اتّفقت كلمة الجمهور- في الجملة - أنّه لا يجوز التحكيم فيما كان من حقوق الله تعالى كالحدود، ولا في القصاص، ولا فيما لا سلطة للمحكّم عليه كحقوق غير الخصوم كاللعان إذ فيه إثباتٌ أو نفيٌ لنسب الولد مع أنه ليس طرفًا في النّزاع، ولا فيما يختصّ به القضاء لأنّه من الأحكام السلطانيّة - على خلافٍ بينهم فيما يختصّ به القضاء- وخالف الحنابلة في قول ٍ منسوب ٍ للإمام أحمد- رحمه الله - فأجازوا للمحكّم ما يجوز للقاضي.
وما سبق هو حكم ٌ إجماليّ فقط، وإلا فبين المذاهب- بل داخل المذهب الواحد- من الخلافات والتفصيلات فيما يشمله التحكيم ما يحتاج إلى بحثٍ مستقل.
وقد وضع فقهاء المذاهب المتبوعة ضوابط لما يجوز فيه التحكيم ومثّلوا لذلك، وفيما يلي مثال ٌ واحد ٌ من كل مذهب:
قال النابلسيّ -رحمه الله- من الحنفية (وَيَصِحُّ التَّحْكِيمُ فِيمَا يَمْلِكَانِ فِعْلَ ذَلِكَ بِأَنْفُسِهِمَا وَهُوَ حُقُوقُ الْعِبَادِ، وَلَا يَصِحُّ فِيمَا لَا يَمْلِكَانِ وَهُوَ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى) [1]
ثم استطرد مفصّلًا فقال(حَتَّى يَجُوزَ التَّحْكِيمُ فِي الْأَمْوَالِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالنِّكَاحِ وَالْقِصَاصِ وَتَضْمِينِ السَّرِقَةِ، وَلَا يَجُوزُ فِي حَدِّ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ؛ لِأَنَّ التَّحْكِيمَ تَفْوِيضٌ وَالتَّفْوِيضُ يَصِحُّ بِمَا يَمْلِكُ الْمُفَوِّضُ فِيهِ بِنَفْسِهِ وَلَا يَصِحُّ فِيمَا لَا يَمْلِكُ كَالتَّوْكِيل.
وَذَكَرَ الْخَصَّافُ: وَلَا يَجُوزُ حُكْمُ الْمُحَكَّمِ فِي حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمُحَكَّمِ بِمَنْزِلَةِ الصُّلْحِ، فَكُلُّ مَا يَجُوزُ اسْتِحْقَاقُهُ بِالصُّلْحِ يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِيهِ، وَمَا لَا فَلَا، وَحَدُّ الْقَذْفِ وَالْقِصَاصِ لَا يَجُوزُ اسْتِيفَاؤُهُمَا بِالصُّلْحِ وَبِعَقْدٍ مَا فَلَا يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِيهِمَا.
وَذُكِرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِي الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ التَّحْكِيمَ تَفْوِيضٌ وَتَوْلِيَةٌ فِي حَقِّهِمَا) [2] ويظهر الخلاف داخل المذهب حول جواز التحكيم في القصاص.
وقال محمد عليش -رحمه الله- من المالكية (إنما يجوز التحكيم فيما يصح لأحدهما ترك حقه فيه) [3]
ثمّ شرح ما سبق فنقل عن أئمّة المذهب وسمّاهم (اللخمي وغيره إنما يصح في الأموال وما في معناها لا يجوز التحكيم في حدٍ لقذف أو زنا أو سرقة أو سكر و لا في
(1) 54 معين الحكام، ج 1 ص 86 اسم المؤلف: علي بن خليل الطرابلسي، أبو الحسن، علاء الدين، الوفاة: 844،بدون دار النشر أو رقم الطبعة.
(2) 55 معين الحكام: المرجع السابق والصفحة
(3) 56 منح الجليل شرح على مختصر خليل، ج 8 ص 284، 285، مرجع سابق.