فتصدق به ورجل له مال كثير فاخذ من عرضه مائة الف فتصدق بها فظاهر هذا السياق دال على ان المراد بذلك الاخبار بان الصدقة من القليل انفع وافضل منها من الكثير واليه جنح المناوى في شرحه على الجامع ناقلا ذلك عن صاحب المطاع ولا يخفى ان هذا الذى فهمه من الخبر غير الذى قرره المصنف وقرره بعضهم بوجه اخر فقال اذا اخرج الرجل من ماله مائة الف درهم وتصدق بها غير منشرح بذلك صدره واخرج اخر درهما واحدا من درهمين طيبة بها نفسه صار صاحب الدرهم الواحد افضل من صاحب مائة الف وهذا نقل عن اليافعى وهو ايضا موافق لسياق الجماعة وعندى انه لا تضاد في المعنيين الاولين فان الرجل اذا اخرج درهما واحدا وكان له درهمان فالغالب ان هذا من كسبه الذى ليس في معصية فهو من اطيب ما عنده والذى عنده مال كثير فالغالب عليه الشبهة لانه اكتسبه من جهات مختلفة فلا يخلوا من طريانها عليه فاذا اخرج منه فقد اخرج ما فيه من شبهة لانهم قالوا الحلال ضيق قليل فتامل ثم قال المصنف (وبذلك ذم الله قوما جعلوا لله ما يكرهون) وتصف السنتهم الكذب (فقال تعالى ويجعلون لله ما يكرهون وتصف السنتهم الكذب) حمل المصنف تابعا لصاحب القوت ان المراد بجعلهم ما يكرهون ما يقدمونه في سبيل الله من صدقة او هبه او هديه وعموم الايه لا يمنع من ذلك والذى اخرجه ابن ابى حاتم عن الضحاك في تفسير هذا القول يقول تجعلون لى البنات وتكرهون ذلك لانفسكم واخرج ابن ابى حاتم عن السدى في قوله ما يكرهون قال هن الجوارى واخرج ابن ابى شبيبة وابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم عن مجاهد في قوله وتصف السنتهم الكذب قال قول كفار قريش لنا البنون ولله البنات وهذه التفاسير كلها مواطئة لسياق الايه فان الله تعلاى قال قبل هذه الاية ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون (ان لهم الحسنى) جاء في تفسيره اى الغلمان رواه ابن جرير وعبد الرازق وابن المنذر وابن ابى حاتم عن قتادة قوله (لا وقف بعض القراء على النفى تكذيبا ثم ابتدا وقال) وعبارة القوت وفى الاية وقف غريب لا يعلمه الا الحذاق من اهل العربية يقف على لا فيكون نفيا لوصفهم ان لهم الحسنى ثم يستانف (جرم ان لهم النار اى كسب لهم جعلهم لله ما يكرهون) اى يجرمهم واكتسابهم وقال ابو محمد عبد السلام بن على بن عمر المالكى في كتاب الوقف والابتداء مثل ما ذكره صاحب القوت فقال قيل يجوز الوقف على لا في هذه الاية لما فيها من الرد عليهم وتكذيبهم فيما زعموا ان لهم الحسنى وشبهت لا هنا بكلا في موضع يكون الرد وحرم يبتدا بها بمعنى حقا وجبت لهم النار (الوظيفة الثامنة ان يطلب لصدقته من تزكو به الصدقة) اى تنمو (ولا يكتفى بان يكون من عموم الاصناف الثمانية) المذكورة في الاية (فان في عمومهم خصوصا فليراع خصوص تلك الصفات وهى ست الصفة الاولى) منها (ان يطلب الاتقياء) الاخفياء (المعرضين) بكمال شهودهم (عن) اعراض (الدنيا) الفانية (المتجردين) بكمال هممهم (لتجارة الاخرة) اخرجه ابو نعيم في الحلية من طريق ابى قلابة عن عبد الله بن عمر قال مر عمر بن الخطاب بمعاذ وهو يبكى فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول احب العباد الى الله الاتقياء الاخفياء الذين اذا غابوا لم يفتقدوا واذا شهدوا لم يعرفوا اولئك ائمة الهدى ومصابيح الظلم (قال صلى الله عليه وسلم لا تاكل الاطعام تقى ولا ياكل طعامك الا تقى) قال العراقى رواه ابو داود والترمذى من حديث ابى سعيد بلفظ لا تصحب الا مؤمنا ولا ياكل طعامك الا تقى ا هـ قلت وكذلك رواه ابن المبارك واحمد والدرامى وابو يعلى وابن حبان والحاكم والبيهقى والضياء وقال الترمذى حسن وفى الرياض اسناده لا باس به وقال الحاكم صحيح واقره الذهبى الا ان لفظهم لا تصاحب فالجملة الاخيرة من الحديث هى الموافقة لحديث ابى سعيد وانما نهى عن مواكلة غير تقى لان المطاعمة توجب الالفة وتؤدى الى المخالطة بل هى اوثق عرا المداخلة ومخالطة غير التقى تخل بالدين وتوقع في الشبهة والمحظورات فكانه نهى عن مخالطة الفجار اذ لا تخلو عن فساداما بمتابعة فعل او مسامحة في اغضاء عن منكر فان سلم من ذلك فلا يخطئه فتنته الغيرية ثم ذكر المصنف فقال (وهذا لان