الصفحة 23 من 39

البحث في هذا الميدان بحيث لا يبقى النظر مقصورا على تقصي ما عقب به القرآن على قصص السابقين وأحوالهم فقط أو ما أشار إليه من مواطن الاتعاظ والعبرة. [1]

لقد بقيت الكثير من المعاني المستخلصة من القصص القرآني رهينة التصور الفني والتحليل الأدبي ولم تستثمر في إطار الدراسة الاجتماعية والنفسية للكائن البشري ولم تلحق بها. [2] إن الحديث عن إمكان انخراط الكثير من المعاني الواردة في القصص القرآني في نسيج السنن ليس نوعا من التمحل وإقحاما لمسائل خارجة عن الدائرة، وفي غير إطارها وميدانها، وإنما هو أمر تقتضيه الدراسة العميقة لهذه الآيات ويسهل أن يكشف عنه الدارس الذي يتوفر على كفاءة عالية تمكنه من الفهم المنهجي، أي تمكنه من تحليل الظواهر بحثا عن العلاقات والسنن الكامنة فيها وفيما وراءها ولا يكتفي فقط بوصفها والحديث عن ملابساتها، خاصة وأن القرآن الكريم في وحدته وبنائه الكلي قابل لهذا النوع من الفهم.

إن القرآن لم يأت بتلك المعاني إلا لأهميتها وللدلالة التي تحملها ولدورها الأساسي في تحريك أشخاص القصة وتوجيه أحداثها، ولعل البحث المنهجي فيها قد يقود وفق هذا المنظور إلى مضامين سننية عميقة لكن في إطار التصور العام للقرآن الكريم ومع عدم تحميل النص القرآني أكثر ما يمكن أن يحتمله من دلالات. ومثال ذلك ما يمكن استخلاصه من مواقف امرأة العزيز كما صورتها قصة يوسف عليه السلام. فمن خلال تفكيك الخطاب الوارد في القرآن بشأنها وبشأن افترائها وادعائها أن يوسف عليه السلام هو الذي راودها عن نفسها نفهم أن القرآن قصد

(1) وللقرآن طرق متعددة في ذلك، منها أن ينتزع أهم مظاهر العبرة من القصة ويصوغها بشكل خلاصة لها، ويضعها تمهيدا ومدخلا إليها كما هو الأمر في قصة أهل الكهف في قوله تعالى:"أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من ءاياتنا عجبا" [سورة الكهف، الآية 9] . ومنها أيضا أن يبدأ القصة بعبارات يكشف بها عن حكمة أحداثها وأسباب وقوعها تركيزا على العبرة منها كما جاء في قصة فرعون مع بني إسرائيل:"إن فرعون علا في الارض" [سورة القصص، من الآية 4] . لمزيد من التفصيل أنظر سيد قطب، التصوير الفني في القرآن، ص 155 وما بعدها، ونعيم الحمصي، فكرة إعجاز القرآن، ص 420 - 421.

(2) ممن أشار إلى نضوب هذه الدراسات محمد الغزالي حين قال:"المشكلة في النظر إلى القصص القرآني .. لقد انتقل من دراسة تاريخية لقيام الحضارات وانهيارها إلى دراسة روائية ليس فيها حس بسنن الله الكونية إطلاقا .. فوجدت أساطير، ووجدت الإسرائيليات مجالا واسعا عند القصاصين." [كيف نتعامل مع القرآن، ص 67] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت