) سورة الفرقان / 64.

نَهَارٍ، وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْل الْفُقَهَاءِ: بَاتَ عِنْدَ امْرَأَتِهِ لَيْلَةً أَيْ صَارَ عِنْدَهَا سَوَاءٌ حَصَل مَعَهُ نَوْمٌ أَمْ لاَ (1) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَالْبَيْتُوتَةُ هِيَ عِمَادُ الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي الْغَالِبِ الأَْعَمِّ (2) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
5 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى اسْتِحْبَابِ الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ، وَأَوْجَبَهُ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الرَّجُل - إِنْ كَانَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ زَوْجَةٍ - أَنْ يَعْدِل فِي الْقَسْمِ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ، وَأَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُنَّ فِيهِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَل بِهَا فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (3) ، وَلَيْسَ مَعَ عَدَمِ التَّسْوِيَةِ فِي الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ مُعَاشَرَةٌ لَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: إِذَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُل امْرَأَتَانِ فَلَمْ يَعْدِل بَيْنَهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ سَاقِطٌ (4) ، وَلِلاِتِّبَاعِ وَالاِقْتِدَاءِ
__________
(1) المصباح المنير.
(2) المغني 7 / 32.
(3) سورة النساء / 19.
(4) حديث: " إذا كان عند الرجل امرأتان. . . ". أخرجه الترمذي (3 / 438) والحاكم (2 / 186) من حديث أبي هريرة، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

بِرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَسْمِهِ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ وَعَدْلِهِ بَيْنَهُنَّ فَقَدْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى غَايَةٍ مِنَ الْعَدْل فِي ذَلِكَ، قَال الشَّافِعِيُّ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْسِمُ فَيَعْدِل (1) . . . وَأَنَّهُ كَانَ يُطَافُ بِهِ مَحْمُولاً فِي مَرَضِهِ عَلَى نِسَائِهِ حَتَّى حَلَلْنَهُ (2) .
وَقَالُوا: أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ زَوْجَةٍ فَبَاتَ عِنْدَ وَاحِدَةٍ لَزِمَهُ الْمَبِيتُ عِنْدَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُنَّ. . تَسْوِيَةً بَيْنَهُنَّ.
وَصَرَّحَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ لُزُومَ الْمَبِيتِ عِنْدَ بَقِيَّةِ الزَّوْجَاتِ إِنْ بَاتَ عِنْدَ إِحْدَاهُنَّ يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ، لأَِنَّهُ حَقٌّ لَزِمَ وَهُوَ مُعَرَّضٌ لِلسُّقُوطِ بِالْمَوْتِ، فَوَجَبَ عَلَى الزَّوْجِ الْخُرُوجُ مِنْهُ مَا أَمْكَنَهُ، وَيَعْصِي بِتَأْخِيرِهِ.
وَعَقَّبَ عَلَيْهِ الشَّبْرَامِلْسِيُّ - الشَّافِعِيُّ - بِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ كَانَ كَبِيرَةً أَخْذًا مِنَ الْخَبَرِ السَّابِقِ (3) .
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الزَّوْجِ إِذَا كَانَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ زَوْجَةٍ هُوَ الْعَدْل
__________
(1) حديث عدله صلى الله عليه وسلم في القسمة. أخرجه أبو داود (2 / 601) ، والحاكم (2 / 186) من حديث عائشة وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(2) حديث أنه " كان يطوف به محمولاً في مرضه. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 9 / 317) ، ومسلم (4 / 1893) من حديث عائشة.
(3) فتح القدير 3 / 300، والاختيار 3 / 116، وشرح الزرقاني 4 / 55، ونهاية المحتاج 6 / 372، وحاشية القليوبي 3 / 299 - 300، وكشاف القناع 5 / 198 - 200، والمغني 7 / 28.

بَيْنَهُنَّ فِي الْقَسْمِ إِنْ قَسَمَ، وَلَهُ أَنْ يُعْرِضَ عَنْهُنَّ جَمِيعًا إِلاَّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لاَ يُعَطِّلَهُنَّ، وَاسْتَثْنَوْا مِنْ جَوَازِ الإِْعْرَاضِ عَنِ الزَّوْجَاتِ ابْتِدَاءً أَوْ بَعْدَ نَوْبَةٍ أَوْ أَكْثَرَ مَا لَوْ حَدَثَ مَا يَمْنَعُ هَذَا الإِْعْرَاضَ، كَأَنْ ظَلَمَهَا ثُمَّ بَانَتْ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ عَلَى الرَّاجِحِ بِطَرِيقِهِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ عَوْدُهَا إِلَى عِصْمَتِهِ (1) .

مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الْعَدْل فِي الْقَسْمِ:
6 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ الْعَدْل بَيْنَ زَوْجَتَيْهِ أَوْ زَوْجَاتِهِ فِي حُقُوقِهِنَّ مِنَ الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَالسُّكْنَى، وَهُوَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ فِي ذَلِكَ، وَالأَْصْل فِيهِ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةٌ} عَقِيبَ قَوْله تَعَالَى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} (2) ، نَدَبَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى نِكَاحِ الْوَاحِدَةِ عِنْدَ خَوْفِ تَرْكِ الْعَدْل فِي الزِّيَادَةِ، وَإِنَّمَا يُخَافُ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ، فَدَل عَلَى أَنَّ الْعَدْل بَيْنَهُنَّ فِي الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ وَاجِبٌ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي آخِرِ الآْيَةِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَل: {ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا} (3) ، أَيْ تَجُورُوا، وَالْجَوْرُ حَرَامٌ فَكَانَ الْعَدْل وَاجِبًا ضَرُورَةً؛ وَلأَِنَّ الْعَدْل
__________
(1) نهاية المحتاج 6 / 373، ومغني المحتاج 3 / 251، والمهذب 2 / 67.
(2) سورة النساء / 3.
(3) سورة النساء / 3.

مَأْمُورٌ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْل وَالإِْحْسَانِ} (1) عَلَى الْعُمُومِ وَالإِْطْلاَقِ إِلاَّ مَا خُصَّ أَوْ قُيِّدَ بِدَلِيلٍ؛ وَلأَِنَّ النِّسَاءَ رَعِيَّةُ الزَّوْجِ، فَإِنَّهُ يَحْفَظُهُنَّ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِنَّ، وَكُل رَاعٍ مَأْمُورٌ بِالْعَدْل فِي رَعِيَّتِهِ.
وَالْعَدْل الْوَاجِبُ فِي الْقَسْمِ يَكُونُ فِيمَا يَمْلِكُهُ الزَّوْجُ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الْبَيْتُوتَةِ وَالتَّأْنِيسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَمَّا مَا لاَ يَمْلِكُهُ الزَّوْجُ وَلاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ كَالْوَطْءِ وَدَوَاعِيهِ، وَكَالْمَيْل الْقَلْبِيِّ وَالْمَحَبَّةِ. . فَإِنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ الْعَدْل بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى النَّشَاطِ لِلْجِمَاعِ أَوْ دَوَاعِيهِ وَالشَّهْوَةِ، وَهُوَ مَا لاَ يَمْلِكُ تَوْجِيهَهُ وَلاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَيْل الْقَلْبِيِّ وَالْحُبِّ فِي الْقُلُوبِ وَالنُّفُوسِ فَهُوَ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَوْجِيهِهِ، وَقَدْ قَال ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} (2) يَعْنِي فِي الْحُبِّ وَالْجِمَاعِ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: كَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ وَيَعْدِل ثُمَّ يَقُول: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلاَ تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلاَ أَمْلِكُ (3) يَعْنِي الْمَحَبَّةَ وَمَيْل
__________
(1) سورة النحل / 90.
(2) سورة النساء / 129.
(3) حديث: " اللهم هذا قسمي فيما أملك. . ". أخرجه أبو داود (2 / 601) والنسائي (7 / 64) من حديث عائشة وأعله النسائي بالإرسال.

الْقَلْبِ؛ لأَِنَّ الْقُلُوبَ بِيَدِ اللَّهِ تَعَالَى يُصَرِّفُهَا كَيْفَ شَاءَ (1) .
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلزَّوْجِ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ فِي جَمِيعِ الاِسْتِمْتَاعَاتِ مِنَ الْوَطْءِ وَالْقُبْلَةِ وَنَحْوِهِمَا لأَِنَّهُ أَكْمَل فِي الْعَدْل بَيْنَهُنَّ، وَلِيُحْصِنَهُنَّ عَنِ الاِشْتِهَاءِ لِلزِّنَا وَالْمَيْل إِلَى الْفَاحِشَةِ، وَاقْتِدَاءً فِي الْعَدْل بَيْنَهُنَّ بِرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2) ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يُسَوِّي بَيْنَ نِسَائِهِ حَتَّى فِي الْقُبَل (3) .
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ يُتْرَكُ فِي الْوَطْءِ لِطَبِيعَتِهِ فِي كُل حَالٍ إِلاَّ لِقَصْدِ إِضْرَارٍ لإِِحْدَى الزَّوْجَاتِ بِعَدَمِ الْوَطْءِ - سَوَاءٌ تَضَرَّرَتْ بِالْفِعْل أَمْ لاَ - كَكَفِّهِ عَنْ وَطْئِهَا مَعَ مَيْل طَبْعِهِ إِلَيْهِ وَهُوَ عِنْدَهَا لِتَتَوَفَّرَ لَذَّتُهُ لِزَوْجَتِهِ الأُْخْرَى، فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ الْكَفِّ؛ لأَِنَّهُ إِضْرَارٌ لاَ يَحِل (4) .
وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ بَعْضِ أَهْل الْعِلْمِ أَنَّ الزَّوْجَ إِنْ تَرَكَ الْوَطْءَ لِعَدَمِ الدَّاعِيَةِ وَالاِنْتِشَارِ عُذْرٌ، وَإِنْ تَرَكَهُ مَعَ الدَّاعِيَةِ إِلَيْهِ لَكِنَّ دَاعِيَتَهُ إِلَى الضَّرَّةِ أَقْوَى فَهُوَ مِمَّا يَدْخُل
__________
(1) بدائع الصنائع 2 / 332، والمبسوط 5 / 217، وأسنى المطالب 3 / 329، وحاشية الجمل 4 / 280، وشرح الزرقاني 4 / 55، والمغني 7 / 27.
(2) رد المحتار 2 / 398، والمهذب 2 / 68، والمغني 7 / 35.
(3) حديث: " كان يسوي بين نسائه حتى في القبل " أورده ابن قدامة في المغني (7 / 35) ولم نهتد إليه في المراجع التي بين أيدينا.
(4) جواهر الإكليل 1 / 326.

تَحْتَ قُدْرَتِهِ (1) .
7 - وَإِذَا قَامَ الزَّوْجُ بِالْوَاجِبِ مِنَ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ لِكُل وَاحِدَةٍ مِنْ زَوْجَاتِهِ، فَهَل يَجُوزُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُفَضِّل إِحْدَاهُنَّ عَنِ الأُْخْرَى فِي ذَلِكَ، أَمْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُنَّ فِي الْعَطَاءِ فِيمَا زَادَ عَلَى الْوَاجِبِ مِنْ ذَلِكَ كَمَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ فِي أَصْل الْوَاجِبِ؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ:
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَ إِنْ أَقَامَ لِكُل وَاحِدَةٍ مِنْ زَوْجَاتِهِ مَا يَجِبُ لَهَا، فَلاَ حَرَجَ عَلَيْهِ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ بِمَا شَاءَ، وَنَقَل ابْنُ قُدَامَةَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الرَّجُل لَهُ امْرَأَتَانِ قَال: لَهُ أَنْ يُفَضِّل إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُْخْرَى فِي النَّفَقَةِ وَالشَّهَوَاتِ وَالْكِسْوَةِ إِذَا كَانَتِ الأُْخْرَى كِفَايَةً، وَيَشْتَرِيَ لِهَذِهِ أَرْفَعَ مِنْ ثَوْبِ هَذِهِ وَتَكُونُ تِلْكَ فِي كِفَايَةٍ، وَهَذَا لأَِنَّ التَّسْوِيَةَ فِي هَذَا كُلِّهِ تَشُقُّ، فَلَوْ وَجَبَ لَمْ يُمْكِنْهُ الْقِيَامُ بِهِ إِلاَّ بِحَرَجٍ، فَسَقَطَ وُجُوبُهُ، كَالتَّسْوِيَةِ فِي الْوَطْءِ.
لَكِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ الأَْوْلَى أَنْ يُسَوِّيَ الرَّجُل بَيْنَ زَوْجَاتِهِ فِي ذَلِكَ، وَعَلَّل بَعْضُهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلاَفِ مَنْ أَوْجَبَهُ.
وَقَال ابْنُ نَافِعٍ: يَجِبُ أَنْ يَعْدِل الزَّوْجُ بَيْنَ
__________
(1) رد المحتار 2 / 398.

زَوْجَاتِهِ فِيمَا يُعْطِي مِنْ مَالِهِ بَعْدَ إِقَامَتِهِ لِكُل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مَا يَجِبُ لَهَا (1) .
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى وُجُوبِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي النَّفَقَةِ عَلَى قَوْل مَنْ يَرَى أَنَّ النَّفَقَةَ تُقَدَّرُ بِحَسَبِ حَال الزَّوْجِ، أَمَّا عَلَى قَوْل مَنْ يَرَى أَنَّ النَّفَقَةَ تُقَدَّرُ بِحَسَبِ حَالِهِمَا فَلاَ تَجِبُ التَّسْوِيَةُ وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ، فَلاَ تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي النَّفَقَةِ لأَِنَّ إِحْدَاهُمَا قَدْ تَكُونُ غَنِيَّةً وَأُخْرَى فَقِيرَةً (2) .

الزَّوْجُ الَّذِي يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ الْقَسْمُ:
8 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْقَسْمَ لِلزَّوْجَاتِ مُسْتَحَقٌّ عَلَى كُل زَوْجٍ - فِي الْجُمْلَةِ - بِلاَ فَرْقٍ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ، وَصَحِيحٍ وَمَرِيضٍ، وَفَحْلٍ وَخَصِيٍّ وَمَجْبُوبٍ، وَبَالِغٍ وَمُرَاهِقٍ وَمُمَيِّزٍ يُمْكِنُهُ فِي الْوَطْءِ، وَعَاقِلٍ وَمَجْنُونٍ يُؤْمَنُ مِنْ ضَرَرِهِ. . . لأَِنَّ الْقَسْمَ لِلصُّحْبَةِ وَالْمُؤَانَسَةِ وَإِزَالَةِ الْوَحْشَةِ وَهِيَ تَتَحَقَّقُ مِنْ هَؤُلاَءِ جَمِيعًا (3) .
لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ خَصُّوا قَسْمَ بَعْضِ الأَْزْوَاجِ بِالتَّفْصِيل، وَمِنْ ذَلِكَ:

أ - قَسْمُ الصَّبِيِّ لِزَوْجَاتِهِ:
9 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَ الصَّبِيَّ
__________
(1) مواهب الجليل 4 / 10، شرح الزرقاني 4 / 55، نهاية المحتاج 6 / 373، المغني 7 / 32.
(2) حاشية ابن عابدين 2 / 398.
(3) المبسوط 5 / 221، جواهر الإكليل 1 / 326، مغني المحتاج 3 / 252، كشاف القناع 5 / 200.

الْمُرَاهِقَ أَوِ الْمُمَيِّزَ الَّذِي يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ الْقَسْمُ؛ لأَِنَّهُ لِحَقِّ الزَّوْجَاتِ، وَحُقُوقُ الْعِبَادِ تَتَوَجَّهُ عَلَى الصَّبِيِّ عِنْدَ تَقَرُّرِ السَّبَبِ، وَعَلَى وَلِيِّهِ إِطَافَتُهُ عَلَى زَوْجَاتِهِ، وَالإِْثْمُ عَلَى الْوَلِيِّ إِنْ لَمْ يَطُفْ بِهِ عَلَيْهِنَّ أَوْ جَارَ الصَّبِيُّ أَوْ قَصَّرَ وَعَلِمَ بِذَلِكَ.
وَأَمَّا الزَّوْجُ الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ فَلاَ يَجِبُ عَلَى وَلِيِّهِ الطَّوَافُ بِهِ عَلَى زَوْجَاتِهِ لِعَدَمِ انْتِفَاعِهِنَّ بِوَطْئِهِ، وَقَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: لَوْ نَامَ عِنْدَ بَعْضِ زَوْجَاتِهِ وَطَلَبَتِ الْبَاقِيَاتُ بَيَاتَهُ عِنْدَهُنَّ لَزِمَ وَلِيَّهُ إِجَابَتُهُنَّ لِذَلِكَ (1) .

ب - قَسْمُ الزَّوْجِ الْمَرِيضِ:
10 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَ الْمَرِيضَ يَقْسِمُ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ كَالصَّحِيحِ، لأَِنَّ الْقَسْمَ لِلصُّحْبَةِ وَالْمُؤَانَسَةِ وَذَلِكَ يَحْصُل مِنَ الْمَرِيضِ كَمَا يَحْصُل مِنَ الصَّحِيحِ (2) ، وَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَسْأَل فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: أَيْنَ أَنَا غَدًا، أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ (3)
__________
(1) رد المحتار 2 / 399، الشرح الكبير 2 / 340، نهاية المحتاج 6 / 374، كشاف القناع 5 / 198.
(2) رد المحتار 2 / 399، حاشية الزرقاني 4 / 56، المهذب 2 / 67، كشاف القناع 5 / 200.
(3) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسأل في مرضه الذي مات فيه. . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 9 / 317) ، ومسلم (4 / 1893) من حديث عائشة.

وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَوْ شَقَّ عَلَى الْمَرِيضِ الطَّوَافُ بِنَفْسِهِ عَلَى زَوْجَاتِهِ: فَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ صَاحِبِ الْبَحْرِ قَوْلَهُ: لَمْ أَرَ كَيْفِيَّةَ قَسْمِهِ فِي مَرَضِهِ حَيْثُ كَانَ لاَ يَقْدِرُ عَلَى التَّحَوُّل إِلَى بَيْتِ الأُْخْرَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ إِذَا صَحَّ ذَهَبَ عِنْدَ الأُْخْرَى بِقَدْرِ مَا أَقَامَ عِنْدَ الأُْولَى مَرِيضًا، وَنُقِل عَنْ صَاحِبِ النَّهْرِ قَوْلُهُ: لاَ يَخْفَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الاِخْتِيَارُ فِي مِقْدَارِ الدَّوْرِ إِلَيْهِ حَال صِحَّتِهِ فَفِي مَرَضِهِ أَوْلَى، فَإِذَا مَكَثَ عِنْدَ الأُْولَى مُدَّةً أَقَامَ عِنْدَ الثَّانِيَةِ بِقَدْرِهَا. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَهَذَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَجْعَل مُدَّةَ إِقَامَتِهِ دَوْرًا حَتَّى لاَ يُنَافِيَ أَنَّهُ لَوْ أَقَامَ عِنْدَ إِحْدَاهُمَا شَهْرًا هُدِرَ مَا مَضَى (1) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا لَمْ يَسْتَطِعِ الزَّوْجُ الطَّوَافَ بِنَفْسِهِ عَلَى زَوْجَاتِهِ لِشِدَّةِ مَرَضِهِ أَقَامَ عِنْدَ مَنْ شَاءَ الإِْقَامَةَ عِنْدَهَا، أَيْ لِرِفْقِهَا بِهِ فِي تَمْرِيضِهِ، لاَ لِمَيْلِهِ إِلَيْهَا فَتَمْتَنِعُ الإِْقَامَةُ عِنْدَهَا، ثُمَّ إِذَا صَحَّ ابْتَدَأَ الْقَسْمَ (2) .
وَقَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: مَنْ بَاتَ عِنْدَ بَعْضِ نِسْوَتِهِ بِقُرْعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا لَزِمَهُ - وَلَوْ عِنِّينًا وَمَجْبُوبًا وَمَرِيضًا - الْمَبِيتُ عِنْدَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُنَّ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُل امْرَأَتَانِ فَلَمْ
__________
(1) رد المحتار 2 / 399.
(2) حاشية الدسوقي 2 / 340.

يَعْدِل بَيْنَهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ سَاقِطٌ (1) وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ وَيُطَافُ بِهِ عَلَيْهِنَّ فِي مَرَضِهِ حَتَّى رَضِينَ بِتَمْرِيضِهِ بِبَيْتِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (2) ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعُذْرَ وَالْمَرَضَ لاَ يُسْقِطُ الْقَسْمَ (3) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ شَقَّ عَلَى الزَّوْجِ الْمَرِيضِ الْقَسْمُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ إِحْدَاهُنَّ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَاجْتَمَعْنَ فَقَال: إِنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدُورَ بَيْنَكُنَّ فَإِنْ رَأَيْتُنَّ أَنْ تَأْذَنَّ لِي فَأَكُونَ عِنْدَ عَائِشَةَ فَعَلْتُنَّ فَأَذِنَّ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَأْذَنَّ لَهُ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ إِحْدَاهُنَّ أَقَامَ عِنْدَ مَنْ تُعَيِّنُهَا الْقُرْعَةُ أَوِ اعْتَزَلَهُنَّ جَمِيعًا إِنْ أَحَبَّ ذَلِكَ تَعْدِيلاً بَيْنَهُنَّ (4) .

ج - قَسْمُ الزَّوْجِ الْمَجْنُونِ:
11 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْمَجْنُونَ الَّذِي أَطْبَقَ جُنُونُهُ لاَ قَسْمَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، لَكِنَّ الْقَسْمَ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ لِزَوْجَاتِهِ يُطَالَبُ بِهِ
__________
(1) حديث: " إذا كان عند الرجل امرأتان. . ". تقدم تخريجه ف (5) .
(2) حديث: " أنه كان يقسم بين نسائه ويطاف. . ". تقدم تخريجه ف (5) .
(3) مغني المحتاج 3 / 251.
(4) كشاف القناع 5 / 200. وحديث: " إني لا أستطيع أن أدور بينكن. . . . ". أخرجه أبو داود (2 / 603) .

- فِي الْجُمْلَةِ - وَلِيُّهُ، عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي: قَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْمَجْنُونِ إِطَافَتُهُ عَلَى زَوْجَتَيْهِ أَوْ زَوْجَاتِهِ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ؛ لأَِنَّهُ مِنَ الأُْمُورِ الْبَدَنِيَّةِ الَّتِي يَتَوَلَّى اسْتِيفَاءَهَا لَهُ أَوِ التَّمْكِينَ حَتَّى تُسْتَوْفَى مِنْهُ كَالْقِصَاصِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ (1) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَلْزَمُ الْوَلِيَّ الطَّوَافُ بِالْمَجْنُونِ عَلَى زَوْجَاتِهِ، أُمِنَ مِنْهُ الضَّرَرُ أَمْ لاَ، إِلاَّ إِنْ طُولِبَ بِقَضَاءِ قَسْمٍ وَقَعَ مِنْهُ فَيَلْزَمُهُ الطَّوَافُ بِهِ عَلَيْهِنَّ قَضَاءً لِحَقِّهِنَّ كَقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَذَلِكَ إِذَا أُمِنَ ضَرَرُهُ، فَإِنْ لَمْ يُطَالَبْ فَلاَ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ لَهُنَّ التَّأْخِيرَ إِلَى إِفَاقَتِهِ لِتَتِمَّ الْمُؤَانَسَةُ، وَيَلْزَمُ الْوَلِيَّ الطَّوَافُ بِهِ إِنْ كَانَ الْجِمَاعُ يَنْفَعُهُ بِقَوْل أَهْل الْخِبْرَةِ، أَوْ مَال إِلَيْهِ، فَإِنْ ضَرَّهُ الْجِمَاعُ وَجَبَ عَلَى وَلِيِّهِ مَنْعُهُ مِنْهُ، فَإِنْ تَقَطَّعَ الْجُنُونُ وَانْضَبَطَ كَيَوْمٍ وَيَوْمٍ، فَأَيَّامُ الْجُنُونِ كَالْغَيْبَةِ فَتُطْرَحُ وَيَقْسِمُ أَيَّامَ إِفَاقَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَنْضَبِطْ جُنُونُهُ وَأَبَاتَهُ الْوَلِيُّ فِي الْجُنُونِ مَعَ وَاحِدَةٍ وَأَفَاقَ فِي نَوْبَةِ الأُْخْرَى قَضَى مَا جَرَى فِي الْجُنُونِ لِنَقْصِهِ (2) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: الْمَجْنُونُ الْمَأْمُونُ الَّذِي لَهُ زَوْجَتَانِ فَأَكْثَرُ يَطُوفُ بِهِ وَلِيُّهُ وُجُوبًا عَلَيْهِنَّ، لِحُصُول الأُْنْسِ بِهِ، فَإِنْ خِيفَ مِنْهُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ
__________
(1) شرح الزرقاني 4 / 56.
(2) أسنى المطالب 3 / 230 - 231، نهاية المحتاج 6 / 374.

مَأْمُونٍ فَلاَ قَسْمَ عَلَيْهِ لأَِنَّهُ لاَ يَحْصُل مِنْهُ أَنَسٌ لَهُنَّ، فَإِنْ لَمْ يَعْدِل الْوَلِيُّ فِي الْقَسْمِ ثُمَّ أَفَاقَ الزَّوْجُ مِنْ جُنُونِهِ قَضَى لِلْمَظْلُومَةِ مَا فَاتَهَا اسْتِدْرَاكًا لِظِلاَمَتِهِ، لأَِنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ فَلَزِمَهُ إِيفَاؤُهُ حَال الإِْفَاقَةِ كَالْمَال (1) .

الزَّوْجَةُ الَّتِي تَسْتَحِقُّ الْقَسْمَ:
12 - يُسْتَحَقُّ الْقَسْمُ لِلزَّوْجَاتِ الْمُطِيقَاتِ لِلْوَطْءِ، مُسْلِمَاتٍ أَوْ كِتَابِيَّاتٍ أَوْ مُخْتَلِفَاتٍ، حَرَائِرَ أَوْ إِمَاءٍ أَوْ مُخْتَلِفَاتٍ، وَإِنِ امْتَنَعَ الْوَطْءُ شَرْعًا كَمُحْرِمَةٍ وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ وَمُظَاهَرٍ مِنْهَا وَمُولًى مِنْهَا، أَوِ امْتَنَعَ عَادَةً كَرَتْقَاءَ، أَوِ امْتَنَعَ طَبْعًا كَمَجْنُونَةٍ مَأْمُونَةٍ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ مَرِيضَةٍ وَصَحِيحَةٍ، وَصَغِيرَةٍ يُمْكِنُ وَطْؤُهَا وَكَبِيرَةٍ، وَقَسْمُ الزَّوْجِ لِذَوَاتِ الأَْعْذَارِ مِنَ الزَّوْجَاتِ كَمَا يُقْسَمُ لِغَيْرِهِنَّ؛ لأَِنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْقَسْمِ الصُّحْبَةُ وَالْمُؤَانَسَةُ وَالسَّكَنُ وَالإِْيوَاءُ وَالتَّحَرُّزُ عَنِ التَّخْصِيصِ الْمُوحِشِ، وَحَاجَتُهُنَّ دَاعِيَةٌ إِلَى ذَلِكَ، وَالْقَسْمُ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ وَلاَ تَفَاوُتَ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِيهَا (2) ؛ لأَِنَّ النُّصُوصَ الْوَارِدَةَ بِالْعَدْل بَيْنَ الزَّوْجَاتِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمَيْل فِي الْقَسْمِ جَاءَتْ مُطْلَقَةً، وَنَقَل ابْنُ الْمُنْذِرِ
__________
(1) كشاف القناع 5 / 200.
(2) تبيين الحقائق 2 / 179، جواهر الإكليل 1 / 326، أسنى المطالب 3 / 230، حاشية الجمل 4 / 280، كشاف القناع 5 / 201.

الإِْجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْقَسْمَ بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ سَوَاءٌ؛ وَلأَِنَّ الْقَسْمَ مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ فَاسْتَوَتْ فِيهِ الْمُسْلِمَةُ وَالْكِتَابِيَّةُ كَالنَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى (1) .
وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (رِقّ ف 85) .

لَكِنَّ الْقَسْمَ فِي بَعْضِ الزَّوْجَاتِ فِيهِ مَزِيدُ تَفْصِيلٍ وَمِنْ ذَلِكَ:

أ - الْقَسْمُ لِلْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ:
13 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَقْسِمَ لِمُطَلَّقَتِهِ الرَّجْعِيَّةِ مَعَ سَائِرِ زَوْجَاتِهِ؛ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً مِنْ كُل وَجْهٍ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَ يَقْسِمُ لِمُطَلَّقَتِهِ الرَّجْعِيَّةِ مَعَ غَيْرِهَا مِنْ زَوْجَاتِهِ وَذَلِكَ إِنْ قَصَدَ رَجْعَتَهَا، وَإِلاَّ فَلاَ (2) .

ب - الْقَسْمُ لِلزَّوْجَةِ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ:
14 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَةَ الْمُعْتَدَّةَ مِنْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ لاَ يَقْسِمُ لَهَا الزَّوْجُ؛ لأَِنَّ الْقَسْمَ لِلسَّكَنِ وَالأُْنْسِ وَالإِْيوَاءِ، وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا لاَ يَحِل لِزَوْجِهَا الْخَلْوَةُ بِهَا، بَل يَحْرُمُ.
وَاخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْقَسْمِ لَهَا، فَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ صُورَةً مِنْ هَذَا الْخِلاَفِ فِي قَوْلِهِ: قَال
__________
(1) رد المحتار 2 / 400، شرح الزرقاني 4 / 55، الأم 5 / 190، المغني 7 / 36.
(2) حاشية الجمل 4 / 280، كشاف القناع 5 / 201، الدر المختار 2 / 400.

فِي النَّهْرِ: وَعِنْدِي أَنَّهُ يَجِبُ - أَيِ الْقَسْمُ - لِلْمَوْطُوءَةِ بِشَبَهٍ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ إِنَّهُ لِمُجَرَّدِ الإِْينَاسِ وَدَفْعِ الْوَحْشَةِ، وَاعْتَرَضَهُ الْحَمَوِيُّ بِأَنَّ الْمَوْطُوءَةَ بِشُبْهَةٍ لاَ نَفَقَةَ لَهَا عَلَى زَوْجِهَا فِي هَذِهِ الْعِدَّةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقَسْمَ عِبَارَةٌ عَنِ التَّسْوِيَةِ فِي الْبَيْتُوتَةِ وَالنَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى، وَزَادَ بَعْضُ الْفُضَلاَءِ أَنَّهُ يُخَافُ مِنَ الْقَسْمِ لَهَا الْوُقُوعُ فِي الْحَرَامِ؛ لأَِنَّهَا مُعْتَدَّةٌ لِلْغَيْرِ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَسُّهَا وَتَقْبِيلُهَا، فَلاَ يَجِبُ لَهَا (1) .

الْقَسْمُ لِلزَّوْجَةِ الْجَدِيدَةِ:
15 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْقَسْمِ لِلزَّوْجَةِ الْجَدِيدَةِ لِمَنْ عِنْدَهُ زَوْجَةٌ أَوْ زَوْجَاتٌ غَيْرُهَا، هَل يَقْسِمُ لَهَا قَسْمًا خَاصًّا، أَمْ تَدْخُل فِي دَوْرِ الْقَسْمِ كَغَيْرِهَا مِنَ الزَّوْجَاتِ؟
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَةَ الْجَدِيدَةَ - حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً - تَخْتَصُّ بِسَبْعِ لَيَالٍ بِلاَ قَضَاءٍ لِلْبَاقِيَاتِ إِنْ كَانَتْ بِكْرًا، وَبِثَلاَثِ لَيَالٍ بِلاَ قَضَاءٍ إِنْ كَانَ ثَيِّبًا، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ: لِلْبِكْرِ سَبْعٌ، وَلِلثَّيِّبِ ثَلاَثٌ (2) ، وَاخْتَصَّتِ الزَّوْجَةُ الْجَدِيدَةُ بِذَلِكَ لِلأُْنْسِ وَلِزَوَال الْحِشْمَةِ، وَلِهَذَا سَوَّى
__________
(1) أسنى المطالب 3 / 230، نهاية المحتاج 6 / 273، رد المحتار 2 / 400.
(2) حديث: " للبكر سبع وللثيب ثلاث ". أخرجه مسلم (2 / 1083) من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن.

الشَّرْعُ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالأَْمَةِ، وَالْمُسْلِمَةِ وَالْكِتَابِيَّةِ فِي ذَلِكَ؛ لأَِنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالطَّبْعِ لاَ يَخْتَلِفُ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ وَلاَ بِاخْتِلاَفِ الدِّينِ، وَزِيدَ لِلْبِكْرِ الْجَدِيدَةِ؛ لأَِنَّ حَيَاءَهَا أَكْثَرُ؛ وَلأَِنَّهَا لَمْ تُجَرِّبِ الرِّجَال فَتَحْتَاجُ إِلَى إِمْهَالٍ وَجَبْرٍ وَتَأَنٍّ، أَمَّا الثَّيِّبُ فَإِنَّهَا اسْتَحْدَثَتِ الصُّحْبَةَ فَأُكْرِمَتْ بِزِيَادَةِ الْوَصْلَةِ وَهِيَ الثَّلاَثُ.
وَاخْتِصَاصُ الزَّوْجَةِ الْجَدِيدَةِ - بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا - بِهَذَا الْقَسْمِ هُوَ حَقٌّ لَهَا عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ وَاجِبٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَمِنَ السُّنَّةِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَيُسْتَحَبُّ لِلزَّوْجِ أَنْ يُخَيِّرَ زَوْجَتَهُ الْجَدِيدَةَ إِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا بَيْنَ ثَلاَثٍ بِلاَ قَضَاءٍ لِلزَّوْجَاتِ الْبَاقِيَاتِ وَبَيْنَ سَبْعٍ مَعَ قَضَاءٍ لَهُنَّ اقْتِدَاءً بِفِعْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ زَوْجَتِهِ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا حَيْثُ قَال لَهَا: إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ، وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ ثُمَّ دُرْتُ وَفِي لَفْظٍ: إِنْ شِئْتِ أَنْ أُسَبِّعَ لَكِ، وَأُسَبِّعَ لِنِسَائِي، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ، سَبَّعْتُ لِنِسَائِي (1) أَيْ بِلاَ قَضَاءٍ بِالنِّسْبَةِ لِلثَّلاَثِ وَإِلاَّ لَقَال: " وَثَلَّثْتُ لِنِسَائِي " كَمَا قَال: " وَسَبَّعْتُ لِنِسَائِي " (2) .
__________
(1) حديث: " إن شئت سبعت عندك. . ". أخرجه مسلم (2 / 1083) من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن.
(2) مواهب الجليل 4 / 12، والشرح الكبير 2 / 340، مغني المحتاج 3 / 256، كشاف القناع 5 / 207.

وَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ - بِكْرَيْنِ كَانَتَا أَوْ ثِيبَتَيْنِ أَوْ بِكْرًا وَثَيِّبًا - فَزُفَّتَا إِلَيْهِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ. . فَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُكْرَهُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي إِيفَاءِ حَقِّهِمَا وَتَسْتَضِرُّ الَّتِي يُؤَخِّرُ حَقَّهَا وَتَسْتَوْحِشُ. وَيُقَدِّمُ أَسْبَقَهُمَا دُخُولاً فَيُوفِيهَا حَقَّ الْعَقْدِ؛ لأَِنَّ حَقَّهَا سَابِقٌ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى الثَّانِيَةِ فَيُوفِيهَا حَقَّ الْعَقْدِ؛ لأَِنَّ حَقَّهَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ تَرْكُ الْعَمَل بِهِ فِي مُدَّةِ الأُْولَى لأَِنَّ حَقَّ الأُْولَى عَارَضَهُ وَرُجِّحَ عَلَيْهِ، فَإِذَا زَال الْمُعَارِضُ وَجَبَ الْعَمَل بِالْمُقْتَضَى.
ثُمَّ يَبْتَدِئُ الْقَسْمَ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ لِيَأْتِيَ بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ الدَّوْرِ، فَإِنْ أُدْخِلَتَا عَلَيْهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ قَدَّمَ إِحْدَاهُمَا بِالْقُرْعَةِ؛ لأَِنَّهُمَا اسْتَوَتَا فِي سَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ وَالْقُرْعَةُ مُرَجِّحَةٌ عِنْدَ التَّسَاوِي (1) .
وَإِنْ زُفَّتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ فِي مُدَّةِ حَقِّ عَقْدِ امْرَأَةٍ زُفَّتْ إِلَيْهِ قَبْلَهَا تَمَّمَ لِلأُْولَى حَقَّ عَقْدِهَا لِسَبْقِهَا، ثُمَّ قَضَى حَقَّ عَقْدِ الثَّانِيَةِ لِزَوَال الْمُعَارِضِ (2) . وَلَوْ زُفَّتْ إِلَيْهِ جَدِيدَةٌ وَلَهُ زَوْجَتَانِ قَدْ وَفَّاهُمَا حَقَّهُمَا، وَفَّى الْجَدِيدَةَ حَقَّهَا وَاسْتَأْنَفَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقَسْمَ بَيْنَ الْجَمِيعِ بِالْقُرْعَةِ (3) .
__________
(1) مغني المحتاج 3 / 257، المغني 7 / 45، كشاف القناع 5 / 207.
(2) كشاف القناع 5 / 208.
(3) مغني المحتاج 3 / 257.

16 - وَإِنْ أَرَادَ مَنْ زُفَّتْ إِلَيْهِ امْرَأَتَانِ مَعًا السَّفَرَ بِإِحْدَى نِسَائِهِ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ فَخَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لإِِحْدَى الْجَدِيدَتَيْنِ سَافَرَ بِهَا، وَدَخَل حَقُّ الْعَقْدِ فِي قَسْمِ السَّفَرِ؛ لأَِنَّهُ نَوْعُ قَسْمٍ يَخْتَصُّ بِهَا، فَإِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ بَدَأَ بِالأُْخْرَى فَوَفَّاهَا حَقَّ الْعَقْدِ؛ لأَِنَّهُ حَقٌّ وَجَبَ لَهَا وَلَمْ يُؤَدِّهِ فَلَزِمَهُ قَضَاؤُهُ كَمَا لَوْ لَمْ يُسَافِرْ بِالأُْخْرَى مَعَهُ، فَإِنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ قَبْل مُضِيِّ مُدَّةٍ يَنْقَضِي فِيهَا حَقُّ الأُْولَى تَمَّمَهُ فِي الْحَضَرِ وَقَضَى لِلْحَاضِرَةِ حَقَّهَا، فَإِنْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِغَيْرِ الْجَدِيدَتَيْنِ وَسَافَرَ بِهَا قَضَى لِلْجَدِيدَتَيْنِ حَقَّهُمَا وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ، يُقَدِّمُ السَّابِقَةَ دُخُولاً إِنْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ إِحْدَاهُمَا قَبْل الأُْخْرَى، أَوْ بِقُرْعَةٍ إِنْ دَخَلَتَا مَعًا، وَإِنْ سَافَرَ بِجَدِيدَةٍ وَقَدِيمَةٍ بِقُرْعَةٍ أَوْ رِضًا تَمَّمَ لِلْجَدِيدَةِ حَقَّ الْعَقْدِ ثُمَّ قَسَمَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الأُْخْرَى عَلَى السَّوَاءِ (1) .
وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِهِمْ حَقَّ الزَّوْجَةِ الْجَدِيدَةِ - بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا - فِي هَذَا الْقِسْمِ بِمَا إِذَا تَزَوَّجَهَا الرَّجُل عَلَى غَيْرِهَا، وَمُقَابِل الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ أَنَّ الزَّوْجَةَ الْجَدِيدَةَ لَهَا هَذَا الْقَسْمُ مُطْلَقًا. تَزَوَّجَهَا عَلَى غَيْرِهَا أَمْ لاَ (2) . وَاخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِيمَا تُقَدَّمُ بِهِ إِحْدَى الزَّوْجَتَيْنِ الْجَدِيدَتَيْنِ إِنْ زُفَّتَا إِلَى الزَّوْجِ فِي لَيْلَةٍ
__________
(1) كشاف القناع 5 / 208.
(2) حاشية الدسوقي 2 / 340.

وَاحِدَةٍ: فَقَال اللَّخْمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، وَقَبِلَهُ عَبْدُ الْحَقِّ، وَفِي أَحَدِ قَوْلَيْ مَالِكٍ: إِنَّ الْحَقَّ لِلزَّوْجِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ دُونَ قُرْعَةٍ، وَقَال ابْنُ عَرَفَةَ: الأَْظْهَرُ أَنَّهُ إِنْ سَبَقَتْ إِحْدَاهُمَا بِالدُّعَاءِ لِلْبِنَاءِ قُدِّمَتْ، وَإِلاَّ فَسَابِقَةُ الْعَقْدِ، وَإِنْ عُقِدَتَا مَعًا فَالْقُرْعَةُ (1) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ حَقَّ لِلزَّوْجَةِ الْجَدِيدَةِ فِي زِيَادَةِ قَسْمٍ تَخْتَصُّ بِهِ، وَقَالُوا: الْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ وَالْقَدِيمَةُ وَالْجَدِيدَةُ سَوَاءٌ فِي الْقَسْمِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (2) وَغَايَتُهُ الْقَسْمُ، وَلإِِطْلاَقِ أَحَادِيثِ النَّهْيِ عَنِ الْجَوْرِ فِي الْقَسْمِ؛ وَلأَِنَّ الْقَسْمَ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ وَلاَ تَفَاوُتَ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي ذَلِكَ؛ وَلأَِنَّ الْوَحْشَةَ فِي الزَّوْجَةِ الْقَدِيمَةِ مُتَحَقِّقٌ حَيْثُ أَدْخَل عَلَيْهَا مَنْ يَغِيظُهَا وَهِيَ فِي الْجَدِيدَةِ مُتَوَهَّمَةٌ؛ وَلأَِنَّ لِلْقَدِيمَةِ زِيَادَةَ حُرْمَةٍ بِالْخِدْمَةِ، وَإِزَالَةُ الْوَحْشَةِ وَالنُّفْرَةِ عِنْدَ الْجَدِيدَةِ تُمْكِنُ بِأَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا السَّبْعَ ثُمَّ يُسَبِّعَ لِلْبَاقِيَاتِ وَلَمْ تَنْحَصِرْ فِي تَخْصِيصِهَا بِالزِّيَادَةِ (3) .

بَدْءُ الْقَسْمِ وَمَا يَكُونُ بِهِ:
17 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَبْدَأُ
__________
(1) مواهب الجليل 4 / 12.
(2) سورة النساء / 19.
(3) فتح القدير 3 / 300 - 301.

فِيهِ الزَّوْجُ الْقَسْمَ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ، وَفِيمَا يَكُونُ بِهِ الاِبْتِدَاءُ:
قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ مُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: الرَّأْيُ فِي الْبُدَاءَةِ فِي الْقَسْمِ إِلَى الزَّوْجِ.
وَأَضَافَ الْمَالِكِيَّةُ: وَنُدِبَ الاِبْتِدَاءُ فِي الْقَسْمِ بِاللَّيْل؛ لأَِنَّهُ وَقْتُ الإِْيوَاءِ لِلزَّوْجَاتِ، وَيُقِيمُ الْقَادِمُ مِنْ سَفَرٍ نَهَارًا عِنْدَ أَيَّتِهِنَّ أَحَبَّ وَلاَ يُحْسَبُ، وَيَسْتَأْنِفُ الْقَسْمَ بِاللَّيْل لأَِنَّهُ الْمَقْصُودُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْزِل عِنْدَ الَّتِي خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا لِيُكْمِل لَهَا يَوْمَهَا (1) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ - فِي الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ - وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِ الْقُرْعَةِ عَلَى الزَّوْجِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ لِلاِبْتِدَاءِ إِنْ تَنَازَعْنَ فِيهِ، وَلَيْسَ لَهُ إِذَا أَرَادَ الشُّرُوعَ فِي الْقَسْمِ الْبُدَاءَةُ بِإِحْدَاهُنَّ إِلاَّ بِقُرْعَةٍ أَوْ بِرِضَاهُنَّ؛ لأَِنَّ الْبُدَاءَةَ بِإِحْدَاهُنَّ تَفْضِيلٌ لَهَا عَلَى غَيْرِهَا، وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ وَاجِبَةٌ، وَلأَِنَّهُنَّ مُتَسَاوِيَاتٌ فِي الْحَقِّ وَلاَ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَى الْقُرْعَةِ إِنْ لَمْ يَرْضَيْنَ، فَيَبْدَأُ بِمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهَا، فَإِذَا مَضَتْ نَوْبَتُهَا أَقْرَعَ بَيْنَ الْبَاقِيَاتِ، ثُمَّ بَيْنَ الأُْخْرَيَيْنِ، فَإِذَا تَمَّتِ النَّوْبَةُ رَاعَى التَّرْتِيبَ وَلاَ حَاجَةَ إِلَى إِعَادَةِ الْقُرْعَةِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا بَدَأَ
__________
(1) الدر المختار 2 / 402، حاشية الدسوقي 2 / 340، شرح الزرقاني 4 / 57.

بِلاَ قُرْعَةٍ فَإِنَّهُ يُقْرِعُ بَيْنَ الْبَاقِيَاتِ، فَإِذَا تَمَّتِ النَّوْبَةُ أَقْرَعَ لِلاِبْتِدَاءِ.
وَقَالُوا: لِلزَّوْجِ أَنْ يُرَتِّبَ الْقَسْمَ عَلَى لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ حَاصِلٌ بِكُلٍّ وَلاَ يَتَفَاوَتُ، لَكِنَّ تَقْدِيمَ اللَّيْل أَوْلَى؛ لأَِنَّ النَّهَارَ تَابِعٌ لِلَّيْل وَلِلْخُرُوجِ مِنْ خِلاَفِ مَنْ عَيَّنَهُ (1) .

الأَْصْل فِي الْقَسْمِ:
18 - الأَْصْل فِي الْقَسْمِ وَعِمَادُهُ اللَّيْل، وَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّهُمْ قَالُوا: التَّسْوِيَةُ الْوَاجِبَةُ فِي الْقَسْمِ تَكُونُ فِي الْبَيْتُوتَةِ؛ وَلأَِنَّ اللَّيْل لِلسَّكَنِ وَالإِْيوَاءِ، يَأْوِي فِيهِ الرَّجُل إِلَى مَنْزِلِهِ، وَيَسْكُنُ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَنَامُ فِي فِرَاشِهِ مَعَ زَوْجَتِهِ عَادَةً، وَالنَّهَارُ وَقْتُ الْعَمَل لِكَسْبِ الرِّزْقِ وَالاِنْتِشَارِ فِي الأَْرْضِ طَلَبًا لِلْمَعَاشِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْل لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا} (2) ، وَقَال سُبْحَانَهُ: {هُوَ الَّذِي جَعَل لَكُمُ اللَّيْل لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} (3) .
وَفَصَّل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَوَافَقَهُمْ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ، فَقَالُوا: الأَْصْل فِي الْقَسْمِ لِمَنْ عَمَلُهُ اللَّيْل وَكَانَ النَّهَارُ سَكَنَهُ كَالْحَارِسِ
__________
(1) مغني المحتاج 3 / 255، نهاية المحتاج 6 / 375، كشاف القناع 5 / 199، المغني 7 / 33.
(2) سورة النبأ / 10 - 11.
(3) سورة يونس / 67.

وَنَحْوِهِ يَكُونُ النَّهَارُ لأَِنَّهُ وَقْتُ سُكُونِهِ، وَأَمَّا اللَّيْل فَإِنَّهُ وَقْتُ عَمَلِهِ، وَالأَْصْل فِي الْقَسْمِ لِمُسَافِرٍ وَقْتُ نُزُولِهِ؛ لأَِنَّهُ وَقْتُ خَلْوَتِهِ لَيْلاً كَانَ أَوْ نَهَارًا، قَل أَوْ كَثُرَ، وَإِنْ تَفَاوَتَ حَصَل لِوَاحِدَةٍ نِصْفُ يَوْمٍ وَلأُِخْرَى رُبْعُ يَوْمٍ، فَلَوْ كَانَتْ خَلْوَتُهُ وَقْتَ السَّيْرِ دُونَ وَقْتِ النُّزُول - كَأَنْ كَانَ بِمِحَفَّةٍ وَحَالَةُ النُّزُول يَكُونُ مَعَ الْجَمَاعَةِ فِي نَحْوِ خَيْمَةٍ - كَانَ هُوَ وَقْتَ الْقَسْمِ، وَالأَْصْل فِي الْقَسْمِ لِمَجْنُونٍ وَقْتُ إِفَاقَتِهِ، أَوْ كَمَا قَال الشَّافِعِيُّ: إِنَّمَا الْقَسْمُ عَلَى الْمَبِيتِ كَيْفَ كَانَ الْمَبِيتُ.
وَالنَّهَارُ يَدْخُل فِي الْقَسْمِ تَبَعًا لِلَّيْل، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي وَفِي يَوْمِي (1) ، وَإِنَّمَا قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَارًا (2) ، وَيَتْبَعُ الْيَوْمَ اللَّيْلَةُ الْمَاضِيَةُ أَيِ الَّتِي سَبَقَتْ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَإِنْ أَحَبَّ الزَّوْجُ أَنْ يَجْعَل النَّهَارَ فِي الْقَسْمِ لِزَوْجَاتِهِ مُضَافًا إِلَى اللَّيْل الَّذِي بَعْدَهُ جَازَ لَهُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَتَفَاوَتُ، وَالْغَرَضُ الْعَدْل بَيْنَ الزَّوْجَاتِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِذَلِكَ (3) .
__________
(1) حديث عائشة: " توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي وفي يومي ". أخرجه البخاري (فتح الباري 8 / 144) .
(2) حديث: " قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم نهارًا ". أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 235) من حديث أنس بلفظ: " وتوفي من آخر ذلك اليوم "، وأخرجه مسلم (1 / 315) من حديث أنس بلفظ: " فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه ذلك ".
(3) فتح القدير 3 / 302، الدر المختار ورد المحتار 2 / 402، حاشية الدسوقي 2 / 339، الأم 5 / 190، المهذب 2 / 67 مغني المحتاج 3 / 253، حاشية الجمل 4 / 283، المغني 7 / 32 - 33، كشاف القناع 5 / 199.

مُدَّةُ الْقَسْمِ:
19 - صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّ أَقَل نُوَبِ الْقَسْمِ لِمَنْ عَمَلُهُ نَهَارًا لَيْلَةٌ، فَلاَ يَجُوزُ بِبَعْضِهَا لِمَا فِي التَّبْعِيضِ مِنْ تَشْوِيشِ الْعَيْشِ وَتَنْغِيصِهِ، إِلاَّ أَنْ تَرْضَى الزَّوْجَاتُ بِذَلِكَ (1) .
وَاخْتَلَفُوا فِي أَكْثَرِ مُدَّةِ الْقَسْمِ، أَيْ أَكْثَرِ مِقْدَارِ النَّوْبَةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ الْقَسْمِ، عَلَى أَقْوَالٍ:
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ الْقَسْمَ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ يَكُونُ لَيْلَةً وَلَيْلَةً وَلاَ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ إِلاَّ بِرِضَاهُنَّ، فَإِنْ رَضِينَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ جَازَ؛ لأَِنَّ الْحَقَّ لَهُنَّ لاَ يَعْدُوهُنَّ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا قَسَمَ لَيْلَةً وَلَيْلَةً (2) وَلأَِنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُنَّ وَاجِبَةٌ، وَإِنَّمَا جُوِّزَتِ الْبُدَاءَةُ بِوَاحِدَةٍ لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ، فَإِذَا بَاتَ عِنْدَ وَاحِدَةٍ تَعَيَّنَتِ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ حَقًّا لِلأُْخْرَى فَلَمْ يَجُزْ جَعْلُهَا لِلأُْولَى بِغَيْرِ رِضَاهَا؛ وَلأَِنَّ الزَّوْجَ إِنْ قَسَمَ لَيْلَتَيْنِ وَلَيْلَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ كَانَ فِي ذَلِكَ تَأْخِيرٌ لِحَقِّ مَنْ لَهَا
__________
(1) الدر المختار 2 / 401، ومواهب الجليل 4 / 14، وحاشية الجمل 4 / 283، ونهاية المحتاج 6 / 377، وكشاف القناع 5 / 198.
(2) حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم ليلة وليلة. . أخرجه البخاري (فتح الباري 5 / 218) من حديث عائشة بلفظ: " وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها ".

اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ، وَتَأْخِيرُ حُقُوقِ بَعْضِهِنَّ لاَ يَجُوزُ بِغَيْرِ رِضَاهُنَّ؛ وَلأَِنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَجَعَل لِكُل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلاَثًا حَصَل تَأْخِيرُ الرَّابِعَةِ تِسْعَ لَيَالٍ وَذَلِكَ كَثِيرٌ فَلَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَل لِكُل وَاحِدَةٍ تِسْعًا؛ وَلأَِنَّ لِلتَّأْخِيرِ آفَاتٍ فَلاَ يَجُوزُ مَعَ إِمْكَانِ التَّعْجِيل بِغَيْرِ رِضَا الْمُسْتَحِقِّ كَتَأْخِيرِ الدَّيْنِ الْحَال (1) .
وَنَقَل الْحَطَّابُ عَنِ الْجَوَاهِرِ أَنَّ الزَّوْجَ لاَ يَزِيدُ فِي الْقَسْمِ عَلَى لَيْلَةٍ إِلاَّ أَنْ تَرْضَى الزَّوْجَاتُ وَيَرْضَى بِالزِّيَادَةِ، أَوْ يَكُنْ فِي بِلاَدٍ مُتَبَاعِدَةٍ فَيَقْسِمُ الْجُمُعَةَ أَوِ الشَّهْرَ عَلَى حَسَبِ مَا يُمْكِنُهُ بِحَيْثُ لاَ يَنَالُهُ ضَرَرٌ لِقِلَّةِ الْمُدَّةِ، وَنُقِل عَنِ اللَّخْمِيِّ أَنَّ الرَّجُل إِنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَتَانِ بِبَلَدَيْنِ جَازَ قَسْمُهُ جُمُعَةً وَشَهْرًا وَشَهْرَيْنِ عَلَى قَدْرِ بُعْدِ الْمَوْضِعَيْنِ مِمَّا لاَ يَضُرُّ بِهِ، وَلاَ يُقِيمُ عِنْدَ إِحْدَاهُنَّ إِلاَّ لِتَجْرٍ أَوْ ضَيْعَةٍ (2) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ وَجْهٌ شَاذٌّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ تَحْدِيدَ الدَّوْرِ إِلَى الزَّوْجِ إِنْ شَاءَ حَدَّدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، وَلَهُ الْخِيَارُ فِي ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ وَقَدْ
__________
(1) مواهب الجليل 4 / 14، وجواهر الإكليل 1 / 327، والمغني 7 / 37، وكشاف القناع 5 / 198.
(2) مواهب الجليل 4 / 140.

وُجِدَتْ (1) . لَكِنَّ الْكَمَال بْنَ الْهُمَامِ عَقَّبَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: لَوْ أَرَادَ أَنْ يَدُورَ سَنَةً سَنَةً مَا يُظَنُّ إِطْلاَقُ ذَلِكَ لَهُ، بَل يَنْبَغِي أَنْ لاَ يُطْلَقَ لَهُ مِقْدَارُ مُدَّةِ الإِْيلاَءِ وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَإِذَا كَانَ وُجُوبُهُ لِلتَّأْنِيسِ وَدَفْعِ الْوَحْشَةِ وَجَبَ أَنْ تُعْتَبَرَ الْمُدَّةُ الْقَرِيبَةُ وَأَظُنُّ أَكْثَرَ مِنْ جُمُعَةٍ مُضَارَّةً إِلاَّ أَنْ تَرْضَيَا بِهِ (2) .
وَقَال الْحَصْكَفِيُّ وَالتُّمُرْتَاشِيُّ نَقْلاً عَنِ الْخُلاَصَةِ: يُقِيمُ عِنْدَ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَإِنْ شَاءَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا وَلاَ يُقِيمُ عِنْدَ إِحْدَاهُنَّ أَكْثَرَ إِلاَّ بِإِذْنِ الأُْخْرَى (3) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَهُمْ وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الأَْوْلَى لِلزَّوْجِ أَنْ يَقْسِمَ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ لَيْلَةً لَيْلَةً. . اقْتِدَاءً بِرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وَلأَِنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ لِعَهْدِهِنَّ بِهِ، وَأَدْنَى إِلَى التَّسْوِيَةِ فِي إِيفَاءِ الْحُقُوقِ، فَإِنْ قَسَمَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا جَازَ؛ لأَِنَّهُ فِي حَدِّ الْقَلِيل، وَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّلاَثِ حَرُمَ وَلَمْ يَجُزْ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُنَّ، لأَِنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا بِحُقُوقِهِنَّ.
وَمُقَابِل الْمَذْهَبِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلاَثِ (4) .
__________
(1) الاختيار 3 / 116 - 117، والهداية مع الفتح 2 / 518. ط. بولاق، ونهاية المحتاج 6 / 378.
(2) فتح القدير 2 / 518. ط. بولاق.
(3) الدر المختار بهامش ابن عابدين 2 / 401. ط. بولاق.
(4) المهذب 2 / 67، ونهاية المحتاج 6 / 377 - 378، والمغني 7 / 37.

الْخُرُوجُ فِي نَوْبَةِ زَوْجَةٍ وَالدُّخُول عَلَى غَيْرِهَا:
20 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ زَوْجَةٍ عَلَيْهِ أَنْ يُوفِيَ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ قَسْمَهَا دُونَ نَقْصٍ أَوْ تَأْخِيرٍ، لأَِنَّ هَذَا مِنَ الْعَدْل الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فِي الْقَسْمِ بَيْنَهُنَّ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي خُرُوجِ الزَّوْجِ فِي نَوْبَةِ إِحْدَى زَوْجَاتِهِ - لَيْلاً أَوْ نَهَارًا - وَدُخُولِهِ عَلَى غَيْرِهَا كَذَلِكَ لَيْلاً أَوْ نَهَارًا، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ خَرَجَ الزَّوْجُ الَّذِي عِمَادُ قَسْمِهِ اللَّيْل مِنْ عِنْدِ بَعْضِ نِسَائِهِ فِي زَمَانِهَا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي النَّهَارِ أَوْ أَوَّل اللَّيْل أَوْ آخِرِهِ مِمَّا جَرَتِ الْعَادَةُ بِالاِنْتِشَارِ فِيهِ وَالْخُرُوجِ إِلَى الصَّلاَةِ جَازَ، وَإِنْ خَرَجَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اللَّيْل وَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ عَادَ لَمْ يَقْضِ لِمَنْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا هَذَا الْوَقْتَ لِلْمُسَامَحَةِ بِهِ؛ وَلأَِنَّهُ لاَ فَائِدَةَ فِي قَضَائِهِ لِقِصَرِهِ، وَإِنْ طَال زَمَنُ خُرُوجِهِ قَضَاهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ لِعُذْرٍ أَمْ لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ لأَِنَّهُ مَعَ طُول الزَّمَنِ لاَ يُسْمَحُ بِهِ عَادَةً، فَيَكُونُ حَقُّهَا قَدْ فَاتَ بِغَيْبَتِهِ عَنْهَا، وَحَقُّ الآْدَمِيِّ لاَ يَسْقُطُ وَلَوْ بِعُذْرٍ إِلاَّ بِإِسْقَاطِ صَاحِبِهِ. . . فَوَجَبَ الْقَضَاءُ.
وَلَيْسَ لِهَذَا الزَّوْجِ دُخُولٌ فِي نَوْبَةِ زَوْجَةٍ عَلَى غَيْرِهَا لَيْلاً، لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَال حَقِّ صَاحِبَةِ النَّوْبَةِ، إِلاَّ لِضَرُورَةٍ كَمَرَضِهَا الْمَخُوفِ وَشِدَّةِ

الطَّلْقِ وَخَوْفِ النَّهْبِ وَالْحَرْقِ، وَحِينَئِذٍ إِنْ طَال مُكْثُهُ عُرْفًا قَضَى لِصَاحِبَةِ النَّوْبَةِ مِنْ نَوْبَةِ الْمَدْخُول عَلَيْهَا مِثْل مُكْثِهِ، وَإِنْ لَمْ يَطُل مُكْثُهُ فَلاَ يَقْضِي، وَإِذَا تَعَدَّى بِالدُّخُول قَضَى إِنْ طَال مُكْثُهُ وَإِلاَّ فَلاَ قَضَاءَ، وَأَثِمَ.
وَإِنْ دَخَل الزَّوْجُ فِي نَوْبَةِ إِحْدَى زَوْجَاتِهِ عَلَى غَيْرِهَا نَهَارًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِحَاجَةٍ؛ لأَِنَّهُ يُتَسَامَحُ فِيهِ مَا لاَ يُتَسَامَحُ فِي اللَّيْل، فَيَدْخُل لِوَضْعِ مَتَاعٍ وَنَحْوِهِ كَتَسْلِيمِ نَفَقَةٍ وَتَعَرُّفِ خَبَرٍ وَعِيَادَةٍ. . لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: وَكَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَل يَوْمٌ إِلاَّ وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا، فَيَدْنُو مِنْ كُل امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ، حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا فَيَبِيتُ عِنْدَهَا (1) فَإِذَا دَخَل لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَطُل مُكْثُهُ عَنْ قَدْرِ الْحَاجَةِ وَلَمْ يُجَامِعْ.
قَال الشَّافِعِيَّةُ: يَنْبَغِي أَنْ لاَ يَطُول مُكْثُهُ، أَيْ يَجُوزُ لَهُ تَطْوِيل الْمُكْثِ لَكِنَّهُ خِلاَفُ الأَْوْلَى، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى وُجُوبِ عَدَمِ تَطْوِيل الْمُكْثِ لأَِنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْحَاجَةِ كَابْتِدَاءِ دُخُولٍ لِغَيْرِهَا وَهُوَ حَرَامٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لاَ يَقْضِي إِذَا دَخَل لِحَاجَةٍ وَإِنْ طَال الزَّمَنُ؛ لأَِنَّ النَّهَارَ تَابِعٌ مَعَ وُجُودِ الْحَاجَةِ.
وَفِي مُقَابِل الصَّحِيحِ يَجِبُ قَضَاءُ الْمُدَّةِ
__________
(1) حديث: " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قل يوم إلا وهو يطوف. . . " أخرجه أبو داود (2 / 206) والحاكم (2 / 186) من حديث عائشة، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

- إِنْ طَالَتْ - دُونَ الْجِمَاعِ، وَوَفَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِحَمْل الأَْوَّل عَلَى مَا إِذَا طَالَتْ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَالثَّانِي عَلَى مَا إِذَا طَالَتْ فَوْقَ الْحَاجَةِ.
وَالصَّحِيحُ - عِنْدَهُمْ - أَيْضًا أَنَّ لَهُ مَا سِوَى الْوَطْءِ مِنِ اسْتِمْتَاعٍ. . لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ؛ وَلأَِنَّ النَّهَارَ تَابِعٌ، وَالْقَوْل الثَّانِي: لاَ يَجُوزُ، أَمَّا الْوَطْءُ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِغَيْرِ صَاحِبَةِ النَّوْبَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ لَيْلاً أَمْ نَهَارًا.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ أَطَال الْمَقَامَ عِنْدَ غَيْرِ صَاحِبَةِ النَّوْبَةِ قَضَاهُ، وَإِنِ اسْتَمْتَعَ بِهَا بِمَا دُونَ الْفَرْجِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَجُوزُ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، وَالثَّانِي لاَ يَجُوزُ لأَِنَّهُ يَحْصُل لَهَا بِهِ السَّكَنُ، وَإِنْ دَخَل عَلَيْهَا فَجَامَعَهَا فِي الزَّمَنِ الْيَسِيرِ - لَيْلاً أَوْ نَهَارًا - فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لاَ يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ، لأَِنَّ الْوَطْءَ لاَ يُسْتَحَقُّ فِي الْقَسْمِ، وَالزَّمَنُ الْيَسِيرُ لاَ يُقْضَى. وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْضِيَهُ وَهُوَ أَنْ يَدْخُل عَلَى الْمَظْلُومَةِ فِي لَيْلَةِ الْمُجَامَعَةِ فَيُجَامِعَهَا فَيَعْدِل بَيْنَهُمَا. . وَلأَِنَّ الْيَسِيرَ مَعَ الْجِمَاعِ يَحْصُل بِهِ السَّكَنُ فَأَشْبَهَ الْكَثِيرَ (1) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَلْزَمُ الزَّوْجَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ فِي اللَّيْل، حَتَّى لَوْ جَاءَ لِلأُْولَى بَعْدَ
__________
(1) نهاية المحتاج 6 / 376 - 377، ومغني المحتاج 3 / 254 - 255، والمغني 7 / 33 - 34.

الْغُرُوبِ وَلِلثَّانِيَةِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فَقَدْ تَرَكَ الْقَسْمَ، وَلاَ يُجَامِعُهَا فِي غَيْرِ نَوْبَتِهَا، وَلاَ يَدْخُل عَلَيْهَا إِلاَّ لِعِيَادَتِهَا، وَلَوِ اشْتَدَّ مَرَضُهَا - فَفِي الْجَوْهَرَةِ - لاَ بَأْسَ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا حَتَّى تُشْفَى أَوْ تَمُوتَ، يَعْنِي إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا مَنْ يُؤْنِسُهَا (1) .
وَالنَّوْبَةُ لاَ تَمْنَعُ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى الأُْخْرَى لِيَنْظُرَ فِي حَاجَتِهَا وَيُمَهِّدَ أُمُورَهَا، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ " أَنَّهُنَّ كُنَّ يَجْتَمِعْنَ كُل لَيْلَةٍ فِي بَيْتِ الَّتِي يَأْتِيهَا " (2) ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا جَائِزٌ بِرِضَاءِ صَاحِبَةِ النَّوْبَةِ إِذْ قَدْ تَتَضِيقُ لِذَلِكَ (3) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَدْخُل الزَّوْجُ فِي يَوْمِ إِحْدَى زَوْجَاتِهِ عَلَى ضَرَّتِهَا، أَيْ يُمْنَعُ، إِلاَّ لِحَاجَةٍ غَيْرِ الاِسْتِمْتَاعِ كَمُنَاوَلَةِ ثَوْبٍ وَنَحْوِهِ فَيَجُوزُ لَهُ وَلَوْ أَمْكَنَهُ الاِسْتِنَابَةُ فِيهَا عَلَى الأَْشْبَهِ بِالْمَذْهَبِ. وَلِمَالِكٍ لاَ بُدَّ مِنْ عُسْرِ الاِسْتِنَابَةِ فِيهَا، وَعَمَّمَ ابْنُ نَاجِي دُخُولَهُ لِحَاجَةٍ فِي النَّهَارِ وَاللَّيْل مُخَالِفًا لِشَيْخِهِ فِي تَخْصِيصِ الْجَوَازِ بِالنَّهَارِ، وَلِلزَّوْجِ وَضْعُ ثِيَابِهِ عِنْدَ وَاحِدَةٍ دُونَ الأُْخْرَى لِغَيْرِ مَيْلٍ وَلاَ إِضْرَارٍ، وَلاَ يُقِيمُ عِنْدَ مَنْ دَخَل عِنْدَهَا إِلاَّ لِعُذْرٍ لاَ بُدَّ مِنْهُ، وَجَازَ فِي
__________
(1) الدر المختار 2 / 401.
(2) حديث: " أنهن كن يجتمعن كل ليلة. . " أخرجه مسلم (2 / 1084) من حديث أنس.
(3) فتح القدير 3 / 302.

يَوْمِهَا وَطْءُ ضَرَّتِهَا بِإِذْنِهَا، وَيَجُوزُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ السَّلاَمُ بِالْبَابِ مِنْ خَارِجِهِ فِي غَيْرِ يَوْمِهَا، وَتَفَقُّدُ شَأْنِهَا مِنْ غَيْرِ دُخُولٍ إِلَيْهَا وَلاَ جُلُوسٍ عِنْدَهَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلاَ بَأْسَ بِأَكْل مَا بَعَثَتْ إِلَيْهِ بِالْبَابِ لاَ فِي بَيْتِ الأُْخْرَى لِمَا فِيهِ مِنْ أَذِيَّتِهَا (1) .

ذَهَابُ الزَّوْجِ إِلَى زَوْجَاتِهِ وَدَعْوَتُهُنَّ إِلَيْهِ:
21 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ - فِي الْجُمْلَةِ - عَلَى أَنَّ الأَْوْلَى فِي حَالَةِ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنْهُنَّ مَسْكَنٌ يَأْتِيهَا الزَّوْجُ فِيهِ اقْتِدَاءً بِفِعْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ كَانَ يَقْسِمُ لِنِسَائِهِ فِي بُيُوتِهِنَّ (2) ؛ وَلأَِنَّهُ أَصْوَنُ وَأَسْتَرُ حَتَّى لاَ تَخْرُجَ النِّسَاءُ مِنْ بُيُوتِهِنَّ، وَيَجُوزُ لِلزَّوْجِ - إِنِ انْفَرَدَ بِمَسْكَنٍ - أَنْ يَدْعُوَ إِلَيْهِ كُل وَاحِدَةٍ مِنْ زَوْجَاتِهِ فِي لَيْلَتِهَا لِيُوفِيَهَا حَقَّهَا مِنَ الْقَسْمِ.
لَكِنَّ لِلْفُقَهَاءِ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ تَفْصِيلاً يَحْسُنُ عَرْضُهُ:
قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ مَرِضَ الزَّوْجُ فِي بَيْتِهِ دَعَا كُل وَاحِدَةٍ فِي نَوْبَتِهَا؛ لأَِنَّهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا وَأَرَادَ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُقْبَل مِنْهُ (3) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: جَازَ لِلزَّوْجِ بِرِضَاءِ زَوْجَاتِهِ
__________
(1) شرح الزرقاني 4 / 57 - 58 - 59.
(2) حديث قسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لنسائه في بيوتهن. . أخرجه أبو داود (2 / 602) والحاكم (2 / 186) من حديث عائشة، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(3) الدر المختار 2 / 401.

طَلَبُهُ مِنْهُنَّ الإِْتْيَانَ لِلْبَيَاتِ مَعَهُ بِمَحَلِّهِ الْمُخْتَصِّ بِهِ، وَلاَ يَنْبَغِي لَهُ هَذَا إِذِ السُّنَّةُ دَوَرَانُهُ هُوَ عَلَيْهِنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ لِفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1) ، فَإِنْ رَضِيَ بَعْضُهُنَّ لَمْ يَلْزَمْ بَاقِيَهُنَّ، بَل نَصَّ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ يُقْضَى عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَدُورَ عَلَيْهِنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَأْتِينَهُ إِلاَّ أَنْ يَرْضَيْنَ (2) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ لَمْ يَنْفَرِدِ الزَّوْجُ بِمَسْكَنٍ وَأَرَادَ الْقَسْمَ دَارَ عَلَيْهِنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ تَوْفِيَةً لِحَقِّهِنَّ، وَإِنِ انْفَرَدَ بِمَسْكَنٍ فَالأَْفْضَل الْمُضِيُّ إِلَيْهِنَّ صَوْنًا لَهُنَّ، وَلَهُ دُعَاؤُهُنَّ بِمَسْكَنِهِ، وَعَلَيْهِنَّ الإِْجَابَةُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ حَقُّهُ، فَمَنِ امْتَنَعَتْ وَقَدْ لاَقَ مَسْكَنُهُ بِهَا فِيمَا يَظْهَرُ فَهِيَ نَاشِزَةٌ إِلاَّ ذَاتُ خَفَرٍ - قَال الشَّبْرَامِلْسِيُّ: أَيْ شَرَفٍ - لَمْ تَعْتَدِ الْبُرُوزَ فَيَذْهَبُ لَهَا كَمَا قَال الْمَاوَرْدِيُّ وَاسْتَحْسَنَهُ الأَْذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَإِلاَّ نَحْوُ مَعْذُورَةٍ بِمَرَضٍ فَيَذْهَبُ أَوْ يُرْسِل لَهَا مَرْكَبًا إِنْ أَطَاقَتْ مَعَ مَا يَقِيهَا مِنْ نَحْوِ مَطَرٍ.
وَالأَْصَحُّ تَحْرِيمُ ذَهَابِهِ إِلَى بَعْضِهِنَّ وَدُعَاءُ غَيْرِهِنَّ إِلَى مَسْكَنِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْيحَاشِ، وَلِمَا فِي تَفْضِيل بَعْضِهِنَّ عَلَى بَعْضٍ، مِنْ تَرْكِ الْعَدْل، إِلاَّ لِغَرَضٍ كَقُرْبِ مَسْكَنِ مَنْ مَضَى إِلَيْهَا، أَوْ
__________
(1) حديث دورانه صلى الله عليه وسلم على نسائه في بيوتهن. تقدم تخريجه.
(2) جواهر الإكليل 1 / 327، شرح الزرقاني 4 / 59، التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل 4 / 14.

خَوْفٍ عَلَيْهَا لِنَحْوِ شَبَابٍ دُونَ غَيْرِهَا فَلاَ يَحْرُمُ. وَالضَّابِطُ أَنْ لاَ يَظْهَرَ مِنْهُ التَّفْضِيل وَالتَّخْصِيصُ، وَيَحْرُمُ أَنْ يُقِيمَ بِمَسْكَنِ وَاحِدَةٍ وَيَدْعُوَ الْبَاقِيَاتِ إِلَيْهِ بِغَيْرِ رِضَاهُنَّ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ هِيَ فِيهِ حَال دُعَائِهِنَّ، فَإِنْ أَجَبْنَ فَلَهَا الْمَنْعُ، وَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ مِلْكَ الزَّوْجِ لأَِنَّ حَقَّ السُّكْنَى فِيهِ لَهَا (1) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنِ اتَّخَذَ الزَّوْجُ لِنَفْسِهِ مَسْكَنًا غَيْرَ مَسَاكِنِ زَوْجَاتِهِ يَدْعُو إِلَيْهِ كُل وَاحِدَةٍ فِي لَيْلَتِهَا وَيَوْمِهَا وَيُخْلِيهِ مِنْ ضَرَّتِهَا جَازَ لَهُ ذَلِكَ، لأَِنَّ لَهُ نَقْل زَوْجَتِهِ حَيْثُ شَاءَ بِمَسْكَنٍ يَلِيقُ بِهَا، وَلَهُ دُعَاءُ بَعْضِ الزَّوْجَاتِ إِلَى مَسْكَنِهِ وَالذَّهَابُ إِلَى مَسْكَنِ غَيْرِهِنَّ مِنَ الزَّوْجَاتِ؛ لأَِنَّ لَهُ أَنْ يُسْكِنَ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ حَيْثُ شَاءَ، وَإِنِ امْتَنَعَتْ مَنْ دَعَاهَا عَنْ إِجَابَتِهِ وَكَانَ مَا دَعَاهَا إِلَيْهِ مَسْكَنَ مِثْلِهَا سَقَطَ حَقُّهَا مِنَ الْقَسْمِ لِنُشُوزِهَا، وَإِنْ أَقَامَ عِنْدَ وَاحِدَةٍ وَدَعَا الْبَاقِيَاتِ إِلَى بَيْتِهَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِنَّ الإِْجَابَةُ لِمَا بَيْنَهُنَّ مِنْ غَيْرَةٍ وَالاِجْتِمَاعُ يُزِيدُهَا (2) .

الْقُرْعَةُ لِلسَّفَرِ:
22 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الرَّجُل يُرِيدُ السَّفَرَ بِإِحْدَى زَوْجَاتِهِ هَل لَهُ ذَلِكَ، أَمْ لاَ بُدَّ مِنْ
__________
(1) نهاية المحتاج 6 / 374 - 375، مغني المحتاج 3 / 253.
(2) كشاف القناع 5 / 203.

رِضَا سَائِرِ الزَّوْجَاتِ أَوِ الْقُرْعَةِ؟ فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّ لِلزَّوْجِ السَّفَرَ بِمَنْ شَاءَ مِنْ زَوْجَاتِهِ دُونَ قُرْعَةٍ أَوْ رِضَا سَائِرِ الزَّوْجَاتِ، لَكِنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمْ تَفْصِيلاً: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ حَقَّ لِلزَّوْجَاتِ فِي الْقَسْمِ حَالَةَ السَّفَرِ، فَيُسَافِرُ الزَّوْجُ بِمَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ.
وَالأَْوْلَى أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُنَّ فَيُسَافِرَ بِمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهَا، تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِنَّ؛ وَلأَِنَّهُ قَدْ يَثِقُ بِإِحْدَى الزَّوْجَاتِ فِي السَّفَرِ وَبِالأُْخْرَى فِي الْحَضَرِ وَالْقَرَارُ فِي الْمَنْزِل لِحِفْظِ الأَْمْتِعَةِ أَوْ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ، وَقَدْ يَمْنَعُ مِنْ سَفَرِ إِحْدَاهُنَّ كَثْرَةُ سِمَنِهَا مَثَلاً، فَتَعْيِينُ مَنْ يَخَافُ صُحْبَتَهَا فِي السَّفَرِ لِلسَّفَرِ لِخُرُوجِ قُرْعَتِهَا إِلْزَامٌ لِلضَّرَرِ الشَّدِيدِ وَهُوَ مُنْدَفِعٌ بِالنَّافِي لِلْحَرَجِ (1) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ أَرَادَ الزَّوْجُ أَنْ يُسَافِرَ بِإِحْدَى زَوْجَتَيْهِ أَوْ زَوْجَاتِهِ اخْتَارَ مَنْ تَصْلُحُ لإِِطَاقَتِهَا السَّفَرَ أَوْ لِخِفَّةِ جِسْمِهَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لاَ لِمَيْلِهِ إِلَيْهَا، إِلاَّ فِي سَفَرِ الْحَجِّ وَالْغَزْوِ فَيُقْرِعُ بَيْنَهُمَا أَوْ بَيْنَهُنَّ لأَِنَّ الْمُشَاحَّةَ تَعْظُمُ فِي سَفَرِ الْقُرُبَاتِ، وَشَرْطُ الإِْقْرَاعِ صَلاَحُ جَمِيعِهِنَّ لِلسَّفَرِ، وَمَنِ اخْتَارَ سَفَرَهَا أَوْ تَعَيَّنَ بِالْقُرْعَةِ أُجْبِرَتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهَا أَوْ يَكُونُ سَفَرُهَا مَعَرَّةً عَلَيْهَا، وَمَنْ أَبَتْ لِغَيْرِ عُذْرٍ
__________
(1) حاشية ابن عابدين (رد المحتار) 2 / 401.

سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا (1) .
وَاتَّفَقَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِبَعْضِ زَوْجَاتِهِ - وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ - إِلاَّ بِرِضَاءِ سَائِرِهِنَّ أَوْ بِالْقُرْعَةِ، وَذَلِكَ فِي الأَْسْفَارِ الطَّوِيلَةِ الْمُبِيحَةِ لِقَصْرِ الصَّلاَةِ، وَكَذَا فِي الأَْسْفَارِ الْقَصِيرَةِ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ قَالُوا: لاَ فَرْقَ بَيْنَ السَّفَرِ الطَّوِيل وَالْقَصِيرِ لِعُمُومِ الْخَبَرِ وَالْمَعْنَى، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ قَوْل الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ لَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَسْتَصْحِبَ بَعْضَ زَوْجَاتِهِ بِالْقُرْعَةِ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ لأَِنَّهُ فِي حُكْمِ الإِْقَامَةِ، وَلَيْسَ لِلْمُقِيمِ تَخْصِيصُ بَعْضِهِنَّ بِالْقُرْعَةِ، فَإِنْ فَعَل قَضَى لِلْبَوَاقِي.
وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى وُجُوبِ الْقُرْعَةِ لِتَعْيِينِ إِحْدَى الزَّوْجَاتِ لِلسَّفَرِ مَعَ الزَّوْجِ بِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، وَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ (2) ، كَمَا اسْتَدَلُّوا عَلَى الْقُرْعَةِ لِتَعْيِينِ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ لِلسَّفَرِ مَعَ الزَّوْجِ إِنْ أَرَادَ ذَلِكَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا خَرَجَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ،
__________
(1) جواهر الإكليل 1 / 328، شرح الزرقاني 4 / 60.
(2) حديث عائشة: " كان إذا أراد سفرًا. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 5 / 218) .

فَصَارَتِ الْقُرْعَةُ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ (1) وَقَالُوا: إِنَّ الْمُسَافَرَةَ بِبَعْضِ الزَّوْجَاتِ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ تَفْضِيلٌ لِمَنْ سَافَرَ بِهَا فَلَمْ يَجُزْ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ.
وَقَالُوا: إِذَا سَافَرَ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ سَوَّى بَيْنَهُنَّ فِي الْقَسْمِ فِي السَّفَرِ كَمَا يُسَوِّي بَيْنَهُنَّ فِي الْحَضَرِ (2) .
وَاتَّفَقَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لإِِحْدَى الزَّوْجَاتِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الزَّوْجِ السَّفَرُ بِهَا، وَلَهُ تَرْكُهَا وَالسَّفَرُ وَحْدَهُ؛ لأَِنَّ الْقُرْعَةَ لاَ تُوجِبُ وَإِنَّمَا تُعَيِّنُ مَنْ تَسْتَحِقُّ التَّقْدِيمَ، وَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ بِغَيْرِهَا لَمْ يَجُزْ؛ لأَِنَّهَا تَعَيَّنَتْ بِالْقُرْعَةِ فَلَمْ يَجُزِ الْعُدُول عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، وَإِنِ امْتَنَعَتْ مِنَ السَّفَرِ مَعَ الزَّوْجِ سَقَطَ حَقُّهَا إِذَا رَضِيَ الزَّوْجُ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الزَّوْجُ بِامْتِنَاعِهَا فَلَهُ إِكْرَاهُهَا عَلَى السَّفَرِ مَعَهُ لأَِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا إِجَابَتُهُ، فَإِنْ رَضِيَ بِامْتِنَاعِهَا اسْتَأْنَفَ الْقُرْعَةَ بَيْنَ الْبَوَاقِي لِتَعْيِينِ مَنْ تُسَافِرُ مَعَهُ (3) .
وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ مَنْ خَرَجَتْ لَهَا الْقُرْعَةُ إِنْ وَهَبَتْ حَقَّهَا مِنْ ذَلِكَ لِغَيْرِهَا مِنَ الزَّوْجَاتِ جَازَ إِنْ رَضِيَ الزَّوْجُ؛ لأَِنَّ الْحَقَّ لَهَا فَصَحَّتْ هِبَتُهَا لَهُ كَمَا لَوْ وَهَبَتْ لَيْلَتَهَا فِي
__________
(1) حديث عائشة: " كان إذا خرج أقرع بين نسائه. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 9 / 310) ومسلم (4 / 1894) .
(2) مغني المحتاج 3 / 257، المغني 7 / 40 - 41.
(3) حاشية القليوبي 3 / 304، مغني المحتاج 3 / 258، المغني 7 / 42.

الْحَضَرِ، وَلاَ يَجُوزُ بِغَيْرِ رِضَا الزَّوْجِ لأَِنَّ حَقَّهُ فِي الاِسْتِمْتَاعِ بِهَا لاَ يَسْقُطُ إِلاَّ بِرِضَاهُ، وَإِنْ وَهَبَتْهُ لِلزَّوْجِ أَوْ لِسَائِرِ الزَّوْجَاتِ جَازَ (1) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ رَضِيَتِ الزَّوْجَاتُ كُلُّهُنَّ بِسَفَرِ وَاحِدَةٍ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ جَازَ؛ لأَِنَّ الْحَقَّ لَهُنَّ إِلاَّ أَنْ لاَ يَرْضَى الزَّوْجُ بِهَا فَيُصَارُ إِلَى الْقُرْعَةِ، وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَاتِ إِنْ رَضِينَ بِوَاحِدَةٍ فَلَهُنَّ الرُّجُوعُ قَبْل سَفَرِهَا، قَال الْمَاوَرْدِيُّ: وَكَذَا بَعْدَهُ مَا لَمْ يُجَاوِزْ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، أَيْ يَصِل إِلَيْهَا (2) .
وَقَالُوا: لَوْ أَقْرَعَ الزَّوْجُ بَيْنَ نِسَائِهِ عَلَى سَفَرٍ فَخَرَجَ سَهْمُ وَاحِدَةٍ فَخَرَجَ بِهَا، ثُمَّ أَرَادَ سَفَرًا آخَرَ قَبْل رُجُوعِهِ مِنْ ذَلِكَ السَّفَرِ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ كَالسَّفَرِ الْوَاحِدِ، مَا لَمْ يَرْجِعْ، فَإِذَا رَجَعَ فَأَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ (3) .
وَقَالُوا: لَوْ سَافَرَ بِوَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ أَوْ أَكْثَرَ بِقُرْعَةٍ أَوْ بِرِضَاهُنَّ لاَ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ لِلْحَاضِرَاتِ، سَوَاءٌ طَال سَفَرُهُ أَوْ قَصُرَ؛ لأَِنَّ الَّتِي سَافَرَ بِهَا يَلْحَقُهَا مِنْ مَشَقَّةِ السَّفَرِ بِإِزَاءِ مَا حَصَل لَهَا مِنَ السَّكَنِ، وَلاَ يَحْصُل لَهَا مِنَ السَّكَنِ مِثْل مَا يَحْصُل لِمَنْ فِي الْحَضَرِ، أَيْ أَنَّ الْمُقِيمَةَ فِي الْحَضَرِ الَّتِي لَمْ تُسَافِرْ مَعَ زَوْجِهَا وَإِنْ
__________
(1) المغني 7 / 42.
(2) مغني المحتاج 3 / 258، 7 / 42.
(3) الأم 5 / 193، المغني 7 / 42.

فَاتَهَا حَظُّهَا مِنْ زَوْجِهَا أَثْنَاءَ سَفَرِهِ مَعَ غَيْرِهَا مِنَ الزَّوْجَاتِ، فَقَدْ تَرَفَّهَتْ بِالدَّعَةِ وَالإِْقَامَةِ فَتَقَابَل الأَْمْرَانِ فَاسْتَوَيَا، وَلَوْ سَافَرَ الزَّوْجُ بِوَاحِدَةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ زَوْجَاتِهِ دُونَ رِضَاهُنَّ أَوِ الْقُرْعَةِ أَثِمَ، وَقَضَى لِلأُْخْرَيَاتِ مُدَّةَ السَّفَرِ (1) .
وَقَالُوا: إِنْ خَرَجَ بِإِحْدَاهُنَّ بِقُرْعَةٍ ثُمَّ أَقَامَ قَضَى مُدَّةَ الإِْقَامَةِ لِخُرُوجِهَا عَنْ حُكْمِ السَّفَرِ، وَذَلِكَ إِذَا سَاكَنَ الْمَصْحُوبَةَ، أَمَّا إِذَا اعْتَزَلَهَا مُدَّةَ الإِْقَامَةِ فَلاَ يَقْضِي (2) .
وَقَالُوا: مَنْ سَافَرَ لِنُقْلَةٍ حَرُمَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَصْحِبَ بَعْضَهُنَّ دُونَ بَعْضٍ وَلَوْ بِقُرْعَةٍ، بَل يَنْقُلَهُنَّ أَوْ يُطَلِّقَهُنَّ، وَإِنْ أَرَادَ الاِنْتِقَال بِنِسَائِهِ فَأَمْكَنَهُ اسْتِصْحَابُهُنَّ كُلُّهُنَّ فِي سَفَرِهِ فَعَل وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِفْرَادُ إِحْدَاهُنَّ بِهِ؛ لأَِنَّ هَذَا السَّفَرَ لاَ يَخْتَصُّ بِوَاحِدَةٍ بَل يَحْتَاجُ إِلَى نَقْل جَمِيعِهِنَّ، فَإِنْ خَصَّ إِحْدَاهُنَّ بِالسَّفَرِ مَعَهُ قَضَى لِلْبَاقِيَاتِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ صُحْبَةُ جَمِيعِهِنَّ أَوْ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَبَعَثَ بِهِنَّ جَمِيعًا مَعَ غَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ مَحْرَمٌ لَهُنَّ جَازَ، وَلاَ يَقْضِي لأَِحَدٍ وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى قُرْعَةٍ لأَِنَّهُ سَوَّى بَيْنَهُنَّ، وَإِنْ أَرَادَ إِفْرَادَ بَعْضِهِنَّ بِالسَّفَرِ مَعَهُ لَمْ يَجُزْ إِلاَّ بِقُرْعَةٍ، فَإِذَا وَصَل إِلَى الْبَلَدِ الَّذِي انْتَقَل إِلَيْهِ
__________
(1) مغني المحتاج 3 / 258، وأسنى المطالب 3 / 237، والمغني 7 / 41.
(2) مغني المحتاج 3 / 258، المغني 7 / 41.

فَأَقَامَتْ مَعَهُ فِيهِ قَضَى لِلْبَاقِيَاتِ (1) .
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ السَّفَرَ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ هَذِهِ الأَْحْكَامُ هُوَ السَّفَرُ الْمُبَاحُ، أَمَّا غَيْرُهُ فَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَسْتَصْحِبَ فِيهِ بَعْضَهُنَّ بِقُرْعَةٍ وَلاَ بِغَيْرِهَا، فَإِنْ فَعَل عَصَى وَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ لِلزَّوْجَاتِ الْبَاقِيَاتِ (2) .

قَضَاءُ مَا فَاتَ مِنَ الْقَسْمِ:
23 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْعَدْل فِي الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ وَاجِبٌ عَلَى الزَّوْجِ، فَإِنْ جَارَ الزَّوْجُ وَفَوَّتَ عَلَى إِحْدَاهُنَّ قَسْمَهَا فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي قَضَاءِ مَا فَاتَ مِنَ الْقَسْمِ: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَقْضِي الزَّوْجُ الْمَبِيتَ الَّذِي كَانَ مُسْتَحَقًّا لإِِحْدَى زَوْجَاتِهِ وَلَمْ يُوفِهِ لَهَا؛ لأَِنَّ الْقَصْدَ مِنَ الْمَبِيتِ دَفْعُ الضَّرَرِ وَتَحْصِينُ الْمَرْأَةِ وَإِذْهَابُ الْوَحْشَةِ، وَهَذَا يَفُوتُ بِفَوَاتِ زَمَنِهِ، فَلاَ يُجْعَل لِمَنْ فَاتَتْ لَيْلَتُهَا لَيْلَةً عِوَضًا عَنْهَا لأَِنَّهُ حِينَئِذٍ يَظْلِمُ صَاحِبَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي جَعَلَهَا عِوَضًا؛ وَلأَِنَّ الْمَبِيتَ لاَ يَزِيدُ عَلَى النَّفَقَةِ وَهِيَ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (3) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَقْضِيَ مَا فَاتَ مِنَ الْقَسْمِ لِلزَّوْجَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِسَبَبٍ مِنْ جَانِبِهَا كَنُشُوزِهَا أَوْ إِغْلاَقِهَا
__________
(1) مغني المحتاج 3 / 258، المغني 7 / 42 - 43.
(2) مغني المحتاج 3 / 258.
(3) رد المحتار 2 / 400 - 401، جواهر الإكليل 1 / 327.

بَابَهَا دُونَهُ وَمَنْعِهَا إِيَّاهُ مِنَ الدُّخُول عَلَيْهَا فِي نَوْبَتِهَا (1) .
وَأَسْبَابُ فَوَاتِ الْقَسْمِ مُتَعَدِّدَةٌ: فَقَدْ يُسَافِرُ الزَّوْجُ بِإِحْدَى الزَّوْجَاتِ فَيَفُوتُ الْقَسْمُ لِسَائِرِهِنَّ. . وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ حُكْمِ الْقَضَاءِ لَهُنَّ تَفْصِيلاً.
وَقَدْ يَتَزَوَّجُ الرَّجُل أَثْنَاءَ دَوْرَةِ الْقَسْمِ لِزَوْجَاتِهِ وَقَبْل أَنْ يُوفِيَ نَوْبَاتِ الْقَسْمِ الْمُسْتَحَقَّةِ لَهُنَّ، فَيَقْطَعَ الدَّوْرَةَ لِيَخْتَصَّ الزَّوْجَةَ الْجَدِيدَةَ بِقَسْمِ النِّكَاحِ، مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَوَاتُ نَوْبَةِ مَنْ لَمْ يَأْتِ دَوْرُهَا فَيَجِبُ الْقَضَاءُ لَهَا. . وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ.
وَقَدْ يَفُوتُ قَسْمُ إِحْدَى الزَّوْجَاتِ بِسَفَرِهَا، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: قَالُوا: إِنْ سَافَرَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لِحَاجَتِهَا أَوْ حَاجَتِهِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلاَ قَسْمَ لَهَا؛ لأَِنَّ الْقَسْمَ لِلأُْنْسِ وَقَدِ امْتَنَعَ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا فَسَقَطَ، وَإِنْ سَافَرَتْ بِإِذْنِهِ لِغَرَضِهِ أَوْ حَاجَتِهِ فَإِنَّهُ يَقْضِي لَهَا مَا فَاتَهَا بِحَسَبِ مَا أَقَامَ عِنْدَ ضَرَّتِهَا لأَِنَّهَا سَافَرَتْ بِإِذْنِهِ وَلِغَرَضِهِ، فَهِيَ كَمَنْ عِنْدَهُ وَفِي قَبْضَتِهِ وَهُوَ الْمَانِعُ نَفْسَهُ بِإِرْسَالِهَا، وَإِنْ سَافَرَتْ بِإِذْنِهِ لِغَرَضِهَا أَوْ حَاجَتِهَا لاَ يَقْضِي لَهَا (عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَفِي الْجَدِيدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ) لأَِنَّهَا
__________
(1) نهاية المحتاج 6 / 376 - 377، المغني 7 / 33.

فَوَّتَتْ حَقَّهُ فِي الاِسْتِمْتَاعِ بِهَا وَلَمْ تَكُنْ فِي قَبْضَتِهِ، وَإِذْنُهُ لَهَا بِالسَّفَرِ رَافِعٌ لِلإِْثْمِ خَاصَّةً.
وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ سَافَرَتْ لِحَاجَةِ ثَالِثٍ - غَيْرِهَا وَغَيْرِ الزَّوْجِ - قَال الزَّرْكَشِيُّ: فَيَظْهَرُ أَنَّهُ كَحَاجَةِ نَفْسِهَا، وَهُوَ - كَمَا قَال غَيْرُهُ - ظَاهِرٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ خُرُوجُهَا بِسُؤَال الزَّوْجِ لَهَا فِيهِ، وَإِلاَّ فَيُلْحَقُ بِخُرُوجِهَا لِحَاجَتِهِ بِإِذْنِهِ، وَلَوْ سَافَرَتْ وَحْدَهَا بِإِذْنِهِ لِحَاجَتِهِمَا مَعًا لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهَا كَمَا قَال الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّفَقَةِ وَمِثْلُهَا الْقَسْمُ، خِلاَفًا لِمَا بَحَثَهُ ابْنُ الْعِمَادِ مِنَ السُّقُوطِ (1)
وَقَدْ يَفُوتُ قَسْمُ إِحْدَى الزَّوْجَاتِ بِتَخَلُّفِ الزَّوْجِ عَنِ الْمَبِيتِ عِنْدَهَا فِي نَوْبَتِهَا أَوْ بِخُرُوجِهِ أَثْنَاءَ نَوْبَتِهَا، فَإِنْ كَانَ الْفَوَاتُ لِلنَّوْبَةِ بِكَامِلِهَا وَجَبَ قَضَاؤُهَا كَامِلَةً، وَإِنْ كَانَ الْفَوَاتُ لِبَعْضِ النَّوْبَةِ كَأَنْ خَرَجَ لَيْلاً - فِيمَنْ عِمَادُ قَسْمِهِ اللَّيْل - وَطَال زَمَنُ خُرُوجِهِ وَلَوْ لِغَيْرِ بَيْتِ الضَّرَّةِ. فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الْخُرُوجِ (2) .

تَنَازُل الزَّوْجَةِ عَنْ قَسْمِهَا:
24 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لإِِحْدَى زَوْجَاتِ الرَّجُل أَنْ تَتَنَازَل عَنْ قَسْمِهَا، أَوْ
__________
(1) مغني المحتاج 3 / 257، نهاية المحتاج 6 / 379 - 380، كشاف القناع 5 / 205.
(2) نهاية المحتاج 6 / 376، المغني 7 / 33.

تَهَبَ حَقَّهَا مِنَ الْقَسْمِ لِزَوْجِهَا أَوْ لِبَعْضِ ضَرَائِرِهَا أَوْ لَهُنَّ جَمِيعًا، وَذَلِكَ بِرِضَا الزَّوْجِ؛ لأَِنَّ حَقَّهُ فِي الاِسْتِمْتَاعِ بِهَا لاَ يَسْقُطُ إِلاَّ بِرِضَاهُ لأَِنَّهَا لاَ تَمْلِكُ إِسْقَاطَ حَقِّهِ فِي الاِسْتِمْتَاعِ بِهَا، فَإِذَا رَضِيَتْ هِيَ وَالزَّوْجُ جَازَ؛ لأَِنَّ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ لَهُمَا لاَ يَخْرُجُ عَنْهُمَا، فَإِنْ أَبَتِ الْمَوْهُوبَةُ قَبُول الْهِبَةِ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ لأَِنَّ حَقَّ الزَّوْجِ فِي الاِسْتِمْتَاعِ بِهَا فِي كُل وَقْتٍ ثَابِتٌ وَإِنَّمَا مَنَعَتْهُ الْمُزَاحَمَةُ بِحَقِّ صَاحِبَتِهَا، فَإِنْ زَالَتِ الْمُزَاحَمَةُ بِهِبَتِهَا ثَبَتَ حَقُّهُ فِي الاِسْتِمْتَاعِ بِهَا وَإِنْ كَرِهَتْ كَمَا لَوْ كَانَتْ مُنْفَرِدَةً (1) ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، فَكَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ بِيَوْمِهَا وَيَوْمِ سَوْدَةَ (2) .
وَيُعَلِّقُ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى هَذِهِ الْهِبَةِ بِقَوْلِهِمْ: هَذِهِ الْهِبَةُ لَيْسَتْ عَلَى قَوَاعِدِ الْهِبَاتِ، وَلِهَذَا لاَ يُشْتَرَطُ قَبُول الْمَوْهُوبِ لَهَا أَوْ رِضَاهَا، بَل يَكْفِي رِضَا الزَّوْجِ؛ لأَِنَّ الْحَقَّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَاهِبَةِ وَبَيْنِهِ، إِذْ لَيْسَ لَنَا هِبَةٌ يُقْبَل فِيهَا غَيْرُ الْمَوْهُوبِ لَهُ مَعَ تَأَهُّلِهِ لِلْقَبُول إِلاَّ هَذِهِ (3) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ وَهَبَتْ لَيْلَتَهَا
__________
(1) رد المحتار 2 / 401، فتح القدير 3 / 303، الشرح الكبير 2 / 341، مغني المحتاج 3 / 258، المغني 7 / 38.
(2) حديث: أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة. . أخرجه البخاري (فتح الباري 9 / 312) ، ومسلم (2 / 1085) من حديث عائشة.
(3) نهاية المحتاج 6 / 381، مغني المحتاج 3 / 258.

لِجَمِيعِ ضَرَائِرِهَا، وَوَافَقَ الزَّوْجُ، صَارَ الْقَسْمُ بَيْنَهُنَّ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ الْوَاهِبَةَ، وَإِنْ وَهَبَتْهَا لِلزَّوْجِ فَلَهُ جَعْلُهَا لِمَنْ شَاءَ: إِنْ أَرَادَ جَعْلَهَا لِلْجَمِيعِ، أَوْ خَصَّ بِهَا وَاحِدَةً مِنْهُنَّ، أَوْ جَعَل لِبَعْضِهِنَّ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ (1) .
وَقِيل - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - لَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَجْعَل اللَّيْلَةَ الْمَوْهُوبَةَ لَهُ حَيْثُ شَاءَ مِنْ بَقِيَّةِ الزَّوْجَاتِ، بَل يُسَوِّيَ بَيْنَهُنَّ وَلاَ يُخَصِّصُ؛ لأَِنَّ التَّخْصِيصَ يُورِثُ الْوَحْشَةَ وَالْحِقْدَ، فَتُجْعَل الْوَاهِبَةُ كَالْمَعْدُومَةِ (2) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ كَذَلِكَ أَنَّ إِحْدَى الزَّوْجَاتِ لَوْ وَهَبَتْ لَيْلَتَهَا لِلزَّوْجِ وَلِبَعْضِ الزَّوْجَاتِ، أَوْ لَهُ وَلِلْجَمِيعِ، فَإِنَّ حَقَّهَا يُقْسَمُ عَلَى الرُّءُوسِ، كَمَا لَوْ وَهَبَ شَخْصٌ عَيْنًا لِجَمَاعَةٍ (3) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ وَهَبَتْ إِحْدَى الزَّوْجَاتِ لَيْلَتَهَا لِوَاحِدَةٍ جَازَ، ثُمَّ إِنْ كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ تَلِي لَيْلَةَ الْمَوْهُوبَةِ وَالَى بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ لاَ تَلِيهَا لَمْ يَجُزِ الْمُوَالاَةُ بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِرِضَاءِ الْبَاقِيَاتِ، وَيَجْعَلُهَا لَهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ لِلْوَاهِبَةِ؛ لأَِنَّ الْمَوْهُوبَةَ قَامَتْ مَقَامَ الْوَاهِبَةِ فِي لَيْلَتِهَا فَلَمْ يَجُزْ تَغْيِيرُهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً لِلْوَاهِبَةِ؛ وَلأَِنَّ فِي ذَلِكَ تَأْخِيرَ حَقِّ غَيْرِهَا
__________
(1) مغني المحتاج 3 / 258، والمغني 7 / 39.
(2) مغني المحتاج 3 / 259.
(3) مغني المحتاج 3 / 259، نهاية المحتاج 6 / 381.

وَتَغْيِيرًا لِلَيْلَتِهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا فَلَمْ يَجُزْ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِذَا وَهَبَتْهَا لِلزَّوْجِ فَآثَرَ بِهَا امْرَأَةً مِنْهُنَّ بِعَيْنِهَا.
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَوَجْهٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يُوَالِيَ بَيْنَ اللَّيْلَتَيْنِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي التَّفْرِيقِ (1) .
وَلِلزَّوْجَةِ الْوَاهِبَةِ الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَتْ فَإِذَا رَجَعَتِ انْصَرَفَ الرُّجُوعُ مِنْ حِينِهِ إِلَى الْمُسْتَقْبَل؛ لأَِنَّهَا هِبَةٌ لَمْ تُقْبَضْ فَلَهَا الرُّجُوعُ فِيهَا، وَلَيْسَ لَهَا الرُّجُوعُ فِيمَا مَضَى لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَقْبُوضِ، وَلَوْ رَجَعَتْ فِي بَعْضِ اللَّيْل كَانَ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَنْتَقِل إِلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى أَتَمَّ اللَّيْلَةَ لَمْ يَقْضِ لَهَا شَيْئًا لأَِنَّ التَّفْرِيطَ مِنْهَا (2) .
وَنَصَّ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى مَا يُوَافِقُ الشَّافِعِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ فِي الْمَسَائِل السَّابِقَةِ (3) .

الْعِوَضُ لِلتَّنَازُل عَنِ الْقَسْمِ:
25 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَخْذِ الزَّوْجَةِ الْمُتَنَازِلَةِ عَنْ قَسْمِهَا عِوَضًا عَلَى ذَلِكَ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهَا ذَلِكَ، لاَ مِنَ الزَّوْجِ وَلاَ مِنَ الضَّرَائِرِ، فَإِنْ أَخَذَتْ لَزِمَهَا رَدُّهُ وَاسْتَحَقَّتِ الْقَضَاءَ؛ لأَِنَّ
__________
(1) مغني المحتاج 3 / 258، المغني 7 / 39.
(2) مغني المحتاج 3 / 259، المغني 7 / 39.
(3) فتح القدير 3 / 303.

الْعِوَضَ لَمْ يُسَلَّمْ لَهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْ قَسْمِهَا لأَِنَّهُ لَيْسَ بِعَيْنٍ وَلاَ مَنْفَعَةٍ؛ وَلأَِنَّ مَقَامَ الزَّوْجِ عِنْدَهَا لَيْسَ بِمَنْفَعَةٍ مَلَكَتْهَا.
وَأَضَافَ الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ الْعِوَضُ غَيْرَ الْمَال مِثْل إِرْضَاءِ زَوْجِهَا وَغَيْرِهِ عَنْهَا جَازَ (1) فَإِنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَرْضَتْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَفِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا وَأَخَذَتْ يَوْمَهَا، وَأَخْبَرَتْ بِذَلِكَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ (2) .
قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُ أَخْذِ الْعِوَضِ عَنْ سَائِرِ حُقُوقِهَا مِنَ الْقَسْمِ وَغَيْرِهِ وَوَقَعَ فِي كَلاَمِ الْقَاضِي مَا يَقْتَضِي جَوَازَهُ (3) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ أَخْذَ الْعِوَضِ عَلَى ذَلِكَ جَائِزٌ، فَقَالُوا: جَازَ لِلزَّوْجِ إِيثَارُ إِحْدَى الضَّرَّتَيْنِ عَلَى الأُْخْرَى بِرِضَاهَا، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ تَأْخُذُهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ ضَرَّتِهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا، أَوْ لاَ، بَل رَضِيَتْ مَجَّانًا، وَجَازَ لِلزَّوْجِ أَوِ الضَّرَّةِ شِرَاءُ يَوْمِهَا مِنْهَا بِعِوَضٍ، وَتَخْتَصُّ الضَّرَّةُ بِمَا اشْتَرَتْ، وَيَخُصُّ الزَّوْجُ مَنْ شَاءَ بِمَا اشْتَرَى، وَعَقَّبَ الدُّسُوقِيُّ بِقَوْلِهِ: وَتَسْمِيَةُ هَذَا شِرَاءً مُسَامَحَةٌ، بَل هَذَا إِسْقَاطُ حَقٍّ لأَِنَّ
__________
(1) فتح القدير 3 / 303، مغني المحتاج 3 / 258، المغني 7 / 39 - 40.
(2) حديث إرضاء عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفية أخرجه ابن ماجه (1 / 634 - 635) من حديث عائشة وقال البوصيري في الزوائد (1 / 343) إسناده ضعيف.
(3) كشاف القناع 5 / 205، 206، الإنصاف 8 / 371، 372.

الْمَبِيعَ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُتَمَوَّلاً (1) .

مَا يَسْقُطُ بِهِ الْقَسْمُ:
26 - يَسْقُطُ حَقُّ الزَّوْجَةِ فِي الْقَسْمِ بِإِسْقَاطِهَا وَيَسْقُطُ بِالنُّشُوزِ كَمَا تَسْقُطُ بِهِ النَّفَقَةُ. . وَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَمِنَ النُّشُوزِ أَنْ تَخْرُجَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ أَوْ تَمْنَعَهُ مِنَ التَّمَتُّعِ بِهَا. . قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَلَوْ بِنَحْوِ قُبْلَةٍ وَإِنْ مَكَّنَتْهُ مِنَ الْجِمَاعِ حَيْثُ لاَ عُذْرَ فِي امْتِنَاعِهَا مِنْهُ، فَإِنْ عُذِرَتْ كَأَنْ كَانَ بِهِ صُنَانٌ مُسْتَحْكِمٌ - مَثَلاً - وَتَأَذَّتْ بِهِ تَأَذِّيًا لاَ يُحْتَمَل عَادَةً لَمْ تُعَدَّ نَاشِزَةً، وَتُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ إِنْ لَمْ تَدُل قَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ عَلَى كَذِبِهَا. . وَسُقُوطُ حَقِّ النَّاشِزَةِ فِي الْقَسْمِ لأَِنَّهَا بِخُرُوجِهَا عَلَى طَاعَةِ زَوْجِهَا وَامْتِنَاعِهَا مِنْهُ رَضِيَتْ بِإِسْقَاطِ حَقِّهَا فِي الْقَسْمِ.
وَلاَ تَسْتَحِقُّ الْقَسْمَ زَوْجَةٌ صَغِيرَةٌ لاَ تُطِيقُ الْوَطْءَ، وَكَذَا الْمَجْنُونَةُ غَيْرُ الْمَأْمُونَةِ، وَالْمَحْبُوسَةُ؛ لأَِنَّ فِي إِلْزَامِ زَوْجِهَا بِالْقَسْمِ لَهَا إِضْرَارًا بِهِ حَيْثُ يَدْخُل الْحَبْسَ مَعَهَا لِيُوفِيَهَا قَسْمَهَا، وَالزَّوْجَةُ الْمُسَافِرَةُ لِحَاجَتِهَا وَحْدَهَا بِإِذْنِ زَوْجِهَا (2) .
__________
(1) حاشية الدسوقي 2 / 341.
(2) رد المحتار 2 / 400، جواهر الإكليل 1 / 327، نهاية المحتاج 6 / 373 - 374، المغني 7 / 28 - 40، كشاف القناع 5 / 204.

1 - تنقسم العصبة بالنسب إلى ثلاثة أقسام 1 - عصبة بالنفس

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

1 - تنقسم العصبة بالنسب إلى ثلاثة أقسام:
1 - عصبة بالنفس:
وهم كل وارث من الذكور إلا (الزوج، والأخ لأم، والمعتق) وهم: الابن، وابن الابن وإن نزل، والأب، والجد وإن علا، والأخ الشقيق، والأخ لأب، وابن الأخ الشقيق وإن نزل، وابن الأخ لأب وإن نزل، والعم الشقيق، والعم لأب، وابن العم الشقيق وإن نزل، وابن العم لأب وإن نزل.
* من انفرد من هؤلاء أخذ جميع المال، وإذا اجتمع مع أصحاب الفروض أخذ ما أبقت الفروض، وإن استغرقت الفروض التركة سقط.
* جهات التعصيب بعضها أقرب من بعض وهي خمس على الترتيب: البنوة، ثم الأبوة، ثم الإخوة وبنوهم، ثم الأعمام وبنوهم، ثم الولاء.

أقسام الحجب ينقسم الحجب إلى قسمين

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

أقسام الحجب
* ينقسم الحجب إلى قسمين:
1 - الحجب بالوصف: وهو أن يتصف الوارث بمانع من موانع الإرث، وهو الرق، أو القتل، أو اختلاف الدين، وهو يدخل على جميع الورثة، فمن اتصف بأحد هذه الأوصاف لم يرث، ووجوده كعدمه.
2 - الحجب بالشخص: -وهو المراد هنا- وهو أن يكون بعض الورثة محجوباً بشخص آخر، وهذا القسم ينقسم إلى قسمين: حجب نقصان، وحجب حرمان، وبيانها كما يلي:
1 - حجب النقصان: وهو منع الشخص الوارث أوفر حظّيه، بأن ينقص ميراث المحجوب بسبب الحاجب، وهو سبعة أنواع: أربعة بالانتقال، وثلاثة بالازدحام، فالانتقال:
1 - أن ينتقل المحجوب من فرض إلى فرض أقل منه، وهم خمسة: الزوجان، الأم، بنت الابن، الأخت لأب، كانتقال الزوج من النصف إلى الربع مثلاً.
2 - أن ينتقل من تعصيب إلى فرض أقل منه، وهذا في حق الأب والجد فقط.
3 - أن ينتقل من فرض إلى تعصيب أقل منه، وهذا في حق ذوات النصف: البنت، وبنت الابن، والأخت الشقيقة، والأخت لأب إذا كان مع كل واحدة أخوها.
4 - أن ينتقل من تعصيب إلى تعصيب أقل منه، وهذا يكون في حق العصبة مع الغير، فللأخت الشقيقة أو لأب مع البنت أو بنت الابن الباقي وهو النصف، ولو كان معها أخوها كان الباقي بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين.
5 - أما الازدحام فيكون في الفرض، وهذا يكون في حق سبعة من الورثة وهم: الجد، والزوجة، والعدد من البنات وبنات الابن، والأخوات الشقائق، والأخوات لأب، والإخوة لأم.
6 - وازدحام في التعصيب: وهذا يكون في حق كل عاصب كالأبناء، والإخوة، والأعمام ونحوهم.
7 - وازدحام في العول: وهذا يكون في حق أصحاب الفروض إذا تزاحموا.
2 - حجب الحرمان: وهو أن يُسقط الشخص غيره من الإرث بالكلية، ويأتي على جميع الورثة ما عدا ستة: الأب، والأم، والزوج، والزوجة، والابن، والبنت.

تقسم التركة على الورثة بإحدى الطرق الآتية

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

* تقسم التركة على الورثة بإحدى الطرق الآتية:
1 - طريق النسبة: وهي أن تنسب سهم كل وارث من المسألة إليها وتعطيه من التركة بمثل ذلك، فلو هلك هالك عن (زوجة وأم وعم) والتركة مائة وعشرون، فالمسألة من اثني عشر، للزوجة الربع ثلاثة، وللأم الثلث أربعة، وللعم الباقي خمسة، فنسبة ثلاثة الزوجة إلى المسألة ربعها، فتأخذ ربع التركة ثلاثين، ونسبة أربعة الأم إلى المسألة ثلثها، فتأخذ ثلث التركة أربعين، ونسبة خمسة العم إلى المسألة ربعها وسدسها، فيأخذ ربع التركة وسدسها خمسين.
2 - وإن شئت ضربت نصبب كل وارث في التركة، ثم تقسم الحاصل على مصح المسألة فيخرج نصيبه من التركة، فللزوجة في المسألة السابقة الربع ثلاثة، تضربه في التركة (120) والناتج (360) تقسمه على أصل المسألة (12) يكون نصيبها من التركة (30) وهكذا.
3 - وإن شئت قسمت التركة على مصح المسألة، وحاصل القسمة تضرب به نصيب الوارث من المسألة، والناتج هو نصيبه من التركة.
ففي المسألة السابقة تقسم التركة (120) على أصل المسألة (12) يكون الناتج (10)، تضرب به نصيب كل وارث، فنصيب الأم في المسألة السابقة الثلث أربعة، نضربه في عشرة (10×4=40) هو نصيبها من التركة وهكذا.
* إذا حضر قسمة الميراث أقارب الميت الذين لا يرثون، أو اليتامى، أو من لا مال لهم فيستحب إعطاؤهم شيئاً من المال قبل قسمة التركة.
قال الله تعالى: (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً) (النساء/8).

قتل الخطأ ينقسم إلى قسمين

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

* قتل الخطأ ينقسم إلى قسمين:
1 - قسم فيه الكفارة على القاتل، والدية على العاقلة، وهو قتل المؤمن خطأ في غير صف القتال، أو كان القتيل من قوم بيننا وبينهم ميثاق، فتجب الدية المخففة على العاقلة، والكفارة على الجاني كما يلي:
1 - الدية المخففة: مائة من الإبل، لما روى عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن من قتل خطأ فديته مائة من الإبل ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة، وعشْرة بني لبونٍ ذكرٍ. أخرجه أبو داود وابن ماجه (¬1).
* تتحمل العاقلة هذه الدية أو قيمتها حسب كل عصر، والمعمول به الآن في بلاد الحرمين في دية قتل الخطأ (مائة ألف ريال سعودي) ونصفها للأنثى، وتكون هذه الدية مؤجلة على ثلاث سنين.
2 - الكفارة: وهي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، وتجب الكفارة في مال الجاني خاصة؛ لمحو الإثم الذي ارتكبه.
* يستحب لأولياء القتيل العفو عن الدية، ولهم الأجر من الله عز وجل، فإن عفوا سقطت، أما الكفارة فهي لازمة للجاني.
2 - وقسم تجب فيه الكفارة فقط، وهو المؤمن الذي يقتله المسلمون بين الكفار في بلادهم يظنونه كافراً، فلا دية على قاتله بل عليه الكفارة: عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين.
قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) (النساء/92).
¬_________
(¬1) حسن / أخرجه أبو داود برقم (4541)، وهذا لفظه، صحيح سنن أبي داود رقم (3805). وأخرجه ابن ماجه برقم (2630)، صحيح سنن ابن ماجه رقم (2128).

الدية فيما دون النفس من الأطراف والجراح تنقسم إلى ثلاثة أقسام. 1 - القسم الأول دية الأعضاء ومنافعها

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

* الدية فيما دون النفس من الأطراف والجراح تنقسم إلى ثلاثة أقسام.
1 - القسم الأول: دية الأعضاء ومنافعها:
1 - ما كان في الإنسان منه شيء واحد: ففيه دية النفس كالأنف، واللسان، والذكر، واللحية، ومثلها ذهاب السمع، والبصر، والكلام، والعقل، والصُّلب ونحوها.
2 - ما كان في الإنسان منه شيئان: كالعينين، والأذنين، والشفتين، والبيضتين واليدين، والرجلين، واللحيين ونحوها ففي كل واحد منهما نصف الدية، وفيهما معاً الدية كاملة، فإن ذهبت منفعة أحدهما ففيه نصف الدية، وإن ذهبت منفعتهما معاً فالدية كاملة، وفي عين الأعور الصحيحة إذا ذهبت الدية كاملة.
3 - ما كان في الإنسان منه أربعة أشياء: كأجفان العينين الأربعة، ففي كل واحد ربع الدية، وفي جميعها الدية كاملة.
4 - ما كان في الإنسان منه عشرة: كأصابع اليدين والرجلين، ففي كل أصبع عشر الدية، وفي العشرة جميعاً الدية، وفي أنملة كل أصبع ثلث دية الأصبع، وفي أنملة الإبهام نصف ديته، وإن ذهبت منفعة أصبع ففيه عُشر الدية، وإن ذهبت منافع الأصابع ففيها الدية كاملة.
5 - الأسنان: أسنان الإنسان اثنان وثلاثون، أربع ثنايا، وأربع رباعيات، وأربعة أنياب وعشرون ضرساً في كل جانب عشرة، ويجب في كل واحد من الأسنان خمس من الإبل.
* تجب الدية كاملة في كل واحد من الشعور الأربعة إذا ذهبت، وهي: شعر الرأس، وشعر اللحية، وشعر الحاجبين، وأهداب العينين، وفي الحاجب الواحد نصف الدية، وفي الهدب الواحد ربع الدية.
وفي اليد الشلاء، والعين التي لا تبصر، والسن السوداء، في كل واحدة إذا ذهبت ثلث ديتها.

2 - القسم الثاني دية الشجاج والجروح

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

3 - القسم الثالث دية العظام

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

3 - القسم الثالث: دية العظام:
* الضلع إذا كُسر ثم جُبر مستقيماً ففيه بعير.
* الترقوة إذا كسرت ثم جبرت مستقيمة ففيها بعير، وفي الترقوتين بعيران.
* وفي كسر الذراع، أو العضد، أو الفخذ، أو الساق إذا جبر مستقيماً بعيران.
* إذا لم تجبر العظام السابقة مستقيمة ففيها حكومة، والصُّلب إذا كسر فلم ينجبر ففيه الدية.
* بقية العظام ليس فيها شيء مقدر بل فيها حكومة.
* وفي أحكام ما سبق روى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات: وفيه: (( ... وأن في النفس الدية مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أُوعب جدعُه الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرِّجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمُومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشْرة من الإبل، وفي كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل، وأن الرَّجل يقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار)). أخرجه النسائي والدارمي (¬1).
* دية المرأة إذا قُتلت خطأ نصف دية الرجل، وكذلك دية أطرافها وجراحاتها على النصف من دية الرجل وجراحاته.
عن شريح قال: أتاني عُروة البارقي من عند عُمر أن جراحات الرجال والنساء تستوي في السن والموضحة، وما فوق ذلك فدية المرأة على النصف من دية الرجل. أخرجه ابن أبي شيبة (¬2).
¬_________
(¬1) صحيح/ أخرجه النسائي برقم (4853)، صحيح سنن النسائي رقم (4513). وأخرجه الدارمي برقم (2277)، انظر إرواء الغليل رقم (2212). وانظر نصب الراية (2/ 342).
(¬2) صحيح / أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم (27487). انظر إرواء الغليل رقم (2250).

أقسام الردة تنقسم الردة إلى ثلاثة أقسام

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

* أقسام الردة:
تنقسم الردة إلى ثلاثة أقسام:
الردة بالاعتقاد:
كأن يعتقد الإنسان وجود شريك مع الله في ربوبيته، أو ألوهيته، أو جحد ربوبيته، أو وحدانيته، أو صفة من صفاته، أو يعتقد تكذيب الرسل عليهم الصلاة والسلام، أو جحد الكتب المنزلة، أو ينكر البعث، أو الجنة، أو النار، أو يبغض شيئاً من الدين ولو عمل به.
أو يعتقد أن الزنى أو الخمر ونحوهما من محرمات الدين الظاهرة حلال، أو جحد وجوب الصلاة، أو الزكاة، أو نحوهما من واجبات الدين الظاهرة ومثله لا يجهله، فإن جهله لم يكفر، فإن عرف حكمه وأصر على اعتقاده كفر، أو شك في شيء من واجبات الدين ومثله لا يجهله كالصلاة.
2 - الردة بالقول:
كأن يسب الله، أو رسله، أو ملائكته، أو كتبه المنزلة، أو ادعى النبوة، أو دعا مع الله غيره، أو قال إن لله ولداً أو زوجة، أو أنكر تحريم شيء من المحرمات الظاهرة كالزنى والربا والخمر ونحوها، أو استهزأ بالدين أو شيء منه كوعد الله، أو وعيده، أو سب الصحابة أو أحداً منهم ونحو ذلك.
3 - الردة بالفعل:
كأن يذبح لغير الله، أو يسجد لغير الله، أو يترك الصلاة، أو يعرض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به، أو يظاهر المشركين ويعاونهم على المسلمين ونحو ذلك.
* من ارتد عن الإسلام وهو بالغ عاقل مختار دعي إليه ورغب فيه، وعرضت عليه التوبة لعله يتوب، فإن تاب فهو مسلم، وإن لم يتب وأصر على ردته قتل بالسيف كفراً لا حداً.
عن أبي موسى رضي الله عنه أن رجلا أسلم ثم تهود، فأتى معاذ بن جبل وهو عند أبي موسى، فقال: ما لهذا؟ قال: أسلم ثم تهود، قال: لا أجلس حتى أقتله، قضاء الله ورسوله؟. متفق عليه (¬1).
* من كانت ردته بجحد شيء من الدين فتوبته مع الشهادتين إقراره بالمجحود به.
* الردة كفر مخرج من الملة، وموجب للخلود في النار إن لم يتب قبل الموت، وإذا قُتل المرتد أو مات ولم يتب فهو كافر لا يُغسَّل ولا يُصلى عليه ولا يُدفن في مقابر المسلمين.
* إذا ارتد الزوج فلا تحل له زوجته، وله مراجعتها بعد التوبة ما دامت في العدة، فإن خرجت من العدة ولم يراجعها ملكت نفسها، فلم تحل إلا برضاها بعقد ومهر جديدين.
* السحر:
عُقَد ورُقَى تؤثر في بدن المسحور وعقله.
¬_________
(¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (7157)، واللفظ له، ومسلم برقم (1824) في كتاب الإمارة.

أقسام المشهود به وعدد الشهود ينقسم ذلك إلى سبعة أقسام

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

أقسام المشهود به وعدد الشهود
* ينقسم ذلك إلى سبعة أقسام:
1 - الزنى وعمل قوم لوط، فلا بد فيه من شهادة أربعة رجال عدول، لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ*) (النور/4).
2 - إذا ادعى من عُرف بالغنى أنه فقير ليأخذ من الزكاة فلا بد من شهادة ثلاثة رجال عدول.
3 - ما أوجب قصاصاً أو حداً غير الزنى أو تعزيراً فلا بد فيه من شهادة رجلين عدلين.
4 - قضايا الأموال كالبيع، والقرض، والإجارة ونحوها، والحقوق كالنكاح،
والطلاق، والرجعة ونحوها، وكل ما سوى الحدود والقصاص فيقبل فيه شهادة رجلين، أو رجل وامرأتان، ويُقبل في الأموال خاصة رجل ويمين المدعي إذ تعذر إتمام الشهود.
1 - قال الله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) (البقرة/282).
2 - عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد. أخرجه مسلم (¬1).
5 - ما لا يطلع عليه الرجال غالباً كالرضاع، والولادة، والحيض ونحو ذلك مما لا يحضره الرجال فيُقبل فيه رجلان، أو رجل وامرأتان، أو أربع نسوة، ويجوز من امرأة عدل، والأحوط اثنتان، أو رجل عدل، والأكمل كما سبق.
6 - ما يُقبل فيه قول واحد عدل، وهو رؤية هلال رمضان أو غيره.
7 - داء دابة، وموضحة، وهاشمة ونحوها يُقبل فيه قول طبيب، وبيطار واحد لعدم غيره، فإن لم يتعذر فاثنان.
* يجوز للقاضي الحكم بشهادة الرجل الواحد مع يمين المدعي في غير الحدود والقصاص إذا ظهر صدقه.
* إذا حكم القاضي بشاهد ويمين ثم رجع الشاهد غرم الشاهد المال كله.
* إذا رجع شهود المال بعد الحكم لم يُنقض، ويلزمهم الضمان دون من زكاهم، وإن رجع الشهود عن الشهادة قبل الحكم أُلغي، لا حكم ولا ضمان.
¬_________
(¬1) أخرجه مسلم برقم (1712).

تنقسم الأحاديث باعتبار منتهاها إلى أربعة أقسام

لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)

الأول: الأحاديث القدسية ، وهي الأقوال التي ينسبها النبي ﷺ إلى الله تبارك وتعالى مما ليس في القرآن.
فإذا دخل في هذه التسمية الأقوال التي ينسبها الصحابة إلى الله تبارك وتعالى مما ليس قرآناً ، فحينئذ لا بد من الاحتراز من شيء آخر ، وهو أن تكون تلك الأقوال مأخوذة عن كتب الأنبياء السابقين.
والأحاديث القدسية تسمى أيضاً الأحاديث الإلهية.
وهي - عند التحقيق - قسم من الأحاديث المرفوعة ؛ ولكني مشيت في هذا التقسيم على ظاهر المسألة ؛ والأمر في ذلك يسير جداً. وانظر (يرفعه).
والثاني: الأحاديث المرفوعة: وهي ما ينقل من أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته وأوصافه.
والثالث: الأحاديث الموقوفة: وهي ما يروى عن الصحابة من أفعالهم أو من أقوال أنفسهم.
والرابع: الأخبار المقطوعة: وهو ما ينسب إلى التابعين من أقوالهم أو أفعالهم. وانظر (مرفوع) و (مقطوع) و (موقوف).

15 - أحكام القسم بين الزوجات

موسوعة الفقه الإسلامي

15 - أحكام القَسْم بين الزوجات
- كيفية القسم بين الزوجات:
إذا كان للرجل أكثر من زوجة وجب عليه العدل بينهن فيما يلي:
1 - القسم: وهو توزيع الزمان ليلاً ونهاراً بين زوجاته.
وعماد القسم الليل؛ لأنه مأوى الإنسان إلى منزله، وفيه يسكن إلى أهله، وينام على فراشه، والنهار للمعاش، والنهار يتبع الليل فيدخل في القَسْم تبعاً.
والبداءة في القسم ومقدار الدور إلى الزوج، وله أن يدور على نسائه كل يوم، لكن لا يبيت إلا عند من لها الدور.
ويجب القسم في حال الصحة والمرض، فإن كان مرضه شديداً استأذنهن أن يبيت حيث يحب.
ولا يجب القسم في الوطء؛ لأنه لا يملك الشهوة، لكن يستحب القسم في الاستمتاع؛ لأنه أكمل في العدل.
1 - قال الله تعالى: {{وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (129)}} [النساء:129].
2 - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا قَالتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أرَادَ سَفَراً أقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، وَكَانَ يَقْسِمُ لِكُلِّ امْرَأةٍ مِنْهُنَّ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا، غَيْرَ أنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا لِعَائِشَةَ زَوْجِ

فرنسا تقسم سوريا إلى دويلات بعد أن فرضت الانتداب عليها.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

فرنسا تقسم سوريا إلى دويلات بعد أن فرضت الانتداب عليها.
1340 - 1921 م
بعد أن استطاعت فرنسا أن تدخل دمشق بعد معركة ميسلون قامت بتمزيق البلاد واصطنعت بينها الحواجز الجمركية والحدود المصطنعة فأول ما قاموا به هو فصل لبنان عن سوريا باسم لبنان الكبير وضموا فيه جبل لبنان ومدن طرابلس وصيدا وصور بأقاليمها وأغلبيتها المسلمة إضافة على بيروت وسهل البقاع وأغلبه أيضا من المسلمين وهذه أول خطوة في محاباة فرنسا حيث إن غورو كاثوليكي متعصب، ثم قسمت سوريا الباقية إلى دول حلب ودمشق ودولتي الدروز والعلويين وكان الفرنسيون قد ركزوا على الأقليات مثل الدروز والعلويين لعلمهم بجدوى مثل هؤلاء في تمزيق الإسلام، وجعلت على كل من حلب ودمشق حاكما محليا يساعده عدد من المستشارين الفرنسيين، ثم في عام 1922م أعلن جبل الدروز وحدة مستقلة إداريا تحت الحماية الفرنسية وعين سليم الأطرش الدرزي أول حاكم له ثم أعلنت الدولة العلوية وجلعوا لها نظاما إداريا خاصا أيضا وعين لها حاكم فرنسي، وفي عام 1922م أعلن غورو قيام اتحاد فيدرالي سوري يتضمن دويلات حلب ودمشق والعلويين ثم حلوا هذا الاتحاد في عام 1924م أيام المندوب فيجان وحلت محله دولة سوريا التي تضمن حلب ودمشق وسنجق الإسكندرون واستبعدوا منها دولة العلويين واصبح التنظيم الجديد يطلق عليه دولة سوريا

ضم القسم الغربي من جزيرة غينيا الجديدة (إيريان الغربية) إلى أندونيسيا.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ضم القسم الغربي من جزيرة غينيا الجديدة (إيريان الغربية) إلى أندونيسيا.
1382 ذو الحجة - 1963 م
جزيرة غينيا الجديدة أكبر جزر أندونيسيا وثاني أكبر جزر العالم، وتنقسم إلى قسمين القسم الغربي ويعرف باسم إيريان الغربية ولم تستطع أندونيسيا وهولندا الاتفاق عليها في معاهدة 1369هـ / 1949 في لاهاي فبقيت تحت السيطرة الهولندية، وبعد الضغط العسكري على هولندا جرى استفتاء عام بين السكان عام 1380هـ / 1960م فتحول الإقليم إلى إشراف الأمم المتحدة في 1382هـ / 1962م ثم انتهى الأمر إلى أن ضم إلى أندونيسيا في ذي الحجة 1382هـ / أيار 1963م ثم جرى استفتاء في ربيع الأول 1389هـ / حزيران 1969م فأعطت الغالبية من السكان أصواتهم إلى جانب البقاء تحت الحكم الأندونيسي، وعاصمة هذا القسم سوكارنابورا، والقسم الشرقي كان يتبع ألمانيا ثم صار إلى أستراليا.

-قسم غنائم حنين وغير ذلك

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

قبل فتح مكة بيسيرٍ، وحَسُن إسلامه. وهو الَّذِي قَالَ لَهُ هِيتُ المُخَنَّث: يا عَبْد اللَّه، إنْ فتح اللَّه عليكم الطائف، فإنّي أدلّك عَلَى ابْنَة غَيْلان .. الحديث.
وعبد اللَّه بْن عامر بْن رَبِيعة. والسَّائِب بْن الحارث. وأخوه: عَبْد اللَّه. وجُلَيْحَة بْن عَبْد اللَّه.
ومن الأنصار: ثابت بن الجَذَع. والحارث بْن سَهْل بْن أَبِي صَعصَعة. والمُنْذِر بْن عَبْد اللَّه. ورُقَيم بْن ثابت.
فذلك اثنا عشر رجلًا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم.
ويُروى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استشار نَوفْل بْن معاوية الديلي فِي أهُل الطائف فقال: ثعلب فِي جُحْرٍ، إنْ أقمت عَلَيْهِ أخذتَه، وإن تركته لم يضرّك.

-قِسْمُ غنَائِمِ حُنَيْنٍ وَغَيْر ذَلِك
قَالَ ابن إِسْحَاق: ثمّ خَرَجَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رُحَيْلٍ، حتّى نزل بالناس بالجِعْرَانة. وكان معه من سَبْيِ هَوازن ستة آلاف من الذرّية، ومن الإبل والشَّاء ما لَا يُدْرى عدّته.
وَقَالَ معتمر بن سليمان، عن أبيه: حدثنا السميط، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: افْتَتَحْنَا مَكَّةَ، ثُمَّ إِنَّا غَزَوْنَا حُنَيْنًا، فَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ بِأَحْسَنِ صُفُوفٍ رَأَيْتُ. قَالَ: فَصُفَّ الْخَيْلُ، ثُمَّ صُفَّتِ الْمُقَاتِلَةُ، ثُمَّ صُفَّ النِّسَاءُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ، ثُمَّ صُفَّ الْغَنَمُ ثُمَّ صُفَّ النَّعَمُ. قَالَ: وَنَحْنُ بَشَرٌ كَثِيرٌ قَدْ بَلَغْنَا سِتَّةَ آلَافٍ؛ أَظُنُّهُ يُرِيدُ الْأَنْصَارَ. قَالَ: وَعَلَى مُجَنِّبَةِ خَيْلِنَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ. فَجَعَلَتْ خَيْلُنَا تَلُوذُ خَلْفَ ظُهُورِنَا.
فَلَمْ نَلْبَثْ أَنِ انْكَشَفَتْ خَيْلُنَا وَفَرَّتِ الْأَعْرَابُ. فَنَادَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَا للمهاجرين يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، يَا لَلْأَنْصَارِ يَا لَلْأَنْصَارِ ". قَالَ أَنَسٌ: هَذَا حَدِيثُ عِمِّيَّةٍ.
قُلْنَا: لَبَّيْكَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَتَقَدَّمَ، فَايْمُ اللَّهِ مَا

165 - سوى ت: عبيد الله بن مقسم القرشي مولاهم المدني.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

165 - سِوَى ت: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْسَمٍ الْقُرَشِيُّ مَوْلاهُمُ الْمَدَنِيُّ. [الوفاة: 101 - 110 ه]
عَنْ: أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ: أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
وَعَنْهُ: أَبُو حَازِمٍ، وَسُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَابْنُ عَجْلانَ، وَآخَرُونَ.
وَثَّقَهُ أَبُو دَاوُدَ.

282 - ع: مغيرة بن مقسم الضبي الكوفي الأعمى، أبو هشام.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

282 - ع: مُغِيرَةُ بْنُ مِقْسَمٍ الضَّبِّيُّ الْكُوفِيُّ الأَعْمَى، أَبُو هِشَامٍ. [الوفاة: 131 - 140 ه]
أَحَدُ الأَعْلامِ، مِنْ مَوَالِي بَنِي ضَبَّةَ
تَفَقَّهَ بِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وبالشعبي، وَرَوَى عَنْهُمَا، وَعَنْ: أَبِي وَائِلٍ شَقِيقٍ، وَمُجَاهِدٍ.
وَعَنْهُ: شُعْبَةُ، وَزَائِدَةُ، وَإِسْرَائِيلُ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَخَلْقٌ؛ آخِرُهُمْ مَوْتًا: مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ.
قَالَ شُعْبَةُ: كَانَ أَحْفَظَ مِنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ.
وَرَوَى جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: مَا وَقَعَ فِي مَسَامِعِي شَيْءٌ فَنَسِيتُهُ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَدْ سَمِعَ مُغِيرَةُ مِنْ مُجَاهِدٍ، وَأَبِي وَائِلٍ، وَأَبِي رَزِينٍ، قَالَ: وَمُغِيرَةُ لا يُدَلِّسُ؛ سَمِعَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ مِائَةٍ وَثَمَانِينَ حَدِيثًا وَقَدْ أُدْخِلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِبْرَاهِيمَ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ رَجُلا.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنِ ابْنِ مَعِينٍ: مُغِيرَةُ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ.
وَقَالَ فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ: كُنَّا نَجْلِسُ أَنَا وَمُغِيرَةُ، وَعَدَّدَ نَاسًا، نَتَذَاكَرُ الْفِقْهَ فَرُبَّمَا لَمْ نَقُمْ حَتَّى نَسْمَعَ النِّدَاءَ بِصَلاةِ الْفَجْرِ.
وَقَالَ جَرِيرٌ: سَمِعْتُ مُغِيرَةُ يَقُولُ: إِنِّي لأَحْتَسِبُ فِي مَنْعِي الْحَدِيثَ الْيَوْمَ كَمَا تَحْتَسِبُونَ فِي بَذْلِهِ. وَكَانَ مَكْفُوفَ الْبَصَرِ.
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيُّ: كَانَ مُغِيرَةُ مِنَ الْفُقَهَاءِ. وَكَانَ عُثْمَانِيًّا إِلا أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ عَلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَعْضَ الْحَمْلِ.
وَرَوَى جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ، قَالَ: إِذَا تَكَلَّمَ اللِّسَانُ بِمَا لا يَعْنِيهِ قَالَ الْفَتَى: وَاحَرْبَاهُ. -[739]-
وَرَوَى فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، قَالَ: مَنْ طَلَبَ الْحَدِيثَ قَلَّتْ صَلاتُهُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَفْقَهَ مِنْ مُغِيرَةَ فَلَزِمْتُهُ، وَلا أَقْرَأَ مِنْ عَاصِمٍ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ.
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: مُغِيرَةُ صَاحِبُ سُنَّةٍ، ذَكِيٌّ، حَافِظٌ، فِي رِوَايَتِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ضَعْفٌ.
وَقَالَ حَجَّاجٌ عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: مُغِيرَةُ أَحْفَظُ مِنَ الْحَكَمِ.
وَقَالَ ابْنُ فُضَيْلٍ: كَانَ مُغِيرَةُ يُدَلِّسُ وَكُنَّا لا نَكْتُبْ عَنْهُ إلا ما قال: حدثنا إِبْرَاهِيمُ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الأَجْلَحِ: رَأَيْتُ مُغِيرَةَ يَخْضِبُ بِحِنَّاءٍ.
قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ، وَغَيْرُهُ: مَاتَ سَنَةَ ثَلاثٍ وَثَلاثِينَ وَمِائَةٍ. وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ.

211 - د: عبد الله بن يزيد بن مقسم الثقفي الطائفي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

211 - د: عبد الله بن يزيد بن مِقْسَمٌ الثَّقَفِيُّ الطَّائِفِيُّ. [الوفاة: 161 - 170 ه]
نَزَلَ الْبَصْرَةَ،
وَرَوَى عَنْ: أَبِيهِ يَزِيدَ بْنِ ضَبَّةَ الشَّاعِرِ، وَضبَّةَ أُمِّهِ، وَعَنْ عَمَّتِهِ سَارَةَ.
وَعَنْهُ: يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَابْنُ مَهْدِيٍّ، وَأَبُو حُذَيْفَةَ النَّهْدِيُّ، وَيَعْقُوبُ الْحَضْرَمِيُّ، وَآخَرُونَ.
لَهُ فِي " السُّنَنِ " حَدِيثٌ.

276 - عثمان بن مقسم البري، أبو سلمة الكندي، البصري،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

276 - عُثْمَانُ بْنُ مِقْسَمٍ الْبُرِّيُّ، أَبُو سَلَمَةَ الْكِنْدِيُّ، الْبَصْرِيُّ، [الوفاة: 161 - 170 ه]
أَحَدُ الأَعْلامِ، عَلَى ضَعْفٍ فِيهِ.
يَرْوِي عَنْ: يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، وَأَبِي إِسْحَاقَ، وَمَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، وَقَتَادَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَنَافِعٍ، وَسَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، وَطَائِفَةٍ سِوَاهُمْ، وَجَمَعَ وَصَنَّفَ.
رَوَى عَنْهُ: سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ - مَعَ تَقَدُّمِهِ -، وَسَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، وَأَبُو عَاصِمٍ، وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخٍ، وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ سَلامٍ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ الْمِيزَانَ فَيَقُولُ: وَإِنَّمَا هُوَ الْعَدْلُ.
تَرَكَهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ.
وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: يُكْتَبُ حَدِيثُهُ.
وَقَالَ النَّسَائِيُّ، وَغَيْرُهُ: مَتْرُوكٌ.
وَقَالَ عَبَّاسٌ، عَنِ ابْنِ مَعِينٍ: لَيْسَ بِشَيْءٍ.
ابْنُ الْمَدِينِيِّ: حدثنا القطان، قال: سَمِعْتُ الْبُرِّيَّ، يُحَدِّثُ عَنْ نَافِعٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: " عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ "، ثُمَّ حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْنَا لِنَافِعٍ: أَسَمِعْتَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ؟ قَالَ: لا.
وَقَالَ السَّعْدِيُّ: عُثْمَانُ الْبُرِّيُّ كَذَّبَهُ الثَّوْرِيُّ.
مُسْلِمُ بن إبراهيم، حدثنا شُعْبَةُ قَالَ: أَفَادَنِي عُثْمَانُ الْبُرِّيُّ، عَنْ قَتَادَةَ حَدِيثًا، فَسَأَلْتُ قَتَادَةَ فَلَمْ يَعْرِفْهُ، قَالَ: فَجَعَلَ عُثْمَانُ يَقُولُ: بَلْ أَنْتَ حَدَّثْتَنِي، فَيَقُولُ: لا، فَيَقُولُ: بَلْ أَنْتَ حَدَّثْتَنِي، فَقَالَ قَتَادَةُ: هَذَا يخبرني عني أن لي عَلَيْهِ ثَلاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ. -[457]-
مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ الْبُرِّيَّ يَقُولُ: كَذَبَ أَبُو هُرَيْرَةَ.
عَفَّانُ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ الْبُرِّيَّ، وَذُكِرَ عِنْدَهُ الْمِيزَانُ، فَقَالَ: لَهُ كِفَّتَانِ؟! يُنْكِرُ ذَلِكَ.
وَسَمِعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ يَقُولُ: لَيْسَ بِمِيزَانٍ، إِنَّمَا هُوَ الْعَدْلُ، قَالَ مُحَمَّدٌ: فَوَضَعَهُ اللَّهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، يَعْنِي الْبُرِّيَّ.
وَقَالَ عَفَّانُ: كَانَ عُثْمَانُ الْبُرِّيُّ يَرَى الْقَدَرَ، وَكَانَ يَغْلَطُ فِي الْحَدِيثِ، وَفِي كِتَابِهِ الصَّوَابُ، فَلا يَرْجِعْ إِلَيْهِ، وَكَانَ يُحَدِّثُ عِشْرِينَ حَدِيثًا عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعُمَرَ، ثُمّ يَقُولُ: هَذَا كله باطل، ثم يجيء بِرَأْيِ حَمَّادٍ فَيَقُولُ: هَذَا هُوَ الْحَقُّ. وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَضَايَا شُرَيْحٍ كُلُّهُ بَاطِلٌ. وَحَدَّثَنِي ثِقَةٌ عَنْهُ، أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ " تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ " فِي أُمِّ الْكِتَابِ، فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ فِي الْكِتَابِ: [ت ب ت]، فَأَمَّا يَدَا أَبِي لَهَبٍ فَلَمْ تَكُنْ.
قُلْتُ: لا جَهْلَ فَوْقَ هَذَا، فَمَا لِلتَّفْرِقَةِ وَجْهٌ.

387 - ن: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي. الإمام أبو بكر، وأبو عبد الله

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

387 - ن: محمد بْن إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم بْن مِقْسَم الأسَدَيّ. الْإِمَام أبو بَكْر، وأبو عبد الله [الوفاة: 261 - 270 ه]
ولد الإمام ابن عُلَيّة البصْريّ قاضي دمشق.
لم يدرك الأخذْ عن أَبِيهِ، فإنّ أَبَاهُ تُوُفيّ وهو صغير.
فَسَمِعَ مِنْ: محمد بْن بِشْر العبْديّ، ويحيى بْن آدم، وإسحاق الأزرق، وعبد الله بْن بَكْر، ووهْب بْن جرير، ويزيد بْن هارون، وطائفة.
وَعَنْهُ: النَّسائي وأبو زُرْعة الدِّمشقيُّ، وأبو بِشْر الدُّولابيّ، وأبو عَرُوبة، وابن جَوْصا، ومحمد بْن جَعْفَر بْن ملّاس، ومحمد بْن بكّار البَتَلْهِيّ قاضي داريّا، وأبو الدَّحداح أَحْمَد بْن محمد التميمي، وآخرون.
قال النسائي: قاض حافظ، دمشقيّ ثقة.
قال محمد بن الفيض: لم يزل قاضياً بدمشق حَتَّى تُوُفيّ سنة أربعٍ وستّين.
وَوَلِيَ بعده القضاء أبو خازم عَبْد الحميد بْن عَبْد العزيز.
قلت: وهو أخو إبراهيم ابن عُلَيّة الَّذِي ناظَرَه الشّافعيّ، وَالَّذِي كان من كبار الجهميّة.

ـ لام القسم كقول لبيد

موسوعة النحو والصرف والإعراب

ولقد علمت لتأتينّ منيّتي
...
إنّ المنايا لا تطيش سهامها (٢)

ـ «ما» النافية، نحو الآية: (لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ) (الأنبياء: ٦٥) .

ـ «لا» و «وإن» النافيتان الواقعتان في جواب قسم ملفوظ به أو مقدّر، نحو: «علمت والله لا الكذب مفيد ولا النميمة»، و «علمت إن زيد مواظب على دراسته».

ـ الاستفهام، وذلك باعتراض حرف الاستفهام بين العامل والجملة، نحو الآية: (وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ) (الأنبياء: ١٠٩) ، أو بأن يكون في الجملة اسم استفهام عمدة كـ «أيّ»، نحو الآية: (لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى) (٣) (الكهف: ١٢) ، أو فضلة، نحو الآية: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) (٤) (الشعراء: ٢٢٧) .

والإلغاء والتعليق خاصّان بالأفعال القلبيّة المتصرّفة فقط (٥) .

٤ ـ الفرق بين التعليق والإلغاء وما ينبني على ذلك: يختلف الإلغاء عن التعليق من وجهين: أولهما أنّ العامل الملغى لا يعمل لا في اللفظ ولا في المحلّ، أما العامل المعلّق فيعمل في المحلّ دون اللفظ، ولذلك يجوز العطف بالنصب، نحو قول كثير عزّة:
وما كنت أدري قبل عزّة ما البكا
...
ولا موجعات القلب حتّى تولّت (٦)

وثانيهما أنّ سبب التعليق يوجب الإهمال لفظا، فلا يجوز معه الإعمال، أمّا سبب الإلغاء، فيجوز معه الإعمال والإهمال، فيجوز: «الصدق وجدت نافع»، كما يجوز «الصدق وجدت نافعا».

٥ ـ تصاريف هذه الأفعال في

(١) (البقرة: ١٠٢) . «من» مبتدأ، خبره (ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب.

(٢) جملة «لتأتينّ منيّتي» في محل نصب.

(٣) (الكهف: ١٢) «أيّ» اسم استفهام مبني في محل رفع مبتدأ، وجملة «أحصى» خبره، والجملة من المبتدأ وخبره في محل نصب.

(٤) «أيّ» مفعول مطلق. وجملة «ينقلبون» في محل نصب.

(٥) وأفعال القلوب كلها متصرّفة إلّا فعلين هما: هب وتعلّم اللذين يلزمان صيغة الأمر، وأفعال التصيير متصرّفة أيضا إلّا «وهب» الملازم للماضي.

(٦) عطف الشاعر «موجعات» بالنصب (علامة نصبه الكسرة لأنه جمع مؤنث سالم) على قوله «ما البكا».

الإعمال والإلغاء والتعليق: لتصاريف هذه الأفعال ما للأفعال نفسها من الإعمال، والإلغاء، والتعليق، نحو: «أظنّ زيدا ناجحا»، و «أواجد أخوك العلم مفيدا».

(«العلم» مفعول به أول لاسم الفاعل «واجد». «مفيدا» مفعول به ثان منصوب) .

٦ ـ حذف المفعولين: يجوز حذف مفعولي أفعال القلوب اختصارا، بوجود دليل يدل عليهما، نحو: الآية: (أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) (١) ، أو بدونه، نحو الآية: (وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (٢) .

ويجوز حذف أحد المفعولين شرط وجود دليل يدل عليه، نحو قول عنترة:
ولقد نزلت فلا تظنّي غيره
...
منّي بمنزلة المحبّ المكرم

٣ ـ نوعاه القسم نوعان

موسوعة النحو والصرف والإعراب


أ ـ استعطافيّ، وهو جملة طلبيّة يراد بها توكيد معنى جملة طلبيّة أخرى مشتملة على ما يثير الشعور والعاطفة، ويكون جوابه جملة طلبيّة، نحو: «بعينيك يا سلمى، ارحمي ذا صبابة»، والقسم الاستعطافيّ يكون بالباء غالبا.

ب ـ غير استعطافي، وهو ما جيء به لتوكيد معنى جملة خبريّة، وتقوية المراد منها، وجوابه يكون جملة خبريّة، نحو: «والله لأبذلنّ جهدي في الدفاع عن الوطن».

٤ ـ جواب القسم: إن جواب القسم الاستعطافيّ يكون جملة طلبيّة، أمّا جواب القسم غير الاستعطافيّ، فجملة خبريّة لها أحكام تتلخّص بما يلي:

أ ـ إن كانت الجملة الجوابيّة مضارعيّة مثبتة، أكّدت باللام والنون معا، نحو: «والله، لأساعدنّ المحتاج»، ومن القليل الجائز الاقتصار على أحدهما.

ب ـ إن كانت الجملة الجوابيّة ماضويّة مثبتة، وفعلها متصرّف، فالأفصح تصديرها باللام و «قد»، نحو: «والله لقد انتصر جيشنا»، ويجوز، مع قلّة، الاقتصار على أحدهما، أو التجرّد منهما. فإن كان فعلها جامدا، غير «ليس»، فالأفصح تصديرها باللام، نحو: «والله، لنعم رجلا الصّادق»؛ وإن كان الفعل الماضي الجامد «ليس» لم يقترن بشيء، نحو: «والله ليس الجبن محمودا».

ج ـ إن كانت فعليّة، ماضويّة أم مضارعيّة، منفيّة بالحرف (١) ، فالأفصح تجريدها من اللام، نحو: «والله، لا يحتمل الكريم الضّيم».

د ـ إن كانت الجملة الجوابيّة اسميّة مثبتة، فالأغلب تأكيدها بـ «اللام»، و «إنّ» معا، نحو: «تالله إنّ الكذب لممقوت»، ويصحّ الاكتفاء بأحدهما، نحو: «والله إن المجتهد

(١) يكون النفي بـ «ما»
، و «لا»، و «إن» ونادرا بـ «لم» و «لن».

فائز»، و «تالله، للكسول خاسر». ومن النادر تجرّدها منهما. وإن كانت الجملة الاسميّة منفيّة، فإنّ جواب الشرط يتجرّد منهما، نحو: «والله، ما الكسل بنافع».


هو الاسم الواقع بعد لفظ القسم كلفظ الجلالة في قولك: «والله لأصدقنّ». راجع: القسم.


هو الأمر المراد توكيده بالقسم، نحو «الصدق» في قولك: «والله لأصدقنّ»، راجع: القسم.

القسم الثالث: ما يندفع بالعلم من المضار الدينية

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

القسم الثالث: ما يندفع بالعلم من المضار الدينية
وهو نوعان: فعل النواهي، وترك الأوامر.
فالأول: اتباع الشهوات المضرة، وأشار إليه قوله - عليه الصلاة والسلام -: (التفكر فيه يعدل الصيام..) ، أي: في كسره الشهوتين.
والثاني: الغفلة، والميل إلى الكسل، وأشار إليه قوله - عليه الصلاة والسلام -: (ومدارسته تعدل القيام..) ، أي: في نفي ما عرض في ذلك، لحصول التنبيه، والنشاط، والتذكرة، والانبساط.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت