وعلامة صاحب هذه الدرجة انه متى أخرج عن ذلك لا يتأثر فان كان وان لنفسه به تعلقا فمثل هذا ينقص نصيبه وهذا في مقام الروح الحيوانى فمن جاع وتزهد على ان نصيبه يتضاعف ويتوفر له في الدار الآخرة فهذا صحيح مسلم كما قيل لبعضهم كل يامن لم يأكل واشرب ويامن لم يشرب ويعطى كل واحد من مناسبة عمله فاما الطبيعة الروحانية التى تتنعم بالعلوم الالهية فليس هذا بابها وانما بابها قطع الشواغل وترك الفضول وتعلق الهمة بالله تعالى و انما حلهم على الجوع أن تضعف القوى فيقل فضول النفس بهذا السبب وقد رأينا الرجل اذا قوى ترد عليه الموارد الالهية في شبعه وجوعه وفى خلوته وجلوته فلو كان الجوع شر طالما صح زواله ولكان الوارد يتوقف على الشرط بل متى ورد صادقا فيما يصف لكن لا يكون لكشفه نتيجة ولا فائد و أما اذا كان الوارد هو الذى يعمر المحل حيث يبقى الانسان عشرين يوما مثلا لا يأكل فذلك المقصود ولا يسمى السالك حينئذ جائعا لانه مستغن عن الطعام بالوارد ليس عنده مطالبة فهو شبعان غير جيعان والله أعلم (السادس أن يكون قلبه بعد الافطار) من صومه (معلقا) بالله (مضطربا بين الخوف) من عدم قبوله (والرجاء) فى قبوله (اذ ليس يدرى أيقبل صومه) عند الله (فهو) اذا (من المقربين) فى حضرته (أو يرد عليه) لما عسى ان داخله بعض ما نهى عنه (فهو من الممقوتين) المبغوضين (و) ليس هذا خاصا في الصوم بل (ليكن كذلك في آخر كل عبادة) حين (يفرغ منها فقد روى عن الحسن) بن يسار (البصرى) رحمه الله (انه مر يوم العيد بقوم وهم يضحكون) ويلعبون (فقال ان الله عز وجل جعل شهر رمضان مضمارا) هو الميدان الذى تمتحن فيه السباق من الخيل من اللاحقين (لحلقه) أى جعله كالمضمار لهم (يستبقون فيه لطاعته فسبق أقوام ففازوا وتخلف أقوام فخافوا فالعجب كل العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذى فاز فيه المسارعون وخاب فيه المبطلون) هكذا في النسخ ولو كان المبطؤن فهو أنسب (اما والله لوكشف الغطاء) عن الحقائق (لاشتغل المحسن باحسانه و اشتغل المسئ باساءته) وهذا قد أورده صاحب القوت وصاحب الحلية (أى سرور المقبول يشغله عن اللعب) اذا المقبول لو علم انه مقبول فسروره لذلك يمنعه عن الضحك واللعب (وحسرة المردود تسد عن باب الضحك) أى لو علم انه قدر رد عمله هذا فيتحسر على ذلك فلا يليق الانبساط (وعن الاحنف بن قيس) تقدمت ترجمته في آخر سر الطهارة (انه قيل له انك شيخ كبير وان الصيام يضعفك) أى يورثك ضعف القوة (فقال انى أعده لسفر طويل) أى أهيئه زاد السفر الآخرة (والصبر على طاعته أهون من الصبر على عذابه فهذه) و أمثالها (هى المعانى الباطنة في الصوم) كالمعانى الباطنة في الصلاة التى ذكرت (فان قلت فان اقتصر) فى صومه (على كف شهوة البطن والفرج) فقط (وترك هذه المعانى) التى ذكرت (وقد قال الفقهاء) انه (صومه صحيح) وأفتوا بذلك (فما معناه) وماسره (فاعلم أن فقهاء الظاهر مثبتون شروط الظاهر بادلة هى أضعف من هذه الادلة التى أوردناها في هذه الشروط الباطنة لاسيما الغيبة وأمثالها) كالكذب والنميمة والمراء الباطل (ولكن ليس الى فقهاء الظاهر من التكليف الا ما تيسر) أى سهل (على عموم الغافلين) أى عامتهم (المقبلين على الدنيا) المنهمكين على شهواتها (الدخول تحته) أى التكليف والدخول بالرفع على انه فاعل تيسر (فاما حكماء الآخرة) المقبلون عليها (فيعنون بالصحة) فى العمل (القبول وبالقبول الوصول الى المقصود) الذى هو القرب من الله تعالى (ويفهمون أن المقصود من الصوم التخلق بخلق من أخلاق الله تعالى وهو الصمدية) أى التحلى بمعنى من معانى أسمائه تعالى فيه كمال العبد وحظوظ المقربين من هذا المعنى ثلاثة * الاول معرفة على سبيل المكاشفة والمشاهدة حتى تتضح لهم الحقيقة بالبرهان الذى لا يجوز فيه الخطأ وينكشف لهم انصاف الله تعالى بصفة الصمدية انكشافا يجرى في الوضوح والبيان مجرى اليقين (و) الثانى (الاقتداء بالملائكة) الكرام المقربين