الصفحة 8 من 18

سنتطرق في هذا العنصر إلى تجربتين آسويتين رائدتين في مجال تنمية الموارد البشرية ألا وهما: (8) التجربة اليابانية والتجربة الماليزية.

أ النموذج الياباني: إن اليابان الذي خرج محطما بعد الحرب العالمية الثانية، بعد عشرين سنة زعزع العالم الغربي وبدأ يدخل عليه الحزن بفعل توغله إلى حماه وساحاته تجاريا واستثماريا، رغم عزلة اليابان وافتقارها للموارد الطبيعية والطاقة والغذاء، إلا أنها أفتكت مرتبة مشرفة عالميا الثانية أو الثالثة حسب الإحصائيات.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، ما هو الخليط السحري الذي تمتلكه اليابان والذي يفسر هذه المتناقضة؟

عند الغوص في عمق التجربة اليابانية نلاحظ كيف يوفق بين المتناقضات: تقاليد-حداثة، الهدوء-العنف. وفي قلب كل محاولة لفهم الحقيقة اليابانية نجد الإشارة إلى الخصوصية الاجتماعية-الثقافية التي تجعل منه حالة خاصة وأصيلة: التكوين الثقافي، تاريخه، تقاليده، لغته، نظامه القيمي ... التي تشكل قاعدة سلوكه وتصرفاته الاقتصادية. هذه الخصوصية التي تجد الرعاية والصيانة والتحسين، لضمان بقائه وأمنه الوجودي، هذه المفارقة ناتجة عن تصميم المؤسسة اليابانية كجماعة إنسانية تقدس العمل الجماعي وتصنف العمال كشركاء.

تذكرنا المؤسسة اليابانية أن الأهداف الحقيقة لأي مؤسسة هي أهداف نوعية، والدولة بصفتها مؤسسة المؤسسات التي ينتظم فيها المجتمع، أولى بتبني هذه الحقيقة بدلا من إعطاء الأولوية للأهداف المادية الظرفية العاجلة، إذ نجد هذه الإيديولوجيات مجسدة في شعارات:"نشتري دائما سلع يابانية"،"توافق وصرامة"،"وحدتنا العائلة الكبيرة"وغيرها.

هذه الإيديولوجية تولد سلوكات وتنتج قيم وتطورها، وتترجم هذه البهجة والاعتزاز الوطني في الواقع من خلال دور الأفراد الهيئات والحكومة، تترجم في نموذج وبيئة"سوسيو- ثقافية"تزيد من عقلانية اليابانيين وتمكنهم من التفريق بين المظاهر والحقائق والتوافق الكبير بين المنتجين والعمال والمستهلكين، تدفع العامل إلى إتقان عمله، والنقابة إلى المساهمة في جودة النتائج، والمستهلكين للوفاء للعلامة اليابانية ولو بسعر أعلى من السلع المستوردة ... وهذا التوافق والتناغم في محله، فنجد مثلا شدة المنافسة بين المتعاملين والمستثمرين. ويبقى ذلك دائما في إطار من التوافق والتآزر، والذي تمثله الدولة من خلال هيئاتها، مثل السفارات ووزارة الصناعة والتجارة الخارجية التي زعزعت أوروبا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت