فهرس الكتاب
وبقي هذا العمل مسترسلًا جيلًا عن جيل إلى يومنا هذا، إلا أنه تقلص في بعض ديار الإسلام، وبقي وارف الظلال في بعضها، فكان القرأة يلقنون الآخذين عنهم المقاطع والمبادي، ويأخذونهم بالحزم في ذلك، فمن فرَّط من الدارسين أو تهاون حجبوا عنه الإجازة، ولم يأذنوا له بالتصدر والإقراء.
قال ابن الجزري: ومن هنا اشترط كثير من أئمة الخلف على المجيز أن لا يجيز أحدًا إلا بعد معرفته الوقف والابتداء. [1]
قال أبو جعفرٍ النحاس: وقد تأول بعضُ العلماء حديثَ جرير بن عبد الله البجلي -رضي الله عنه-: [بايعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على النصح لكل مسلم] [2] ، أنه ينبغي أن ينصح مَن علم القرآن، فيوقف الذي يعلمه على ما يحتاج إليه من القطع، وما ينبغي أن يستأنف به. [3]
وحقيقٌ على الشيخ وخليقٌ به أن يوقف الآخذ عنه في بادئ أمره على المقاطع والمبادي؛ حتى يشتدَّ عوده، وتصير له ملكة يميز بها الصواب من غيره، لئلا يصدر منه ما لا ينبغي. وإلا تهاون الناس ووقعوا في المحظور بسبب فساد اللسان، وإن لم يقعوا فيه فسيكون أحسن أحوالهم حينئذٍ أن تخفى عليهم معالم الجمال ومعاني الكمال في آي القرآن المجيد، ومن المعلوم أنَّ علم الوقف والابتداء له أجلُّ الأثر في حسن التلاوة وجمال القراءة وجودة الأداء.
استمر السلف الصالح من الصحابة والتابعين يتناقلون مسائل هذا العلم مشافهةً إلى أن جاء عصر التدوين، فبدأ العلماء بالتأليف فيه، شأنه شأن سائر العلوم، وأول من عُلم أنه ألف في الوقف والابتداء: شبيه بين نصاح المدني الكوفي (130 ه) ، قال ابن الجزري: «وهو أول من ألف في الوقوف» [4] ، ولم يصلنا كتابه"الوقوف" [5] ، لنعرف كيف كان منهج التأليف فيه، أو المادة التي كانت منطلقًا في هذا المضمار.
ومما يلفت الانتباه، أن كل من ألف في الوقف والابتداء كانوا من القراء والنحويين، وقلَّ أن نجد إمامًا في القراءة أو اللغة إلا وله مشاركة في التصنيف في هذا العلم، ونذكر من القراء الذين لهم مشاركة في هذا الفن: ضرار بن صرد المقرئ الكوفي (129 ه) ، وله كتاب الوقف والابتداء، ذكره ابن
(1) ابن الجزري، مراجعة الضباع (د. ت) : النشر في القراءات العشر، مصدر سابق، 1/ 225.
(2) رواه الشيخان.
(3) ابن النحاس، تحقيق المطرودي (1992 م) : القطع والائتناف، مصدر سابق، ص 15.
(4) ابن الجرزي، غاية النهاية، 1/ 330.
(5) سيزكين، تاريخ التراث العربي (مترجم) 1/ 10.