بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا ً عبده ورسوله، أما بعد:
فإن موضوع التحكيم خارج ديار الإسلام مما تمسّ الحاجة إلى إمعان النّظر فيه وتجليته للخلق وبيان أصوله وفروعه، فهو أمر ٌ شديد التعلّق بعقيدة المسلمين ابتداء ً فوق كل أرض ٍ وتحت كل سماء، فوجوب الحكم بالشريعة ممّا عُلم من الدّين بالضرورة، وجحود الشريعة وإنكارها جملة ً كفر ٌ وردّة، وتزداد الحاجة إلى بيان أحكامه خارج ديار الإسلام لعدم إحاطة كثير ٍمن النّاس بهذه الأحكام، أولعدم إدراك بعضهم لأهمية الأمر وكونه جزءا ً لا يتجزأ من الدين والهويّة الإسلامية في الغرب.
إنّ الناظر في أحوال المسلمين في الولايات المتّحدة-مثلا ً- لا يحتاج لكثير بحثٍ حتى يدرك مقدار العبء الملقى على كاهل المسلمين عموما ً، وعلى أهل العلم منهم خصوصا ً لوضع أمر التحكيم في موضعه الصحيح، فنسبة المحتكمين للشرع وأهله إلى غير المحتكمين نسبة ٌ ضئيلة ٌ، وسواءٌ أكان ذلك في قضايا البيوع والمعاملات والعلاقات التجارية، أوكان ذلك في قضايا الأحوال الشخصية من زواج ٍ وطلاق ٍ ونفقةٍ وعدّة ٍ وحضانةٍ وميراث، أو حتى في الخلافات الشخصيّة والمشاجرات.
ولقد كان لآحاد العلماء و للمجامع الفقهية المعاصرة قدم السّبق في هذا المضمار، فلقد ألقيت محاضرات ٌ وعقدت ندوات ٌ ولقاءات ٌ، وانعقدت مؤتمرات ٌ بأكملها لمناقشة هذا الأمر والتأصيل له فكرا ً وتطبيقا ً، بل وقامت بعض المحاولات العملية لإنشاء المحاكم الإسلامية ولجان التحكيم والإصلاح بين الناس في الولايات المتّحدة، وكُتب لبعضها النجاح فوقفت على ثغرة ٍ من ثغور الإسلام في هذه البلاد، وحفظت على المسلمين دينهم وهويّتهم في هذا الجانب، وجنّبتهم الاحتكام إلى القوانين الوضعية، فجزى الله كلّ من أسهم في هذا العمل الجليل خير الجزاء.