الصفحة 50 من 130

ومتمثّلة كذلك في اليقين المنافي للشك، والإخلاص المنافي للشرك، والصدق المنافي للكذب، والقبول المنافي للرد، والانقياد المنافي للترك، والمحبة المنافية للبغض.

وهنا تبرُزُ حقيقة (لا إله إلا الله) فلا استنصار إلا بالله، ولا توكُّل إلا على الله، ولا رغبة ولا رهبة ولا خوف ولا رجاء إلا بالله، ومن الله.

أحبابي الكرام، إن التوحيد الخالص هو أفضل طُلْبة، وأعظمُ رغبة، وأشرف نسبة، وأسمى رتبة، وهو وسيلة كل نجاح، وشفيع كل فلاح، يُصَيِّر الحقير شريفًا، والوضيع رفيعًا، يُطَوِّل القصير، ويُقدِّم الأخير، ويُعلي النازل، ويُشهِر الخامل.

وما شُيِّد ملكٌ عتيد إلا على دعائمه، ولا زال إلا على طُمُوسِه، ما عَزّت دولة إلا بانتشاره، ولا زالت إلا باندثاره.

واعلموا -أحبابي الكرام- إن من أعظم الشرور والنكبات التي أصابت أمة الإسلام وأشدّ البلايا التي حَلّت بها؛ كانت بسبب ضعف التوحيد في النفوس، وما تسلّط من تسلّط من الأعداء، وتَعجْرف من تَعجْرف، وغَارَ من غَارَ على حياض المسلمين واستأصل شأفتهم واستباح حرماتهم وأيّمَ نساءهم ويَتَّم أطفالهم؛ إلا بسبب ضعف التوحيد!

أيها المسلمون، يعيش المسلمون في زمان هَرِمٌ خَيرُه، شبابٌ شَرُّه، نائمٌ رَشادُه، صاحٍ فسادُه، قليلٌ مُنصِفُه، كثيرٌ مُتعسّفه، أَفَلَت فيه شمس التوحيد ونجمُه، ودجى فيه ظلام الشرك وظُلْمه، فتقدَّم مُتأخِّرُه، وتأخر مُتقَدِّمه، تلاعَبَت بأهلهِ الأهواء، ومَزَّقت جماعتهم النِحَل والآراء.

ركبَ كلٌّ منهم هواه، وكافح عما يحبه ويرضاه، فاتخذ بذلك إلهه هواه.

قصّر فئامٌ من الناس مع التوحيد فصادموا المنقول وخالفوا المعقول، فاخر ضُلاَّلهم بما يُبرِزون من الضلال، ويُبدعون من الزيغ، صار الشجاعُ العاقل هو المجاهرُ بالغرائب والمصائب! والأديب المُلهم هو الداعي إلى البِدَع المُضِلَّة!

فعَظُم الويل، واتسع الخَرْق، واغتَلم الداء، وأَعْوز الدواء، فهل نعي من دروس الحج هذا الدرس العظيم؟ ويكون التوحيد شعارنا في كل حين، ونبرأُ من الطواغيت ونكفر في كل الأنداد؟

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت