وبمثل ذلك قال ابن كثير في بيان معنى قوله تعالى (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقومٍ يوقنون) [1] فقال رحمه الله(ينكر تعالى على من خرج عن حكم
الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات بما يضعونها بآرائهم وأهوائهم وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية .... فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير) [2] .
بل ينقل شيخ الإسلام ابن تيمية اتفاق أهل العلم على كفرمن استبدل الشرع الحنيف بغيره فيقول (والإنسان متى حلّل الحرام المجمع عليه أو حرم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافرا مرتدا باتفاق الفقهاء) [3] . وفي موضع ٍ آخر من الفتاوى يوضّح أن تبديل الشّرع لا يكون بالتكذيب فقط، بل المعاداة وردّ الدين كفرٌ ايضًا حتى وإن زعم صاحبه الإيمان والتّصديق، فيقول (والكفر لا يختص بالتكذيب، بل لو قال أنا أعلم أنك صادق لكن لا أتبعك بل أعاديك وأبغضك وأخالفك ولا أوافقك لكان كفره أعظم) [4]
وعليه، فإن الحكم بالشريعة للحاكم والاحتكام للشرع للمحكوم أصلٌ عظيم ٌ من أصول الدّين لا يسع المسلم الانفكاك عنه فوق كل أرض ٍ وتحت كل سماءٍ، لا يصحّ إيمانه بغيره إلا بعارض ٍ معتبر ٍشرعًا كالإكراه والجهل والتأويل، وبشروطٍ ينبغي توافرها في كل عارض، وقد ذكرها أهل العلم تفصيلًا ممّا لا يتّسع المقام لبسطه.
يكاد الإجماع ينعقد على مشروعية التحكيم وإباحته في الجملة من كثرة النّقول الواردة في كتب المذاهب المتبوعة الدّالّة على ذلك، ومن اعترض من أهل العلم فاعتراضه ليس على أصل مشروعية التحكيم وإنما على ما ينبغي تحقّقه من الضوابط لإباحة التحكيم كاشتراط أهلية الحكم وعدم وجود قاض ٍبالبلد خشية منافسة التحكيم للقضاء.
قال النّووي رحمه الله شارحًا لحديث نزول بني قريظة على حكم سعد بن معاذ ومقرّرًا الإجماع الآنف ذكره (فيه جواز التحكيم في أمور المسلمين وفي مهماتهم العظام، وقد أجمع العلماء عليه ولم يخالف فيه إلا الخوارج، فإنهم أنكروا على عليّ التحكيم وأقام الحجة عليهم وإذا حكم بشيء لزم حكمه ولا يجوز للإمام ولا لهم الرجوع عنه ولهم الرجوع قبل الحكم) [5]
(1) سورة المائدة، آية 50
(2) 25 تفسير القرآن العظيم، ج 2 ص 68 اسم المؤلف: إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي أبو الفداء الوفاة: 774، دار النشر: دار الفكر - بيروت - 1401
(3) 26 فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ج 3 ص 267، اسم المؤلف: أحمد عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس الوفاة: 728، دار النشر: مكتبة ابن تيمية، الطبعة: الثانية، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي
(4) مجموع فتاوى ابن تيمية، المرجع السابق: ج 7 ص 292
(5) 28 صحيح مسلم بشرح النووي، باب جواز قتال من نقض العهد، ج 12 ص 92 اسم المؤلف: أبو زكريا يحيى بن شرف النووي،
الوفاة: 676، دار النشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية عام 1392 هـ