ونجد آية أخرى تجعل كفر النعمة سببا في فقدان الأمن الاجتماعي وهي قوله تعالى: {وضرب الله مثلا قرية كانت ءامنة مطمئنة ياتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون} [1] . وهذه الأمثلة دليل على أن الآيات التي تتحدث عن العقيدة تصلح لأن تكون مظنة للسنن الكونية وتصلح أيضا أن تكون مظنة للسنن الاجتماعية من باب أولى.
إن استخراج مفردات هذا الجانب السنني من آيات العقيدة كفيل بأن يمدنا بقوانين نرسم من خلالها تطور الواقع الاجتماعي لكثير من الحضارات، خاصة إذا علمنا أن العقيدة الدينية قد رافقت دائما تركيب الحضارة عبر التاريخ. وإذا اتضح صدق الاعتبارات التي ربطنا على أساسها بين العقيدة وحركية الواقع الاجتماعي ربطا سننيا صار بالإمكان أن نرسم بطريقة ما مجال تطور حركية ذلك الواقع كاطراد نعرف قانونه. [2] واستخراج هذه السنن مطلب لن يتحقق إلا بدراسة العلاقة التي تربط بين البعد العقدي والإيماني وبين الإنجاز الحضاري من خلال ما صوره القرآن، ومن الواضح أن هذا أمر يحتاج إلى مزيد من النظر والتأمل.
ج. القصص الوارد في القرآن، وقد لايبدو في إلحاقه بالمظان أي أمر جديد خاصة وأن الرجوع إلى القصة في هذا المجال أمر معتبر وبديهي لا نزاع فيه بين الدارسين. [3] إلا أن الذي ينبغي التنبيه إليه بهذا الصدد هو ضرورة توسيع دائرة
(1) سورة النحل، الآية 112. والأمثلة غير هذه كثير منها مثلا ربطه تعالى بين الإيمان والصبر وبين تجاوز المحن في قوله:"ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الاموال والانفس والثمرات وبشر الصابرين" [سورة البقرة، الآية 155] .
(2) لمزيد من التفصيل حول علاقة العقيدة بالجانب الحضاري أنظر: سليمان الخطيب، فلسفة الحضارة عند مالك بن نبي: دراسة إسلامية في ضوء الواقع المعاصر، ص 130 وما بعدها. ومحمد حسين فضل الله، الإسلام ومنطق القوة، ص 260 - 262. وممن أشار إلى العلاقة السببية التي تربط العقيدة بالأوضاع الاجتماعية إشارة تكاد تطابق ما نحن بصدده الشيخ الطاهر بن عاشور حيث قال:"لم يزل علماء الاجتماع يعدون من أكبر أسباب النهوض والسقوط حالة الدين والعقيدة، والقرآن قد شهد بذلك ونبه إليه من قبل فقد وجدت شاهدين لذلك فيه: أولهما"وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين، وصدها ما كانت تعبد من دون الله" [سورة النمل، من الآيتين 42 و 43] . أي صدها عن حصول العلم النافع عبادتها الشمس فكانت بذلك الاعتقاد منصرفة عن الكمال العلمي والرشد الفكري واستكمال الحضارة الصحيحة. وثانيهما قوله تعالى:"فما أغنت عنهم ءالهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء امر ربك وما زادهم غير تتبيب" [سورة هود، من الآية 101] . فجعل لحال اعتقادهم أثرا في زيادة هلاكهم أي التسبب فيه وليس ذلك من فعل الآلهة إذ الآلهة لا تصدر منها أفعال تنفع أو تضر، وإنما الذي يضر هو التعاليم المؤثرة في نفوس أتباعهم من الاعتماد على أوهام باطلة لا تلائم نظم العمران في هذا العالم فلا تلبث تعاليمها أن تصادم ما تقتضيه نواميس العمران الحقة فيجيء الهلاك سريعا". [محمد الطاهربن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص 9] .
(3) يقول الدكتور عبد الحليم عويس في إطار حديثه عن أهمية القصص القرآني إنه"يشكل بالنسبة لنا تجربة تاريخية غنية، ومختبرا لنفاذ السنن واطرادها، ومصدرا مهما لعلم الاجتماع البشري، والقوانين التي تحكمه، ونتعامل مع نتائج وخلاصات يقينية، أشبه بنتائج التجارب في العلوم المادية، وأشبه بالمعادلات الصارمة الدقة في العلوم الرياضية والفيزيائية ( ... ) وأي مشروع نهضوي لا يأخذ هذه الأبعاد المتلازمة بعين الاعتبار، محكوم عليه بالفشل." [التأصيل الإسلامي لنظريات ابن خلدون، ص 21] . فلو لم تكن المعاني السننية التي تزخر بها قصص القرآن على هذه الدرجة من الأهمية والمصدرية لما أناط بها تلك الوظائف مجتمعة ولما جعل نجاح المشاريع النهضوية وقفا على الأخذ بها.