الصفحة 1162 من 5957

سائر الافعال والاقوال الى الضرورة والنفس من طبعها انها اذا قهرت لله تعالى في شئ واحد على الضرورة تأدى ذلك الى سائر أحوالها فيصير الاكل ضرورة والنوم ضرورة والقول والفعل ضرورة وهذا باب كبير من أبواب الخير لاهل الله تعالى يجب رعايته وافتقاده ولا يخص بعلم الضرورة وفائدتها وطلبها الا عبد يريد الله أن يقربه ويدنية ويصطفيه ويزيده اهـ (بل من الآداب أن لا يكثر النوم بالنهار) تعللا بظاهر الحديث الذى تقدم ذكره نوم الصائم عبادة وصمته وتسبيح (حتى يحس بالجوع والعطش و يستشعر) من نفسه (ضعف القوى) ولا يكون النوم عبادة الا اذا دفع اليه ضرورة أو قصد به التقوى على قيام الليل وأما اذا نوى به تقصير المسافة كما هو عليه عامة الناس بل وخاصتهم اليوم فلا الا أن يكون ممن يخالطه الناس كثيرا فيخاف على نفسه من صدور شئ من الجوارح من المخالفات فيختار النوم فيكون حينئذ عبادة (فيصفو عند ذلك قلبه) ويرق لتلقى الانوار الملكوتية (ويستديم في كل ليلة قدرا من ملكوت السماء) وهو العالم العلوى و يشهد لذلك قول المصنف في موضع آخر اذا صار السالك في سماء الدنيا أمن خاطر الشيطان وعصم منه وقال الشيخ شمس الدين بن سود كين سألت الشيخ الاكبر قدس سره عن معنى هذا الكلام فقال هنا تحقيق ينبغى أن يتفطن له و ذلك ان القول انما يثبت اذا صار الجسد فوق سماء الدنيا اذا مات الانسان وانتقلت نفسه وأما اذا كان في عالم الكشف وكذا كشف السموات فانه فيها بروحانية فقط وخياله متصل وللشيطان موازين يعلم بها أين مقام العبد من ذلك المشهد فيظهر له من مناسبة المقام مايدخل عليه به الوهم والشبهة فان كان عند السالك ضعف أخذ منه وتحقق بالجهل ونال الشيطان منه غرضه في ذلك الوقت وان كان السالك عارفا أو على يد شيخ محقق فان تم سلوكا يثبت به ما جاء به الشيطان ويستو فيه ثم يأخذ منه فيصير ذلك المشهد الشيطانى مشهدا عليك ثابتا لا يقدر الشيطان أن يدفعه فيذهب خاسرا خاسئا فيجتهد في التخيل ويدقق الحيلة في أمر آخر يقيم له فيفعل به السالك ذلك الفعل أبدا اهـ واذا لم يحم على قلبه بادخال الوهم والشبهة نظر عجائب الملكوت العلوى (وليلة القدر) عند أهل الله العارفين (عبارة عن الليلة التى ينكشف) و ينجلى (فيها شئ من أسرار الملكوت) الاعلى (وهو المراد بقوله تعالى انا انزلناه في ليلة القدر) ومن جملة أسرار ذلك العالم تقدير الاشياء على ما هى عليه في جرى نظام العالم (ومن جعل بين قلبه وبين صدره مخلاة من الطعام) والشراب (فهو عنه) أى عن عالم الملكوت (محجوب) ممنوع أى عن مشاهدته (ومن أخلى معدته) عن الطعام والشراب (فلا يكفيه ذلك) القدر والاقتصار عليه (لرفع الحجاب) الظلمانى (ما لم تخل همته عن غير الله عز وجل) بكليتها (وذلك) أى اخلاء الهمة عما سواه (هو الامر كله) والشأن الاعظم في وصول السالك (ومبدأ جميع ذلك تقليل الطعام) واخلاء المعدة عنه (وسيأتى له مزيد بيان في كتاب الاطعمة ان شاء الله تعالى) وقد خلط في هذا المقام ناس كثيرون حتى ظنوا ان الجوع غاية مقام السالك ولم ينظروا وراءه ولذلك قال أبو عبد الرحمن السلمى الجوع من مغاليط الصوفيه بمعنى ان المراد من السالك قطع الشواغل ولا شك ولا خفاء ان الجوع من جملة الشواغل فاذا أعطيت النفس القوام الذى جعله الشارع نصيبها كان أولى قال ابن سودكين سمعت الشيخ الاكبر قدس سره يقول نظرنا في المتروكات و ما تركت لاجله مما ارتبط بتركها من ذلك العلم فلم نر للجوع أثرا في مقصد اللطيفة الانسانية وانما رأينا اأثره يعود على تحصيل الثواب في الآخرة وتوفير اللذة الذوقية على الروح الحيوانى و ذلك ان الحق سبحانه ما جعل لك من هذه الا ما فيه القوام مما لا بد لك منه في قوام البنية فاذا طلب الزيادة واللذة والتنعم مما يؤخذ من ذلك النصيب نال الا ان هنا نكتة وهو انه من لبس هذا الثوب مثلا يتنعم به نقص من ذلك من نعيمه في الآخرة وكذلك في أكله وشربه وغير ذلك ومن لبسه بغير هذا القصد وهو لا يتأثر بنعيمه فلا ينقص ذلك من حقه في آخرته وقد كان صلى الله عليه وسلم يهدى اليه الثوب الحسن فيلبسه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت