تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة اثنتين
-غزوة الأبواء فِي صَفَرِهَا غَزْوَةُ الْأَبْوَاءِ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْمَدِينَةِ غَازِيًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ سَعْدَ بْنَ عُبْادَةَ حَتَّى بَلَغَ وَدَّانَ يُرِيدُ قُرَيْشًا وَبَنِي ضَمْرَةَ. فَوَادَعَ بَنِي ضَمْرَةَ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، وَعَقَدَ ذَلِكَ مَعَهُ سَيِّدُهُمْ مَخْشِيُّ بْنُ عَمْرٍو. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَوَدَّانُ عَلَى أَرْبَعِ مَرَاحِلَ. -بَعْثُ حَمْزَةَ ثُمَّ فِي أَحَدِ الرَّبِيعَيْنِ: بَعَثَ عَمَّهُ حَمْزَةَ فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى سَيْفِ الْبَحْرِ مِنْ نَاحِيَةِ الْعِيصِ. فَلَقِيَ أَبَا جَهْلٍ فِي ثَلَاثِمَائَةٍ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: فِي مَائَةٍ وَثَلَاثِينَ رَاكِبًا. وَكَانَ مَجْدِيُّ بْنُ عَمْرٍو الْجُهَنِيُّ وَقَوْمُهُ حُلَفَاءَ الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، فَحَجَزَ بَيْنَهُمْ مَجْدِيَّ بْنَ عمرو الجهني. -بعث عبيدة وَبُعِثَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنُ عَبْدِ مَنْافٍ، فِي سِتِّينَ رَاكِبًا أَوْ نَحْوِهِمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ. فَنَهَضَ حَتَّى بَلَغَ مَاءً بِالْحِجَازِ بِأَسْفَلِ ثَنِيَّةِ الْمِرَّةِ. فَلَقِيَ بِهَا جَمْعًا مِنْ قُرَيْشٍ، عَلَيْهِمْ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَقِيلَ: مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ. فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ. إِلَّا أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ كَانَ فِي ذَلِكَ الْبَعْثِ، فَرَمَى بِسَهْمٍ، فَكَانَ أَوَّلُ سَهْمٍ رُمِيَ بِهِ فِي سبيل الله. وفر من الْكُفَّارُ يَوْمَئِذٍ إِلَى الْمُسْلِمِينَ: الْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو البهراني حليف |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَة اثنتَيْن وَعِشرْين
فيها فتحت أَذْرَبِيجَان على يد المُغِيرَة بْن شُعْبَة، قاله ابن إسحاق، فيقال: إنه صالحهم على ثمانمائة ألف درهم. وَقَالَ أَبُو عبيدة: افتتحها حبيب بْن مسْلَمَة الفهرِي بأهل الشام عَنْوةً ومعه أهل الكوفة، وفيهم حُذَيْفَة، فافتتحها بعد قتال شديد. فالله أعلم. وفيها غزا حذيفة مدينة الدينور فافتتحها عَنْوةً، وقد كانت فُتِحت لسعد ثُمَّ انتقضت. ثم غزا حذيفة ماه سندان فافتتحها عَنْوةً، على خُلْف في ماه، وقيل: افتتحها سعد، فانتقضوا. وَقَالَ طارق بْن شهاب: غزا أهلُ البصرة ماه فأمدهم أهلُ الكوفة، عليهم عمار بْن ياسر، فأرادوا أن يُشْرَكوا في الغنائم، فأبى أهل البصرة، ثُمَّ كتب إليهم عُمَر: الغنيمة لمن شهِد الوقعة. وَقَالَ أَبُو عبيدة: ثُمَّ غزا حُذَيْفَة همذان، فافتتحها عَنْوةً، ولم تكن فُتِحَت. وإليها انتهى فتوح حُذَيْفَة، وكل هذا في سنة اثنتين. قَالَ: ويقال همذان افتتحها المُغِيرَة بْن شُعْبَة سنة أربعٍ وعشرين، ويقال: افتتحها جرير بْن عبد الله بأمر المُغِيرَة. وَقَالَ خليفة بْن خياط: فيها افتتح عمرو بْن العاص أطرابُلُسَ المغرب، ويقال: في السنة التي بعدها. وفيها عُزل عمار عَنِ الكوفة. وفيها افتُتِحت جُرْجان. وفيها فتح سويد بْن مقرن الرّيّ، ثُمَّ عسكر وسار إلى قُومِس فافتتحها. وفيها أبي بْن كعب، تُوُفيّ في قول الواقِديّ، ومحمد بْن عبد الله بْن نُمَيْر -[133]- ومحمد بْن يحيى الذُّهلي، والترمذي، وقد مر سنة تسع عشرة. معضد بْن يزيد الشيباني: اسْتُشْهِدَ بأذربيجان، ولا صحبة له. ووُلِد فيها يزيد بْن معاوية. وَقَالَ محمد بْن جرير: إن عُمَر أقر على فرج الباب عبد الرحمن بْن ربيعة الباهلي، وأمره بغزو التُّرْك، فسار بالنّاس حتى قطع الباب، فَقَالَ له شهريران: مَا تريد أن تصنع؟ قَالَ: أُناجزهم في ديارهم، وبالله إن معي لأقوامًا لو يأذن لنا أميرنا في الإمعان لَبَلَغْت بهم السّدّ. ولما دخل عبد الرحمن على التُّرك حال الله بينهم وبين الخروج عليه وقالوا: مَا اجترأ على هذا الأمر إلا ومعهم الملائكة تمنعهم من الموت، ثُمَّ هربوا وتحصنوا، فرجع بالظفر والغنيمة، ثُمَّ إنه غزاهم مرتين في خلافة عثمان فيَسْلَم ويَغْنَم، ثُمَّ قاتلهم فاستُشْهد - أعني عبد الرحمن بْن ربيعة رحمه الله تعالى - فأخذ أخوه سلمان بْن ربيعة الراية، وتحيز بالنّاس، قَالَ: فَهُم - يعني التُّرْك - يستسقون بجسد عبد الرحمن حتى الآن. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة اثنتين وثلاثين
فيها كانت وقعة المضيق بالقرب من قُسْطَنْطِينِيَّةَ، وأميرُها معاوية. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ
فيها تُوُفِّيَ بِخُلْفٍ: الْأَسْوَدُ بْنُ سَرِيعٍ، وَالْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَحَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَعُتْبَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَفِي سَائِرِهِمْ خُلْفٌ. وَفِيهَا وَجَّهَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ عَلَى إِمْرَةِ سِجِسْتَانَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَمِّهِ، وَكَانَ مَعَهُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ مِنَ الشَّبَابِ؛ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَالْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ، وَقِطْرِيُّ بْنُ الْفُجَاءَةِ، فَافْتَتَحَ زَرَنْجَ وَبَعْضَ كُوَرِ الْأَهْوَازِ. وَفِيهَا وَجَّهَ ابْنُ عَامِرٍ رَاشِدَ بْنَ عَمْرٍو إِلَى ثَغْرِ الْهِنْدِ، فَشَنَّ الْغَارَاتِ وَتَوَغَّلَ فِي بِلَادِ السِّنْدِ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَة اثنتين وخمسين
تُوُفِّيَ فِيهَا: أَبُو بكرة الثقفي، في قول وعمران بن حُصَين وكعب بن عجرة ومعاوية بن حديج وسَعِيد بن زيد في قول، وسفيان بن عوف الأزدي أمير الصوائف، وحُوَيطب بن عَبْد العزى القرشي. وأبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري، بخلف فيها. وَرُوِيَفع بن ثابت، أمير برقة. وَفِيهَا وُلد يزيد بن أَبِي حبيب فقيه أَهْل مصر. وَفِيهَا صالح عبيد اللَّه بن أَبِي بكرة الثقفي رتبيل وبلاده عَلَى ألف ألف درهم. وأقام الحج سَعِيد بن العاص. وشتَّى بُسر بن أبي أرطأة بأرض -[463]- الروم. وَفِيهَا، أَوْ في حدودها، قَالَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَن جَرِيرُ بْنُ يزيد، قَالَ: خرج قريب وزحاف في سبعين رجلًا في رمضان فأتوا بني ضُبيعة، وهم في مسجدهم بالْبَصْرَة، فقتلوا رؤبة بن المخبل. قَالَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ: فحدثني الزبير بن الخريت، عن أبي لبيد: أن رؤبة قَالَ في العشية التي قُتِلَ فِيهَا، لرجل في كلام: إن كنت صادقًا فرزقني اللَّه الشهادة قبل أن أرجع إِلَى بيتي. قَالَ جَرِيرُ عَن قطن بن الأزرق، عَن رَجُلٌ منهم، قَالَ: مَا شعرنا وإنا لقيام في المسجد، حَتَّى أخذوا بأَبُواب المسجد ومالْوَا في النَّاس، فقتلَوْهم، فوثب القوم إِلَى الجُدُر، وصعد رَجُلٌ المنارة فجعل ينادي: يَا خيل اللَّه اركبي، قَالَ: فصعدوا فقتلَوْه، ثُمَّ مضوا إِلَى مسجد المعاول، فقتلَوْا من فِيهِ، فحدثني جَرِيرُ بْنُ يزيد، أَنَّهُم انتهوا إِلَى رحبة بني عَلِيّ، فخرج عليهم بنو عَلِيّ، وكانوا رُماة، فرموهم بالنبل حَتَّى صرعوهم أجمعين. قَالَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ: واشتد زياد بن أبيه في أمر الحَرُورية، بَعْدَ قُتِلَ قريب وزحاف فقتلهم، وأمر سَمُرَة بن جندب بقتلهم، فقتل منهم بشرًا كثيرًا. قَالَ أَبُو عبيدة: زحاف: طائي، وقريب: أزدي. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ
تُوُفِّيَ فِيهَا بُرَيْدَةُ بْنُ الْحُصَيْبِ، وَعَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ الْهَاشِمِيُّ، وَمَسْلَمَةُ بْنُ مَخْلَدٍ، وَأَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ الدَّارَانِيُّ الزَّاهِدُ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ النَّخَعِيُّ الْفَقِيهُ. وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ أَمِيرُ الْعِرَاقِ عَلَى السِّنْدِ الْمُنْذِرَ بْنَ الْجَارُودِ الْعَبْدِيَّ، ولأبيه الْجَارُودِ بْنِ عَمْرٍو صُحْبَةٌ. وَكَانَ الْمُنْذِرُ مِنْ وُجُوهِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ، قَتَلَهُ الحجاج. -[585]- وفيها غزا سلم بن أحوز خَوَارِزْمَ فَصَالَحُوهُ عَلَى مَالٍ، ثُمَّ عَبَرَ إِلَى سَمَرْقَنْدَ، فَنَازَلَهَا، فَصَالَحُوهُ أَيْضًا. وَفِيهَا نَقَضَ أَهْلُ كَابُلَ، وَأَخَذُوا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ زِيَادِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ أَسِيرًا، فَسَارَ أَخُوهُ يَزِيدُ فِي جَيْشٍ، فَهَجَمَ عَلَيْهِمْ، فَقَاتَلُوهُ، فَقُتِلَ يَزِيدُ، وَقُتِلَ مَعَهُ زَيْدُ بْنُ جُدْعَانَ التَّيْمِيُّ وَالِدُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، وَصِلَةُ بْنُ أَشْيَمَ الْعَدَوِيُّ، وَوَلَدَاهُ، وَعَمْرُو بْنُ قُثَمَ، وَبُدَيْلُ بْنُ نعيم العدوي، وعثمان بن آدم العذوي، فِي رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ. قَالَهُ خَلِيفَةُ. وَأَقَامَ الْمَوْسِمَ لِلنَّاسِ عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ
تُوُفِّيَ فِيهَا مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ وَالأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ، وَعُبَيْدَةُ السَّلْمَانِيُّ، وَالْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ التَّيْمِيُّ. وَقُتِلَ فِيهَا: مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ. وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الأَشْتَرِ. وَعِيسَى وَعُرْوَةُ وَلَدَا مُصْعَبٍ وَمُسْلِمُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ. وَكَانَ مُصْعَبُ قَدْ سَارَ كَعَادَتِهِ إِلَى الشَّامِ إِلَى قِتَالِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَاسْتِئْصَالِهِ، وَسَارَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَجَرَتْ بَيْنَهُمَا وَقْعَةٌ هَائِلَةٌ بِدِيرِ الْجَاثَلِيقِ، وَمَسْكَنٍ بِالْقُرْبِ مِنْ أَوَانَا. وَكَانَ قَدْ كَاتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ جَمَاعَةً مِنَ الأَشْرَافِ الْمَائِلِينَ إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ وَغَيْرِ الْمَائِلِينَ يُمَنِّيهِمْ وَيَعِدُهُمْ إِمْرَةَ الْعِرَاقِ وَإِمْرَةَ أَصْبَهَانَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَأَجَابُوهُ. وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الأَشْتَرِ فَلَمْ يُجِبْهُ، وَأَتَى بِكِتَابِهِ مُصْعَبًا، وَفِيهِ إِنْ بَايَعَهُ وَلاهُ الْعِرَاقَ. وَقَالَ لِمُصْعَبٍ: قَدْ كَتَبَ إِلَى أَصْحَابُكَ بِمِثْلِ كِتَابِي فَأَطِعْنِي وَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ، فَقَالَ: إِذًا لا تُنَاصِحُنَا عَشَائِرُهُمْ، قَالَ: فَأَوْقِرْهُمْ حَدِيدًا وَأَسْجِنْهُمْ بِأَبْيَضِ كِسْرَى وَوَكِّلَ بِهِمْ مَنْ إِنْ غُلِبْتَ ضَرَبَ أَعَنْاقَهُمْ، وَإِنْ نُصِرْتَ مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ، قَالَ: يَا أَبَا النُّعْمَانَ إِنِّي لَفِي شُغْلٍ عَنْ ذَلِكَ، يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا بَحْرٍ - يَعْنِي الأَحْنَفَ - إِنْ كَانَ لَيُحَذِّرُ غَدْرَ الْعِرَاقِ. وَقَالَ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ السَّرِيِّ: هَمَّ أَهْلُ الْعِرَاقِ بِالْغَدْرِ بِمُصْعَبٍ، فَقَالَ قَيْسُ بْنُ الْهَيْثَمِ: وَيْحَكُمْ لا تُدْخِلُوا أَهْلَ الشَّامِ عَلَيْكُمْ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ تَطَعَّمُوا بعيشكم لتضيقين عليكم منازلكم بهم. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ أَشَارَ عَلَيْهِ بِقَتْلِ زِيَادِ بْنِ عَمْرٍو وَمَالِكِ بْنِ مِسْمَعٍ، فَلَمَّا الْتَقَى الْجَمْعَانِ قَلَبَ الْقَوْمُ أَتْرِسَتَهُمْ وَلَحِقُوا بِعَبْدِ الْمَلِكِ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: لَمَّا تَدَانَى الْجَمْعَانِ حَمَلَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الأَشْتَرِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ فَأَزَالَهُ عَنْ مَوْضِعِهِ، ثُمَّ هَرَبَ عَتَّابُ بْنُ وَرْقَاءَ، وَكَانَ عَلَى الْخَيْلِ مَعَ مُصْعَبٍ. وَجَعَلَ مُصْعَبُ كُلَّمَا قَالَ لِمُقَدَّمٍ مِنْ عَسْكَرِهِ: تَقَدَّمْ، لا -[755]- يُطِيعُهُ، فَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ الْجُمَحِيُّ، قَالَ: أُخْبِرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ أَمِيرُ خُرَاسَانَ بِمَسِيرِ مُصْعَبٍ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ: أَمَعَهُ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ؟ قِيلَ: لا، اسْتَعْمَلَهُ عَلَى فَارِسٍ. قَالَ: فَمَعَهُ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ؟ قَالُوا: لا، اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْمَوْصِلِ قَالَ: فَمَعَهُ عَبَّادُ بْنُ الْحُصَيْنِ؟ قِيلَ: لا، اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْبَصْرَةِ. فَقَالَ ابْنُ خَازِمٍ: وَأَنَا بِخُرَاسَانَ، ثُمَّ تَمَثَّلَ: خُذِينِي وَجُرِّينِي ضِبَاعٌ وَأَبْشِرِي ... بِلَحْمِ امْرِئٍ لَمْ يَشْهَدِ الْيَوْمَ نَاصِرُهُ قَالَ الطَّبَرِيُّ: فَقَالَ مُصْعَبٌ لابْنِهِ عِيسَى: ارْكَبْ بِمَنْ مَعَكَ إِلَى عَمِّكَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَأَخْبِرْهُ بِمَا صَنَعَ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَدَعْنِي فَإِنِّي مَقْتُولٌ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لا أُخْبِرُ قُرَيْشًا عَنْكَ أَبَدًا، وَلَكِنِ الحقْ بِالْبَصْرَةِ فَهُمْ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَالطَّاعَةِ، قَالَ: لا تَتَحَدَّثُ قُرَيْشٌ إِنِّي فَرَرْتُ بِمَا صَنَعَتْ رَبِيعَةُ مِنْ خِذْلانِهَا، وَلَكِنْ: أُقَاتِلُ، فَإِنْ قُتِلْتُ فَمَا السَّيْفُ بِعَارٍ. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ: أَرْسَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ مَعَ أَخِيهِ مُحَمَّدَ بْنَ مَرْوَانَ إِلَى مُصْعَبٍ: إِنِّي مُعْطِيكَ الأَمَانَ يَا ابْنَ الْعَمِّ، فَقَالَ مُصْعَبٌ: إِنَّ مِثْلِي لا يَنْصَرِفُ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْمَوْقِفِ إِلا غَالِبًا أَوْ مَغْلُوبًا. وَقِيلَ: إِنَّ مُصْعَبًا أَبَى الأَمَانَ، وَأَنَّهُمْ أَثْخَنُوهُ بِالرَّمْيِ، ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهِ زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ الثَّقَفِيُّ، فَطَعَنَهُ وَقَالَ: يَا لِثَارَاتِ الْمُخْتَارِ. وَكَانَ مِمَّنْ قَاتَلَ مَعَ مُصْعَبٍ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا تَفَرَّقَ عَنْ مُصْعَبٍ جُنْدُهُ قِيلَ لَهُ: لَوِ اعْتَصَمْتَ بِبَعْضِ الْقِلاعِ وَكَاتَبْتَ مَنْ بَعُدَ عَنْكَ كَالْمُهَلَّبِ وَفُلانٍ، فَإِذَا اجْتَمَعَ لَكَ مَنْ تَرْضَاهُ لَقِيتَ الْقَوْمَ فَقَدْ ضَعُفْتَ جِدًّا وَاخْتَلَّ أَصْحَابُكَ، فَلَبِسَ سِلاحَهُ وَخَرَجَ فِيمَنْ بقي وَهُوَ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرٍ طَرِيفٍ الْعَنْبَرِيِّ الَّذِي كَانَ يُعَدُّ بِأَلْفِ فَارِسٍ بِخُرَاسَانَ: عَلامَ أَقُولُ السَّيْفَ يُثْقِلُ عَاتِقيِ ... إِذَا أَنَا لَمْ أَرْكَبْ بِهِ الْمَرْكَبَ الصَّعْبَا سَأَحْمِيكُمْ حَتَّى أَمُوتَ وَمَنْ يَمُتْ ... كَرِيمًا فَلا لَوْمًا عَلَيْهِ وَلا عَتْبَا. -[756]- وَرَوَى غَسَّانُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ الأَشْتَرِ لِمُصْعَبٍ: ابْعَثْ إِلَى زِيَادِ بْنِ عَمْرٍو وَمَالِكِ بْنِ مِسْمَعٍ ووجوه من وجوه أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يَغْدُرُوا بِكَ، فَأَبَى، فَقَالَ ابْنُ الأَشْتَرِ: فَإِنِّي أَخْرُجُ الآنَ فِي الْخَيْلِ، فَإِذَا قُتِلْتُ فَأَنْتَ أَعْلَمُ. قَالَ: فَخَرَجَ وَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. وَقَالَ الْفَسَوِيُّ: قُتِلَ مَعَ مُصْعَبٍ ابْنُهُ عِيسَى، وَجُرِحَ مُسْلِمُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ فَقَالَ: احْمِلُونِي إِلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، فَحُمِلَ إِلَيْهِ، فَاسْتَأْمَنَ لَهُ. وَوَثَبَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنِ ظَبْيَانَ عَلَى مُصْعَبٍ فَقَتَلَهُ عِنْدَ دَيْرِ الْجَاثَلِيقِ، وَذَهَبَ بِرَأْسِهِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَسَجَدَ لله. وكان عبيد الله فاتكا رديا، فَكَانَ يَتَلَهّفُ وَيَقُولُ: كَيْفَ لَمْ أَقْتُلْ عَبْدَ الْمَلِكِ يَوْمَئِذٍ حِينَ سَجَدَ، فَأَكُونُ قَدْ قَتَلْتُ مَلِكَيَّ الْعَرَبِ. وَقالَ أَبُو الْيَقْظَانِ وَغَيْرُهُ: طَعَنَهُ زَائِدَةُ وَاحْتَزَّ رَأْسَهُ ابْنُ ظَبْيَانَ. وَلابْنِ قَيْسٍ الرُّقَيَّاتِ: لَقَدْ أَوْرَثَ الْمِصْرَيْنِ حُزْنًا وَذِلَّةً ... قَتِيلٌ بِدَيْرِ الْجَاثَلِيقِ مُقِيمُ فَمَا قَاتَلَتْ فِي اللَّهِ بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ ... وَلا صَبَرَتْ عِنْدَ اللِّقَاءِ تَمِيمُ وَكُلُّ ثُمَالِيِّ عِنْدَ مَقْتَلِ مُصْعَبٍ ... غَدَاةَ دَعَاهُمْ لِلْوَفَاءِ دُحَيْمُ. وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: إِنَّ مُصْعَبًا قَالَ يَوْمًا وَهُوَ يَسِيرُ لِعُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَخْبِرْنِي عَنْ حُسَيْنِ بْنِ علي كَيْفَ صَنَعَ حِينَ نَزَلَ بِهِ، فَأَنْشَأَ يُحَدِّثُهُ عَنْ صَبْرِهِ، وَإِبَائِهِ مَا عُرِضَ عَلَيْهِ، وَكَرَاهِيَّتِهِ أَنْ يَدْخُلَ فِي طَاعَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ حَتَّى قُتِلَ، قَالَ: فَضُرِبَ بِسَوْطِهِ عَلَى مَعْرِفَةِ فَرَسِهِ وَقَالَ: وَإِنَّ الأُلَى بِالطَّفِّ مِنْ آلِ هَاشِمٍ ... تَأَسَّوْا فَسَنُّوا لِلْكِرَامِ التَّأَسِّيَا قَالَ: فَعَرَفْتُ وَاللَّهِ أَنَّهُ لا يَفِرُّ، وَأنَّهُ سَيَصْبِرُ حَتَّى يُقْتَلَ. وقال: وَالْتَقَيَا بِمَسْكِنَ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَيْلَكُمْ مَا أَصْبَهَانُ هَذِهِ؟ قِيلَ: سُرَّةُ الْعِرَاقِ، -[757]- قَالَ: قَدْ وَاللَّهِ كَتَبَ إِلَيَّ أَكْثَرُ مِنْ ثَلاثِينَ مِنْ أَشْرَافِ الْعِرَاقِ، وَكُلُّهُمْ يَقُولُ: إِنْ خَبِبْتَ بِمُصْعَبٍ فَلِي أَصْبَهَانُ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: فَكَتَبَ إِلَى كُلٍّ مِنْهُمْ: أَنْ نَعَمْ، فَلَمَّا الْتَقَوْا قَالَ مُصْعَبٌ لِرَبِيعَةَ: تَقَدَّمُوا لِلْقِتَالِ. فَقَالُوا: هذه مخروءة بَيْنَ أَيْدِينَا فَقَالَ: مَا تَأْتُونَ أَنْتَنَ مِنَ المخروءة، يَعْنِي: تَخَلُّفَكُمْ عَنِ الْقِتَالِ. وَقَدْ كَانَتْ رَبِيعَةُ قَبْلُ مُجْمِعَةً عَلَى خِذْلانِهِ، فَأَظْهَرَتْ ذَلِكَ، فَخَذَّلَهُ النَّاسُ. وَلَمْ يَتَقَدَّمْ أَحَدٌ يُقَاتِلُ دُونَهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ: الْمَرْءُ مَيِّتٌ، فَلأَنْ يَمُوتَ كَرِيمًا أَحْسَنَ بِهِ مِنْ أَنْ يَضْرَعَ إِلَى مَنْ قَدْ وَتَرَهُ، لا أَسْتَعِينُ بِرَبِيعَةَ أَبَدًا وَلا بِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، مَا وَجَدْنَا لَهُمْ وَفَاءً، انْطَلِقْ يَا بُنَيَّ إِلَى عَمِّكَ فَأَخْبِرْهُ بِمَا صَنَعَ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَدَعْنِي. فَإِنِّي مَقْتُولٌ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لا أُخْبِرُ نِسَاءَ قُرَيْشٍ بِصَرْعَتِكَ أَبَدًا، قَالَ: فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تُقَاتِلَ فَتَقَدَّمْ حَتَّى أَحْتَسِبُكَ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وَتَقَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الأَشْتَرَ فَقَاتَلَ قِتَالا شَدِيدًا حَتَّى أَخَذَتْهُ الرِّمَاحُ فَقُتِلَ، وَمُصْعَبُ جَالِسٌ عَلَى سَرِيرٍ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ نَفَرٌ لِيَقْتُلُوهُ، فَقَاتَلَ أَشَدَّ الْقِتَالِ حَتَّى قُتِلَ، وَاحْتَزَّ ابْنُ ظَبْيَانَ رَأْسَهُ. وَبَايَعَ أَهْلُ الْعِرَاقِ لِعَبْدِ الْمَلِكِ وَدَخَلَهَا، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْكُوفَةِ أَخَاهُ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ. قِيلَ: إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ لَمَّا بَلَغَهُ مَقْتَلُ أَخِيهِ مُصْعَبٍ قَامَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ، ثم ذكر مصرع أخيه وقال: أَلا إِنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ أَهْلُ الْغَدْرِ وَالنِّفَاقِ أَسْلَمُوهُ وَبَاعُوهُ، وَاللَّهِ مَا نَمُوتُ عَلَى مَضَاجِعِنَا كَمَا يَمُوتُ بَنُو أَبِي الْعَاصِ، فَمَا قُتِلَ مِنْهُمْ رَجُلٌ فِي زَحْفٍ وَلا نَمُوتُ إِلا قَعْصًا بِالرِّمَاحِ، وَتَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ. وَفِيهَا خَرَجَ أَبُو فُدَيْكٍ فَغَلَبَ عَلَى الْبَحْرَيْنِ. وَقِيلَ هُوَ الَّذِي قَتَلَ نَجْدَةَ الحروري، فَسَارَ إِلَيْهِ جَيْشٌ مِنَ الْبَصْرَةِ، عَلَيْهِمْ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ الأُمَوِيُّ أَخُو أَمِيرِهَا خَالِدٍ، فَهَزَمَهُ أَبُو فُدَيْكٍ، فَكَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ إِلَى خَالِدٍ يُعَنِّفَهُ لِكَوْنِهِ اسْتَعْمَلَ أُمَيَّةَ عَلَى حَرْبِ الْخَوَارِجِ، وَلَمْ يَسْتَعْمِلِ الْمُهَلَّبِ، -[758]- وَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَضَ إِلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ، وَيَسْتَعِينَ بِرَأْيِ الْمُهَلَّبِ، وَلا يَعْمَلُ أَمْرًا دُونَهُ. وَكَتَبَ إِلَى بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ يَمُدَّهُ بِخَمْسَةِ آلافٍ، عَلَيْهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الأَشْعَثِ، فَسَارَ خالد بالناس حتى قدم الأهواز، وَسَارَتْ إِلَيْهِ الأَزَّارِقَةُ، فَتَنَازَلَ الْجَيْشَانِ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ زَحَفَ إِلَيْهِمْ خَالِدٌ فَأَخَذُوا ينحازون، فاجترأ عليهم الناس، وكرت عَلَيْهِمُ الْخَيْلُ، فَوَلُّوا مُدْبِرِينَ عَلَى حَمِيَّةٍ، وَقُتِلَ منهم خلق، واتبعهم داود بن قحذم أَمِيرُ الْمَيْسَرَةِ وَعَتَّابُ بْنُ وَرْقَاءَ، وَجَعَلُوا يَتَطَلَّبُونَهُمْ بِفَارِسٍ، حَتَّى هَلَكَتْ خُيُولُ الْجُنْدِ وَجَاعُوا، وَرَجَعَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ مُشَاةً. قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي " تَارِيخِهِ ": وفيها كانت وقعت بين ابن خازم أمير خرسان، وَبَيْنَ بَحِيرِ بْنِ وَرْقَاءَ بِقُرْبِ مَرْوَ، وَقُتِلَ خَلْقٌ، وَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ فِي الوقعة، ولي قتله وكيع بن عميرة ابن الدَّوْرَقِيَّةِ. وَيُقَالَ: اعْتَوَرَ عَلَيْهِ بَحِيرٌ وَعَمَّارٌ الْجُشَمِيُّ وَابْنُ الدَّوْرَقِيَّةِ وَطَعَنُوهُ فَصَرَعُوهُ، فَقِيلَ لِوَكِيعٍ: كَيْفَ قَتَلْتَهُ؟ قَالَ: غَلَبْتُهُ بِفَضْلِ الْقَنَا، وَلَمَّا صُرِعَ قَعَدْتُ عَلَى صَدْرِهِ، فَحَاوَلَ الْقِيَامَ فَلَمْ يَقْدِرْ، وَقُلْتُ: يَا ثَارَاتَ دُوَيْلَةَ - وَهُوَ أَخُو وَكِيعٍ لأُمِّهِ قُتِلَ تِلْكَ الْمُدَّةِ - قَالَ: فَتَنَخَّمَ فِي وَجْهِي وَقَالَ: لَعَنَكَ اللَّهُ، تَقْتُلُ كَبْشَ مُضَرَ بِأَخِيكَ عِلْجٍ لا يَسْوَى كَفًّا من نَوَى، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ رِيقًا مِنْهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ عِنْدَ الْمَوْتِ ثُمَّ أَقْبَلَ بُكَيْرُ بْنُ وَسَّاجٍ، فَأَرَادَ أَخْذَ رَأْسِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ، فَمَنَعَهُ بَحِيرٍ، فَضَرَبَهُ بُكَيْرٌ بِعَمُودٍ وَأَخَذَ الرَّأْسَ، وَقَيَّدَ بَحِيرًا، وَبَعَثَ بِالرَّأْسِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ. ثُمَّ حَكَى ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ الْخِلَافَ فِي أَنَّ ابْنَ خَازِمٍ إِنَّمَا قُتِلَ بَعْدَ مَقْتَلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَنَّ رَأْسَ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَرَدَ عَلَى ابْنِ خَازِمٍ، فَحَلَفَ أَنْ لا يُعْطِيَ عَبْدَ الْمَلِكِ طَاعَةً أَبَدًا، وَإِنَّهُ دَعَا بِطَسْتٍ فَغَسَّلَ الرَّأْسَ وَكَفَّنَهُ وَحَنَّطَهُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ، وَبَعَثَ بِهِ إِلَى آلِ الزُّبَيْرِ بِالْمَدِينَةِ. قُلْتُ: وَلَعَلَّهُ رَأْسُ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ. -[759]- وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بَعَثَ إِلَى ابْنِ خَازِمٍ مَعَ سَوْرَةَ النُّمَيْرِيِّ: أَنَّ لَكَ خُرَاسَانَ سَبْعَ سنين على أن تبايعني، فقال للرسول: لَوْلا أَنْ أَضْرِبَ بَيْنَ بَنِي سُلَيْمٍ وَبَنِي عَامِرٍ لَقَتَلْتُكَ، وَلَكِنْ كُلْ هَذِهِ الصَّحِيفَةَ، فَأَكَلَهَا. وَفِيهَا سَارَ الْحَجَّاجُ إِلَى حَرْبِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَأَوَّلُ قِتَالٍ كَانَ بَيْنَهُمَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَدَامَ الْحِصَارُ أَشْهُرًا. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ اثنتين وَثَمَانِينَ
فِيهَا: قُتِلَ جَمَاعَةٌ مَعَ ابْنِ الأَشْعَثِ، وَمَاتَ سُفْيَانُ بْنُ وَهْبٍ الْخَوْلانِيُّ، وَأَبُو عُمَرَ زَاذَانُ الْكِنْدِيُّ. وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ الزَّاوِيَةِ بِالْبَصْرَةِ بَيْنَ ابْنِ الأَشْعَثِ وَبَيْنَ جَيْشِ الْحَجَّاجِ. وَلابْنِ الأَشْعَثِ مَعَ الْحَجَّاجِ وَقَعَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: وَقْعَةُ دُجَيْلَ الْمَذْكُورَةُ يَوْمَ عِيدِ الأَضْحَى، وَهَذِهِ الْوَقْعَةُ، وَوَقْعَةُ دَيْرِ الْجَمَاجِمِ، وَوَقْعَةُ الأَهْوَازِ. فَيُقَالُ: إِنَّهُ خَرَجَ مَعَ ابْنُ الأَشْعَثِ ثلاثةٌ وَثَلاثُونَ أَلْفَ فَارِسٍ، ومائةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ راجل، فِيهِمْ عُلَمَاءُ وَفُقَهَاءُ وَصَالِحُونَ، خَرَجُوا مَعَهُ طَوْعًا عَلَى الْحَجَّاجِ. وَقِيلَ: كَانَ بَيْنَهُمَا أربعٌ وَثَمَانُونَ وَقْعَةً فِي مِائَةِ يَوْمٍ، فَكَانَتْ مِنْهَا ثلاثٌ وَثَمَانُونَ عَلَى الْحَجَّاجِ، وَوَاحِدَةٌ لَهُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: كَانَتْ وَقْعَةُ دَيْرِ الْجَمَاجِمِ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ، قَالَ ابْنُ جرير: وَفِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ هي سَنَةِ ثلاثٍ وَثَمَانِينَ. فَذَكَرَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ لُوطِ بْنِ يَحْيَى، قال: حدثني -[907]- أَبُو الزُّبَيْرِ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ ابْنِ الأَشْعَثِ، وَخَرَجَ أَهْلُ الْكُوفَةِ يَسْتَقْبِلُونَهُ، فَقَالَ لِي: اعْدِلْ عَنِ الطَّرِيقِ لا يَرَى النَّاسُ جِرَاحَتَكُمْ، فَإِنِّي لا أُحِبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُمُ الْجَرْحَى، فَلَمَّا دَخَلَ الْكُوفَةَ مَالُوا إِلَيْهِ كُلُّهُمْ، وَحَفَّتْ بِهِ هَمْدَانُ، إِلا أَنَّ طَائِفَةً مِنْ تَمِيمٍ أَتَوْا مَطَرَ بْنَ نَاجِيَةَ، وَقَدْ كَانَ وَثَبَ عَلَى قَصْرِ الْكُوفَةِ، فَلَمْ يُطِقْ قِتَالَ النَّاسِ، فَنَصَبَ ابْنُ الأَشْعَثِ السَّلالِمَ عَلَى الْقَصْرِ فَأَخَذُوهُ، وَأَتَوْا بِمَطَرِ بْنِ نَاجِيَةَ، فَقَالَ لابن الأشعث: اسْتَبْقِنِي فَإِنِّي أَفْضَلُ فُرْسَانِكَ وَأَعْظَمُهُمْ غِنَاءً عَنْكَ، فَحَبَسَهُ، ثُمَّ عَفَا عَنْهُ، فَبَايَعَهُ وَبَايَعَهُ النَّاسُ بِالْكُوفَةِ، ثُمَّ أَتَاهُ أَهْلُ الْبَصْرَةِ، وَتَفَوَّضَتْ إِلَيْهِ الْمَسَالِحُ وَالثُّغُورُ، وَجَاءَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بَعْدَ أَنْ قَاتَلَ الْحَجَّاجُ بِالْبَصْرَةِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ. وَأَقْبَلَ الْحَجَّاجُ مِنَ الْبَصْرَةِ يسير مِنْ بَيْنِ الْقَادِسِيَّةِ وَالْعُذَيْبِ، فَنَزَلَ دَيْرِ قُرَّةَ، وَكَانَ أَرَادَ نُزُولَ الْقَادِسِيَّةِ، فَجَهَّزَ لَهُ ابْنُ الأَشْعَثِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْعَبَّاسِ، فَمَنَعَهُ مِنْ نُزُولِهَا، وَنَزَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْهَاشِمِيُّ دَيْرَ الْجَمَاجِمِ، فَكَانَ الْحَجَّاجُ بَعْدُ يَقُولُ: أَمَا كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَزْجُرُ الطَّيْرَ حَيْثُ رَآنِي نَزَلْتُ بِدَيْرِ قُرَّةَ، وَنَزَلَ بِدَيْرِ الْجَمَاجِمِ. وَاجْتَمَعَ جُلُّ النَّاسِ عَلَى قِتَالِ الْحَجَّاجِ لِظُلْمِهِ وَسَفْكِهِ الدِّمَاءَ، فَكَانُوا مِائَةَ أَلْفِ مُقَاتِلٍ فَجَاءَتْهُ أَمْدَادُ الشَّامِ، فَنَزَلَ وَخَنْدَقَ عَلَيْهِ، وَكَذَا خَنْدَقَ ابْنُ الأَشْعَثِ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ كَانَ الْجَمْعَانِ يَلْتَقُونَ كُلَّ يَوْمٍ، وَاشْتَدَّ الْحَرْبُ، وَثَبَتَ الْفَرِيقَانِ. وَأَشَارَ بَنُو أُمَيَّةَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَقَالُوا: إِنْ كَانَ إِنَّمَا يَرْضَى أَهْلُ الْعِرَاقِ أَنْ تَنْزِعَ عَنْهُمُ الْحَجَّاجَ فَانْزِعْهُ عَنْهُمْ تَخْلُصُ لَكَ طَاعَتُهُمْ، فَبَعَثَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ بِالْمَوْصِلِ، فَسَارَ إِلَيْهِ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَعْرِضَا عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ نَزْعَ الْحَجَّاجِ عَنْهُمْ، وَأَنْ يُجْرِيَ عَلَيْهُمُ الْعَطَاءَ، وَأَنْ يَنْزِلَ ابْنُ الأَشْعَثِ أَيُّ بلدٍ شَاءَ مِنَ الْعِرَاقِ، يَكُونُ عَلَيْهِ وَالِيًا، فَإِنْ قَبِلُوا فَاعْزِلا عَنْهُمُ الْحَجَّاجَ، وَمُحَمَّدٌ أَخِي مَكَانَهُ، وَإِنْ أَبَوْا فَالْحَجّاجُ أَمِيرُكُمْ كُلُّكُمْ وَوَلِيُّ الْقِتَالِ، قَالَ: فَقَدِمُوا عَلَى الْحَجَّاجِ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَشُقَّ عَلَيْهِ الْعَزْلُ، فَرَاسَلُوا أَهْلَ الْعِرَاقِ، فَجَمَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ -[908]- مُحَمَّدِ بْنِ الأَشْعَثِ النَّاسَ وَخَطَبَهُمْ، وَأَشَارَ عَلَيْهُمْ بِالْمُصَالَحَةِ، فَوَثَبَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَهُمْ، وَأَصْبَحُوا فِي الأَزْلِ وَالضَّنْكِ وَالْمَجَاعَةِ وَالْقِلَّةِ فَلا نَقْبَلُ. وَأَعَادُوا خَلْعَ عبد الملك ثانية، وتعبؤوا لِلْقِتَالِ، فَكَانَ عَلَى مَيْمَنَةِ ابْنِ الأَشْعَثِ حَجَّاجُ بْنُ جَارِيَةِ الْخَثْعَمِيُّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ الْأَبْرَدُ بْنُ قُرَّةَ التَّمِيمِيُّ، وَعَلَى الْخَيْلِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَبَّاسِ الْهَاشِمِيُّ، وَعَلَى الرَّجَّالَةِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَلَى الْمُجَنَّبَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رِزَامٍ الْحَارِثِيُّ، وَعَلَى الْمُطَّوَّعَةِ وَالصُّلَحَاءِ جَبَلَةُ بن زحر الْجُعْفِيُّ. وَكَانَ عَلَى مَيْمَنَةِ الْحَجَّاجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمٍ الْكَلْبِيُّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ عُمَارَةُ بْنُ تَمِيمٍ اللَّخْمِيُّ، وَعَلَى الْخَيَّالَةِ سُفْيَانُ بْنُ الأَبْرَدِ الْكَلْبِيُّ، فَاقْتَتَلُوا أَيَّامًا، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ تَأْتِيهِمُ الأَمْدَادُ والخيرات مِنَ الْبَصْرَةِ، وَجَيْشُ الْحَجَّاجِ فِي ضِيقٍ وَغَلَاءِ سِعْرٍ. فَيُقَالُ: إِنَّ يَوْمَ دَيْرِ الْجَمَاجِمِ كَانَ فِي رَبِيعِ الأَوَّلِ، وَلا شَكَّ أَنَّ نَوْبَةَ دَيْرِ الْجَمَاجِمِ كَانَتْ أَيَّامًا، بَلْ أَشْهُرًا، اقْتَتَلُوا هُنَاكَ مِائَةَ يَوْمٍ، فَلَعَلَّهَا كَانَتْ فِي آخِرِ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ، وَأَوَائِلِ سَنَةِ ثلاثٍ. فَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْهَمْدَانِيِّ قَالَ: كُنْتُ فِي خَيْلِ جَبَلَةَ بْنِ زَحْرٍ، وَكَانَ عَلَى الْقُرَّاءِ، فَحَمَلَ عَلَيْنَا عَسْكَرُ الْحَجَّاجِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَنَادَانَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى: يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ، لَيْسَ الْفِرَارُ بأحدٍ مِنَ النَّاسِ بِأَقْبَحِ مِنْكُمْ، وَبَقِيَ يُحَرِّضُ عَلَى الْقِتَالِ. وَقَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: أَيُّهَا النَّاسُ، قَاتِلُوهُمْ عَلَى دِينِكُمْ وَدُنْيَاكُمْ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَا الشَّعْبِيُّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَاتِلُوهُمْ عَلَى جَوْرِهِمْ وَاسْتِذْلالِهِمُ الضُّعَفَاءَ، وَإِمَاتَتِهِمُ الصَّلاةَ. قَالَ: ثُمَّ حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ حَمْلَةً صَادِقَةً، فَبَدَّعْنَا فِيهِمْ، ثُمَّ رَجَعْنَا، فَمَرَرْنَا بجبلة بن زحر صَرِيعًا فَهَدَّنَا ذَلِكَ، فَسَلانَا أَبُو الْبَخْتَرِيِّ، فَنَادُونَا: يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ هَلَكْتُمْ، قُتِلَ طَاغُوتُكُمْ. وَقَالَ خالد بن خداش: حدثنا غَسَّانُ بْنُ مُضَرٍ قَالَ: خَرَجَ الْقُرَّاءُ مَعَ -[909]- ابْنِ الأَشْعَثِ، وَفِيهِمْ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ، وَكَانَ شِعَارُهُمْ يَوْمَئِذٍ " يَا ثَارَاتِ الصَّلاةِ ". وَقِيلَ: إِنَّ سُفْيَانَ بن الأبرد حمل على ميسرة ابن الأَشْعَثِ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا هَرَبَ الْأَبْرَدُ بْنُ قُرَّةَ التَّمِيمِيُّ، وَلَمْ يُقَاتِلْ كَبِيرَ قِتَالٍ، فَأَنْكَرَهَا مِنْهُ النَّاسُ، وَكَانَ شُجَاعًا لا يَفِرُّ، وَظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ خَامَرَ، فَلَمَّا انْهَزَمَ تَقَوَّضَتِ الصُّفُوفُ، وَرَكِبَ النَّاسُ وُجُوهَهُمْ. وَكَانَ ابْنُ الأَشْعَثِ عَلَى منبرٍ قَدْ نُصِبَ لَهُ يُحَرِّضُ عَلَى الْقِتَالِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ ذَوُو الرَّأْيِ: انْزِلْ وَإِلا أُسِرْتَ، فَنَزَلَ وَرَكِبَ، وَخَلَّى أَهْلَ الْعِرَاقَ، وَذَهَبَ، فَانْهَزَمَ أَهْلُ الْعِرَاقِ كُلُّهُمْ، وَمَضَى ابْنُ الأَشْعَثِ مَعَ ابْنِ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ فِي أناسٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، حَتَّى إِذَا حَاذُوا قَرْيَةَ بَنِي جعدة عبر في مَعْبَرَ الْفُرَاتِ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى بَيْتِهِ بِالْكُوفَةِ، وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ، وَعَلَيْهِ السِّلاحُ لَمْ يَنْزِلْ، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ بِنْتُهُ، فَالْتَزَمَهَا، وَخَرَجَ أَهْلُهُ يَبْكُونَ، فَوَصَّاهُمْ وَقَالَ: لا تَبْكُوا، أَرَأَيْتُمْ إِنْ لَمْ أَتْرُكْكُمْ، كَمْ عَسَيْتُ أَنْ أَعِيشَ مَعَكُمْ، وَإِنْ أَمُتْ فَإِنَّ الَّذِي يَرْزُقُكُمْ حَيٌّ لا يَمُوتُ، وَوَدَّعَهُمْ وَذَهَبَ. وَقَالَ الْحَجَّاجُ: اتْرُكُوهُمْ فَلْيَتَبَدَّدُوا، وَلا تَتْبَعُوهُمْ، وَنَادَى مُنَادِيهِ: مَنْ رَجَعَ فَهُوَ آمِنٌ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى الْكُوفَةِ فَدَخَلَهَا، وَجَعَلَ لا يُبَايِعُ أَحَدًا مِنْهَا إِلا قَالَ لَهُ: اشْهَدْ عَلَى نَفْسِكَ أَنَّكَ كَفَرْتَ، فَإِذَا قَالَ: نَعَمْ، بَايَعَهُ، وَإِلا قَتَلَهُ، فَقَتَلَ غَيْرَ وَاحِدٍ مِمَّنْ تَحَرَّجَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْكُفْرِ. وَجِيءَ بِرَجُلٍ فَقَالَ الْحَجَّاجُ: مَا أَظُنُّ هَذَا يَشْهَدُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْكُفْرِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَخَادِعِي عَنْ نَفْسِي، أَنَا أَكْفَرُ أَهْلِ الأَرْضِ، وَأَكْفَرُ مِنْ فِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ، فَضَحِكَ وَخَلاهُ. وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَنَزَلَ بَعْدَ الْوَقْعَةِ بِالْمَدَائِنِ، فَتَجَمَّعَ إِلَيْهِ نَاسٌ كَثِيرٌ، وَخَرَجَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ الْعَبْشَمِيُّ، فَأَتَى الْبَصْرَةَ وَبِهَا ابْنُ عَمِّ الْحَجَّاجِ أَيُّوبُ بْنُ الْحَكَمِ، فَأَخَذَ الْبَصْرَةَ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الأَشْعَثِ، وَجَاءَ إِلَيْهِ الْخَلْقُ، وَقَالَ ابْنُ سَمُرَةَ لَهُ: إِنَّمَا أَخَذْتُ الْبَصْرَةَ لَكَ، وَلَحِقَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ بِهِمْ، فَسَارَ الْحَجَّاجُ لِحَرْبِهِمْ، وَخَرَجَ النَّاسُ مَعَهُ إِلَى مَسْكِنَ عَلَى دُجَيْلَ. وَتَلاوَمَ أَصْحَابُ ابْنِ الأَشْعَثِ عَلَى الْفِرَارِ، وَتَبَايَعُوا عَلَى الْمَوْتِ، فَخَنْدَقَ ابْنُ الأَشْعَثِ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَسَلَّطَ الْمَاءَ فِي الْخَنْدَقِ، وَأَتَتْهُ النَّجْدَةُ -[910]- مِنْ خُرَاسَانَ، فَاقْتَتَلُوا خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً أَشَدَّ الْقِتَالِ، وَقُتِلَ مِنْ أُمَرَاءِ الْحَجَّاجِ زِيَادُ بْنُ غُنَيْمٍ الْقَيْنِيُّ. ثُمَّ عَبَّأَ الْحَجَّاجُ جَيْشَهُ وَصَرَخَ فِيهِمْ وَحَمَلَ بِهِمْ، فَهَزَمَ أَصْحَابَ ابْنِ الأَشْعَثِ، وَقُتِلَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَكُسِرَ بِسْطَامُ بْنُ مَصْقَلَةَ فِي أَرْبَعَةِ آلافٍ جُفُونَ سُيُوفُهُمْ وَثَبَتُوا، وَقَاتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا، كَشَفُوا فِيهِ عَسْكَرَ الْحَجَّاجِ مِرَارًا، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: عَلَيَّ بِالرُّمَاةِ، قَالَ: فَأَحَاطَ بِهِمُ الرُّمَاةُ، فَقَتَلُوا خَلْقًا مِنْهُمْ بِالنَّبْلِ، وَانْهَزَمَ ابْنُ الأَشْعَثِ فِي طائفةٍ، وَطَلَبَ سِجِسْتَانَ، فَأَتْبَعَهُمْ جَيْشُ الْحَجَّاجِ، عَلَيْهُمْ عُمَارَةُ بْنُ تَمِيمٍ، فَالْتَقَوْا بِالسُّوسِ، فَاقْتَتَلُوا سَاعَةً، ثُمَّ انْهَزَمَ ابْنُ الأَشْعَثِ، فَأَتَى سَابُورَ، وَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ الأَكْرَادُ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ عُمَارَةُ، فَقُتِلَ عُمَارَةُ وَانْهَزَمَ عَسْكَرَهُ، ثُمَّ مَضَى ابْنُ الأَشْعَثِ إِلَى بُسْتَ، وَعَلَيْهَا عَامِلُهُ، فَأَنْزَلَهُ وَتَفَرَّقَ أَصْحَابُ ابْنِ الأَشْعَثِ، فَوَثَبَ عَامِلُ بُسْتَ عَلَيْهِ فَأَوْثَقَهُ، وَأَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ يَدًا عِنْدَ الْحَجَّاجِ. وَقَدْ كَانَ رُتْبِيلُ سَمِعَ بِمَقْدِمِ ابْنِ الأَشْعَثِ، فَسَارَ فِي جُيُوشِهِ حَتَّى أَحَاطَ بِبُسْتَ، فَرَاسَلَ عَامِلَهَا يَقُولُ لَهُ: وَاللَّهِ لَئِنْ آذَيْتَ ابْنَ الأَشْعَثِ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَسْتَنْزِلَكَ، وَأَقْتُلَ جَمِيعَ مَنْ مَعَكَ، فَخَافَهُ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ ابْنَ الأَشْعَثِ، فَأَكْرَمَهُ رُتْبِيلُ، فَقَالَ ابْنُ الأَشْعَثُ: إِنَّ هَذَا كَانَ عَامِلِي فَغَدَرَ بِي وَفَعَلَ مَا رَأَيْتَ، فَأْذَنْ لِي فِي قَتْلِهِ، قَالَ: قَدْ أَمَّنْتُهُ، ثُمَّ مَضَى ابْنُ الأَشْعَثِ مَعَ رُتْبِيلَ إِلَى بِلادِهِ، فَأَكْرَمَهُ وعظمه. وكان مع ابن الأشعث عدد كبير مِنَ الأَشْرَافِ وَالْكِبَارِ، مِمَّنْ لَمْ يَثِقْ بِأَمَانِ الْحَجَّاجِ، ثُمَّ تَبِعَ أَثَرَ ابْنِ الأَشْعَثِ خَلْقٌ مِنْ هَذِهِ الْبَابَةِ حَتَّى قَدِمُوا سِجِسْتَانَ، وَنَزَلُوا على عبد الله بن عامر النعار، فَحَصَرُوهُ، وَكَتَبُوا إِلَى ابْنِ الأَشْعَثِ بِعَدَدِهِمْ وَجَمَاعَتِهِمْ، وَعَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَبَّاسِ الْهَاشِمِيُّ، فَقَدِمَ عَلَيْهِمُ ابْنُ الأَشْعَثِ بِمَنْ مَعَهُ، ثُمَّ غَلَبُوا عَلَى مَدِينَةِ سِجِسْتَانَ، وَعَذَّبُوا ابْنَ عَامِرٍ وَحَبَسُوهُ، ثُمَّ لَمْ يَشْعُرِ ابْنُ الأَشْعَثِ إِلا وَقَدْ فَارَقَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، وَسَارَ فِي أَلْفَيْنِ، فَغَضِبَ ابْنُ الأَشْعَثِ وَرَجَعَ إِلَى رُتْبِيلَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَقِيلَ: سَارُوا مَعَ الْهَاشِمِيِّ فَقَاتَلَهُمْ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ، فَأَسَرَ مِنْهُمْ وَهَزَمَهُمْ، وَفِي تَفْصِيلِ ذَلِكَ اختلاف. -[911]- وَمِنْ بَقِيَّةِ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ: قَالَ عَوَانَةُ بْنُ الْحَكَمِ: كَانَ بَيْنَهُمْ إِحْدَى وَثَمَانُونَ وَقْعَةً، كُلُّهَا عَلَى الْحَجَّاجِ، إِلا آخِرَ وَقْعَةٍ كَانَتْ عَلَى ابْنِ الأَشْعَثِ، وَقُتِلَ مِنَ الْقُرَّاءِ بِدَيْرِ الْجَمَاجِمِ خَلْقٌ. وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: أَتَى الْقُرَّاءُ يَوْمَ دَيْرِ الْجَمَاجِمِ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيَّ يُؤَمِّرُونَهُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: إِنِّي رَجُلٌ مِنَ الْمَوَالِي، فَأَمِّرُوا رَجُلا مِنَ الْعَرَبِ، فَأَمَّرُوا جَهْمَ بْنَ زَحْرٍ الْخَثْعَمِيَّ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ: رَأَيْتُ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ بِدَيْرِ الْجَمَاجِمِ، وَشَدَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ بِالرُّمْحِ فَطَعَنَهُ، وَانْكَشَفَ ابْنُ الأَشْعَثِ فَأَتَى الْبَصْرَةَ، وَتَبِعَهُ الْحَجَّاجُ، فَخَرَجَ مِنْهَا إِلَى أَرْضِ دُجَيْلَ الأَهْوَازِ، وَاتَّبَعَهُ الْحَجَّاجُ، فَالْتَقَوْا بِمَسْكِنَ، فَانْهَزَمَ ابْنُ الأَشْعَثِ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ ناسٌ كَثِيرٌ، وَغَرِقَ مِنْهُمْ نَاسٌ كَثِيرٌ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ: افْتُقِدَ بِمَسْكِنَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: حَدَّثَنِي أَبُو فَرْوَةَ قَالَ: افْتُقِدَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى بِسُورَاءَ، وَأَسَرَ الْحَجَّاجُ نَاسًا كَثِيرًا مِنْهُمْ: عِمْرَانُ بْنُ عِصَامٍ، وعبد الرحمن بن ثروان، وَأَعْشَى هَمْدَانَ، قَالَ أَبُو الْيَقْظَانِ: قَتَلَهُمْ جَمِيعًا. وقال خليفة: أول وقعةٍ كانت يَوْمِ النَّحْرِ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ، وَالْوَقْعَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ بِالزَّاوِيَةِ، وَالْوَقْعَةُ الثَّالِثَةُ بِظَهْرِ الْمِرْبَدِ فِي صَفَرٍ، وَالْوقْعَةُ الرَّابِعَةُ بَدَيْرِ الْجَمَاجِمِ فِي جُمَادَى، وَالْوَقْعَةُ الْخَامِسَةُ لَيْلَةَ دُجَيْلَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ. قَالَ: ثُمَّ سَارَ ابْنُ الأَشْعَثِ يُرِيدُ خُرَاسَانَ، وَتَبِعَهُ طائفةٌ قليلةٌ، فَتَرَكَهُمْ وَصَارَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَقَامَ بِأَمْرِ الْحَرْبِ بعده عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ الْهَاشِمِيُّ، وَمَعَهُ الْقُرَّاءُ، فَالْتَقَى هُوَ وَمُتَوَلِّي هَرَاةَ مُفَضَّلُ بْنُ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ، فَهَزَمَهُ الْمُفَضَّلُ، ثُمَّ قَتَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَأَسَرَ عِدَّةً مِنْهُمْ: مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَالْهِلْقَامُ بن نعيم. -[912]- وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَدْ وَلِيَ بِلادَ فَارِسٍ وَغَزَا التُّرْكَ، ثُمَّ خَلَعَ عَبْدَ الْمَلِكِ وَفَعَلَ الأَفَاعِيلَ، وَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ. قَالَ خَلِيفَةُ: تَسْمِيَةُ الْقُرَّاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَ ابْنِ الأَشْعَثِ: مُسْلِمُ بن يسار المزني، وأبو مراية العجلي، وقد قتل، وعقبة بن عبد الغافر العوذي فقتل، وعقبة بن وساج البرساني، فقتل، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ غَالِبٍ الْجَهْضَمِيُّ، فَقُتِلَ، وَأَبُو الجوزاء الربعي، فقتل، وَالنَّضْرُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَعِمْرَانُ وَالِدُ أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ، وَأَبُو الْمِنْهَالِ سَيَّارُ بْنُ سلامة الرِّيَاحِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، وَمُرَّةُ بْنُ دَبَّابٍ الهدادي، وَأَبُو نُجَيْدٍ الْجَهْضَمِيُّ، وَأَبُو شَيْخٍ الْهَنَائِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ، وَأَخُوهُ الْحَسَنُ، وَقَالَ: أُكْرِهْتُ عَلَى الْخُرُوجِ. وَقَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِّيُّ: قِيلَ لابْنِ الأَشْعَثِ: إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ يُقْتَلُوا حَوْلَكَ كَمَا قُتِلُوا حَوْلَ الْجَمَلِ مَعَ عَائِشَةَ فَأَخْرِجِ الْحَسَنَ. وَمَنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ: سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَالْمَعْرُورُ بْنُ سُوَيْدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ، وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وَزُبَيْدُ بْنُ الْحَارِثِ الْيَامَيَانُ، وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ. قَالَ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ: مَا صُرِعَ أحدٌ مَعَ ابْنِ الأَشْعَثِ إِلا رُغِبَ لَهُ عَنْ مَصْرَعِهِ، وَلا نَجَا مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلا حَمَدَ اللَّهَ الَّذِي سَلَّمَهُ. وَقَالَ عَوَانَةُ بْنُ الْحَكَمِ: قَتَلَ الْحَجَّاجُ بِمَسْكِنَ خَمْسَةَ آلافِ أَوْ أَرْبَعَةَ آلافِ أَسِيرٍ. وَقَالَ خَلِيفَةُ: فِيهَا، يَعْنِي سَنَةَ اثْنَتَيْنِ، قَتَلَ قُتَيبةُ بْنُ مُسْلِمٍ: عُمَرَ بْنَ أَبِي الصَّلْتِ، وَأَخَاهُ، وَمُوسَى بْنَ كَثِيرٍ الْحَارِثِيَّ، وَبُكَيْرَ بْنَ هَارُونَ الْبَجَلِيَّ. وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ بِأَرْمِينِيَةَ، فَهَزَمَ الْعَدُوَّ، ثُمَّ صَالَحُوهُ، فَوَلَّى عَلَيْهِمْ أَبَا شَيْخِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَغَدَرُوا بِهِ وَقَتَلُوهُ. -[913]- وَفِيهَا فَتَحَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ حِصْنَ سِنَانٍ مِنْ نَاحِيَةِ الْمِصِّيصَةِ. وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ صِنْهَاجَةَ بِالْمَغْرِبِ. وَأُسِر يَوْمَ الْجَمَاجِمِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ صَبْرًا، وَقُتِلَ مَاهَانُ الأَعْوَرُ الْقَاصُّ، وَالْفُضَيْلُ بْنُ بَزْوَانَ يومئذٍ. وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الزَّاوِيَةِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ غَالِبٍ أَبُو قُرَيْشٍ الْجَهْضَمِيُّ: إِنِّي لأَرَى أَمْرًا مَا بِي صَبَرَ، رُوحُوا بِنَا إِلَى الْجَنَّةِ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَكَانَ يُوجَدُ مِنْ رِيحِ قَبْرِهِ الْمِسْكُ. وَكَانَ عَابِدًا لَهُ أَوْرَادٌ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ بَنِيَّ ماتوا ولم أتمتع من النظر إليهم. وروى ابْنُ غَالِبٍ عَنْ: أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. وَرَوَى عَنْهُ: عَطَاءٌ السُّلَيْمِيُّ، وَغَيْرُهُ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ
تُوُفِّيَ فِيهَا: مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ التَّيْمِيُّ، وَخَبِيبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَطُوَيْسُ الْمُغَنِّي صَاحِبُ الأَلْحَانِ. وَفِيهَا وَلِيَ قَضَاءَ مِصْرَ عِيَاضُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ نَاجِذٍ. وَفِيهَا افْتَتَحَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي عُقَيْلٍ الثَّقَفِيُّ مَدِينَةَ أرمائيل صلحا ومدينة قيربون. وَسَارَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ إِلَى رُتْبِيلَ فَصَالَحَهُ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَافْتَتَحَ إِقْلِيمَ الأَنْدَلُسِ، وَهِيَ جَزِيرَةٌ عَظِيمَةٌ مُتَّصِلَةٌ بِبَرِّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ، وَالْبَحْرِ الْكَبِيرِ مِنْ غَرْبِيِّهَا وَقَدْ خَرَجَ مِنْهُ بَحْرُ الرُّومِ مِنْ جَنُوبِيِّهَا، ثُمَّ دَارَ إِلَى شَرْقِيِّهَا، ثُمَّ اسْتَدَارَ إِلَى شَمَالِيِّهَا قَلِيلا، وَهِيَ جَزِيرَةٌ مُثَلَّثَةُ الشَّكْلِ، افْتَتَحَ الْمُسْلِمُونَ أَكْثَرَهَا فِي رَمَضَانَ مِنْهَا عَلَى يَدِ طَارِقٍ أَمِيرِ طَنْجَةَ، مِنْ قِبَلِ مَوْلَاهُ أَمِيرِ الْمَغْرِبِ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ، وَطَنْجَةُ هِيَ أَقْصَى الْمَغْرِبِ، فَرَكِبَ طَارِقٌ الْبَحْرَ، وَعَدَّى مِنَ الزُّقَاقِ لِكَوْنِ الْفِرَنْجِ اقْتَتَلُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَاشْتَغَلُوا، فانتهز الفرصة. -[1039]- وَقِيلَ: بَلْ عَبَرَ بِمُكَاتَبَةِ صَاحِبِ الْجَزِيرَةِ الْخَضْرَاءِ لِيَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى عَدُوِّهِ، فَدَخَلَ طَارِقٌ وَاسْتَظْهَرَ عَلَى الْعَدُوِّ، وَأَمْعَنَ فِي بِلادِ الأَنْدَلُسِ، وَافْتَتَحَ قُرْطُبَةَ، وَقَتَلَ مَلِكَهَا لُذَرِيقَ، وَكَتَبَ إِلَى مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ بِالْفَتْحِ، فَحَسَدَهُ مُوسَى عَلَى الانْفِرَادِ بِهَذَا الْفَتْحِ الْعَظِيمِ، وَكَتَبَ إِلَى الْوَلِيدِ يُبَشِّرُهُ بِالْفَتْحِ وَيَنْسِبُهُ إِلَى نَفْسِهِ، وَكَتَبَ إِلَى طَارِقٍ يَتَوَعَّدُهُ لِكَوْنِهِ دَخَلَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَيَأْمُرُهُ أَنْ لا يتجاوز مكانه حتى يلحق به، وَسَارَ مُسْرِعًا بِجُيُوشِهِ، وَدَخَلَ الأَنْدَلُسَ وَمَعَهُ حَبِيبُ بن أبي عبيدة الفهري، فتلقها طَارِقٌ وَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا مَوْلاكَ، وَهَذَا الْفَتْحُ لَكَ. وَأَقَامَ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ غَازِيًا وَجَامِعًا لِلأَمْوَالِ نَحْوَ سَنَتَيْنِ، وَقَبَضَ عَلَى طَارِقٍ، ثُمَّ اسْتَخْلَفَ عَلَى الأَنْدَلُسِ وَلَدَهُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ مُوسَى، وَرَجَعَ بأموالٍ عَظِيمَةٍ، وَسَارَ بِتُحَفِ الْغَنَائِمِ إِلَى الْوَلِيدِ. وَمِمَّا وَجَدَ بِطُلَيْطِلَةَ لَمَّا افْتَتَحَهَا: مَائِدَةُ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وَهِيَ مِنْ ذهبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالْجَوَاهِرِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى طَبَرِيَّةَ بَلَغَهُ مَوْتُ الْوَلِيدِ وَقَدِ اسْتَخْلَفَ سُلَيْمَانَ أَخَاهُ، فَقَدَّمَ لِسُلَيْمَانَ مَا مَعَهُ. وَقِيلَ: بَلْ لَحِقَ الْوَلِيدَ وَقَدَّمَ مَا مَعَهُ إِلَيْهِ. وَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْمَائِدَةَ كَانَتْ حِمْلَ جَمَلٍ. وَتَتَابَعَ فَتْحُ مَدَائِنِ الأَنْدَلُسِ. وَفِي هَذَا الْحِينِ فَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِلادَ التُّرْكِ وَغَيْرَهَا، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَكَانَ أَكْثَرَ جُنْدِ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ الْبَرْبَرُ، وهم قوم موصفون بِالشَّهَامَةِ وَالشَّجَاعَةِ، وَفِيهِمْ صدقٌ وَوَفَاءٌ، وَلَهُمْ هممٌ عَالِيَةٌ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَبِهِمْ مَلِكُ الْبِلادِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيعِيُّ، وَبَنُو عُبَيْدٍ، وَتاشَفِينُ، وَابْنُهُ يُوسُفَ، وَابْنُ تُومَرْتَ، وَعَبْدُ الْمُؤْمِنِ، وَالْمُلْكُ فِيهِمْ إِلَى الْيَوْمِ. وَفِيهَا تَوَجَّهَ طائفةٌ مِنْ عَسْكَرِ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ فِي الْبَحْرِ إِلَى جَزِيرَةِ سَرْدَانِيَةَ، فَأَخَذُوهَا وَغَنِمُوا، وَلَكِنَّهُمْ غَلُّوا فَلَمَّا عَادُوا سَمِعُوا قَائِلا يَقُولُ: اللَّهُمَّ غَرِّقْ بِهِمْ، فَغَرِقُوا عَنْ آخِرِهِمْ، ثُمَّ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْفِرَنْجُ. وقد غزاها مجاهد العامري سنة ست وأربع مائة، ثُمَّ اسْتَرَدَّهَا الْفِرَنْجُ فِي الْعَامِ كَمَا -[1040]- سَيَجِيءُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبِهِ الْعَوْنُ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَمِائَةٍ
تُوُفِّيَ فِيهَا: الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ صَاحِبُ التَّفْسِيرِ، عَدِيُّ بْنُ أَرْطَأَةَ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ، مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِ جَمَاعَةٍ، يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ الأَمِيرُ، يَزِيدُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ الثَّقَفِيُّ كَاتِبُ الْحَجَّاجِ، أَبُو الْمُتَوَكِّلِ الناجي، علي بن دؤاد. وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ الْعَقْرِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ بِقُرْبِ كَرْبَلاءَ مِنَ الْعِرَاقِ، بَيْنَ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ وَبَيْنَ مُسْلِمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، قتل فيها يزيد وكسر جيشه وانهزم فيها آلُ الْمُهَلَّبِ، ثُمَّ ظَفَرَ بِهِمْ مُسْلِمَةُ فَقَتَلَ فِيهِمْ وَبَدَّعَ، وَقَلَّ مَنْ نَجَا مِنْهُمْ، وَكَانَ يَزِيدُ قَدْ خَرَجَ عَلَى الْخِلافَةِ لَمَّا تُوُفِّيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. -[8]- قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَشَأْتُ وَهُمْ يَقُولُونَ: ضَحَّى بَنُو أُمَيَّةَ يَوْمَ كَرْبَلاءَ بِالدِّينِ، وَيَوْمَ الْعَقْرِ بِالْكَرَمِ. قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: ثُمَّ بَعَثَ مُسْلِمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ هِلالَ بْنَ أَحْوَزَ الْمَازِنِيَّ إِلَى قَنْدَابِيلَ فِي طَلَبِ آلِ الْمُهَلَّبِ فَالْتَقَوْا، فَقُتِلَ الْمُفَضَّلُ بْنُ الْمُهَلَّبِ وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ وَخَدَمُهُ، وَقَتَلَ هِلالُ بْنُ أَحْوَزَ جَمَاعَةً مِنَ آلِ الْمُهَلَّبِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلنِّسَاءِ وَبَعَثَ بِهِمْ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَحَدَّثَنِي حَاتِمُ بْنُ مُسْلِمٍ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ لَمَّا قَدِمَ بِآلِ الْمُهَلَّبِ عَلَيْهِ قَالَ: مَنْ كَانَ لَهُ قِبَلَ آلِ الْمُهَلَّبِ دَمٌ فَلْيَقُمْ، فَقَامَ نَاسٌ، فَدَفَعَهُمْ إِلَيْهِمْ حَتَّى قُتِلَ نحوٌ مِنْ ثَمَانِينَ نَفْسًا. وَرَوَى الْمَدَائِنِيُّ، عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْحَجَّاجَ عَزَلَ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ عَنْ خُرَاسَانَ، وَكَتَبَ بِوِلايَتِهَا إِلَى الْمُفَضَّلِ بْنِ الْمُهَلَّبِ، فَوَلِيَهَا سَبْعَةَ أشهرٍ، فَافْتَتَحَ بَاذَغِيسَ وَغَيْرَهَا، وَقَسَّمَ الْغَنِيمَةَ بَيْنَ النَّاسِ، فَأَصَابَ الرَّجُلُ ثَمَانِمِائَةَ درهم. قلت: وثق المفضل، وله حديث عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِهِ حَاجِبِ عَنْهُ، وَرَوَى عَنْهُ أَيْضًا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، وَجَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، وَكَانَ جَوَّادًا مُمَدَّحًا. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا مَاتَ بُكَيْرُ بْنُ عبد اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ عَلَى قَوْلِ، وزبيد الْيَامِيِّ، وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ، وَسَيَّارٌ أَبُو الْحَكَمِ بِوَاسِطَ، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ، وَأَبُو هَاشِمٍ الرُّمَّانِيُّ يَحْيَى، وَالزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ الْكُوفِيُّ. وَوُلِدَ فِيهَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ الضُّبَعِيُّ، وَأَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ. وَفِيهَا خَرَجَ بِأَرْضِ الْمَغْرِبِ مَيْسَرَةُ الْحَقِيرُ، وَعَبْدُ الأَعْلَى مَوْلَى مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ مُتَعَاضِدَيْنِ، وَمَعَهُمَا خَلائِقُ مِنَ الصُّفْرِيَّةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَعَسْكَرَ لِمُلَتَقَاهُمْ مُتَوَلِّي أَفْرِيقِيَّةَ فَكَانَ الْمَصَافُّ بَيْنَهُمْ، فَاسْتَظْهَرَ وَالِي أَفْرِيقِيَّةَ لَكِنْ قُتِلَ ابْنُهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَبْحَابِ، ثُمَّ إِنَّهُ جَهَّزَ جَيْشًا عَلَيْهِمْ أَبُو الأَصَمِّ خَالِدٌ فَالْتَقَوْا، فَقُتِلَ أَبُو الأَصَمِّ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الأَشْرَافِ فِي آخِرِ السَّنَةِ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُ الصُّفْرِيَّةِ وَبَايَعُوا بِالْخِلافَةِ الشَّيْخَ عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ زَيْدٍ الْهَوَّارِيَّ فَلَمْ يَنْشَبْ أَنْ قُتِلَ، وَجَرَتْ حُرُوبٌ مُهَوِّلَةٌ وَقُتِلَ الْمُسْلِمُونَ وَعَظُمَ الْخَطْبُ، وَكَانَتْ سَنَةً وَأَيَّ سَنَةٍ. وَكَانَ الأَمِيرُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَبْحَابِ قَدْ جَهَّزَ حَبِيبَ بْنَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عُقْبَةَ الْفِهْرِيَّ غَازِيًا إِلَى جَزِيرَةِ صَقَلِّيَّةَ، فَقَدِمَ مَعَهُ وَلَدُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى طَلائِعِهِ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَحَدَ الأَبْطَالِ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ أَحَدٌ، وَظَفَرَ ظَفَرًا مَا سَمِعَ بِمِثْلِهِ قَطُّ، وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى أَكْبَرِ مَدَائِنَ صقلية، وهي مدينة سرياقوسة، فَقَابَلُوهُ فَهَزَمَهُمْ، وَهَابَتْهُ النَّصَارَى وَذَلُّوا لِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ. وَكَانَ وَالِدُهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَبْحَابِ قَدِ اسْتَعْمَلَ عَلَى طَنْجَةَ وَمَا يَلِيهَا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمُرَادِيَّ، فَظَلَمَ وَعَسَفَ وَأَسَاءَ السِّيرَةَ فِي الْبَرْبَرِ، فَثَارُوا وَاغْتَنَمُوا غَيْبَةَ الْعَسَاكِرِ، وَتَدَاعَتْ عَلَى عُمَرَ الْقَبَائِلُ وَعَظُمَ الشَّرُّ، وَهَذِهِ أَوَّلُ فِتْنَةٍ كَانَتْ بِالْمَغْرِبِ بَعْدَ تَمْهِيدِ الْبِلادِ، فَأَمَّرَتِ الْبَرْبَرُ عَلَيْهِمْ مَيْسَرَةَ الْحَقِيرَ -[355]- فَأَسْرَعَ حَبِيبُ الْفِهْرِيُّ الْكَرَّةَ مِنْ صَقَلِّيَّةَ فَالْتَقَى هُوَ وَمَيْسَرَةُ، فَكَانَتْ مَلْحَمَةٌ هَائِلَةٌ فَاسْتَظْهَرَ مَيْسَرَةُ، ثُمَّ إِنَّ الْبَرْبَرِ أَنْكَرَتْ سُوءَ سِيرَةِ مَيْسَرَةَ وَتَغَيَّرُوا عَلَيْهِ، فَقَتَلُوهُ وَأَمَّرُوا عَلَيْهِمْ خَالِدَ بْنَ حميد الزَّنَاتِيَّ، فَأَقْبَلَ بِهِمْ فِي جَيْشٍ عَظِيمٍ، فَكَانَتْ بينهم وبين عسكر الإسلام ملحمة مشهودة قُتِلَ فِيهَا خَالِدُ الزَّنَاتِيُّ وَسَائِرُ مَنْ مَعَهُ، وَذَهَبَ فِيهَا خَلْقٌ مِنْ فِرْسَانِ الْعَرَبِ، وَلِهَذَا سُمِّيَتْ غَزْوَةَ الأَشْرَافِ، وَمَرَجَ أَمْرُ النَّاسِ وَقَوِيَتِ الْخَوَارِجُ، وَعَمَدَ النَّاسُ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَبْحَابِ فَعَزَلُوهُ، فَغَضِبَ الْخَلِيفَةُ هِشَامُ لَمَّا بَلَغَهُ وَتَنَمَّرَ، وَبَعَثَ عَلَى الْمَغْرِبِ كُلْثُومُ بْنُ عِيَاضٍ الْقُشَيْرِيُّ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاثِينَ وَمِائَةٍ.
تُوُفِّيَ فِيهَا خَلْقٌ، مِنْهُمْ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أُمَيَّةُ بْنُ يَزِيدَ، أَعْيَنُ بْنُ لَيْثٍ جَدُّ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، خَالِدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ، رَبَاحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيُّ، زِيَادُ بن سلم بن زياد ابن أَبِيهِ، سَالِمٌ الأَفْطَسُ بْنُ عَجْلانَ، سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، سُلَيْمَانُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ الْمَدَنِيُّ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ الْيَمَانِيُّ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خَثْيَمٍ الْمَكِّيُّ، عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الْمِصْرِيُّ، عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ الْكَلاعِيُّ، عَطَاءُ بْنُ قُرَّةَ السَّلُولِيُّ، عَطَاءُ السُّلَيْمِيُّ الْعَابِدُ، عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الزُّهْرِيُّ، قُحْطُبَةُ بْنُ شَبِيبٍ الأَمِيرُ، مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حزم، مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأُمَوِيُّ الْخَلِيفَةُ، مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ عَالِمُ الْكُوفَةِ، يَزِيدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ الأَمِيرُ، يَزِيدُ بْنُ الْقَعْقَاعِ أَبُو جَعْفَرٍ في قول، يونس بن ميسرة بن حلبس. وَفِيهَا زَالَتْ دَوْلَةُ بَنِي أُمَيَّةَ، فَفِي الْمُحَرَّمِ بَلَغَ ابْنَ هُبَيْرَةَ أَنَّ قُحْطُبَةَ تَوَجَّهَ نَحْوَ الْمَوْصِلِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَا بَالُ الْقَوْمِ تَنَكَّبُونَا؟! قَالُوا: يُرِيدُونَ الْكُوفَةَ، فَتَرَحَّلَ ابْنُ هُبَيْرَةَ نَحْوَ الْكُوفَةِ وَكَذَلِكَ فعَلَ قُحْطُبَةُ، فَعَبَرَ الْفُرَاتَ فِي سبع مائة فَارِسٍ، وَتَتَامَّ إِلَى ابْنِ هُبَيْرَةَ نَحْوَ ذَلِكَ، فَتَوَاقَعُوا فَجَاءَتْ قُحْطُبَةَ طَعْنَةٌ، فَوَقَعَ فِي الْفُرَاتِ فَهَلَكَ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ قَوْمُهُ، وَانْهَزَمَ أَيْضًا أَصْحَابُ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَغَرِقَ خَلْقٌ مِنْهُمْ فِي المخائض وذهبت أثقالهم، فقال بيهس بن حبيب: تجمع النَّاسَ بَعْدَ أَنْ جَاوَزْنَا الْفُرَاتَ، فَنَادَى مُنَادٍ: مَنْ أَرَادَ الشَّامَ فَهَلُمَّ، فَذَهَبَ مَعَهُ عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ، وَنَادَى آخَرُ: مَنْ أَرَادَ الْجَزِيرَةَ، فَتَبِعَهُ خَلْقٌ، وَنَادَى آخَرُ: مَنْ أَرَادَ الْكُوفَةَ، فَذَهَبَ كُلُّ جُنْدٍ إِلَى نَاحِيَةٍ، فَقُلْتُ: مَنْ أَرَادَ وَاسِطَ فَهَلُمَّ، فَأَصْبَحْنَا مَعَ ابْنِ هُبَيْرَةَ بقناطر المسيب ودخلنا واسطاً يَوْمَ عَاشُورَاءِ، وَأَصْبَحَ الْمُسَوِّدَةُ قَدْ فَقَدُوا قَائِدَهُمْ قُحْطُبَةُ، ثُمَّ اسْتَخْرَجُوهُ مِنَ الْمَاءِ فَدَفَنُوهُ، وَأَمَّرُوا عَلَيْهِمُ ابْنُهُ الْحَسَنُ فَقَصَدَ بِهِمُ الْكُوفَةَ، فَدَخَلُوهَا يَوْمَ عَاشُورَاءَ أَيْضًا وَهَرَبَ مُتَوَلِّيهَا زِيَادُ بْنُ صَالِحٍ إِلَى وَاسِطَ. -[586]- وَقُتِلَ لَيْلَةَ الْفُرَاتِ صَاحِبُ شُرْطَةِ ابْنِ هُبَيْرَةَ زِيَادُ بْنُ سُوَيْدٍ الْمُرِّيُّ، وَكَاتِبُهُ عَاصِمٌ مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ. وَأَمَّا ابْنُ قُحْطُبَةَ فَاسْتَعْمَلَ عَلَى الكوفة أبا سلمة الخلال، ثم قصد واسطا فَنَازَلَهَا وَخَنْدَقَ عَلَى جَيْشِهِ فَعَبَّأَ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَسَاكِرَهُ فَالْتَقَوْا فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، وَتَحَصَّنُوا بِوَاسِطَ، وَقُتِلَ فِي الْوَقْعَةِ يَزِيدُ أَخُو الْحَسَنِ بْنِ قُحْطُبَةَ، وَحَكِيمُ بْنُ الْمُسَيَّبِ الْجَدَلِيُّ. وَفِي الْمُحَرَّمِ، وَثَبَ أَبُو مُسْلِمٍ صَاحِبُ الدَّعْوَةِ عَلَى ابْنِ الْكَرْمَانِيِّ، فَقَتَلَهُ بِنَيْسَابُورَ وَجَلَسَ فِي دَسْتِ الْمَلِكِ، وَبُويِعَ وَصَلَّى وَخَطَبَ لِلسَّفَّاحِ، وَصَفَتْ لَهُ خُرَاسَانَ. -بَيْعَةُ السَّفَّاحِ فِي ثَالِثِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، بُويِعَ أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ السَّفَّاحُ أَوَّلُ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ بِالْكُوفَةِ فِي دَارِ مَوْلاهُمُ الْوَلِيدِ بْنِ سَعْدٍ. وَأَمَّا مَرْوَانُ الْحِمَارُ خَلِيفَةُ الْوَقْتِ فَسَارَ فِي مِائَةِ أَلْفٍ حَتَّى نَزَلَ الزَّابِينَ دُونَ الْمَوْصِلِ، فَجَهَّزَ السَّفَّاحُ عَمَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ فِي جَيْشٍ فَالْتَقَى الْجَمْعَانِ عَلَى كُشَافٍ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ، فَانْكَسَرَ مَرْوَانُ وَتَقَهْقَرَ إِلَى الْجَزِيرَةِ وَقَطَعَ وَرَاءَهُ الْجِسْرَ وَقَصَدَ الشَّامَ لِيَتَقَوَّى وَيَلْتَقِي، وَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الْجَزِيرَةَ فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مُوسَى بْنُ كَعْبٍ التَّمِيمِيُّ، ثُمَّ طَلَبَ الشَّامَ مُجِدًّا، وَأَمَدَّهُ السَّفَّاحُ بِصَالِحِ بْنِ عَلِيٍّ، وَهُوَ عَمُّهُ الآخَرُ، فَسَارَ عَبْدُ اللَّهِ حَتَّى نَازَلَ دِمَشْقَ وَفَرَّ مَرْوَانُ إِلَى غَزَّةَ، فَحُوصِرَتْ دِمَشْقُ مُدَّةً وَأُخِذَتْ فِي رَمَضَانَ وَقُتِلَ بِهَا خَلْقٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَمِنْ جُنْدِهِمْ، فَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، فَلَمَّا بَلَغَ مَرْوَانَ ذَلِكَ هَرَبَ إِلَى مِصْرَ، ثُمَّ قُتِلَ فِي آخِرِ السَّنَةِ، وَهَرَبَ ابْنَاهُ عَبْدُ الله وعبيد الله حتى دخلا أَرْضَ النُّوبَةِ، وَكَانَ مَرْوَانُ قَدِ اسْتَعْمَلَ عَلَى مِصْرَ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ بْنِ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ اللَّخْمِيَّ، مَوْلاهُمْ، فَأَحْسَنَ السِّيرَةَ، وَسَارَ عَمُّ السَّفَّاحِ صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ، فَافْتَتَحَ مِصْرَ، وَظَفَرَ بِعَبْدِ الْمَلِكِ وَبِأَخِيه مُعَاوِيَةَ، فَعَفَا عَنْهُمَا، وَقَتَلَ الأَمِيرُ حَوْثَرَةُ بْنُ سُهَيْلٍ، فَيُقَالُ: طَبَخُوهُ طَبْخًا، وَكَانَ قَدْ وَلِيَ مِصْرَ مُدَّةً، -[587]- وَقُتِلَ حَسَّانُ بْنُ عَتَاهِيَةَ وَصُلِبَ سَنَةً. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: كَانَ بَدْءُ أَمْرِ بَنِي الْعَبَّاسِ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ أَعْلَمَ الْعَبَّاسَ عمه أن الخلافة تؤول إِلَى وَلَدِهِ، فَلَمْ يَزَلْ وَلَدُهُ يَتَوَقَّعُونَ ذَلِكَ. وَعَنْ رِشْدِينَ بْنِ كُرَيْبٍ أَنَّ أَبَا هَاشِمٍ عبد الله بن محمد ابن الْحَنَفِيَّةِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، فَلَقِيَ مُحَمَّدَ بْنَ عبد الله بن عباس، فقال: يا ابن عَمِّ، إِنَّ عِنْدِي عِلْمًا أُرِيدُ أَنْ أَنْبُذَهُ إِلَيْكَ فَلا تُطْلِعَنَّ عَلَيْهِ أَحَدًا، إِنَّ هَذَا الأَمْرَ الَّذِي يَرْتَجِيهِ النَّاسُ فِيكُمْ، قَالَ: قَدْ عَلِمْتُهُ فَلا يَسْمَعَنَّهُ مِنْكَ أَحَدٌ. وَرَوَى الْمَدَائِنِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ أَنَّ الإِمَامَ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللّهِ قَالَ: لَنَا ثَلاثَةُ أَوْقَاتٍ: مَوْتُ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوُيَةَ، وَرَأْسُ الْمِائَةِ، وَفَتْقٌ بِأَفْرِيقِيَّةَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَدْعُو لَنَا دُعَاةٌ، ثُمَّ تقبل أَنْصَارُنَا مِنَ الْمَشْرِقِ حَتَّى تَرِدَ خُيُولُهُمُ الْمَغْرِبَ، فَلَمَّا قُتِلَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ بِأَفْرِيقِيَّةَ وَنَقَضَتِ الْبَرْبَرُ بَعَثَ مُحَمَّدٌ الإِمَامُ رَجُلا إِلَى خُرَاسَانَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى الرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلا يُسَمِّي أَحَدًا، ثُمَّ وَجَّهَ أَبَا مُسْلِمٍ وَغَيْرَهُ، وَكَتَبَ إِلَى النُّقَبَاءِ فَقَبِلُوا كُتُبَهُ، ثُمَّ وَقَعَ فِي يَدِ مَرْوَانَ الْحِمَارِ كِتَابٌ مِنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الإِمَامِ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ جَوَابُ كِتَابٍ يَأْمُرُهُ بِقَتْلِ كُلِّ مَنْ تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ بِخُرَاسَانَ، فَقَبَضَ مَرْوَانُ عَلى إِبْرَاهِيمَ، وَقَدْ كَانَ مَرْوَانُ وُصِفَ لَهُ صِفَةُ السَّفَّاحِ الَّتِي كَانَ يَجِدَهَا فِي الْكُتُبِ، فَلَمَّا جِيءَ بِإِبْرَاهِيمَ قَالَ: لَيْسَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ الَّتِي وَجَدْتَ، ثُمَّ رَدَّهُمْ فِي طَلَبِ الْمَوْصُوفِ لَهُ فَإِذَا بِالسَّفَّاحِ وَاخْوَتِهِ وَعُمُومَتِهِ قَدْ هَرَبُوا إِلَى الْعِرَاقِ وَأَخْفَتْهُمْ شِيعَتُهُمْ، فَيُقَالُ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ قَدْ نَعَى إِلَيْهِمْ نَفْسَهُ وَأَمَرَهُمْ بِالْهَرَبِ، وَكَانُوا بِالْحُمَيِّمَةِ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ، فَلَمَّا قَدِمُوا الْكُوفَةِ أَنْزَلَهُمْ أَبُو سَلَمَةَ الْخَلالُ دار -[588]- الْوَلِيدِ بْنِ سَعْدٍ فَبَلَغَ الْخَبَرُ أَبَا الْجَهْمِ فَاجْتَمَعَ بِمُوسَى بْنِ كَعْبٍ، وَعَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ رِبْعِيٍّ، وَسَلَمَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ سَلَمَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ الطَّائِيِّ، وَإِسْحَاقَ بْن إِبْرَاهِيمَ، وَشَرَاحِيلَ، وَابْنَ بَسَّامٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ كِبَارِ شِيعَتِهِمْ فَدَخَلُوا عَلَى آلِ الْعَبَّاسِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بن محمد ابن الْحَارِثِيَّةِ؟ فَأَشَارُوا إِلَى السَّفَّاحِ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ بِالْخِلافَةِ، ثم خرج السفاح يوم الجمعة عَلَى بِرْذَوْنٍ أَبْلَقَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ بِالْكُوفَةِ فَذُكِرَ أَنَّهُ لَمَّا صَعِدَ الْمِنْبَرِ وَبُويِعَ قَامَ عَمُّهُ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ دُونَهُ. فَقَالَ السَّفَّاحُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اصْطَفَى الإِسْلامَ لِنَفْسِهِ فَكَرَّمَهُ وَشَرَّفَهُ وَعَظَّمَهُ وَاخْتَارَهُ لَنَا، وَأَيَّدَهُ بِنَا وَجَعَلَنَا أَهْلَهُ وَكَهْفَهُ وَحِصْنَهُ وَالْقُوَّامَ بِهِ وَالذَّابِيِّنَ عَنْهُ، ثُمَّ ذَكَرَ قَرَابَتَهُمْ فِي آيَاتِ الْقُرْآنِ إِلَى أَنْ قَالَ: فَلَمَّا قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ قَامَ بِالأَمْرِ أَصْحَابَهُ إِلَى أَنْ وَثَبَتْ بَنُو حَرْبٍ وَمَرْوَانُ، فَجَارُوا وَاسْتَأْثَرُوا فَأَمْلَى اللَّهُ لَهُمْ حِينًا حَتَّى آسَفُوهُ فَانْتَقَمَ مِنْهُمْ بِأَيْدِينَا وَرَدَّ عَلَيْنَا حَقَّنَا لِيُمِنَّ بِنَا عَلَى الَّذِينَ استُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَخَتَمَ بِنَا كَمَا افْتَتَحَ بِنَا وَمَا تَوْفِيقُنَا أَهْلِ الْبَيْتِ إِلا بِاللَّهِ، يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، أنتم محل محبتنا ومنزل مودتنا لم تفتروا عن ذلك ولم يثنكم عَنْهُ تَحَامُلُ أَهْلِ الْجَوْرِ فَأَنْتُمْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِنَا وَأَكْرَمَهُمْ عَلَيْنَا وَقَدْ زِدْتُ فِي أَعْطِيَاتِكُمْ مائة مائة، فاستعدوا فأنا السفاح المبيح وَالثَّائِرُ الْمُبِيرُ، وَكَانَ مَوْعُوكًا فَجَلَسَ. وَخَطَبَ دَاوُدُ فَأَبْلَغَ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَصَرَهُ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا إِنَّمَا عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ بَعْدَ الصَّلاةِ؛ لِأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَخْلِطَ بِكَلامِ الْجُمُعَةِ غَيْرُهُ وَإِنَّمَا قَطَعَهُ عَنِ اسْتِتْمَامِ الْكَلامِ شِدَّةُ الْوَعْكِ فَادْعُوا لَهُ بِالْعَافِيَةِ، فَقَدْ أَبْدَلَكُمُ اللَّهُ بِمَرْوَانَ عَدُوِّ الرَّحْمَنِ وَخَلِيفَةِ الشَّيْطَانِ الْمُتَّبِعِ لِسَلَفِهِ الْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ الشَّابَّ الْمُكْتَهِلَ، فَعَجَّ النَّاسُ لَهُ بِالدُّعَاءِ. وَكَانَ عِيسَى بْنُ مُوسَى إِذَا ذُكِرَ خُرُوجُهُمْ مِنَ الْحُمَيِّمَةَ يُرِيدُونَ الْكُوفَةَ، قَالَ: إِنَّ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلا خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ يَطْلُبُونَ مَا طَلَبْنَا لَعَظِيمَةٌ هِمَّتُهُمْ شَدِيدَةٌ قُلُوبُهُمْ. وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ فَإِنَّ مَرْوَانَ قَتَلَهُ غِيلَةً، وَقِيلَ: بَلْ مَاتَ بِالسِّجْنِ بِحَرَّانَ مِنْ طَاعُونٍ، وَكَانَ قَدْ وَقَعَ بِحَرَّانَ وَبَاءٌ عَظِيمٌ، وَهَلَكَ فِي السِّجْنِ -[589]- أَيْضًا: الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عبد الْمَلِكِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِيمَا قِيلَ، وَفِيهِ نَظَرٌ. وَفِيهَا تَوَجَّهَ أَبُو عَوْنٍ الأَزْدِيُّ إِلَى شَهْرِزَوْرَ لِقِتَالِ عَسْكَرِ مَرْوَانَ فَالْتَقَوْا، وَقُتِلَ أَمِيرُ الْمَرْوَانِيَّةِ عُثْمَانُ بْنُ سُفْيَانَ، وَاسْتَوْلَى أَبُو عَوْنٍ عَلَى نَاحِيَةِ الْمَوْصِلِ قَبْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ، فَلَمَّا جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ جَهَّزَ خَمْسَةَ آلافٍ عَلَيْهِمْ عُيَيْنَةُ بْنُ مُوسَى، فَخَاضُوا الِزَابَ وَحَارَبُوا الْمَرْوَانِيَّةَ حَتَّى حَجَزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ، ثُمَّ جَهَّزَ عَبْدُ اللَّهِ مِنَ الْغَدِ أَرْبَعَةَ آلافٍ عَلَيْهِمْ مُخَارِقُ بْنُ عَفَّارٍ فَالْتَقَوْا، فَقُتِلَ مُخَارِقٌ، وَقِيلَ: أُسِرَ، فَبَادَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ وَعَبَّأَ جَيْشَهُ، وَكَانَ يَوْمَئِذٍ عَلَى مَيْمَنَتِهِ أَبُو عَوْنٍ الأَزْدِيُّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ الْوَلِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، فَالْتَقَاهُ مَرْوَانُ وَاشْتَدَّ الْحَرْبُ، ثُمَّ تَخَاذَلَ عَسْكَرُ مَرْوَانَ وَانْهَزَمُوا، فَانْهَزَمَ مَرْوَانُ وَقَطَعَ وَرَاءَهُ الْجِسْرَ، فَكَانَ مَنْ غَرِقَ يَوْمَئِذٍ أَكْثَرُ مِمَّنْ قُتِلَ، فَغَرِقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ الْمَخْلُوعُ، وَاسْتَوْلَى عَبْدُ اللَّهِ عَلَى أَثْقَالِهِمْ وَمَا حَوَتْ، فَوَصَلَ مَرْوَانُ إِلَى حَرَّانَ، فَأَقَامَ بِهَا عِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ دَهَمَتْهُ الْمُسَوِّدَةُ فَانْهَزَمَ، وَخَلَفَ بِحَرَّانَ ابْنَ أُخْتِهِ أَبَانَ بْنَ يَزِيدَ، فَلَمَّا أَظَلَّهُ عَبْدُ اللَّهِ خَرَجَ أَبَانُ مُسَوِّدًا مُبَايِعًا لِعَبْدِ اللَّهِ فَأَمَّنَهُ، فَلَمَّا مَرَّ مَرْوَانُ بِحِمْصَ اعْتَرَضَهُ أَهْلَهَا فَحَارَبُوهُ، وَكَانَ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْهُ فَكَسَرَهُمْ، ثُمَّ مَرَّ بِدِمَشْقَ وَبِهَا مُتَوَلِّيهَا زَوْجُ بِنْتِهِ الْوَلِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فَانْهَزَمَ وَخَلَفَ بِدِمَشْقَ زَوْجُ بِنْتِهِ لِيَحْفَظَهَا، فَنَازَلَهَا عَبْدُ اللَّهِ وَافْتَتَحَهَا عَنْوَةً بِالسَّيْفِ وَهَدَمَ سُورَهَا وَقُتِلَ أَمِيرَهَا فِيمَنْ قُتِلَ، وَتَبِعَ عَسْكَرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ مَرْوَانَ بْنَ مُحَمَّدٍ إِلَى أَنْ بَيَّتُوهُ بِقَرْيَةِ بُوصَيْرَ مِنْ عَمَلِ مِصْرَ، فَقُتِلَ وَهَرَبَ وَلَدَاهُ، وَحَلَّ بِالْمَرْوَانِيَّةِ مِنَ الْبَلاءِ مَا لا يُوصَفُ. وَيُقَالُ: كَانَ جَيْشُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ لَمَّا الْتَقَى مَرْوَانَ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَقِيلَ: اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَافْتَتَحَ دِمَشْقَ فِي عَاشِرِ رَمَضَانَ، صَعِدَ الْمُسَوِّدَةُ سُورَهَا وَدَامَ الْقَتْلُ بِهَا ثَلاثَ سَاعَاتٍ، فَيُقَالُ: قُتِلَ بِهَا خَمْسُونَ أَلْفًا. وَذَكَر ابْنُ عَسَاكِرٍ فِي تَرْجَمَةِ الطُّفَيْلِ بْنِ حَارِثَةِ الْكَلْبِيِّ أَحَدِ الأَشْرَافِ: أَنَّهُ شَهِدَ حِصَارَ دِمَشْقَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ فَحَاصَرَهَا شَهْرَيْنِ وَبِهَا يَوْمَئِذٍ الْوَلِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي خَمْسِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ فَوَقَعَ الْخَلَفُ بَيْنَهُمْ، -[590]- ثُمَّ إِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْكُوفِيِّينَ تَسَوَّرُوا بُرْجًا وَافْتَتَحُوهَا عَنْوَةً فَأَبَاحَهَا عَبْدُ اللَّهِ ثَلاثَ سَاعَاتٍ لا يَرْفَعُ عَنْهُمُ السَّيْفَ، وَقِيلَ: إِنَّ الْوَلِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ قَتَلَهُ أَصْحَابُهُ لَمَّا اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمَّنَ عَبْدُ اللَّهِ النَّاسَ كُلَّهُمْ وَأَمَرَ بِقَلْعِ حِجَارَةِ السُّورِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْمَدَائِنِيِّ. وقال محمد بن الفيض الغساني: حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، قال: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ: لَمَّا نَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ وَحَصَرَ دِمَشْقَ اسْتَغَاثَ النَّاسُ بِيَحْيَى بْنِ يَحْيَى الْغَسَّانِيِّ، فَسَأَلَهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَنْ يَخْرُجَ وَيَطْلُبَ الأَمَانَ، فَخَرَجَ فَأُجِيبَ فَاضْطَرَبَ بِذَلِكَ الصَّوْتِ حَتَّى دَخَلَ الْبَلَدَ، وَقَالَ النَّاسُ: الأَمَانَ الأَمَانَ فَخَرَجَ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْبَلَدِ خَلْقٌ وَأَصْعَدُوا إِلَيْهِمُ الْمُسَوِّدَةَ، فَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ: اكْتُبْ لَنَا بِالأَمَانِ كِتَابًا، فَدَعَا بِدَوَاةٍ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا السُّورُ قَدْ رَكِبَتْهُ الْمُسَوِّدَةُ، فَقَالَ: نَحِّ الْقِرْطَاسَ، فَقَدْ دَخَلْنَا قَسْرًا، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: لا وَاللَّهِ وَلَكِنْ غَدْرًا لِأَنَّكَ أَمَّنْتَنَا فَإِنْ كَانَ كَمَا تَقُولُ فَارْدُدْ رِجَالَكَ عَنَّا وَرُدَّنَا إِلَى بَلَدِنَا، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْلا مَا أَعْرِفُ مِنْ مَوَدَّتِكَ إِيَّانَا أَهْلَ الْبَيْتِ، وَهَدَّدَهُ، وَقَالَ: أَتَسْتَقْبِلُنِي بِهَذَا؟! فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَكَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ الرَّحْمَةِ وَالْحَقِّ، وَأَخَذَ يُلاطِفُهُ، فَقَالَ: تَنَحَّ عَنِّي، ثُمَّ نَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ وَقَالَ: يَا غُلامُ اذْهَبْ بِهِ إِلَى حُجَرِي تَخَوُّفًا عَلَيْهِ لِمَكَانِ ثِيَابِهِ الْبِيضِ، وَقَدْ سَوَّدَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، ثُمَّ حَمَى لَهُ دَارَهُ فَسَلِمَ فِيهَا خَلْقٌ، وَقُتِلَ بِالْبَلَدِ خَلْقٌ لَكِنْ غَالِبَهُمْ مِنْ جُنْدِ الأُمَوِيِّينَ وَأَتْبَاعِهِمْ. ثُمَّ سَارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى فِلَسْطِينَ، وَجَهَّزَ أَخَاهُ صَالِحًا لِيَفْتَتِحَ مِصْرَ، وَسَيَّرَ مَعَهُ أَبَا عَوْنٍ الأَزْدِيَّ، وَعَامِرَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْحَارِثِيَّ، وَابْنَ قَنَانٍ، فَسَارُوا عَلَى السَّاحِلِ، فَافْتَتَحُوا الإِقْلِيمَ، وَوَلِيَ إِمْرَةَ مِصْرَ أَبُو عَوْنٍ. وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ فَإِنَّهُ نَزَلَ عَلَى نَهْرِ أَبِي فُطْرُسٍ وَقَتَلَ هُنَاكَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ خَاصَّةً اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ نَفْسًا صَبْرًا، وَلَمَّا رَأَى النَّاسُ جُورَ الْمُسَوِّدَةِ وَجَبَرُوتَهُمْ كَرِهُوهُمْ فَثَارَ الأَمِيرُ أَبُو الْوَرْدِ مَجْزَأَةُ بْنُ كَوْثَرٍ الْكِلابِيُّ أَحَدُ الأَبْطَالِ بِقَنَّسْرِينَ وَبَيَّضَ، وَبَيَّضَ مَعَهُ أَهْلُ قِنَّسْرِينَ كُلُّهُمْ، وَاشْتَغَلَ عَنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ بِحَرْبِ حَبِيبِ بْنِ مُرَّةَ الْمُرِّيُّ بِالْبَلْقَاءِ وَالثَنِيَّةِ وَتَمَّ لَهُ مَعَهُ -[591]- وَقَعَاتٌ، ثُمَّ هَادَنَهُ عَبْدُ اللَّهِ وَتَوَجَّهَ نَحْوَ قنسرين وَخَلَفَ بِدِمَشْقَ أَبَا غَانِمٍ عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ رِبْعِيٍّ الطَّائِيَّ فِي أَرْبَعَةِ آلافِ فَارِسٍ، وَسَارَ فَمَا بَلَغَ حِمْصَ حَتَّى انْتَقَضَ عَلَيْهِ أَهْلُ دِمَشْقَ وَبَيَّضُوا وَنَبَذُوا السَّوَادَ، وَكَانَ رَأْسُهُمُ الأَمِيرُ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى بْنِ سُرَاقَةَ الأَزْدِيُّ، فَهَزَمُوا أَبَا غَانِمٍ وَأَثْخَنُوا فِي أَصْحَابِهِ، وَأَقْبَلَتْ جُمُوعُ الْحَلَبِيِّينَ وَانْضَمَّ إِلَيْهِمُ الْحِمْصِيُّونَ وَأَهْلُ تَدْمُرَ، وَعَلَيْهِمْ كُلُّهُمْ أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ السُّفْيَانِيُّ، وَصَارَ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَأَبُو الْوَرْدِ كَالْوَزِيرِ لَهُ، فَجَهَّزَ عَبْدُ اللَّهِ لِحَرْبِهِمْ أَخَاهُ عَبْدَ الصَّمَدِ بْنَ عَلِيٍّ فِي عَشَرَةِ آلافٍ، فَالْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاسْتَمَرَّ الْقَتْلُ بِالْفَرِيقَيْنِ، وَانْكَشَفَ عَبْدُ الصَّمَدِ، وَذَهَبَ تَحْتَ السَّيْفِ مِنْ جَيْشِهِ أُلُوفٌ، وَانْتَصَرَ السُّفْيَانِيُّ، فَقَصَدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَعَهُ حُمَيْدُ بْنُ قُحْطُبَةَ فَالْتَقَوْا، وَعَظُمَ الْخَطْبُ وَاسْتَظْهَرَ عَبْدُ اللَّهِ فَثَبَتَ أبو الورد في خمس مائة، فَرَاحُوا تَحْتَ السَّيْفِ كُلُّهُمْ، وَهَرَبَ السُّفْيَانِيُّ إِلَى تَدْمُرَ، وَرَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى دِمَشْقَ وَقَدْ عَظُمَتْ هَيْبَتُهُ، فَتَفَرَّقَتْ كَلِمَةُ أَهْلِهَا وَهَرَبُوا فَآمَّنَهُمْ وَعَفَا عَنْهُمْ، وَهَرَبَ السُّفْيَانِيُّ إِلَى الْحِجَازِ وَأَضْمَرَتْهُ الْبِلادُ إِلَى أَنْ قُتِلَ فِي دَوْلَةِ الْمَنْصُورِ، بَعَثَ إِلَيْهِ مُتَوَلِّي الْمَدِينَةِ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيُّ خَيْلا فَظَفِرُوا بِهِ وَقَتَلُوهُ وَأَسَرُوا وَلَدَيْهِ فَعَفَا عَنْهُمَا الْمَنْصُورُ وَخَلاهُمَا. وَلَمَّا بَلَغَ أَهْلَ الْجَزِيرَةِ هَيْجُ أَهْلِ الشَّامِ خَلَعُوا السَّفَّاحَ أيضاً وبيضوا وبيض أهل قرقيسياء، فَسَارَ لِحَرْبِهِمْ أَبُو جَعْفَرٍ أَخُو السَّفَّاحِ فَجَرَتْ لَهُمْ وَقَعَاتٌ، ثُمَّ انْتَصَرَ أَبُو جَعْفَرٍ وَحَكَمَ عَلَى الْجَزِيرَةِ وَأَذْرَبِيجَانَ وَأَرْمِينِيَّةَ، وَضَبَطَ تِلْكَ النَّاحِيَةَ إلى أن انتهت إليه الخلافة، ثم شخص أَبُو جَعْفَرٍ لَمَّا مَهَّدَ ذَلِكَ الْقُطْرَ إِلَى خُرَاسَانَ إِلَى صَاحِبِ الدَّوْلَةِ أَبِي مُسْلِمٍ لِيَأْخُذَ رَأْيَهُ فِي قَتْلِ وَزِيرِ دَوْلَتِهِمْ أَبِي سَلَمَةَ حَفْصِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْخَلالِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا نزل عنده آل العباس بالكوفة وحدثته نَفْسُهُ فِيمَا قِيلَ أَنْ يُبَايِعَ رَجُلا مِنْ آلِ عَلِيٍّ ويَذَرَ آلَ الْعَبَّاسِ، وَشَرَعَ يُخْفِي أَمْرَهُمْ عَلَى الْقُوَّادِ، فَبَادَرُوا وَبَايَعُوا السَّفَّاحَ كَمَا ذَكَرْنَا فَبَايَعَهُ أَبُو سَلَمَةَ الْخَلالُ وَبَقِيَ مُتَّهَمًا عِنْدَهُمْ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: انْتَدَبَنِي أَخِي السَّفَّاحُ للذهاب إلى أبي مسلم، فسرت وجلاً فَأَتَيْتُ الرَّيَّ وَمِنْهَا إِلَى مَرْوٍ، فَلَمَّا كُنْتُ عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْهَا تَلَقَّانِي أَبُو -[592]- مُسْلِمٍ فِي النَّاسِ، فَلَمَّا دَنَا مِنِّي تَرَجَّلَ وَمَشَى وَقَبَّلَ يَدِي، فَنَزَلْتُ وَأَقَمْتُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ لا يَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ، ثُمَّ سَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ قَالَ: فَعَلَهَا أَبُو سَلَمَةَ أَنَا أَكْفِيكُمُوهُ، فَدَعَا مَرَّارَ بْنَ أَنَسٍ الضَّبِّيَّ، فَقَالَ: انْطَلِقْ إِلَى الْكُوفَةِ فَاقْتُلْ أَبَا سَلَمَةَ حَيْثُ لَقِيتُهُ، فَأَتَى الْكُوفَةَ فَقَتَلَهُ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: وَزِيرُ آلِ مُحَمَّدٍ، وَلَمَّا رَأَى أَبُو جَعْفَرٍ عَظَمَةِ أَبِي مُسْلِمٍ بِخُرَاسَانَ وَسَفْكِهِ لِلدِّمَاءِ وَرَجَعَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ لِأَخِيهِ أَبِي الْعَبَّاسِ: لَسْتَ بِخَلِيفَةٍ إِنْ تَرَكْتَ أَبَا مُسْلِمٍ حَيًّا، قَالَ: كيف؟ قال: وَاللَّهِ مَا يَصْنَعُ إِلا مَا يُرِيدُ، قَالَ: فَاسْكُتْ وَاكْتُمْهَا. وَأَمَّا الْحَسَنُ بْنُ قُحْطُبَةَ فَإِنَّهُ اسْتَمَرَّ عَلَى حِصَارِ يَزِيدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ بِوَاسِطَ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ يَطُولُ شَرْحُهَا، وَدَامَ الْقِتَالُ وَالْحَصْرُ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ قَتْلُ مَرْوَانَ الْحِمَارِ ضَعُفُوا وَطَلَبُوا الصُّلْحَ، وَتَفَرَّغَ أَبُو جَعْفَرٍ فَجَاءَ فِي جَيْشٍ نَجْدَةً لابْنِ قُحْطُبَةَ وَجَرَتِ السُّفَرَاءُ بَيْنَ أَبِي جَعْفَرٍ وَبَيْنَ ابْنِ هُبَيْرَةَ حَتَّى كَتَبَ لَهُ أَمَانًا، مَكَثَ ابْنُ هُبَيْرَةَ، وَهُوَ يُشَاوِرُ فِيهِ الْعُلَمَاءَ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا حَتَّى رَضِيَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَأَمْضَاهُ السَّفَّاحُ، وَكَانَ رَأْيُ أَبِي جَعْفَرٍ الْوَفَاءَ بِهِ، وَكَانَ السَّفَّاحُ لا يَقْطَعُ أَمْرًا ذَا بَالٍ دون أبي مسلم ومشاروته، وَكَانَ أَبُو الْجَهْمِ عَيْنًا لِأَبِي مُسْلِمٍ بِحَضْرَةِ السَّفَّاحِ، فَكَتَبَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَيْهِ: إِنَّ الطَّرِيقَ السَّهْلَ إِذَا أَلْقَيْتَ فِيهِ الْحِجَارَةَ فَسَدَ، وَلا وَاللَّهِ لا يَصْلُحُ طَرِيقٌ فِيهِ ابْنُ هُبَيْرَةَ، وَخَرَجَ ابْنُ هُبَيْرَةَ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ وَفِي خدمته من خواصه ألف وثلاث مائة، وَهَمَّ أَنْ يَدْخُلَ الْحُجْرَةَ عَلَى فَرَسِهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ الْحَاجِبُ سَلامٌ وَقَالَ: مَرْحبًا أَبَا خَالِدٍ انْزِلْ، وَقَدْ أَطَافَ بِالْحُجْرَةِ مِنَ الْخُرَاسَانِيَّةِ عَشَرَةُ آلافٍ فَأَدْخَلَهُ الْحَاجِبُ وَحْدَهُ، فَحَدَّثَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَامَ، فَلَمْ يَزَلْ يُنقِصُ مِنْ كَثْرَةِ الْحَشَمِ حَتَّى بَقِيَ فِي ثَلاثَةٍ، وَأَلَحَّ السَّفَّاحُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ يَأْمُرُهُ بِقَتْلِهِ وَهُوَ يُرَاجِعُهُ، فَلَمَّا زَادَ عَلَيْهِ أَزْمَعَ عَلَى قَتْلِهِ، وَجَاءَ خَازِمُ بْنُ خُزَيْمَةَ وَالْهَيْثَمُ بْنُ شُعْبَةَ فَخَتَمَا بُيُوتَ الأَمْوَالِ الَّتِي بِوَاسِطَ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى وُجُوهِ مَنْ مَعَ ابْنِ هُبَيْرَةَ فَأَقْبَلُوا، وَهُمْ: مُحَمَّدُ بْن نُبَاتَةَ، وَحَوْثَرَةُ بْنُ سُهَيْلٍ، وَطَارِقُ بْنُ قَدَّامَةَ، وَزِيَادُ بْنُ سُوَيْدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ كَعْبٍ، وَالْحَكَمُ بْنُ بِشْرٍ، فِي اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ رَجُلا مِنْ وُجُوهِ الْقَيْسِيَّةِ، فَخَرَجَ سَلامٌ -[593]- الْحَاجِبُ، فَقَالَ: أَيْنَ الْحَوْثَرَةَ وَابْنُ نُبَاتَةَ؟ فَقَامَا فَأُدْخِلا، وَقَدْ أَقْعَدَ لَهُمْ فِي الدِّهْلِيزِ مِائَةً فَنُزِعَتْ سُيُوفُهُمَا وَكُتِّفَا، ثُمَّ طُلِبَ الْبَاقُونَ كَذَلِكَ فَأُمْسِكُوا، ثُمَّ ذُبِحُوا صَبْرًا، وَبَادَرَ خَازِمٌ، وَالْهَيْثَمُ فِي مِائَةٍ فَدَخَلُوا عَلَى ابْنِ هُبَيْرَةَ وَمَعَهُ ابْنُهُ دَاوُدَ وَكَاتِبُهُ عَمْرُو بْنُ أَيُّوبَ وَحَاجِبُهُ وَعِدَّةٌ مِنْ مَمَالِيكِهِ وَبُنَيٌّ لَهُ فِي حِجْرِهِ، فَأَنْكَرَ نَظَرَهُمْ وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ فِي وُجُوهِهِمُ الشَّرَّ، فَقَصَدُوهُ، فَقَامَ صَاحِبُهُ فِي وُجُوهِهِمْ وَقَالَ: تَأَخَّرُوا، فَضَرَبَهُ الْهَيْثَمُ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ فَصَرَعَهُ، وَقَاتَلَهُمْ دَاوُدُ فَقُتِلَ، وَقُتِلَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمَمَالِيكِ فَنَحَّى الصَّغِيرُ مِنْ حِجْرِهِ، ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا لِلَّهِ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ قَتَلُوا خَالِدَ بْنَ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ وَأَبَا عَلاقَةَ الْفَزَارِيَّ صَبْرًا، وَوَجَّهَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ أَشْعَثَ عَلَى إِمْرَةِ فَارِسٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَضْرِبَ أَعْنَاقَ نُوَّابِ أَبِي سَلَمَةَ الْخَلالِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ. وَفِيهَا وَجَّهَ السَّفَّاحُ عَمَّهُ عِيسَى بْنَ عَلِيٍّ عَلَى فَارِسَ، فَغَضِبَ مُحَمَّدُ بْنُ أَشْعَثَ وَهَمَّ بِقَتْلِهِ، وَقَالَ: أَمَرَنِي أَبُو مُسْلِمٍ أَنْ لا يَقْدِمَ عَلَيَّ أحد يدعي الولاية من غيره إِلا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، ثُمَّ إِنَّهُ فَكَّرَ وَخَافَ مِنْ غَائِلَةِ ذَلِكَ الْمَقَالِ وَاسْتَحْلَفَ عِيسَى بْنَ عَلِيٍّ عَلَى أَنْ لا يَعْلُو مِنْبَرًا وَلا يَتَقَلَّدَ سَيْفًا إِلا وَقْتَ جِهَادٍ، فَلَمْ يَلِ عِيسَى بَعْدَ ذَلِكَ عَمَلا، ثُمَّ وَجَّهَ السَّفَّاحُ عَمَّهُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى فَارِسَ وَغَضِبَ من أبي مسلم ولكنه كان يعجر عَنْهُ، وَبَعَثَ عَلَى الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ دَاوُدَ بْنَ عَلِيٍّ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْكُوفَةِ ابْنُ عَمِّهِ عِيسَى بْنُ مُوسَى وَتَوَطَّدَتْ لِلسَّفَّاحِ الْمَمَالِكُ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ.
فِيهَا تُوُفِّيَ أَسْلَمُ الْمِنْقَرِيُّ، وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ الْقَصَّابُ، وَالْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيُّ، وَأَبُو هَانِئٍ حُمَيْدُ بْنُ هَانِئٍ الْخَوْلانِيُّ الْمِصْرِيُّ، وَحُمَيْدٌ الطَّوِيلُ فِي قَوْلٍ. وَخَالِدٌ الْحَذَّاءُ، وَسَعْدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلٍ، وَالأَمِيرُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَعَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ بِخُلْفٍ، وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ الْمُعْتَزِلِيُّ فِيهَا أَوْ فِي سَنَةِ ثَلاثٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي إِسْمَاعِيلَ الْكُوفِيُّ، وَهَارُونُ بْنُ عَنْتَرَةَ. وَفِيهَا نَزَعَ الطَّاعَةَ مُتَوَلِّي السِّنْدِ عُيَيْنَةُ بْنُ مُوسَى بْنِ كَعْبٍ فَخَرَجَ الْمَنْصُورُ بِالْجَيْشِ فَنَزَلَ الْبَصْرَةَ وَجَهَّزَ عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ الْعَتَكِيُّ مُحَارِبًا له وَمُتَوَلِّيًا عَلَى السِّنْدِ وَالْهِنْدِ فَسَارَ حَتَّى غَلَبَ على السند واستوسق لَهُ الأَمْرُ. وَفِيهَا نَقَضَ إِصْبَهَبْذُ طَبَرِسْتَانَ وَقَتَلَ مَنْ بِبِلادِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَانْتُدِبَ لَهُ خَازِمُ بْنُ خُزَيْمَةَ، وَرَوْحُ بْنُ حَاتِمٍ، وَأَبُو الْخَصِيبِ مَرْزُوقٌ مَوْلَى الْمَنْصُورِ فَحَاصَرُوهُ فِي قَلْعَتِهِ وَطَالَ الحصار ولم يزالوا إلى أَنِ احْتَالَ مَرْزُوقٌ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ اضْرِبُونِي وَاحْلِقُوا رَأْسِي وَلِحْيَتِي، فَفَعَلُوا ذَلِكَ فَلَحِقَ بِالإِصْبَهَبْذِ فَفَتَحَ لَهُ فَدَخَلَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّمَا فَعَلُوا بِي مَا رَأَيْتَ تُهْمَةً مِنْهُمْ لِي بِأَنَّ هَوَايَ مَعَكَ وَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ مَعَهُ فَإِنَّهُ يَدُلُّهُ عَلَى عَوْرَةِ الْعَسْكَرِ، فَوَثِقَ بِهِ وَقَرَّبَهُ. وَكَانَ بَابُ قَلْعَتِهِ حَجَرًا، فَلَمْ يَزَلْ يُظْهِرْ لَهُ النَّصِيحَةَ وَالإِصْبَهَبْذُ يغتر إِلَى أَنْ صَيَّرَهُ أَحَدَ مَنْ يَتَوَلَّى الْبَابَ فَرَأَى مِنْهُ مَا يُحِبُّ: ثُمَّ نَفَّذَ مَرْزُوقٌ إِلَى الْعَسْكَرِ فِي نَشَّابَةٍ، وَوَعَدَهُمْ لَيْلَةً مُعَيَّنَةً فِي فَتْحِ بَابِ الْحِصْنِ، ثُمَّ فعل ذلك، ودخلوا فقتلوا الْمُقَاتِلَةَ وَسَبُوا الْحَرِيمَ، فَمَصَّ الإِصْبَهَبْذُ سُمًّا فِي خاتمه -[775]- فَهَلَكَ، فكان مِنْ جُمْلَةِ السَّبْيِ شَكْلَةُ وَالِدَةُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ مِنْ بَنَاتِ الأُمَرَاءِ، وَوَالِدَةُ مَنْصُورِ بْنِ المهدي المعروفة بالمحترمة مِنْ بَنَاتِ الْمُلُوكِ. وَفِيهَا عُزِلَ عَنِ إِمْرَةِ مِصْرَ نَوْفَلُ بْنُ الْفُرَاتِ بِمُحَمَّدِ بْنِ الأَشْعَثِ، ثُمَّ عُزِلَ مُحَمَّدٌ وَأُعِيدَ نَوْفَلٌ، ثُمَّ عُزِلَ ثَانِيًا فَوَلِيَهَا حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ. وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ. وَقِيلَ: فِيهَا اسْتَعْمَلَ المنصور أخاه العباس عَلَى بِلادِ الْجَزِيرَةِ وَالثَّغْرِ. وَفِيهَا كَانَ تَوَثُّبُ الْعَبِيدِ بِالْبَصْرَةِ فَانْتُدِبَ لَهُمْ صَاحِبُ الشُّرْطَةِ فَقَتَلَهُمْ. وَفِيهَا وَلِيَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُيَيْنَةَ بْنِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةِ الْبَحْرَ فَنَزَلَ مَدِينَةَ قَيْسٍ، وَهِيَ جَزِيرَةٌ فِي الْبَحْرِ، فَجَاءَتْهُ مَرَاكِبُ الهنود فلم يخرج إليهم، فخرج ابنه فقتل وَقُتِلَ مَعَهُ طَائِفَةٌ، ثُمَّ هَرَبَ مُحَمَّدٌ مِنْهَا فدخلها العدو فخربوها. قال خليفة بن خياط: فَهِيَ خَرَابٌ إِلَى الْيَوْمِ. قُلْتُ: هِيَ الْيَوْمُ عَامِرَةٌ يُسَافِرُ إِلَيْهَا التُّجَّارُ وَهِيَ جَزِيرَةُ كَيْشٍ كَذَا يَنْطِقُونَ بِهَا. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّيَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ الزَّاهِدُ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ نَشِيطٍ الْمِصْرِيُّ فِي قَوْلٍ، وَخَالِدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْعُمَرِيُّ الْمَدَنِيُّ، وَدَاوُدُ بن نصير الطَّائِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ الْمَرْوَزِيُّ، وَإِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ بِخُلْفٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى الْمَدَنِيُّ سَحْبَلٌ، وَيَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ بِخُلْفٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَحْلاءَ الْمَدَنِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ سَبْرَةَ الْقَاضِي، وَأَبُو الأَشْهَبِ الْعُطَارِدِيُّ، وَاسْمُهُ جَعْفَرٌ. وَفِيهَا كَانَ مَقْتَلُ عَبْدِ السَّلامِ بْنِ هَاشِمٍ الْيَشْكُرِيِّ الَّذِي خَرَجَ بِحَلَبَ، وَبِالْجَزِيرَةِ، وَكَثُرَتْ جُمُوعُهُ، وَهَزَمَ الْجُيُوشَ إِلَى أَنِ انْتُدِبَ لِحَرْبِهِ شَبِيبُ بْنُ وَاجٍ، فَسَارَ فِي أَلْفِ فَارِسٍ مِنَ الأَبْطَالِ، وَأُعْطُوا أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَفَرَّ مِنْهُمُ الْيَشْكُرِيُّ إِلَى حَلَبَ، فَلَحِقَهُ بِهَا شَبِيبٌ فَقَتَلَهُ. وَفِيهَا أَجْرَى الْمَهْدِيُّ عَلَى الْمَجْذُومِينَ، وَأَهْلِ السُّجُونِ بِمَمَالِكِهِ مَا يَكْفِيهِمْ. وَفِيهَا وَصَلَتِ الرُّومُ إِلَى الْحَدَثِ فَهَدَمُوا سُورَهَا، فَغَزَا النَّاسَ غَزْوَةً لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهَا، سَارَ الْحَسَنُ بْنُ قَحْطَبَةَ فِي ثَمَانِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ سِوَى الْمُطَّوَّعَةِ، -[274]- فَأَغَارَ عَلَى مَمَالِكِ الرُّومِ وَخَرَّبَ، وَأَحْرَقَ، وَلَمْ يَلْقَ بَأْسًا. وَغَزَا يَزِيدُ السُّلَمِيُّ مِنْ نَاحِيَةِ بَابِ قَالِيقَلا، وَافْتَتَحَ ثَلاثَةَ حُصُونٍ، وَقَدِمَ بِالسَّبْيِ. وَفِيهَا وُلِّيَ الْيَمَنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ. وَوُلِّيَ إِقْلِيمَ مِصْرَ وَاضِحٌ مَوْلَى الْمَهْدِيِّ، ثُمَّ عَزَلَهُ بَعْدَ أَشْهُرٍ بِيَحْيَى الْحَرَشِيِّ. وَفِيهَا ظَهَرَتِ الْمُحَمِّرَةُ بِجُرْجَانَ، وَرَأْسُهُمْ عَبْدُ الْقَهَّارِ، فَغَلَبُوا عَلَى جُرْجَانَ، وَقَتَلُوا وَأَفْسَدُوا، فَسَارَ لِحَرْبِهِ مِنْ طَبَرِسْتَانَ عُمَرُ بْنُ الْعَلاءِ، فَقَتَلَ عَبْدَ القهار، ورؤوس أَصْحَابِهِ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة اثنتين وثمانين
فِيهَا تُوُفِّيَ: خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ، وأبو سفيان الحميري، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وعبيد الله بن عبيد الرحمن الأشجعي، وعمار بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ أُخْتِ الثَّوْرِيِّ، وَأَبُو سُفْيَانَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الْمَعْمَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ الْعَبْسِيُّ وَالِدُ أَبِي بَكْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ الْمَدَنِيُّ، وَمَرْوَانُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ الشَّاعِرُ، وَنُوحُ بْنُ دَرَّاجٍ الْقَاضِي، وَالْوَلِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُوَقَّرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، وَقَاضِي الْقُضَاةِ أبو يوسف في ربيع الآخر، ويعقوب ابن الْمَنْصُورِ. وَفِيهَا أَخَذَ الرَّشِيدُ الْبَيْعَةَ بِوِلايَةِ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِ وَلَدِهِ الأَمِينِ لِوَلَدِهِ الآخَرِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَأْمُونِ، وَكَانَ ذَلِكَ بِالرَّقَّةِ، فَسَيَّرَهُ إِلَى بَغْدَادَ في خِدْمَتِهِ جَعْفَرٌ عَمُّ الرَّشِيدِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَالِحٍ، وَعَلِيُّ بْنُ عِيسَى، وَوَلاهُ مَمَالِكَ خُرَاسَانَ بِأَسْرِهَا، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُرَاهِقٌ. وَفِيهَا وَثَبَتِ الرُّومُ عَلَى مَلِكِهِمْ قُسْطَنْطِينَ فَسَمَلُوهُ وَاعْتَقَلُوهُ، وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ أمه، أغطسه. وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ مُوسَى بْنُ عِيسَى بْنِ موسى العباسي. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وتسعين
تُوُفِّيَ فِيهَا: صَعْصَعَةُ بْنُ سَلامٍ خَطِيبُ قُرْطُبَةَ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ الأَوْدِيُّ، أَبُو مُحَمَّدٍ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْمِصْرِيُّ، عَرْعَرَةُ بن البرند السامي الْبَصْرِيُّ، عَلِيُّ بْنُ ظَبْيَانَ الْعَبْسِيُّ الْكُوفِيُّ، الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى الْبَرْمَكِيُّ، تُوُفِّيَ مَسْجُونًا، يَحْيَى بْنُ كريب الرعيني المصري، يوسف ابن الْقَاضِي أَبِي يُوسُفَ. وَفِيهَا شَخَصَ هَرْثَمَةُ إِلَى خُرَاسَانَ، وَوَجَّهَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ عِيسَى فِي الظَّاهِرِ أَمْوَالا وَخُلَعًا وَسِلاحًا، فَلَمَّا نَزَلَ نَيْسَابُورَ جَمَعَ وُجُوهَ أَصْحَابِهِ فَخَلا بِكُلٍّ مِنْهُمْ وَأَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ يَكْتُمَ أَمْرَهُ، وَوَلَّى كُلَّ رَجُلٍ بَلَدًا، وَدَفَعَ إِلَيْهِ عَهْدَهُ، وَجَهَّزَهُ سِرًّا إِلَى بَلَدِهِ، فَعَلَ هَذَا خَوْفًا مِنْ ثَوْرَةِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى، ثُمَّ سَارَ، فَلَمَّا كَانَ عَلَى مَرْحَلَةٍ من مرو دعا ثقاتا من أَصْحَابِهِ، وَكَتَبَ أَسْمَاءَ وَلَدِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى وَأَهْلِ بَيْتِهِ، وَدَفَع إِلَى كُلِّ رَجُلٍ رُقْعَةً بِاسْمِ مَنْ وَكَّلَهُ بِحِفْظِهِ إِذَا دَخَلَ مَرْوَ، ثُمَّ وَجَّهَ إِلَى عَلِيٍّ: إِنْ أَحَبَّ الأَمِيرُ أن يوجهه ثِقَاتِهِ لِقَبْضِ مَا مَعِي فَعَلَ، فَإِنَّهُ إِذَا تَقَدَّمَتِ الأَمْوَالُ أَمَامَ دُخُولِي كَانَ أَقْوَى لِلأَمِيرِ وَأَفَتَّ فِي عَضُدِ أَعْدَائِهِ، فَوَجَّهَ عَلِيٌّ جَمَاعَةً لِقَبْضِ الأَمْوَالِ؛ فَقَالَ هَرْثَمَةُ: اشْغِلُوهُمُ اللَّيْلَةَ، فَفَعَلُوا، ثُمَّ سَارَ إِلَى مَرْوَ، فَلَمَّا صَارَ مِنْهَا عَلَى مِيلَيْنِ تَلَقَّاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى وَوَلَدُهُ وَقُوَّادُهُ؛ فَلَمَّا وَقَعَتْ عَيْنُ هَرْثَمَةَ عَلَيْهِ ثَنَى رِجْلَهُ لِيَنْزِلَ، فَصَاحَ عَلِيٌّ: وَاللَّهِ لَئِنْ نَزَلْتَ لأنزلن. فثبت ودنا، فاعتنقا، ثم سارا إِلَى قَنْطَرَةٍ لا يَجُوزُهَا إِلا فَارِسٌ. فَحَبَسَ هَرْثَمَةُ لِجَامَ الْفَرَسِ، وَقَالَ لِعَلِيٍّ: سِرْ، فَقَالَ: لا وَاللَّهِ. فَقَالَ هَرْثَمَةُ: لا وَاللَّهِ، أَنْتَ -[1029]- أميرنا، ثم نزل منزل عَلِيٍّ، وَأَكَلا مِنَ السِّمَاطِ، ثُمَّ دَفَعَ الْخَادِمُ كِتَابَ الرَّشِيدِ إِلَى عَلِيٍّ، فَلَمَّا رَأَى أَوَّلَ حرف مِنْهُ سُقِطَ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ أَمَرَ هَرْثَمَةُ بِتَقْيِيدِهِ وَتَقْيِيدِ وَلَدِهِ وَعُمَّالِهِ، ثُمَّ صَارَ إِلَى الْجَامِعِ فَخَطَبَ وَبَسَطَ مِنْ آمَالِ النَّاسِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الرَّشِيدَ وَلاهُ ثُغُورَهُمْ بِمَا بَلَغَهُ مِنْ سُوءِ سِيرَةِ الْفَاسِقِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى، وَإِنِّي مُنْصِفُكُمْ مِنْهُ، فَأَظْهَرُوا السُّرُورَ وَضَجُّوا بِالدُّعَاءِ. ثُمَّ انْصَرَفَ وَدَعَا بِعَلِيٍّ وَآلِهِ فَقَالَ: أَعْفُونِي مِنَ الإِقْدَامِ بِالْمَكْرُوهِ عَلَيْكُمْ. وَنُودِيَ بِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ من رجل عنده لعلي وآله وَدِيعَةٌ فَأَخْفَاهَا، فَأَحْضَرَ النَّاسُ شَيْئًا كَثِيرًا إِلا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَاسْتَصْفَى هَرْثَمَةُ حَتَّى حُلِيِّ النِّسَاءِ وَالثِّيَابِ، وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَقَامَهُمْ لِمَظَالِمِ النَّاسِ وَشَدَّدَ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ حَمَلَ عَلِيًّا إِلَى الرَّشِيدِ. وَفِيهَا تَوَجَّهَ الرَّشِيدُ نَحْوَ خُرَاسَانَ لِحَرْبِ رَافِعٍ، فَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الطَّبَرِيُّ أَنَّ أَبَاهُ شَيَّعَ الرَّشِيدَ إِلَى النَّهْرَوَانِ، فَجَعَلَ يُحَادِثُهُ فِي الطَّرِيقِ إِلَى أَنْ قَالَ: يَا صَبَّاحُ، لا أَحْسَبُكَ تَرَانِي بَعْدَهَا، فَقُلْتُ: بَلْ يَرُدُّكَ اللَّهُ سَالِمًا، ثُمَّ قَالَ: وَلا أَحْسَبُكَ تَدْرِي مَا أَجِدُ، فَقُلْتُ: لا، وَاللَّهِ، فقال: تعالى حَتَّى أُرِيَكَ، وَانْحَرَفَ عَنِ الطَّرِيقِ، وَأَوْمَأَ إِلَى الْخَوَاصِّ فَتَنَحَّوْا، ثُمَّ قَالَ: أَمَانَةَ اللَّهِ يَا صَبَّاحُ أَنْ تَكْتُمَ عَلَيَّ، وَكَشَفَ عَنْ بَطْنِهِ، فإذا عصابة حرير حوالي بَطْنِهِ، فَقَالَ: هَذِهِ عِلَّةٌ أَكْتُمُهَا النَّاسَ كُلَّهُمْ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ وَلَدِي عَلَيَّ رَقِيبٌ، فَمَسْرُورٌ رَقِيبُ الْمَأْمُونِ، وَجِبْرِيلُ بْنُ بَخْتَيْشُوعَ رَقِيبُ الأَمِينِ، وَنَسِيتُ الثَّالِثَ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلا وَهُوَ يُحْصِي أَنْفَاسِي وَيَعُدُّ أَيَّامِي وَيَسْتَطِيلُ دَهْرِي، فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ ذَلِكَ فَالسَّاعَةَ أَدْعُو بِبِرْذَوْنَ، فَيَجِيئُونَ بِهِ أعْجَفَ لِيَزِيدَ فِي عِلَّتِي، ثُمَّ دعا ببرذون، فجاؤوا بِهِ كَمَا وَصَفَ، فَنَظَرَ إِلَيَّ ثُمَّ رَكِبَهُ وودعني. وَفِيهَا تَحَرُّكُ الْخُرَّمِيَّةِ بِبِلادِ أَذْرَبَيْجَانَ، فَسَارَ لِحَرْبِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ فِي عَشَرَةِ آلافٍ، فَأَسَرَ وَسَبَى. وَفِيهَا قَدِمَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ عَلَى الرَّشِيدِ معه أبو النداء أسيرا فَقَتَلَهُ. وَفِيهَا تَحَرُّكُ ثَرْوَانَ الْحَرُورِيِّ فَقَتَلَ عَامِلَ الطَّفِّ. وَقُدِمَ بِعَلِيِّ بْنِ عِيسَى بَغْدَادَ، فَحُبِسَ فِي داره. وقتل فيها الرشيد هيصما الْيَمَانِيَّ، وَكَانَ قَدْ خَرَجَ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة اثنتين وثلاثين ومائتين
فيها توفي إبراهيم بن الحجاج النيلي لا السامي، والحكم بن موسى القنطري الزاهد، وحوثرة بن أشرس، وعبد الله بن عون الخراز، وعبد الوهاب بْن عَبْدَةَ الحَوْطِيّ، وعليّ بْن المغيرة الأثرم اللُّغَويّ وعَمْرو بْن محمد النّاقد، وعيسى بْن سالِم الشّاشيّ، وهارونَ الواثق بالله، ويوسف بن عدي الكُوفيُّ. وفيها كانت وقعة كبيرة بين بُغا الكبير وبين بني نُمَيْر، وكانوا قد أفسدوا الحجاز وتِهامة بالغارات، وحشدوا في ثلاثة آلاف راكب، فهزموا أصحاب بُغَا، وجعل يناشدهم الرجوع إلى الطّاعة، وبات بحذائهم ثُمَّ أصبحوا فالتقوا، فانهزمَ أصحابُ بُغَا، فأيقنَ بالهلاكِ. وكان قد بعث مائتي فارس إلى جبل لبني نُمَيْر. فبينما هو في الإشراف على التَّلَف، إذا بِهم قد رجعوا يضربون الكوسات، فحملوا على بني نُمَير فهزموهم، وركِبوا أقفِيَتَهم قَتْلًا وأسْرًا، فأسَروا منهم ثمانمائة رجل. فعاد بُغَا وقدِم سامرّاء، وبين يديه الأسرى. وفيها مات خلْق كثير من العطش بأرض الحجاز. وفيها كانت الزلازل كثيرة بالشّام، وسقطت بعض الدُّور بدمشق، ومات جماعة تحت الرَّدْم. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة اثنتين وأربعين
فيها تُوُفّي أبو مُصْعَب الزُّهْريّ، والحَسَن بن عليّ الحُلْوانيّ، وابن ذَكْوان المقرئ، وزكريّا بن يحيى كاتب العُمريّ، ومحمد بن أسلم الطُّوسيّ، ومحمد بن رُمح التُّجَيْبيّ، ومحمد بن عبد الله بن عمار، ويحيى بن أكثم. ويقال: فيها كانت زلزلة عظيمة بقومس وأعمالها، هلك منها خلق تحت الهدْم، قيل: بلغت عُدَّتهم خمسةً وأربعين ألفًا. وكان معظم ذلك بالدّامَغَان، حتّى قيل: سقط نصفها. وزُلْزلت الرِّيّ، وجرجان، ونيسابور، وطبرستان، وأصبهان وتقطعت جبال، وتشققت الأرض بمقدار ما يدخل الرجل في الشق. ورُجمت قرية السّويدا بناحية مُضَر، ووقع منها حجر على خيمة أعراب؛ ووُزن حجر منها، فكان عشرة أرطال. وسار جبل باليمن عليه مزارع لأهله حتّى أتى مزارع آخرين. ووقع بحلب على دُلْبة طائرٌ أبيض دون الرخمة في رمضان، فصاح: يا معاشر النّاس، اتقوا الله الله الله، فصاح أربعين صوتًا، ثمّ طار. وجاء مِن الغد، ففعل كذلك. وكتب البريد بذلك وأشهد خمسمائة إنسان سمعوه. وفيها حشدت الروم، وخرجوا من ناحية شِمْشاط إلى آمد والجزيرة، فقتلوا وسَبَوْا نحو عشرة آلاف، ورجعوا. وحجّ بالنّاس والي مكّة عبد الصمد بن موسى بن محمد الهاشميّ. وحجّ من البصرة إبراهيم بن مطهِّر الكاتب على عجلة تجرّها الإبل، وعجب الناس من ذلك. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة اثنتين وستّين ومائتين.
فيها تُوُفيّ: حاتم بْن اللَّيث الجوهريّ، وسعَدان بْن يزيد البِزّاز، وعبّاد بن الوليد الغبريّ، وعمر بن شبة النُّميريّ، ومحمد بْن عاصم الثَّقفيّ، ومحمد بْن عَبْد اللَّه بْن قُهْزَاد، ومحمد بْن عَبْد الله بْن المستورد البَغْداديُّ، ومحمد بْن عَبْد الله بْن ميمون البَغْداديُّ نزيل الإسكندريّة، ويعقوب بن شيبة السَّدوسيّ. وفيها أعيى الخليفة أمرُ يعقوب بن اللَّيْث، فكتب إليه بولاية خراسان وجُرْجان، فلم يرضَ حتّى يوافي باب الخليفة، وأضمر فِي نفسه الحكم على الخليفة، والاستيلاء على العراق والبلاد. وعلم المعتمد قصده فارتحل من سرَّ من رَأَى فِي شهر جمادى الآخرة، واستخلف عليها ابنه جعفرًا، وضمّ إليه محمدا المولّد. ثُمَّ نزل المعتمد بالزَّعفرانية، وسار يعقوب بْن اللَّيْث بجيشٍ لم يُرَ مثله، فَقِيلَ: كانوا سبعين ألفًا، وَقِيلَ: كانت خزائنه وثِقَلُه على عشرة آلاف جمل، فدخل واسطًا فِي أواخر شهر جُمَادى الآخرة، فارتحل المعتمد من الزَّعفرانّية إلى سيب بني كوما وأتاه مسرور البلخيّ والعساكر. ثُمَّ زحف يعقوب من واسط إِلَى دير العاقول نحو المعتمد. فجهّز المعتمد أخاه الموفّق إِلَى حرب يعقوب، ومعه مُوسَى بْن بُغا ومسرور، فالتقى الجمعان فِي ثالث رجب بقرب دير العاقول، واقتتلوا قتالًا شديدًا، فكانت -[243]- الهزيمة على الموفّق، ثُمَّ صارت على يعقوب، وولّى أصحابه مُدْبِرين فَقِيلَ: إنّهُ نهِبَ من عسكره عشرة آلاف فرس، ومن الذَّهب ألفا ألف دينار، ومن الدّراهم والأمتعة ما لا يُحصى. وخلّصوا محمد بْن طاهر، وكان مع يعقوب فِي القيود. ثُمَّ عاد المعتمد إِلَى سامُرّاء، وصار يعقوب إِلَى فارس، ورد المعتمد على محمد بن طاهر عمله، وأعطاه خمسمائة ألف درهم. وفيها بعث الخبيث رأس الزَّنج جيوشه عند اشتغال المعتمد إِلَى البطيحة، فنهبوها وقتلوا وأسروا. وفيها ولي قضاء سرَّ مَن رَأَى عليّ بن محمد بن أبي الشوارب. وقضاء بغداد إسماعيل بن إسحاق القاضي. وفيها غلب يعقوب بْن اللَّيْث على فارس، وهرب عاملها ابنُ واصل إِلَى الأهواز، وتقوّى يعقوب. وفيها كَانَتْ وقعة بين الزَّنج وبين الأمير أَحْمَد بْن ليثَويْه صاحب مسرور البلْخيّ، فقتل خلقًا كثيرًا من الزَّنج، وأسر قائدهم الَّذِي يقال له: الصُّعلوك. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة اثنتين وسبعين ومائتين
تُوُفيّ فيها: أَحْمَد بن عبد الجبار العطاردي، وأحمد بن عاصم الإصبهانيّ، وأبو عُتْبة أَحْمَد بْن الفرج الحمصيّ، وأحمد بْن مهديّ بْن رستم، وسليمان بْن سيف الحرّاني، وأبو أَحْمَد محمد بْن عَبْد الوهاب الفراء، وأبو جَعْفَر محمد بْن عبيد الله ابن المنادي، ومحمد بن عوف الحمصي. وفيها وقع خلاف بين أبي الْعَبَّاس بْن الموفَّق وبين يازمان الخادم فِي طَرَسُوس، فأخرج أهلها أَبَا الْعَبَّاس عَنْهُمْ. فقدِم بغداد فِي جمادى الآخرة. وفيها دخل حمدان بْن حمدون وهارون الشّاريّ الخوارج مدينة المَوْصِل. وصلّى الشاري بالناس فِي الجامع. وفيها قبض الموفَّق على صاعد بْن مخلد وعلى بنيه وأمواله، واستكتب عوضه إسماعيل بن بلبل. وفيها تحركت الزنج بواسط وصاحوا: أنكلاي يا منصور. وكان أنكلاي ابنُ الخبيث، وسليمان بْن جامع، والمهلبي، والشعراني، وغيرهم من قواد الزَّنْج محبوسين ببغداد فِي يد فتح السعيدي. فكتب إليه الموفَّق أن يذبح الجماعة ويبعث رؤوسهم، ففعل. وقِيلَ: صلبت أبدانهم على الجسر. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة اثنتين وثمانين ومائتين
تُوُفِّي فيها: إسماعيل بن إسحاق القاضي الفقيه، وجعفر بن أبي عثمان الطَّيَالِسِيّ، والحارث بن محمد بن أبي أُسَامَةَ، وصاحب مصر خمارويه بن أحمد بن طُولون، والفضل بن محمد الشّعْراني، ومحمد بن الفَرَج الأزرق، وأبو العَيْنَاء محمد بن القاسم الأديب، ومحمد بن مسلمة الواسطي، ويحيى بن عثمان بن صالح المصري. وفيها أبطل المُعْتَضِد ما يُفعل في النَّيْرُوز من وقيد النيران، وَصَبِّ الماء على الناس، وأزال سنة المجوس. وفي أولها قَدِمَتْ قَطْرُ الندى بنت خُمَارَوَيْه من مصر، ومعها عمّها لِتُزَف إلى المُعْتَضِد، فدخل عليها في ربيع الأول، وكان في جِهَازها أربعة آلاف تِكّة مُجوْهرة، وعشرة صناديق جواهر. وَقُوِّمَ ما دَخَلَ معها فكان ألف ألف دينار ونيف، وكان صداقها من المعتضد ألف ألف درهم، وأعطي ابن الجصاص الذي مشى في الدلالة مائة ألف دينار، أعطاه ذلك أبوها. وفيها خرج المُعْتَضِد إلى الجبل، فبلغ الكَرْج، وأخذ أموال ابن أبي دلف. وفيها بعث محمد بن زيد العَلَوِيّ من طَبَرسْتَان إلى محمد بن الورد العطار ببغداد ثلاثين ألف دينار، ليُفرّقها على العلويين، فبلغ المُعْتَضِد، فسألوه، فَقَالَ محمد: إِنَّهُ يبعث إليَّ كل سنة بمثلها، فأفرقها. فقال المُعْتَضِد: أنا رأيت أمير المؤمنين عَلِيِّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه في النَّوم، فأوصاني بذُرِّيّته خيرًا، ففرِّق ما تُفرقه من هذا المال ظاهراً. وفيها ذُبح خُمَارَوَيْه بن أحمد على فراشه بدمشق. وكان يتعانى الفاحشة بغلْمانه، راود مملوكًا في الحَمّام، فامتنع عليه حَيَاءً من الخَدَم، فأمر أن يدخل في دبره بمثل الذَّكر خَشَب، فلم يزل يصيح حَتَّى مات في الحمام، فأبغضه -[651]- الخدم، فذبحه جماعة وهربوا، فَمُسِكت عليهم الطُّرُق، وجيء بهم وقُتلوا. وكان ذبحه في ذي الحِجَّة، وحُمل في تابوتٍ إلى مصر، وصلّى عليه ابنه جيش بن خُمَارَوَيْه، وكان الذي نَهَضَ في مسك أولئك الخَدَمِ طُغْجُ بنُ جف، فصلبهم بعد القتل. وولي بعده ابنه جيش، فقتلوه بعده بيسير. وأقاموا مكانه أخاه هارون بن خُمَارَوَيْه، وقرَّر على نفسه أن يحمل إلى المُعْتَضِد كل سنة ألف ألف وخمس مائة ألف دينار. فلما استُخلف المكتفي عزله، وولي محمد بن سليمان الواثقي، فاستصفى أموال آل طولون. وفيها، أو قبلها، أهلك المعتضد عمه محمد بن المتوكل لِأَنَّهُ بلغه أَنَّهُ كاتب خُمَارَوَيْه بن أحمد، فيما قيل. وكان عالما شاعرًا. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة اثنتين وتسعين ومائتين.
تُوُفّي فيها: أحمد بن الحَسَن المِصْريُّ الأيْليّ، وأبو بكر أحمد بن عليّ بن سعيد قاضي حمص، وأحمد بن عَمْرو أبو بكر البزّار، وأبو مسلم الكَجّيّ، وإدريس بن عبد الكريم المقرئ، وأسلم بن سهل الواسطي بحشل، وأبو خازم القاضي عبد الحميد بن عبد العزيز، وعليّ بن محمد بن عيسى الجكانيّ، وعليّ بن جبلة الأصبهاني. وفي صفرها سار محمد بن سليمان إلى مصر، لحرب صاحبها هارون بن خمارويه فجرت بينهم وقعات، ثمّ وقع بين أصحاب هارون اختلاف، فاقتتلوا، فخرج هارون ليُسَكِّنَهم، فرماه بعضُ المغاربة بسهمٍ قتله، وهربوا، فدخل محمد بن سليمان مصر، واحتوى على خزائن آل طولون، وقيَّد منهم بضعة عشر نفْسًا، وحبسهم. وكتب بالفتح إلى المكتفي. وَرُوِيَ أنّ محمد بن سليمان لما قرُب من مصر، أرسل إلى هارون يقول: إن الخليفة قد ولّاني مصر، ورسم أن تسير إلى بابه إنْ كنت مطيعًا. -[865]- فشاور قوّاده، فأبوا عليه، فخرج هارون فصاح: المكتفي يا منصور. فقال القّواد: هذا يريد هَلَاكَنا. فدُّسوا خادمًا، فقتله على فراشه، وأقاموا مكانه شيبان بن أحمد بن طولون ثمّ خرج شَيبان إلى محمد مستأمنًا. ثمّ سُيِّر آل طولون إلى بغداد، فحُبِسوا بها. قال نِفْطَوَيْه: ظهر من شجاعة محمد بن سليمان، وإقدامه على النَّهْب، وضرب الأعناق، وإباحة الأموال الطُّولونية، ما لم يُرَ مثله. ثمّ اجتبى الخراج. وكان يركب بالسيوف المسللة والسلاح. وفيها وافى طُغْجُ بنُ جُفٍّ وأخوه بدْرُ بغدادَ، ودخل بدْر الحمّاميّ، فوجّه يومئذٍ مائتي جَمّازة إلى عسكر محمد بن سليمان، لأن العباس بن الحَسَن الوزير ساء ظنه بمحمد بن سليمان، وخاف أن يغلب على مصر، وبلغه عنه كلام، فكتب إلى القُوّاد الّذين مع محمد بالقبض عليه، ففعل ذلك جماعة منهم وقيدوه. وفي جُمادَى الأولى زادت دِجْلة زيادةً لم يُرَ مثلها، حتّى خربت بغداد، وبلغت الزّيادة إحدى وعشرين ذراعاً. وفيها خرج الخلنجي القائد بنواحي مصر، فسار من بغداد فاتك المعتضدي لمحاربته، واستولى الخلنجي على مصر. وفيها قدِم بدر الحمّاميّ على المكتفي، فبالغ في إكرامه وحَبَائه، وتلقّته الدّولة، وطُوِّق وسُوِّر، وجهز مع فاتك في جيشٍ كثيفٍ لحرب الخلنجي. وفيها وصلت تَقَادُم إسماعيل بن أحمد من خراسان على ثلاثمائة جَمَلٍ، ومائة مملوك. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة اثنتين وثلاث مائة
في أوّلها: وردَ كتاب نصر بن أحمد أمير إقليم خُراسان أنّه وَاقَعَ عمَّه إسحاق بن إسماعيل وأنّه أسره، فبعث إليه المقتدر بالخِلع واللّواء. وفيها: عاد المسمّى بالمهديّ الفاطمي إلى الإسكندريّة ومعه صاحبه حَبَاسة، فَجَرَت بينه وبين جيش الخليفة حروب قُتِل فيها حَبَاسة، وعاد مولاه إلى القَيْروان. وفيها: طهَّر المقتدر خمسةً من أولاده، فغرمَ على الطهور ست مائة ألف دينار، وطهَّر معهم طائفةً من الأيتام، وأحسنَ إليهم. وفيها: قبضَ المقتدر على أبي عبد الله الحسين بن عبد الله بن الجصّاص الْجَوْهري وكُبِسَتْ داره، وأخَذَ له من المال والجواهر ما قيمته أربعة آلاف ألف دينار. وقال أبو الفرج ابن الْجَوْزيّ: أخذوا منه ما مقداره ستّة عشر ألف ألف دينار عينًا ووَرقًا، وقماشًا وخيْلًا. وقال غيره: أكثر أموال ابن الجصّاص من قطر النَّدى بنت خمارُوَيْه صاحب مصر، فإنه لمّا حملها من مصر إلى المعتضد كان معها أموال وجواهر عظيمة، فقال لها ابن الجصّاص: الزّمان لَا يدوم ولا يؤمن على حال، دعي -[11]- عندي بعضَ هذه الجواهر تكون ذخيرةً لك. فأودعته، ثمّ ماتت. فأخذ الجميع. وقال بعضهم: رأيت بين يدى ابن الجصّاص سبائك الذَّهب تُقَبَّن بالقبّان. وقال التَّنُوخيّ: حدَّثني أبو الحسين بن عيّاش أنه سمع جماعةً من ثقات الكتاب يقولوَن: إنهم حضروا ما ارتفعت به مصادرة ابن الجصّاص زمن المقتدر، فكانت ستّة آلاف ألف دينار، هذا سوى ما قُبض من داره، وبعد الَّذي بقى له من ظاهره. وفيها: خرج الحسن بن عليّ العلويّ الأطروش، وتلقَّب بالدّاعي. ودعا الدَّيْلم إلى الله، وكانوا مجوسًا، فاسلموا. وبنى لهم المساجد. وكان فاضلًا عاقلًا له سيرة مدّوَّنة، وأصلحَ الله الدَّيْلَمَ به. وفيها: قلّد المقتدر أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان المَوْصِل والجزيرة. وفيها: بنى الوزير عليّ بن عيسى المارسْتان بالحربيّة، وأنفق عليه أمواله. وفيها: في الرجعة قطع الطريق على رَكب العراق الحسن بن عُمَر الحسني مع طيئ وغيرهم، فاستباحوا الوفد، وأسروا مائتين وثمانين امرأة، ومات الخلق بالعطش والْجُوع في البرّيّة. وفيها: وصل إلى مصر القاسم بن سِيما في جيشٍ مَدَدًا لتَكين، ونوديَ في مصر بالنَّفير إلى الغَزَاة، فلم يتخلّف كبيرُ أحدٍ، فقدِم حَبَاسة حتّى نزل الجيزة فكان المُصافُّ في جمادى الآخرة، ثم أصبحوا على القتال، وتعبؤوا للحرب، وكثر القتل في الفريقين، ثمّ تراجع حَبَاسة وولّى، فاتَّبعه العامّة حتّى عَدَوْا خليجَ نُزْهة، فكرَّ عليهم حَبَاسة، فيُقال: قتل منهم عشرة آلاف، ثم خرجوا من اليوم الثالث، فلم يكن قتال. وفيها: قِدم مؤنس الخادم إلى مصر مددًا وأميرًا عليها، وخرج عنها تكين الخاصّة. وفيها: صُلِّيَ العيد في جامع مصر، ولم يكن يُصَلَّى فيه العيد قبلَ ذلك، فصلى بالنّاس فيه عليّ بن أبي شيحة، وخطب من دفتر نَظَرًا، وكان من غَلَطِه أنْ قال: " اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلّا وَأَنْتُمْ مشركون ". نقلها يحيى بن الطّحّان، عن أبيه، وآخر، |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة
فيها: ظهرت الدَّيْلم، وذلك لأنّ أصحاب مرداويج دخلوا أصبهان، وكان من قُوّاده عليّ بن بُوَيه. فاقتطع مالًا جليلًا وانفرد عن مخدومه. ثمّ التقي هو ومحمد بن ياقوت، فهزم محمداً واستولى على فارس. وكان بُوَيه فقيرًا صُعْلُوكاً يَصِيد السّمك، رأى كأنّه بالَ، فخرج من ذَكَره عمود نار. ثمّ تشعَّب العمود حتّى ملأ الدّنيا. فقصَّ رؤياه على معبّر، فقال: لا أعبّرها إلا بألف درهم. فقال: والله ما رأيتُ عُشْرها، وإنّما أنا صيّاد. ثمّ مضى وصادَ سمكه فأعطاه إيّاها، فقال له: ألكَ أولاد؟ قال: نعم. قال: أبشِرْ فأنّهم يملكون الدّنيا، ويبلغ سلطانهم على قدر ما احتوت النار الّتي رأيتَها. وكان معه أولاده عليّ، والحسن، وأحمد. ثمّ مَضَتْ السُّنُون، وخرج بولده إلى خُراسان، فخدموا مرداويج بن زيار الدَّيْلَمِي، إلى أنّ صار عليّ قائدًا، فأرسله يستخرج له مالًا من الكُرْجِ، فاستخرج خمسمائة ألف درهم، فأخذ المال وأتى همذان ليملكها، فغلق أهلها في وجهه الأبواب، فقاتلهم وفتحها عَنْوةً وقتل خلقًا. ثم صار إلى أصبهان وبها المظفّر بن ياقوت، فلم يحاربه وسارَ إلى أبيه بشيراز. ثم صار إلى أَرَّجان، فأخذ الأموال، وتنقّل في النواحي، وانضم إليه خلْق، وصارت خزائنه خمسمائة ألف دينار. فجاء إلى شيراز وبها ابن ياقوت، فخرج إليه في بضع عشر ألفًا، وكان علي بن بُوَيه في ألف رجل، فهابهُ عليّ وسأله أنّ يُفْرِج له عن الطّريق لينَصْرف، فأبى عليه، فالتقوا فانكسر عليّ، ثم أنّهزم ابن ياقوت، ودخل عليّ شيراز. ثمّ أنّه قلّ ما عنده فنام على ظهره، فخرجت حيّة من سقف المجلس، فأمر بنقْضه، فخرجت صناديق ملأى ذَهَباً، فأنفقها في جُنْده. وأضاق مرّةً فطلب خيّاطًا يخيط له، وكان أَطْروشاً، فظنّ أنه قد سُعي به، فقال: والله ما عندي سوى اثنى عشر صندوقاً، لا أعلم ما فيها. فأمرَ عليّ بإحضارها، فوجد فيها مالاً عظيماً فأخذه. وركب يوماً، فَسَاختْ قوائم فرسه، فحفروه -[407]- فوجد فيه كنزاً. واستولى على البلاد، وخرجت خُراسان وفارس عن حُكْم الخلافة. وسيأتي من أخبار هؤلاء الثلاثة الإخوة، وأنّ المستكفي بالله لقّب عليًّا " عماد الدّولة ". أبا شجاع، ولقّب الحسن " رُكْن الدّولة "، ولقّب أحمد " معز الدّولة ". وملكوا الدنيا سنين. وفيها: قَتَلَ القاهرُ أبا السرايا نَصْر بن حمدان وإسحاق بن إسماعيل النُّوبَخْتي الّذي كان قد أشار بخلافة القاهر، ألقاهما على رؤوسهما في بئر وطُمّت، وكان ذنْبهما أنّهما فيما قيل زايَدَا القاهرَ قبل الخلافة في جاريتين واشترياهما، فحقد عليهما. ومات مؤنس الورقاني الّذي حجّ بالنّاس. وقال ثابت بن سنان: كان أبو عليّ بن مُقْلة في اختفائه يُراسل السّاجيّة والحُجَريّة ويُضَرّبهم على القاهر ويُوحشهم منه. وكان الحسن بن هارون كاتب بُلَيْق يخرج بالليل في زيّ المُكدّيّين أو النساء فيسعى إلى أنّ اجتمعت كلمتهم على الفتك بالقاهر. وكان يقول لهم: قد بنى لكم المطامير ليحبسكم. وألزموا منجم سيما حتّى كان يقول له: أنّ القاهر يقبض عليك. وهاجت الحُجَريّة وقالوا: تريد أن تحبسنا في المطامير؟ فحلف القاهرُ أنّه لم يفعل، وإنّما هذه حمّامات للحُرَم. وحضر الوزير ابن خصيب وعيسى المتطبّب عند القاهر، فقال لسلامة الحاجب: اخرج فاحلف لهم. ففعل، فسكنوا. ثم بكّروا على الشرّ إلى دار القاهر، وكان نائمًا سكرانًا إلى أنّ طلعت الشمس، ونبهوه فلم ينتبه لشدة سُكْرِه، وهرب الوزير في زيّ امرأة، وكذا سلامة الحاجب. فدخلوا بالسّيوف على القَاهر، فأفاق مِن سُكْرِه، وهربَ إلى سطح حمّام فاستتر، فأتوا مجلسَ القاهر وفيه عيسى الطّبيب، وزَيْرك الخادم، واختيار القَهْرَمانة، فسألوهم، فقالوا: ما نعرف له خبرًا. فرسّموا عليهم. ووقع في أيديهم خادم له فضربوه، فدلّهم عليه، فجاؤوه وهو على السّطْح وبيده سيف مسلول، فقالوا: انزل. فامتنع، فقالوا: نحن عُبَيْدك فلِمَ -[408]- تستوحش منا؟ فلم ينزل. ففوّق واحدٌ منهم سهمًا وقال: انزل وإلَّا قتلتُك. فنزل إليهم، فقبضوا عليه في سادس جُمَادى الآخرة. وأخرجوا أبا العبّاس محمد ابن المقتدر وأمّه، وبايعوه بالخلافة ولقّبوه الرّاضي بالله، فأحضر عليّ بن عيسى وأخاه عبد الرحمن واعتمد على رأيهما، وأدخل عليّ بن عيسى، والقاضي أبو الحُسين عمر بن محمد بن يوسف، والقاضي أبو محمد الحسن بن عبد الله بن أبي الشّوارب، والقاضي أبو طالب ابن البُهْلُول على القاهر، فقال له طريف السْكُرِيّ: ما تقول؟ قال: أنا أبو منصور محمد ابن المعتضد، لي في أعناقكم بَيعة وفي أعناق النَاس، ولست أُبَرِّئكم ولا أُحَلّكم منها، فقوموا فقاموا، فلمّا بُعدوا قال القاضي لطريف: وأيّ شيء كان مجيئنا إلى رجلٍ هذا اعتقادُه؟ فقطّب عليّ بن عيسى وقال: يُخلع ولا نفكَّر فيه. أفعاله مشهورة. قال القاضي أبو الحُسين: فدخلتُ على الرّاضي وأعدتُ ما جرى سرًا، وأعلمته بأنّي أرى إمامته فَرْضاً. فقال: انَصْرف ودعني وإيّاه. وأشار سِيما مقدّم الحُجَرّية على الرّاضي بِسَمْلِه. فأرسلَ سيما وطريفًا إلى البيت الّذي فيه القاهر، فَكُحِّل بمِسمار مُحَمَّى. ثمّ طلب الرّاضي من عليّ بن عيسى أن يلي الوزارة، فامتنع، فقال: يتولّى أخوك عبد الرحمن. فقال: لا. فاستوزر ابن مُقْلَة بعد أنّ كتب له أمانًا. وقال محمود الإصبهانيّ: كان سبب خلع القاهر سوء سيرته وسفْكه الدّماء. فامتنع عليهم من الخلع فَسَمَلوا عينيه حتّى سالتا على خدَّيه. وكانت خلافته سنة ونصفًا وأسبوعًا. وقال الصُّوليّ: كان أهْوَج، سفّاكًا للدّماء، قبيح السّيرة، كثير التَّلوُّن والاستحالة، مُدمن الخمر. ولولا جَوْدة حاجبة سلامة لأهلك الحْرث والنَّسْل. وكان قد صنع حربة يحملها فلا يطرحها حتّى يقتل بها إنسانًا. وقال محمد بن علي الخراساني: أحضرني القاهر يومًا والحَرْبةُ بين يديه، فقال: قد علمتَ حالي إذا وضعت هذه. فقلت: الأمان. فقال: على -[409]- الصِّدْق. قلت: نعم. قال: أسألك عن خلفاء بني العبّاس في أخلاقهم وشيمتهم. قلت: أما السفاح، فكان مسارعًا إلى سفْك الدّماء. سفك ألف دم. واتَّبعه عُمّاله على ذلك، مثل محمد بن الأشعث بالمغرب، وعمّه صالح بن عليّ بمصر، وخازم بن خُزَيْمَة، وحُمَيْد بن قَحْطَبَة. وكان مع ذلك سمْحاً بحرًا، وَصولاً بالمّال. قال: فالمنصور؟ قلت: كان أوّل مَن أوقع الفُرْقة بين ولد العبّاس وولد أبي طالب. وكانوا قبله متفقين. وهو أوّل خليفة قرّب المنجمين وعمل بقَولهم. وكان عنده نُوبَخْت المنجّم، وعليّ بن عيسى الأصْطرلابيّ. وهو أوّل خليفة تُرْجِمت له الكُتُب السُّرْيانيّة والأعجميّة ككتاب " كليلة ودِمْنَة "، وكتاب أرسطاطاليس في المنطق، وإقليدس، وكُتُب اليونان. فنظر النّاس فيها وتعلّقوا بها. فلمّا رأى ذلك محمد بن إسحاق جمع المغازي والسّيَر. والمنصور أول من استعمل مواليه وقدّمهم على العرب. قال: فما تقول في المهديّ؟ قلت: كان جوادًا عادلًا منصِفاً. ردَّ ما أخذ أبوه مِن أموال النّاس غصْباً، وبالغ في إتلاف الزّنادقة وأحرق كُتُبهم لمّا أظهروا المعتقدات الفاسدة كابن دَيْصان، وماني، وابن المقفّع، وحمّاد عَجْرَد. وبنى المسجدَ الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس. قال: فالهادي؟ قلت: كان جبّارًا متكبرًا، فسلك عُمّاله طريقَه على قِصَر أيّامه. قال: فالرّشيد؟ قلت: كان مواظبًا على الجهاد والحجَ، وعَمَّر القصور والبِرَك بطريق مكّه، وبنى الثغور كأَذَنَة، وطَرَسُوس، والمَصِيصة، وعين زَربة، والحَدَث، ومَرْعَش. وعَمّ النّاسَ إحسانُه. وكان في أيّامه البرامكة وما اشتهر من كرمهم. وهو أوّل خليفة لعب بالصوالجة ورمى النّشّاب في البرجاس، ولعب بالشَّطَرَنْج من بني العبّاس. وكانت زوجته بنت عمّه أمّ جعفر زُبَيْدة بنت جعفر ابن المنصور من أكمل النّساء. وَقَفَت الأوقاف وعملت المصانع والبِرَك، وفعلت وفعلت. -[410]- قال: فالأمين؟ قلت: كان جوادًا، إلّا أنّه انهمك في لذّاته ففسدت الأمور. قال: فالمّأمون؟ قلت: غلبَ عليه الفضْل بن سهْل، فاشتغل بالنّجوم، وجالسَ العلمّاء. وكان حليمًا جوادًا. قال: فالمعتصم؟ قلت: سلكَ طريقه، وغلبَ عليه حُب الفُرُوسيّة، والتّشبُّه بملوك الأعاجم، واشتغل بالغزو والفتوح. قال: فالواثق؟ قلت: سلك طريقة أبيه. قال: فالمتوكلّ؟ قلت: خالفَ ما كان عليه المأمون والمعتصم والواثق مِن الاعتقادات، ونهى عن الجَدَل والمناظرات في الأهواء، وعاقب عليها. وأمرَ بقراءة الحديث وسماعه، ونهى عن القول بخلق القرآن، فأحبّهُ النّاسُ. ثمّ سأل عن باقي الخلفاء، وأنا أُجيبه بما فيهم، فقال لي: قد سمعت كلامك وكأني مشاهد القوم. وقام على أثري والحَرْبة بيده، فاستسلمت للقتل، فعطف إلى دُور الحُرَم. وقال المسعوديّ: أخذ القاهر من مُؤنس وأصحابه أموالًا كثيرة، فلمّا خُلِعَ وسُمِلَ طُولِب بها، فأنكر فَعُذِّبَ بأنواع العذاب، فلم يُقرّ بشيء. فأخذه الرّاضي بالله فقرّبه وأدناه وقال له: قد ترى مطالبة الجُنْد بالمّال، وليس عندي شيء، والّذي عندك فليس بنافعٍ لك، فاعترف به. فقال: أمّا إذا فعلتَ هذا فالمّال مدفون في البستان، وكان قد أنشا بستانًا فيه أصناف الشّجر حُمِلت إليه من البلاد، وزَخرفه وعمل فيه قصرًا، وكان الرّاضي مُغْرمًا بالبستان والقصر، فقال: وفي أيّ مكان المّال منه؟ فقال: أنا مكفوف لا أهتدي إلى مكان، فاحفر البستان تجدْه. فحفر الرّاضي البستان وأساسات القصر، وقلع الشجر، فلم يجد شيئًا. فقال له: وأين المّال؟ فقال: وهل عندي مال، وإنّما كان حسرتي في جلوسك في البستان وتنعّمك، فأردتُ أنّ أفجعك فيه. فندم الرّاضي وأبعدهُ وحبسه. فأقام إلى سنة ثلاثٍ وثلاثين، ثم أُخرج إلى دار ابن طاهر، فكان تارةً يُحبس، وتارة يُطلق، فوقف يومًا بجامع -[411]- المنصور بين الصُّفوف وعليه مُبطنّة بيضاء وقال: تصدَّقوا عليَّ، فأنا مَن قد عرفتم. وكان مقصوده أنّ يشنّع على المستكفي، فقام إليه أبو عبد الله بن أبي موسى الهاشمي، فأعطاه خمسمائة درهم. وقيل: ألف درهم، ثم مُنع من الخروج، وعاش إلى سنة تسعٍ وثلاثين خاملًا. وعاش ثلاثاً وخمسين سنة. وكان له من الولد عبد الصّمد، وأبو القاسم، وأبو الفضل، وعبد العزيز. ووزر له ابن مُقْلَة، ثمّ محمد بن القاسم بن عُبَيد الله، وكان محمد جبّارًا ظالمًا، ثم الخصيبيّ. وكان الرّاضي بالله أبو العبّاس محمد ابن المقتدر مربوعاً، خفيف الجسم، أسمر، وأمّه ظَلُوم الروميّة. بويع يوم خُلع القاهر، وكان هو وأخوه في حبْس القاهر، وقد عزمَ على قتلهما. فأخرجهما الغلمّان ورأسهم سِيما المناخليّ، وعاش سيما بعد البيعة مائة يوم. وولّى الرّاضي أتابكه محمد بن رائق إمارة الجيش ببغداد. ثمّ أمر ابن مُقْلة عبد الله بن ثُوابَة أنّ يكتب كتابًا فيه مثالب القاهر ويُقرأ على النّاس. وصودر عيسى المتطِّبب على مائتي ألف دينار. وفيها: مات مرداويج، مُقَدَّم الدَّيْلَم بإصبهان. وكان قد عظُم أمرُه، وتحدَّثوا أنّه يريد قصْد بغداد. وأنّه مسالمٌ لصاحب المجوس. وكان يقول: أنا أردّ دولة العجم وأَمْحق دولة العرب. ثم إنّه أساء إلى أصحابه، فتواطأوا على قتْله في حمّام. وفيها: بعث عليّ بن بُوَيْه إلى الرّاضي يُقاطعه على البلاد الّتي استولى عليها بثمانٍية آلاف ألف درهم كلّ سنة. فبعث له لواء وخِلَعاً. ثمّ أخذ ابن بُوَيْه يماطل بحمل المّال. وفيها: في نصف ربيع الأوّل مات المهديّ عُبَيْد الله صاحب المغرب عن اثنتين وستّين سنه. وكانت أيّامه خمسًا وعشرين سنة وأشهُراً، وقام بالأمر بعده ابنه القائم بأمر الله أبو القاسم محمد، فبقى إلى سنة أربعٍ وثلاثين. وقال القاضي عَبْد الجبّار بْن أحمد بْن عَبْد الجبّار البصْريّ: اسم جدّ الخلفاء المصريّين سعيد، ويلقب بالمهدي. وكان أبوه يهوديًّا حدّادًا -[412]- بسَلَمّية. زعم سعيد هذا أنّه ابن ابن الحُسين بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القدّاح. وأهل الدّعوة أبو القاسم بن الأبيض العلويّ، وغيره يزعمون أنّ سعيدًا إنما هو ابن امرأة الحُسين المذكور. وأنّ الحُسين ربّاه وعلّمه أسرار الدّعوة، وزوّجه ببنت أبي الشَّلَغْلَغ فجاءه ابن سمّاه عبد الرحمن، فلمّا دخل المغرب وأخذ سِجِلْماسة تسمّى بعُبَيد وتكنى بأبي محمد، وسمَّى ابنَه الحسن. وزعمت المغاربة أنّه يتيم ربّاه، وليس بابنه، وكناه أبا القاسم، وجعله ولي عهده. وقتل عُبَيد خلقًا من العساكر والعُلماء، وبث دُعاته في الأرض. وكانت طائفة تزعم أنّه الخالق الرّازق، وطائفة تزعم أنّه نبيّ، وطائفة تزعم أنّه المهدي حقيقة. وقال القاضي أبو بكر ابن الباقلّانيّ: إنّ القدّاح جدّ عُبَيد الله كان مجوسيًّا. ودخل عُبَيد الله المغرب، وأدّعى أنّه علويّ، ولم يعرفهُ أحد من علمّاء النَّسَب، وكان باطنّيًا خبيثًا، حريصًا على إزالة مِلّة الإسلام. أَعْدَمَ العلمّاء والفقهاء ليتمكّن مِن إِغواء الخلْق. وجاء أولاده على أُسلوبه. أباحوا الخُمور والفُرُوج، وأشاعوا الرَّفْض، وبثُّوا دُعاةً، فأفسدوا عقائد خلقٍ من جبال الشّام كالنُّصَيْريّة والدَّرزيّة. وكان القدّاح كاذبًا مُمَخْرقًا. وهو أصل دُعاة القرامطة. وقال أيضًا في كتاب " كشف أسرار الباطنيّة ": أوّل من وضع هذه الدّعوة طائفة من المجوس وأبناء الأكاسرة. فذكر فَصلاً، ثمّ قال: ثمّ اتّفقوا على عبد الله بن عَمْرو بن ميمون القدّاح الأهوازيّ وأمدّوه بالأموال في سنة ثلاثين ومائتين أو قبلها، وكان مُشَعْوِذاً مُمَخْرِقًا يُظْهِر الزُّهْد، ويزعم أنّ الأرض تُطْوَى له. وجدُّ القدّاح هو دَيْصَان أحد الثَّنَوِيّة. وجاء ابن القدّاح على أسلوب أبيه، وكذا ابنه، وابن ابنه سعيد بن حسين بن أحمد بن محمد بن عبد الله، وهو الّذي يقال له عُبَيد الله. يُلقَّب بالمهديّ صاحب القيروان، وجدّ بني عُبَيد الّذين تسمّيهم جَهَلَةُ النّاس الخلفاء الفاطمّيين. قال ابن خَلِّكان: اختُلِف في نَسَبه، فقال صاحب " تاريخ -[413]- القيروان ": هو عُبَيْد اللَّه بْن الْحَسَن بْن عَلِيّ بْن محمد بن عليّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفرالصّادق. وقال غيره: هو عُبَيْد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصّادق. وقيل: هو عليّ بن الحُسين بن أحمد بن عبد الله بن الحسن بن محمد بن زين العابدين عليّ بن الحُسين. وإنّما سمّى نفسه عُبَيد الله استتارًا. وهذا على قول مَن يصحِّح نَسَبَه. وأهل العلم بالأنساب المحقّقين يُنكِرون دعواه في النَّسبِ ويقولون: اسمه سعيد، ولَقَبه عُبَيد الله، وزوج أمّه الحُسين بن أحمد القدّاح. وكان كحالًا يقدح العين. وقيل: إن عُبَيد الله لمّا سار من الشّام وتوصَّل إلى سجِلْماسة أحسّ به ملكُها ألْيَسع آخر ملوك بني مِدْرار، وأُعْلِم بأنّه الّذي يدعو إليه أبو عبد الله الشيعيّ بالقيروان، فسجنهُ، فجمع الشيعي جيشاً من كتامة وقصد سلجماسة، فلمّا قُربوا قتله الْيسع في السّجن، وهرب. فلمّا دخل الشّيعيّ السّجن وجده مقتولًا، وخاف أنّ ينتقض عليه الأمر، وكان عنده رجلٌ من أصحابه يخدمه، فأخرجه إلى الجُنْد، وقال: هذا المهديّ. قلت: وهذا قولٌ منكر. بل أخرج عُبَيدَ الله وبايَع النّاس له، وسلّم إليه الأمر، ثمّ ندم، ووقعت الوحشة بينهما كما قدَّمنا قبل هذا في موضعه من هذا الكتاب. وآخر الأمر أنّ المهديّ قَتَلَ أبا عبد الله الشّيعي وأخاه، ودانت له المغرب، وبنى مدينة المهديّة، والله أعلم. وفيها: ظهر محمد بن عليّ الشلْمغاني المعروف بابن أبي العَزاقر. وكان مستترًا ببغداد، وقد شاع أنّه يدّعي الأُلُوهيّة، وأنّه يُحْيي الموتى وله أصحاب. فتعصَّب له أبو عليّ بن مُقْلَة، فأحضره عند الرّاضي، فسمع كلامه وأنكر ما قيل عنه وقال: إنْ لم تنزل العقوبة على الّذي باهلَنَي بعد ثلاثة أيّام وأكثره تسعة أيام، وإلا فَدَمي حلال. قال: فضُرب ثمانٍين سوطًا، ثمّ قُتِل وصُلب. وقُتل بسببه الحُسين بن القاسم بن عُبَيْد الله بن سليمان بن وهْب وزير المقتدر، وكان زِنديقًا متَّهماً بالشَّلْمغانيّ، وفي نفس الرّاضي منه لكَونه أذاه عند المقتدر بالله. وقُتل معه أيضًا أبو إسحاق إبراهيم بن أبي عَوْن أحمد بن هلال -[414]- الأنباريّ الكاتب، صاحب كتاب " الأجوبة المسكتة "، وكتاب " التّشبيهات "، وكتاب " بيت مال السّرور ". وكان قد مَرَق من الإسلام وصحِب ابن أبي العَزاقِر، وصار مِن المتغالين في حبّه، وصرَّح بإلهِيّته، تعالى الله عما يقوله عُلوّاً كبيرًا. فلمّا تتّبعوا أصحاب ابن أبي العزاقِر قالوا لإبراهيم بن أبي عون: سُبّه وابصُقْ عليه. فامتنع وأرعد وأظهر الخوف، فضُربَ بالسّياط، فلم يرجع، فَضُرِبت عُنقه، وأحْرِق في أوّل ذي القعدة. وفيها: قُتِل هارون بن غريب الخال، كان مقيمًا بالدّينَوَر، فلمّا ولي الرّاضي كاتَب قوّاد بغداد بأنّه أحقّ بالحضرة ورئاسة الجيش، فأجابوه، فسارَ إلى بغداد حتّى بقي بينه وبينها يوم. فعُظم ذلك على ابن مُقْلة الوزير ومحمد بن ياقوت والحُجَريّة، وخاطبوا الرّاضي فعرّفهم كراهيته له، وأمرَ بممانعته، فأرسل ابن مُقْلَة إليه بأنّ يرجع، فقال، قد أنضمّ إليَّ جُنْدٌ لا يكفيهم عملي. فأرسل إليه الرّاضي ابن ياقوت القراريطيّ بأنّ قد قلَّدَوك أعمال طريق خُراسان، فقال للقراريطيّ: أنّ جُنْدي لا يقنعون بهذا، ومَن أحقّ منّي بخدمة الخليفة؟ فقال: لو كنت تراعي أمير المؤمنين ما عصيته. فأغلظ له، فقام مِن عنده وأدّى الرسالة إلى الخليفة. وشَخَص إلى هارون مُعْظم جُنْد بغداد، فبعث إليه محمد بن ياقوت يتلطّف به، فلم يلتفت. ووقعت طلائعه على طلائع ابن ياقوت، فظهر عليها، ثمّ تقدَّم إلى قنطرة النهروان، واشتبكت الحرب، فعبر هارون القنطرة، وانفردَ عن أصحابة على شاطئ النّهر، وهو يظنّ أنّه يظفر بمحمد بن ياقوت، فتقنطر به فرسه فوقع، وبادره مملوك ابن ياقوت فقتله، ومزّق جيشه، ونهبهم عسكر ابن ياقوت، وذلك في جُمادَى الآخرة. وفيها: تُوُفّي أبو جعفر السَّجْزِي أحد الحُجّاب. قيل: بلغ من العمر أربعين ومائة سنة. وكان يركب وحده وحواسُّه جيّده. وفيها: قبض ابن مُقْلَة على أبي العبّاس الخصِيبيّ، والحسن بن مَخْلَد -[415]- ونفاهما إلى عُمان، فرجعا إلى بغداد مختَفِيَيْن. وفيها: تُوُفّي موسى ابن المقتدر. ولم يحجّ النّاس إلى سنة سبْعٍ وعشرين من بغداد. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة
فيها قدّم أبو جعفر بن شيرزاد من واسط من قبل توزون إلى بغداد، فحكم على بغداد وأمّر ونهي. فكاتب المتّقي بني حمدان بالقدوم عليه، فقدِم أبو عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان في جيشٍ كثيف في صَفَر، ونزل بباب حرب، فخرجَ إليه المتقّي وأولاده والوزير. واستتر ابن شيرزاد. وسار المتقي بآله إلى تِكريت ظنًّا منه أنّ ناصر الدّولة يلقاه في الطّريق ويعودون معًا إلى بغداد. فظهرَ ابن شيرزاد فأمرَ ونهي، فقدِم سيف الدّولة على المتقّي بتكريت فأشار عليه بأن يصعد إلى المَوْصل ليتّفقوا على رأي، فقال: ما على هذا عاهدتموني. فتفلّل أصحاب المتقّي إلى الموصل، وبقي في عددٍ يسير مع ابن حمدان. فقِدم توزون بغداد واستعدّ للحرب. فجمع ناصر الدّولة عددًا كثيرًا -[625]- من الأعراب والأكراد، وسارَ بهم إلى تكريت. وكان الملتَقَى بينه وبين توزون بُعكبرا، واقتتلوا أيّامًا، ثمّ انهزم بنو حمدان والمتقّي إلى الموصل. وراسل ناصر الدّولة توزون في الصّلح على يد أبي عبد الله بن أبي موسى الهاشميّ، وكان توزون على تِكْريت، فتسلل بعض أصحابه إلي ابن حمدان، وردّ توزون إلي بغداد. وجاء سيف الدّولة إلى تكريت فردّ إليه توزون، فالتقوا في شعبان على حرْبَى، فانهزم سيف الدّولة إلى الموصل، وتبِعه توزون، ففرّ بنو حمدان والخليفة إلى نصّيبين، فدخل توزون الموصل ومعه ابن شيرزاد، فاستخلص من أهلها مائة ألف دينار. وراسل المتّقي توزون في الصُّلح، وقال: ما خرجت من بغداد بأهلي إلا بلغني أنّك اتفقت مع البريدي علي. والآن فقد آثَرْت رضاي فصالح ابني حمدان، وأنا أرجع إلى دارى. وأشار ابن شيرزاد على توزون بالصّلح. وتواترت الأخبار أنَّ أحمد بن بُوَيْه نزل واسطًا وهو يريد بغداد. فأجاب توزون إلى الصّلح، ورجع إلى بغداد. وكان السّفير بينهم يحيى بن سعيد السُّوسيّ، فحصل له مائة ألف دينار. وعقد توزون للبلد على ناصر الدّولة ثلاث سنين بثلاثة آلاف ألف درهم. وفيها قَتَلَ أبو عبد الله البَريديّ أخاه أبا يوسف، ثمّ مات بعده بيسير. وفيها ولّى الإخشيد الحسين بن لؤلؤ إمرة دمشق، فبقي عليها سنة وأشهرًا. ثمّ نقله إلى حمص، وأمَّرَ عليها يانس المؤنسيّ. وفيها ولّى ناصر الدّولة ابن عمه الحسين بن سعيد بن حمدان قنّسرين والعواصم، فسارَ إلى حلب. وفيها كتبّ المتقّي إلى صاحب مصر الإخشيد أن يحضر إليه، فخرج من مصر وسار إلى الرَّقَّةِ، وبها الخليفة، فلم يُمكن من دخولها لأجل سيف الدّولة، فإنهّ كان مُبَاينًا له. فمضى إلى حرّان، وأصطلح مع سيف الدّولة، وبانَ للمتقّي من بني حمدان الملل والضّجر منه، فراسلَ توزون واستوثق منه. واجتمع الإخشيد بالمتقّي على الرَّقّة، وأهدي إليه تُحَفًا وأموالًا. وبلغه مراسلته لتوزون فقال: يا أمير المؤمنين أنا عبدك وابن عبدك، وقد عرفت الأتراك -[626]- وغّدْرهم وفجورهم، فالله الله في نفسكَ. سِرْ معي إلى الشّام ومصر، فهي لك وتأمنَ على نفسك. فلم يقبل. فقال: أقم ههنا وأمدّك بالأموال والرجال. فلم يقبل. فعدل الإخشيد إلى الوزير ابن مُقْلَة وقال: سِرْ معي. فلم يفعل مراعَاة للمتقّي. فكان ابن مُقْلَة يقول: يا ليتني قِبلت نُصْح الإخشيد. ورجع الإخشيد إلى بلاده. وفيها قُتل حَمْدي اللّصّ، وكان فاتكًا. ضمنّه ابن شيرزاد اللُّصوصيّة ببغداد في الشهر بخمسة وعشرين ألف دينار. فكان يكبس بيوت النّاس بالمِشعَل والشّمع، ويأخذ الأموال. وكان أسكورَج الدَّيْلمّي قد ولي شرطة بغداد، فأخذه ووسّطه. وفيها دخل أحمد بن بُوَيْه واسطًا، وهرب أصحاب البَريديّ إلى البصرة. وفي شوّال كان توزون ببغداد على سرير المُلك، فعرضَ له صرعٌ، فوثب ابن شيرزاد فأرخى بينه وبين القوّاد ستْرًا وقال: قد حدثت للأمير حُمّى. ولم يحجّ في هذه السنة أحدٌ لموت القَرمَطيّ، وهو أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجّنابيّ، بهجَر في رمضان بالْجُدَريّ. وهو الّذي قتل الحجيج واستباحهم مرّات، واقتلع الحجر الأسود، وبقي بعده أبو القاسم سعيد. وكان أبوه يحّبه ويرجّحه للأمر من بعده، وأوصى: إن حَدَث بي موتٌ، فالأمرُ إلي ابني سعيد إلى أن يكُبر أبو طاهر، فيُعيد سعيد إليه الأمر. وكان أبو سعيد قد عَتى وتمرّد، وأخاف العباد، وهزم الجيوش، وكان قد أسرَ فيمن أسرَ خادمًا، فحُسنت منزلته عنده حتّى صار على طعامه وشرابه. وكان الخادم ينطوي على إسلام، فلم يَرَ أبا سعيد يصلّي صلاةً، ولا صام شهر رمضان. فأبغَضه وأضمر قتله، فخلاه وقد دخل حمّامًا في الدّار ووثب عليه بخنجر فذبحه، ثمّ خرج ودعا بعضَ قُوّاد أبي سعيد فقال له: كلّم أبا سعيد. فلّما حصل ذبحه. ثمّ استدعى آخر، ففعل به كذلك حتى فعل ذلك بجماعة من الكبار، وكان شجاعًا قوّيًا جلْدًا. ثمّ استدعي في الآخِر رجلا، فدخل في أوّل الحّمام، فإذا الدّماء تجري، فأدبر مسرعًا وصاح، فتجمّع النّاس - وقد مرّ ذلك في سنة إحدى وثلاثمائة - وأخذ سعيد ذلك الخادم، فقرض لحمه بالمقاريض إلى أن مات. -[627]- فلما كان في سنة خمس وثلاثمائة سلّم سعيد الأمرَ إلى أخيه أبي طاهر، فاستجاب لأبي طاهر خلق وافتتنوا به، بسبب أنّه دلّهم على كنوز كان والده أطلعه عليها وحده، فوقع لهم أنّه عِلْم غَيْب، وتخيَّر موضعًا من الصّحراء وقال: أريد أن أحفر ههنا عَيْنًا. فقيل له: هنا لا ينبع ماء. فخالفهم وحفر فنبع الماء فازدادت فتنتهم به. ثمّ استباح البصرة، وأخذ الحجيج، وفعل العظائم، وأرعَبَ الخلائق وكُثرت جموعه، وتزلزل له الخليفة. وزعم بعض أصحابه أنه إله، ومنهم من زعم أنه المسيح، ومنهم مَن قالَ هو نبيّ. وقيل: هو المهديّ، وقيل: هو الممهّد للمهديّ. وقد هزم جيش الخليفة المقتدي غير مرّة، ثمّ إنّه قصد بغداد ليأخذها فدفع الله شرّه. وقد قَتَلَ بحَرَم الله - تعالى - مقتلة عظيمة لم يتمّ مثلها قطّ في الحَرَم. وأخذ الحجر الأسود. ثمّ لم يُمهله الله بعد ذلك. فلمّا أشفى على التَّلَف سلَّم مُلْكه إلى أبي الفضل بن زكريا المجوسيّ العجميّ. قال محمد بن عليّ بن رِزام الكوفيّ: قال لي ابن حمدان الطّبيب: أقمتُ بالَقطِيف أعالج مريضًا فقال لي رجل: أنظر ما يقول النّاس. يقولون: إنّ ربّهم قد ظهر. فخرجتُ، فإذا النّاس يُهرعون، إلى أن أتينا دارَ أبي طاهر سليمان القَرْمِطيًّ، فإذا بغلامٍ حسن الوجه، دُرّيّ اللّون، خفيف العارضين، له نحو عشرين سنة، وعليه عمامة صفراء تعميم العَجَم، وعليه ثوب أصفر، وفي وسطه منديل وهو راكب فرساً شهباًء، والناس قيام، وأبو طاهر القّرْمطيّ وإخوته حوله. فصاح أبو طاهر بأعلى صوته: يا معشر النّاس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أبو طاهر سُلَيْمَان بْن الْحَسَن. اعلموا أنا كنا وإياكم حميرا، وقد من اللَّه علينا بهذا، وأشار إِلَى الغلام؛ هَذَا ربي وربكم، وإلهي وإلهكم، وكلنا عباده والأمر إليه، وهو يملكنا كلنا. ثُمَّ أخذ هو والجماعة التراب، ووضعوه على رؤوسهم؛ ثُمَّ قالَ أبو طاهر: اعلموا يا معشر الناس، إنّ الدّين قد ظهر، وهو دين أبينا آدم، وكلًّ دين كنّا عليه فهو باطل. وجميع ما توصَّلتْ به الدُّعاة إليكم فهو باطل وزُور من ذكْر موسى، وعيسى، ومحمد. -[628]- إنّما الدّين دين آدم الأوّل، وهؤلاء كلّهم دجالون محتالون فالعنوهم. فلعنهم الناس. وكان أبو الفضل المجوسيّ، يعني الغلام الأمرد، قد سَنَّ لهم الّلواط ونكاح الأخوات، وأمرّ بقتل الأمرد الممتنع. وكان أبو طاهر يطوف هو والناس عُراةً به ويقولون: إلهنا عزًّ وجلّ. قال ابن حمدان الطّبيب: أدُخلت على أبي الفضل فوجدت بين يديه أطباقاً عليها رؤوس جماعة، فسجدتُ له كعادتهم والنّاسُ حوله قيام وفيهم أبو طاهر، فقال لأبي طاهر: إنّ الملوك لم تزل تُعدّ الرؤوس في خَزائنها فسَلُوه، وأشارَ إليَّ، كيف الحيلة في بقائها بغير تغيير؟ فسألني أبو طاهر فقلت: إلهُنا أعلم، ويعلم أنّ هذا الأمر ما علمته. ولكن أقول على التقدير إنّ جملة الإنسان إذا مات يحتاج إلى كذا وكذا صبَر وكافور. والرّأس جزءٌ من الإنسان، فيؤخذ بحسابه. فقال أبو الفضل: ما أحسن ما قال. قال ابن حمدان: وما زلت أسمع النّاسُ تلك الأيام يلعنون إبراهيم، وموسى، ومحمداً، وعليًا، وأولاده، ورأيت المصحف ُيمسح به الغائط. وقال أبو الفضل يوما لكاتبه ابن سَنْبر: اكتب كتابًا إلى الخليفة فصلِّ لهم على محمد، وبجل لهم جناب المنورة. قال ابن سَنْبر: والله ما تنبسط يدي لذلك. وكان لأبي طاهر أخت فاقتضها أبو الفضل، وذبح أبنًا لها في حجْرها، وقتل زوجها، ثمّ عزم علي قتل أبي طاهر، فبلغ ذلك أبا طاهر، فأجمع رأيه ورأي ابن سَنْبر ووالدة أبي طاهر على أن يمتحنوه ويقتلوه. فأتياه فقالا: يا إلهنا، إن فرجة أمّ أبي طاهر قد ماتت، ونشتهي أن تحضر لنشقّ جوفها ونحشوه جمْرًا - وكان قد شرع لهم ذلك -، فمضى معهما، فوجد فرجة مُسَجاة، فأمر بشقّ بطنها. فقال أبو طاهر: يا إلهي أنا أشتهي أن تُحييها لي. قال: ما تستحق فإنها كافرة. فعاوده مرارًا، فاسترابَ وأحسَّ بتغّيرهما عليه، فقال: لا تعجلا عليَّ ودعاني أخدم دوابّكما إلى أن يأتي أبي، فإني سرقت منه العلامة، -[629]- فيري فيَّ رأيَه. فقال له ابنُ سنبر: ويْلَك هتكتَ أستارنا وحريمنا، وكشفتَ أمرنا، ونحن نُرتّب هذه الدّعوة من ستين سنة، لا يُعلم ما نحن فيه. فأنت لو رآك أبوك علي هذه الحالة لقتلك، قُم يا أبا طاهر فاقتله. قال: أخشى أن يمسخني. فقام إليه سعيد أخو أبي طاهر فقتله وأخرج كبده، فأكلتها أخت أبي طاهر. ثمّ جمع ابن سنبر النّاس وذكر حَقه فيهم، لأنه كان شيخُهم، وقال لهم: إنّ هذا الغلام وَرَدَ بكذبٍ سرَقه مِن معدن حقّ، وعلامةٍ موّه بها، فأطعناه لذلك. وإنا وجَدَنا فوقه غلامًا ينكحه فقتلناه. وقد كنا نسمع أنه لا بُدّ للمؤمنين من فتنةٍ عظيمة يظهر بعدها الحقّ، وهذه هِيَ. فارجعوا عن نكاح المُحَرمات، وأطفئوا بيوت النيران، واتركوا اتّخاذ الغلْمان، وعظّموا الأنبياء - عليهم السّلام - فضج النّاس بالصّياح وقالوا: كل يومٍ تقولون لنا قولًا؟ فأنفق أبو طاهر أموالًا، كان جمعها أبو الفضل، في أعيان الناس فسكتوا. قال ابن حمدان الطّبيب: وبعد قتل أبي الفضل اتصلتً بخدمة أبي طاهر، فأخرج إلي يومًا الحجر الأسود وقال: هذا الذي كان المسلمون يعبدونهَ؟ قلتُ: ما كانوا يعبدونه. فقال: بلي. فقلت: أنت أعلم. وأخرجه إلي يومًا وهو ملفوف بثياب دبيقي، وقد طيّبه بالمسك، فعرفنا أنه معظم له. ثمّ إنّه جرت بين أبي طاهر وبين المسلمين حروب وأمور، وضعف جانبه، وقُتل من أصحابه في تلك الوقعات خلْق وقَلُوا، فطلب من المسلمين الأمان على أن يردّ الحجر الأسود وأن لا يتعرض للحجاج أبدًا. وأن يأخذ على كلّ حاجّ دينارًا ويخفرهم. فطابت قلوب النّاس وحجوا آمنين. وحصل له أضعاف ما كان ينتهبه من الحاجّ. وقد كان هذا الملعون بلاءً عظيمًا على الإسلام وأهله، وطالت أيّامُه. ومنهم مَن يقول: إنّه هلك عقيب أخْذه الحجر الأسود. والّظاهر خلاف ذلك. فلمّا ضعُف أمرُ الأمّة، ووَهَت أركان الدّولة العبّاسية، وتغلبت القرامطة والمبتدَعة على الأقاليم، قويت همة صاحب الأندلس الأمير عبد الرحمن بن محمد الأمويّ المَروانيّ، وقال: أنا أوْلى النّاس بالخلافة. وتسمّى بأمير المؤمنين. وكان خليقًا بذلك. فإنه صاحب غزوٍ وجهاد وهَيبة زائدة استولى على أكثر الأندلس، ودانت له أقطار الجزيرة. -[630]- فأما أبو يوسف البريدي فكان ينكر على أخيه أبي عبد الله، ويُطلق لسانه فيه، ويُعامل عليه أحمد بن بُوَيْه وتوزون، وينسبه إلى الغدْر والظُلم والْجُبْن والبخل، فاستدعاه أخوه عبد الله إلى الدّار بالبصرة، وأقعد له جماعة في الدَّهْليز ليقتلوه. فلّما دخل ضربوه بالسّكاكين، فلامه بعض إخوته فقال: اسكت وإلا ألحقتك به. ثمّ مات بعده بثمانية أشهر؛ ووُجد له ألف ألف دينار ومائتا ألف دينار، وعشرة آلاف ألف درهم. ومِن الفرش وغيرها ما قيمته ألف ألف دينار وألف رطْل نَدّ، وألفا رِطْل هنديّ، وعشرون ألف رِطْل عود. وقد تقدَّم مِن أخباره. وسيُذكر في العام الآتي. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة
فيها عاد سيف الدولة من الرّوم سالمًا مؤيدا غانما قد أسر قسطنطين ابن الدُمُسْتُق. وفيها جاء صاحب خُراسان ابن محتاج إلى الرّيّ محاربًا لابن بُوَيْه، وجرت بينهما حروب، وعاد إلى خُراسان. وفيها كانت بمصر محنة أحمد بْن بُهْزاد بْن مهران السيرافيّ المحدِّث. أقام يُملي بمصر زمانًا. فأملى فِي داره حديث الشّاكّ الَّذِي جاء إلى عَلِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فقال: إني شككتُ فِي شيء. فقال: سَلْ. وأجابه. فقام جماعةٌ من المالكيّة وشَكَوه إلى أَبِي المِسْك كافور الإخشيديّ، فردَّ الأمر إلى الوزير أَبِي الفضل بْن حنْزابَة. فحضر عنده القُضاة والفقهاء فَكتبوا كلّهم أنَّ مَن حدَّث بهذا الحديث فليس بثقة أن يؤخذ عَنْهُ. فامتنع أبو بكر ابن الحدّاد أنّ يُفتي بذلك. وعُنِّف ابن بُهْزاد ومُنع من الحديث. وقال أَبُو جعْفَر أَحْمَد بْن عون اللَّه القُرْطُبيّ: قَرَصَ لي عثمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأشار إلى ما لا يحلّ اعتقاده، فتركته. وقال أَبُو عُمَر الطَّلِمْنِكيّ: أملى عَلَى أهل الحديث حديثًا مُنْكَرا متضمّنًا مخالفة الجماعة، فقال: أجيفوا الباب ما أمليته من ثلاثين سنة. فاستشعر القوم، فقاموا عَلَيْهِ لمّا أملاه، ومُنِع من التَّحديث. ثمّ إنّه تعصب له قوم من الفرس، فأذن له بالحديث. وقد وثَّقه جماعةٌ. وروى عَنِ الرّبيع المراديّ. وَتُوُفِّي فِي شعبان سنة ست وأربعين. حديثه بعُلُوِّ فِي " الخِلَعّيات ". وأسَر سيفُ الدولة ابن الدمستق، كما ذكرنا، فِي وقعٍه كانت بينه وبين أَبِيهِ. وكان الَّذِي أسره ثواب العُقَيْليّ، فدخل سيف الدولة حلب، وابن الدمستق بين يديه. وكان مليح الصورة، فبقي عنده مكرما حتي مات. وفيها تُوُفّي الحسن بْن طُغْج أَبُو المظفَّر أخو الإخشيد. ولي إمرة -[757]- دمشق مرَّتين، ثمّ ولي إمرة الرّملة، وبها مات. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة
يوم عاشوراء، قال ثابت: ألزم معزّ الدولة الناسَ بغلْق الأسواق ومنْع الهّراسين والطبّاخين من الطبيخ، ونصبوا القباب في الأسواق وعلّقوا عليها المُسُوح، وأخرجوا نساء منشّرات الشعور مُصَخَّمات يلطمن في الشوارع ويُقِمْن المآتمَ على الحسين عليه السلام، وهذا أول يوم نِيح عليه ببغداد. وفيها قُلِّد القضاءَ بالعراق أبو البِشْر عمر بن أكثم على أن لا يأخذ رِزْقًا، وصُرِف ابن أبي الشوارب. وفيها قُتل ملك الروم، وصار الدُمُسْتُق هو الملك واسمه تقفور. وفيها أصاب سيفَ الدولة فالجٌ في يده ورِجْله، وكان دخل الرومَ ووصل إلى قونية، ثم عاد، وكان هبة الله ابن أخيه ناصر الدولة عنده بحلب، ثم إنه قتل رجلًا من أعيان النصارى، وساق إلى أبيه إلى الموصل. وفي ثامن عشر ذي الحجّة عُمل عيد غدير خُم وضُربت الدبادب، وأصبح الناس إلى مقابر قريش للصلاة هناك، وإلى مشهد الشيعة. قال ثابت بن سنان: وأنفذ بعض بطارقة الأرمن إلى ناصر الدولة بن حمدان رجلين ملتصقين عمرهما خمس وعشرون سنة ومعهما أبوهما، والالتصاق كان في الجنب والمعدة، ولهما بطنان وسوءتان ومعدتان، وتختلف أوقات جوعهما وعطشهما وبَوْلهِما، ولكلّ واحدٍ كتِفان وذِراعان ويَدان وفَخذان وساقان وإحليل، وكان أحدهما يميل إلى النساء والآخر إلى المُرْد. قال القاضي التنوخي: ومات أحدهما وبقي أيامًا فأنْتَنَ، وأخوه حيّ، وجمع ناصر الدولة الأطبّاء على أن يقدروا على فصلهما فلم يمكن، ثم مرض الحيّ من رائحة الميت ومات. -[12]- وفيها تُوُفِّيت خَوْلَةُ أخت سيف الدولة بحلب، وهي التي رثاها المتنبي بقوله: يا أخت خير أخٍ يا بنت خير أبِ. كناية بهما عن أشرف النَّسبِ. ومن سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة استضرت الرُّوم على الإسلام بكائنة حلب، وضَعُف أمر سيف الدولة بعد تيك الملاحم الكبار التي طَيَّر فيها لب العدو ومزَّقهم، فلله الأمر وما شاء الله كان. وفيها عبرت الرُّوم الفرات لقصد الجزيرة، وأغلق أهل الموصل الأسواق، واجتمعوا في المسجد الجامع لذلك، ومضوا إلى ناصر الدولة، فضَمِنَ لهم العدو، ووردت الكتب من بغداد ان الرعية أغلقت الأسواق وذهبوا إلى باب الخِلافة ومعهم كتاب يشرح مُصيبة حلب وضَجُّوا، فخرج إليهم الحاجب وأوصل الكتاب إلى الخليفة، فقرأه ثم خرج إليهم فَعَرَّفهم أن الخليفة بكى وأنه يقول: قد غمَّني ما جرى، وأنتم تعلمون أن سيفي معز الدولة، وأنا أرسله في هذ، فقالوا: لا نقنع إلا بخروجك أنت، وأن تكتب إلى سائر الآفاق وتجمع الجيوش، وإلا أن تعتزل لنولي غيرك. فغاضه كلامُهم، ثم وجه إلى دار معز الدولة، فركب ومعه الأتراك وصرفوهم صرفاً قبيحاً. ثم لطف الله وجاءت الأخبار بموت طاغية الروم، وأن الخُلفَ واقع بينهم فيمن يملكونه، فطمع عسكر طرسوس، ودخلوا أرض الروم في عدةٍ وافرة، ولججوا، فالتقوا بالروم ونُصروا عليهم، وعادوا. ثم عادوا بغنائم لم يُرَ من دهر مثلها. فلما ردُّوا إلى الدرب إذا هم بابن الملابني على الدَّرب فاقتتلوا طول النَّهار، ونُصِرَ المسلمون. وبلغ سيف الدولة أيضاً اختلاف الروم، فبادر، ودَوَّخ الأعمال، وأحرق، وحَصَّل من السبي أكثر من ألفين، ومن المواشي مائة ألف رأس، وفرح المؤمنون بالنصر والاستظهار على العدو. ثم بعد شهر أو شهرين توجه سيف الدولة غازياً، فسار على حَرَّان، وعطف على مَلَطية، فملأ يديه سبياً وغنائم. ثم خرج إلى آمد. وفي شعبان ورد غزاة خراسانية نحو الستمائة إلى الموصل يريدون الجهاد. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة اثنتين وستين وثلاثمائة
فيها حشدت الروم، لعنهم الله، وأقبلوا في عدد وعُدَّةٍ، فأخذوا نصيبيّن واستباحوها، وقتلوا، وسبوا. وقدم بغداد من نجا منهم، فاستنفروا الناس في الجوامع وكسروا المنابر، ومنعوا الخطبة، وحاولوا الهجوم على الخليفة المطيع، واقتلعوا بعض شبابيك دار الخلافة حتى غُلّقتْ أبوابها، ورماهم الغلمان بالنَّشّاب من الرّواشِن، وخاطبوا الخليفة بالتعسف وبأنّه عاجز عمّا أوجبه الله عليه من حماية حَوْزَة الإسلام، وأفحشوا القول. ووافق ذلك غيبة الملك عزّ الدولة في الكوفة للزيارة، فخرج إليه أهل العقل والدين من بغداد، وفيهم الإمام أبو بكر الرازي الفقيه، وأبو الحسن علي بن -[180]- عيسى النحوي، وأبو القاسم الداركي، وابن الدقّاق الفقيه، وشكوا إليه ما دَهَمَ الإسلام من هذه الحادثة العُظْمى، فوعدهم بالغزو، ونادى بالنّفير في الناس، فخرج من العَوامّ خلقٌ عدد الرمل، ثم جهّز جيشًا، وغزوا فهزموا الروم، وقتلوا منهم مقتلة كبيرة، وأسروا أميرهم وجماعة من بطارقته، وأنفذت رؤوس القتلى إلى بغداد، وفرح المؤمنون بنصر الله. وصادر بختيار بن بويه المطيع، فقال: أنا ليس لي غير الخطبة، فإن أحببتم اعتزلت، فشددوا عليه حتى باع قماشه، وحمل أربعمائة ألف درهم، فأنفقها ابن بُوَيْه في أغراضه، وأهمل الغزو، وشاع في الألسنة أنّ الخليفة صودر، كما شاع قبله أن القاهر بالله كدي يوم جمعة، فانظر إلى تقلّبات الدهر! وفي شهر رمضان قُتل رجل من أعوان الوالي في بغداد، فبعث الرئيس أبو الفضل الشيرازي - وكان قد أقامه عزّ الدولة على الوزارة - مَن طَرَحَ النّار من النحّاسين إلى السمّاكين، فاحترق حريق عظيم لم يشهد مثله، واحترقت أموال عظيمة وجماعة كثيرة من النساء، والرجال، والصبيان، والأطفال في الدّور وفي الحمّامات، فأحصى ما أحرق من بغداد فكان سبعة عشر وثلاثمائة دكان، وثلاثمائة وعشرين دارًا، أجرة ذلك في الشهر ثلاثة وأربعون ألفا، ودخل في الجملة ثلاثة وثلاثون مسجدًا. فقال رجل لأبي الفضل الشيرازي: أيُها الوزير أريتنا قدرتك، ونحن نأمل من الله أن يرينا قدرته فيك، فلم يُجِبْه، وكَثُرَ الدَّعاء عليه. ثم أنّ عزّ الدولة قبض عليه وسلّمه إلى الشريف أبي الحسن محمد بن عمر العلوي، فأنفذه إلى الكوفة، وسُقي ذراريح، فتقرّحت مثانته، فهلك في ذي الحجّة من هذه السنة، لا رحمه الله. وفي يوم الجمعة ثامن رمضان دخل المعزّ أبو تميم مَعدّ بن إسماعيل العُبَيدي مصر ومعه توابيت آبائه، وكان قد مهدّ له مُلْكَ الدّيار المصرية مولاه جَوْهَر، وبنى له القاهرة، وأقام بها دارا للإمرة، وتعرف بالقصرين. وفيها أقبل الدُّمُسْتُق في جيوشه إلى ناحية ميافارقين، فالتقاه ولد ناصر الدولة بن حمدان وهزم الروم، ولله الحمد، وأسر الدُّمُسْتُق الخبيث، وبقي -[181]- في السجن حتى هلك، ولله الحمد. وفيها وزر ببغداد أبو طاهر بن بقيّة، ولُقّب بالنّاصح، وكان سمحا كريمًا، له راتب كل يوم من الثلج ألف رطل، وراتبه من الشمع في الشهر ألف مَنّ. وكان عزّ الدولة قد استوزر ذاك المُدْبِر أبا الفضل الشيرازي، واسمه العبّاس بن الحسن صهر الوزير المهلّبي، ثم عزله بعد عامين من وزارته بأبي الفرج محمد بن العباس بن فسانجس، ثم عزل أبا الفرج بعد سنة، وأعاد الشيرازي إلى الوزارة، فصادر الناس وأحرق الكرخ كما ذكرنا، وكان أبو طاهر من صغار الكُتّاب، يكتب على المطبخ لعزّ الدولة، فآل أمره إلى الوزارة، فقال الناس: من الغضارة إلى الوزارة. وكان كريمًا جوادًا، فغطّى كرمُهُ عيوبه، فوزر لعزّ الدولة أربعة أعوام، ثم قتله عَضُدُ الدولة وصلبه. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة
فيها فُتح المارستان العَضْدي، أنشأه عضُدُ الدولة في الجانب الغربيّ من بغداد، ورتّب فيه الأطباء والوكلاء والخُزّان وكلَّ ما يُحتاج إليه، في ربيع الآخر. وفي هذا الزّمان كانت الأهواء والبدع فاشيةً بمثل بغداد ومصر من الرَّفْضِ وَالاعتزال والضَّلال، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون؛ فذكر الحُمَيْدي في ترجمة أبي عمر أحمد بن محمد بن سعدي الأندلسي الفقيه طامةً كُبْرى، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن الفرج بن عبد الولّي الأنصاري، قال: -[348]- سمعت أبا محمد عبد الله بن الوليد قال: سمعت أبا محمد عبد الله بن أبي زيد الفقيه يسأل أبا عمر أحمد بن محمد بن سعدى المالكي عند وصوله إلى القَيْرَوان من بلاد المشرق، فقال: هل حضرت مجالس أهل الكلام؟ قال: نعم، مرتيّن، ولم أعد إليها، قال: ولم؟ فقال: أمّا أوّل مجلسٍ حضرتُهُ فرأيت مجلسًا قد جمع الفِرَق من السنة والبَدَعَة والكُفّار واليهود والنصارى والدّهْريّة والمَجُوس، ولكّل فرقة رئيس يتكلَّم ويجادل عن مذهبة، فإذا جاء رئيس قاموا كلّهم له على أقدامهم، حتى يجلس، فإذا تكلّموا قال قائل من الكُفّار: قد اجتمعتم للمناظرة، فلا يحتجّ أحدُ بكتابه ولا بنبيه، فإنا لا نصدق ذلك ولا نقر به، وإنما نتناظر بالعقل والقياس، فيقولون: نعم، فلما سمعت ذلك لم أعده. ثم قيل لي: هنا مجلس آخر للكلام، فذهبت إليه فوجدتهم على مثل سيرة أصحابهم سواء، فقطعت مجالس أهل الكلام. فجعل ابن أبي زيد يتعجّب من ذلك، وقال: ذهبت العلماء وذهبت حرمة العلم والإسلام. وفي شوّال مات عَضُدُ الدولة، فكتموا موته، ثم استدعوا ولده صمصام الدولة من الغد إلى دار السّلطنة، وأخرجوا أمر عضُدُ الدولة بتولية العهد، ورُوسل الطائع وسُئل أن يولّيه، ففعل، وبعث إليه خُلَعًا ولواءً. وخلع على أبي منصور بن أبي الفتح العلوي للخروج بالحاجّ وإقامة الموسم. وتُوُفَّيَتِ السّيدة سارة بنت الخليفة المعتضد وأخت المكتفي. وكانت مُعَمَّرة عاشت بعد أبيها ثلاثًا وثمانين سنة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة اثنتين وثمانين وثلاث مائة.
فمن الحوادث فيها أنَّ أبا الحسن علي بن محمد بن المعلّم الكوكبي كان قد استولى على أمور السلطان بهاء الدولة كلّها، فمنع أهل الكرْخ وباب الطاق من النَّوْح يوم عاشوراء، ومن تعليق المسوح، وكان كذلك يعمل من نحو ثلاثين سنة، ووقع أيضاً بإسقاط جميع من قبل من الشهود بعد وفاة القاضي أبي محمد بن معروف، وأن لا يقبل في الشهادة إلا من كان ارتضاه ابن معروف، وذلك لأنه لما تُوُفِي كَثُر قَبُول الشهود بالشفاعات، حتى بلغت عدة الشهود ثلاث مائة وثلاثة أنفس، ثم إنّه فيما بعد، وقّع بقبولهم في السنة. وفيها شغبت الْجُنْد، وخرجوا بالخِيَم إلى باب الشماسية، وراسلوا بهاء الدولة يشتكون من أبي الحسن بن المعلّم، وتعديد ما يعاملهم به، وطالبوه بتسليمه إليهم. وكان ابن المعلم قد استولى على الْأمور، فالمقرِّب من قرَّبه والمُبْعَد من أبعده، فثَقُل على الْأمراء أمره، ولم يُراعهم هو، فأجابهم السلطان، ووعدهم، فأعادوا الرسالة بأنهم لا يرضون إلا بتسليمه إليهم، فأعاد الجواب بأنَّه يُبعده عن مملكته، فأبوا ذلك، إلى أن قال له الرسول: أيها الملك إن الأمرَ شديدٌ، فاخْتَر بقاءه أو بقاء دولتك، فقبض عليه حينئذ وعلى أصحابه، وأخذ حواصله، فصمّم الْجُنْدُ أنهم لا يرجعون إلا بتسليمه، فتذمم من ذلك، وركب إليهم، فلم يقم أحد منهم إليه ولا خدمه، وعاد وقد أقاموا على المطالبة به، وترك الرجوع إلا بعد تسليمه إلى أبي حرب خال بهاء الدولة، فسقي السم دفعتين، فلم يعمل فيه، فخُنِق بحبل. وفي رجب، سُلِّم الطائع لله المخلوع إلى القادر باللَّه، فأنزله في حجرة ووكّل به من يحفظه، وأحسن صيانته ومراعاة أموره، فكان المخلوع يطالب من زيادة الخدمة بمثل ما كان يطالب به أيام خلافته، وأنه حُمل إليه طيب من بعض العطارين، فقال: أمن هذا يتطيب أَبُو العبّاس؟ قالوا: نعم. فقال: قولوا له في الموضع الفلاني من الدار كندوج فيه طيب مما كنت أستعمله فأنفذ لي بعضه، وقدمت إليه في بعض الليالي شمعة قد أوقد نصفها، فأنكر ذلك، فحملوا إليه غيرها، وأقام على هذا إلى أن تُوُفيّ. -[510]- وفيها ولد أبو الفضل محمد ابن القادر باللَّه، وهو الذي جُعل وليّ العهد، ولقب " الغالب بالله ". واشتد في هذا الوقت القحْط ببغداد. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة
فيها ثارت العامّة ببغداد عَلَى النَّصارَى، فنهبوا البيعة وأحرقوها، فسقطت على جماعة من المسلمين، فهلكوا، وعَظُمَت الفتنة ببغداد، وانتشر الدُّعار. وبطل الحجّ من العراق فِي هذه السنة. وفيها وُلِد الْحَسَنُ وَالْحُسَيْن توأمين للسلطان بهاء الدولة، فعاش الْحُسَيْن سبع سنين، وأمّا أَبُو عَلِيّ فعاش وملك العراق، ولُقّب مُشَرَّف الدولة. وزاد أمر الشُّطَّار ببغداد، وواصلوا أخذ العملات والأموال، وقتلوا، وأشرف النّاس معهم عَلَى خطّه صعبة، وكان فيهم من هُوَ عباسي وعَلَوِيّ، فبعث بهاء الدولة أبا عَلِيّ عميد الجيوش إلى العراق ليدبّر أمورها، فقدم بغداد، وزينت له، فغرق جماعة، ومنع الشيعة والسنة من إظهار مذهب، ونفي الدُّعَّار، ونفي ابن المعلّم فقيه الشيعة، وقامت هيبته. -[686]- وفي المحرم غزا السلطان محمود بْن سبكتكين الهند، فالتقاه صاحبها الملك جيبال، ومعه ثلاثمائة فيل، فنصر الله محمودا، وقتل من الكفار خمسة آلاف، ومن الفيول خمسة عشر فيلا، وأُسِر جيبال فِي جماعة من قوّاده، فكان عَلَيْهِ من الجواهر ما قيمته مائتا ألف دينار، وبلغت الغنيمة من الرقيق خمسمائة ألف رأس نقل ذَلِكَ صاحب " سيرة محمود بن سبكتكين " الْأديب الكاتب أَبُو النَّصر مُحَمَّد بْن عَبْد الجبّار العُتْبي، وقد سَمِعَ هذا من أَبِي الفتح البُسْتِي وجماعة. قَالَ أَبُو النّصر: وافتدى الملك نفسه بخمسين فيلا. وكان شيخا مُسِنًا، فتألّم مما تمّ عَلَيْهِ، وآثر النّار عَلَى العار، فحلق شعره، ثم حرّق نفسه حتى تلف. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة اثنتين وأربعمائة
أذِنَ فخرُ المُلْك أبو غالب بْن حامد الوزير الّذي قُلِّد العراق عام أول في عمل عاشوراء والنَّوْح. وفي ربيع الآخر كُتِبَ مِن الّديوان محضر في معنى الخلفاء الّذين بمصر والقَدْح في أنسابهم وعقائدهم، وقُرِئت النسخةُ ببغداد، وأُخِذَت فيها خطوط القُضاة والأئمة والأشراف بما عندهم من العِلْم والمعرفة بنسَب الدَيْصَانية، وهم منسوبون إلى دَيْصَان بْن سَعِيد الخُرّميّ، إخوانُ الكافرين، ونُطَف الشّياطين، شهادةً يُتقرَّبُ بها إلى الله، ومعتقد ما أوجب الله عَلَى العلماء أن يبيّنوه للنّاس، شهدوا جميعًا: أنّ الناجم بمصر وهو منصور بْن نزار المُلَقَّب بالحاكم - حكم الله عَليْهِ بالبوار والخزْي والنّكال - ابن مَعَد بْن إسماعيل بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن سَعِيد - لا أسعده الله - فإنّه لما صار سَعِيد إلى الغرب تَسَمّى بُعبَيْد الله وتلقَّب بالمهديّ، وهو ومَن تقَّدم من سلفه الأرجاس الأنجاس - عَليْهِ وعليهم اللّعنة - أدعياء خوارج لا نسبَ لهم في ولد عليّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وأنّ ذَلِكَ باطل وزُور، وأنتم لا تعلمون أنّ أحدًا من الطّالبييّن توقَّف عَنْ إطلاق القول في هَؤلَاءِ الخوارج أنّهم أدعياء. وقد كَانَ هذا الإنكار شائعًا بالحَرَمَيْن، وفي أوّل -[11]- أمرهم بالغرب، منتشرا انتشارا يمنع من أن يُدلَّس عَلَى أحدٍ كَذِبُهُم، أو يذهب وهْمٌ إلى تصديقهم، وأنّ هذا النّاجم بمصر هو وسبيله كُفارٍ وفُساق فُجار زنادقة، ولمذهب الثّنَويّة والمَجُوسية معتقدون، قد عطّلوا الحدود، وأباحوا الفروجَ، وسفكوا الدماء، وسَبّوا الأنبياءَ ولعنوا السّلف، وادعَّوا الربوبيّة، وكتب في ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعمائة. وكتبَ خلقٌ كثير في المحضر منهم الشّريف الرضي، والمرتضى أخوه، وابن الأزرق الموسويّ، ومحمد بْن محمد بْن عُمَر بْن أَبِي يَعْلَى العلويّون، والقاضي أبو محمد عبيد الله ابن الأكفانيّ، والقاضي أبو القاسم الجزري، والإمام أبو حامد الإسفراييني، والفقيه أبو محمد الكُشفليّ، والفقيه أبو الحسين القدوريّ الحنفيّ، والفقيه أبو عليّ بْن حَمَكَان، وأبو القاسم بْن المحسّن التَّنُوخيّ، والقاضي أبو عبد الله الصَيْمُريّ. وفيها فرق فخر المُلْك الوزير أموالًا عظيمة في وجوه البِرّ، وبالغ في ذَلِكَ حتى كثر الدّعاء لَهُ ببغداد، وأقام دارا هائلة أنفق عليها أموالا طائلة. وفيها ورد كتاب يمين الدّولة أَبِي القاسم محمود بْن سُبكْتكين إلى القادر بالله بأنّه غزا قومًا من الكُفار، وقطع إليهم مَفَازَة، وأصابه عطش كادوا يهلكون، ثمّ تفضَّل الله عليهم بمطرٍ عظيم رواهم، ووصلوا إلى الكُفْار، وهم خلقٌ ومعهم ستّمائة فيل، فنصر عليهم وغنم وعاد. -[12]- وفي آخر السنّة وردَ كتاب أمير الحاجّ محمد بْن محمد بْن عُمَر العلويّ بأنّ ريحًا سوداء هاجت عليهم بُزبالة، وفقدوا الماء، فهلك خلْق، وبلغت مزادة الماء مائة درهم، وتخفر جماعة ببني خَفَاجة وردّوا إلى الكوفة. وعُمل الغدير، ويوم الغدير معروف عند الشّيعة، ويوم الغار لجهلةِ السُّنّة في شهر ذي الحجّة بعد الغدير بثمانية أيّام اتّخذته العامّة عنادًا للرافضة. فَعُمِل الغدير في هذه السّنة والغار في ذي الحجّة، لكن بِطُمَأنينة وسُكُون، وأظهرت القَيْنات من التعليق شيئًا كثيرًا، واستعان السُّنّة بالأتراك، فأعاروهم القماش المفتخر والحلي والسلاح المذهبة. وفي هذه الحدود هربَ مِن الدّيار المصريّة ناظر ديوان الزّمام بها، وهو الوزير أبو القاسم الحسن بْن عليّ المغربيّ حين قَتَلَ الحاكم أَبَاهُ وعمّه، وبقيَ إِلْبا عَلَى الحاكم يسعى في زوال دولته بما استطاع. فحصل عند المفرّج بْن جّراح الطّائيّ أمير عرب الشام، وحسّن لَهُ الخروج عَلَى الحاكم، وقتل صاحب جيشه، فقتله كما ذكرناه سنة إحدى وأربعمائة. ثمّ قَالَ أبو القاسم لحسّان ولد المفرّج بْن الجرّاح: إنّ الحَسَن بْن جعفر العلويّ صاحب مكّة لا مَطْعَن في نسبه، والصّواب أن تنصّبه إمامًا، فأجابه، ومضي أبو القاسم إلى مكّة، واجتمع بأميرها وأطمعَه في الإمامة، وسهل عليه الأمور وبايعه، وجوز أخذ مال الكْعبة وضربِهِ دراهم، وأخذَ أموالًا من رَجُل يُعرف بالمطّوعيّ، عنده ودائع كثيرة للنّاس، واتّفق موت المطّوعيّ، فاستولى عَلَى الأموال وتلقَّب بالراشد بالله، واستخلف نائبًا عَلَى مكّة، وسار إلى الشّام، فتلقّاه المفرّج وابنهُ وأمراء العرب، وسلّموا عَليْهِ بإمرة المؤمنين، وكان متقلّدًا سيفًا زعم أَنَّهُ ذو الفِقار، وكان في يده قضيب ذكر أَنَّهُ قضيب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحوله جماعة من العلوييّن، وفي خدمته ألف عَبْد. فنزل الرّملة، وأقام العدل، واستفحل أمره، فراسلَ الحاكمُ ابن جرّاح، وبعث إِليْهِ أموالًا استماله بها، وأحسَّ الراشد بالله بذلك، فقال لابن المغربي: غَرَرْتني وأَوْقعتني في أيدي العرب، وأنا راضٍ من الغنيمة بالإياب والأمان. ورَكب إلى المفرّج بْن جرّاح وقال: قد فارقتُ نعمتي، وكشفتُ القناع في عداوة الحاكم سُكونا إلى ذِمامك، وثقه بقولك، واعتمادًا عَلَى عهودك، وأرى ولدكَ حسّانًا قد أصلح أمره مَعَ الحاكم وأريدُ العَوْد إلى مأمني. فسيَّره المفرَج إلى وادي القُرى، وسيرَّ أبا القاسم ابن المغربي إلى العراق. فقصدَ أبو القاسم -[13]- فخر الملك أبا عليّ، فتوهَموا فيه أنّه يفسد الدّولة العبّاسيّة، فتسحّب إلى الموْصِل ونفقَ على قرواش، ثم عاد إلى بغداد. وفي جُمَادى الأولى عُزل أبو المطاع بْن حمدان عَنْ إمرة دمشق، وأُعيد إليها بدر العطار. ثم صُرِف بعد أيام بالقائد ابن بزال، فولِيَها نحوًا من أربعة أعوام. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة
في المحرّم نقب اللُّصوص دار المملكة وأخذوا قماشًا وهربوا، وأقام التّجّار على المبيت في الأسواق، وأمْر العيّارين يتفاقم؛ لأنّ أمور الدّولة منحلة، فلا قوة إلا بالله. وفيها عُزِل أبو الفضل محمد بن علي بن عبد العزيز بن حاجب النُّعمان عن كتابة الإنشاء للقادر بالله، وكانت مباشرته سبعة أشهر؛ لأنه لمّا تُوُفّي أبوه أبو الحسن وأُقيم مقامه لم تكن له دِرْبَةٌ بالعمل. وفيها عزم الحرميّ الصُّوفيّ الملقّب بالمذكور على الغزو، واستأذن السّلطان، فأذِن له وكتب له منشورًا، وأُعطي منْجُوقًا، واجتمع إليه طائفة فقصد الجامع للصلاة ولقراءة المنشور، ومرّ بطاق الحرّانيّ وعلى رأسه المَنْجُوق وقُدّامه الرّجال بالسّلاح، وصاحوا بذِكْر أبي بكر وعمر وقالوا: هذا -[343]- يوم معاويٌّ. فرماهم أهل الكَرْخ، وثارت الفتنة، ومُنعت الصّلاة، ونُهِبت دار الشّريف المرتضى، فخرج مُرَوَّعًا، فجاءه جيرانه الأتراك فدافعوا عنه وعن حرَمه، وأُحرقت إحدى سَرِيّاته. ونُهبت دُور اليهود وطُلبوا؛ لأنهم أعانوا اهل الكَرْخ فيما قيل. ومن الغد اجتمع عامّة السُّنَّة، وانضاف إليهم كثير من الأتراك، وقصدوا الكَرْخ، فأحرقوا الأسواق، وأشرف أهل الكَرْخ على خطّة عظيمة. وركب الخليفة إلى الملك والإسْفَهسلاريّة يُنْكر ذلك، وأمر بإقامة الحد في الجُناة، فركب وزير الملك، فوقعت في صدره آجُرّة وسقطت عمامته، وقُتِل من أهل الكَرْخ جماعة، وانتهب الغلمان ما قدروا عليه، وأُحرق وخُرِّب في هذه الفتنة سوق العروس، وسوق الصّفّارين، وسوق الأنماط، وسوق الزّيّاتين، وغير ذلك. وزاد الاختلاف والفُرْقة، وعبرَ سَكْرانٌ بالكَرْخ فضُرب بالسّيف فقُتِل، ولم يجر في هذه الأشياء إنكار من السلطان لسقوط هيبته. ثمّ قتلت العامّة الكلالكيّ، وكان ينظر في المعونة، وتبسّط العوامّ وأثاروا الفِتَن، ووقع القتال في البلد من الجانبين، واجتمع الغلمان، وأظهروا الكراهة للملك جلال الدّولة، وشكوا إطّراحَهم واطّراح تدبيرهم، وأشاعوا أنّهم يقطعون خطبته. وعلم الملك فقلق، وفرَّق مالًا في بعضهم، ووعدهم وحلف لهم. ثم عادوا للخوض في قَطْع خُطْبته، وقالوا: قد وقفت أمورنا وانقطعت موَادُّنا ويئسنا من خير ذا، ودافع عنه الخليفة. هذا، والعامة في هرج وبلاء، وكبسات وويل. وأقبلت النّصارى الرُّوم، فأخذوا من الشّام قلعة فامية. ومات في آخر السنة القادر بالله، واستخلف القائم بأمر الله، وله إحدى وثلاثون سنة، وأمه أم ولد أرمنية اسمها بدرُ الدُّجى، أدركت خلافته. فأوّل من بايعه الشّريف المرتضي، وقال: إذا ما مضي جبلٌ وانْقَضَى ... فمنك لنا جبلٌ قد رسى وإنا فُجعنا لبدر التّمامِ ... وعنه لنا نابَ بدْرُ الدُّجى لنا حَزَنٌ في محل السُّرور ... وكم ضَحِك في خلال البكا فيا صارما أغمدته يدٌ ... لنا بعدك الصارم المنتضى -[344]- ولمّا حضرناك عند البياع ... عَرفنا بِهَديِك طُرُقَ الهُدَى فقَابَلْتَنا بوَقَار المَشِيب ... كمالًا وسِنُّك سِنُّ الفتى وصلّى بالنّاس في دار الخلافة المغرب، ثمّ بايعه من الغد الأمير حسن بن عيسى ابن المقتدر، ولم يركب السّلطان للبيعة غضبًا للأتراك وذلك لأنّهم همُّوا بالشَّغب، لأجل رسْمهم على البيعة، فتكلّم تركّيٌّ بما لا يصلُح في حقّ الخليفة، فقتله هاشميّ، فثار الأتراك وقالوا: إن كان هذا بأمر الخليفة خرجنا عن البلد، وإن لم يك فيسلّم إلينا القاتل. فخرج توقيع الخليفة: لم يجرِ ذلك بإيثارنا، ونحن نقيم في القاتل حدّ الله. ثمّ ألحّوا في طلب رسْم البَيْعة، فقيل لهم: إنّ القادر لم يخلّف مالًا. ثم صولحوا على ثلاثة آلاف دينار. فعَرَضَ الخليفة خانًا بالقطيعة وبستانًا وشيئًا من أنقاض الدور على البيع. ووَزَرَ له أبو طالب محمد بن أيّوب، ثمّ جماعة منهم: أبو الفتح بن دارْست، وأبو القاسم ابن المسلمة، وأبو نصر بن جهير. وكان قاضيه أبو عبد الله ابن ماكولا، ثم أبو عبد الله الدامغاني، وكان للقائم عناية بالأدب. وفي ثامن عشر ذي الحجّة عملت الشّيعة " يوم الغدير "، وعمل بعدهم أهل السُّنَّة الذي يسمونه " يوم الغار "، وهذا هذيان وفشار. ثمّ إن العيّارين ألْهبوا النّاسَ بالسَّرِقَة والكبْسات، ونزلوا بواسط على قاضيها أبي الطّّيب وقتلوه، وأخذوا ما وجدوا. ولم يحجّ أحد من العراق لاضطّراب الوقت. وخرجت السُّنَّة ومملكة جلال الدّولة ما بين بغداد وواسط والبَطَائح، وليس له من ذلك إلا الخطْبة. فأمّا الأموال والأعمال فمُنْقَسمة بين الأعراب والأكراد، والأطراف منها في أيدي المُقْطَعين من الأتراك، والوزارة خالية من ناظرٍ فيها، والخِلافة مسْتَضْعَفة، والناس بلا رأس. فلِلّهِ الأمرُ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة
فيها نزلت الغُزُّ الرّيّ، وانصرف مسعود إلى غَزْنَة، وعاد طغرلبك إلى نَيْسابور، واستولتِ الغُزُّ والسّلجوقيّة على جميع خُراسان، وظهر من خَرْقهم الهيبة واطراحهم الحشمة وقتلهم للنّاس ما جاوز الحدّ، وقصدوا خلْقًا كثيرًا من الكتاب فقتلوا منهم وصادروا وبدعوا. وتجدّدت الفِتَنُ، ووقع القتال بين أهل الكَرْخ والسُّنّة، واستمرّ ذلك، وقُتِل جماعة، وسببُ ذلك انخراق الهيبة وقلة الأعوان. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة
ندب أبو محمد ابن النّسويّ لضبط بغداد، واجتمع العامة من الشيعة والسُنة على كلمةٍ واحدة، على أنه متى ولي ابن النسويّ أحرقوا أسواقهم ونزحوا عن البلد، ووقع الصلح بين السُّنة والشيعة، وصار أهل الكرخ إلى نهر القلائين فصلّوا فيه، وخرجوا كلهم إلى الزيارة بالمشاهد، وصار أهل الكرخ يترحّمون على الصحابة في الكرخ، وهذا أمر لم يتفق مثله. وفي ليلة الجمعة ثاني رمضان وقعت صاعقة بالحِلّة على خيمةٍ لبعض العرب كان فيها رجلان، فأُحرِقت نصف الخيمة ورأس أحد الرّجُلين، وقدّت نصف بدنه، وبقي نصفه الْآخر، وسقط الْآخر مغشيًّا عليه ما أفاق إِلَّا بعد يومين. ورخص السعر ببغداد حتّى أبيع كُرّ الحنطة بسبعة دنانير. وفيها سار الملك ألْبُ رسلان السلجوقي من مرو وقصد فارس في المفازة، فلم يعلم أحد ولا عمّه طغرلبك، فوصل إلى فسا واستولى عليها، وقتل من جندها الديلم نحو الْألف وطائفة من العامّة، ونهب وأسر وفتك، وعاد إلى مرو مسرعا. واستهل ذو الحجة فتهيّأ أهل بغداد السُّنة والشّيعة لزيارة مشهد الحسين وأظهروا الزينة والفرح، وخرجوا بالبوقات ومعهم الأتراك. وفيها نازل طغرلبك أصبهان، وحاصر ابن علاء الدولة نحو السّنة، وقاسى العامة شدائد، ثم أخذها صُلحًا وأحسن إلى أميرها، وأقطعه يزد وأبرقوه، وأقطع أجنادها في بلاد الجبل، وسكن أصبهان. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة.
حاصر محمود ابن شبل الدَّولة الكِلابيّ حلب، ثم رحل عنها. ثم حاصرها، فافتتح البلد عَنْوَةً، وامتنعت القلعة. وأُرسِل من بها إلى المُستَنْصِر باللَّه، فندب للكشف عنها ناصر الدّولة أبا عليّ الحُسين بن حمدان. فسار بعسكر من دمشق، فنزح عن حلب محمود، ودخلها ابن حمدان بعسكره فنهبوها. ثم التقى الفريقان بظاهر حلب، فانهزم ابن حمدان، وتملَّك محمود حلب ثانيا، واستقام أمره، وقَتَلَ عمَّه معزَّ الدَّوْلَة، وتُعرَف بوقعة الفنيدق. -[9]- وفيها مات أبو محمد ابن النَّسويّ صاحب شرطة بغداد عن نيِّفٍ وثمانين سنة. وفيها حاصر عطيَّة بن صالح بن مِرداس الكلابيّ الرَّحبة، وضيَّق عليهم فتملّكها. وفيها توفِّيت قطر النَّدى أمُّ القائِم بأمر اللَّه، وقيل: اسمها بدر الدُّجى، وقيل: عَلَم؛ وهي أرمنية الْجِنس، ماتت في عَشْر التّسعين. وفيها ولي دمشق تمام الدّولة سُبُكْتِكِين التُّركيّ للمُسْتَنِصر، فمات بها بعد ثلاثة أشهر ونِصف بدمشق. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة اثنتين وستين وأربعمائة.
فيها أقبل صاحب القسطنطينية - لعنه الله - في عسكرٍ كبير إلى أن نزل على مَنْبج، فاستباحها قْتلًا وأسْرًا، وهرب من بين يديه عسكر قِنسرين والعرب، ورجع الملعون لشدّة الغلاء على جيشه، حتى أبيع فيهم رِطل الخبز بدينار. وفيها سار بدر أمير الجيوش فحاصر صور، وكان قد تغلَّب عليها القاضي عين الدّولة ابن أبي عَقِيل، فسار لنجدته من دمشق الأمير قرلوا في ستة آلاف، فحصر صيدا، وهي لأمير الجيوش، فترحّل بدر، فردّ العسكر النَّجدة، ثمّ عاد بدر فحاصر صور بَرًا وبحرًا سنةً، فلم يقدر عليها، فرحل عنها. وفيها ورد رسول أمير مكة محمد بن أبي هاشم وولد أمير مكة على السلطان ألْب أرسلان بأنّه أقام الخطبة العبّاسيّة، وقطع خطبة المستنصر المصريّ، وتركّ الأذان بحيِّ على خير العمل، فأعطاه السلطان ثلاثين ألف دينار وخِلْعًا، وقال: إذا فعل مُهَنّا أمير المدينة كذلك أعطيناه عشرين ألف دينار. وسببُ ذلك ذِلّة المصريين بالقحْط المُفْرِط، واشتغالهم بأنفسهم حتى أكل بعضهم بعضًا، وتشتتوا في البلاد، وكاد الخراب يستولي على سائر الإقليم، حتى أبيع الكلبُ بخمسة دنانير، والهِرّ بثلاثة دنانير. وبلغ الإِرْدبّ مائة دينار. وورد التجارُ ومعهم ثياب صاحب مصر وآلاته نُهبت وأبيعت من الجوع. وقد كان فيها أشياء نُهبت من دار الخلافة ببغداد وقت القبض على الطائع لله ووقت فتنة البساسيري. وخرج من خزائنهم ثمانون ألف قطعة بِلَّور، وخمسة وسبعون ألف قطعة من الديباج القديم، وأحد عشر ألف كزاغند، وعشرون ألف سيف مُحلَّى، هكذا نقله ابن الأثير. قال صاحب " مرآة الزمان " - والعُهده عليه: خَرجت امرأة من القاهرة -[141]- وبيدها مُدّ جوهر، فقالت: مَن يأخذه بِمُدّ بُرٍّ؟ فلم يلتفت إليها أحدٌ، فألقته في الطريق، وقالت: هذا ما نفعني وقت الحاجة، ما أريده، فلم يلتفت أحدٌ إليه. وقال ابن الفضل يهنئ القائم بأمر الله بقصيدة: وقد علم المصريُّ أن جُنُوده ... سِنُو يوسفٍ فيها وطاعونُ عَمَوَاسِ أقامتْ به حتى استراب بنفسه ... وأوجَس منها خيفةً أيَّ إِيجاسِ |