فتح البارى انما ضرب المثل بالمهر لانه يزيد زيادة بينة ولان الصدقة نتاج العمل واحوج ما يكون النتاج الى التربية اذا كان فطيما فاذا أحسن العناية به انتهى الى حد الكمال وكذلك الصدقة فان العبد اذا تصدق من كسب طيب لا يزال نظر الله اليها يكسبها نعت الكمال حتى تنتهى الى نصاب يقع المناسبة بينه وبين ما قدم نسبة ما بين التمرة الى الجبل اهـ وفى كتاب الشريعة اعلم ان الطيب من الصدقات هو ان تتصدق بما تملكه عن طيب نفس مؤدى أمانة يسميها الشارع صدقة بلسان الظاهر وتكون يدك يد الله عند الاعطاء ولهذا قلنا أمانة فان أمثال هذا لا ينتفع بها خالقها وانما يستحقها من خلقت من أجله وهو لمخلوق فهى عند الله من الله أمانة لهذا العبد يؤديها اليه امامنه اليه واما على يد عبد آخر هذا أطيب الصدقات فاذا حصلت في يد المتصدق عليه أخذها الرحمن بيمينه ثم أعطاه اياها فمثل هذه الصدقة اذا أكلها المتصدق عليه اثمرت له نورا ويراها في الآخرة في ميزان من أعطاه فيقال له هذه ثمرة صدقتك فقدعادت بركتها عليك وعلى من تصدقت عليه فان صدقتك على زيد هى عين صدقتك على نفسك فان خيرها عليك يعود وأفضل الصدقات ما يتصدق به الانسان على نفسه فيحضر هذا المتصدق على أكمل الوجوه في نفسه فمثل هذه الصدقة لا يقال لمعطيها يوم القيامة من أين تصدقت ولا لمن أعطيت فانه بهذه المثابة فان كان الآخذ مثله في هذه المرتبة تساويا في السعادة وفضل المتصدق بدرجة واحدة لا غير وان لم يكن بهذه المثابة فيكون بحيث الصفة التى يقيمه الله فيها فان كانت الصدقة صدقة تطوع فهى منة الهية كونية فان كانت زكاة فرض فهى منة الهية فان كانت نذرا فهى الهية كونية قهرية فان النذر يستخرج به من البخيل وان كانت هذه الاعطية هدية فما هو من هذا الباب فانه مخصوص باعطاء ما هو صدقة لا غير فتكبر هذه الصدقة في كق الرحمن حسا ومعنى فالحس منها من حيث ما هى محسوسة فيجدها في الجنة حسية المشهد مرئية بالبصر والمعنى منها من حيث ما قام به من الكسب الحلال والتقوى فيه والمسارعة بها وطيب النفس بها عند خروجها ومشاهدته ما ذكرناه من الشئون الالهية فيها فيجدها في الكتب عند المشاهدة العامة ويجدها في كل زمان يمر عليه الموازن لزمن اخراجها وهو في الجنة فيختص من الله بمشهد في عين جنته لا يشهده الا من هو بهذه المثابة وكل من نزل عن صدقته عن هذه الدرجة كانت منزلته عند لله بمنتهى علمه وقصده والصدقة لا تكون الا من الاسم الغنى الشاكر ذى القوة المتين بطريق الامتنان غير طالب للشكر عليها فان اقترن معها طلب الشكر فليست من الاسم الغنى بل من الاسم المريد الحكيم العالم فان خطر للمتصدق ان يقرض الله قرضا حسنا بصدقته تلك مجيبا لامر الله فهذا البا أيضا يلحق بالصدقة لكونه مأمورا بالقرض وقد يكون القرض نفس الزكاة الواجبة فان طلب عوضا زائا ينتفع به على ما أقرض خرج عن حده قرضا وكانت صدقته غير موضوفه بالقرضية فانه لم يعط القرض المشروع فان الله تعالى لا ينهى عن الربا ويأخذه منا كذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فان كل قرض جر منفعة فهو ربا وهو ان يخطر له هذا عند الاعطاء فلا يعطيه الالهذا وللمعطى الذى هو المقترض أن يحسن في الوقاء ويزيد فوق ذلك ما شاء من غير أن يكون شرطا في نفس القرض فان الله يعاملنا بما شرع لنا لا بغير ذلك ألا تراه قد أمر نبيه ان يسأله يوم القيامة ان يحكم بالحق الذى بعثه به بين عباده وبينه فقال له قل رب احكم بالحق والالف واللام للحف المعهود الذى بعث به وعلى هذا تجرى أحوال الخلق يوم القيامة فمن أراد أن يرى حكم الله يوم القيامة فلينظر الى حكم الشرائع الالهية في الدنيا حذوك النعل بالنعل من غير زيادة ولا نقصان فكن على بصيرة من شرعك فانه عين الحق الذى اليه مالك ولا تغتر وكن على حذر وحسن الظن بربك واعرف مواقع خطابه في عباده من كتابه العزيز وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم اهـ (وقال صلى الله عليه وسلم لابى الدرداء) رضى الله عنه (اذا طبخت مرقة فاكثر ماءها ثم انظر أهل بيت من جيرانك فاصبهم منه) أى من مائها (بحروف) قال العراقى رواه مسلم من حديث أبى ذر