وعن المحاذاة ثم قال وقد نبغت نابغة من الرعاع لولا استزلالهم للعوام بما يقرب من افهامهم ويتصور في اوهامهم لاجللت هذا المكتوب عن تلطيخه بذكرهم يقولون نحن نأخذ بالظاهر ونجرى الايات الموهمة تشبيها والاخبار المقتضبة حدا وعضوا على الظاهر ولا يجوز ان نطرق التأويل الى شئ من ذلك ويتمسكون بقول الله تعالى وما يعلم تأويله الا الله وهؤلاء والذى ارواحنا بيده اضر على الاسلام من اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الاوثان لان ضلالات الكفار ظاهرة يتجنبها المسلمون وهؤلاء أتوا الدين والعوام من طريق يغتر به المستضعفون فأوحوا الى اوليائهم بهذه البدع واحلوا في قلوبهم وصف المعبود سبحانه بالاعضاء والجوارح والركوب والنزول والاتكاء والاستلقاء والاستواء بالذات والتردد في الجهات فمن أصغى الى ظاهرهم يبادر بوهمه الى تخيل المحسوسات فاعتقد الفضائح فسال به السيل وهو لا يدرى اهـ ثم ذكر المصنف المحال الذى يلزم من تفسير الاستواء بالاستقرار والتمكن فقال هو (كون المتمكن جسما مماسا للعرش اما مثله او اكبر منه او اصغر وذلك محال وما يؤدى الى المحال محال) وتحقيقه انه تعالى لو استقر على مكان أو حاذى مكانا لم يخل من ان يكون مثل المكان او اكبر منه او اصغر منه فان كان مثل المكان فهو اذا متشكل باشكال المكان حتى اذا كان المكان مربعا كان هو مربعا او كان مثلثا وذلك محال وان كان اكبر من المكان فبعضه على المكان ويشعر بذلك بانه متجزئ وله كل ينطوى على بعض وكان بحيث ينتسب اليه المكان بانه ربعه او خمسه وان كان أصغر من ذلك المكان بقدر لم يتميز عن ذلك المكان الا بتحديد وتتطرق اليه المساحة والتقدير وكل ما يؤدى الى جواز التقدير على البارى تعالى فتجوزه في حقه كفر من معتقده وكل من جاز عليه الكون بذاته على محل لم يتميز عن ذلك المحل الا بكون وقبح وصف البارى بالكون ومتى جاز عليه موازاة مكان او مماسته جاز عليه مباينته ومن جاز عليه المباينة والمماسة لم يكن الا حادثا وهل علمنا حدوث العالم الا بجواز المماسة والمباينة على اجزائه وقصارى الجهلة قولهم كيف يتصورموجود لا في محل وهذه الكلمة تصدر عن بدع وغوائل لا يعرف غورها وقعرها الا كل غواص على بحار الحقائق وهيهات طلب الكيفية حيث يستحيل محال والذى يدحض شبههم أن يقال لهم قبل ان يخلق العالم او المكان هل كان موجودا ام لا فمن ضرورة العقل ان يقول بلى فيلزمه لو صح قوله لا يعلم موجودا الا في مكان احد امرين اما ان يقول المكان والعرش والعالم قديم واما ان يقول الرب تعالى محدث وهذا مأل الجهلة والحثوية ليس القديم بالمحدث والمحدث بالقديم ونعوذ بالله من الحيرة في الدين قال ابن الهمام في المسايرة على نحو ماذكرنا في الاستواء يجرى كل ما ورد في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية في الشاهد كالاصبع والقدم واليد والعين فيجب الايمان به مصحوبا بالتنزيه فان كلا منها صفة له تعالى لا بمعنى الجارحة بل على وجه يليق به وهو سبحانه وتعالى اعلم به وقد يوؤل كل من ذلك لاجل صرف فهم العامة عن الجسمية وهو ممكن ان يراد ولا يجزم بارادته خصوصا على رأى اصحابنا يعنى الماتريديه انها من المتشابهات وحكم المتشابه انقطاع رجاء معرفة المراد منه في هذه الدار والا لكان قد علم اهـ قال تلميذه ابن أبى شريف وهذا بناء على القول بالوقف في الاية على قوله الا الله وهو قول الجمهور واعلم ان كلام امام الحرمين في الارشاد يميل الى طريق التأويل ولكنه في الرسالة النظامية اختار طريق التفويض حيث قال والذى نرتضيه رأيا وندين الله به عقدا اتباع السلف فانهم درجوا على ترك التعرض لمعانيها وكأنه رجع الى اختيار التفويض لتأخر الرسالة ومال الشيخ عز الدين بن عبد السلام الى التأويل فقال في فتاويه طريقة التأويل بشرطها أقربها الى الحق ويعنى بشرطها ان يكون على مقتضى لسان العرب وتوسط ابن دقيق العبد فقال نقبل التأويل بشرطها أقربها الى الحق ويعنى بشرطها أن يكون على مقتضى لسان العرب ونتوقف فيه اذا كان بعيد او جرى شيخنا المصنف يعنى ابن الهمام على التوسط بين أن تدعو الحاجة اليه لخلل في فهم العوام وبين أن لا تدعو الحاجة