والمراد من مثله ذاته المقدسة كما في قولهم مثلك لا يفعل كذا على قصد المبالغة في نفسه بطريق الكناية فانه اذا نفى عمن يناسبه ويسد مسده كان نفيه أولى وقيل مثل صفته أى ليس كصفته صفة والمخالفة بينه وبين سائر الذوات لذاته المخصوصة تعالى لا لأمر زائد هذا مذهب الاشعر وأول هذه الاية تنزيه واخرها اثبات قصدرها برد على المجسمة وعجزها يرد على المعط له النافيين لجميع الصفات وبدأ بالتنزيه ليستفاد منه نفى التشبيه له تعالى مطلقا حتى في السمع والبصر اللذين ذكرا بعد وقال أبو منصور التميمى اعترض بعض المشبهة على هذه الاية بأن قال ان هذه تقتضى اثبات مثل ونفى مثل عن ذلك المثل وهذا جهل منهم بكلام العرب في مخاطباتها مع انتقاضه في نفسه اما جهلهم بكلام العرب فلان العرب تزيد المثل تارة في الكلام وتزيد الكاف أخرى مع الاستغناء عنها وذلك كقول القائل لصاحبه أعرفك كالهين العاجز أى اعرفك هينا عاجزا وقال الشاعر*وقبلى كمثل جذوع النخيل *يغشاهم سيل منهم أراد انهم كجذوع النخل فزاد المثل صلة في الكلام وقال الاخر* فصيروا كمثل عصف مأكول* أراد مثل عصف فزاد الكاف وقد تزيد العرب الكاف على الكاف كقول الشاعر* وصاليات ككماتوثقى* أراد كما توثقنى فزاد عليه كافا فكذلك قوله ليس كمثله شئ الكاف فيه زائدة والمراد ليس مثله شئ ومعناه ليس شئ مثله وأما وجه مناقضة السؤال في نفسه فمن حيث ان السائل زعم ان له مثلا لا نظير له واذا لم يكن للمثل نظير بطل أن يكون مثلا له لان مثل الشئ يقتضى أن يكون المضاف اليه بالتماثل مثلا له وذلك متناقض واذا تناقض السؤال في نفسه لم يستحق جوابا (وانى يشبه) أى كيف يشبه (المخلوق خالقه والمقدور قدره والمصور مصوره والاجسام والاعراض كلها) أى ما سواء تعالى (من خلقه وصنعه) وابداعه (فاستحال القضاء عليها بمماثلته ومشابهته) اعلم ان أهل ملة الاسلام قد أطلقوا جميعا القول بأن صانع العالم لا يشبه شيأ من العالم وانه ليس له شبه ولا مثل ولا ضد وانه سبحانه موجود بلا تشبيه ولا تعطيل ثم اختلفوا بعد ذلك فيما بينهم فمنهم من اعتقد في التفصيل ما يوافق اعتقاده في الجملة ولم ينقض أصول التوحيد على نفسه بشئ من فروعه وهم المحققون من أهل السنة والجماعة أصاحب الحديث وأهل الرأى الذين تمسكوا بأصول الدين في التوحيد والنبؤات ولم يخلطوا مذاهبهم بشئ من البدع والضلالان المعروفة بالقدر والارجاء والتجسيم والتشبيه والرفض ونحو ذلك وعلى ذلك أئمة الدين جميعهم في الفقه والحديث والاجتهاد في الفتيا والاحكام كمالك والشافعى وأبى حنيفة والاوزاعى والثورى وفقهاء المدينة وجميع أئمة الحرمين وأهل الظاهر وكل من يعتبر خلافه في الفقه وبه قال أئمة الصفاتية المثبتة من المتكلمين كعبد الله بن سعيد القطان والحرث بن أسد المحاسبى وعبز العزيز المكى والحسين بن الفضل الجبلى وأبى العباس القلانسى وأبى الحسن الاشعرى ومن تبعهم من الموحدين الخارجين عن التشبيه والتعطيل واليه ذهب ايضا ائمة اهل التصوف كأبى سليمان الدارانى وأحمد بن أبى الحوارمى وسرى السقطى وابراهيم بن ادهم والفضيل ابن عياض والجنيد ورويم والنووى والحراز والخواص ومن جرى مجراهم دون من انتسب اليهم وهم بريئون منهم من الحاولية وغيرهم وعلى ذلك درج من سلف من أئمة المسلمين في الحديث كالزهرى وشعبة وقتادة وابن عيينة وعبد الرحمن بن مهدى ويحيى بن سعيد ويحيى بن معين وعلى بن المدائنى وأحمد ابن حنبل واسحق نراهويه ويحيى بن يحيى التميمى وجميع الحفاظ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين نقل قولهم في الجرح والتعديل والتمييز بين الصحيح والسقيم من الاخبار والاثار وكذلك الائمة الذين أخذت عنهم اللغة والنحو والقرأن واعراب القرأن كلهم كانوا على طريقة التوحيد من غير تشبيه ولا تعطيل كعيسى بن عمر الثقفى وأبى عمرو بن العلاء والخليل بن أحمد والاصمعى وأبى زيد الانصارى وعثمان المازنى وأحمد بن يحيى ثعلب وأبى شمر وابن السكيت وعلى بن حمزة الكسائى وابراهيم الحربى