الاقتصادي لا يعنى الاكتفاء الذاتي بأى حال ولكنه يعنى تحقيق توازن في العلاقات الاقتصادية الخارجية لبلدنا في ظل ظروف تنمية النشاط الإنتاجي الداخلي بعيدا عن التأثير المتولد عن ضغط المصالح الاقتصادية للقوى الأجنبية غربية كانت أو شرقية، ويلاحظ أن هدف تصفية التبعية لا يتحقق إلاعن طريق الاستقلال الاقتصادي ولابد من استراتيجية: القاعدة الأولى تتمثل في عملية تحويل تدريجى للمواد الاقتصادية المستخدمة في الأنشطة الأولية التقليدية أو لبعض الأنشطة الصناعية التقليدية إلى أنشطة اقتصادية جديدة تخدم أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية داخل كل بلد إسلامي وفقا للنهج الإسلامى، ووفقا لهذا يفضل الاستثمار أولا في مجال إشباع الحاجات الأساسية لعامة الناس مثل إنتاج السلع الغذائية الضرورية والكساء الشعبي وإقامة المساكن الشعبية ومحو الأمية عن طريق دعم التعليم الابتدائي والإنفاق على تدريب وتوجيه القوى العاملة حتى تأخذ دورها الفعال في البناء الاقتصادي الجديد. ويتضمن المنهج الإسلامى الاستثمار في المرحلة الأولى أيضا البدء في بناء شبكات المياه النقية والكهرباء، والصرف الصحى وإنشاء الطرق المعبدة وشق الترع والمصارف حيث تمثل هذه جميعا البنية الأساسية وهى من الضروريات التى لا غنى عنها لحياة الأفراد والنشاط الاقتصادي عموما، وبينما أن البدء في بناء البنية الأساسية ضرورة أساسية في المرحلة الأولى إلا أن استكمالها وتنميتها يمكن آن يتم فيما بعد ذلك حيث أن هذا يدخل فيما يسمى بالحاجيات أو الضرورات التكميلية.
ولا شك أن التحول عن السلع الأولية التقليدية وما يتسبب فيه من انخفاض الكميات المنتجة منها والمصدرة سوف يؤثر على مكتسبات النقد الأجنبي في بداية الأمر حيث يحتمل أن تظل أسعار السلع على ما هى عليه ولكن في الفترة الطويلة نتوقع أن يؤدى استمرار نقص الكميات المنتجة والمصدرة من السلع التقليدية من البلدان الإسلامية إلى رفع أسعارها العالمية، ومع التسليم بانخفاض مرونة الطلب على الكثير من هذه السلع فإن إيرادات النقد الأجنبي المتوقعة سوف تزداد في هذه الظروف، ومن ناحية أخري فإن إنتاج السلع الغذائية الضرورية وتصنيع بعض السلع الاستهلاكية الشعبية داخل كل بلد من البلدان الإسلامية سيؤدى إلى توفير نسبة هامه من مدفوعات النقد الأجنبى التى كانت مخصصة من قبل لاستيراد البدائل الأجنبيه، أما القاعدة الثانية فتتمثل في ضغط الإنفاق الاستهلاكي الضروري أو الكمالي إلى أدنى الحدود الممكنة، وهذه القاعدة تقوم على أسانيد قوية في القرأن الكريم والسنة المطهرة والتجربة الإسلامية في العصر الأول.
إن هذه النتيجة وما توصلنا إليه من قبل بالنسبة للوفر أو الزيادة في إيرادات النقد الأجنبى يعنى أن برنامج تصفية التبعية ووضع أسس الاستقلال الاقتصادي سيكون غالبا ذاتي التمويل في خلال المرحلة الأولى، وبالنسبة للقاعدة الثالثة فإنها تتم في تشجيع قيام المصارف وشركات التمويل والاستثمار الإسلامية إلى تنمية الأنشطة الحديثة التى ترسى قاعدة الاستقلال الاقتصادي وتدفع الاستعمار بقوة الاستثمارات الضخمة التى قامت بها شركة غربية في مجالات النشاط الأولى كما أن المصارف الربوية التى قامت في البلدان الإسلامية في عصر الاستعمار كانت (مع استثناءات نادرة) فروعا لمصارف أوروبية وكانت مهمتها الأساسية تسهيل عمليات التمويل للمستثمرين الأجانب ثم تحويل أرباحهم من الاستثمارات إلى بلدانهم. ومن ناحية أخرى قامت البنوك الربوية بتسهيل عمليات تصدير السلع الأولية من بلداننا واستيراد سلع استهلاكية مصنوعه من الغرب، ولذلك فإن تصفية التبعية الاقتصادية وتحقيق الاستقلال الاقتصادى يستلزم انعكاس الاتجاهات السالفة الذكر ونؤكد على قيام المؤسسات المصرفية والاستثمارية الإسلامية التى تخدم الأهداف الاقتصادية الاستقلالية للمجتمعات الإسلامية.
وننتقل الآن إلى بحث المرحلة الثانية في اتجاه تحقيق التكامل بين البلدان الإسلامية.