الصفحة 26 من 39

4.بعد أن يستكمل الباحث جمع مادته فإنه يخضعها للدراسة، وكبداية لذلك لابد أن يقوم لأسباب علمية وموضوعية بعملية تصنيف لهذه المادة من خلال البحث عن الأفكار المحورية التي تنخرط في سلكها، والكشف عن ترابط البيانات القرآنية المتفرقة ووحدتها حيال الموضوع الواحد، ومن خلال التنسيق بينها وفق بنيتها وارتباطاتها بحيث يجمع في موطن واحد كل طائفة متشابهة في طبيعتها ونوعيتها. ويقوم الباحث أيضا بعزل كل موضوع على حدة وفرزه عن بقية المواضيع ليتمكن من إجراء الدراسة عليه. وتأتي أهمية هذه الخطوات المنهجية من كون الخروج بمعرفة دقيقة في هذا المجال يحتاج إلى تسطير أصول منهج متكامل للاستفادة التامة من هذه المادة الأولية، وتمكننا هذه الخطوات من الاننتقال في التعامل معها من مرحلة العرض والتجميع فحسب إلى محاولة بناء المفاهيم تمهيدا لاستخلاص القوانين التي تحكم الظواهر الاجتماعية.

5.في المرحلة الثانية -وبعد عملية الفرز السابقة الذكر- يتناول كل موضوع على حدة، ويتأمل آياته ويتفكر في مغزاها من أجل الكشف عن دلالتها الاجتماعية. يعمل الباحث أيضا على تحديد عدد من المتغيرات الأساسية داخل الموضوع الذي تم عزله، ويعمل كذلك على إعادة تفكيك وتحليل ما كثفه النص القرآني، ويقلب النظر فيما ولده هذا التفكيك ليرى مدى قدرته على الكشف عن العلاقة التي ركبت على أساسها المقدمات والنتائج، ومدى استطاعته تبيين الأصول العامة التي تنتظم الوقائع بنتائجها الحتمية. إن هذا العمل هو الذي يمكنه في النهاية من تحليل المضامين المتنوعة والمتشابكة لموضوع دراسته مقطعا مقطعا وفصلا فصلا. [1]

(1) وكنموذج لهذا العمل التفكيكي الذي يعد تمهيدا أساسيا لبناء المفاهيم، ما قام به مالك بن نبي في شأن آية من سورة البقرة حيث قال:"قد يشير [القرآن] من خلال رواية تتعلق بمسألة دينية إلى الفرق الفاصل بين الحقيقة وضدها. ففي حديث عن اليهود قال تعالى"وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيئين بغير الحق" [سورة البقرة، من الآية 61] . [الأحداث هنا واضحة] لكن الاستنباطات التي نستخلصها منها تثير انتباهنا فليس موضوع الكراهة واللعنة هنا سعيهم لقتل الأنبياء، بل إن فعلهم هذا لا يبرره أي دليل يقع تحت منطق القانون. إن المسألة التي تطرح هنا لاتمس عالم الأشخاص أي الأنبياء الذين تم قتلهم، وإنما تمس عالم المبادئ التي تم تحديها، والقوانين التي يتم إهانتها. إنها إذن مسألة تمس الأفكار." [مالك بن نبي، التوجهات الاستشراقية وأثرها في تشكيل الفكر الإسلامي، ص 70 مجلة المنعطف، العدد 18 - 19، سنة 1422 هـ/1992 م.]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت