الصفحة 27 من 39

من المفترض أن يصل الباحث في نهاية هذه المرحلة إلى بناء مجموعة من المفاهيم المفتاحية التي تمكنه من رؤية موضوعات الحقل الاجتماعي في صلته بالقضايا السننية. وتحديد هذه الموضوعات هو الذي يوفر وحدات التحليل التي يمكن الانطلاق على أساسها في اتجاه البحث والكشف عن بقية أجزاء النظام وطريقة ترابطه.

6.وقبل أن يسترسل الباحث في هذه الدراسة ويصوغ مفاهيمه صياغة نهائية ينتقل على أساسها إلى بناء إطاره النظري، لابد له من الوقوف عند محطة مهمة يستكمل من خلالها تصوره حول موضوع دراسته، وذلك بالرجوع إلى الأعمال التفسيرية السابقة له واستنطاق ما جاء فيها بخصوص هذا الموضوع عساه يستفيد من تجربتها ويوظف المعارف المودعة فيها لأن هذه الأعمال نفسها قد انصبت على دراسة آيات القرآن أيضا وتوخت الوصول إلى توضيح المعاني المرتبطة بها أو الكامنة وراءها، وفي التعامل معها استثمارٌ للتراكم المعرفي وعون للباحث على تتبع المتغيرات الدلالية التي قد تلحق بعض المعاني لأسباب تاريخية أو اجتماعية، وعون له أيضا على معرفة مدى إمكانية وجود حديث عن السنن يتمتع بقدر لا بأس به من النضج المفاهيمي بحيث يمكن التعويل عليه، أم أن واقع تلك الأعمال لا يسعف في ذلك.

إن أول سؤال يطرح نفسه بإلحاح في إطار تحديد هذه المفاهيم ومدى حضورها في أعمال المفسرين، يدور حول مدى حضور هذا الوعي السنني عند المفسر قديما. فإلى أي حد كان المفسر في العصور السابقة يتنبه إلى هذا الجانب السنني ويفسر آيات القرآن الكريم على وفقه؟ وهل كانت السنن بالنسبة إليه تتميز بنفس صرامة القوانين، أم أن حضورها كان على مستوى التسمية فقط؟ ومن ثم هل يمكن التعويل على ما جاء به والاستعانة به في مرحلة الصياغة المفاهيمية أم أنه لا يتوفر على المؤهلات التي تمكن من ذلك؟ [1]

(1) يأتي الاهتمام بدراسة هذه الأعمال لأن بإمكانها الإجابة عن أسئلة إشكالية جوهرية غير هذه التي نحن بصددها الآن، ومن ذلك أنها تمكننا من الوقوف على محطات مهمة من كرونولوجيا التفسير ومن معرفة ما إذا كان الحديث عن السنن وليد العصر أم هو حديث له أصوله وجذوره الضاربة في القدم. وتمكننا هذه الدراسة أيضا من التحقق من مدى واقعية وعموم الدعوى التي رفعها بعض الدارسين، والتي ترى أن الأعمال التفسيرية القديمة بقيت مقصورة على بيان قضايا علمية مكرورة نتيجة اشتغال المفسر بقضايا العلم النظرية وتفاصيلها الجزئية وعدم تفاعل عمله مع الواقع الاجتماعي الذي يعيش فيه، فانتفى بذلك البعد الواقعي والاجتماعي عن ذلك العمل. [راجع هذه الدعوى عند: زياد خليل محمد الدغامين، البعد الواقعي في العمل التفسيري، ص 75 - 76، مجلة التجديد، السنة الثانية، العدد الرابع، ربيع الثاني 1419 هـ/ أغسطس 1998 م.] وعلى هذا الأساس تم التركيز هنا على ذكر نموذج من هذه الأعمال القديمة لأنها موطن النزاع، على خلاف الأعمال التفسيرية في العصر الحديث لأن تناولها للبحث في السنن ظاهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت