فلهذا أخرج العالم مستديرا على صورة الامر الذى هو عليه في نفسه حتى في الاشكال ولما كان التجلى الاعظم العام يشبه طلوع الشمس يكون الاعتكاف العام قيل للمعتكف مع اسم ما الهى ادخل معتكفك في وقت ظهور علامة التجلى الاعظم الذى هو طلوع الفجر حتى لا يقيدك هذا الاسم الالهى الذى أقمت معه أو تريد الاقامة معه عن التجلى الاعظم وهو طلوع الشمس فتجمع في اعتكافك بين المتقييد و الاطلاق ثم اعلم ان الاقامة مع الله انما هو أمر معنوى لا أمر حسى فلا يقام مع الله الا بالقلب ويقام بالحسر مع أفعال البر وقد يكون من أفعال البر ملاحظة ... النفس ليؤدى اليها حقها المشروع لها وقد يؤثر نفسه بايصال الخير لها بأن يكلفها بعض مصالحه بما يرجع خيره اليها كخروج المعتكف الى حاجة الانسان وقباله من كان من نسائه ليصلح بعض شأنه في حال اقامته والمعتكف اذا انتقل لحاجة الانسان من وضوء ومالابد منه فان ذلك كله من حكم الاسم الذى أقام معه في مدة اعتكافه وما من شأن المعتكف تشييع الزائر فما تحرك لذلك الامن حكم الاسم الذى حرك الزائر لزيارة هذا المعتكف فالعين لا تعرف الا انها زائرة لقضاء غرضها من رؤيته والاسم الذى هو محركها من وراء حجاب حاجتها مطلبه اظهار عين سلطانه والله اعلم
* (الفصل الثانى في أسرار الصوم) * ومهماته (وشروطه الباطنة) ولما فرغ من بيان الشروط الظاهرة للصوم مما يتعلق به انظر الفقيه اتفاقا واختلافا فاشرع في ذكر الشروط الباطنة له فقال (اعلم) وفقك الله تعالى (ان للصوم ثلاث درجات صوم العموم وصوم الخصوص وصوم خصوص الخصوص اما صوم العموم) وهم عامة الناس (فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة) فى الاكل والشرب والجماع (كما سبق تفصيله) قريبا (وأما صوم الخصوص) وهم خاصة الناس (فهو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح) أى باقيها وهى ستة الخمسة المذكورة والفرج (عن الآثام) فكف السمع عن الاصغاء الى ما نهى عنه وكف البصر عن النظر الى ما نهى عنه و كف اللسان عن الخوض فيما لايعنى وكف اليد عن البطش فيما لا يحل و كف الرجل عن نقلها الى محظور وكف الفرج عن المحرمات فمن صام تطوعا بهذه الجوارح الست وافطر بجارحتى الاكل والشرب والجماع فهو عند الله من الصائمين في الفضل لانه من الموقنين الحافظين للحدود ومن أفطر بهذه الست أو ببعضها وصام بجارحتى البطن والفرج فما ضيع أكثر مما حفظ فهذا مفطر عند العلماء صائم عند نفسه (وأما صوم خصوص الخصوص) وهم خاصة الخاصة (فصوم القلب) أى صونه وحفظه
(عن الهمم الدنية) أو الخسيسة الردية (والافكار الدنيوية) والخواطر الشهوانية (وكفه عنها سوى الله تعالى بالكلية) وذلك يحصل بمراعاة القلب وحفظه الانفاس بان يعكف الهمم عليه فيقطع الخواطر والافكار يترك التمنى الذى لا يجدى (ويحصل الفطر في هذا العموم بالتفكر فيما سوى الله تعالى و) فيما سوى (اليوم الآخر) بجميع ما يتعلق به (وبالتفكر فى) أمور (الدنيا) عامتها (الا دنيا تراد للدين) ويستعان بها في التوصل اليه (فان ذلك زاد الآخرة و ليس من أمور الدنيا) بل هو عند أهل الله بحدود من الدين (حتى قال أرباب القلوب من تحركت همته بالتصرف) أى التقلب للاكتساب (فى نهاره لتدبيرما يفطرعليه) وفى بعض النسخ بالتدبير فيما يفطر عليه (كتبت عليه خطيئة) ولفظ القوت ولا يهتم لعشائه قبل محل وقته يقال ان الصائم اذا اهتم بعشائه قبل محل وقته أو من أول النهار كتبت عليه خطيئة اهـ وفى العوارف أدب الصوفية في العموم ضبط الظاهر والباطن وكف الجوارح عن الآثام كمنع النفس عن الاهتمام بالطعام ثم كف النفس عن الاهتمام بالاقسام سمعت ان بعض الصالحين بالعراق كان طريقه وطريق أصحابه انهم كانوا يصومون كلما فتح عليهم بشئ قبل وقت الافطار يخرجونه ولا يفطرون الا على ما فتح لهم وقت الافطار اهـ (فان ذلك) أى الكد من أول النهار على تحصيل ما يفطر عليه ينشأ (من قلة الوثوق) أى الاعتماد (بفضلالله وقلة اليقين برزقه الموعود) له