إلى التنبيه على بعض خصائص الخطاب البشري وكيف أن هذا الخطاب لا يطابق بالضرورة بين الدوافع الحقيقية وبين المصرح به، كما نلاحظ أيضا أنه يقيم علاقة تلازمية بين السلطة التي تمارسها القوانين والأعراف الاجتماعية وبين إمكانيات النطق بالحقيقة؛ فهذه القوانين إذا مارست سلطتها وحكمها على الإنسان فإنها تقوده بسطوتها وقهريتها إلى تزييف الكلام وتمويه الحقائق، وبالتالي فهناك علاقة طردية تربط الضغط الاجتماعي بالانزياح الحاصل بين التصور والحدث.
وفي نفس السورة أيضا يمكن استشفاف العلاقة السببية التي ربطت أزمات ذلك المجتمع في حلقات متسلسلة فيما بينها؛ فهناك الفراغ الديني والضياع العقدي، وهناك التحلل الأخلاقي وسيطرة موضوع الجنس لا سيما في بيوت علية القوم، وهناك أزمة الفكر والقيادة التي ساهمت فيها الأزمات السابقة، وهناك في آخر المطاف نذير أزمة اقتصادية هي المآل الطبيعي لتظافر تلك العوامل.
وبالربط المنهجي بين هذه المعطيات مجتمعة نخلص إلى أن توفر هذه المقدمات يقود حتما إلى نفس النتائج ونفهم أن حصول هذه المسببات رهين بتعاطي تلك الأسباب، وهذا أمر لا يمكن أن نصل إليه ما لم نضفي على المعاني والمواقف الواردة في القصص القرآني - مهما كانت جزئية ودقيقة- بعدها الدلالي والرمزي الذي يسعف في استخراج هذه المعرفة. [1]
لابد إذن للباحث أن ينطلق من فكرة أساسية مفادها أن القرآن الكريم حين يسوق الأحداث والوقائع فإنه لا يقف بها عند جانبها المتناهي ذي العلاقة الضيقة بالظرفية التاريخية، وإنما يتجاوز ذلك إلى تقديم السنن المطردة والقوانين العامة التي تخضع لها العديد من الوقائع الممتدة عبر الزمن والتي تتحقق فيها نفس الأسباب وبالتالي نفس النتائج. ولابد لنظره أن ينصب أساسا على مضمون الواقعة وعلى الإشارات التي تناولتها القصة بخصوص الممارسة البشرية وما يرتبط بها من وصف للجانب النفسي أو الاجتماعي، وأن يركز على جوانب الطبيعة البشرية التي لا
(1) لمزيد من التفصيل أنظر: فاروق حمادة، الوراثة الصالحة للحضارة، ص 21 - 23، وحسن جابر، منهج التأويل وعلم الدلالة، ص 117 - 118، مجلة الحياة الطيبة، السنة الثالثة، العدد 8، شتاء 1422 هـ/ 2002 م.