أما من يريد أن يعيش الحياة لمجرد الحياة، وأن يحي بلا مبدأ، وأن يموت بلا هدف، فهو لا يعدو أن يكون كائنًا حيًا من الكائنات على هذه الأرض، {ولتجدنهم أحرص الناس على حياة} ، أية حياة! ولو كانت حياة الذل!! حياة الهوان!! حياة الاستكانة والخضوع!!
أما أنت فقد رفضت إلا أن تكون عزيزًا والعزيز يصارع الأهوال ويركب الصعاب لتحقيق عزته ... ولو لم يكن إلا الموت ثمنًا لتلك العزة فإنه لن يتردد أن يتجرع كأسه ولسان حاله ومقاله يردد:
أتحسب المجد تمرًا أنت آكله؟! لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
أخي الأسير"الحر":
إن قيودك هي المفاتيح التي فكت أغلال أمة بأكملها، فعرفت الأمة كلها أن هناك رجالًا يفنون أغلى لحظات أعمارهم في سبيل عزتها، ويحرقون أوراق أعمارهم ليضيئوا طريقها، ويخنقون حريتهم لتتنفس وتشتم عبق حريتها.
رجالًا آثروا قيود الحديد على قيود الحرير ما دام في الأخرى الرضا على الذل، والسكوت عن الحق، وغض الطرف عن الظلم، والتسليم لحكم الطاغوت، والقعود عن محاربة من اعتدى على ديننا وعقيدتنا وأعراضنا ومقدساتنا.
رجالًا يرون المحنة منحة، والسجن خلوة، والنفي من البلاد سياحة، والقتل في سبيل الله شهادة يرون ذلك حقيقة لا خيالًا، وواقعًا لا تنظيرًا، وعملًا لا قولًا، وممارسة لا ادعاءً.
أخي الأسير"الحر":
إن الله إذا أحب عبده أصاب منه وابتلاه، ومن نحن حتى ينظر الله إلينا فيصب منا؟! فيكون منا الطريد ... ومنا الشريد ... ومنا الخائف ... ومنا الأسير ... ومنا الكسير ... ومنا ... ومنا ... إن هذا محض فضله عز وجل، قال تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وألئك هم المهتدون} .
وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه) .