الصفحة 16 من 32

وأقدم ما وصلنا من هذه الكتب: كتاب ابن سعدان، وابن الأنباري، وابن النحاس [1] .

ولم يكد ينتهي القرن الرابع الهجري إلا وقد صنف أعلامنا في الوقف والابتداء زهاء سبعين مصنفًا انتهت إلينا أسماؤها، وعُثِرَ على بعضها. [2]

وفي هذه الفترة بدأ العلماء باستخدام مصطلحات الوقف؛ كالتام والكافي والحسن والقبيح، وذكروها في كلامهم، وأكثروا من ذكرها. إلا أنها كانت في بادئ أمرها لم تكن قد انضبطت وعرف معناها على وجه التحديد بعد.

فمن العلماء المتقدمين في هذا الفن من استخدم جملة من المصطلحات في التعبير عن الوقف، وقصد بها معنىً واحدًا، كأبي حاتم السجستاني «وهو الإمام المقتدى به في هذا الفن» ، فقد ذكر عنه أبو محمد العماني أنه استعمل في كتابه ألقابًا كالتام والحسن والكافي والصالح والمفهوم، ولم يجعل كل لقبٍ منها مقصورًا على معنىً بعينه، كما هو الحال اليوم، ولكنه قصد بسائر الألقاب معنىً واحدًا، وهو أن الوقف يصلح في ذلك الموضع الذي يعبر عنه بلقبٍ من هذه الألقاب [3] .

ثم علق العَمَّاني على مثل هذا الصنيع قائلًا: فقد جعل الوقوف كلها بابًا واحدًا، وجعلها كلها تامةً لا فرق بين سائرها. وانتقد العماني نحو هذا على ابن الأنباري وعابه عليه، وذكر أنهبصنيعه هذا يكون مخالفًا لأهل هذه الصنعة فيما يختارونه، وليس بِمُرْضٍ، لأن تعاقب العبارة في التسمية لمسمىً واحدٍ مما يوقع اللبس.

ثم ذكر أن القوم قصدوا بهذه العبارات الفرق بين درجات الوقف ومنازلها في المعنى، فوجب أن تدل هذه العبارات على منازلها ودرجاتها لتوافق أغراضهم [4] .

وهذا شأن سائر العلوم في بداياتها، يدلي كلٌ بأحسنِ ما عنده، ثم يتواطئ سائرهم بعدُ على أحسنِ المصطلحات، وأبينِ الألقاب، وأوضحِ العبارات.

ثُمَّ استقرَّ الأمرُ بعد ذلك عند علماء الوقف، ففصَّلوا معاني الألقاب، وميزوا بين المصطلحات، وبيَّنُوها، وباينوا بينها، وجعلوا لكل مصطلحٍ معنىً مستقلًا ينفرد به عن غيره، ويتميز به عما سواه، -وإن كان قد جرى بينهم خلاف يسير في ذلك- على النحو الآتي:

(1) انظر: مقدمة المحقق لكتاب المكتفى للداني: 51.

(2) وقد ذكر ما هو موجود منها، ومكان وجوده، والمطبوع منها، ومكان طبعه، وتاريخه - حسب الإمكان - الدكتور: يوسف عبد الرحمن المرعشلي في مقدمة تحقيقه لكتاب المكتفى: (60 - 71) ، والدكتور عبد الكريم بن محمد العثمان في مقدمة تحقيق الوقف والابتداء للغزال: 1/ 7 - 21. وغيرهما.

(3) انظر: العماني، المرشد ص 12.

(4) انظر: العماني، المرشد ص 15، وقد قصد العماني بكلامه أبا بكرٍ الأنباري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت