كان ذلك جعلا منه بالله تعالى خارجا عن الحكمة لعاتبه كما عاتب نوحا عليه السلام بقوله انى أعظك أن تكون من الجاهلين حيث سأل انجاء ابنه من الغرق بل هذا أولى بالعتاب لان هذا لو كان جهلا منه بربه لبلغ مرتبة الكفر وذلك لم يبلغ هذه الرتبة فان قالوا مراده أرنى ايه من اياتك قلنا لو كان المراد كذلك لقال أنظر اليها ولقال لن ترى اياتى ومنها قوله لن ترانى فانه يقتضى نفى الوجود لا الجواز اذ لو كان ممتنع الرؤية لكان الجواب أن يقول لست بمرئى أولا تصح رؤيتى ولمالم يقل ذلك دل على انه مرئى اذ الموضع موضع الحاجة الى البيان ألا ترى أن من في كمه حجر فظنه انسان طعاما وقال له أعطنيه لاكله كان الجواب الصحيح انه لا يؤكل أما اذا كان طعاما صح أن يقول المجيب انك لن تأكله ويجوز على الانبياء الريب في أمر يتعلق بالغيب فيحمل على أن مااعتقد جائز ولكن ظن أن ما اعتقد جوازه تأخر فيرجع النفى في الجواب الى السؤال وقد سألها في الدنيا فينصرف النفى اليها اذ الجواب يكون على قضية السؤال فتأمل وأما الاستدلال عقلا فأِشار المصنف الى ذلك بقوله (وأما وجه اجراء اية الرؤية) وهى قوله تعالى الى ربها ناظرة (على الظاهر) فقد العقل على جوازه وذلك (انه غير مؤد الى المحال) فوجب أن لا يعدل عن الظاهر اذ العدول انما يجوز عند عدم امكانه لامع امكانه ثم علل قوله غير مؤد الى المحال بقوله (فان الرؤية نوع كشف وعلم) للمدرك بالمرئى يخلق الله هذا النوع عند مقابلة الحاسة للمرئى بحسب ما جرت به العادة الالهية (الا انه أتم وأوضح من العلم) أى ان مسمى الرؤية هو الادراك المشتمل على الزيادة على الادراك الذى هو على جلى كما قدما أول هذا الاصل اذ هو العلم الذى لا ينقص منه قدر من الادراك (فاذا جاز تعلق العلم به) من غير أن ينقص منه قدر من الادراك (وليس في جهة) أى من غير مقابلة بين الباصرة والمرئى في جهة مع تلك المقابلة مسافة خاصة بين الحاسة والمرئى الكائن في تلك الجهة ومن غير احاطة بمجموع المرئى (جاز تعلق الرؤية به وليس بجهة) وقولى من غير مقابلة الخ فيه دفع لقول المعتزلة والحكماء القائلين بان من شرائط الرؤية مقابلة المرئى للباصرة في جهة من الجهات وقولى مع تلك المقابلة مسافة خاصة رد على قولهم ان من شرائط الرؤية عدم غاية البعد بحيث ينقطع ادراك الباصرة وعدم غاية القرب فان المبصراذا التصق بسطح البصر بطل ادراكه بالكلية ولذلك لا يرى باطن الاجفان وقولى من غير احاطة بمجموع المرئى اشارة الى نفى كون الرؤية تستلزم الاحاطة بالمرئى لتكون ممتنعة في حقه تعالى لانه لا يحاط به قال تعالى ولا يحيطون به علما والحاصل انه يجوز عقلا أن يخلق القدر المذكور من العلم في الحى على وفق مشيئته تعالى من غير مقابلة لجهة أخرى وقولى بمجموع المرئى فيه تنبيه على انه اذا اثبت أن المجموع المتركب من أجزاء متناهية برى دون احاطة فالذات المنزهة عن التركيب والتناهى والحدود والجهة أولى بان تنفلت رؤيتها عن الاحاطة والدليل على جواز أن يخلق الله قدرا من العلم من غير مقابلة بحاسة البصر أصلا ماورد في الصحيحين من حديث أنس رفعه أتموا صفوفكم فانى ارأكم من وراء ظهرى وعند البخارى وحده عن أنس أقيموا صفوفكم وتراسوا وعند النسائى استووا استووا استووا فوالذى بيدء انى أراكم من خلفى كما أراكم من بين يدى والدليل على قولنا من غير احاطة رؤيتنا السماء فانا نراها ولا نحيط بها وقد ظهر مما تقدم أن المصنف استدل لجواز الرؤية من غير جهة صريحا ومن غير احاطة ضمنا بوقوع أمور ثلاثة الأول والثالث منها لجوزاها من غير مقابلة لجهة ومن غير مسافة خاصة والثانى لجوزاها من غير احاطة وقد أشرنا الى الأول والثانى وأشار الى الثالث بقوله (وكما يجوز أن يرى الله تعالى الخلق) أى كون ذلك القدر من العلم المسمى بالرؤية مشبها في كونه دون مقابلة رؤية الله تعالى ايانا فانه تعالى يرى خلقه (وليس في مقابلتهم) فى جهة باتفاق منا ومن المعتزلة (جاز أن يراه الخلق من غير مقابلة) فالرؤية نسبة خاصة بين طرفى راء ومرئى