مجموعة من المواصفات التي تقربها بشكل كبير من معنى القانون-ولربما تجعلها مطابقة له- فهي عنده"تتضمن أن يفعل في الثاني مثل ما فعل بنظيره الأول"، ولا يمكن للأمر أن يتم على هذا النحو ما لم تكن النظائر خاضعة لنفس القانون ومحكومة بنفس المبدئ. إن أهم ما نستخلصه من هذا التعريف الذي وضعه ابن تيمية أن تكرار نفس الشروط كفيل بإعطاء نفس النتائج، بمعنى أن ما حدث مرة قابل لأن يحدث مرارا إذا توفرت نفس الشروط، فالسنة ما هي إلا قانون يسري على حقائق من نفس النوع، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن ابن تيمية قد تنبه إلى الارتباط الحاصل بين السنة والاعتبار واستشهد على ذلك بعدد كبير من الآيات، وهو مؤشر مهم يبين لنا مدى نضج هذه الفكرة عند صاحبها، لأنها لو لم تكن قد اختمرت بما فيه الكفاية لما ظهرت بهذا المستوى الرفيع من الدقة.
ولا أدل على التقارب الحاصل عند ابن تيمية بين السنة والقانون-ولربما ترادفهما عنده- من كونه عبر عن السنة في مواطن كثيرة بمصطلح كلمات الله الذي سبقت الإشارة إليه عند دراسة مفهوم السنة، فهو يرى أن"الحوادث إنما تكون بمشيئة الله وقدرته، وقد كان النبى يستعيذ ويعوذ ويأمر بالاستعاذة بكلمات الله التامات التي لا يجاوزها بر ولا فاجر. فالكلمات التي بها كون الله الكائنات لا يخرج عنها بر ولا فاجر، فما من ملك ولا سلطان ولا مال ولا جمال ولا علم ولا حال ولا كشف ولا تصرف إلا وهو بمشيئته وقدرته وكلماته التامات." [1] وهذه الأوصاف كلها تنطبق على مفهوم السنن التي بثها الله في الوجود؛ فهي كذلك عامة شاملة لجميع البشر مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، كما أنها حاكمة على أحوالهم وتصرفاتهم وسائر أوضاعهم تماما كما هو الشأن مع هذه"الكلمات". وتأسيسا على ذلك، يكون المراد بكلمات الله عند ابن تيمية هو تلك السنن أو القوانين التي أقام الله الوجود على أساسها. ونفس المعنى الذي أعطاه ابن تيمية لـ'كلمات الله' هنا هو الذي أضفاه عليها في مواطن عديدة منها ما ذكره حين
(1) المصدر السابق، ج 2، ص 408.