فهرس الكتاب
وعلى هذا فالأولى ألا يقطع على قوله {يوم القيامة} بل توصل بما بعدها ويكون القطع على: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا.} ، وهذه الآية يظهر معناها جليًا إذا وصلت بما قبلها [1] .
-ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضًا: في قوله {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون} قال: هذه مفصولة، ثم استأنف الكلام، فقال: {والشهداء عن ربهم لهم أجرهم ونورهم} .
واهتم به التابعون من بعدهم، وقد وردت عنهم آثار كثيرة، وعبارات وفيرة، تدل على اعتنائهم بمراعاة الوقف والابتداء، ويُستنط منها فوائد في التفسير، وإليك طرفًا من الأمثلة الواردة عنهم، الدالة على ضرورة الاعتناء بهذا العلم، تنبئ عن غيرها، وتشير إلى ما سواها، فمن ذلك:
-ما صح عن الشعبي (ت: 103 ه) أنه قال: إذا قرأت {كل من عليها فان} فلا تسكت حتى تقرأ: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} . أخرجه ابن أبي حاتم ـ [2]
-وروى عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كان يستحب أن يقف {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} ثم يبتدئ فيقول {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} [يس:52] . أراد أن يفرق بين كلام الكفار، وجواب الملائكة. ومن أجل هذا فإن حفصًا [3] الراوي عن عاصم يسكت هنا سكتةً لطيفةً.
قال أبو محمدٍ العَمَّانيُّ (توفي بعد:500 ه) : فهذه الآثار وغيرها تدل على أن للوقف في القراءة أصلٌ عند المتقدمين. [4]
المرحلة الثالثة: مرحلة القرآءالعشر وتلاميذهم
وبعد أن استقرت قواعد هذا الفن، ودونت مسائله، وأصلت أصوله، وامتاز عن غيره، برع فيه أقوامٌ توجهت إليه أنظارهم؛ فأولوه اهتمامهم، وصرفوا له عنايتهم، ومنحوه رعايتهم، وأفنوا فيه أعمارهم، وسعت فيه أقدامهم وأقلامهم.
(1) تفسير القرطبي: 5/ 419 والبحر لأبي حيان: 3/ 376 وتفسير ابن كثير: 2/ 437
(2) السيوطي (ت:911 ه) ، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (د. ت) : الدر المنثور في التفسير بالمأثور، بيروت، دار الفكر 7/ 698.
(3) حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي بالولاء، أبو عمر، ويعرف بحفيص: قارئ أهل الكوفة. نزل بغداد، وجاور بمكة. وكان أعلم أصحاب عاصم بقراءته، وهو ابن امرأته وربيبه، ومن طريقه قراءة أهل المشرق [الزركلي (2002 م) : الأعلام، 2/ 264] .
(4) العماني، تحقيق العبدلي (1423 ه) : المرشد في تهذيب الوقوف، مصدر سابق، ص 5.