كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
تاريخ لمتونة، وصنهاجة
.... |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
جامع المتون
لجامع هذا الكتاب، أعني: (كشف الظنون). جمعت فيه: نحو ثلاثين متناً من المتون المعتبرة، المشهورة، المتداولة. كل منها: في فن. ثم اخترت: اثني عشر متناً، من مختصرات تلك المتون. في: مجلد آخر، أصغر منه حجماً. وسميته: (مختصر جامع المتون). وذلك نظير (محبوب الحمايل). للفاضل: علي قوشجي. |
|
*لمتونة قبيلة كبيرة من قبائل البرانس الصنهاجية، كانت تسكن الصحراء الكبرى بين بلاد المغرب والسودان، ومن أبزر رجالها: أبو بكر بن عمر، ويحيى بن عمر، ويوسف بن تاشفين، مؤسسو دولة المرابطين بالمغرب.
|
لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)
|
قال الشيخ العلامة عبد الله السعد حفظه الله تعالى في تقديمه لكتاب (منهج المتقدمين في التدليس) للشيخ ناصر بن حمد الفهد:
(وأما تدليس المتون فقد ذكره أبو المظفر السمعاني في كتابه (قواطع الأدلة) (2/232) فقال: "وأما من يدلس في المتون ، فهذا مطرح الحديث مجروح العدالة ، وهو ممن يحرف الكلم عن مواضعه ، فكان ملحَقاً بالكذابين ، ولم يقبل حديثه" اهـ. قلت: إذا كان أبو المظفر يقصد تغيير المتن تعمداً من الراوي أو حمل هذا المتن على إسناد آخر فهذا كذب لمن تعمده ، ولكن لا يسمى - اصطلاحاً - تدليساً ، وأما إذا لم يتعمد فهذا أيضاً لا يسمى تدليساً وإنما خطأ وسوء حفظ(1)؛ انتهى. وقال الزركشي في (النكت على مقدمة ابن الصلاح) (2/31-32) بعد كلام في التدليس: (هذا كله في تدليس الرواة ؛ وأما تدليس المتون فهو الذي يسميه المحدثون المدرج---- ؛ وقد ذكره المصنف في النوع العشرين ؛ وكان ذكره هنا أنسب؛ وممن ذكره هنا من الأصوليين الأستاذ أبو منصور البغدادي وأبو المظفر السمعاني---- وكذلك ذكره الماوردي والروياني في (الحاوي) و(البحر) في كتاب القضاء فقسَّما التدليس إلى ما يقع في الإسناد وإلى ما يقع في المتن). __________ (1) قال الشيخ عبد الله هنا في الهامش: (وقال محقق (القواطع): تدليس المتون: هو المسمى في إصطلاح المحدثين (المدرج)؛ قلت: فإذا كان المقصود هو هذا فهذا يسمى في الاصطلاح إدراجاً كما تقدم). |
لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)
|
هي كتب الحديث التي جمعها المتأخرون على غرار كتب الرواية المسندة التي جمعها المتقدمون ، إلا أنهم جردوا أحاديثها عن الأسانيد.
وقد أصبحت هذه المدرسة شائعة وغالبة على مدرسة الإسناد في القرن السادس الهجري ، ولا زالت هذه تقوى وتلك تضعف إلى هذا اليوم الذي تكاد فيه مدرسة الإسناد النقلية يُحكم عليها بالعدم أو الخفاء. ومن أشهر هذا النوع من الكتب (التجريد للصحاح الستة) ، لرزين بن معاوية السّرقسطي (ت 535هـ)(1). و (الترغيب والترهيب) للمنذري. و (رياض الصالحين) و (الأذكار) و (الأربعون) ، ثلاثتها للنووي. و (منتقى الأخبار) لابن تيمية الجد. و (جامع الأصول من أحاديث الرسول ﷺ) لأبي السعادات ابن الأثير الجزري (ت 606هـ) اعتمد ابن الأثير في كتابه هذا بعض الاعتماد على كتاب رزين المتقدم ذكره (التجريد)(2). و (جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم سَنَن) ، للحافظ ابن كثير الدمشقي (ت 774هـ)(3) ؛ ومما ينبغي التنبيه عليه هنا أن هذا الكتاب فيه قدر غير قليل من الأسانيد ، وبعضها يعز الوقوف عليه في غير هذا الكتاب. و (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) للهيثمي (ت 807هـ)(4). و (عمدة الأحكام) لابن دقيق العيد. و (بلوغ المرام) ، و (المطالب العالية) أعني النسخة غير المسندة ، كلاهما لابن حجر العسقلاني. و (الجامع الصغير) و (زيادة الجامع الصغير)(5) ، و (الجامع الكبير)(6) و (الدر المنثور في التفسير بالمأثور) ، كلها للسيوطي (ت 911هـ). و (كنز العمال) للمتقي الهندي(7). و (اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان) لمحمد فؤاد عبد الباقي. وأخيراً فلا بد من التنبيه أو التذكير بأن هذه الكتب ليست كتب رواية بالمعنى المعروف عند القدماء ، إذ لا أسانيد فيها ، ولكنها كتب رواية بالنظر إلى أصلها ، فكأنها كتب رواية اختُصرت أسانيدها ؛ ثم إن أحاديثها تكون في الغالب معزوة إلى أصولها ، وهذا ضرب من الرواية أيضاً ؛ وكذلك هي تعد في جملة كتب الرواية من جانب آخر ، وهو كونها ألصق بجانب النقل والتبليغ والحفظ ، منها بجانب النقد والدراية. __________ (1) وانظر ما كتبه النديم في (الفهرس) في ترجمة المدائني (ص150). (2) يُعدّ هذا الكتاب من أوائل المحاولات لجمع الكتب الخمسة وموطأ مالك ، وقد أدخل رزين بعض الزيادات من مروياته التي قال عنها الذهبي: (أدخل في كتابه زيادات واهية لو تنزه عنها لأجاد). وقال الإشبيلي في وصف هذا الكتاب: (كتاب تجريد صحاح أصول الدين مما اشتمل عليه الصحاح الستة الدواوين بحذف الأسانيد ، وتقييد المسائل ، مع استقصاء مضمون الحديث) ؛ وهو مرتب على حسب الأبواب الفقهية على غرار صحيح البخاري. (3) قسم ابن الأثير (جامع الأصول) إلى كتب فقهية مرتبة بحسب حروفها الأولى ، على حروف المعجم ، فبدأ بالكتب التي تبدأ أسماؤها بحرف الألف ، وهي عشرة كتب ، وانتهى إلى الكتب التي تبدأ أسماؤها بحرف الياء ؛ ووضع عقبها كتاب اللواحق ، وضع فيه الأحاديث التي لم تدخل تحت باب معين. ومهّد لكتابه بمقدمة واسعة فيها بعض الفوائد والتنبيهات في علم المصطلح وغير ذلك مما يتعلق بالكتاب ومنهجه. بلغ عدد أحاديث جامع الأصول حسب ترقيم المحقق (4) حديثاً. وهو كما وصفه مؤلفه: (بحرٌ زاخرة أمواجه ، وبرّ وعرة فجاجه ، ولا يكاد الخاطر يجمع أشتاته ، ولا يقوم الذكر بحفظ أفراده ، فإنها كثيرة العدد ، متشابهة الطرق ، مختلفة الروايات). وقد طبع الكتاب لأول مرة بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي ، ثم حققه وخرّج أحاديثه عبد القادر الأرنؤوط ، وذُكر أنه سلخ في تحقيقه وخدمته ثلاثين سنة من عمره. ثم أعاد طبعه مؤخراً بعضُ من ذكر أنه استدرك في طبعته أشياء كانت محذوفة في الطبعتين السابقتين !!. (5) وهو كتاب مرتب على مسانيد الصحابة ، جمع فيه ابن كثير أحاديث كل صحابي على حدة ؛ ورتبه على حروف المعجم في أسماء صحابته ؛ فيذكر كل صحابي له رواية ، ثم يورد في ترجمته جميع ما وقع له في الأصول الستة ، ومسانيد أحمد والبزار وأبي يعلى والمعجم الكبير للطبراني ، وما تيسر من غيرها. وهذا الكتاب الجليل جمع فيه مؤلفه مادة علمية كبيرة ، إذ احتوى على أكثر من مئة ألف حديث ، فيها الصحيح والحسن والضعيف ، وأحياناً الموضوع. ولكن توفي الحافظ ابن كثير رحمه الله قبل إكماله ؛ وطبع أخيراً ما وجد منه - وهو معظم مخطوطته - بتحقيق د. عبد المعطي قلعجي ، في تسعة وثلاثين مجلداً. (6) ألف الحافظ الهيثمي كتباً في زوائد: مسند أحمد ، ومسند أبي يعلى ، ومسند البزار ، ومعاجم الطبراني الثلاثة ، كل واحد منها في تصنيف مستقل ، ما عدا المعجمين الأوسط والصغير فجعل زوائدهما في مصنف واحد أسماه (مجمع البحرين في زوائد المعجمين). ثم عرض الهيثمي كتبه تلك على شيخه الحافظ العراقي ، فأشار عليه أن يجمع هذه الكتب في مصنف واحد مجرّدة الأسانيد ، فعمل الهيثمي بهذه المشورة وجمعها في مؤلف واحد سماه: (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) ، وقد رتبه الهيثمي على الأبواب الفقهية ، فبدأ بكتاب الإيمان ، ثم العلم ، ثم الطهارة ، ثم الصلاة ---- وهكذا حتى ختمه بكتاب صفة الجنة ؛ وهو مطبوع في عشرة مجلدات. بذل الهيثمي في جمع هذا الكتاب وترتيبه جهداً كبيراً متميزاً ، وكان يهتم ببيان درجة الحديث من حيث القوة والضعف ، ويتكلم في رجال الحديث جرحاً وتعديلاً بعبارات موجزة ، ولكن مالت كثير من أحكامه النقدية إلى التساهل. (7) الجامع الصغير وزيادته ، للحافظ السيوطي (ت 911هـ) جمع فيه السيوطي الأحاديث النبوية القولية مرتبة على حروف المعجم ، مشترطاً فيه أن يصونه عما تفرد به وضاع أو كذاب ؛ وبلغ عدد الأحاديث التي جمعها: (8) ، ثم استدرك عليه هو نفسه (9) حديثاً. وقد جمع بين الكتاب وزيادته يوسف النبهاني في مؤلف واحد سمّاه: (الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير) رتبه على حروف المعجم ، تبعاً لأصله. وعمل السيوطي هذا هو أحد الأعمال الجمعية العظيمة ؛ ومن فوائده تسهيل البحث عن الحديث ، ولا سيما في العصور التي سبقت هذا العصر الحافل بأسباب تيسير البحث ، من فهارس ومكتبات إلكترونية ونحوها ؛ ورمز السيوطي إلى مرتبة كل حديث من أحاديث كتابه ، أي من حيث قوته وضعفه ؛ ولكن اتسمت كثيرٌ من آرائه النقدية هناك بالعجلة والتساهل ، ثم تغير كثير من تلك الرموز من قبل النساخ تحريفاً وتبديلاً ؛ ولهذا قام الشيخ الألباني رحمه الله بتتبع أحاديثه وبيان درجتها ، وقسمه إلى كتابين: (صحيح الجامع الصغير وزيادته) ، و(ضعيف الجامع الصغير وزيادته) ، وهما مطبوعان منتشران. (10) أو (جمع الجوامع) ؛ وقد جمع فيه السيوطي ثمانين كتاباً من كتب الحديث ، وقسمه قسمين: الأول: يتضمن الأحاديث القولية ، وقد رتبها على حروف المعجم كالجامع الصغير. الثاني: ويتضمن الأحاديث الفعلية وما شابهها ، وقد رتبها على مسانيد الصحابة رضي الله عنهم. (11) كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال ، لعلاء الدين علي بن الحسام المتقي الهندي (975هـ). جمع فيه المتقي الهندي: (الجامع الصغير) و(زيادته) ، مضافاً إليه ما بقي من قسم الأقوال ، وقسم الأفعال من (جمع الجوامع) ، ورتبه جميعه على الأبواب الفقهية على غرار (جامع الأصول) لابن الأثير ، والكتاب محشو بالأحاديث الضعيفة والموضوعة تبعاً لأصوله ؛ ولكبر حجم الكتاب فإن ترتيب الأحاديث القولية والفعلية على الأبواب لا يخلو من تداخل وخلط ونقص. وقد عمل بعض الباحثين فهرساً لأطراف أحاديث هذا الكتاب ، لتيسير البحث فيه. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
وفاة أبي بكر اللمتوني مؤسس دولة المرابطين.
480 - 1087 م أبو بكر بن عمر بن تكلاكين اللمتوني أمير الملثمين وهو ابن عم يوسف بن تاشفين أمير المرابطين، كان في أرض فرغانة، خلف أخاه يحيى بن عمر في زعامة صنهاجة وتقلد أمور الحرب، اتفق له من الناموس ما لم يتفق لغيره من الملوك، كان يركب معه إذا سار لقتال عدو خمسمائة ألف مقاتل، كان يعتقد طاعته، وكان مع هذا يقيم الحدود ويحفظ محارم الإسلام، ويحوط الدين ويسير في الناس سيرة شرعية، مع صحة اعتقاده ودينه، وموالاة الدولة العباسية، أصابته نشابة في بعض غزواته في حلقه فقتلته وهم في قتال مع السودان السنغال. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
59 - أَبُو بَكْر بْن عُمَر البربري اللمتوني، [المتوفى: 462 هـ]
ملك المغرب. وكان ظهوره قبل الخمسين وأربعمائة، أو فِي حدود الأربعين. فذكر الأمير عزيز فِي كتاب " أخبار القيروان "، وقد رَأَيْت له رواية فِي هَذَا الكتاب فِي أوله عن الحافظ أبي القاسم ابن عساكر، ولا أعرف له نسبا ولا ترجمة، قال: أخبرني عَبْد المنعم بن عمر بن حسان الغساني، قال: حدثني قاضي مراكش علي بْن أَبِي فنون أن رجلًا من قبيلة جدالة من كبرائهم، يعني المرابطين، اسمه الجوهر، قدم من الصحراء إِلَى بلاد المغرب ليحج، وكان مؤثرًا للدين والصلاح، وذلك فِي عشر الخمسين وأربعمائة، فمر بالمغرب بفقيه يقرئ -[171]- مذهب مالك، والغالب أنه عِمْرَانَ الفاسي بالقيروان. قلت: أبو عمران مات بعد الثلاثين وأربعمائة. قال: فآوى إليه وأصغى إِلَى العلم، ثُمَّ حج وفي قلبه من ذلك فعاد. وأتى ذلك الفقيه، وقال: يا فقيه، ما عندنا فِي الصحراء من العلم شيء إلا الشهادتين فِي العامة، والصلاة فِي بعض الخاصة. فقال الفقيه: فخُذ معك من يُعلمّهم دينهم. فقال له الجوهر: فابعث معي فقيهًا وعليَّ حِفْظُه وإكرامه. فقال لابن أَخِيهِ: يا عُمَر اذهب مع هَذَا السيد إِلَى الصحراء، فعلم القبائل دين اللَّه ولك الثواب الجزيل والشكر الجميل، فأجابه. ثُمَّ جاء من الغد، فقال: اعفني من الصحراء، فإن أهلها جاهلية، قد ألفوا ما نشأوا عليه. وكان من طلبة الفقيه رَجُلٌ اسمه عَبْد اللَّه بْن ياسين الجزولي، فقال: أيها الشَّيْخ، أرسلني معه، والله المعين. فأرسله معه، وكان عالمًا قوي النفس، ذا رأيٍ وتدبير، فأتيا قبيلةَ لمتُونة، وهي على ربوةٍ من الأرض، فنزل الجوهر، وأخذ بزمام الجمل الَّذِي عليه عَبْد اللَّه بْن ياسين تعظيماً له، فأقبلت المشيخة يهنئون الجوهر بالسلامة وقالوا: من هَذَا؟ قال: هَذَا حامل سنة الرسول صلى الله عليه وسلم. فرحبوا به وأنزلوه، ثُمَّ اجتمعوا له، وفيهم أَبُو بَكْر بْن عُمَر، فقصَّ عليهم عَبْد اللَّه عقائد الْإِسْلَام وقواعده، وأوضح لهم حَتَّى فهم ذلك أكثرهم، فقالوا: أما الصلاة والزكاة فقريب، وأما قولك من قتل يقتل، ومن سرق يقطع، ومن زنا يجلد، فلا نلتزمه، فاذهب إِلَى غيرنا. فرحل، وأخذ بزمامه الجوهر! وَفِي تلك الصحراء قبائل منهم وهم ينتسبون إِلَى حمير، ويذكرون أن أسلافهم خرجوا من اليمن فِي الجيش الَّذِي جهزه الصديق إِلَى الشام، ثُمَّ انتقلوا إِلَى مصر، ثُمَّ توجهوا إِلَى المغرب مع مُوسَى بْن نصير، ثُمَّ توجهوا مع طارق إِلَى طنجة، فأحبوا الانفراد فدخلوا الصحراء، وهم لمتونة، وجدالة، ولمطة، وإينيصر، وإينواري، ومسوفة، وأفخاذ عدّة، فانتهي الجوهر وعبد اللَّه إِلَى جدالة، قبيلة الجوهر، فتكلَّم عليهم عبدُ اللَّه، فمنهم من أطاع، ومنهم من عصى، فقال عَبْد اللَّه للذين أطاعوا: قد وجب عليكم أن تقاتلوا هؤلاء الذين أنكروا دين الْإِسْلَام، وقد استعدوا لقتالكم وتحزبوا عليكم، فأقيموا لكم رايةً -[172]- وأميرًا. فقال له الجوهر: أنت الأمير. قال: لا يمكنني هذا، أنا حامل أمانة الشرع، ولكن كن أنت الأمير. قال: لو فعلت هَذَا تسلطت قبيلتي على الناس وعاثوا، فيكون وزر ذلك عليّ. قال له: فهذا أَبُو بَكْر بْن عُمَر رأس لمتونة، وهو جليل القدر، محمود السيرة، مطاعٌ فِي قومه، فسر إليه وأعرض عليه الإمرة، والله المستعان. فبايعوا أَبَا بَكْر، وعقدوا له رايةً، وسماه عَبْد الله أمير المسلمين. وقام حوله طائفة من جدالة وطائفة من قومه. وحضهم ابن ياسين على الجهاد وسماهم " المرابطين ". فتألبت عليهم أحزاب الصحراء من أَهْل الشر والفساد، وجيشوا لحربهم، فلم يناجزوهم القتال، بل تلطَّف عَبْد اللَّه بْن ياسين وأبو بَكْر واستمالوهم، وبقي قوم أشرار، فتحيّلوا عليهم حَتَّى جمعوا منهم ألفين تحت زرب عظيم وثيق، وتركوهم فِيهِ أيامًا بغير طعام، وحصروهم فِيهِ، ثُمَّ أخرجوهم وقد ضعُفوا من الجوع وقتلوهم. فدانت لأبي بكر بن عمر أكثر القبائل وقويت شوكته. وكان عَبْد اللَّه يبث فيهم العلم والسنة، ويقرئهم القرآن، فنشأ حوله جماعة فقهاء وصلحاء. وكان يعظهم ويخوفهم، ويذكر سيرة الصحابة وأخلاقهم، وكثر الدين والخير فِي أَهْل الصحراء. وأما الجوهر فإنه أخلصهم عقيدة، وأكثرهم صومًا وتهجُّدًا، فَلَمَّا رَأَى أن أَبَا بَكْر استبد بالأمر، وأن عَبْد اللَّه بْن ياسين ينفّذ الأمور بالسُّنّة، بقي الجوهر لا حكم له، فداخله الهوى والحسد، وشرع سرًا فِي إفساد الأمر. فعُلم بِذَلِك منه، وعقدوا له مجلساً وثبت ما قيل عَنْه، فحكم فِيهِ بأنه يجب عليه القتل، لأنه شق العصا، فقال: وأنا أحب لقاء الله. فاغتسل وصلى ركعتين، وتقدم فضربت عنقه. وكثرت طائفة المرابطين، وتتبعوا من خالفهم فِي القبائل قتلًا ونهبًا وسبيا إلّا مَن أسلم، وبلغت الأخبار إِلَى الفقيه بما فعل عَبْد اللَّه بْن ياسين فعظم ذلك عليه وندم، وكتب إليه ينكر عليه كثرة القتل والسَّبْي، فأجابه: أما إنكارك عليَّ ما فعلت وندامتك على إرسالي، فإنك أرسلتني إِلَى أمةٍ كانوا جاهلية يُخرِج أحدُهم ابنه وابنته لِرَعْي السوام، فتأتي البنتُ حاملًا من أخيها، فلا يُنكرون ذلك، وما دَأْبهم إلا إغارة بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضًا. ففعلتُ وفعلتُ وما تجاوزت حكم اللَّه، والسلام. -[173]- وفي سنة خمسين وأربعمائة قحطت بلادهم وماتت مواشيهم، فأمر عَبْد اللَّه بْن ياسين ضعفاءهم بالخروج إِلَى السُّوس، وأخذ الزكاة، فخرج منهم نحو سبعمائة رَجُل، فقدموا سِجِلْماسَة، وسألوا أهلها الزكاة، وقالوا: نَحْنُ قومٌ مرابطون خرجنا إليكم نطلب حق اللَّه من أموالكم. فجمعوا لهم مالًا ورجعوا به. ثمّ إن الصحراء ضاقت بهم، وأرادوا إظهار كلمة الحق، وأن يسيروا إِلَى الأندلس للجهاد، فخرجوا إِلَى السوس الأقصى، فاجتمع لهم أهل السوس وقاتلوهم فهزموهم، وقُتِل عَبْد اللَّه بْن ياسين. وهرب أَبُو بَكْر بْن عُمَر إِلَى الصحراء، فجمع جيشًا وطلب بلاد السوس فِي ألفي راكب، فاجتمعت لحربه من قبائل بلاد السوس وزناتة اثنا عشر ألف فارس، فأرسل إليهم رُسُلًا، وقال: افتحوا لنا الطريق فَمَا قصدنا إلا غزو المشركين. فأبوا عليه واستعدوا للحرب، فنزل أَبُو بَكْر وصلى الظهر على درقته وقال: اللَّهُمَّ إن كُنَّا على الحق فانصرنا عليهم، وإن كُنَّا على باطلٍ فأرِحْنا بالموتِ. ثُمَّ ركب والتقوا فهزمهم، واستباح أَبُو بَكْر أسلابهم وأموالهم وعُددهم، وقويت نفسه. ثُمَّ تمادى إِلَى سِجِلْماسَة فنزل عليها، وطلب من أهلها الزكاة، فقالوا لهم: إنما أتيتمونا فِي عددٍ قليل فوسعكم ذلك، وضعفاؤنا كثير، وما هذه حالة من يطلب الزكاة بالسلاح والخيل، وإنما أنتم محتالون، ولو أعطيناكم أموالنا ما عمّتكم. وبرز إليهم مسعود صاحب سجلماسة بجيشه، فحاربوه، وطالت بينهم الحربُ. ثُمَّ ساروا إِلَى جبلٍ هناك، فاجتمع إليهم خلق من كرونة، فزحفوا إلى سجلماسة وحاربوا مسعود بن واروالي إِلَى أن قتل، ودخلوا سِجِلْماسَة وملكوها، فاستخلف عليها أَبُو بَكْر بْن عُمَر يوسف بْن تاشفين اللمتوني، أحد بني عمه، فأحسن السيرة فِي الرعية، ولم يأخذ منهم شيئًا سوى الزكاة. وكان فتحها فِي سنة ثلاثٍ وخمسين وأربعمائة. ورجع أَبُو بَكْر إِلَى الصحراء فأقام بها مدة. ثُمَّ قدم سِجِلْماسةَ، فأقام بها سنة وخطب بها لنفسه، ثُمَّ استخلف عليها ابن أَخِيهِ أَبَا بَكْر بْن إِبْرَاهِيم بْن عُمَر، وجهز جيشًا عليهم يوسف بْن تاشفين إِلَى السوس فافتتحه. وكان يوسف دَيِّنًا حَازِمًا مُجَرِّبًا، داهية، سائساً. -[174]- وفي سنة اثنتين وستين توفي أَبُو بَكْر بْن عُمَر بالصحراء، وتملك بعده يوسف، ولم يختلف عليه اثنان، وامتدت أيامه، وافتتح الأندلس، وبقي إلى سنة خمسمائة. وأول من كان فيهم الملك صنهاجة ثم كتامة ثم لمتونة، ثم مصمودة، ثم زناتة. وذكر ابن دريد وغيره أن كتامة، ولمتونة، ومصمودة، وهوارة من حمير، وما سواهم من البربر، وبربر هو من ولد قيدار بْن إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم عليهم السلام. ومن أمهات قبائل البربر: مليلة، وزنارة، ولواتة، وزواوة، وهوارة، وزويلة، وعفجومة، ومرطة، وغمارة. ويقال: إن دار البربر كانت فلسطين، وملكهم جالوت، فَلَمَّا قتله دَاوُد عليه السلام جلت البربر إِلَى المغرب، وتفرقوا هناك فِي البرية والجبال، ونزلت لواتة أرض برقة، ونزلت هوارة أرض طرابلس، وانتشرت البربر إِلَى السوس الأقصى، وطول أراضيهم نحو من ألف فرسخ، والله أعلم. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
379 - يوسف بْن تاشَفِين، السّلطان أبو يعقوب اللُّمْتُونيّ المغربيّ البربريّ، الملقَّب بأمير المسلمين، وبأمير المرابطين، وبأمير الملثَّمين، والأوّل هُوَ الّذي استقرّ. [المتوفى: 500 هـ]
كَانَ أحد من ملك البلاد، ودانت بطاعته العباد، واتسعت ممالكه، وطال عُمره، وقلَّ أنّ عُمِّرَ أحد من ملوك الإسلام ما عمر، وهو الّذي بنى مدينة مراكش، وهو الّذي أخذ الأندلس من المعتمد بْن عَبّاد وأسره. -[833]- فمن أخباره أنّ بَرّ البربر الجنوبيّ كَانَ لزَنَاتَة، فخرج عليهم من جنوبيّ المغرب من البلاد التي تتاخم أرض السودان الملثَّمون عليهم أبو بَكْر بْن عُمَر، وكان رجلًا خيِّرًا ساذجًا، فأخذت الملثَّمة البلادَ من زنَاتَة من تِلمْسان إلى البحر الأكبر، فسمع أبو بَكْر أنّ امرأةً ذهبت ناقتها في غارةٍ فبكت وقالت: ضيَّعَنَا أبو بَكْر بدخوله إلى المغرب، فتألم واستعمل عَلَى المغرب يوسف بْن تاشَفِين هذا، ورجع أبو بَكْر إلى بلاد الجنوب. وكان ابن تاشَفِين بطلًا شجاعًا، عادلًا، اختطّ مراكش، وكان مكمنا للصوص وكان ذلك المكان مأوى للحرامية، فكان المارَون بِهِ يقول بعضُهم لبعض: مُرّاكش، وكان بناء مدينة مُرّاكش في سنة خمسٍ وستين وأربعمائة، اشتراها يوسف بماله الّذي خرج بِهِ من الصحراء، وكان في موضعها غابة من الشَّجَر وقرية فيها جماعة من البربر، فاختطهّا، وبنى بها القصور والمساكن الأنيقة، وهي في مرجٍ فسيحٍ، وحولها جبال على فراسخ منها، وبالقرب منها جبل عَلَيْهِ الثلج، وهو الذي يعدل مزاجها، وقيل: كانت ملكا لعجوزٍ مَصْمُوديّة، فأسكن مُرّاكش الخَلْق، وكثرت جيوشه وبعد صِيتُه، وخافتْه ملوك الأندلس، وكذلك خافته ملوك الفرنج لأنّها علمت أَنَّهُ ينجد الأندلسيّين عليهم. وكان قد ظهر للملثَّمين في الحروب ضَرَبات بالسّيوف تقدّ الفارس، وطعنات تنظم الكُلَى، فكتب إِلَيْهِ المعتمد يتلطّف بِهِ، ويسأله أنّ يعرض عَنْ بلاده لمّا رأى هِمَّتَه عَلَى قصْد الأندلس، وأنّه تحت طاعته، فيقال: كَانَ في الكتاب: فإنك إنّ أعرضت عنّا نُسِبْتَ إلى كَرَمٍ، ولم تُنْسَب إلى عَجْز، وإنْ أَجَبْنا داعيك نُسِبنا إلى عقلٍ، ولم نُنْسَب إلى وهْن، وقد اخترنا لأَنْفُسِنا أجمل نسبتَيْنا، وإنّ في استبقائك ذوي البيوت دوامًا لأمرك وثبوت، وأرسل إليه تُحَفًا وهدايا، وكان بربريًّا لا يكاد يفهم، ففسَّرَ لَهُ كاتبه تِلْكَ الكلمات، وأحسن في المشورة عَلَيْهِ، فأجاب إلى السلم، وكتب كاتبه عَلَى لسانه: من يوسف بْن تاشَفِين، سلامٌ عليكم ورحمة اللَّه وبركاته تحيّة من سالمكم، وسلّم إليكم، حكَّمَهُ التّأييد والنَّصْر فيما حكم عليكم، وإنّكم في أوسع إباحة ممّا بأيديكم من الملك، وإنكم مخصوصون منّا بأكرم إيثار، فاسْتَدِيموا وفاءنا بوفائكم، -[834]- واستصلحوا إخاءنا بإصلاح إخائكم، واللَّه وليُّ التّوفيق لنا ولكم، والسلام، ففرح بكتابه ابن عَبّاد وملوك الأندلس، وقويت نفوسهم عَلَى دفع الفرنج، ونَوَوْا إنْ رأوا من ملك الفرنج ما يرِيُبهُم أن يستنجدوا بابن تاشَفِين، وصارت لابن تاشَفِين بفعله محبّةٌ في نفوس أهل الأندلس. ثمّ إنّ الأذفُونْش أَلحَّ عَلَى بلاد ابن عَبّاد، فقال ابن عَبّاد في نفسه: إنْ دهينا من مداخلة الأضداد لنا، فأَهْوَن الأمرَيْن أمر الملثَّمين، ورعاية أولادنا جمالهم أهون من أن يَرْعَوْا خنازير الفرنج، وبقي هذا الرّأي نُصْب عينيه، فقصده الأذفونش في جيشٍ عَرَمْرَمٍ، وجفل النّاس، فطلب من ابن تاشَفِين النجدة، والجهاد، وكان ابن تاشَفِين عَلَى أتم أهبةٍ، فشرع في عُبور جيشه، فلمّا رأى ملوك الأندلس عبور البربر للجهاد، استعدوا أيضًا للنجدّة، وبلغ ذَلِكَ الأذفونش، فاستنفر دِينَ النَّصرانيّة، واجتمع لَهُ جنودٌ لا يُحْصِيهم إلّا الله، ودخل مع ابن تاشفين شيء عظيمٌ من الجمال، ولم يكن أهل جزيرة الأندلس يكادون يعرفون الجمال، ولا تعوَّدتها خيلُهُم، فتجافلت منها ومن رُغائها وأصواتها، وكان ابن تاشفين يحدق بها عسكره، ويحضرها الحروب، فتنفر خيل الفرنج عنها، وكان الأذفونش نازلًا بالزّلّاقة بالقرب من بَطَلْيُوس، فقصده حزب اللَّه، وقدم ابن تاشَفِين بين يديه كتابًا إلى الفرنج يدعوهم إلى الإسلام، أو الحرب، أو الجزية، ثمّ أقبلت الجيوش، ونزلت تجاه الفرنج، فاختار ابن عَبّاد أنْ يكون هُوَ المصادم للفرنج أوّلًا، وأن يكون ابن تاشَفِين ردفًا لَهُ، ففعلوا ذَلِكَ، فخذل الفرنج، واستحر القتل فيهم، فيقال: إنه لم يفلت منهم إلا الأذفونش في دون الثلاثين، وغنم المسلمون غنيمة عظيمة، وذلك في سنة تسع وسبعين وأربعمائة، وعفّ يوسف عَن الغنائم، وآثر بها ملوك الأندلس ليتمّ لَهُ الأجر، فأحبوه وشكروا لَهُ، وكانت ملحمةً عظيمةٍ قَلَّ أنْ وقع في الإسلام مثلها، وجرح فيها ملك الفرنج، وجمعت رؤوس الفرنج، فكانت كالتّلّ العظيم. ثمّ عزم ابن عَبّاد عَلَى أمير المسلمين يوسف، ورام أنّ ينزل في ضيافته، فأجابه، فأنزله في قصوره عَلَى نهر إشبيلية، فرأى أماكن نزهة، كثيرة الخير والحُسْن والرّزْق، وبالغ المعتمد بْن عَبّاد وأولاده في خدمة أمير المسلمين، وكان رجلًا بربريا، قليل التّنعُّم والتّلذُّذ والرّفاهية، فرأى ما هاله من الحشمة -[835]- والفرش والأطعمة الفاخرة، فأقبل خواصّه عَلَيْهِ ينبهونه عَلَى تِلْكَ الهيئة ويحسنونها، ويقولون: ينبغي أنّ تتخذ ببلادك نحو هذا، فأنكر عليهم، وكان قد دخل في الشيخوخة، وفنيت إرادته، وأدمن عَلَى عيش بلاده، ثمّ أخذ يعيب طريقة المعتمد وتنعمه المُفْرِط، وقال: مَن يتعانى هذه اللّذات لا يمكن أنّ يعدل كما ينبغي أبدًا، ومن كان هذا همته متى تشحذ في حفظ بلاده ورعيته! ثمّ سأل يوسف: هَلْ يفعل المعتمد هذا التنعم في كلّ أوقاته؟ فقيل لَهُ: بل كلّ زمانه عَلَى هذا، فسكت، وأقام عنده أيّامًا، فأتى المعتمد رجلٌ عاقل ناصح، فخوّفه من غائلة ابن تاشَفِين، وأشار عَلَيْهِ بأن يقبض عَلَيْهِ، وأن لا يُطْلقه حتّى يأمر كلَّ من بالأندلس من عسكره أنّ يرجع من حيث جاء: ثمّ تتّفق أنت وملوك الأندلس عَلَى حراسة البحر من سفينة تجري لَهُ، ثمّ تتوثق منه بالأَيْمان أن لا يغدر، ثمّ تُطْلِقه، وتأخذ منه عَلَى ذَلِكَ رهائن. فأصغى المعتمد إلى مقالته واستوصبها، وبقي يفكّر في انتهاز الفرصة، وكان لَهُ نُدَماء قد انهمكوا معه في الّلذّات، فقال أحدهم لهذا الرجل: ما كَانَ أمير المؤمنين، وهو إمامُ أهل المَكْرُمات ممّن يُعامل بالحَيْف ويغدر بالضَّيْف، قَالَ: إنّما الغَدْر أَخْذُ الحقّ ممّن هُوَ لَهُ، لا دفْع المرء عَنْ نفسه، قَالَ النّديم: بل كَظْمٌ مَعَ وفاءٍ خيرٌ من حزْمٍ مَعَ جفاء، ثمّ إنّ ذَلِكَ النّْاصح استدرك الأمر وتلافاه، وشكر لَهُ المعتمد، وأجازه، فبلغ الخبرُ ابن تاشَفِين، فأصبح غاديا، فقدَّم لَهُ المعتمد هدايا عظيمة، فقبِلَها وعبر إلى سَبْتَة، وبقي جُلُّ عسكره بالجزيرة يستريحون. وأما الأذفونش، فقدم إلى بلده في أسوأ حال، فسأل عن أبطاله وبطارقته، فوجد أكثرهم قد قتلوا، وسمع نَوْح الثُّكَالَى عليهم، فلم يأكل ولا الْتَذّ بعيشٍ حتّى مات غَمًّا، وخلَّف بنتًا، فتحصَّنت بطُلَيْطُلَة. ثمّ أخذ عسكرُ ابن تاشَفِين يغيرون، حتّى كسبوا من الفرنج ما تجاوز الحدّ، وبعثوا، بالمغانم إلى مُرّاكش، واستأذن مقدّمهم سِير بْن أَبِي بكر ابن تاشَفِين في المقام بالأندلس، وأعلمه أَنَّهُ قد افتتح حصونًا، ورتّب فيها، وأنّه لا يستقيم الأمر إلّا بإقامته، فكتب إِلَيْهِ ابن تاشَفِين يأمره بإخراج ملوك الأندلس من بلادهم وإلحاقهم بالعدوة، فإن أَبَوْا عَلَيْهِ حاربهم، وليبدأ بالثغور، ولا يتعرض للمعتمد. -[836]- فابتدأ سير بملوك بُنيّ هود يستنزلهم من قلعة روطة، وهي منيعة إلى الغاية، وماؤها يُنْبُوعٌ في أعلاها، وبها من الذخائر المختلفة ما لا يوصف، فلم يقدر عليها، فرحل عَنْهَا، ثمّ جَنَّد أجنادًا عَلَى زِيّ الفرنج، وأمرهم أنّ يقصدوها كالمُغِيرين، وكمن هُوَ والعسكر، ففعلوا ذلك، فرأى ابن هود قلتهم، فاستضعفهم، ونزل في طلبهم، فخرج عَلَيْهِ سير، فأسره وتسلم القلعة، ثم نازل بني طاهر بشرق الأندلس، فسلموا إِلَيْهِ، ولحِقُوا بالعدْوَة، ثمّ نازل بني صُمَادِح بالمَرِيّة، فمات ملكهم في الحصار، فسلّموا المدينة، ثمّ نازلوا المتوكلّ عُمَر بْن الأفطس ببَطَلْيُوس، فخامر عَلَيْهِ أصحابه، فقبضوا عَلَيْهِ، ثمّ قتل صبرًا. ثمّ إنّ سير كُتُب إلى ابن تاشَفِين أَنَّهُ لم يبق بالجزيرة غير المعتمد فأمره أن يعرض عَلَيْهِ التّحوّل إلى العدْوَة بأهله وماله، فإن أبى فنازله، فلمّا عرض عَلَيْهِ سير ذَلِكَ لم يجبه، فسَار وحاصره أشْهُرًا، ثمّ دخل عَلَيْهِ البلد قهرًا، وظفر بِهِ، وبعثه إلى العدْوَة مقيَّدًا، فحُبِس بأَغْمات إلى أن مات، وتسلّم سير الجزيرة كلها. وقال ابن دحية أو غيره: نزل يوسف عَلَى مدينة فاس في سنة أربع وستين وأربعمائة وحاصرها، ثمّ أخذها، فأقرّ العامّة، ونفى البربر والجند عنها بعد أن حبس رؤوسهم، وقتل منهم، وكان مؤثرًا لأهل العلم والدّين، كثير المَشُورَة لهم. وكان معتدل القامة، أسمر، نحيفًا، خفيف العارضيْن، دقيق الصوت، حازمًا، سائسًا، وكان يخطب لبني العبّاس، وهو أوّل من تسمى بأمير المسلمين، وكان يحبّ العفْو والصَّفْح، وفيه خيرٌ وعدل. وقال أبو الحَجّاج يوسف البيّاسيّ في كتاب " تذكير الغافل ": إن يوسف ابن تاشَفِين جاز البحر مرة ثالثة، وقصد قُرْطُبَة، وهي لابن عَبّاد، فوصلها سنة ثلاثٍ وثمانين، فخرج إِلَيْهِ المعتمد بالضيافة، وجري معه عَلَى عادته، ثمّ إنّ ابن تاشَفِين أخذ غرناطة من عَبْد اللَّه بْن بلقين بْن باديس، وحبسه، فطمع ابن عَبّاد في غَرْناطة، وأن يُعطِيَه ابن تاشَفِين إيّاها، فعرض لَهُ بذلك، فأعرض عنه ابن تاشفين وخاف ابن عباد منه، وعمل على الانفصال عنه لا يمسكه، ورد ابن -[837]- تاشَفِين إلى مُرّاكش في رمضان من السّنة، فلمّا دخلت سنة أربع عزم عَلَى العبور إلى الأندلس لمنازلة المعتمد بْن عَبّاد، فاستعدّ له ابن عباد، ونازلته البربر، فاستغاث بالأذفونش، فلم يلتفت إِلَيْهِ. وكانت إمرة يوسف بْن تاشَفِين عند موت أَبِي بَكْر بْن عُمَر أمير المسلمين سنة اثنتين وستين وأربعمائة، وكانت الدّولة قبلهما لزَنَاتَة، وكانت دولة ظالمة فاجرة، وكان ابن تاشَفِين وعسكره فيهم يبس وديانة وجهاد، فافتتح البلاد، وأحبَّته الرّعيّة، وضيّق لِثامَه هُوَ وجماعته، فقيل: إنهم كانوا يتلثّمون في الصّحراء كعادة العرب، فلمّا تملّك ضيّق ذَلِكَ اللّثام. قَالَ عُزَيز: وممّا رأيته عيانًا أَنَّهُ كَانَ لي صديقٌ منهم بدمشقٍ، وبيننا مودة، فأتيتُه، فدخلت وقد غسَل عمامته، وشدّ سِرواله عَلَى رأسه، وتلثَّم بِهِ، هذا بعد أنّ انقضت دولتهم، وتفرقوا في البلاد، وحكى لي ثقة أنه رأى شيخا من الملثمة بالمغرب منزويا في نهر يغسل ثيابه وهو عريان، وعورته بادية، ويده اليُمْنى يغسل بها، ويده اليُسْرى يَسْتر بها وجهه! وقد جعل هَؤُلَاءِ اللّثام لوجوههم جُنَّةً، فلا يُعرف الشَّيْخ منهم من الشّاب، فلا يزيلونه ليلًا ولا نهارًا، حتّى أنّ المقتول منهم في المعركة لا يكاد يعرفه أهله، حتّى يجعلوا عَلَى وجهه لثامًا، ولبعضهم: قومٌ لهم دَرْكُ العلى في حميرٍ ... وإن انتموا صنهاجةً فهم هم لما حووا إحراز كل فضيلةٍ ... غلب الحياء عليهمو فتلثموا وتزوج ابن تاشَفِين بزينب زوجة أَبِي بَكْر بْن عُمَر، وكانت حاكمة عَلَيْهِ، وكذلك جميع الملثمين يكبرون نساءهم، وينقادون لأمرهن، وما يسمّون الرَجل منهم إلّا بأمّه. وهنا حكاية، وهي أنّ ابن خلوف القاضي الأديب كَانَ لَهُ شِعْرٌ، فبلغ زينبَ هذه أَنَّهُ مدح حوّاء امرأة سير بْن أَبِي بَكْر، وفضَّلها عَلَى جُمَيْع النّساء بالجمال، فأمرت بعزْله عَن القضاء، فسار إلى أَغْمات، واستأذن عليها، فدخل -[838]- البوّاب فأعلمها بِهِ، فقالت: يمضي إلى الّتي مَدَحها تردّه إلى القضاء، فأبلغه، فَعَزَّ عَلَيْهِ، وبقي بالحضرة أيّامًا حتّى فنيت نَفَقَتُه، فأتى خادمها فقال: قد أردت بيع هذا المهر، فأعطني مثقالين أتزود بهما إلى أهلي، وخذه فأنت أولى به، فسرَّ الخادم وأعطاه، ودخل مسرورًا بالمهر، وأخبر الست، فرقت عليه وندمت، وقالت: ائتني بِهِ، فأسرع وأدخله عليها، فقالت: تمدح حواء وتسرف، وزعمت أَنَّهُ لَيْسَ في النّساء أحسن منها، وما هذه منزلة القُضاة، فقال في الحال: أنت بالشمس لاحِقَهْ ... وهي بالأرض لاصقهْ فمتى ما مَدَحْتُها ... فهي من سيرَ طالقهْ فقالت: يا قاضي طَلّقْتَها؟! قَالَ: نعم، ثلاثة وثلاثة وثلاثة، فضحكت حتّى افتضحت، وكتبت إلى يوسف يردّه إلى القضاء. قلت: ولا رَيْب أنّ يوسف ملكٌ من الملوك، بَدَت منه هنّات وزلّات، ودخل في دهاء الملوك وغدرهم، ولمّا أخذ إشبيلية من المعتمد شن عسكر ابن تاشَفِين الغارة بإشبيلية، وخلّوا أهلها عَلَى برْد الدّيار، وخرج النّاس من بيوتهم يسترون عوراتهم بأيديهم، واقتضت الأبكار، وتتابعت الفتوحات لابن تاشَفِين، وكانت فُقهاء الأندلس قَالُوا لَهُ: لا تَجِبْ طاعتُك حتّى يكون لك عهد من الخليفة، فأرسل إلى العراق قومًا من أهله بهدايا، وكتابًا، يذكر فيه ما فعل بالفرنج، فجاءه من المستظهر باللَّه أحمد رسول بهديّة، وتقليد وخِلْعة، وراية، وكان يقتدي بآراء العلماء، ويعظّم أهل الدين، ونشأ ولده عليّ في العفاف والدّين والعِلْم، فولّاه العهدَ في سنة تسعٍ وتسعين وأربعمائة. وتُوُفّي يوسف في يوم الإثنين ثالث المحرَّم سنة خمس مائة، ورّخه ابن خلكان، وقبله عزّ الدين ابن الأثير، وغيرهما، وعاش تسعين سنة. قَالَ الْيَسَعُ بْن حَزْم: فمِن فضله أَنَّهُ لما أراد بناء مُرّاكش ادّعى قومٌ مَصَامِدَةٌ فيها أرضًا، فأرضاهم بمالٍ عظيم، وكان يلبس العباء، ويُؤثر الحياء، ويقصد مقاصد العز في طُرُق المعالي، ويكره السَّفساف، ويحبّ الأشرف -[839]- المتعالي، ويقلد العلماء، ويؤثر الحكماء، يتدين بمرضاتهم، وإذا دخل عَلَيْهِ من طَوْل ثيابه وجرّها كره إِلَيْهِ وجهه وأعرض عَنْهُ، فإن كَانَ ذا ولاية عزله، وكان كثير الصدقة عظيم البِرّ والصلة للمساكين، رحمه الله تعالى. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
372 - مَيمون بن ياسين، أبو عمر الصِّنهاجيُّ اللمتونيُّ، [المتوفى: 530 هـ]
أحد أمراء المرابطين. عُنِي بالعلم والرواية، وحجَّ وسمع بمكة سنة سبع وتسعين " صحيح البخاريّ " من عيسى بن أبي ذَرّ الهَرَويّ، واشترى منه أصل أبيه بجملة كبيرة. وسمع " صحيح مسلم " من الحسين بن علي الطَّبري، ورجع إلى المغرب وحدَّث بإشبيلية. روى عنه أبو إسحاق بن حبيش، وأبو القاسم ابن بشكوال، وأبو بكر بن خير، ومفرج بن سعادة، وآخرون. وكان رجلاًَ صالحاً، ذا عناية بالآثار، صحب مالك بن وهيب بالمغرب، وكانت وفاته في ذي القعدة بإشبيلية. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
79 - إسحاق بن علي بن يوسف بن تاشفين اللّمْتُونيّ. [المتوفى: 542 هـ]
ولي نيابة مَرّاكُش لأخيه تاشفين، وهو صبيّ حدَث، فقُتل أخوه سنة تسعٍ وثلاثين، فانضمّت العساكر إلى هذا وملّكوه، فقصده عبد المؤمن، وحاصر مَرّاكُش أحَدَ عشر شهرًا، ثمّ أخذها عَنْوةً لمّا اشتدّ بها القحط، وأخرج إسحاق إلى بين يدي عبد المؤمن، فعزم أن يعفو عَنْهُ لأنّه دون البلوغ، فلم توافق خواصُّه، فخلّى بينهم وبينه، فقتلوه، وقتلوا معه سير بن الحاجّ أحد الشّجعان -[804]- المذكورين، وكان إسحاق آخر ملوك بني تاشفين. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
410 - المنصور بْن محمد بْن الحاجّ داود بْن عُمَر، أبو عليّ اللّمْتُونيّ، الصَّنْهاجيّ، الأمير. [المتوفى: 547 هـ]
سَمِعَ بقُرْطُبة من: أَبِي محمد بْن عتّاب، وأبي بحر بْن العاص، وبُمْرسِية من: أَبِي عليّ بْن سُكَّرَة. وكان من رؤساء لمتُونَة وأُمرائهم، موصوفًا بالذّكاء، عارفًا بالحديث والآثار، جمع من الكتب النَّفيسة ما لم يجمعْه أحد، وكان متولّيًا عَلَى بَلَنْسِية ليحيى بْن عليّ بْن غانية أيّام كونه بها نحوًا من أحد عشر عامًا، وعاش ستّين سنة، وهو فخر صَنْهاجَة ما لهم مثله، قاله الأبّار. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
172 - مُحَمَّد بْن خير بْن عُمَر بْن خليفة، المقرئ، الأستاذ، الحافظ، أَبُو بَكْر اللمتوني، الإشبيلي. [المتوفى: 575 هـ]
أخذ القراءات عَن شُريْح، وأختص به حتى برع وفاق. وسمع من أبي مروان الباجي، وأبي بكر ابن العربي. ورحل إلى قرطبة فسمع من أَبِي جعفر بْن عَبْد العزيز، وابن عمه أَبِي بَكْر، وأبي القاسم بْن بقي، وابن مغيث، وابن أَبِي الخصال، وطائفة. قال الأبار: وكان مكثرًا إلى الغاية بحيث أنه سمع من رفاقه، وسمع أكثر من مائة نفر. وَلَا نعلم أحدًا من طبقته مثله. وتصدر بإشبيلية للإقراء والإسماع. وأخذ الناس عَنْهُ. وكان مقرئًا مجودًا، ومحدثًا مُتقنًا، أديبًا، نَحويًا، لغويًا، واسع المعرفة، رضًا، مأمونًا. ولما مات بيعت كتبه بأغلى ثمن لصحتها. ولم يكن لَهُ نظير فِي هذا الشأن مع الحظ الأوفر من علم اللسان. -[560]- تُوُفي فِي ربيع الأول، وكان لَهُ جنازة مشهودة. وولد سنة اثنتين وخمسمائة. أكثر عنه شيخنا ابْن واجب. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
128 - مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن أبي السداد موفق، مولى زاكي اللّمتُونيّ القاضي أَبُو عيسى المُرْسيّ. [المتوفى: 642 هـ]
وُلِدَ سنة أربع وخمسين وخمسمائة. وسمع الكثير من أبي القاسم بن حبيش الحافظ، ولازمه من سنة ثمان وسبعين إلى أن مات، وسمع أيضا من أَبِي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن حُمَيْد، وجماعة. وأجاز له: أبو بكر ابن الجدّ، وَأَبُو عَبْد اللَّه بْن زرقون، وجماعة. وَتُوُفّي فِي جمادى الآخرة. ورَّخه الأَبّار، وقال: ناب في القضاء دهرًا طويلًا بمُرْسِيَة، ثُمَّ وليه استقلالًا. وأخذ عَنْهُ بعضُ أصحابنا. ولم يكن يُبصر الحديث. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
436 - إِبْرَاهِيم بْن عُثْمَان بْن يَحْيَى بْن أَحْمَد، أَبُو إِسْحَاق اللّمّتونيّ، المُرّاكِشيّ، ثمّ الدّمشقيّ، ابن مؤذّن الكلاسة. [المتوفى: 687 هـ]
شيخ صالح، معمَّر، مبارك، خيّر، له دكان في سوق الزيادة، وُلِد سنة تسعٍ وتسعين بدمشق، وسمع بنفسه من ابن البُنّ والقزوينيّ وأبي القَاسِم بْن صَصْرى وزين الأمناء وابن الزُّبيدي وطائفة، وسمع أخاه علّيًا معه من جماعة، وروى الكثير، أخذ عَنْهُ المِزّيّ والبِرْزاليّ والجماعة، وتُوُفّي فِي مُستَهَلّ جمادى الآخرة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
239 - عليّ بْن عثمان بْن يحيى بْن أَحْمَد، الشَّيْخ الصّالح، أبو الْحَسَن اللّمتُونيَّ الصّنْهاجيّ، المغربيّ، ثم الدمشقي، [المتوفى: 694 هـ]
الشواء، ثُمَّ أمينُ القُضاة على السجن. وُلِدَ فِي سنة ثلاثين وعشرين وستمائة. وسمع من ابن الزَّبِيديّ، والفخر الإربلي، ومُكَرَّم، وابن باسويه، وابن غسان، وأبي نصر ابن عساكر، والمسلّم المازنيّ، وطائفة، وروى الكثير. وكان إنسانًا مباركًا، قرأت عليه عدة أجزاء. توفي فِي سادس عَشْر ذي القعدة. وهو أخو إِبْرَاهِيم بْن عثمان. |
|
*لمتونة قبيلة كبيرة من قبائل البرانس الصنهاجية، كانت تسكن الصحراء الكبرى بين بلاد المغرب والسودان، ومن أبزر رجالها: أبو بكر بن عمر، ويحيى بن عمر، ويوسف بن تاشفين، مؤسسو دولة المرابطين بالمغرب.
|
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
تاريخ لمتونة، وصنهاجة
.... |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
جامع المتون
لجامع هذا الكتاب، أعني: (كشف الظنون) . جمعت فيه: نحو ثلاثين متناً من المتون المعتبرة، المشهورة، المتداولة. كل منها: في فن. ثم اخترت: اثني عشر متناً، من مختصرات تلك المتون. في: مجلد آخر، أصغر منه حجماً. وسميته: (مختصر جامع المتون) . وذلك نظير (محبوب الحمايل) . للفاضل: علي قوشجي. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
غوامض الأسماء المبهمة، الواقعة في متون الأحاديث المسندة
لأبي القاسم: خلف بن عبد الملك، المعروف: بابن بشكوال القرطبي، الأنصاري. المتوفى: سنة 578، ثمان وسبعين وخمسمائة. ذكر فيه: من جاد ذكره في الحديث الثقة، ومن روى: (الموطأ) عن مالك. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
متون الأخبار والآثار، بحذف الأسانيد والتكرار
وهو مختصر: (شعب الإيمان) . المسمى: (بالجامع المصنف) . مر في: الجيم. |