الصفحة 7 من 32

لا ريبَ أن العربَ قد اهتمتْ بالوقفِ في كلامِها، وذلك نابعٌ من فصاحتِها، واعتنائها بالمعنى حتى يصلَ للسامعِ مبيَّنًا من غيرِ لبسٍ، بأجملِ عبارةٍ وأحسنِ أداءٍ.

"وهذا من أشدِّ ما حرصت عليه العرب في أداء عبارتها، واهتمت له في كلامها شعرِهِ ونثرِهِ."

ومن ذلك ما ذكره النحاس (ت:338 ه) عن أبي بكر الصديق (13 ه) رضي الله عنه أنه قال لرجلٍ معه ناقة: أتبيعها بكذا؟

فقال: لا، عافاك الله، فقال: لا تقل هكذا، ولكن قل: لا، وعافاك الله.

وإذا اسُتقبح مثل هذا في كلام يردده بعضنا، فاستقباحه واستفحاشه في كتاب الله تعالى أولى، وهو بالتوبيخ فيه والمقت عليه أحق وأحرى. [1]

قلتُ: وهذا فيه إشارةٌ جليةٌ لما يُسمى اليوم بـ الفواصل وعلامات الترقيم. التي يُعنى بها الباحثون والكُتَّابُ وطلاب الدراسات العليا ويجعلونها نصب أعينهم أثناء الكتابة؛ بل ويحاسبون عليها. وذلك لأن تفقد مقاطع الكلام في الكتابة كتفقدها في القراءة والخطابة والمحادثة، وغير ذلك. وكم من كتابٍ استعصى فهمه على قارئه بسبب عدم تفقد الفواصل وعلامات الترقيم. ورب كاتبٍ أساء -من حيث يدري أولا يدري- بسوء استخدامه لتلك العلامات والفواصل أو إهمالها وعدم تفقدها.

"ومما يبين ذلك ويوضحه ما رواه تميم بن طرفة (ت: 94 ه) -رحمه الله-، عن عدي بن حاتم الطائي (ت:68 ه) رضي الله عنه قال: جاء رجلان إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فتشهد أحدهما فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما .. . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بئس الخطيب أنت؛ فقم) ."

قال أبو جعفر النحاس:"كان ينبغي أن يصل كلامه فيقول: (ومن يعصهما فقد غوى) ، أو يقف على (فقد رشد) ."

فإذا كان هذا مكروهًا في الخطب، وفي الكلام الذي يكلم به بعض الناس بعضًا، كان في كتاب اللّه جلَّ وعزَّ أشدّ كراهية، وكان المنع من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الكلام بذلك أوكد" [2] ."

(1) ينظر: ا ابن النحاس (ت:338 ه) ، أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل تحقيق المطرودي، د. عبد الرحمن بن إبراهيم (1992 م) : القطع والائتناف، السعودية - الرياض، دار عالم الكتب، ط 1، ص:11.

(2) ينظر: ابن النحاس، تحقيق المطرودي (1992 م) : القطع والائتناف، مصدر سابق، ص 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت