فهرس الكتاب
ثم قال أبو عمرو الداني رحمه الله تعالى: «هذا يبين أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتجنبون في قراءتهم القطع على الكلام الذي يتصل بعضه ببعض، ويتعلق آخره بأوله، لأن ميمون بن مهران إنما حكى ذلك عنهم، إذ هو من كبار التابعين، وقد لقي جماعةً منهم» ـ [1] .
وقد أنكر مثل هذا عمر بن عبد العزيز (101 ه) - رحمه الله تعالى - على بعض القراء، فقد روي عنه أنه - رحمه الله تعالى - كان إذا دخل شهر رمضان قام أول ليلة من خلف الإمام يريد أن يشهد افتتاح القرءان، فإذا ختم أتاه أيضًا ليشهد ختمه، فقرأ الإمام {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} وركع، فعابه عُمر، وقال: قطعت قبل تمام القصة {ولَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ} [2] ؛ أي أنه قطع القراءة وركع قبل تمام المعنى.
المبحث الثاني: مراحل التجديد في هذا العلم
نشأة هذا الفن، وتطوره، وبداية ظهوره تدوينًا
المرحلة الاولى: عهد الصحابة الكرام-رضوان الله عليهم-
كان الصحابة - رضوان الله عليهم - يهتمون عند قراءة القرآن بمراعاة الوقف والابتداء، ويتناقلون مسائله مشافهةً، ويتعلمونه مع القراءة، وقد ذكرنا حديث ابن عمر أنهم كانوا يتعلمون ما ينبغي أن يُوقف عنده كما يُتعلم القرآن، وفي المنثور من أقوالهم ما يشير إلى هذا العلم إشارةً لا خفاء معها، فمن ذلك:
-ما رواه ابن جرير في تفسيره [3] والحاكم في المستدرك [4] وابن النحاس: «أنَّ علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -سُئِل عن قول الله عز وجل: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} . (النساء:141) ، وقد رأينا الكافر يقتل المؤمن، فقال: فقال علي رضي الله عنه: اُدنُه، اقرأ ما قبلها {فالله يحكم بينكم يوم القيامة، ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} يعني يوم القيامة، قال أبو جعفر النحاس: لما اتصل الكلام بما قبله تبين المعنى، وعرف المشكل. اهـ [5]
(1) الداني، المكتفى ص 136.
وقال أيضًا: فدل جميع ما ذكرناه على وجوب استعمال القطع على التمام، وتجنب القطع على القبيح، وحض على تعليم ذلك وعلى معرفته.
(2) الصفاقسي، تحقيق النيفر (د. ت) : تنبيه الغافلين، مصدر سابق، ص 129.
(3) تفسير ابن جرير الطبري: 9/ 327
(4) مستدرك الحاكم: 2/ 309
(5) النحاس، القطع: صـ 91