الصفحة 114 من 5957

كان ذلك جعلا منه بالله تعالى خارجا عن الحكمة لعاتبه كما عاتب نوحا عليه السلام بقوله انى أعظك أن تكون من الجاهلين حيث سأل انجاء ابنه من الغرق بل هذا أولى بالعتاب لان هذا لو كان جهلا منه بربه لبلغ مرتبة الكفر وذلك لم يبلغ هذه الرتبة فان قالوا مراده أرنى ايه من اياتك قلنا لو كان المراد كذلك لقال أنظر اليها ولقال لن ترى اياتى ومنها قوله لن ترانى فانه يقتضى نفى الوجود لا الجواز اذ لو كان ممتنع الرؤية لكان الجواب أن يقول لست بمرئى أولا تصح رؤيتى ولمالم يقل ذلك دل على انه مرئى اذ الموضع موضع الحاجة الى البيان ألا ترى أن من في كمه حجر فظنه انسان طعاما وقال له أعطنيه لاكله كان الجواب الصحيح انه لا يؤكل أما اذا كان طعاما صح أن يقول المجيب انك لن تأكله ويجوز على الانبياء الريب في أمر يتعلق بالغيب فيحمل على أن مااعتقد جائز ولكن ظن أن ما اعتقد جوازه تأخر فيرجع النفى في الجواب الى السؤال وقد سألها في الدنيا فينصرف النفى اليها اذ الجواب يكون على قضية السؤال فتأمل وأما الاستدلال عقلا فأِشار المصنف الى ذلك بقوله (وأما وجه اجراء اية الرؤية) وهى قوله تعالى الى ربها ناظرة (على الظاهر) فقد العقل على جوازه وذلك (انه غير مؤد الى المحال) فوجب أن لا يعدل عن الظاهر اذ العدول انما يجوز عند عدم امكانه لامع امكانه ثم علل قوله غير مؤد الى المحال بقوله (فان الرؤية نوع كشف وعلم) للمدرك بالمرئى يخلق الله هذا النوع عند مقابلة الحاسة للمرئى بحسب ما جرت به العادة الالهية (الا انه أتم وأوضح من العلم) أى ان مسمى الرؤية هو الادراك المشتمل على الزيادة على الادراك الذى هو على جلى كما قدما أول هذا الاصل اذ هو العلم الذى لا ينقص منه قدر من الادراك (فاذا جاز تعلق العلم به) من غير أن ينقص منه قدر من الادراك (وليس في جهة) أى من غير مقابلة بين الباصرة والمرئى في جهة مع تلك المقابلة مسافة خاصة بين الحاسة والمرئى الكائن في تلك الجهة ومن غير احاطة بمجموع المرئى (جاز تعلق الرؤية به وليس بجهة) وقولى من غير مقابلة الخ فيه دفع لقول المعتزلة والحكماء القائلين بان من شرائط الرؤية مقابلة المرئى للباصرة في جهة من الجهات وقولى مع تلك المقابلة مسافة خاصة رد على قولهم ان من شرائط الرؤية عدم غاية البعد بحيث ينقطع ادراك الباصرة وعدم غاية القرب فان المبصراذا التصق بسطح البصر بطل ادراكه بالكلية ولذلك لا يرى باطن الاجفان وقولى من غير احاطة بمجموع المرئى اشارة الى نفى كون الرؤية تستلزم الاحاطة بالمرئى لتكون ممتنعة في حقه تعالى لانه لا يحاط به قال تعالى ولا يحيطون به علما والحاصل انه يجوز عقلا أن يخلق القدر المذكور من العلم في الحى على وفق مشيئته تعالى من غير مقابلة لجهة أخرى وقولى بمجموع المرئى فيه تنبيه على انه اذا اثبت أن المجموع المتركب من أجزاء متناهية برى دون احاطة فالذات المنزهة عن التركيب والتناهى والحدود والجهة أولى بان تنفلت رؤيتها عن الاحاطة والدليل على جواز أن يخلق الله قدرا من العلم من غير مقابلة بحاسة البصر أصلا ماورد في الصحيحين من حديث أنس رفعه أتموا صفوفكم فانى ارأكم من وراء ظهرى وعند البخارى وحده عن أنس أقيموا صفوفكم وتراسوا وعند النسائى استووا استووا استووا فوالذى بيدء انى أراكم من خلفى كما أراكم من بين يدى والدليل على قولنا من غير احاطة رؤيتنا السماء فانا نراها ولا نحيط بها وقد ظهر مما تقدم أن المصنف استدل لجواز الرؤية من غير جهة صريحا ومن غير احاطة ضمنا بوقوع أمور ثلاثة الأول والثالث منها لجوزاها من غير مقابلة لجهة ومن غير مسافة خاصة والثانى لجوزاها من غير احاطة وقد أشرنا الى الأول والثانى وأشار الى الثالث بقوله (وكما يجوز أن يرى الله تعالى الخلق) أى كون ذلك القدر من العلم المسمى بالرؤية مشبها في كونه دون مقابلة رؤية الله تعالى ايانا فانه تعالى يرى خلقه (وليس في مقابلتهم) فى جهة باتفاق منا ومن المعتزلة (جاز أن يراه الخلق من غير مقابلة) فالرؤية نسبة خاصة بين طرفى راء ومرئى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت