لامور الدنيا والآخرة على ثلاثة اضرب فالاول هم المنهمكون في الدنيا بلا التفات منهم في العقبى وهم المسمون عبدة الطاغوت وشر الدواب ونحوها من الاسماء والثانى وهم المتوسطون وفوا الدارين حقهما والثالث هم المخالفون للقسم الاول يراعون العقبى من غير التفات منهم الى مصالح الدنيا (و) هؤلاء اقسام كثيرة أعظمهم حظا من (ساق) (اليه) رزقه (قدر حاجته) وكفايته وحاجة عياله وكفايتهم (على أيدى الاغنياء) اما من أهل القسم الاول أو من القسم الثانى (ليكون شغل المكسب والتعب في الجمع والحفظ عليهم) خاصة (وفائدته تنصب) وفى نسخة منصبة (الى الفقراء ليتجردوا) وفى نسخة فيتجردون (لعبادة الله تعالى) بتفريغ الخاطر (والاستعداد) أى التهيؤ (لما بعد الموت) وهؤلاء جعلوا الدنيا قنطرة فعبروها ولم يعمروها (فلا تصرفهم عن ذلك فضول الدنيا ولا تشغلهم عن التأهب الفاقة) والحاجة ومن وصفهم انهم لا يقدرون على تناول مباح حتى يضطروا اليه فيتحتم تناوله عليهم فيصير ما كان مباحا تناوله فرضا عليهم (وهذا منتهى النعمة) قد بلغوا مقصدهم المذكور في قوله تعالى وان الى ربك المنتهى (فحق الفقيران يعرف قدر نعمة الفقر) وما خصه الله به (ويتحقق ان فضل الله تعالى عليه فيما رواه عنه) أى أبعده (أكثر من فضله فيما أعطاه) ويتفرغ عنه مسألة هل الفقير افضل أو الغنى الشاكر (كما سيأتى في كتاب الفقر تحقيقه وبيانه فليأخذ ما يأخذه من) يد (الله سبحانه) بواسطة هذا العبد المعطى (رزقا له) سبق له بالهامه وايجابه (وعونا على الطاعة) ليجمع همومه ويجعلها هما واحدا (ولتكن نيته فيه) عند أخذه (ان يتقوى به على طاعة الله) عزوجل
(فان لم يقدر عليه فليصرفه الى ما أباحه الله تعالى) أى يقتصر منها لنفسه على تناول بلغته ويجعل الباقى مصروفا الى ما دعى اليه وهو اذا يصير بذلك من خلفاء الله (فان استعان به على معصية الله) وما فيه مخالفة أمر الله (كان كافر للنعمة مستحقا للبعد والمقت من الله تعالى) فيلتحق باهل القسم الاول وعد من الهالكين أعاذنا الله من ذلك بعونه ومنه (الثانية ان يشكر المعطى ويدعو له) بالخير (ويثنى عليه) فى ح يخصه بذلك شكرا لما أولاه (ويكون شكره ودعاؤه بحيث لا يخرج عن كونه) جعل (واسطة) للبر وسببا للخير (ولكنه طريق وصول نعمة الله اليه) والشكر له هو الدعاء له وحسن الثناء عليه فيكون قول المصنف ويدعوله ويثنى عليه بعد قوله ان يشكر من باب عطف التفسير (وللطريق حق من حيث جعله الله طريقا وواسطة) فى الظاهر وذلك لا ينافى رؤية النعمة من الله سبحانه فان الآخذ انما يأخذ ما يأخذه من يد الله فهو في شهوده هذا غير مستريب ولما كان ظهورها على يد هذا المعطى لزم شكره بحسب هذا الظهور فلا تنافى بين الشهودين (فقد قال صلى الله عليه وسلم من لم يشكر الناس لم يشكر الله) فان فيه اثبات حكم الوسائط واستعمال حسن الادب في الاظهار والتخلق باخلاق المنعم لانه أنعم عليهم ثم شكر لهم كرما منه فكذلك العبد الموقن يشهد يد مولاه في العطاء فحمده ثم شكر المنفقين اذ جعلهم مولاه سببا وظرفا لرزقه فقد امر المولى بشكر الناس فمن لم يشكرهم لم يطعه في امتثال امره والشكر انما يتم بمطاوعته فمن لم يطعه لم يكن مؤدبا شكره وقد وجه البيضاوى في الحديث وجها آخر فقال لان من لم يشكر الناس مع ما يرى من حرصهم على حب الثناء على الاحسان فاولى بان يتهاون في شكر من يستوى عنده الشكران والكفران والاول أقرب لسياق المصنف وهو الذى فهمه صاحب القوت وغيره ومن ثم اقتصر عليه القاضى أبو بكر بن العربى حيث قال الشكر في العربية اخبار عن النعمة المسداة الى المخبر وفائدته صرف النعم في الطاعة واصل النعم من الله والخلق وسائط وأسباب فالمنعم في الحقيقة هو الله فله الحمد والشكر فالحمد خبر عن حاله والشكر خبر عن انعامه وافضاله لكن أذن في الشكر للناس لما فيه من تأكيد المحبة والالفة اهـ قال العراقى رواه الترمذى وحسنه من حديث ابى سعيد وله ولأبى داود وابن حبان نحوه من حديث أبى هريرة وقال الترمذى حسن صحيح اهـ